* أما الأصول التي لم أعتمد عليها، فهي (١):
١ - نسخة مكتبة أحمد الثالث، ضمن متحف طوبقبو سراي، برقم (٥٤٤)، في ٢٠٠ ورقة، كتبت سنة ١٢١٠ (٢).
٢ - نسخة المكتبة المحمودية، في مجلد واحد، بخط نسخي، في ٤٥٠ ورقة، بلا تاريخ نسخ، ومخرومة من آخرها، ومقاسها (٣١ × ٢٢) (٣).
٣ - نسخة المكتبة القادرية بالموصل، برقم (١٤٢٧/ ١)، وتقع في ١٨٧ ورقة، كتبت سنة ١٣٠٣، بخط محمد بن علي بن الملا الحنفي البغدادي.
وهي منقولةٌ عن نسخة مكتبة الأوقاف السابقة، وعليها خط محمود شكري الآلوسي (ت: ١٣٤٢)، وعنها طبع الكتاب طبعته الأولى بمطبعة السعادة.
٤ - نسخة المكتبة الخالدية بالقدس، برقم [٢٩ (١)].
٥ - نسخة مكتبة الرياض، وهي الآن في مكتبة الملك فهد الوطنية، برقم (٤٠٧/ ٨٦)، في ٢٢٠ ورقة، كتبها الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، سنة ١٣١٠. وهي
_________
(١) استفدت بيانات النسختين (٣، ٤) من الثبت الذي صنعه أخي الشيخ البحاثة محمد عزير شمس لمؤلفات ابن القيم، ولم يطبع بعد. وفي "خزانة التراث" الصادرة عن مركز الملك فيصل إشارةٌ إلى نسخة للكتاب في المكتبة الأزهرية برقم (٤٨٩)، وإنما هي مطبوعة السعادة، كما في فهرس المكتبة (٣/ ٧٤٣).
(٢) "معجم المخطوطات الموجودة في مكتبات استانبول وآناطولي" (١١٠٢).
(٣) "فهرس المحمودية" (٧٥).
стр. 72
تمثل نصف الكتاب، كالنسختين (ح) و (ن).
٦ - نسخة دارة الملك عبد العزيز، بالرياض، برقم (المنيع/ ٢) في ١٣٦ ورقة، منسوخة سنة ١٣١١، بيد زيد بن عبد الله الناصر، الجزء الأول منه، ينتهي بقوله: "ولكن الله يطلع من شاء من خلقه على من شاء منه، فاعتصم بالله ثم بهذا الأصل"، كالنسخة السابقة.
٧ - نسخة دارة الملك عبد العزيز، بالرياض، برقم (السلمان/ ١) في ١٧٧ ورقة، منسوخة سنة ١٣١٢، بيد عبد الله بن عبد الرحمن بن سلمان، الجزء الأول منه، ينتهي كنهاية النسخ السابقة.
* أما ما نُسِب في بعض الفهارس ضِلَّة، فهو:
١ - نسخة مكتبة الأوقاف العامة، ببغداد، برقم (٧٠٥٤)، وأصلها من المكتبة النعمانية. وكتب الناسخ عنوانها هكذا: "كتاب سفر السعادة للإمام ... العلامة ابن قيم الجوزية تغمده الله برحمته آمين".
وكتب أحدهم على غلافها الخارجي: "مفتاح دار السعادة للعلامة ابن القيم رحمه الله تعالى، وهو في بابه فريد".
وإنما هي نسخةٌ متأخرةٌ لكتاب "سفر السعادة" للفيروزابادي.
وكتب نعمان الآلوسي أسفل صفحة العنوان: "للفقير نعمان مفتي زاده الآلوسي البغدادي ٢٥ جمادى سنة ١٢٩٩"، وفوقه بخطٍّ يشبه خطَّه: "الظاهر أنه لصاحب القاموس". وتحته ختم المكتبة النعمانية.
٢ - نسخة مكتبة أحمد الثالث، ضمن متحف طوبقبو سراي بتركيا، برقم (٢/ ١٣٧٢. أ. ٥١٤١).
стр. 73
والموجود بهذا الرقم في المكتبة إنما هو كتاب "مفتاح السعادة ومصباح السيادة" لطاش كبري زاده، وقد تأكدنا من ذلك مرتين، مع أن المفهرس وصفها بأنها مكتوبة سنة ٧٧٥، وأنها تقع في ٢٧٥ ورقة، وتبدأ بقوله: "فصل: وفي هذه الآلات مآرب أخرى ... ".
