← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 145411

مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 704 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

في البرِّ لا يمكنُه الحياةُ إلا به، فهو معه أين كان وحيثُ كان؛ لأنه لا يستغني عنه لحظةً واحدة، ولولا كثرتُه وسَعتُه وامتدادُه في أقطار العالم لاختنقَ أهل العالَم (١) من الدُّخان والبُخَار المتصاعد المُنعقِد. فتأمَّل حكمةَ ربك في أنْ سخَّر له الرياح، فإذا تصاعدَ إلى الجوِّ أحالتهُ سحابًا أو ضبابًا، فأذهبَت عن العالم شرَّه وأذاه. فسَلِ الجاحدَ: من الذي دبَّر هذا التَّدبيرَ وقدَّر هذا التقدير؟ وهل يقدرُ أهل العالَم (٢) كلُّهم لو اجتمعوا أن يُحِيلوا ذلك ويقلبوه سحابًا أو ضبابًا، أو يُذْهِبوه عن النَّاس ويكشفوه عنهم؟ ولو شاء ربُّه تعالى لحبَسَ عنه الرياح فاختنقَ على وجه الأرض، فأهلَك ما عليها من الحيوان والنَّاس. فصل (٣) ومِنْ ذلك: سَعةُ هذه الأرض وامتدادُها، ولولا ذلك لضاقت عن مساكن الإنس والحيوان، وعن مزارعهم ومراعيهم، ومنابت ثمارهم وأعشابهم. فإن قلت: فما حكمةُ هذه القِفَار الخالية، والفَلَوات الفارغة المُوحِشَة؟ فاعلم أنَّ فيها معايشَ (٤) ما لا يحصيه إلا الله من الوحوش والدَّوابِّ، وعليها أرزاقُهم، وفيها مَطْرَدُهم ومنزلهم؛ كالمدن والمساكن للإنس، وفيها

стр. 737

مجالهم ومرعاهم ومَصِيفُهم ومَشْتاهُم. ثمَّ فيها ــ بعدُ ــ متَّسعٌ ومتنفَّسٌ للنَّاس ومُضطرَبٌ إذا احتاجوا إلى الانتقال والبَدْوِ (١) والاستبدال بالأوطان؛ فكم من بيداءَ سَمْلَقٍ (٢) صارت قصورًا (٣) وجِنانًا ومساكن. ولولا سَعةُ الأرض وفَسْحُها (٤) لكان أهلُها كالمحصورين والمحبوسين في أماكنهم، لا يجدون عنها انتقالًا إذا فَدَحَهم (٥) ما يزعجُهم عنها ويضطرُّهم إلى النُّقلة منها. وكذلك الماء، لولا كثرتُه وتدفُّقه في الأودية والأنهار لضاق عن حاجة النَّاس إليه، ولغَلَبَ القويُّ فيه الضعيفَ واستبدَّ به دونه، فيحصلُ الضررُ وتَعْظُمُ البليَّة، مع شدَّة حاجة جميع الحيوان إليه من الطَّير والوحوشِ والسِّباع، فاقتضت الحكمةُ أن كان بهذه الكثرة والسَّعة في كلِّ وقت. وأما النَّار، فقد تقدَّم أنَّ الحكمةَ اقتضت كُمونَها (٦)؛ متى شاء العبدُ أَوْراها عند الحاجة، فهي وإن لم تكن مبثوثةً (٧) في كلِّ مكانٍ فإنها عَتِيدةٌ (٨) حاصلةٌ متى احتيجَ إليها، واسعةٌ لكلِّ ما يُحتاجُ إليه منها، غير أنها مُودَعةٌ في أجسامٍ جُعِلَت معادنَ لها؛ للحكمة التي تقدَّمت.

стр. 738

فصل (١) ثمَّ تأمَّل الحكمةَ البالغةَ في نزول المطر على الأرض من عُلوٍّ ليعُمَّ بسَقْيه وِهادَها وتِلالها، وظِرابها وآكامها، ومنخفَضها ومرتفعَها، ولو كان ربها تعالى إنما يسقيها (٢) من ناحيةٍ من نواحيها لما أتى الماءُ على الناحية المرتفعة إلا إذا اجتمع في السُّفلى وكثُر، وفي ذلك ضررٌ وفساد. فاقتضت حكمتُه أن سقاها من فوقها؛ فينشاءُ سبحانه السَّحابَ ــ وهي روايا الأرض ــ، ثمَّ يرسلُ الرياح فتحملُ الماءَ من البحر وتَلْقَحُها به كما يَلْقَحُ الفحلُ الأنثى. ولهذا تجدُ البلادَ القريبة من البحر كثيرةَ الأمطار، وإذا بَعُدَت من البحر قلَّ مطرُها (٣). وفي هذا المعنى قولُ الشاعر (٤) يصفُ السَّحاب: شَرِبْنَ بماءِ البحرِ ثمَّ تَرفَّعَتْ ... متى لُجَجٍ خُضْرٍ لهنَّ نَئيجُ (٥)

стр. 739

وفي «الموطَّأ» (١) مرفوعًا، وهو أحدُ الأحاديث الأربعة المقطوعة (٢): «إذا نَشَأت سحابةٌ بحريَّةً ثمَّ تشاءمت فتلك عينٌ غُدَيْقَة» (٣). والله سبحانه ينشاء الماءَ في السَّحاب إنشاءً، تارةً يَقْلِبُ الهواءَ ماءً (٤) وتارةً يحملُه الهواءُ من البحر فيَلْقَحُ به السَّحابَ ثمَّ ينزلُ منه على الأرض للحكمة التي ذكرناها، ولو أنه ساقه من البحر إلى الأرض جاريًا على ظهرها لم يحصُل عمومُ السَّقي إلا بتخريب كثيرٍ من الأرض، ولم يحصُل عمومُ السَّقي لأجزائها. فصاعَدَه (٥) سبحانه إلى الجوِّ بلُطفه وقدرته، ثمَّ أنزله على الأرض

стр. 740

بغايةٍ (١) من اللُّطف والحكمة التي لا اقتراحَ لجميع عقول الحكماء فوقها فأنزله ومعه رحمتُه على الأرض. فصل (٢) ثمَّ تأمَّل الحكمةَ البالغةَ في إنزاله بقَدْر الحاجة، حتى إذا أخذت الأرضُ حاجتَها منه، وكان تتابعُه عليها بعد ذلك يضرُّها= أقلَع عنها وأعقَبه بالصَّحو، فهما ــ أعني الصَّحوَ والغَيم ــ يَعْتَقِبان (٣) على العالم لما فيه صلاحُه، ولو دام أحدُهما كان فيه فسادُه. فلو توالت الأمطارُ لأهلكت ما على الأرض، ولو زادت على الحاجة أفسدت الحبوبَ والثِّمار، وعفَّنت الزروعَ والخضروات، وأرخَت الأبدان (٤)، وخثَّرت (٥) الهواء، فحدثَت ضروبٌ من الأمراض، وفَسَد أكثرُ المآكل، وتقطَّعت المسالكُ والسُّبل. ولو دام الصَّحوُ لجفَّت الأبدان، وغِيض الماءُ، وانقطع مَعِينُ العيون والآبار والأنهار والأودية، وعَظُمَ الضرر، واحْتَدَم الهواء (٦)، فيَبِسَ ما على الأرض، وجفَّت الأبدان، وغَلَب اليُبْس، فأحدثَ ذلك ضُروبًا من الأمراض

стр. 741

عَسِرة الزَّوال. فاقتضت حكمةُ اللطيف الخبير أنْ عاقَبَ بين الصَّحو والمطر على هذا العالم؛ فاعتدل الأمرُ، وصَحَّ الهواءُ، ودَفَع كلُّ واحدٍ منهما عادِيَة الآخر (١)، واستقام أمرُ العالم وصلح. فصل (٢) ثمَّ تأمَّل الحكمةَ الإلهيَّة في إخراج الأقوات والثِّمار والحبوب والفواكه متلاحقةً شيئًا بعد شيء، متتابعةً، ولم يخلقها كلَّها جملةً واحدة؛ فإنها لو خُلِقَت كذلك على وجه الأرض، ولم تكن تَنبتُ على هذه السُّوق والأغصان، لدَخَل الخللُ وفاتت المصالحُ التي رُتِّبت على تلاحُقها وتتابُعها؛ فإنَّ كلَّ فصلٍ وأوانٍ يقتضي من الفواكه والثِّمار (٣) غيرَ ما يقتضيه الفصلُ الآخر، فهذا حارٌّ وهذا باردٌ وهذا معتدل، وكلٌّ في فصله موافقٌ للمصلحة لا يليقُ به غيرُ ما خُلِقَ فيه. ثمَّ إنه سبحانه خلق تلك الأقواتَ مقارِنةً لمنافعَ أخرَ من العَصْف والخشب، والوَرَق والنَّوْر (٤)، والسَّعَف والكَرَب (٥)، وغيرها من منافع النَّبات والشَّجر غير الأقوات، كعَلَف (٦) البهائم، وآلات الأبنية والسُّفُن والرِّحال والأواني وغيرها، ومنافعِ النَّوْر من الأدوية والمنظر البهيج الذي

