← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 145411

مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 704 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

حكمتَه فيما أحكَمه (١)، وشهدت فِطَنُهم وعقولهم أنَّ مَصدرَ ذلك حكمةٌ بالغةٌ وإحسانٌ تامٌّ ومصلحةٌ أُريدت بالعباد في معاشهم ومعادهم، وهم في ذلك درجاتٌ لا يحصيها إلا الله. ومنهم من يكونُ حظُّه من مشاهدة حكمة الخلق أوفرَ من حظِّه من حكمة الأمر، وهم أكثرُ الأطبَّاء والطبائعيِّين الذين صرفوا أفكارَهم إلى استخراج منافع النَّبات والحيوان وقُوَاها وما تصلحُ له مفردةً ومركَّبة، وليس لهم نصيبٌ في حكمة الأمر إلا كما للفقهاء من حكمة الخَلْق، بل أقلُّ من ذلك. ومنهم من فُتِحَ عليه بمشاهدة حكمة الخلق والأمر (٢) بحسب استعداده وقوَّته، فرأى الحكمةَ الباهرةَ التي بَهَرَت العقولَ في هذا وهذا، فإذا نظر إلى خَلْقه وما فيه من الحِكَم ازداد إيمانًا ومعرفةً وتصديقًا بما جاءت به الرُّسل، وإذا نظر إلى أمره وما تضمَّنه من الحِكَم الباهرة ازداد إيمانًا ويقينًا وتسليمًا. لا كمن حُجِبَ بالصَّنعة عن الصَّانع، وبالكواكب عن مُكَوْكِبها؛ فعَمِيَ بصرُه، وغَلُظ عن الله حجابُه، ولو أعطى علمَه حقَّه لكان من أقوى النَّاس إيمانًا؛ لأنه اطَّلع من حكمة الله وباهر آياته (٣) وعجائب صُنْعِه الدَّالَّة عليه وعلى علمه وقدرته وحكمته على ما خَفِيَ عن غيره. ولكنَّ من حكمة الله أيضًا أنْ سَلَبَ كثيرًا من عقول هؤلاء (٤) خاصَّتَها (٥)، وحَجَبَها عن معرفته،

стр. 772

وأوقَفَها عند ظاهرٍ من العلم بالحياة الدُّنيا وهم عن الآخرة هم غافلون؛ لدناءتها وخِسَّتها وحقارتها وعدم أهليَّتها لمعرفته ومعرفة أسمائه وصفاته وأسرار دينه وشرعه، والفضلُ بيد الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. وهذا بابٌ لا يطَّلعُ الخلقُ منه على ما له نسبةٌ إلى الخافي عنهم منه أبدًا، بل علمُ الأوَّلين والآخرين منه كنقرة العصفور من البحر، ومع هذا فليس ذلك بمُوجِبٍ للإعراض عنه واليأس منه، بل يستدلُّ العاقلُ بما ظهر له منه على (١) ما وراءه. فصل (٢) ثمَّ تأمَّل أولاد (٣) ذواتِ الأربع من الحيوان، كيف تراها تتبعُ أمَّهاتها مستقلَّةً بأنفُسها، فلا تحتاجُ إلى الحمل والتَّربية كما يحتاجُ إليه أولادُ الإنس، فمن أجلِ (٤) أنه ليس عند أمَّهاتها ما عند أمَّهاتِ البَشَر من التَّربية والمُلاطفة والرِّفق والآلات المتَّصلة والمنفصلة (٥) = أعطاها اللطيفُ الخبيرُ النُّهوض والاستقلالَ بأنفسها، على قُرب العهد بالولادة.

стр. 773

ولذلك (١) ترى فِراخَ كثيرٍ من الطَّير ــ كالدَّجاج، والدُّرَّاج، والقَبَج (٢) ــ يَدْرُجُ ويَلْقُطُ حين يخرجُ من البيضة (٣). وما كان منها ضعيفَ النُّهوض ــ كفِراخ الحمَام واليَمَام ــ أعطى سبحانه أمَّهاتها من فضل العطف (٤) والشَّفقة والحنان ما تَمُجُّ به الطُّعْمَ في أفواه الفِراخ من حَواصِلها؛ فتَخْبَؤه في أعزِّ مكانٍ منها، ثمَّ تَسُوقُه من فِيها إلى أفواه الفِراخ، ولا يزالُ بها كذلك (٥) حتى ينهض الفرخُ ويستقلَّ بنفسه، وذلك كلُّه من حظِّها وقَسْمِها الذي وَصَلَ إليها من الرَّحمة الواحدة من المئة (٦). فإذا استقلَّ بنفسه وأمْكَنه الطَّيرانُ لم يَزَل به الأبوان يعالجانه أتمَّ معالجةٍ وألطفَها حتى يطيرَ من وَكْرِه، ويسترزق لنفسه، ويأكل من حيثُ يأكلان، وكأنهما لم يعرفاهُ ولا عرفهما قطُّ (٧)، بل يطردانه عن الوَكْر ولا يدعانه وأقواتَهما وبيتَهما، بل يقولان له بلسانٍ يَفْهَمُه: اتَّخِذ لك وَكْرًا وقُوتًا، فلا وَكْر لك عندنا ولا قُوت! فسَلِ المعطِّل: أهذا كلُّه عن إهمال؟! ومن الذي ألهمها ذلك؟! ومن الذي عَطَّفها على الفِراخ وهي صغارٌ أحوجَ ما كانت إليها، ثمَّ سَلَبَ ذلك

стр. 774

عنها إذا استغنت الفراخ؛ رحمةً بالأمَّهات؛ لتسعى (١) في مصالحها، إذ لو دام لها ذلك لأضرَّ بها وشَغَلها عن معاشها، لا سيَّما مع كثرة ما يحتاجُ إليه أولادُها من الغذاء؛ فوضع فيها الرَّحمة والإيثار والحنان رحمةً بالفراخ، وسَلَبَها إياها عند استغنائها رحمةً بالأمَّهات؟! أفيجوزُ أن يكون هذا كلُّه بلا تدبيرِ مدبِّرٍ حكيم، ولا عنايةٍ ولا لُطفٍ منه ؟! لقد قامت أدلَّةُ ربوبيَّته، وبراهينُ ألوهيَّته، وشواهدُ حكمته، وآياتُ قدرته، فلا يستطيعُ العقلُ لها جحودًا (٢)، إنْ هي إلا مكابرةُ اللسان من كلِّ جَحُودٍ كفور؛ ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١٠]، وإنما يكونُ الشكُّ فيما تخفى أدلَّتُه وتُشْكِلُ براهينُه، فأما من له في كلِّ شيءٍ محسوسٍ أو معقولٍ آيةٌ بل آياتٌ مؤدِّيةٌ عنه (٣)، شاهدةٌ له بأنه الله الذي لا إله إلا هو ربُّ العالمين؛ فكيف يكونُ فيه شكٌّ؟! فصل (٤) ثمَّ تأمَّل الحكمةَ البالغة في قوائم الحيوان؛ كيف اقتضت أن تكون زوجًا لا فردًا، إمَّا اثنتين وإمَّا أربعًا؛ ليتهيَّأ له المشيُ والسَّعيُ، وتتمَّ بذلك مصلحتُه؛ إذ لو كانت فردًا (٥) لم يصلُح لذلك؛ لأنَّ الماشي ينقلُ بعض