فيشبه أن تكون هذه القطعة أعطيت رقمًا جديدًا لم نهتد إليه.
[ومن نسخ المفتاح التي لم تصلنا: نسخة أوقفها يوسف بن عبد الهادي فيما أوقف من كتبه. انظر: فهرست كتبه الموقوفة (ق ٨/و)].
* * *
стр. 74
طبعات الكتاب ومختصراته
* طبعات الكتاب:
طبع الكتاب أول مرة بمطبعة السعادة في القاهرة سنة ١٣٢٣, عن نسختين خطيتين: بعث بالأولى من العراق الشيخ محمود شكري الآلوسي, وعليها علامة المقابلة بخطه, وهي نسخة المكتبة القادرية بالموصل المكتوبة سنة ١٣٠٣ المنقولة عن نسخة مكتبة الأوقاف, والثانية من دار السعادة العلية (إصطنبول) ولم يذكر تاريخ نسخها ومن أي مكتباتها.
وفي هذه الطبعة تحريفٌ كثير وسقطٌ في مواضع عديدة.
ثم توالت طبعات الكتاب معتمدة على تلك الطبعة وما نُشِر عنها بعجرها وبجرها, دون معارضته على أصوله الخطية العتيقة, ومقابلة نقوله على مصادرها, وتقويم ما تحرَّف من نصوصه, وخدمته على النهج العلمي في نشر النصوص.
ومن تلك الطبعات:
- طبعة مكتبة محمد علي صبيح.
- طبعة مكتبة الأزهر, تصحيح محمود ربيع.
- طبعة مكتبة الرياض الحديثة.
- طبعة دار الجيل, تحقيق عصام الحرستاني وحسان عبد المنان.
- طبعة المكتبة العصرية, تحقيق الداني بن منير آل زهوي.
- طبعة دار الحديث.
стр. 75
- طبعة دار الكتاب العربي, تحقيق محمد الإسكندراني.
- طبعة دار ابن حزم.
- طبعة دار الكتب العلمية.
- طبعة دار الفكر.
وكان من آخر طبعات الكتاب طبعتان:
الأولى: طبعة دار ابن عفان, بتحقيق علي حسن الحلبي, واعتمد على طبعة السعادة أو ما نُشِر عنها, فجاءت كهي في التحريف والسقط, وأضاف إليها تحريفات جديدة وأغلاطًا في الضبط وتعليقات ليست من العلم في شيء, ولا أثر في عمله لما زعم أنه رجع إليه من النسخ الخطية على تأخر زمانها.
والثانية: طبعة دار ابن خزيمة, بتحقيق عامر علي ياسين, واعتمد كذلك على المطبوعة، وقابل نصفها تقريبًا على قطعة خطية متأخرة من النسخ النجدية, واجتهد في التعليق على القضايا الطبية ونحوها بما استجد من علوم العصر, وحاول إصلاح ما استشكله من عبارات الكتاب, لكنه أسرف في التغيير والزيادة, وبقي السقط والتحريف على حاله في مواضع كثيرة.
ولم تعتن الطبعتان بتوثيق النقول ومقابلتها, وتخريج النصوص سوى الأحاديث المرفوعة.
وقد أفردتهما بكلمة ضربت فيها بعض المُثل لما أوجزت هنا (١).
_________
(١) نشرت في "ملتقى أهل الحديث" و "الألوكة" على شبكة الانترنت.
стр. 76
* مختصرات الكتاب ومختاراته:
- غاية المرام والإفادة المختار من مفتاح دار السعادة , اختاره أحمد بن علوي بن حمزة الحنبلي سنة ٨١٨ , وسبق وصف نسخته الخطية.
- تنقيح الإفادة المنتقى من مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية أهل العلم والإرادة لابن قيم الجوزية, بقلم سليم بن عيد الهلالي, مكتبة الصحابة, سنة ١٤١٤.
- تأملات ابن القيم في الأنفس والآفاق من كتاب مفتاح دار السعادة لابن القيم, لأنس عبدالحميد القوز , دار الهدى للنشر والتوزيع, سنة ١٤١٣.
- مزيل الإلباس عن معاني حديث أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ في تصنيف الناس من شروح ابن القيم, ضبط وتخريج وتعليق خالد أبو صالح, دار المعراج الدولية للنشر،. سنة ١٤١٥.