стр. 742

يسرُّ النَّاظرين، وحُسْن مرأى الشجر وخِلْقَتها البديعة الشاهدة لفاطرها ومبدعها بغاية الحكمةِ واللُّطف. ثمَّ إذا تأمَّلتَ إخراجَ ذلك النَّوْر البهيِّ من نفس ذلك الحطب، ثمَّ إخراجَ الوَرَق الأخضر، ثمَّ إخراجَ تلك الثِّمار على اختلاف أنواعها وأشكالها ومقاديرها، وألوانها وطُعومها وروائحها ومنافعها وما يرادُ منها. ثمَّ تأمَّل أين كانت مُستودعَةً في تلك الخشبة وهاتيك العِيدان، وجُعِلت الشجرةُ لها كالأمِّ، فهل كان في قدرة الأب العاجز الضعيف إبرازُ هذا التَّصوير العجيب، وهذا التقدير المُحْكَم، وهذه الأصباغ الفائقة، وهذه الطُّعوم اللذيذة والأراييح (١) الطيِّبة، وهذه المناظر المستحسَنة؟! فسَلِ الجاحدَ: من تولى تقديرَ ذلك وتصويرَه وإبرازه وترتيبَه (٢) شيئًا فشيئًا، وسَوْقَ الغذاء إليه في تلك العُروق اللِّطاف التي يكادُ البصرُ يعجزُ عن إدراكها وتلك المجاري الدِّقاق؟! فمن الذي تولى ذلك كلَّه؟! ومن الذي أطْلَع لها الشمس، وسخَّر لها الرياح، وأنزَل عليها المطر، ودَفَع عنها الآفات؟! وتأمَّل تقديرَ اللطيف الخبير؛ فإنَّ الأشجار لما كانت تحتاجُ إلى الغذاء الدَّائم، كحاجة النَّاس وسائر الحيوان، ولم يكن لها أفواهٌ كأفواه الحيوان، ولا حركةٌ تنبعثُ بها لتناول الغذاء؛ جُعِلت أصولُها مركوزةً في الأرض؛

стр. 743

لتنزع منها (١) الغذاء وتمتصَّه من أسفل الثَّرى، فتؤدِّيه إلى أغصانها، فتؤدِّيه الأغصانُ إلى الوَرق والثَّمر، كلٌّ له شِرْبٌ معلومٌ لا يتعدَّاه، يصلُ إليه في مَجَارٍ وطرقٍ قد أُحكِمَت غايةَ الإحكام، فتأخذُ الغذاءَ من أسفلَ وتَلْقَمه بعروقها كما يلتقمُ الحيوانُ غذاءه بفمه، ثمَّ تقسِّمه على حملها بحسب ما يحتملُه (٢)، فتعطي كلَّ جزءٍ منه بحسب ما يحتاجُ إليه لا تظلمُه ولا تزيدُه على قَدْر حاجته. فسَلِ الجاحدَ (٣): من أعطاها هذا؟ ومن هداها إليه ووَضَعَه فيها؟ فلو اجتمعَ الأوَّلون والآخِرون هل كانت قدرتُهم وإرادتُهم تصلُ إلى تربية (٤) ثمرةٍ واحدةٍ منها هكذا بإشارةٍ أو صناعةٍ أو حيلةٍ أو مزاوَلة؟ وهل ذلك إلا صُنْعُ من شَهِدَت له مصنوعاتُه، ودلَّت عليه آياتُه، كما قيل: فوا عَجبًا كيف يُعصى الإلـ ... ـهُ أم كيف يجحَدُه الجاحِدُ وللهِ في كُلِّ تحريكةٍ ... وتسكينةٍ أبدًا شاهِدُ وفي كلِّ شيءٍ له آيةٌ ... تَدُلُّ على أنه واحِدُ (٥)

стр. 744

فصل (١) ثمَّ تأمَّل إذا نصبتَ خيمةً أو فُسطاطًا كيف تُمِدُّه (٢) من كلِّ جانبٍ بالأطنابِ ليثبُتَ فلا يسقُط ولا يتعوَّج. فهكذا تجدُ النَّبات والشجرَ له عروقٌ ممتدَّةٌ في الأرض منتشرةٌ إلى كلِّ جانبٍ لتُمسِكه وتُقِيمَه، وكلَّما انتشرت أعاليه امتدَّت (٣) عروقُه وأطنابُه من أسفل في الجهات. ولولا ذلك كيف كانت تثبُت هذه النَّخيلُ الطِّوالُ الباسقاتُ والدَّوْحُ العِظام (٤) على الرياح العواصف؟! وتأمَّل سَبْق الخِلْقة الإلهية (٥) للصِّناعة البشرية؛ حتى يَعْلَم الناسُ نَصْبَ الخِيام والفساطيط من خِلْقة الشَّجر والنَّبات؛ لأنَّ عروقها أطنابٌ لها كأطناب الخيمة، وأغصانُ الشَّجر يُتَّخذُ منها الفساطيط، ثمَّ يحاكى بها الشجرة. فصل (٦) ثمَّ تأمَّل الحكمةَ في خَلْق الوَرَق؛ فإنك ترى في الورقة الواحدة من جملة العُروق الممتدَّة فيها المبثوثة فيها ما يَبْهَرُ النَّاظر.

стр. 745

فمنها غِلاظٌ ممتدَّةٌ في الطُّول والعرض، ومنها دِقاقٌ تتخلَّلُ تلك الغِلاظ، منسوجةً نسجًا دقيقًا مُعْجِبًا لو كان مما يتولى البشرُ صُنْعَ مثله بأيديهم لما فُرِغ من ورقةٍ في عامٍ كامل، ولاحتاجُوا فيه إلى آلاتٍ وحركاتٍ وعلاجٍ تعجزُ قدرتهم عن تحصيله، فبثَّ الخلَّاقُ العليمُ في أيامٍ قلائل من ذلك ما يملأ الأرض سَهْلَها وجبالها بلا آلاتٍ ولا مُعينٍ ولا فكرةٍ ولا معالجة، إن هي إلا إرادتُه النَّافذةُ في كلِّ شيء، وقدرتُه التي لا يمتنعُ منها شيء؛ ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]. فتأمَّل الحكمةَ في تلك العروق المتخلِّلة للورقة (١) بأسْرِها لتسقيها وتُوصِل (٢) إليها المادَّة فتحفظ عليها حياتها ونضارتها، بمنزلة العروق المبثوثة في الأبدان التي تُوصِلُ الغذاءَ إلى كلِّ جزءٍ منه. وتأمَّل ما في العروق الغِلاظ من إمساكها الورقَ بصلابتها ومتانتها لئلَّا تتمزَّق وتضمحلَّ (٣)، فهي بمنزلة الأعصاب لبدن الحيوان، فتراها قد أُحكِمَت صَنْعَتُها ومُدَّت العروقُ في طولها وعرضِها لتتماسك فلا يَعْرِضُ لها التَّمزُّق. فصل ثمَّ تأمَّل حكمةَ اللطيف الخبير في كونها (٤) جُعِلَت زينةً للشجر، وسِتْرًا ولباسًا للثَّمرة، ووقايةً لها من الآفات التي تمنعُ كمالها؛ ولهذا إذا جُرِّدَت

стр. 746

الشجرةُ من ورقها فَسَدَت الثَّمرةُ ولم يُنتفَع بها. وانظر كيف جُعِلَت وقايةً لِمَنبِت الثَّمرة الضعيف (١) من اليُبْس، فإذا ذهبَت الثَّمرةُ بقي الورقُ وقايةً لتلك الأفنان الضعيفة من الحرِّ، حتى إذا طَفِئت تلك الجمرةُ ولم يَضُرَّ الأفنانَ عُرْيُها عن ورقها سُلِبَتها (٢) لتكتسيَ لباسًا جديدًا أحسنَ منه. فتبارك الله ربُّ العالمين الذي يعلمُ مَساقِط (٣) تلك الأوراق ومَنابِتَها، فلا تخرجُ منها ورقةٌ إلا بإذنه ولا تسقطُ إلا بعلمه، ومع هذا فلو شاهدها العبادُ على كثرتها وتنوُّعها وهي تسبِّحُ بحمد ربها (٤) مع الثِّمار والأفنان والأشجار لشاهدوا من جمالها أمرًا آخر، ولرأوا خِلْقَتها بعَيْنٍ أخرى، ولعلموا أنها لشأنٍ عظيمٍ خُلِقَت (٥)، وأنها لم تُخْلَق سُدى. قال تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٦]؛ فالنَّجمُ ما ليس له ساقٌ من النَّبات، والشجرُ ما له ساقٌ (٦)، وكلُّها ساجدةٌ لله مسبِّحةٌ بحمده: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤].

