← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 145411

مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 704 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

والفرقُ بين هذا وبين المشهد الخامس أنَّ صاحبَه شاهدٌ لكمال فقره وضعفه وحاجته، وهذا شاهدٌ لتفرُّد الله بالخلق والإبداع، وأنه لا حول ولا قوَّة إلا به. السَّابع: مشهدُ الحكمة، وهو أن يَشْهَد حكمةَ الله في قضائه وتخليته بين العبد وبين الذَّنب. ولله في ذلك حِكَمٌ تعجزُ العقولُ عن الإحاطة بها، وذكرنا منها في ذلك الكتاب (١) قريبًا من أربعين حكمة (٢)، وقد تقدَّم في أوَّل هذا الكتاب التنبيهُ على بعضها (٣). الثَّامن: مشهدُ الأسماء والصِّفات، وهو أن يَشْهَد ارتباط الخلق والأمر والقضاء والقدر بأسمائه تعالى وصفاته، وأنَّ ذلك مُوجَبُها ومقتضاها؛ فأسماؤه الحسنى اقتضت ما اقتضته من التَّخلية بين العبد وبين الذَّنب؛ فإنه الغفَّارُ التوَّابُ العفوُّ الحليم، وهذه أسماءُ تطلُب آثارَها ومُوجِباتها ولا بدَّ، «فلو لم تذنبوا لذهبَ الله بكم ولجاء بقومٍ يذنبون فيستغفرون فيغفرُ لهم» (٤). وهذا المشهدُ والذي قبله أجلُّ هذه المشاهد وأشرفُها، وأرفعُها قدرًا، وهما لخواصِّ الخليقة. فتأمَّل بُعْد ما بينهما وبين المشهد الأول.

стр. 912

وهذان المشهدان يَطْرحان العبدَ على باب المحبة، ويفتحان له من المعارف والعلوم أمورًا لا يُعَبَّرُ عنها. وهذا بابٌ عظيمٌ من أبواب المعرفة قلَّ من استفتحه من النَّاس، وهو شهودُ الحكمة البالغة في قضاء السيِّئات وتقدير المعاصي، وإنما استفتح النَّاسُ بابَ الحِكَم في الأوامر والنَّواهي، وخاضوا فيها، وأتوا بما وصلت إليه علومُهم، واستفتحوا أيضًا بابها في المخلوقات، كما قدَّمناه، وأتوا فيه بما وصلت إليه قُواهم، وأمَّا هذا البابُ فكما رأيتَ كلامهم فيه، فقلَّ أن ترى لأحدهم (١) فيه ما يشفي أو يُلِمُّ (٢). وكيف يطَّلعُ على حكمة هذا الباب من عنده أنَّ أعمال العباد ليست مخلوقةً لله، ولا داخلةً تحت مشيئته أصلًا؟! وكيف يتطلَّبُ لها حكمةً أو يثبتُها؟! أم كيف يطَّلعُ عليها من يقول: هي خلقُ الله، ولكنَّ أفعاله غيرُ معلَّلةٍ بالحِكَم ولا تَدْخُلها لامُ تعليلٍ أصلًا، وإن جاء شيءٌ من ذلك صُرِف إلى لام العاقبة لا إلى لام العلَّة والغاية، فإذا جاءت الباءُ في أفعاله صُرِفت إلى باء المصاحبة لا إلى باء السَّببية؟! وإذا كان المتكلِّمون عند النَّاس هم هؤلاء الطَّائفتين، فإنهم لا يرون الحقَّ خارجًا عنهما، ثمَّ كثيرٌ من الفضلاء يتحيَّر إذا رأى بعض أقوالهم الفاسدة من ... (٣)، ولا يدري أين يذهب.

стр. 913

ولما عُرِّبت كتبُ الفلاسفة صار كثيرٌ من النَّاس إذا رأى أقوال المتكلِّمين الضعيفة، وقد قالوا: إنَّ هذا هو الذي جاء به الرسول= قَطَع القنطرةَ وعدَّى (١) إلى ذلك البرِّ (٢)، وكلُّ هذا من الجهل القبيح والظَّنِّ الفاسد أنَّ الحقَّ لا يخرجُ عن أقوالهم، فما أكثر خروجَ الحقِّ عن أقوالهم! وما أكثر ما يذهبون في المسائل التي هي حقٌّ وصوابٌ (٣) إلى خلاف الصَّواب! والمقصودُ أنَّ المتكلِّمين لو أجمعوا على شيءٍ لم يكن إجماعُهم حجَّةً عند أحدٍ من العلماء، فكيف إذا اختلفوا؟! والمقصودُ أنَّ مشاهدة حكمة الله في أقضيته وأقداره التي يُجْرِيها على عباده باختياراتهم وإراداتهم هي من ألطف ما تكلَّم فيه النَّاسُ وأدقِّه وأغمضِه، وفي ذلك حِكَمٌ لا يعلمها إلا الحكيمُ العليمُ سبحانه، ونحن نشيرُ إلى بعضها: فمنها: أنه سبحانه يحبُّ التَّوابين، حتى إنَّ مِنْ محبَّته لهم أنه يفرحُ بتوبة أحدهم أعظمَ من فرح الواجد (٤) لراحلته التي عليها طعامُه وشرابُه في الأرض الدَّوِّيَّة المَهْلَكة (٥) إذا فقدها وأيِسَ منها (٦)، وليس في أنواع الفرح