- العلم فضله وشرفه من درر كلام ابن قيم الجوزية, نسقه وضبط نصه وعلق عليه علي بن حسن الحلبي الأثري. سنة ١٤١٦. وهو مأخوذ من نشرته للمفتاح بلا تغيير.
-[استخرج نصَّ رسالة أبي القاسم عيسى بن علي في الرد على المنجمين التي أوردها ابن القيم د. سحبان خليفات، ونشرها في مجلة مجمع اللغة الأردني, السنة ١١, العدد ٣٢، سنة ١٤٠٧, واعتمد فيها على مطبوعة مكتبة الأزهر.]
* * *
стр. 77
منهج التحقيق
قرأتُ النصَّ على مُكث، وعارضتُه بالأصول الخطية التي وصفت، وأثبتُّ ما اتفقت عليه، وانتخبتُ عند اختلافها ما ظننته الصواب منها، وأثبتُّ في الحاشية المحتمل من القراءات الأخرى.
أما أخطاء النساخ وأوهامهم وتحريفاتهم فاطَّرحتُها، حاشا ما رأيته قد أثبت منها في طبعات الكتاب السابقة، فأشرتُ إليه في الحاشية ونبهتُ على تحريفه، لئلَّا يغترَّ به أحد، فمن أحبَّ أن يقف على بعض تحريفات تلك الطبعات فليتتبع هذه المواضع.
وقد قدمتُ إليك وصف الأصول، واستغلاق بعض المواضع على النسَّاخ لسرعة خط المصنف وتعليقه وقلة احتفاله بالإعجام إذا أسرع في الكتابة (١) , فرسموا أكثرها رسمًا (٢) , واجتهد بعضهم فقرأ بعضها على غير الصواب؛ فما اجتمعت الأصول فيه على ما غلب على ظني أنه من خطأ
_________
(١) انظر نموذجًا له فيما وصلنا من مسودته لكتاب "طريق الهجرتين" (ص: ٧٩، ٨٠، ٨١، ٨٢ - مقدمة التحقيق).
(٢) وفي مثل هذا لا يسوغ أن أكتب بالحروف ما وقع في الأصل، فإن فعلتُ فقد أضللت القارئ، وأضعتُ مراد الناسخ؛ لأنه إنما قصد إلى رسم خط الأصل كما رآه لعجزه عن قراءته، ولو استطاع لكتبه بحروفٍ صحاح، فالرسم محتملٌ لأكثر من قراءة، ولا يغني في هذا إلا تصوير الكلمة ضوئيًّا، كما فعل عبد السلام هارون وغيره في بعض تحقيقاتهم، ولو كان الاعتماد على نسخةٍ واحدة لكان تجشُّم هذا متعيِّنًا، لكنها سبعٌ ثقال، فاكتفيتُ بوصف الكلمة في الحاشية بعدم التحرير.
стр. 78
النساخ تجاسرتُ فأصلحته في المتن وأشرتُ إلى ما في الأصول في الحاشية، وما احتمل من الصواب وجهًا وثمَّ ما هو أقومُ منه أبقيته في المتن على حاله وبينتُ في الحاشية ما أراه أدنى إلى الصواب، فقد عرضتُ لك في الحالين ــ كما ترى ــ ما وقع في الأصول الخطية، لتنظر لنفسك.
وانتفعتُ غاية الانتفاع بمقابلة النصوص التي نقلها المصنف على مصادرها، فكشفَت عن وجه الصواب في مواضع كثيرة، وخلَّصت النص من غوائل التحريف، وأثبتُّ المهم من قراءاتها عند الاختلاف، ورمزتُ لبعضها برموز إن طال النقل، كما فعلتُ بكتاب "الدلائل والاعتبار", و"توحيد المفضل", و"المقابسات", وغيرها.
وعالجتُ قراءة كثيرٍ من مشكل التراكيب والألفاظ والمصطلحات وغيرها بالمعهود من كلام المصنف في كتبه، وبكشف المظانِّ وغيرها من كتب أهل العلم.
واستعنتُ بطبعة الكتاب الأولى الصادرة عن مطبعة السعادة بمصر سنة ١٣٢٣، ورمزت لها بالحرف (ط)، إذ كانت معتمدةً على نسخة المكتبة القادرية (التي تقدم وصفها) ونسخةٍ تركية أخرى لم يفصحوا عن مصدرها، وأحسب أن من قام على طبعها أعمل قلم التصحيح فيها.