стр. 747

ولعلَّك أن تكون ممَّن غَلُظ حِجابُه، فتذهبَ (١) إلى أنَّ التَّسبيحَ دلالتُها على صانعها فقط (٢)؛ فاعلَم أنَّ هذا القول يظهرُ بطلانُه من أكثر من ثلاثين وجهًا قد ذكرنا أكثرها في موضعٍ آخر (٣). وفي أيِّ لغةٍ تسمَّى الدلالةُ على الصَّانع تسبيحًا وسجودًا وصلاةً وتأويبًا وهُبوطًا من خشيته، كما ذكر تعالى ذلك في كتابه؟! فتارةً يخبرُ عنها بالتَّسبيح، وتارةً بالسُّجود، وتارةً بالصَّلاة؛ كقوله تعالى: ﴿وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [النور: ٤١]، أفترى يقبلُ عقلُك أن يكون معنى الآية: كلٌّ قد عَلِمَ اللهُ دلالته عليه؟! وسمَّى تلك الدَّلالةَ صلاةً وتسبيحًا، وفرَّق بينهما وعَطَف أحدَهما على الآخر! وتارةً يخبرُ عنها بالتَّأويب؛ كقوله: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ [سبأ: ١٠].

стр. 748

وتارةً يخبرُ عنها بالتَّسبيح الخاصِّ بوقتٍ دون وقت، كالعشيِّ والإشراق، أفترى دلالتها على صانعها إنما تكونُ في هذين الوقتين؟! وبالجملة؛ فبطلانُ هذا القول أظهرُ لذوي البصائر من أن يطلبوا دليلًا على بطلانه، والحمدُ لله. فصل (١) ثمَّ تأمَّل حكمتَه سبحانه في إيداع (٢) العَجَم والنَّوى في جوف الثَّمرة، وما في ذلك من الحِكَم والفوائد التي منها: أنه كالعَظْم لبدن الحيوان، فهو يُمْسِكُ بصلابته رخاوةَ الثَّمرة ورِقَّتَها ولطافتَها، ولولا ذلك لشُدِخَت (٣) وتفسَّخَت، ولأسرع إليها الفساد، فهو بمنزلة العَظْم، والثَّمرةُ بمنزلة اللحم الذي يكسوه الله العِظام. ومنها: أنَّ في ذلك بقاءَ المادَّة وحِفْظها؛ إذ ربَّما تعطَّلت الشجرةُ أو نوعُها، فخَلَق فيها (٤) ما يقومُ مقامها عند تعطُّلها، وهو النَّوى الذي يُغْرَسُ فيعودُ مثلَها. ومنها: ما في تلك الحبوب من أقوات الحيوانات، وما فيها من المنافع والأدهان والأدوية والأصباغ وضروبٍ أُخَر من المصالح التي يتعلَّمها النَّاس (٥)، وما خَفِيَ عليهم منها أكثر.

стр. 749

فتأمَّل الحكمةَ في إخراجه ــ سبحانه ــ هذه الحبوبَ لمنافعَ فيها، وكسوتها لحمًا لذيذًا شهيًّا يتفكَّهُ به ابنُ آدم. ثمَّ تأمَّل هذه الحكمةَ البديعةَ في أنْ جَعَل للثَّمرة الرَّقيقة اللطيفة التي يُفسِدُها الهواءُ والشمسُ غلافًا يحفظُها، وغشاءً يواريها؛ كالرُّمَّان والجَوز واللَّوز ونحوه. وأمَّا ما لا يَفْسُدُ إذا كان بارزًا فجَعَل له في أوَّل خروجه غشاءً يواريه؛ لضعفه ولقلَّة صبره على الحرِّ، فإذا اشتدَّ وقَوِيَ تفتَّق عنه ذلك الغشاءُ وضَحَا للشمس (١) والهواء؛ كطَلْع النَّخل وغيره. فصل (٢) ثمَّ تأمَّل خلقَ الرُّمَّان وماذا فيه من الحِكَم والعجائب؛ فإنك ترى داخلَ الرُّمَّانة كأمثال التِّلال (٣) شحمًا متراكمًا في نواحيها، وترى ذلك الحَبَّ فيها مرصوفًا رصفًا ومنضودًا نضدًا لا يمكنُ الأيدي أن تنضِّده، وترى الحَبَّ مقسومًا أقسامًا وفِرَقًا، وكلَّ قسمٍ وفرقةٍ منه ملفوفًا (٤) بلفائفَ وحُجُبٍ منسوجةٍ أعجبَ نسجٍ وألطفَه وأدقَّه (٥) على غير منوالٍ إلا منوال ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾، ثمَّ ترى الوعاءَ المحكَم الصُّلبَ قد اشتمل على ذلك كلِّه وضمَّه أحسنَ ضمٍّ.

стр. 750

فتأمَّل هذه الحكمةَ البديعةَ في الشَّحم المودَع فيها؛ فإنَّ الحَبَّ لا يمدُّ بعضه بعضًا، إذ لو مدَّ بعضُه بعضًا لاختلط وصار حبَّةً واحدة، فجُعِل ذلك الشحمُ خِلاله (١) ليمدَّه بالغذاء. والدليلُ عليه أنك ترى أصول الحَبِّ مركوزةً في ذلك الشَّحم، وهذا بخلاف حَبِّ العنب فإنه استغنى عن ذلك بأن جَعَل لكلِّ حبَّةٍ مجرًى تشربُ منه، فلا تشربُ حقَّ أختها، بل يجري الغذاءُ في ذلك العِرْق مجرًى واحدًا، ثمَّ ينقسمُ منه في مجاري الحبوب كلِّها، فينصبُّ منه (٢) في كلِّ مجرًى غذاءُ تلك الحبَّة، فتبارك الله أحسنُ الخالقين. ثمَّ إنه لَفَّ ذلك الحَبَّ في تلك الرُّمَّانة بتلك اللفائف؛ لتضُمَّه وتمسكه فلا يضطرب ولا يتبدَّد، ثمَّ غشَّى فوق ذلك بالغشاء الصُّلب (٣)، صِوانًا له (٤) وحافظًا (٥) وممسكًا له بإذن الله وقدرته. فهذا قليلٌ من كثيرٍ من حكمة هذه الثَّمرة الواحدة، ولا يمكنُنا ــ ولا غيرَنا ــ استقصاءُ ذلك، ولو طالت الأيامُ واتَّسعَ الفِكْر (٦)، ولكنَّ هذا منبِّهٌ على ما وراءه، واللبيبُ يكتفي ببعض ذلك، وأما من غَلبت عليه الشقاوة، فكأيِّن من آيةٍ في السَّموات والأرض يمرُّ عليها وهو معرضٌ عنها (٧)، غافلٌ

стр. 751

عن موضع الدَّلالة فيها. فصل (١) ثمَّ تَأمَّل هذا الرَّيعَ (٢) والنَّماء الذي وضعه الله في الزَّرع، حتى صارت الحبَّةُ الواحدةُ ربما أنبتت سبعَ مئة حبَّة (٣)، ولم تنبت الحبَّةُ حبَّةً واحدةً مثلها؛ ليكون في الغَلَّة متَّسعٌ لما يُرَدُّ في الأرض من الحَبِّ وما يكفي النَّاس ويَقُوتُ الزَّارعَ إلى إدراك زرعه. فصار الزرعُ يَرِيعُ هذا الرَّيعَ ليفيَ بما يحتاجُ إليه للقوت والزِّراعة. وكذلك ثمارُ الأشجار والنَّخيل، وكذلك ما يخرجُ مع الأصل الواحد منها من الصِّنوان؛ ليكون لما يقطعُه النَّاسُ (٤) من ذلك ويستعملونه في مآربهم خَلَفًا، فلا تَبطُل المادَّةُ عليهم ولا تَنقُص. ولو أنَّ صاحبَ بلدٍ من البلاد أراد عِمارتَه لأعطى أهلَه ما يَبْذُرونه فيه (٥) وما يُقِيتهُم إلى استواء الزَّرع، فاقتضت حكمةُ اللطيف الخبير أن أخرجَ من الحبَّة الواحدة حبَّاتٍ عديدة؛ ليُقِيتَ الخارجُ النَّاسَ ويدَّخرون منه ما يزرعون.