стр. 914

أكملُ ولا أعظمُ من هذا الفرح، كما سنوضِّحُ ذلك ونزيدُه تقريرًا عن قريبٍ إن شاء الله (١)، ولولا المحبةُ التامَّةُ للتَّوبة ولأهلها لم يحصل هذا الفرح. ومن المعلوم أنَّ وجود المُسَبَّب بدون سببه ممتنع، وهل يوجدُ ملزومٌ بدون لازمه، أو غايةٌ بدون وسيلتها؟! وهذا معنى قول بعض العارفين: «لو لم تكن التَّوبةُ أحبَّ الأشياء إليه لما ابتلى بالذَّنب أكرمَ المخلوقات عليه» (٢). فالتَّوبةُ هي غايةُ كمال كلِّ آدميٍّ، وإنما كان كمالُ أبيهم بها، فكم بين حاله وقد قيل له: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ [طه: ١١٨ - ١١٩] وبين قوله: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه: ١٢٢]! فالحالُ الأوَّلُ حالُ أكلٍ وشربٍ وتمتُّع، والحالُ الأخرى حالُ اجتباءٍ واصطفاءٍ وهداية، فيا بُعْدَ ما بينهما! ولمَّا كان كمالُه بالتَّوبة كان كمالُ بَنِيه أيضًا بها، كما قال تعالى: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب: ٧٣].

стр. 915

فكمالُ الآدميِّ في هذه الدَّار (١) بالتَّوبة النَّصُوح، وفي الآخرة بالنَّجاة من النَّار ودخول الجنة، وهذا الكمالُ مرتَّبٌ على كماله الأوَّل. والمقصودُ أنه سبحانه لمحبَّته التَّوبةَ وفرحه بها يقضي على عبده بالذَّنب، ثمَّ إن كان ممَّن سبقت له الحسنى قضى له بالتَّوبة، وإن كان ممَّن غَلَبت عليه شقاوتُه (٢) أقام عليه حجَّةَ عدله وعاقبه بذنبه. فصل ومنها (٣): أنه سبحانه يحبُّ أن يتفضَّل على عباده (٤)، ويُتِمَّ عليهم نِعَمَه، ويُرِيهم مواقع برِّه وكرمه، فلمحبَّته الإفضالَ والإنعامَ ينوِّعُه عليهم أعظمَ الأنواع وأكثرها في سائر الوجوه الظَّاهرة والباطنة. ومِنْ أعظم أنواع الإحسان والبرِّ أن يحسِن إلى من أساء، ويعفُو عمَّن ظَلم، ويغفر لمن أذنب، ويتوب على من تابَ إليه، ويقبل عذرَ من اعتذر إليه. وقد نَدَبَ عبادَه إلى هذه الشِّيَم الفاضلة والأفعال الحميدة، وهو أولى بها منهم وأحقُّ، وكان له في تقدير أسبابها من الحِكَم والعواقب الحميدةِ ما يَبْهَرُ العقول، فسبحانه وبحمده (٥).

стр. 916

وحكى بعض العارفين (١) أنه قال: طفتُ في ليلةٍ مطيرةٍ شديدة الظُّلمة وقد خلا الطَّوافُ وطابت نفسي، فوقفتُ عند الملتَزم ودعوتُ، فقلت: «اللهمَّ اعصمني حتى لا أعصيك»، فهَتَف به هاتفٌ: أنت تسألني العصمة، وكلُّ عبادي يسألوني العصمة، فإذا عصمتُهم فعلى من أتفضَّل؟ ولمن أغفر؟ قال: فبقيتُ ليلتي إلى الصَّباح أستغفرُ الله حياءً منه (٢). هذا ولو شاء الله أن لا يعصى في الأرض طرفةَ عَيْنٍ لم يُعْصَ، ولكن اقتضت مشيئتُه (٣) ما هو مُوجَبُ حكمته سبحانه، فمن أجهلُ بالله ممَّن يقول: إنه يعصى قسرًا (٤) بغير اختياره ومشيئته؟! (٥) عمَّا يقولون علوًّا كبيرًا. فصل ومنها: أنه سبحانه له الأسماءُ الحسنى، ولكلِّ اسمٍ من أسمائه أثرٌ من الآثار في الخلق والأمر لا بدَّ من ترتيبه عليه (٦)، كترتُّب المرزوق والرِّزق على