стр. 775

قوائمه (١) ويعتمدُ على بعض، فذو القائمتين ينقلُ واحدةً ويعتمدُ على الأخرى، وذو الأربع ينقلُ اثنتين ويعتمدُ على اثنتين، وذلك مِنْ خلافٍ؛ لأنه لو كان ينقلُ قائمتين من جانبٍ ويعتمدُ على قائمتين من الجانب الآخر لم يثبُت على الأرض حال نقله قوائمَه، ولكان مشيُه نَقْزًا كنَقْز الطَّائر (٢)، وذلك مما يؤذيه ويتعبُه؛ لثِقَل بدنه، بخلاف الطَّائر، ولهذا إذا مشى الإنسانُ كذلك قليلًا أجهَده وشَقَّ عليه، بخلاف مشيه الطبيعيِّ الذي هُيِّئ له (٣). فاقتضت الحكمةُ تقديمَ نقل اليمنى من يديه مع اليسرى من رجليه، وإقرارَ يسرى اليدين ويمنى الرِّجلين، ثمَّ نَقْلَ الأخريَيْن (٤) كذلك، وهذا أسهلُ ما يكونُ من المشي وأخفُّه على الحيوان. فصل (٥) ثمَّ تأمَّل الحكمةَ البالغة في أن جَعَل ظهورَ الدَّوابِّ مسطَّحةً (٦) كأنها سقفٌ على عَمَد القوائم؛ ليتهيَّأ ركوبها وتستقرَّ الحمولةُ عليها، ثمَّ خُولِفَ هذا في الإبل فجَعَل ظهورَها مسنَّمةً معقودةً كالقَبْو (٧)؛ لِمَا خُصَّت به من فضل القوَّة وعِظَم ما تحملُه، والأقْباءُ تحملُ أكثر مما تحملُ السُّقوف، حتى

стр. 776

قيل: إنَّ عَقْدَ الأقباء إنما أُخِذ من ظهور الإبل. وتأمَّل كيف لمَّا طوَّل قوائمَ البعير طوَّل عنقَه؛ ليتناول المرعى من قيام، فلو قَصُرَت عنقُه لم يمكنه ذلك مع طول قوائمه، وليكون أيضًا طولُ عنقه موازِنًا (١) للحِمْل على ظهره إذا استقلَّ به، كما ترى طولَ قَصَبة القَبَّان (٢)، حتى قيل: إنَّ القَبَّان إنما عُمِل على (٣) خِلْقة الجَمَل من طول عنقه وثِقَل ما يحملُه، ولهذا تراه يَمُدُّ عنقَه إذا استقلَّ بالحِمْل كأنه يوازنُه موازنة. فصل (٤) ثمَّ تأمَّل الحكمةَ في كون فَرْج الدَّابَّة جُعِل بارزًا من ورائها؛ ليتمكَّن الفحلُ من ضِرابها، ولو جُعِل في أسفل بطنها كما جُعِل للمرأة لم يتمكَّن الفحلُ من ضِرابها إلا على الوجه الذي تُجامَعُ به المرأة (٥). وقد ذُكِر في كتب الحيوان أنَّ فرجَ الفِيلَة في أسفل بطنِها، فإذا كان وقتُ الضِّراب (٦) ارتفعَ ونَشَزَ وبَرَز للفحل، فيتمكَّن من ضِرابها (٧)، فلمَّا جُعِل في الفِيلَة على خلاف ما هو في سائر البهائم خُصَّت بهذه الخاصَّة (٨) عنها

стр. 777

ليتهيَّأ الأمرُ الذي به دوامُ النَّسل. فصل (١) ثمَّ تأمَّل كيف كُسِيَت أجسامُ الحيوان البهيميِّ هذه الكسوةَ من الشَّعر والوَبَر والصُّوف، وكُسِيَت الطُّيورُ الرِّيش، وكُسِيَ بعضُ الدَّاوبِّ من الجلد ما هو في غاية الصَّلابة والقوَّة، كالسُّلَحْفاة، وبعضُها من الرِّيش ما هو كالأسنَّة، كلُّ ذلك بحسب حاجتها إلى الوقاية من الحرِّ والبرد والعدوِّ الذي يريدُ أذاها. فإنها لما لم يكن لها سبيلٌ إلى اتِّخاذ الملابس واصطناع الكسوة وآلات الحرب، أُعِينَت بملابسَ وكسوةٍ لا تفارقُها، وآلاتٍ وأسلحةٍ تَدْفَعُ بها عن نفسها (٢). وأُعِينَت بأظلافٍ وأخفافٍ وحوافرَ لمَّا عَدِمَت الأحذيةَ والنِّعال، فمعها حذاؤها وسِقاؤها، وخُصَّ الفرسُ والبغلُ والحمارُ بالحوافر لمَّا خُلِقَ للرَّكض والشَّدِّ والجري، وجُعِل لها ذلك أيضًا سلاحًا عند انتصافها من خصمها عِوَضًا من الصَّياصي (٣) والمخالب والأنياب والبَراثِن. فتأمَّل هذا الُّلطفَ والحكمة، فإنها لما كانت بهائمَ خُرْسًا لا عقول لها، ولا أكفَّ ولا أصابعَ مهيَّأةً للانتفاع والدِّفاع، ولا حظَّ لها فيما يتصرَّفُ فيه الآدميُّون من النَّسج والغَزْل ولُطف الحيلة= جُعِلَت كسوتُها من خِلْقَتِها باقيةً

стр. 778

عليها ما بَقِيَت لا تحتاجُ إلى الاستبدال بها، وأُعطِيَت آلةً وأسلحةً تحفظُ بها أنفسَها، كلُّ ذلك لتتمَّ الحكمةُ التي أُريدت بها (١) ومنها. وأمَّا الإنسانُ فإنه ذو حيلةٍ وكفٍّ مهيَّأةٍ للعمل؛ فهي تغزلُ وتنسجُ (٢)، ويتَّخذُ لنفسه الكسوةَ ويستبدلُ بها حالًا بعد حال، وله في ذلك صلاحٌ من جهاتٍ عديدة (٣): منها: أن يستريحَ إذا خَلَع كسوتَه إذا شاء ويلبسها إذا شاء، ليس كالمضطرِّ إلى حمل كسوة. ومنها: أنه يتَّخذُ لنفسه ضروبًا من الكسوة للصَّيف وضروبًا للشتاء؛ فإنَّ كسوة الصَّيف لا تليقُ بالشتاء وكسوةَ الشتاء لا تليقُ بالصَّيف، فيتَّخذُ لنفسه في كلِّ فصلٍ كسوةً تناسبُه (٤). ومنها: أنه يجعلُها تابعةً لشهوته وإرادته. ومنها: أنه يتلذَّذُ بأنواع الملابس كما يتلذَّذُ بأنواع المَطاعِم، فجُعِلَت كسوتُه متنوِّعةً تابعةً لاختياره كما جُعِلَت مطاعمُه كذلك، فهو يكتسي ما شاء من أنواع الملابس المتَّخَذة من النبات (٥) تارةً كالقُطن والكَتَّان، ومن

стр. 779

الحيوان تارةً كالوَبَر والصُّوف والشَّعَر، ومن الدُّود تارةً كالحرير والإبرِيسَم (١)، ومن المعادن تارةً كالذَّهب والفضَّة، فجُعِلَت كسوتُه متنوِّعةً لتتمَّ لذَّتُه وسرورُه وابتهاجُه وزينتُه بها (٢). وكذلك (٣) كانت كسوةُ أهل الجنَّة منفصلةً عنهم، كما هي في الدُّنيا، ليست مخلوقةً من أجسامهم كالحيوان، فدلَّ على أنَّ ذلك أكملُ وأجلُّ وأبلغُ في النِّعمة. ومنها: إرادةُ تمييزه عن الحيوان في ملبسه كما مُيِّز عنه في مطعمه ومسكنه وبيانه وعقله وفهمه. ومنها: اختلافُ الكسوة واللباس وتبايُنه بحسب تبايُن أحواله وصنائعه، وحربه وسِلْمه، وظَعْنه وإقامته، وصحَّته ومرضه، ونومه ويقظته، ورفاهيَّته (٤)، فلكلِّ حالٍ من هذه الأحوالِ لباسٌ وكسوةٌ تخصُّها لا تليقُ إلا بها، فلم يجعل كسوتَه في هذه الأحوال كلِّها واحدةً لا سبيل إلى الاستبدال بها؛ فهذا من تكريمه وتفضيله على سائر الحيوان. فصل (٥) ثمَّ تأمَّل خَلَّةً (٦) عجيبةً جُعِلَت للبهائم والوحوش والسباع والدَّوابِّ،