стр. 752

فصل (١) ثمَّ تأمَّل الحكمةَ في الحبوب (٢)، كالبُرِّ والشعير ونحوهما؛ كيف يخرجُ الحَبُّ مُدْرَجًا في قُشورٍ على رؤوسها أمثالُ الأسنَّة، فلا يتمكَّنُ جُنْدُ الطَّير من إفسادها والعبث فيها؛ فإنه لو صادفَ الحَبَّ بارزًا لا صِوانَ عليه (٣) ولا وقاية تحولُ دونه لتمكَّن منه كلَّ التَّمكُّن، فأفسدَ وعاثَ وعَثَا وأكبَّ عليه أكلًا ما استطاع، وعَجَز أربابُ الزَّرع عن ردِّه. فجعل اللطيفُ الخبيرُ عليه هذه الوقايات لتصونه، فينال الطَّيرُ منه مقدارَ قُوتِه، ويبقى أكثرُه للإنسان؛ فإنه أولى به؛ لأنه هو الذي كَدَحَ فيه وشَقِيَ به (٤)، وكان الذي يحتاجُ إليه أضعاف حاجة الطَّير. فصل (٥) ثمَّ تأمَّل الحكمةَ الباهرة في هذه الأشجار؛ كيف تراها في كلِّ عامٍ لها حملٌ ووَضْع، فهي دائمًا في حملٍ وولادة. فإذا أذِنَ لها ربُّها في الحمل احتبسَت (٦) الحرارةُ الطَّبيعيةُ في داخلها واختبأت فيها؛ ليكون فيها حملُها في الوقت المقدَّر لها، فيكون ذلك الوقتُ

стр. 753

بمنزلة وقت العُلُوق ومبدأ تكوين النُّطَف، فتعملُ المادَّةُ في أجوافها عملَها، وتهيِّئها للعُلُوق، حتى إذا آن وقتُ الحمل دَبَّ فيها الماءُ، فلانت أعطافُها (١)، وتحرَّكت للحَمْل، وسرى الماءُ في أفنانها، وانتشرت فيها الحرارةُ والرُّطوبة. حتى إذا آنَ وقتُ الولادة كُسِيَت من سائر الملابس الفاخرة من النَّوْر والوَرَق ما تتبخترُ فيه (٢) وتَمِيسُ به وتفخَرُ على العقيم، فإذا أظهرت أولادها (٣)، وبانَ للنَّاظر حملُها، عُلِم حينئذٍ كرمُها وطِيبُها مِنْ لؤمها وبخلها؛ فتولى تغذيةَ ذلك الحمل من تولى غذاءَ الأجنَّة في بطون أمَّهاتها وكساها الأوراق وصانها من الحرِّ والبرد. فإذا تكامل الحملُ وآن وقتُ الفطام، تَدَلَّت إليك أفنانُها كأنما تناولكَ ثمرةَ كبدها (٤)، فإذا قابلتَها رأيتَ الأفنانَ كأنها تلقاك بأولادها وتحيِّيكَ وتكرمكَ بهم وتقدِّمهم إليك، حتى كأنَّ مناوِلًا يناولكَ إياها بيده، ولا سيَّما قطوفُ جنَّات النَّعيم الدَّانيةُ التي يتناولها المؤمنُ قائمًا وقاعدًا ومضطجعًا، وكذلك ترى الرَّياحينَ كأنها تحيِّيكَ بأنفُسِها، وتقابلكَ بطِيب رائحتها. وكلُّ هذا إكرامًا لك، وعنايةً بأمرك، وتخصيصًا لك، وتفضيلًا على غيرك من الحيوانات، أفيَجْمُلُ بك الاشتغالُ بهذه النِّعَم عن المُنعِم بها؟! فكيف إذا استعنتَ بها على معاصيه وصرفتَها في مساخطه؟! فكيف إذا جحدتَه وأضفتَها إلى غيره، كما قال: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢]؟!

стр. 754

فجديرٌ بمن له مُسْكةٌ من عقلٍ أن يسافر بفكره في هذه النِّعَم والآلاء، ويكرِّر ذِكرَها، لعلَّه يُوقِفُه على المراد منها ما هو؟ ولأيِّ شيءٍ خُلِق؟ ولماذا هُيِّاء؟ وأيُّ أمرٍ طُلِب منه على هذه النِّعَم (١)؛ كما قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ٦٩]. فذِكرُ آلائه ﵎ ونِعَمه على عبده سببُ الفلاح والسَّعادة؛ لأنَّ ذلك لا يزيدُه إلا محبةً لله وحمدًا وشكرًا وطاعةً وشُهودَ تقصيره ــ بل تفريطه ــ في القليل مما يجبُ لله عليه. ولله درُّ القائل: قد هيَّؤُوكَ لأمرٍ لو فَطِنْتَ له ... فاربَأ بنفسِكَ أن ترعى مع الهَمَلِ (٢) فصل (٣) ثمَّ تأمَّل الحكمةَ في شجر اليَقْطين والبِطِّيخ والخِرْبِز (٤)، كيف لما اقتضت الحكمةُ أن يكونَ حملُه ثمارًا كبارًا جُعِل نباتُه منبسطًا على الأرض؛ إذ لو انتصبَ قائمًا كما ينتصبُ الزَّرعُ لضَعُفَت قوَّتُه عن حمل هذه الثِّمار الثَّقيلة، ولنَفَضت (٥) قبل إدراكها وانتهائها إلى غاياتها.

стр. 755

فاقتضت حكمةُ مُبدعِه وخالقه أن بَسَطه ومدَّه على الأرض، ليُلقِيَ عليها ثمارَه فتحملها عنه الأرض. فترى العِرْقَ الضعيفَ الدَّقيقَ من ذلك منبسطًا على الأرض وثمارُه مبثوثةٌ حواليه، كأنه حيوانٌ (١) قد اكتنفها جِراؤها (٢) فهي ترضعُها. ولما كان شجرُ اللُّوبيا والباذنجان والباقِلَّاء وغيرها مما يَقْوى على حمل ثمرته، أنبتَه الله منتصبًا قائمًا على ساقه؛ إذ لا يَلقى من حمل ثماره مؤنةً ولا يَضْعُف عنها. فصل (٣) ثمَّ تأمَّل كيف اقتضت الحكمةُ الإلهيةُ موافاةَ أصناف الفواكه والثِّمار للنَّاس بحسب الوقت المُشاكِل لها المقتضي لها، فتُوافيهم (٤) كمُوافاة الماء للظَّمآن، فتلقَّاها (٥) الطَّبيعةُ (٦) بانشراحٍ واشتياق، منتظرةً لقدومها كانتظار الغائب للغائب. ولو كان الصيفُ (٧) ونباتُه إنما يوافي في الشتاء لصادفَ من النَّاس كراهةً واستثقالًا بوُروده، مع ما كان فيه من المضرَّة للأبدان والأذى لها، وكذلك لو وافى ربيعُها في الخريف أو خريفُها في الرَّبيع لم يقع من النفوس

стр. 756

ذلك الموقِع، ولا استطابتْه واستلذَّته ذلك الالتذاذ. ولهذا تجدُ المتأخِّرَ منها عن وقته فائتًا مملولًا محلول (١) الطَّعم، ولا تظنَّ (٢) أنَّ هذا لجريان العادة المجرَّدة بذلك؛ فإنَّ العادة إنما جرت به لأنه وَفْقَ الحكمة والمصلحة التي لا يُخِلُّ بها الحكيمُ الخبير. فصل (٣) ثمَّ تأمَّل هذه النَّخلةَ التي هي أحدُ آيات الله (٤) تجدْ فيها من العجائب والآيات ما يَبْهَرُك؛ فإنه لما قدِّر أن يكون فيه إناثٌ تحتاجُ إلى اللِّقاح جُعِلَت فيها ذكورٌ تَلْقَحُها بمنزلة ذكور الحيوان وإناثه، ولذلك اشتدَّ شَبهُها من بين سائر الأشجار بالإنسان، خصوصًا بالمؤمن، كما مَثَّله النبيُّ ﷺ (٥)، وذلك من وجوهٍ كثيرة: أحدها: ثباتُ أصلها في الأرض واستقرارُه فيها، وليست بمنزلة الشجرة التي اجتُثَّت من فوق الأرض ما لها من قرار (٦). الثاني: طِيبُ ثمرتها وحلاوتُها وعمومُ المنفعة بها، كذلك المؤمنُ طيِّبُ الكلام طيِّبُ العمل، فيه المنفعةُ لنفسه ولغيره.