стр. 917

الرَّازق، وترتُّب المرحوم وأسباب الرَّحمة على الرَّاحِم (١)، وترتُّب المرئيَّات والمسموعات على السَّميع والبصير، ونظائر ذلك في جميع الأسماء. فلو لم يكن في عباده من يخطاء ويذنبُ ليتوب عليه، ويغفر له، ويعفُو عنه، لم يَظْهَرْ أثرُ أسمائه الغفور، والعفوِّ، والحليم، والتَّواب، وما جرى مجراها. وظهورُ أثر هذه الأسماء ومتعلَّقاتها في الخليقة كظهور آثار سائر الأسماء الحسنى ومتعلَّقاتها؛ فكما أنَّ اسمه «الخالق» يقتضي مخلوقًا، و «البارئ» يقتضي مبروءًا، و «المصوِّر» يقتضي مصوَّرًا ولا بدَّ، فأسماؤه «الغفَّار، التَّواب، العفوُّ، الحليم» تقتضي مغفورًا له (٢) وما يغفرُه له، وكذلك من يتوبُ عليه، وأمورًا يتوبُ عليه مِنْ أجلِها، ومَنْ يَحْلُمُ عنه ويعفو عنه، وما يكونُ متعلَّق الحِلْم والعفو؛ فإنَّ هذه الأمور متعلِّقةٌ بالغير ومعانيها مستلزمةٌ لمتعلَّقاتها. وهذا بابٌ أوسعُ (٣) من أنْ يُدْرَك، واللبيبُ يكتفي منه باليسير، وغليظُ الحجاب في وادٍ ونحنُ في واد. وإن كان أثلُ الوادِ يجمعُ بيننا ... فغيرُ خفيٍّ شِيحُه مِنْ خُزامِه (٤)

стр. 918

فتأمَّل ظهور هذين الاسمين: اسم الرزَّاق واسم الغفَّار في الخليقة، ترى ما يُعْجِبُ العقول، وتأمَّل آثارهما حقَّ التأمُّل في أعظم مجامع الخليقة، وانظر كيف وَسِعَهم رزقُه ومغفرتُه، ولولا ذلك لما كان لهم (١) مِنْ قيامٍ أصلًا، فلكلٍّ منهم نصيبٌ من الرِّزق والمغفرة؛ فإمَّا متَّصلًا (٢) بنشأته الثَّانية، وإمَّا مختصًّا بهذه النَّشأة. فصل ومنها: أنه سبحانه يعرِّفُ عبدَه (٣) عِزَّه في قضائه وقدره، ونفوذ مشيئته، وجريان حُكمه (٤)، وأنه لا محيصَ للعبد عمَّا قضاه عليه، ولا مفرَّ له منه، بل هو في قبضة مالكه وسيِّده، وأنه عبدُه وابنُ عبده وابنُ أمته، ناصيتُه بيده، ماضٍ فيه حكمُه، عدلٌ فيه قضاؤه (٥).

стр. 919

فصل ومنها: أنه سبحانه يعرِّفُ العبدَ حاجتَه إلى حفظه له ومعونته وصيانته، وأنه كالوليد (١) الطِّفل في حاجته إلى من يحفظُه ويصونُه، فإن لم يحفظه مولاه الحقُّ ويصونه ويعينه (٢) فهو هالكٌ ولا بدَّ، وقد مَدَّت الشياطينُ أيديها إليه من كلِّ جانبٍ تريدُ تمزيقَ حاله كلِّه، وإفسادَ شأنه كلِّه، وأنَّ مولاه وسيِّده إن وَكَلَه إلى نفسه وكَلَه إلى ضيعةٍ وعجزٍ وذنبٍ وخطيئةٍ وتفريط، فهلاكُه أدنى إليه من شِراك نعله. فقد أجمع العلماءُ بالله على أنَّ التَّوفيق أن لا يَكِل الله العبدَ إلى نفسه، وأجمعوا على أنَّ الخِذلان أن يخلِّي بينه وبين نفسه (٣). فصل ومنها: أنه سبحانه يَسْتَجْلِبُ مِنْ عبده بذلك ما هو من أعظم أسباب السَّعادة له (٤)؛ من استعاذته واستعانته به من شرِّ نفسه، وكيد عدوِّه، ومن أنواع الدُّعاء والتضرُّع، والابتهال والإنابة، والفاقة والمحبة، والرَّجاء والخوف، وأنواعٍ من كمالات العبد تبلغُ نحو المئة (٥)، ومنها ما لا تدركُه