وأشرتُ إشاراتٍ مختصرةً إلى ترجمة بعض الأعلام الذين قدَّرتُ أن في ترجمتهم إعانةً للقارئ على فهم النصِّ والإحاطة به، وهكذا صنعتُ في التعريف بالمواضع والبلدان.
وخرَّجتُ الأحاديث المرفوعة والآثار والأقوال والأشعار ما استطعتُ إلى ذلك سبيلًا، ولم أتكلف الحكم على أسانيد الأخبار غير المرفوعة إلا ما
стр. 79
كان فيه مصلحةٌ راجحة.
وشرحتُ مِنْ غريب الألفاظ والتراكيب والمصطلحات والأساليب ما رأيته مفتقرًا إلى بيان، وأرجو أن لا أكون أثقلتُ في ذلك وأمللت.
ووثقتُ النقول التي صرَّح المصنف بنقلها، واجتهدتُ في الوقوف على ما لم يصرح به، وقابلتُ جميع أولئك بأصوله، كما سلف.
ووصلتُ مسائل الكتاب وبحوثه بكتب المصنف وشيخ الإسلام ابن تيمية، وعزوتُ جملةً كثيرةً منها إلى مواضعها في مصنفات أهل العلم وتواليفهم، وبعضها عزيز المنال.
وصنعتُ للكتاب فهارس كاشفة تيسر الانتفاع به وتجمع نثار فوائده، وقد أعانني بصنع بعض الفهارس اللفظية الأخوان الفاضلان: نبيل بن نصار السندي وخالد بن محمد جاب الله.
وقد بذلتُ الوسع، وتحريتُ الصواب، واجتهدتُ ولم آلُ، إلا أن ابن آدم إلى الضعف ما هو، وأنا طامعٌ في رحمة الله وجميل عفوه، هو أهل التقوى وأهل المغفرة.
وكتب
عبد الرحمن بن حسن بن قائد
стр. 80
نماذج من صور الأصول الخطية
стр. 81
صفحة العنوان لنسخة (د)
стр. 82
الصفحة الأولى من نسخة (د)
стр. 83
الصفحة الأخيرة من نسخة (د)
стр. 84
الصفحة العنوان من نسخة (ق)
стр. 85
الصفحة الأولى من نسخة (ق)
стр. 86
الصفحة الأخيرة من نسخة (ق)
стр. 87
صفحة العنوان لنسخة (ت)
стр. 88
الصفحة الأولى من نسخة (ت)
стр. 89
الصفحة الأخيرة من نسخة (ت)
стр. 90
صفحة العنوان لنسخة (ح)
стр. 91
الصفحة الأولى من نسخة (ح)
стр. 92
الصفحة الأخيرة من نسخة (ح)
стр. 93
صفحة العنوان من نسخة (ن)
стр. 94
الصفحة الأولى من نسخة (ن)
стр. 95
الصفحة الأخيرة من نسخة (ن)
стр. 96
صفحة العنوان لنسخة (ي)
стр. 97
الصفحة الأولى من نسخة (ي)
стр. 98
الصفحة الأخيرة من نسخة (ي)
стр. 99
صفحة العنوان لنسخة المختصر (ص)
стр. 100
الصفحة الأولى من نسخة المختصر (ص)
стр. 101
الصفحة الأخيرة من نسخة المختصر (ص)
стр. 102
صفحة العنوان للطبعة الأولى (ط)
стр. 103
الصفحة الأخيرة للطبعة الأولى (ط)
стр. 104
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي سَهَّل لعباده المتقين إلى مرضاته سبيلا، وأوضحَ لهم طريقَ الهداية وجعل اتباعَ الرسول عليها دليلا، واتَّخذهم عبيدًا (١) له فأقرُّوا له بالعبودية ولم يتَّخذوا من دونه وكيلا، وكتَب في قلوبهم الإيمانَ وأيَّدهم برُوحٍ منه، لمَّا رضوا بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمدٍ رسولا.
والحمدُ لله الذي أقام في أزمنة الفَتَرات من يكونُ ببيان سُنن المرسلين كفيلا، واختصَّ هذه الأمةَ بأنه لا تزالُ فيها طائفةٌ على الحقِّ لا يضرُّهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمرُه ولو اجتَمع الثقلان على حربهم قَبِيلا.