стр. 757

الثالث: دوامُ لباسها وزينتها، فلا يسقطُ عنها صيفًا ولا شتاءً، كذلك المؤمنُ لا يزولُ عنه لباسُ التقوى وزينتُها حتى يُوافي ربَّه تعالى. الرابع: سهولةُ تناول ثمرتها وتيسيره؛ أمَّا قصيرُها فلا يُحْوِجُ المتناوِلَ أن يَرقاها، وأمَّا باسِقُها فصعودُه سهلٌ بالنسبة إلى صعود الشَّجر الطِّوال وغيرها، فتراها كأنها قد هُيِّئت منها المراقي (١) والدَّرَجُ إلى أعلاها؛ وكذلك المؤمنُ خيرُه سهلٌ قريبٌ لمن رام تناوله لا بالعَسِر (٢) ولا باللئيم. الخامس: أنَّ ثمرتها من أنفع ثمار العالم؛ فإنه يؤكلُ فاكهةً رطبةً (٣) وحلاوةً يابسة؛ فيكونُ قُوتًا وأُدْمًا وفاكهة، ويُتَّخَذُ منه الخَلُّ والنَّاطِفُ (٤) والحلوى، ويدخلُ في الأدوية والأشربة، وعمومُ المنفعة به وبالعنب فوق كلِّ الثِّمار. وقد اختلف النَّاسُ في أيهما أنفعُ وأفضل؟ وصنَّف الجاحظُ في المحاكمة بينهما مجلَّدًا (٥)، فأطال فيه الحِجَاجَ والتفضيل من الجانبين. وفصلُ النِّزاع في ذلك أنَّ النَّخل في مَعْدِنه ومحلِّ سلطانه أفضلُ من

стр. 758

العنب وأعمُّ نفعًا وأجدى على أهله كالمدينة (١) والحجاز والعراق، والعنبُ في مَعْدِنه ومحلِّ سلطانه أفضلُ وأعمُّ نفعًا وأجدى على أهله كالشام والجبال والمواضع الباردة التي لا تقبلُ النَّخل (٢). وحضرتُ مرَّةً في مجلسٍ بمكَّة ــ شرَّفها الله تعالى ــ فيه من أكابر البلد، فجَرَت هذه المسألة (٣)، وأخذ بعضُ الجماعة الحاضرين يُطْنِبُ في تفضيل النَّخلِ وفوائده، وقال في أثناء كلامه: ويكفي في تفضيله أنَّا نشتري بِنَواهُ العنبَ؛ فكيف يفضَّلُ عليه ثمرٌ يكون نواهُ ثمنًا له؟! (٤). وقال آخرُ من الجماعة: قد فَصَل النبيُّ ﷺ النِّزاعَ في هذه المسألة، وشفى فيها بنَهْيِه عن تسمية شجر العنب كَرْمًا، وقال: «الكَرْمُ قلبُ المؤمن» (٥)، فأيُّ دليلٍ أبينُ من هذا؟! وأخذوا يبالغون في تقرير ذلك.

стр. 759

فقلتُ للأوَّل: ما ذكرتَه من كَوْن نوى التَّمر ثمنًا للعنب فليس بدليل؛ فإنَّ هذا له أسباب: أحدها: حاجتُكم إلى النَّوى للعَلف، فيرغبُ صاحبُ العنب فيه لعَلف ناضحه وحمولته. الثاني: أنَّ نوى العنب لا فائدة فيه ولا يجتمع. الثالث: أنَّ الأعنابَ عندكم قليلةٌ جدًّا، والتَّمر فأكثرُ شيءٍ عندكم، فيكثرُ نواهُ، فيشترى به الشيءُ اليسيرُ من العنب، وأمَّا في بلادٍ فيها سلطانُ العنب فلا يشترى بالنَّوى منه شيءٌ ولا قيمة لنوى التَّمرِ فيها. وقلتُ لمن احتجَّ بالحديث: هذا الحديثُ من حُجَج فضل العنب (١)؛ لأنهم كانوا يسمُّونه شجرةَ الكَرْم؛ لكثرة منافعه وخيره، فإنه يؤكلُ رطبًا ويابسًا وحُلوًا وحامضًا، وتجنى (٢) منه أنواعُ الأشربة والحلوى والدِّبْس وغير ذلك، فسمَّوه كَرْمًا لكثرة خيره؛ فأخبرهم النبي ﷺ أنَّ قلبَ المؤمن أحقُّ منه بهذه التَّسمية؛ لكثرة ما أودع الله فيه من الخير والبِرِّ والرَّحمة واللِّين والعدل والإحسان والنُّصح وسائر أنواع البرِّ والخير التي وضعها الله (٣) في قلب المؤمن، فهو أحقُّ بأن يسمَّى كَرْمًا من شجر العنب (٤). ولم يُرِد النبيُّ ﷺ إبطالَ ما في شجر العنب من المنافع والفوائد، وأنَّ

стр. 760

تسميتَه كَرْمًا كذبٌ، وأنها لفظةٌ لا معنى تحتها كتسمية الجاهل عالِمًا والفاجر بَرًّا والبخيل سخيًّا، ألا ترى أنه لم يَنْفِ فوائدَ شجر العنب، وإنما أخبر أنَّ قلبَ المؤمنِ أغزرُ فوائدَ وأعظمُ منافعَ منها؟! هذا الكلامُ أو قريبٌ منه جرى في ذلك المجلس. وأنت إذا تدبَّرتَ قول النبي ﷺ : «الكَرْمُ قلبُ المؤمن» وجدتَه مطابقًا لقوله في النَّخلة: «مَثَلُها مثلُ المسلم»؛ فشبَّه النَّخلةَ بالمسلم في حديث ابن عمر (١)، وشبَّه المسلمَ بالكَرْم في الحديث الآخر، ونهاهم أن يخصُّوا شجرَ العنب باسم الكَرْم دون قلب المؤمن. وقد قال بعض النَّاس في هذا معنًى آخر؛ وهو أنه نهاهم عن تسمية شجر العنب كَرْمًا لأنه يُقْتَنى منه أمُّ الخبائث؛ فيُكرَهُ أن يسمَّى باسمٍ يرغِّبُ النفوسَ فيها ويحضُّهم عليها؛ من باب سدِّ الذَّرائع في الألفاظ (٢). وهذا لا بأس به لولا أن قوله: «فإنَّ الكَرْمَ قلبُ المؤمن» كالتَّعليل لهذا النَّهي والإشارة إلى أنه أولى بهذه التَّسمية من شجر العنب. ورسولُ الله ﷺ أعلمُ بما أراد من كلامه، فالذي قَصَدَه هو الحقُّ. وبالجملة؛ فالله سبحانه عَدَّدَ على عباده من نِعَمه عليهم ثمراتِ النَّخيل والأعناب، فساقَها فيما عَدَّده عليهم من نِعَمه. والمعنى الأوَّلُ أظهرُ من المعنى الآخر إن شاء الله (٣)؛ فإنَّ أمَّ الخبائث

стр. 761

تُتَّخَذُ من ثمر كلِّ النَّخيل والأعناب؛ كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧]، وقال أنسٌ ﵁: «نَزَل تحريمُ الخمر وما بالمدينة من شراب الأعناب شيءٌ، وإنما كان شرابُ القوم الفضيخَ المتَّخذَ من التَّمر» (١). فلو كان نهيُه ﷺ عن تسمية شجر العنب كَرْمًا لأجل المُسْكِر (٢) لم يشبِّه النَّخلةَ بالمؤمن؛ لأنَّ المُسْكِرَ يُتَّخَذُ منها، والله أعلم. الوجهُ السَّادس من وجوه التشبيه: أنَّ النَّخلةَ أصبرُ الشجر على الرياح والجَهْد، وغيرُها من الدَّوْح العِظام تُمِيلها الرِّيحُ تارة، وتَقْلَعُها تارة، وتَقْصِفُ أفنانَها، ولا صبرَ لكثيرٍ منها على العطش كصبر النَّخلة (٣)؛ فكذلك المؤمنُ صبورٌ على البلاء لا تُزَعْزِعُه الرياح. السَّابع: أنَّ النَّخلةَ كلها منفعةٌ لا يسقطُ منها شيءٌ بغير منفعة، فثمرها (٤) منفعةٌ، وجِذْعُها فيه من المنافع ما لا يُجْهَلُ للأبنية والسُّقوف وغير ذلك، وسَعَفُها يُسْقَفُ به البيوتُ مكان القَصَب، ويُسْتَرُ به الفُرَجُ (٥) والخَلَل، وخُوصُها يُتَّخَذُ منه المَكاتِلُ والزَّنابيلُ وأنواعُ الآنية والحُصُرُ وغيرُها، ولِيفُها وكَرَبُها فيه من المنافع ما هو معلومٌ عند النَّاس.