стр. 920

العِبارة، وإنما يُدْرَكُ بوجوده، فيحصُل للرُّوح بذلك قُربٌ خاصٌّ لم يكن يحصُل بدون هذه الأسباب، ويجدُ العبدُ من نفسه كأنه مُلقًى على باب مولاه بعد أن كان نائيًا عنه، وهذا الذي أثمَر له: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾، وهو ثمرة: «لَلَّهُ أفرحُ بتوبة عبده» (١). وأسرارُ هذا الوجه يضيقُ عنها القلبُ واللسان، وعسى أن يجيئك في القسم الثَّاني من الكتاب ما تقرُّ به عينُك إن شاء الله تعالى (٢). فكم بين عبادة مُدِلٍّ على ربِّه بعبادته، شامخٍ بأنفه، كلَّما طُلِبَت منه (٣) أوصافُ العبد قامت صُوَرُ تلك الأعمال في نفسه فحجبَته عن معبوده وإلهه، وبين عبادة من قد كَسَرَ الذلُّ قلبَه كلَّ الكَسْر (٤)، وأحرَق ما فيه من الرُّعونات والحماقات والخيالات، فهو لا يرى نفسَه مع الله إلا مسيئًا، كما لا يرى ربَّه إليه إلا محسنًا؛ فهو لا يرضى (٥) نفسَه لله طرفةَ عين؛ قد كَسَرَ إزراؤه (٦) على نفسه قلبَه، وذلَّل لسانَه وجوارحَه، وطأطأ منه ما ارتفع من غيره، فقلبُه واقفٌ بين يدي ربِّه وقوفَ ناكسِ الرَّأس، خاضعٍ (٧) غاضِّ البصر، خاشع الصَّوت،

стр. 921

هادئ الحركات، قد سَجَد بين يديه سجدةً إلى الممات. فلو لم يكن من ثمرة ذلك القضاء والقدر إلا هذا وحده لكفى به حكمة، والله المستعان. فصل ومنها: أنه سبحانه يستخرجُ بذلك مِنْ عبده تمامَ عبوديَّته؛ فإنَّ تمام العبوديَّة هو بتكميل مقام الذُّلِّ والانقياد، وأكملُ الخلق عبوديَّةً أكملُهم ذلًّا لله وانقيادًا وطاعة. والعبدُ ذليلٌ لمولاه الحقِّ بكلِّ وجهٍ من وجوه الذلِّ؛ فهو ذليلٌ لعِزِّه، وذليلٌ لقهره (١)، وذليلٌ لربوبيَّته وتصرُّفه فيه، وذليلٌ لإحسانه إليه وإنعامه عليه؛ فإنَّ من أحسَن إليك فقد استَعْبَدك وصار قلبُك معبَّدًا له، وذليلٌ لغِنَاه (٢)؛ لحاجته إليه (٣) على مدى الأنفاس في جلب كلِّ ما ينفعُه ودفع كلِّ ما يضرُّه. وبقي نوعان (٤) من أنواع التذلُّل والتعبُّد، لهما أثرٌ عجيب، ويقتضيان من صاحبهما من الطَّاعة والفوز (٥) ما لا يقتضيه غيرُهما: أحدهما: ذلُّ المحبة، وهذا نوعٌ آخرُ غيرُ ما تقدَّم، وهو خاصَّةُ المحبة ولبُّها، بل روحُها وقِوامُها وحقيقتُها، وهو المرادُ على الحقيقة من العبد لو فَطِن.