стр. 780

على كثرتها، لا يُرى منها شيءٌ (١)، وليست شيئًا قليلًا فتخفى لقلَّتها، بل قد قيل: إنها أكثرُ من النَّاس. واعتَبِر ذلك بما تراه في هذه الصَّحاري من أسراب الظِّباء والبقر والوُعول، والذِّئاب والنُّمور، وضُروب الهوامِّ على اختلافها، وسائر دوابِّ الأرض، وأنواع الطُّيور، التي هي أضعافُ أضعاف بني آدم؛ لا تكادُ ترى منها شيئًا ميتًا، لا في كِناسِه (٢)، ولا في أوكاره، ولا في مَسَاقِطه ومَراعِيه وطُرقه ومَوارده ومَناهِله ومَعاقِله ومَعاصِمه؛ إلا ما عدا عليه عادٍ؛ إمَّا افتَرسه سَبُعٌ أو رماه صائدٌ أو عدا عليه عادٍ أشغلَه وأشغلَ بني جنسه عن إحراز جسمه وإخفاء جيفته. فدلَّ ذلك على أنها إذا أحسَّت بالموت، ولم تُغْلَب على أنفُسها، كَمَنَت (٣) حيثُ لا يوصَلُ إلى أجسامها، وقَبَرت جِيفَها قبل نزول البَيْن بها، ولولا ذلك لامتلأت الصَّحاري بجِيَفها وأفسدت الهواءَ بروائحها، فعاد ضررُ ذلك بالنَّاس، وكان سبيلًا إلى وقوع الوباء. وقد دلَّ على هذا قولُه تعالى في قصَّة ابنَي آدم: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [المائدة: ٣١]. وأما ما جُعِل عَيشُه بين النَّاس، كالأنعام والدَّوابِّ؛ فلقُدرة الإنسان على

стр. 781

نقله، واحتياله في دفع أذيَّته، مُنِع مما جُعِل في الوحوش كالسِّباع. فتأمَّل هذا الذي حارَ بنو آدم فيه وفيما يفعلون به؛ كيف جُعِل طبعًا في البهائم، وكيف تعلَّموه من الطَّير! وتأمَّل الحكمة في إرسال الله تعالى لابن آدم الغرابَ المُؤْذِن اسمُه بغُربة القاتل من أخيه، وغربته هو من رحمة الله تعالى، وغربته بين أبيه وأهل بيته (١)، واستيحاشه منهم واستيحاشهم منه. وهو من الطُّيور التي تنفرُ منها الإنسُ ومن نعيقها وتستوحشُ بها، فأرسل اللهُ إليه مثل هذا الطَّائر حتى صار كالمعلِّم له والأستاذ، وصار بمنزلة المتعلِّم والمستدِلِّ. ولا تُنكِر حكمةَ هذا الباب وارتباط المسمَّيات فيه بأسمائها، فقد قال النبي ﷺ : «إذا بعثتم إليَّ بَرِيدًا فابعثوه حَسَن الاسم حَسَن الوجه» (٢)، وكان يَسألُ عن اسم الأرض إذا نزلها (٣)، واسم الرسول إذا جاء إليه (٤)، ولما

стр. 782

جاءهم سُهيلُ بن عمرو يوم الحديبية قال: «قد سَهُل لكم من أمركم» (١)، ولما أراد تغييرَ اسم حَزْنٍ بسَهْل (٢)، قال (٣): «لم يَزَل معنى اسمه فيه وفي ذريَّته»، ولما سأل عمرُ بن الخطَّاب الرجلَ عن اسمه واسم أبيه وداره ومنزله فأخبَره أنه جمرةُ بن شهاب، وأنَّ داره بالحَرَّة (٤)، وأنَّ مسكنَه منها ذاتُ لظى، قال له: «أدرِكْ بيتَك فقد احتَرق»؛ فكان كما قال (٥). وشواهدُ هذا الباب أكثرُ من أن تُذْكَر هاهنا، وهو بابٌ لطيفُ المنزع، شديدُ المناسبة بين الأسماء والمسمَّيات (٦). وكثيرًا ما أُولِعَ النَّاسُ قديمًا وحديثًا بنَعِيق الغراب، واستدلالهم به على البَيْن والاغتراب (٧)، وينسبونها إلى الشُّؤم، ويَنْفِرون منها وتَنْفِر منهم؛ فكان

стр. 783

جديرًا أن يُرسَل هذا الطَّائرُ إلى القاتل من ابنَيْ آدم دون غيره من الطُّيور، فكأنه صورةُ طائره الذي أُلزِمَه في عنقه، وطار عنه من عمله. ولا تظُنَّ أنَّ إرسال الغُراب وقع اتفاقًا خاليًا من الحكمة؛ فإنك إذا خَفِيَ عليك وجهُ الحكمة فلا تُنكِرْها، واعلم أنَّ خفاءها من لُطفها وشرفها، ولله تعالى فيما يُخْفِي وجهَ الحكمة فيه على البشر الحِكَمُ الباهرةُ (١) المتضمِّنةُ للغايات المحمودة. فصل (٢) ثمَّ تأمَّل الحكمةَ الباهرةَ في وجه الدَّابَّة كيف هو؛ فإنك ترى العينين فيه شاخصتَيْن أمامها لتبصرَ ما بين يديها أتمَّ من بصر غيرها؛ لأنها تحرسُ نفسَها وراكبَها فتتَّقي أن تَصْدِم حائطًا أو تتردَّى في حُفرة، فجُعِلت عيناها كعينَيْ المنتصِب القامة لأنها طليعتُه، وجُعِل فُوها مشقوقًا (٣) في أسفل الخَطْم (٤) لتتمكَّن من العضِّ والقبض على العَلَف؛ إذ لو كان فُوها في مقدَّم الخَطْم كمكانه (٥) من الإنسان في مقدَّم الذَّقن لما استطاعت أن تتناول به شيئًا من الأرض. ألا ترى الإنسانَ لا يتناولُ الطَّعام بفِيه لكن بيده، فلمَّا لم تكن الدَّابَّةُ

стр. 784

ممَّن (١) تتناولُ طعامها بيدها (٢) جُعِل خَطْمُها مشقوقًا من أسفله لتضعَه (٣) على العَلَف ثمَّ تَقْضِمَه، وأُعِينَت بالجَحْفَلة ــ وهي لها كالشَّفَة للإنسان ــ لِتَقُمَّ (٤) بها ما قَرُبَ منها وما بَعُد. وقد أشكلَت منفعةُ الذَّنَب على بعض النَّاس ولم يهتدِ إليها. وفيها منافعُ عديدة: فمنها: أنه بمنزلة الطَّبَق على الدُّبر والغطاء على حَيَاها (٥)، يواريهما ويسترُهما. ومنها: أنَّ ما بين الدُّبر ومَرَاقِّ البطن من الدَّابَّة له وَضَرٌ (٦) يجتمعُ عليه الذُّبابُ والبعوض، فيؤذي الدَّابَّة، فجُعِل أذنابُها كالمَذَابِّ لها والمراوح تطردُ به ذلك. ومنها: أنَّ الدَّابَّة تستريحُ إلى تحريكه وتصريفه يمنةً ويسرة؛ فإنه لما كان قيامُها على الأربع بكلِّ جسمها (٧)، وشُغِلَت قدماها بحَمْل البدن عن التصرُّف والتقلُّب، كان لها في تحريك الذَّنَب راحةٌ ونَشْرَة (٨).