يَدْعُون من ضلَّ إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، ويبصِّرون بنور الله أهلَ العمى، ويُحْيُون بكتابه الموتى؛ فهم أحسنُ الناس هديًا وأقومُهم قِيلا.
فكم مِنْ قتيلٍ لإبليس قد أحْيَوْه، ومِنْ ضالٍّ جاهلٍ لا يعلمُ طريقَ رُشْدِه قد هَدَوْه، ومِنْ مبتدعٍ في دين الله بشُهب الحقِّ قد رَمَوْه؛ جهادًا في الله، وابتغاءَ مرضاته، وبيانًا لحُجَجه على العالمين وبيِّناته، وطلبًا للزلفى لديه ونَيل رضوانه وجناته، فحارَبوا (٢) في الله من خرج عن دينه القويم، وصراطه المستقيم، الذين عَقَدوا ألويةَ البدعة، وأطلقوا أعِنَّةَ الفتنة، وخالفوا الكتاب،
стр. 105
واختلفوا في الكتاب، واتفقوا على مفارقة الكتاب (١)، ونبذوه وراءَ ظهورهم، وارتضوا غيرَه منه بديلا.
أحمدُه وهو المحمودُ على كلِّ ما قدَّره وقضاه، وأستعينُه استعانةَ من يعلمُ أنه لا ربَّ له غيره (٢) ولا إله له سواه، وأستهديه سبيلَ الذين أنعَمَ عليهم ممن اختاره لقبول الحقِّ وارتضاه، وأشكرُه والشُّكرُ كفيلٌ بالمزيد من عطاياه، وأستغفرُه من الذُّنوب التي تَحُولُ بين القلب وهُداه، وأعوذُ به من شرِّ نفسي وسيئات عملي استعاذةَ عبد فارٍّ إلى ربِّه بذنوبه (٣) وخطاياه، وأعتَصِمُ به من الأهواء المُرْدِية والبدع المُضِلَّة، فما خابَ من أصبح به معتصمًا وبحِمَاه نزيلا.
وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً أشهدُ بها مع الشاهدين، وأتحمَّلها عن الجاحدين، وأدَّخرها عند الله عُدَّةً ليوم الدِّين.
وأشهدُ أن الحلال ما حلَّله (٤)، والحرامَ ما حرَّمه، والدينَ ما شَرَعَه، وأن السَّاعةَ آتيةٌ لا ريبَ فيها، وأن اللهَ يبعثُ من في القبور.
وأشهدُ أنَّ محمَّدًا عبدُه المصطفى، ونبيُّه المرتضى، ورسولُه الصَّادقُ المصدوق، الذي لا ينطقُ عن الهوى، إن هو إلا وحيٌ يوحى، أرسله رحمةً للعالمين، ومَحَجَّةً للسَّالكين، وحُجَّةً على العباد أجمعين، أرسله على حين فترةٍ من الرسل، فهدى به إلى أقوم الطُّرق وأوضح السُّبل، وافترض على
стр. 106
العباد طاعتَه وتعظيمَه، وتوقيرَه وتبجيلَه، والقيامَ بحقوقه، وسَدَّ إليه جميع الطُّرق فلم يَفْتَح لأحدٍ إلا من طريقه، فشَرَحَ له صدرَه، ورَفَعَ له ذِكْرَه، ووَضَع عنه وِزْرَه، وجعَل الذِّلَّة والصَّغار على من خالف أمرَه، هدى به من الضلالة، وعلَّم به من الجهالة، وبصَّر به من العمى، وأرشدَ به من الغَيِّ، وفتحَ به أعينًا عميًا، وآذانًا صُمًّا، وقلوبًا غُلْفًا.
فلم يزل ﷺ قائمًا بأمر الله لا يردُّه عنه رادٌّ، داعيًا إلى الله لا يصدُّه عنه صادٌّ، إلى أن أشرقت برسالته الأرضُ بعد ظلماتها، وتألَّفت به (١) القلوبُ بعد شَتاتها، وسارت دعوتُه مسيرَ الشمس (٢) في الأقطار، وبلغ دينُه ما بلغ الليلُ والنَّهار.
فلمَّا أكمل الله به الدِّين، وأتمَّ به النعمة على عباده المؤمنين، استأثر به، ونَقَلَه إلى الرفيق الأعلى من كرامته، والمحلِّ الأرفع الأسنى من أعلى جنَّاته، ففارَق الأمةَ وقد تركها على المحجَّة البيضاء، التي لا يزيغُ عنها إلا من كان من الهالكين.