стр. 922

وهذا يستخرجُ مِنْ قلب المُحِبِّ من أنواع التقرُّب والتودُّد والتملُّق والإيثار والرِّضا والحمد والشُّكر والصَّبر والتقدُّم وتحمُّل العظائم ما لا يستخرجُه الخوفُ وحده، ولا الرَّجاءُ وحده؛ كما قال بعض الصَّحابة: «إنه ليسْتَخْرِجُ محبتُه من قلبي من طاعته ما لا يستخرجُه خوفُه» (١) أو كما قال. فهذا ذلُّ المحبِّين. الثَّاني: ذلُّ المعصية؛ فإذا انضاف هذا إلى هذا هناك فَنِيَت الرُّسوم، وتلاشَت الأنفُس، واضمحلَّت القُوى (٢)، وبطَلَت الدَّعاوى جملة، وذهبت الرُّعونات، وطاحت الشَّطحات، ومُحِيَ من القلب واللسان: أنا وأنا، واستراح المسكينُ من شكاوى الصُّدود والإعراض والهجر، وتجرَّد الشُّهود، فلم يبق إلا شهودُ العزِّ والجلال المحض الذي تفرَّد به ذو الجلال والإكرام، الذي لا يشاركه أحدٌ من خلقه في ذرَّةٍ من ذرَّاته، وشهودُ الذُّلِّ والفقر المحض من جميع الوجوه بكلِّ اعتبار؛ فيشهدُ غاية ذلِّه وانكساره، وعزَّة محبوبه وجلاله وعظمته وقدرته وغِناه. فإذا تجرَّد له هذان الشُّهودان، ولم يبق ذرَّةٌ من ذرَّات الذُّلِّ والفقر والضرورة إلى ربِّه شَهِدَها فيه بالفعل (٣)، وقد شَهِد مقابِلها هناك= فلِلَّه أيَّ

стр. 923

مقامٍ أُقِيم هذا القلبُ إذ ذاك؟! وأيَّ قربٍ حَظِي به؟! وأيَّ نعيمٍ أدركه؟! وأيَّ رَوْحٍ باشره؟! فتأمَّل الآن موقعَ الكَسْرة التي حصلت له بالمعصية في هذا الموطن، ما أعجبَها! وما أعظمَ موقعَها! كيف جاءت فمحقَت (١) من نفسه الدَّعاوى والرُّعونات وأنواع الأماني الباطلة، ثمَّ أوجَبَت له الحياءَ والخجل من صالح ما عَمِل، ثمَّ أوجبت له استكثارَ قليلِ ما يَرِدُ عليه من ربِّه لعِلْمه بأنَّ قَدْرَه أصغرُ من ذلك وأنه لا يستحقُّه، واستقلالَ أمثال الجبال من عمله الصَّالح بأنَّ سيِّئاته (٢) وذنوبَه تحتاجُ من المكفِّرات والماحيات إلى أعظم من هذا. فهو لا يزالُ محسنًا وعند نفسه المسيء المذنب منكسرًا ذليلًا خاضعًا، لا يرفعُ له رأسًا، ولا يقيمُ له صدرًا (٣)، وإنما ساقه إلى هذا الذلُّ الذي أورثه إياه مباشرةُ الذَّنب، فأيُّ شيءٍ أنفعُ له من هذا الدَّواء؟! لعلَّ عَتْبَكَ محمودٌ عواقبُه ... وربَّما صَحَّتِ الأجسامُ بالعِلَلِ (٤) ونكتةُ هذا الوجه أنَّ العبدَ متى شَهِد صلاحَه واستقامتَه شَمَخ بأنفه وتعاظمت إليه نفسُه، وظَنَّ أنه ... وأنه ... ، فإذا ابتُلي بالذَّنب تصاغرت إليه نفسُه، وذلَّ وخضع، وتيقَّن أنه ... وأنه ... ! (٥).

стр. 924

فصل ومنها: أنَّ العبد يعرفُ حقيقة نفسه، وأنها الظَّالمة، وأنَّ ما صَدَر منها من شرٍّ فقد صَدَر من أهله ومعدنه؛ إذ الجهلُ والظُّلمُ (١) منبعُ الشرِّ كلِّه، وأنَّ كلَّ ما فيها من خيرٍ وعلمٍ وهدًى وإنابةٍ وتقوًى فهو من ربها تعالى، هو الذي زكَّاها به، وأعطاها إياه، لا منها، فإذا لم يشأ تزكيةَ العبد تركه مع دواعي جهله وظلمه، فهو تعالى الذي يزكِّي من يشاءُ من النُّفوس، فتزكُو وتأتي بأنواع الخير والبرِّ، ويتركُ تزكية من يشاءُ منها، فتأتي بأنواع الشرِّ والخبث. وكان من دعاء النبيِّ ﷺ : «اللهمَّ آتِ نفسي تقواها، وزكِّها أنت خيرُ من زكَّاها، أنت وليُّها ومولاها» (٢). فإذا ابتلى اللهُ العبدَ بالذَّنب عَرَفَ به نفسَه ونقصَها، فرُتِّب له على ذلك التَّعريف حِكَمٌ ومصالحُ عديدة: منها: أنه يأنفُ مِنْ نقصها، ويجتهدُ في كمالها. ومنها: أنه يعلمُ فقرَها دائمًا إلى من يتولَّاها ويحفظُها. ومنها: أنه يستريحُ ويُرِيحُ العباد من الرُّعونات والحماقات التي ادَّعاها أهلُ الجهل في أنفسهم، مِنْ قِدَمٍ، أو اتصالٍ بالقديم واتحادٍ به، أو حُلولٍ أو غير ذلك من المحالات؛ فلولا أنَّ هؤلاء غاب عنهم شُهودُهم لِنَقْص أنفسهم وحقيقتها لم يقعوا فيما وقعوا فيه (٣).