стр. 785

وعسى أن يكون فيه حِكَمٌ أُخر تقصُر عنها أفهامُ الخلق أو يزدريها السَّامعُ إذا عُرِضت عليه؛ فإنه لا يعرفُ موقعَها إلا في وقت الحاجة، فمن ذلك أنَّ الدَّابَّةَ ترتَطِمُ (١) في الوَحَل فلا يكونُ شيءٌ أعونَ على رفعها من الأخذ بذنَبها. فصل (٢) ثمَّ تأمَّل مِشْفَر الفيل وما فيه من الحِكَم الباهرة، فإنه يقومُ له مقام اليد في تناول العلَف والماء وإيرادهما (٣) إلى جوفه، ولولا ذلك ما استطاع أن يتناول شيئًا من الأشياء من الأرض؛ لأنه ليست له عنقٌ يمدُّها (٤) كسائر الأنعام، فلمَّا عدم العنقَ أُخلِفَ عليه مكانه الخرطومُ الطَّويلُ ليَسُدَّ مَسَدَّه، وجُعِل قادرًا على سَدْله ورفعه وثَنْيه والتصرُّف به كيف شاء، وجُعِل وعاءً أجوفَ ليِّن الملمس، فهو يتناولُ به حاجتَه ويحمِّلُه ما أراد إلى جوفه، ويحبسُ منه (٥) ما يريد، ويكيدُ به إذا شاء، ويعطي ويتناولُ إذا أراد. فسَلِ المعطِّل: من الذي عوَّضه وأخلَف عليه مكان العضو الذي مُنِعَه ما يقومُ له مقامه وينوبُ منابه غيرُ الرَّؤوف الرَّحيم بخلقه، المتكفِّل بمصالحهم، اللطيف بهم؟! وكيف يتأتَّى ذلك مع الإهمال وخلوِّ العالَم عن قيِّمه وبارئه ومبدعه وفاطره لا إله إلا هو العزيزُ الحكيم؟!

стр. 786

فإن قلت: فما بالُه لم يُخْلَق ذا عُنقٍ كسائر الأنعام؟ وما الحكمةُ في ذلك؟ قيل: ذلك ــ والله أعلمُ بحكمته في مصنوعاته ــ لأنَّ رأسَه وأذنيه أمرٌ هائلٌ عظيم، وحملٌ ثقيل (١)، فلو كان ذا عُنقٍ كسائر الأعناق لانهدَّت رقبتُه بثقله (٢)، ووَهَنت بحمله؛ فجُعِل رأسُه مُلْصَقًا بجسمه لئلَّا يناله منه شيءٌ من الثِّقَل والمؤنة، وخُلِق له مكان العُنق هذا المِشْفرُ الطَّويل يتناولُ به غذاءه. ولما طالت عنقُ البعير للحكمة في ذلك صَغُر رأسُه بالنسبة إلى عِظَم جثَّته؛ لئلَّا يؤذيه (٣) ثِقَلُه ويُوهِن عنقَه. فسبحان من فاتت أدلَّةُ حكمته (٤) عدَّ العادِّين وحصرَ الحاصرين. فصل (٥) ثمَّ تأمَّل خَلْق الزَّرافة واختلافَ أعضائها وشبهَها بأعضاء جميع الحيوان؛ فرأسُها رأسُ فَرَس (٦)، وعنقُها عنقُ بعير، وأظلافُها أظلافُ بقرة، وجلدُها جلدُ نَمِر، حتى زعم بعضُ النَّاس أنَّ لقاحَها من فحولٍ شتَّى.

стр. 787

وذكروا أنَّ أصنافها من حيوان البرِّ إذا وَرَدَت الماءَ ينزو بعضُها على بعض، فتنزو المستوحشةُ على السَّائمة؛ فتُنتِجُ مثل هذا الشخص الذي هو كالمُلْتقَط من أناسٍ شتَّى (١). وما أرى هذا القائل إلا كاذبًا عليها وعلى الخِلْقة (٢)؛ إذ ليس في الحيوان صنفٌ يَلْقَحُ صنفًا آخر، فلا الجملُ يلقحُ البقر، ولا الثَّورُ يلقحُ النَّاقة، ولا الفرسُ يلقحُها ولا يلقحانه، ولا الوحوشُ يلقحُ بعضُها بعضًا، ولا الطُّيور، وإنما يقعُ هذا نادرًا فيما يتقارب، كالبقر الوحشيِّ والأهليِّ، والضَّأن (٣) والمَعْز، والفَرس والحمار، والذِّئب والضَّبُع؛ فيتولَّدُ من ذلك: البغلُ، والسِّمْع، والعِسْبار (٤). وقولُ الفقهاء: «هل تجبُ الزَّكاةُ في المتولِّد من الوحشيِّ والأهليِّ؟ فيه وجهان» (٥)؛ هذا إنما يُتَصوَّرُ في واحدٍ أو اثنين أو ثلاثةٍ يَكْمُلُ بها النِّصاب، فأمَّا نصابٌ كلُّه متولِّدٌ (٦) من الوحشيِّ والأهليِّ فلا وجود لذلك.

стр. 788

والأحكامُ المتعلقةُ بهذه المتولِّدات تُذْكَرُ في الزَّكاة وجزاء الصَّيد والأضاحي والأطعمة (١)، فيغلَّبُ في كلِّ بابٍ الأحوط (٢)؛ ففي الأضاحي يغلَّبُ عدمُ الإجزاء، وفي الإحرام والحَرَم يغلَّبُ وجوبُ الجزاء، وفي الأطعمة يغلَّبُ جانبُ التحريم، وفي الزَّكاة اختلافٌ مشهور (٣). وسئل شيخنا أبو العبَّاس ابنُ تيميَّة ــ قدَّس الله روحه ــ عن حمارٍ نَزَا على فَرسٍ فأحبَلها، فهل يكونُ لبنُ الفَرس حلالًا أو حرامًا؟ فأجاب بأنه حلال (٤)، ولا حكمَ للفحل في اللَّبن في هذا الموضع، بخلاف الأناسيِّ؛ لأنَّ لبنَ الفَرس حادثٌ من العلَف فهو تابعٌ لِلَحْمِها، ولم يَسْرِ وطءُ الفحل إلى هذا اللبن؛ فإنه لا حُرمة هناك تنتشر، بخلاف لبن الفحل في الأناسيِّ فإنه تنتشرُ به حُرمةُ الرَّضاع، ولا حُرمة هاهنا (٥) تنتشرُ من جهة الفحل إلا إلى الولد خاصَّة؛ فإنه يتكوَّنُ منه ومن الأمِّ، فغُلِّب عليه التحريم، وأمَّا اللبنُ فلم يتكوَّن بوطئه وإنما تكوَّن (٦) من العلَف، فلم يكن حرامًا.

стр. 789

هذا بسطُ كلامه وتقريرُه. والمقصودُ إبطالُ زعم (١) أنَّ هذه الحيوانات المختلفة يلقحُ بعضُها بعضًا عند الموارد، فتتكوَّنُ الزَّرافة، وأنه كاذبٌ عليها وعلى الإبداع. والذي يدلُّ على كذبه أنه ليس الخارجُ من بين ما ذكرنا من الفَرس والحمار، والذِّئب والضَّبُع، والضَّأن والمَعْز، له عضوٌ من كلِّ واحدٍ من أبيه وأمِّه كما يكونُ للزَّرافة عضوٌ من الفَرس وعضوٌ من الجمل، بل يكونُ كالمتوسِّط بينهما الممتزج منهما، كما نشاهده في البغل؛ فإنك ترى رأسَه وأذنيه وكَفَلَه (٢) وحوافره وسطًا بين أعضاء أبيه وأمِّه، مشتقَّةً منهما، حتى تجدَ شَحِيجَه (٣) كالممتزج من صَهِيل الفَرس ونهيق الحمار. فهذا يدلُّ على أنَّ الزَّرافة ليست بنِتاج آباءٍ مختلفةٍ كما زعمَ هذا الزَّاعم، بل من خَلْقٍ عجيبٍ وصُنْعٍ بديعٍ من خَلْق الله الذي أبدعه آيةً ودلالةً على قدرته وحكمته التي لا يُعْجِزُها شيء؛ ليُرِيَ عبادَه أنه خالقُ أصناف الحيوان كلِّها كما شاء، وفي أيِّ صورةٍ شاء (٤)، وفي أيِّ لونٍ شاء؛ فمنها: المتشابهُ الخِلْقة المتناسبُ الأعضاء، ومنها: المختلفُ التَّركيب والشكل والصُّورة. كما أرى عبادَه قدرتَه التَّامَّة في خلقه لنوع الإنسان على الأقسام الأربعة الدَّالَّة على أنه مخلوقٌ بقدرته ومشيئته تابعٌ لها:

стр. 790

* فمنه ما خُلِق من غير أبٍ ولا أمٍّ؛ وهو أبو النَّوع الإنساني. * ومنه ما خُلِق من ذكرٍ بلا أنثى؛ وهي أمُّهم التي خُلِقَت من ضِلَع آدم. * ومنه ما خُلِق من أنثى بلا ذكرٍ؛ وهو المسيحُ بن مريم. * ومنه ما خُلِق من ذكرٍ وأنثى؛ وهو سائرُ النَّوع الإنسانيِّ. ليُرِيَ عبادَه آياتِه، ويتعرَّف إليهم بآلائه وقدرته، وأنه إذا أراد شيئًا فإنما يقول له: «كُن»؛ فيكون. وأما طولُ عنُق الزَّرافة وما لها فيه من المصلحة؛ فلأنَّ منشأها ومَرْعاها ــ كما ذكر المعتنونَ (١) بمحالِّها ومساكنها ــ في غَيَاطِلَ (٢) ذوات أشجارٍ (٣) شاهقةٍ ذاهبةٍ طولًا؛ فأُعِينَت بطول العُنق لتتناول أطرافَ الشجر التي هناك وثمارَها. فهذا ما وصلت إليه معرفتُهم، وحكمةُ اللطيف الخبير فوق ذلك وأجلُّ منه.

стр. 791

فصل (١) ثمَّ تأمَّل هذه النَّملةَ الضعيفةَ وما أُعطِيَته من الفطنة والحيلة في جمع القُوت وادِّخاره وحِفْظه ودفع الآفة عنه؛ فإنك ترى في ذلك عِبَرًا وآيات. فترى جماعةَ النَّمل إذا أرادت إحراز القُوت خرجت من أسرابها طالبةً له، فإذا ظَفِرَت به أخذت طريقًا من أسرابها إليه وشَرَعت في نقله، فتراها رِفْقتين: رِفْقةً (٢) حاملةً تحملُه إلى بيوتها سِرْبًا ذاهبًا، ورِفْقةً خارجةً من بيوتها إليه لا تخالطُ تلك في طريقها، بل هما كالخيطيْن، بمنزلة جماعة النَّاس الذَّاهبينَ في طريقٍ والجماعة الرَّاجعينَ من جانبهم في طريق. فإذا ثَقُل عليها حملُ الشيء من ذلك اجتمعت عليه جماعةٌ من النَّمل وتساعدَت على حمله، بمنزلة الخشبة والحجر الذي تتساعدُ الفئةُ من النَّاس عليه. فإذا كان الذي ظَفِرَ به منهنَّ واحدةً ساعدَها رِفقتُها عليه إلى بيتها وخلَّوا بينها وبينه، وإن كان الذي صادفه جماعةً منهنَّ تساعَدنَ عليه ثمَّ تقاسمنَه على باب البيت. ولقد أخبرني (٣) بعض الصادقينَ (٤) أنه شاهدَ منهنَّ يومًا عجبًا، قال: رأيتُ نملةً جاءت إلى شِقِّ جرادةٍ فزاولَتْهُ، فلم تُطِق رفعَه (٥) من الأرض،

стр. 792

فذهبَت غيرَ بعيد، ثمَّ جاءت معها بجماعةٍ من النَّمل. قال: فرفعتُ ذلك الشِّقَّ من الأرض، فلمَّا وصلَت النَّملةُ برِفْقتها إلى مكانه دارت حوله ودُرْنَ معها فلم يجدنَ شيئًا، فرجَعْن، فوضعتُه، ثمَّ جاءت فصادفَتْهُ فزاوَلَتْهُ فلم تُطِق رفعَه من الأرض، فذهبَت غيرَ بعيد، ثمَّ جاءت بهنَّ، فرفعتُه، فدُرْنَ حول مكانه فلم يجدنَ شيئًا، فذهبنَ، فوضعتُه، فعادت فجاءت بهنَّ، فرفعتُه، فدُرْنَ حول المكان، فلمَّا لم يجدنَ شيئًا تحلَّقنَ حلقةً وجعلنَ تلك النَّملةَ في وسطها ثمَّ تحامَلْنَ عليها فقطَّعنَها عضوًا عضوًا وأنا أنظُر!! (١). ومن عجيب الفطنة فيها (٢): إذا نَقَلت الحَبَّ إلى مساكنها كسَّرته لئلَّا ينبُت، فإن كان مما ينبتُ الفلقتان منه كسَّرته أربعًا، فإذا أصابه ندًى أو بللٌ وخافت عليه الفسادَ أخرجَتْه للشمس ثمَّ تردُّه إلى بيوتها، ولهذا ترى في بعض الأحيان حَبًّا كثيرًا على أبواب مساكنها مكسَّرًا ثمَّ تعودُ عن قريبٍ فلا ترى منه واحدة. ومن فطنتها: أنها لا تتَّخذُ قريتَها (٣) إلا على نَشْزٍ من الأرض (٤)؛ لئلَّا يَفِيض عليها السَّيلُ فيُغْرِقَها، فلا ترى قرية نملٍ في بطن وادٍ ولكنْ في أعلاه وما ارتفع عن السَّيل منه.

стр. 793

ويكفي من فطنتها ما قصَّ الله سبحانه (١) في كتابه من قولها لجماعة النَّمل ــ وقد رأت سليمان ﵊ وجنودَه ــ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ١٨]. فتكلَّمت بعشرة أنواعٍ من الخطاب في هذه النَّصيحة: النِّداء، والتَّنبيه، والتَّسمية، والأمر، والنَّص، والتَّحذير، والتَّخصيص، والتَّعميم (٢)، والاعتذار. فاشتملت نصيحتُها مع الاختصار على هذه الأنواع العشرة (٣). ولذلك أعجبَ سليمانَ قولُها، وتبسَّم ضاحكًا منه، وسأل الله أن يُوزِعَه شُكرَ نعمته عليه لمَّا سمعَ كلامها (٤). ولا تُستبعَدُ هذه الفطنةُ من أمَّةٍ من الأمم تسبِّحُ بحمد ربها كما في «الصَّحيح» (٥) عن النبي ﷺ قال: «نزل نبيٌّ من الأنبياء تحت شجرة، فلدغته نملة، فأمر بجَهازه (٦) فأُخرِج، ثمَّ أحرقَ قريةَ النَّمل، فأوحى الله إليه: مِنْ أجل أنْ لدغتكَ نملةٌ أحرقتَ أمَّةً من الأمم تسبِّح!، فهلَّا نملةً واحدة؟!».

стр. 794

فصل (١) ومِنْ عجيب الفطنة في الحيوان: أنَّ الثَّعلبَ إذا أعوَزه الطَّعامُ ولم يجد صيدًا تَماوَتَ ونفخَ بطنَه حتى يحسبه الطَّيرُ ميتًا، فيقعُ عليه ليأكل منه، فيثبُ عليه الثَّعلبُ فيأخذه (٢). ومِنْ عجيب الفطنة في هذه الذُّبابة الكبيرة التي تسمَّى: «أسد الذُّباب» (٣)؛ فإنك تراها حين تحسُّ بالذُّباب قد وقعَ قريبًا منه يسكنُ مليًّا حتى كأنه مَوَاتٌ لا حَراك به (٤)، فإذا رأى الذُّبابَ قد اطمأنَّ وغفلَ عنه دَبَّ دبيبًا رفيقًا (٥) حتى يكون منه بحيثُ تنالُه وثبتُه (٦)، ثمَّ يثبُ عليه فيأخذه. ومِنْ عجيب حِيَل العنكبوت أنه يَنْسِجُ تلك الشبكةَ شَرَكًا للصَّيد، ثمَّ يَكْمُنُ في جوفها، فإذا نَشِبَ فيها البَرْغَشُ (٧) والذُّبابُ وثبَ عليه وامتصَّ

стр. 795

دمَه؛ فهذا يحكي صيدَ الأشراك والشِّباك (١)، والأوَّل يحكي صيدَ الكلاب والفُهود. ولا تزدرِيَنَّ العبرةَ بالشيء الحقير من الذَّرَّة والنملة (٢) والبعوض والعنكبوت؛ فإنَّ المعنى النفيسَ يُقتَبسُ من الشيء الحقير، والازدراءُ بذلك ميراثٌ من الذين استنكرت عقولهم ضربَ الله تعالى في كتابه المثلَ بالذُّباب والعنكبوت والكلب والحمار؛ فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦]، فما أغزرَ الحِكَم وأكثرَها في هذه الحيوانات التي تزدريها وتحتقرُها (٣)! وكم مِنْ دلالةٍ فيها على الخالق وحكمته ولطفه ورحمته! فسَلِ المعطِّل: من ألهمَها هذه الحِيَل والتلطُّفَ في اقتناص صيدها الذي جُعِل قوتَها؟! (٤) ومن جعل هذه الحِيَل فيها بدل ما سَلَبها من القوَّة والقدرة، فأغناها بما أعطاها (٥) من الحيلة عما سَلَبها من القوَّة والقدرة سوى اللطيف الخبير؟!