فصلى الله عليه وعلى آله الطَّيبين الطَّاهرين، صلاةً دائمةً بدوام السَّماوات والأرضين، مقيمةً عليهم أبدًا لا ترومُ انتقالًا عنهم ولا تحويلا.
أمَّا بعد؛ فإنَّ الله سبحانه لما أهبطَ آدمَ أبا البشر ــ ﵇ ــ من الجنة؛ لِمَا له في ذلك من الحِكَم التي تعجزُ العقولُ عن معرفتها، والألسنُ عن صفتها (٣)، فكان إهباطُه منها عَيْنَ كماله، ليعود إليها على أحسن أحواله؛
стр. 107
فأراد سبحانه أن يُذِيقَه وولدَه من تعب الدُّنيا وغمومها وهمومها وأوصابها ما يَعْظُمُ به عندهم مقدارُ دخولهم إليها في الدار الآخرة؛ فإنَّ الضدَّ يُظْهِرُ حُسْنَه الضدُّ، ولو تربَّوا في دار النعيم لم يعرفوا قَدْرَها.
* وأيضًا؛ فإنه سبحانه أراد أمرَهم ونهيَهم، وابتلاءهم واختبارهم، وليست الجنةُ دارَ تكليف؛ فأهبطَهم إلى الأرض، وعَرَّضهم بذلك لأفضل الثواب (١) الذي لم يكن ليُنال بدون الأمر والنَّهي.
* وأيضًا؛ فإنه سبحانه أراد أن يتخذ منهم أنبياء ورسلًا، وأولياء وشهداء، يحبُّهم ويحبُّونه، فخلَّى بينهم وبين أعدائه، وامتحنَهم بهم، فلمَّا آثروه وبذلوا نفوسَهم وأموالَهم في مرضاته ومحابِّه نالوا من محبَّته ورضوانه والقُرْب منه ما لم يكن ليُنال بدون ذلك أصلًا؛ فدرجةُ الرسالة والنبوَّة والشَّهادة والحبِّ فيه والبغض فيه وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه عنده من أفضل الدَّرجات، ولم يكن يُنالُ هذا (٢) إلا على الوجه الذي قَدَّرَه وقضاه مِنْ إهباطه إلى الأرض وجَعْلِ معيشة أولاده فيها.
* وأيضًا؛ فإنه سبحانه له الأسماءُ الحسنى؛ فمِن أسمائه: الغفور، الرحيم، العَفُوُّ، الحليم، الخافض، الرافع، المُعِزُّ، المُذِلُّ، المُحْيِي، المميت، الوارث، الصَّبور (٣)؛ ولا بدَّ من ظهور أثر هذه الأسماء؛ فاقتضت
стр. 108
حكمتُه سبحانه أن يُنْزِل آدمَ وذريَّته دارًا يظهَرُ عليهم فيها أثرُ أسمائه الحسنى، يَغْفِرُ فيها لمن يشاء، ويرحمُ من يشاء، ويخفض من يشاء، ويرفعُ من يشاء، ويُعِزُّ من يشاء، ويُذِلُّ من يشاء، وينتقمُ ممن يشاء، ويعطي ويمنع، ويقبض ويبسط، إلى غير ذلك من ظهور أثر أسمائه وصفاته.
* وأيضًا؛ فإنه سبحانه الملكُ الحقُّ المبين، والملكُ هو الذي يأمرُ وينهى، ويثيبُ ويعاقب، ويُهِينُ ويُكْرِم، ويُعِزُّ ويُذِلُّ، فاقتضى ملكُه سبحانه أن أنزل آدمَ وذريَّته دارًا تجري عليهم فيها أحكامُ الملك، ثمَّ ينقلُهم إلى دارٍ يُتِمُّ عليهم فيها ذلك.
* وأيضًا؛ فإنه سبحانه أنزلهم إلى دارٍ يكونُ إيمانُهم فيها بالغيب، والإيمانُ بالغيب هو الإيمانُ النَّافع (١)، وأمَّا الإيمانُ بالشَّهادة فكلُّ أحدٍ يؤمنُ يوم القيامة، يوم لا ينفعُ نفسًا إلا إيمانُها في الدنيا؛ فلو خُلِقوا في دار النعيم لم ينالوا درجةَ الإيمان بالغيب، واللَّذةُ والكرامةُ الحاصلة بذلك لا تحصُل بدونه، بل كان الحاصلُ لهم في دار النعيم لذَّةً وكرامةً غير هذه.