стр. 925

فصل ومنها: تعريفُه سبحانه عبدَه سَعة حِلْمه وكرمه في سَتره عليه، وأنه لو شاء لعاجَله على الذَّنب ولهَتَكه بين عباده، فلم يَطِب له معهم عيشٌ أبدًا، ولكن جلَّله بستره، وغشَّاه بحِلْمه، وقيَّض له من يحفظُه وهو في حالته تلك، بل كان شاهدًا وهو يبارزُه (١) بالمعاصي والآثام، وهو مع ذلك يحرُسه بعينه التي لا تنام. وقد جاء في بعض الآثار: «يقولُ الله تعالى: أنا الجوادُ الكريم، من أعظمُ مني جودًا وكرمًا؟! عبادي يبارزونني بالعظائم وأنا أكلؤهم في منازلِهم» (٢). فلولا حِلمُه ومغفرتُه (٣) لما استقرَّت السَّمواتُ والأرض في أماكنهما. وتأمَّل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: ٤١]، هذه الآيةُ تقتضي الحِلمَ والمغفرة، فلولا حِلمُه ومغفرتُه لزالتا عن أماكنهما. ومن هذا قولُه تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ [مريم: ٩٠ - ٩١].

стр. 926

فصل ومنها: تعريفُه عبدَه أنه لا سبيل له إلى النَّجاة إلا بعفوه ومغفرته (١)، وأنه رَهِينٌ بحقِّه، فإن لم يتغمَّده بعفوه ومغفرته وإلا فهو (٢) من الهالكين لا محالة، فليس أحدٌ من خلقه إلا وهو محتاجٌ إلى عفوه ومغفرته، كما هو محتاجٌ إلى فضله ورحمته. فصل ومنها: تعريفُه عبدَه (٣) كرمَه سبحانه في قبول توبته، ومغفرته له على ظلمه وإساءته؛ فهو الذي جاد عليه بأن وفَّقه للتَّوبة، وألهمه إياها، ثمَّ قَبِلها منه؛ فتاب عليه أوَّلاً وآخرًا. فتوبةُ العبد محفوفةٌ بتوبةٍ قبلها عليه من الله إذنًا وتوفيقًا، وتوبةٍ ثانيةٍ منه عليه قبولًا ورضًا؛ فله الفضلُ في التَّوبة والكرمُ أوَّلاً وآخرًا، لا إله إلا هو. فصل ومنها: إقامةُ حجَّة عدله على عبده ليعلم العبدُ أنَّ لله عليه الحجَّة البالغة، فإذا أصابه ما أصابه (٤) من المكروه فلا يقل: أنى هذا؟ ولا: مِنْ أين أُتِيت؟ ولا: بأيِّ ذنبٍ أُصِبت؟ فما أصاب العبدَ من مصيبةٍ قطُّ دقيقةٍ ولا جليلةٍ إلا

стр. 927

بما كسبت يداه وما يعفو الله عنه أكثر، و «ما نزل بلاءٌ قطُّ إلا بذنبٍ ولا رُفِع إلا بتوبة» (١). ولهذا وضع اللهُ المصائبَ والبلايا والمحن رحمةً بين عباده يكفِّرُ بها مِنْ خطاياهم، فهي من أعظم نِعَمه عليهم وإن كرهتها أنفسُهم، ولا يدري العبدُ أيُّ النعمتين عليه أعظم: نعمتُه عليه فيما يكره، أو نعمتُه عليه فيما يحبُّ؟ و «ما يصيبُ المؤمن من همٍّ ولا وَصَبٍ ولا أذًى، حتى الشوكة يُشاكُها إلا كفَّر الله بها من خطاياه» (٢). وإذا كان للذُّنوب عقوباتٌ ولا بدَّ، فكلُّ ما عُوقِب به العبدُ من ذلك قبل الموت خيرٌ له مما بعده وأيسرُ وأسهلُ بكثير. فصل ومنها: أن يعامِل العبدُ بني جنسه في إساءتهم إليه وزلاتهم معه بما يحبُّ أن يعامله الله به في إساءته وزلَّاته وذنوبه؛ فإنَّ الجزاء من جنس العمل؛ فمن عفا عفا الله عنه، ومن سامح أخاه في إساءته إليه سامحه الله في إساءته (٣)، ومن أغضى وتجاوز تجاوز اللهُ عنه، ومن استقصى استقصى اللهُ عليه.