стр. 796

فصل (١) ثمَّ تأمَّل جسمَ الطَّائر وخِلقَته ؛ فإنه حين قُدِّر بأن يكون طائرًا في الجوِّ خُفِّفَ جسمُه، وأُدْمِجَ خَلقُه، واقتُصِرَ به من القوائم الأربع على اثنتين، ومن الأصابع الخمس على أربع، ومن مخرج البول والزِّبل على واحدٍ يجمعُهما جميعًا. ثمَّ خُلِقَ ذا جُؤْجُؤٍ (٢) محدودٍ (٣) ليسهُل عليه اختراقُ الهواء كيف توجَّه فيه، كما يُجْعَلُ صدرُ السَّفينة بهذه الهيئة ليشقَّ الماءَ بسرعةٍ ويَنْفُذ فيه، وجُعِلَت في جناحيه وذنبه رِيشاتٌ طِوالٌ مِتانٌ لينهض بها للطَّيران، وكُسِيَ جسمُه كلُّه الرِّيشَ ليتداخَله الهواءُ فيحمله. ولمَّا قُدِّر أن كان (٤) طعامُه اللَّحمَ والحَبَّ، يبلعُه بلعًا بلا مضغ، نُقِصَ من خَلْق الأسنان، وخُلِق له مِنقارٌ صُلبٌ يتناولُ به طعامه، فلا يَنْسَحِجُ (٥) مِنْ لَقْطِ الحبِّ ولا يَنْقَصِفُ من نهش اللحم (٦). ولمَّا عَدِم الأسنانَ وصار يزدَرِدُ الحَبَّ صحيحًا واللَّحمَ غَرِيضًا (٧)

стр. 797

أُعِين بفضل حرارةٍ في الجوف تطحنُ الحَبَّ وتطبخُ اللَّحم، فاستغنى عن المضغ. والذي يدلُّك على قوَّة الحرارة التي أُعِين بها أنك ترى عَجَمَ الزَّبيب وأمثاله يخرجُ من بطن الإنسان صحيحًا، وينطحنُ (١) في جوف الطَّائر حتى لا يُرى له أثر. ثمَّ اقتضت الحكمةُ أن جُعِل يبيض بيضًا ولا يلدُ ولادةً؛ لئلَّا يثقُل عن (٢) الطَّيران؛ فإنه لو كان مما يحملُ ويمكثُ حملُه في جوفه حتى يَستحكِمَ ويكمُل لأثقَله وعاقَه عن النُّهوض والطَّيران. وتأمَّل الحكمةَ في كون الطَّائر المُرسَل السَّابح (٣) في الجوِّ يُلْهَمُ صبرَ نفسِه أسبوعًا أو أسبوعين باختياره، قاعدًا على بيضه، حاضنًا له، ويحتملُ مشقَّة الحبس، ثمَّ إذا خرجَ فِراخُه تحمَّل مشقَّة الكسب وجمع الحبِّ في حَوْصلته، ثمَّ يَزُقُّه فراخَه (٤)، وليس بذي رويَّةٍ ولا فكرةٍ (٥) في عاقبة أمره، ولا يؤمِّلُ في فِراخه ما يؤمِّلُ الإنسانُ في ولده من العون (٦) والرِّفد وبقاء الذِّكر.

стр. 798

فهذا مِنْ فعله يشهدُ بأنه معطوفٌ على فِراخه لعلَّةٍ لا يعلمُها هو ولا يفكِّرُ فيها مِنْ دوام النَّسل وبقائه. فصل (١) ثمَّ تأمَّل خِلْقَة البيضة وما فيها من المُحِّ الأصفر الخاثر والماء الأبيض الرقيق، فبعضُه ينشأ منه الفَرخ، وبعضه يغتذي منه (٢) إلى أن يخرجَ من البيضة، وما في ذلك من الحكمة. فإنه لمَّا كان نشوءُ الفَرخ في تلك القشرة (٣) المستحصِفة (٤) التي لا نفاذَ فيها للواصِل (٥) مِن خارج، جعَل معه في جوف البيضة (٦) من الغذاء ما يكتفي به إلى خروجه. فصل (٧) و تأمَّل الحكمةَ في حَوْصَلة الطَّائر (٨) وما قُدِّرَت له؛ فإنَّ مسلك

стр. 799

الطَّعام (١) إلى القانِصة (٢) ضيِّقٌ لا ينفُذ فيه الطَّعامُ إلا قليلًا، فلو كان الطَّائرُ لا يلتقطُ حبَّةً ثانيةً حتى تصل الأولى إلى جوفه لطال ذلك عليه، فمتى كان يستوفي طعامَه؟! وإنما يختلسُه اختلاسًا؛ لشدَّة الحذر، فجُعِلت له الحوصلةُ كالمِخلاة المعلَّقة أمامه ليُوعِيَ فيها ما ازدَردَ (٣) من الطُّعم بسرعة، ثمَّ ينفُذ إلى القانِصة على مهَل. وفي الحوصلة أيضًا خصلةٌ أخرى؛ فإنَّ من الطَّير ما يحتاجُ إلى أن يَزُقَّ فراخَه (٤)، فيكون ردُّه الطُّعمَ (٥) مِنْ قُربٍ ليسهُل عليه. فصل (٦) ثمَّ تأمَّل هذه الألوانَ والأصباغَ والوَشْيَ التي تراها في كثيرٍ من الطير، كالطاووس والدُّرَّاج وغيرهما، التي لو خُطَّت بدقيق الأقلام ووُشِيَت بالأيدي لم يكن هذا. فمِن أين في الطبيعة المجرَّدة هذا التشكيلُ والتخطيطُ والتلوينُ والصَّبغُ (٧) العجيبُ البسيطُ والمركَّب، الذي لو اجتمعت الخليقةُ على أن

стр. 800

يحاكوهُ لتعذَّر عليهم؟! فتأمَّل ريشَ الطاووس كيف هو، فإنك تراه كنَسْج الثَّوب الرفيع من خيوطٍ رِفاعٍ جدًّا (١)، قد أُلِّف بعضُها إلى بعضٍ كتأليف الخيط إلى الخيط، بل الشَّعرة إلى الشَّعرة، ثمَّ ترى النَّسجَ إذا مَدَدتَه ينفتحُ قليلًا قليلًا ولا ينشقُّ؛ ليتداخَله الهواءُ، فيُقِلُّ (٢) الطَّائر إذا طار، فترى في وسط الرِّيشة عمودًا غليظًا متينًا (٣) قد نُسِجَ عليه ذلك الثَّوبُ الذي (٤) كهيئة الشَّعر ليُمْسِكه بصلابته؛ وهو القَصَبةُ التي تكونُ في وسط الرِّيشة، وهو مع ذلك أجوفُ؛ ليشتمل على الهواء، فيحمل الطَّائر. فأيُّ طبيعةٍ فيها هذه الحكمةُ والخبرةُ واللُّطف؟! ثمَّ لو كان ذلك في الطبيعة كما يقولون (٥) لكانت من أدلِّ الدَّلائل وأعظم البراهين على قدرة مبدعها ومنشئها وعلمِه وحكمته، فإنه لم يكن لها ذلك من نفسها، بل إنما هو لها ممَّن خلقها وأبدعها. فما كذَّبه المعطِّل هو أحدُ البراهين والآيات التي (٦) على مثلها يزدادُ إيمانُ المؤمنين. وهكذا آياتُ الله يضلُّ بها من يشاء ويهدي من يشاء.