стр. 762

وقد طابَقَ بعضُ النَّاس هذه المنافعَ وصفاتِ المسلم، وجَعَل لكلِّ منفعةٍ منها صفةً في المسلم تقابلُها، فلمَّا جاء إلى الشَّوك الذي في النَّخلة جَعَل بإزائه من المسلم صفةَ الحِدَّة (١) على أعداء الله وأهل الفُجور؛ فيكونُ عليهم في الشدَّة والغِلظة بمنزلة الشَّوك، وللمؤمنين والمتقين بمنزلة الرُّطَب حلاوةً ولِينًا، ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]. الثَّامن: أنها كلَّما طال عمرُها ازداد خيرُها وجاد ثمرُها؛ وكذلك المؤمنُ إذا طال عمره ازداد خيرُه وحَسُنَ عملُه. التَّاسع: أنَّ قلبَها من أطيب القلوب وأحلاه، وهذا أمرٌ خُصَّت به دون سائر الشجر؛ وكذلك قلبُ المؤمن من أطيب القلوب. العاشر: أنها لا يتعطَّلُ نفعُها بالكليَّة أبدًا، بل إن تعطَّلت منها منفعةٌ ففيها منافعُ أُخَر، حتى لو تعطَّلت ثمارُها سنةً لكان للنَّاس في سَعَفِها وخُوصِها ولِيفها وكَرَبها منافعُ وآراب؛ وهكذا المؤمنُ لا يخلو عن شيءٍ من خصال الخير قطُّ، بل إن أجْدَبَ منه جانبٌ من الخير أخصَبَ منه جانب، فلا يزالُ خيرُه مأمولًا وشرُّه مأمونًا. وفي «الترمذي» (٢) مرفوعًا إلى النبي ﷺ : «خيرُكم من يُرْجى خيرُه ويُؤمَنُ شرُّه، وشرُّكم من لا يُرجَى خيرُه ولا يُؤمَنُ شرُّه». فهذا فصلٌ مُعتَرِضٌ ذكرناه استطرادًا للحكمة في خلق النَّخلة وهيئتها، فلنرجِع إليه.

стр. 763

فتأمَّل خِلْقةَ الجِذْع الذي لها كيف هو، تجدْه كالمنسوج من خيوطٍ ممدودةٍ كالسَّدى، وأخرى معترضةً كاللُّحْمة (١)، كنحو المنسوج باليد، وذلك لتشتدَّ (٢) وتَصْلُب، فلا تتقصَّف (٣) مِنْ حَمْل القِنْوان الثقيلة (٤)، وتصبرَ على هزِّ الرياح (٥) العاصفة، ولبثِّها في السُّقوف (٦) والجسور والأواني وغير ذلك مما يُتَّخَذُ منها. وهكذا سائرُ الخشب غيرها فيه إذا تأمَّلتَه شِبْه النَّسج، ولا تراه مُصْمَتًا كالحجر الصَّلْد، بل ترى بعضَه كأنه يُداخِلُ بعضًا طولًا وعرضًا كتداخُل أجزاء اللُّحَم بعضها في بعض؛ فإنَّ ذلك أمتنُ له وأهيأُ لما يُرادُ منه، فإنه لو كان مُصْمَتًا (٧) كالحجارة لم يُمْكِن أن يُستَعمل في الآلات والأبواب والأواني والأمتعة والأسِرَّة والتَّوابيت وما أشبهها. ومن بديع الحكمة في الخشب أنْ جُعِل يطفو على الماء، وذلك للحكمة البالغة؛ إذ لولا ذلك لمَا كانت هذه السُّفنُ تحملُ أمثال الجبال من الحُمولات والأمتعة، وتَمْخُرُ البحرَ مقبلةً ومدبرة، ولولا ذلك لما تهيَّأ للنَّاس هذه المرافقُ لحمل هذه التِّجارات العظيمة والأمتعة الكثيرة ونقلِها

стр. 764

من بلدٍ إلى بلد، بحيثُ لو نُقِلَت في البرِّ لعَظُمَت المؤنةُ في نقلها وتعذَّر على النَّاس كثيرٌ من مصالحهم. فصل (١) ثمَّ تأمَّل أحوال هذه العقاقير والأدوية التي يخرجُها اللهُ من الأرض، وما خَصَّ به كلَّ واحدٍ منها وجَعَل عليه من العمل والنَّفع: فهذا يَغُورُ في المفاصل فيستخرجُ الفُضولَ الغليظةَ القاتلةَ لو احتبسَت، وهذا يستخرجُ المِرَّةَ السَّوداء، وهذا يستخرجُ الصَّفراء، وهذا يحلِّلُ الأورام، وهذا يسكِّنُ الهيَجانَ والقَلق، وهذا يجلبُ النَّومَ ويعيدُه إذا أعوَزه الإنسان، وهذا يخفِّفُ البدنَ إذا وجد الثِّقَل، وهذا يُفْرِحُ القلبَ إذا تراكمَت (٢) عليه الغُموم، وهذا يَجْلو البلغَم ويكشِطُه، وهذا يُحِدُّ البصر، وهذا يطيِّبُ النَّكهة، وهذا يسكِّنُ هيَجانَ الباه، وهذا يهيِّجُها، وهذا يبرِّدُ الحرارةَ ويطفئها، وهذا يقتلُ البرودةَ ويهيِّجُ الحرارة، وهذا يدفعُ ضررَ غيره من الأدوية والأغذية، وهذا يقاومُ بكيفيَّته كيفيَّةَ غيره، فيعتدلان، فيعتدلُ المزاجُ بتناولِهما، وهذا يسكِّنُ العطش، وهذا يصرفُ الرياح الغليظةَ ويَفُشُّها (٣)، وهذا يعطي اللونَ إشراقًا ونضارة، وهذا يزيدُ في أجزاء البدن بالسَّمانة، وهذا يُنقِصُ منها، وهذا يَدْبُغ (٤) المعدة، وهذا يَجْلوها ويغسلها،

стр. 765

إلى أضعاف أضعاف ذلك مما لا يحصيه العباد. فسَلِ المعطِّل: من جَعَل هذه المنافعَ والقُوى في هذه النَّباتات والحشائش والحبوب والعُروق؟! ومن أعطى كلًّا منها خاصيَّته؟! ومن هدى العباد ــ بل الحيوان ــ إلى تناول ما ينفعُ منه (١) وتَركِ ما يضرُّ؟! ومن فَطَّن لها النَّاسَ (٢) والحيوانَ البهيم؟! وبأيِّ عقلٍ وتجربةٍ كان يُوقَفُ على ذلك ويُعْرَفُ ما خُلِقَ له ــ كما زعمَ من قلَّ نصيبُه من التَّوفيق ــ لولا إنعامُ الذي أعطى كلَّ شيءٍ خَلْقَه ثمَّ هدى؟! وهَبْ أنَّ الإنسانَ فَطِنَ لهذه الأشياء بذهنه وتجاربه وفكره وقياسه، فمن الذي فَطَّن لها البهائمَ (٣)، في أشياء كثيرةٍ منها لا يهتدي إليها الإنسان؟! حتى صار بعض السِّباع يتداوى من جراحه ببعض تلك العقاقير من النَّبات فيبرَأ (٤)، فمن الذي جَعَله يقصدُ ذلك النَّباتَ دون غيره؟! وقد شُوهِد بعض الطير يحتقنُ عند الحُصْرِ بماء البحر، فيسهلُ عليه الخارج (٥)، وبعض الطَّير يتناولُ إذا اعتلَّ شيئًا من النَّبات فتعودُ صحَّتُه (٦). وقد ذكر الأطبَّاءُ في مباداء الطِّبِّ في كتبهم من هذا عجائب (٧).