стр. 928

ولا تنسَ حال الذي قبضت الملائكةُ روحَه، فقيل له: هل عملتَ خيرًا؟ هل عملتَ حسنةً؟ قال: ما أعلمُه. قيل: تذكَّرْ. قال: كنتُ أبايعُ النَّاسَ فكنتُ أُنظِرُ المُوسِرَ وأتجاوزُ عن المُعْسِر. أو قال: كنتُ آمر فتياني أن يتجاوزوا في السِّكَّة (١). فقال الله: نحن أحقُّ بذلك منك. وتجاوَز عنه (٢). فالله يعامِلُ العبدَ في ذنوبه بمثل ما يعامِلُ به العبدُ النَّاسَ في ذنوبهم. فإذا عرف العبدُ ذلك كان في ابتلائه بالذُّنوب (٣) من الحِكَم والفوائد ما هو مِنْ أنفع الأشياء له (٤). فصل ومنها: أنه إذا عَرَف فأحسَن إلى من أساء إليه، ولم يقابلهُ بإساءته إساءةً مثلها (٥) تعرَّض بذلك لمثلها من ربِّه تعالى، وأنه سبحانه يقابلُ إساءته وذنوبه بإحسانه (٦)، كما كان هو يقابلُ بذلك إساءة الخلق إليه، والله أوسعُ فضلًا وأكرمُ وأجزلُ عطاءً. فمن أحبَّ أن يقابل الله إساءته بالإحسان فليقابل هو إساءة النَّاس إليه

стр. 929

بالإحسان، ومن عَلِمَ أنَّ الذُّنوبَ والإساءة لازمةٌ للإنسان لم تعظُم عنده إساءةُ النَّاس إليه. فليتأمَّل هو حاله مع الله، كيف هي، مع فَرْط إحسانه إليه وحاجته هو إلى ربِّه، وهكذا هو له (١)؛ فإذا كان العبدُ هكذا لربِّه فكيف يُنكِرُ أن يكون النَّاسُ له بتلك المنزلة؟! فصل ومنها: أنه يقيمُ (٢) معاذيرَ الخلائق، وتتَّسعُ رحمتُه لهم، وينفرِجُ بِطانُه (٣)، ويزولُ عنه ذلك الحَصَرُ والضِّيقُ والانحراجُ (٤) وأكلُ بعضِه بعضًا، ويستريحُ العصاةُ من دعائه عليهم، وقُنوته عليهم (٥)، وسؤال الله أن يخسِف بهم الأرض ويسلِّط عليهم البلاء؛ فإنه حينئذٍ يرى نفسَه واحدًا منهم، فهو يسألُ الله لهم ما يسأله لنفسه، وإذا دعا لنفسه بالتَّوبة والمغفرة والعفو أدخلهم معه؛ فيرجو لهم فوق ما يرجو لنفسه، ويخافُ على نفسه أكثر مما يخافُ عليهم. فأين هذا مِنْ حاله الأولى وهو ناظرٌ إليهم بعَين الاحتقار والازدراء، لا يجدُ في قلبه رحمةً لهم ولا دعوةً ولا يرجو لهم نجاةً؟!

стр. 930

فالذَّنبُ في حقِّ مثل هذا من أعظم أسباب رحمته، ومع هذا فيقيمُ أمرَ الله فيهم، طاعةً لله ورحمةً بهم وإحسانًا إليهم، إذ هو عينُ مصلحتهم (١)، لا غلظةً ولا قوَّةً ولا فظاظة. فصل ومنها: أن يخلع صَوْلة الطَّاعة من قلبه، ويَنْزِع عنه رداء الكِبْر والعظمة الذي ليس له، ويلبس رداء الذلِّ والانكسار والفقر والفاقة، فلو دامت تلك الصَّولةُ والعزَّةُ في قلبه لخِيفَ عليه ما هو مِنْ أعظم الآفات، كما في الحديث: «لو لم تذنبوا لخِفتُ عليكم ما هو أشدُّ من ذلك: العُجْب» (٢)، أو كما قال ﷺ . فكم بين آثار العُجْب والكِبْر وصَوْلة الطَّاعة، وبين آثار الذُّلِّ والانكسار! كما قيل: «يا آدم! لا تجزع من كأس زلَّةٍ (٣) كانت سبب كَيْسِك، فقد