стр. 801

فصل (١) تأمَّل هذا الطَّائر الطَّويل السَّاقين، واعرِف المنفعةَ في طول ساقَيْه؛ فإنه يرعى أكثر مرعاهُ في ضَحْضاحٍ من الماء، فتراه يركزُ (٢) على ساقَيه كأنه ربيئةٌ فوق مَرْقَب (٣)، ويتأمَّلُ ما دبَّ في الماء؛ فإذا رأى شيئًا من حاجته خطا خطوًا رفيقًا حتى يتناوله، ولو كان قصيرَ القائمتين كان [حين] (٤) يخطو نحو الصَّيد ليأخذَه يَصْفِقُ بطنُه الماءَ (٥) فيثوِّرُه، ويَذْعَرُ الصَّيدُ منه فيَنْفِر (٦)، فخُلِقَ له ذانِك العمودان ليدرك بهما حاجتَه ولا يَفْسُدَ عليه مطلبُه. وكلُّ طائرٍ فله نصيبٌ من طول السَّاقين والعُنق؛ ليمكنَه تناولُ الطُّعم (٧) من الأرض، ولو طال ساقاه وقَصُرَت عنقُه لم يمكنه أن يتناول شيئًا من الأرض، وربَّما أعينَ مع طول عنقه (٨) بطول المنقار ليزداد مطلبُه سهولةً عليه وإمكانًا.

стр. 802

ثمَّ تأمَّل هذه العصافيرَ كيف تطلُب أكلَها بالنَّهار كلِّه، فلا هي تفقدُه ولا هي تجدُه مجموعًا مُعَدًّا، بل تنالُه بالحركة والطلب في الجهات والنَّواحي، فسبحان الذي قدَّره ويسَّره، كيف لم يجعله مما يتعذَّرُ عليها إذا التمسَته، ولا مما يفُوتها إذا قعدَت عنه، وجعلها قادرةً عليه في كلِّ حينٍ وأوان، وبكلِّ أرضٍ ومكان، حتى من الجدران والأسطحة والسُّقوف، تنالُه بالهُوَينا من السَّعي، فلا يشاركُها فيه غيرُ بني جنسها من الطير. ولو كان ما تقتاتُ به يوجدُ مُعَدًّا مجموعًا كلُّه كانت الطيرُ تَشْرَكُها فيه وتغلبُها عليه (١). ولحكمة (٢) أخرى بديعة؛ وذلك (٣) أنها لو وجدَته مُعَدًّا مجموعًا لأكبَّت عليه بحرص الرَّغبة فلا تقلعُ (٤) عنه وإن شبعَت حتى تَبْشَم وتهلك. وكذلك الناسُ لو جُعِل طعامُهم مُعَدًّا لهم بغير سعيٍ ولا تعبٍ لأخرجهم وُجدانُهم له كذلك (٥) إلى الشَّره والبِطْنة والبَرَدة (٦)، ولكثُر الفسادُ وعمَّت الفواحش، ولبغَوا في الأرض. فسبحان اللطيف الخبير الذي لم يخلق شيئًا سدًى ولا عبثًا.

стр. 803

وانظر في هذه الطير التي لا تخرجُ إلا بالليل، كالبُوم والهام والخفَّاش، فإنَّ أقواتها هيِّئت لها في الجوِّ، لا من الحَبِّ ولا من اللحم، بل من البعوض والفَراش وأشباههما مما تلتقطُه من الجوِّ، فتأخذُ منه بقَدْر حاجتها ثمَّ تأوي إلى بيوتها فلا تخرجُ إلى مثل ذلك الوقت من الليل. وذلك أنَّ هذه الضُّروبَ من البعوض والفَراش وأشباههما مبثوثةٌ في الجوِّ لا يكادُ يخلو منها موضعٌ منه. واعتبِرْ ذلك بأن تضعَ سراجًا بالليل في سطح أو عَرْصَة الدَّار (١)، فيجتمعُ عليه من هذا الضَّرب شيءٌ كثير. وهذا الضَّربُ من الفَراش ونحوها ناقصُ الفطنة، ضعيفُ الحيلة، ليس في الطَّير أضعفُ منه ولا أجهل، وفيما ترى مِنْ تهافُته (٢) في النَّار وأنت تطرده عنها حتى يحرق نفسَه (٣) دليلٌ على ذلك. فجعل معاشَ هذه الطُّيور التي تخرجُ بالليل من هذا الضَّرب، فتقتاتُ منه، فإذا أتى بالنهار انقطعَت إلى أوكارها؛ فالليلُ لها بمنزلة نهار غيرها من الطَّير، ونهارُها بمنزلة ليل غيرها، ومع ذلك فسَاق لها الذي تكفَّل بأرزاق الخلقِ رزقَها، وخلَقه لها في الجوِّ، ولم يَدَعها بلا رزقٍ مع ضعفها وعجزها. وهذه إحدى الحِكَم والفوائد في خَلْق هذه الفَراش والجنادِب والبعوض؛ فكم فيها من رزقٍ لأمَّةٍ تسبِّحُ بحمد ربها! ولولا ذلك لانتشرَت وكثُرت حتى أضرَّت بالنَّاس ومنعتهم القرار.

стр. 804

فانظُر إلى عجيب تقدير الله وتدبيره، كيف اضطرَّ العقولَ إلى أن شَهِدَت بربوبيَّته وقدرته وعلمه وحكمته، وأنَّ ذلك الذي تشاهدُه ليس باتِّفاقٍ ولا بإهمالٍ من سائر وجوه الأدلَّة التي لا تتمكَّنُ الفِطَر من جَحْدِها أصلًا. وإذ قد جرى الكلامُ إلى ذكر الخفَّاش؛ فهو من الحيوانات العجيبة الخِلقَة بين خِلقَة الطَّير وذوات الأربع، وهو إلى ذوات الأربع أقرب، فإنه ذو أذنين ناشزتَين (١) وأسنانٍ ووَبَر (٢)، وهو يلدُ وِلادًا، ويُرضِع (٣)، ويمشي على أربع، وكلُّ هذا صفةُ ذوات الأربع، وله جناحان يطيرُ بهما مع الطُّيور. ولما كان بصرُه يضعُف عن نور الشمس كان نهارُه كلَيْلِ غيره، فإذا غابت الشمسُ انتشر، ومِنْ ذلك سمِّي ضعيفُ البصر: أخفَش، والخَفَشُ ضعفُ البصر، ولما كان كذلك جُعِلَ قوتُه (٤) من هذه الطُّيور الضِّعاف التي تطيرُ بالليل (٥). وقد زعمَ بعض (٦) من تكلَّم في الحيوان أنه ليس يَطْعَمُ شيئًا، وإنما غذاؤه من النَّسيم البارد فقط (٧).