стр. 766

فسَل المعطِّل: من ألهمَها ذلك؟! ومن أرشدَها إليه؟! ومن دلَّها عليه؟! أفيجوزُ أن يكون هذا من غير مدبِّرٍ عزيزٍ حكيم، وتقديرِ عزيزٍ عليم، وتقديرِ لطيفٍ خبيرٍ بَهَرَت حكمتُه العقول، وشهدت له الفِطَر بما استودعها من تعريفه بأنه الله الذي لا إله إلا هو، الخالقُ الباراء المصوِّر، الذي لا تنبغي العبادةُ إلا له، وأنه لو كان معه في سمواته وأرضه إلهٌ سواه لفسَدَت السَّمواتُ والأرضُ واختلَّ نظامُ المُلك؟! فسبحانه وتعالى عما يقولُ الظَّالمون والجاحدون عُلُوًّا كبيرًا. ولعلَّك أن تقول: ما حكمةُ هذا النَّبات المبثوث في الصَّحاري والقِفَار والجبال التي لا أنيسَ بها ولا ساكن؟! وتظنَّ أنه فَضْلةٌ لا حاجة إليه ولا فائدة في خلقه. وهذا مقدارُ عقلك ونهايةُ علمك؛ فكم لباريه وخالقه فيه من حكمةٍ وآية: مِنْ طُعْم وَحْشٍ وطيرٍ ودوابَّ مساكنُها حيثُ لا تراها تحت الأرض وفوقها، فذلك بمنزلة مائدةٍ نَصَبها الله لهذه الوحوش والطُّيور والدَّوابِّ تتناولُ منها كفايتَها، ويبقى الباقي كما يبقى الرِّزقُ الواسعُ الفاضلُ عن الضَّيف، لِسَعة ربِّ الطَّعام وغِناهُ التَّامِّ وكثرة إنعامه. فصل (١) ثمَّ تأمَّل الحكمةَ البالغةَ في إعطائه سبحانه بهيمةَ الأنعام الأسماعَ والأبصار؛ ليتمَّ تناولها لمصالحها ويَكْمُل انتفاعُ الإنسان بها؛ إذ لو كانت عُمْيًا وصُمًّا لم يتمكَّن من الانتفاع بها. ثمَّ سَلَبها العقولَ التي للإنسان (٢) ليتمَّ تسخيرُه إياها، فيقودها

стр. 767

ويصرِّفها (١) حيثُ شاء، ولو أُعطِيَت العقولَ على كِبَر خَلْقِها لامتنعَت من طاعته واستعصَت عليه ولم تكُن مسخَّرةً له، فأُعطِيَت من التَّمييز والإدراك ما تَتِمُّ به مصلحتُها ومصلحةُ من ذُلِّلت له، وسُلِبَت من الذِّهن والعقل ما مُيِّز به عليها الإنسانُ، ولتَظْهَر أيضًا فضيلةُ التَّمييز والاختصاص. ثمَّ تأمَّل كيف قادها وذلَّلها على كِبَر أجسامها، ولم يكن يُطِيقُها (٢) لولا تسخيرُ الله لها (٣)؛ قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: ١٢ ــ ١٣]، أي: مُطِيقين ضابطين. وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ [يس: ٧١ - ٧٢]، فترى البعيرَ على عِظَم خِلْقَته يقودُه الصبيُّ الصغيرُ ذليلًا منقادًا، ولو أُرسِل عليه (٤) لسوَّاهُ بالأرض ولفصَّله عضوًا عضوًا. فسَلِ المعطِّل: من الذي ذلَّله وسخَّره وقاده ــ على قوَّته ــ لبشرٍ ضعيفٍ من أضعف المخلوقات، وفرَّغ بذلك التسخير النَّوعَ الإنسانيَّ لمصالح معاشِه (٥)

стр. 768

ومعاده؟! فإنه لو كان يُزاوِلُ من الأعمال والأحمال ما يُزاوِلُ الحيوانُ لشُغِل بذلك عن كثيرٍ من الأعمال؛ لأنه كان يحتاجُ مكانَ الجمل الواحد إلى عدَّة أناسِيَّ (١) يحملون أثقالَه وحِمْلَه، ويعجزون عن ذلك، وكان ذلك يستفرغُ أوقاتهم ويصدُّهم عن مصالحهم؛ فأُعينوا بهذه الحيوانات، مع ما لهم فيها من المنافع التي لا يحصيها إلا الله: مِن الغذاء والشراب، والدَّواء، واللباس والأمتعة، والآلات والأواني، والرُّكوب والحَرْث، والمنافع الكثيرة، والجَمَال. فصل (٢) ثمَّ تأمَّل الحكمةَ في خَلْق آلات البطش في الحيوانات من الإنسان وغيره: فالإنسانُ لمَّا خُلِق مهيَّأً لمثل هذه الصِّناعات من البناء والخياطة والكتابة والنِّجارة (٣) وغيرها خُلِق له كفٌّ مستديرةٌ منبسطةٌ وأصابعُ يتمكَّنُ بها من القبض والبسط والطيِّ والنَّشر والجمع والتفريق وضمِّ الشيء إلى مثله. والحيوانُ البهيمُ لمَّا لم يهيَّأ لتلك الصَّنائع لم يُخْلَق له تلك الأكفُّ والأصابع، بل لمَّا قُدِّر أن يكون غذاءُ بعضها من صَيْده ــ كالسِّباع ــ خُلِق لها أكفٌّ لِطافٌ مُدْمَجَةٌ ذواتُ بَراثِنَ ومخالبَ تصلحُ لاقتناص الصَّيد ولا تصلحُ للصِّناعات.

стр. 769

هذا كلُّه في آكِلَة اللَّحم (١) من الحيوان. وأمَّا آكِلةُ النَّباتِ فلمَّا قُدِّر أنها لا تصطادُ ولا صَنْعةَ لها خُلِق لبعضها أظلافٌ تَقِيها خُشونةَ الأرض إذا جالت في طلب المرعى، ولبعضها حوافرُ مُلملَمةٌ مقعَّرةٌ (٢) كأخمَص القدم (٣) لتنطبقَ على الأرض وتتهيَّأ للرُّكوب والحُمولة (٤)، ولم يُخْلَق لها بَراثِنُ ولا أنيابٌ لأنَّ غذاءها لا يحتاجُ إلى ذلك. فصل (٥) ثمَّ تأمَّل الحكمةَ في خِلقة الحيوان الذي يأكلُ اللحمَ من البهائم؛ كيف جُعِل له أسنانٌ حِداد، وبراثنُ شِدَاد، وأشداقٌ مَهْرُوتة (٦)، وأفواهٌ واسعة، وأُعِينت بأسلحةٍ وأدواتٍ تصلحُ للصَّيد والأكل؛ ولذلك تجدُ سباعَ الطَّير ذواتِ مناقيرَ حِدادٍ ومخالبَ كالكلاليب. ولهذا حرَّم النبيُّ ﷺ كلَّ ذي نابٍ من السِّباع ومِخْلبٍ من الطَّير (٧)؛

стр. 770

لضرره وعُدوانه (١) وشرِّه، والمُغتَذِي شبيهٌ بالغاذِي (٢)، فلو اغتَذى بها الإنسانُ لصار فيه من أخلاقها وعُدوانها وشرِّها ما يشابهها به، فحرَّم على الأمَّة أكلَها. ولم يحرِّم عليهم الضَّبُعَ وإن كان ذا ناب؛ فإنه ليس من السِّباع عند أحدٍ من الأمم، والتحريمُ إنما كان لِمَا تضمَّن الوصفين: أن يكون ذا نابٍ، وأن يكون من السِّباع (٣). ولا يقال: «فهذا ينتقضُ بالسَّبُع إذا لم يكن له ناب»؛ لأنَّ هذا لم يوجد أبدًا. فصلواتُ الله وسلامُه على من أُوتي جوامعَ الكَلِم، فأوضحَ الأحكامَ وبيَّن الحلال من الحرام. فانظُر حكمةَ الله في خلقِه وأمرِه فيما خَلَقه وفيما شرَعَه تجدْ مصدرَ ذلك كلِّه الحكمةَ البالغةَ التي لا يختلُّ نظامُها ولا ينخرمُ (٤) ولا يختلُّ أبدًا. ومن الناس من يكونُ حظُّه من مشاهدة حكمة الأمر أعظمَ من مشاهدة حكمة الخلق، وهؤلاء خواصُّ العباد الذين عَقَلُوا عن الله أمرَه ودينَه، وعرفوا