* وأيضًا؛ فإنَّ الله سبحانه خلق آدمَ من قبضةٍ قَبَضها من جميع الأرض، والأرضُ فيها الطيبُ والخبيث، والسَّهْل والحَزْن، والكريمُ واللئيم؛ فعَلِم
стр. 109
سبحانه أنَّ في ظهره من لا يصلحُ لمساكنته في داره، فأنزلَه إلى دارٍ استخرَجَ فيها الطيبَ والخبيثَ من صُلْبه، ثم ميَّزهم سبحانه بدارَين؛ فجعَل الطيِّبين أهلَ جِواره ومساكنته في داره، وجعَل الخبيثين أهلَ دارِ الشَّقاء دارِ الخبثاء.
قال تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٧].
فلمَّا عَلِمَ سبحانه أنَّ في ذريَّته من ليس بأهلٍ (١) لمجاورته، أنزلَهم دارًا استخرَجَ منها أولئك وألحقَهم بالدار التي هم لها أهل؛ حكمةً بالغة، ومشيئةً نافذة، ذلك تقديرُ العزيز العليم.
* وأيضًا؛ فإنه سبحانه لما قال للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾، أجابهم بقوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠].
ثم أظهَر سبحانه علمَه لعباده ولملائكته، بما جعَله في الأرض من خواصِّ خلقه ورسله وأنبيائه وأوليائه، ومن يتقرَّبُ إليه ويَبْذُل نفسَه في محبته ومرضاته مع مجاهدة شهوته وهواه، فيتركُ محبوباته تقربًا إليَّ (٢)، ويتركُ شهواته ابتغاءَ مرضاتي، ويَبْذُل دمَه ونفسه في محبتي، وأخُصُّه بعلمٍ لا تَعْلَمونه، يُسَبِّحُ بحمدي آناءَ الليل وأطرافَ النَّهار، ويعبدُني مع مُعارَضات (٣) الهوى والشَّهوة
стр. 110
والنفس والعدوِّ، إذ تعبدونني أنتم من غير مُعارِضٍ يعارضُكم، ولا شهوةٍ تعتريكم، ولا عدوٍّ أسلِّطه (١) عليكم، بل عبادتكم لي بمنزلة النَّفَس لأحدهم.
* وأيضًا؛ فإني أريدُ أن أُظْهِرَ ما خفي عليكم من شأن عدوِّي ومحاربته لي، وتكبُّره عن أمري، وسعيه في خلاف مرضاتي.
وهذا وهذا كانا كامنَين مستترَين في أبي البشر وأبي الجنِّ، فأنزَلهم إلى دارٍ ظَهَر فيها (٢) ما كان الله سبحانه منفردًا بعلمه لا يعلمُه سواه، وظهرت حكمتُه وتمَّ أمرُه، وبدا للملائكة مِنْ علمه ما لم يكونوا يعلمون.
* وأيضًا؛ فإنه سبحانه لما كان يحبُّ الصَّابرين، ويحبُّ المحسنين، ويحبُّ الذين يقاتلون في سبيله صفًّا كأنهم بنيانٌ مرصوص، ويحبُّ التوابين، ويحبُّ المتطهِّرين، ويحبُّ الشاكرين، وكانت محبته أعلى أنواع الكرامات= اقتضت حكمتُه أن أسكَنَ آدمَ وبنيه دارًا يأتون فيها بهذه الصِّفات التي ينالون بها أعلى الكرامات من محبَّته؛ فكان إنزالُهم إلى الأرض من أعظم النعم عليهم، والله يختصُّ برحمته من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
* وأيضًا؛ فإنه سبحانه أراد أن يتَّخذ من آدمَ ذريةً يواليهم ويودُّهم، ويحبُّهم ويحبُّونه؛ فمحبتُهم له هي غايةُ كمالهم ونهايةُ شرفهم، ولم تكن لتتحقَّق (٣) هذه المرتبةُ السَّنيةُ إلا بموافقة رضاه واتباع أمره، وتركِ إرادات النفس وشهواتها التي يكرهها محبوبُهم؛ فأنزلهم دارًا أمَرهم فيها ونهاهم؛ فقاموا بأمره ونهيه؛ فنالوا درجة محبَّتهم له؛ فأنالَهم درجةَ حبِّه إياهم، وهذا