стр. 805

وهذا كذبٌ عليه وعلى الخِلْقة؛ لأنه يبُول، وقد تكلَّم الفقهاءُ في بوله: هل هو نجسٌ لأنه بولُ غيرِ مأكولٍ؟ أو نجسٌ معفوٌّ عن يسيره لمشقَّة التحرُّز منه؟ على قولين، هما روايتان عن أحمد. وبعضُ الفقهاء لا ينجِّسُ بولَه بحالٍ، وهذا أقيسُ الأقوال (١)؛ إذ لا نصَّ فيه، ولا يصحُّ قياسُه على الأبوال النَّجسة؛ لعدم الجامع المؤثِّر، ووضوح الفرق. وليس هذا موضع استيفاء الحجج في هذه المسألة من الجانبين (٢). والمقصودُ أنه لو كان لا يأكلُ شيئًا لم يكن له أسنان، إذ لا معنى للأسنان في حقِّ من لا يأكلُ شيئًا، ولهذا لما عَدِم الطفلُ الرضيعُ الأكلَ لم يُعْط الأسنان، فلما كبر واحتاج إلى الغذاء أُعِينَ عليه بالأسنان التي تقطعُه والأضراس التي تطحنُه. وليس في الخليقة شيءٌ مهمل، ولا عن الحكمة بمعطَّل، ولا شيءٌ لا معنى له. وأمَّا الحِكَمُ والمنافعُ في خَلْق الخفَّاش، فقد ذكر منها الأطبَّاءُ في كتبهم ما انتهت إليه معرفتُهم (٣)، حتى إنَّ بوله (٤) يدخلُ في بعض الأكحال (٥)،

стр. 806

فإذا كان هذا بوله الذي لا يخطرُ بالبال أنَّ فيه منفعةً البتة، فما الظَّنُّ بجُملته؟! ولقد أخبَر بعض من شُهِدَ (١) بصدقه أنه رأى دُخَّلًا (٢) ــ وهو طائرٌ معروف ــ قد عَشَّش في شجرة، فنظر إلى حيَّةٍ عظيمةٍ قد أقبلت نحو عُشِّه فاتحةً فاها لتبتلعه، فبينما هو يضطربُ في حيلة النَّجاة منها إذ وَجَد حَسَكةً (٣) في العُشِّ، فحملها فألقاها في فَم الحيَّة، فلم تزل تلتوي حتى ماتت (٤). فصل (٥) ثمَّ تأمَّل أحوال النَّحل وما فيها من العِبَر والآيات.

стр. 807

فانظُر إليها وإلى اجتهادها (١) في صَنعة العسل وبنائها البيوتَ المسدَّسة التي هي من أتمِّ الأشكال وأحسنها استدارةً وأحكمها صنعًا، فإذا انضمَّ بعضُها إلى بعضٍ لم يكن بينها (٢) فُرجةٌ ولا خَلَل، كلُّ هذا بغير مقياسٍ ولا آلةٍ ولا بِرْكار (٣). وذلك مِنْ أثر صُنع الله وإلهامه إياها وإيحائه إليها؛ كما قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٦٨ - ٦٩]. فتأمَّل كمال طاعتها وحُسْنَ ائتمارها (٤) لأمر ربها تعالى، كيف (٥) اتَّخذت بيوتها من هذه الأمكنة الثَّلاثة: في الجبال والشقفانات (٦)، وفي الشَّجر، وفي بيوت الناس حيثُ يَعْرِشُون، أي: يبنون العُروش (٧) وهي

стр. 808

البيوت. فلا يُرى للنَّحل بيتٌ غير هذه الثَّلاثة البتة. وتأمَّل كيف أكثرُ بيوتها في الجبال والشقفان، وهو البيتُ المقدَّمُ في الآية، ثمَّ في الأشجار، وهي مِنْ أكثر بيوتها (١)، وفيما يَعْرِشُ الناس، وأقلُّ بيوتها بينهم حيثُ يَعْرِشُون، وأما في الجبال والشجر بيوتٌ (٢) عظيمةٌ يؤخذُ منها من العسل (٣) الكثيرُ جدًّا. وتأمَّل كيف أدَّاها حُسْنُ الامتثال إلى أن ا تخذت البيوتَ قبل المرعى؛ فهي تتَّخذ البيوتَ أوَّلًا، ثمَّ إذا استقرَّ لها بيتٌ خرجت منه فرعَت وأكلت من الثِّمار، ثمَّ أوتْ إلى بيوتها؛ لأنَّ ربها سبحانه أمرها با تخاذ البيوت أوَّلًا، ثمَّ بالأكل بعد ذلك، ثمَّ إذا أكلت سلكت سُبلَ ربها مذلَّلةً لها (٤) لا يستَوعِرُ عليها شيءٌ، ترعى ثمَّ تعود. ومن عجيب شأنها أنَّ لها أميرًا يسمَّى: «اليَعْسُوب» لا يتمُّ لها رواحٌ ولا إيابٌ ولا عملٌ ولا مرعًى إلا به، فهي مؤتمرةٌ لأمره، سامعةٌ له مطيعة، وله عليها تكليفٌ وأمرٌ ونهي، وهي رعيَّةٌ له (٥)، منقادةٌ لأمره، متَّبعةٌ لرأيه، يدبِّرها كما يدبِّرُ الملكُ أمرَ رعيَّته، حتى إنها إذا أوتْ إلى بيوتها وقفَ على

стр. 809

باب البيت فلا يدعُ واحدةً تزاحمُ الأخرى ولا تتقدَّم عليها في العُبور، بل تَعْبُرُ بيوتها واحدةً بعد واحدةٍ بغير تزاحُمٍ ولا تصادمٍ ولا تراكُم، كما يفعلُ الأميرُ إذا انتهى بعسكره إلى معْبرٍ ضيِّقٍ لا يجُوزه إلا واحدٌ واحد. ومن تدبَّر أحوالها وسياستَها وهدايتها، واجتماعَ شملها، وانتظامَ أمرها، وتدبيرَ مُلْكِها، وتفويض كلِّ عملٍ إلى واحدٍ منها= يتعجَّبُ منها كلَّ العجب، ويعلمُ أنَّ هذا ليس في مقدورها ولا هو مِنْ ذاتها؛ فإنَّ هذه أعمالٌ محكمةٌ متقنةٌ في غاية الإحكام والإتقان، فإذا نظرتَ إلى العامل (١) رأيتَه مِنْ أضعف خلق الله وأجهَلِه بنفسه وبحاله، وأعجَزِه (٢) عن القيام بمصلحته فضلًا عمَّا يصدُر منه من الأمور العجيبة. ومن عجيب أمرها أنَّ أميرين فيها لا يجتمعان (٣) في بيتٍ واحد، ولا يتأمَّران على جمعٍ واحد، بل إذا اجتمع منها جُنْدان وأميران قتلوا أحدَ الأميرين وقطَّعوه واتفقوا على الأمير الواحد، مِنْ غير معاداةٍ بينهم ولا أذًى من بعضهم لبعض، بل يصيرون يدًا واحدةً وجندًا واحدًا. فصل ومن عجيب أمرها ما لا يهتدي له أكثرُ الناس ولا يعرفونه؛ وهو النِّتاجُ الذي يكونُ لها، هل هو على وجه الولادة أو التَّولُّد والاستحالة؟ (٤) فقَلَّ من

стр. 810

يعرفُ ذلك أو يَفْطِنُ له (١). وليس نِتاجُها على واحدٍ من هذين الوجهين، وإنما نِتاجُها بأمرٍ مِنْ أعجب العجب، فإنها إذا ذهبت إلى المرعى أخذَت تلك الأجزاءَ الصَّافيةَ التي على الوَرَق، من الورد والزَّهر والحشيش وغيره، وهي الطَّلُّ؛ فتمصُّها، وذلك مادةُ العسل، ثمَّ أنها تكبِسُ (٢) الأجزاءَ المنعقدةَ على وجه الورقة وتَعْقِدُها على رِجْلِها كالعَدَسَة، فتملأ بها المسدَّسات الفارغة من العسل، ثمَّ يقومُ يَعْسُوبها على بيته مبتدئًا منه، فينفخُ فيه، ثمَّ يطوفُ على تلك البيوت بيتًا بيتًا وينفخُ فيها كلِّها، فتدبُّ فيها الحياةُ بإذن الله ، فتتحرَّكُ وتخرجُ طيورًا بإذن الله (٣). وتلك إحدى الآيات والعجائب التي قلَّ من يتفطَّنُ إليها، وهذا كلُّه من ثمرة ذلك الوحي الإلهيِّ، أفادها وأكسَبها (٤) هذا التَّدبير والسَّفر والمعاشَ والبناءَ والنِّتاج. فسَل المعطِّل الضالَّ (٥): من الذي أوحى إليها أمرَها وجَعَل ما جَعَل في طباعها؟! ومن الذي سهَّل لها سُبلَه ذُللًا منقادةً لا تستعصي (٦) عليها ولا
следующие страницы →