стр. 771

حكمتَه فيما أحكَمه (١)، وشهدت فِطَنُهم وعقولهم أنَّ مَصدرَ ذلك حكمةٌ بالغةٌ وإحسانٌ تامٌّ ومصلحةٌ أُريدت بالعباد في معاشهم ومعادهم، وهم في ذلك درجاتٌ لا يحصيها إلا الله. ومنهم من يكونُ حظُّه من مشاهدة حكمة الخلق أوفرَ من حظِّه من حكمة الأمر، وهم أكثرُ الأطبَّاء والطبائعيِّين الذين صرفوا أفكارَهم إلى استخراج منافع النَّبات والحيوان وقُوَاها وما تصلحُ له مفردةً ومركَّبة، وليس لهم نصيبٌ في حكمة الأمر إلا كما للفقهاء من حكمة الخَلْق، بل أقلُّ من ذلك. ومنهم من فُتِحَ عليه بمشاهدة حكمة الخلق والأمر (٢) بحسب استعداده وقوَّته، فرأى الحكمةَ الباهرةَ التي بَهَرَت العقولَ في هذا وهذا، فإذا نظر إلى خَلْقه وما فيه من الحِكَم ازداد إيمانًا ومعرفةً وتصديقًا بما جاءت به الرُّسل، وإذا نظر إلى أمره وما تضمَّنه من الحِكَم الباهرة ازداد إيمانًا ويقينًا وتسليمًا. لا كمن حُجِبَ بالصَّنعة عن الصَّانع، وبالكواكب عن مُكَوْكِبها؛ فعَمِيَ بصرُه، وغَلُظ عن الله حجابُه، ولو أعطى علمَه حقَّه لكان من أقوى النَّاس إيمانًا؛ لأنه اطَّلع من حكمة الله وباهر آياته (٣) وعجائب صُنْعِه الدَّالَّة عليه وعلى علمه وقدرته وحكمته على ما خَفِيَ عن غيره. ولكنَّ من حكمة الله أيضًا أنْ سَلَبَ كثيرًا من عقول هؤلاء (٤) خاصَّتَها (٥)، وحَجَبَها عن معرفته،

стр. 772

وأوقَفَها عند ظاهرٍ من العلم بالحياة الدُّنيا وهم عن الآخرة هم غافلون؛ لدناءتها وخِسَّتها وحقارتها وعدم أهليَّتها لمعرفته ومعرفة أسمائه وصفاته وأسرار دينه وشرعه، والفضلُ بيد الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. وهذا بابٌ لا يطَّلعُ الخلقُ منه على ما له نسبةٌ إلى الخافي عنهم منه أبدًا، بل علمُ الأوَّلين والآخرين منه كنقرة العصفور من البحر، ومع هذا فليس ذلك بمُوجِبٍ للإعراض عنه واليأس منه، بل يستدلُّ العاقلُ بما ظهر له منه على (١) ما وراءه. فصل (٢) ثمَّ تأمَّل أولاد (٣) ذواتِ الأربع من الحيوان، كيف تراها تتبعُ أمَّهاتها مستقلَّةً بأنفُسها، فلا تحتاجُ إلى الحمل والتَّربية كما يحتاجُ إليه أولادُ الإنس، فمن أجلِ (٤) أنه ليس عند أمَّهاتها ما عند أمَّهاتِ البَشَر من التَّربية والمُلاطفة والرِّفق والآلات المتَّصلة والمنفصلة (٥) = أعطاها اللطيفُ الخبيرُ النُّهوض والاستقلالَ بأنفسها، على قُرب العهد بالولادة.

стр. 773

ولذلك (١) ترى فِراخَ كثيرٍ من الطَّير ــ كالدَّجاج، والدُّرَّاج، والقَبَج (٢) ــ يَدْرُجُ ويَلْقُطُ حين يخرجُ من البيضة (٣). وما كان منها ضعيفَ النُّهوض ــ كفِراخ الحمَام واليَمَام ــ أعطى سبحانه أمَّهاتها من فضل العطف (٤) والشَّفقة والحنان ما تَمُجُّ به الطُّعْمَ في أفواه الفِراخ من حَواصِلها؛ فتَخْبَؤه في أعزِّ مكانٍ منها، ثمَّ تَسُوقُه من فِيها إلى أفواه الفِراخ، ولا يزالُ بها كذلك (٥) حتى ينهض الفرخُ ويستقلَّ بنفسه، وذلك كلُّه من حظِّها وقَسْمِها الذي وَصَلَ إليها من الرَّحمة الواحدة من المئة (٦). فإذا استقلَّ بنفسه وأمْكَنه الطَّيرانُ لم يَزَل به الأبوان يعالجانه أتمَّ معالجةٍ وألطفَها حتى يطيرَ من وَكْرِه، ويسترزق لنفسه، ويأكل من حيثُ يأكلان، وكأنهما لم يعرفاهُ ولا عرفهما قطُّ (٧)، بل يطردانه عن الوَكْر ولا يدعانه وأقواتَهما وبيتَهما، بل يقولان له بلسانٍ يَفْهَمُه: اتَّخِذ لك وَكْرًا وقُوتًا، فلا وَكْر لك عندنا ولا قُوت! فسَلِ المعطِّل: أهذا كلُّه عن إهمال؟! ومن الذي ألهمها ذلك؟! ومن الذي عَطَّفها على الفِراخ وهي صغارٌ أحوجَ ما كانت إليها، ثمَّ سَلَبَ ذلك

стр. 774

عنها إذا استغنت الفراخ؛ رحمةً بالأمَّهات؛ لتسعى (١) في مصالحها، إذ لو دام لها ذلك لأضرَّ بها وشَغَلها عن معاشها، لا سيَّما مع كثرة ما يحتاجُ إليه أولادُها من الغذاء؛ فوضع فيها الرَّحمة والإيثار والحنان رحمةً بالفراخ، وسَلَبَها إياها عند استغنائها رحمةً بالأمَّهات؟! أفيجوزُ أن يكون هذا كلُّه بلا تدبيرِ مدبِّرٍ حكيم، ولا عنايةٍ ولا لُطفٍ منه ؟! لقد قامت أدلَّةُ ربوبيَّته، وبراهينُ ألوهيَّته، وشواهدُ حكمته، وآياتُ قدرته، فلا يستطيعُ العقلُ لها جحودًا (٢)، إنْ هي إلا مكابرةُ اللسان من كلِّ جَحُودٍ كفور؛ ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١٠]، وإنما يكونُ الشكُّ فيما تخفى أدلَّتُه وتُشْكِلُ براهينُه، فأما من له في كلِّ شيءٍ محسوسٍ أو معقولٍ آيةٌ بل آياتٌ مؤدِّيةٌ عنه (٣)، شاهدةٌ له بأنه الله الذي لا إله إلا هو ربُّ العالمين؛ فكيف يكونُ فيه شكٌّ؟! فصل (٤) ثمَّ تأمَّل الحكمةَ البالغة في قوائم الحيوان؛ كيف اقتضت أن تكون زوجًا لا فردًا، إمَّا اثنتين وإمَّا أربعًا؛ ليتهيَّأ له المشيُ والسَّعيُ، وتتمَّ بذلك مصلحتُه؛ إذ لو كانت فردًا (٥) لم يصلُح لذلك؛ لأنَّ الماشي ينقلُ بعض

стр. 775

قوائمه (١) ويعتمدُ على بعض، فذو القائمتين ينقلُ واحدةً ويعتمدُ على الأخرى، وذو الأربع ينقلُ اثنتين ويعتمدُ على اثنتين، وذلك مِنْ خلافٍ؛ لأنه لو كان ينقلُ قائمتين من جانبٍ ويعتمدُ على قائمتين من الجانب الآخر لم يثبُت على الأرض حال نقله قوائمَه، ولكان مشيُه نَقْزًا كنَقْز الطَّائر (٢)، وذلك مما يؤذيه ويتعبُه؛ لثِقَل بدنه، بخلاف الطَّائر، ولهذا إذا مشى الإنسانُ كذلك قليلًا أجهَده وشَقَّ عليه، بخلاف مشيه الطبيعيِّ الذي هُيِّئ له (٣). فاقتضت الحكمةُ تقديمَ نقل اليمنى من يديه مع اليسرى من رجليه، وإقرارَ يسرى اليدين ويمنى الرِّجلين، ثمَّ نَقْلَ الأخريَيْن (٤) كذلك، وهذا أسهلُ ما يكونُ من المشي وأخفُّه على الحيوان. فصل (٥) ثمَّ تأمَّل الحكمةَ البالغة في أن جَعَل ظهورَ الدَّوابِّ مسطَّحةً (٦) كأنها سقفٌ على عَمَد القوائم؛ ليتهيَّأ ركوبها وتستقرَّ الحمولةُ عليها، ثمَّ خُولِفَ هذا في الإبل فجَعَل ظهورَها مسنَّمةً معقودةً كالقَبْو (٧)؛ لِمَا خُصَّت به من فضل القوَّة وعِظَم ما تحملُه، والأقْباءُ تحملُ أكثر مما تحملُ السُّقوف، حتى
следующие страницы →