стр. 931

استخرج منك داء العُجْب، وأُلبِستَ رداء العبوديَّة (١). يا آدم! لا تجزع من قولي لك: اخرج منها، فلك خلقتُها، ولكن انزل إلى دار المجاهدة، وابذُر بَذْر العبوديَّة، فإذا كمُل الزَّرعُ واستحصد فتعال فاستَوفِه» (٢). لا يُوحِشَنَّكَ ذاكَ العَتْبُ إنَّ له ... لُطفًا يُرِيكَ الرِّضا في حالةِ الغضب فبينما هو لابسٌ ثوب الإدلال الذي لا يليقُ بمثله، تداركه ربُّه برحمته فنزعه عنه، وألبسَه ثوبَ الذُّلِّ الذي لا يليقُ بالعبد غيرُه. فما لبس العبدُ ثوبًا أكمل عليه ولا أحسن ولا أبهى من ثوب العبوديَّة، وهو ثوبُ المذلَّة الذي لا عزَّ له بغيره. فصل ومنها: أنَّ لله على القلوب أنواعًا من العبوديَّة؛ من الخشية والخوف والإشفاق وتوابعها؛ ومن المحبة (٣) والإنابة وابتغاء الوسيلة إليه وتوابعها. وهذه العبوديَّاتُ لها أسبابٌ تهيِّجُها وتبعثُ عليها، فكلُّ ما قيَّضه الربُّ تعالى لعبده من الأسباب الباعثة على ذلك المهيِّجة له فهو من أسباب رحمته له، ورُبَّ ذنبٍ قد هاجَ لصاحبه من الخوف والإشفاق والوَجَل

стр. 932

والإنابة والمحبة والإيثار (١) والفرار إلى الله ما لا يَهِيجُه له كثيرٌ من الطَّاعات. وكم من ذنبٍ كان سببًا لاستقامة العبد وفراره إلى الله وبُعْده عن طرق الغيِّ، وهو بمنزلة من خَلَط فأحسَّ بسوء مِزاجه، وكان عنده أخلاطٌ مُزْمِنةٌ قاتلةٌ وهو لا يشعُر بها، فشرب دواءً أزال تلك الأخلاط العَفِنَة التي لو دامت لترامت به إلى الفساد والعطب. وإنَّ من تبلغُ رحمتُه ولطفُه وبرُّه بعبده هذا المبلغَ وما هو أعجبُ وألطفُ منه، فحقيقٌ به أن يكون الحبُّ كلُّه له، والطَّاعةُ كلُّها له، وأن يُذْكَر فلا يُنسى، ويُطاع فلا يُعصى، ويُشْكَر فلا يُكْفَر. فصل ومنها: أن يعرف العبد مقدار نعمة معافاته وفضله في توفيقه له وحفظه إياه؛ فإنه من تربَّى في العافية لا يعلمُ ما يقاسيه المبتلى، ولا يعرفُ مقدار النِّعمة. فلو عرف أهلُ طاعة الله أنهم هم المُنْعَمُ عليهم في الحقيقة، وأنَّ لله عليهم من الشُّكر أضعافَ ما على غيرهم، وإن توسَّدوا التُّرابَ ومَضَغوا الحصى، فهم أهلُ النعمة المطلقة، وأنَّ من خلَّى اللهُ بينه وبين معاصيه فقد سقط من عينه وهان عليه، وأنَّ ذلك ليس مِنْ كرامته على ربِّه، وإنْ وسَّع اللهُ عليه في الدُّنيا (٢) ومَدَّ له من أسبابها، فإنهم أهلُ الابتلاء على الحقيقة.

стр. 933

فإذا طالبت العبدَ نفسُه بما تطالبه به من الحظوظ والأقسام وأرَتْه أنه في بليَّةٍ وضائقةٍ تداركه الله برحمته، وابتلاه ببعض الذُّنوب، فرأى ما كان فيه من المعافاة والنعمة، وأنه لا نسبة لما كان فيه من النِّعم إلى ما طلبته نفسُه من الحظوظ؛ فحينئذٍ يكون أكثرُ أمانيه وآماله العَوْدَ إلى حاله وأن يمتِّعه الله بعافيته. فصل ومنها: أنَّ التَّوبة توجبُ للتَّائب آثارًا عجيبةً من المعاملة التي لا تحصُل بدونها، فتوجبُ له من المحبة والرقَّة واللُّطف وشكر الله وحمده والرِّضا عنه عبوديَّاتٍ أُخَر؛ فإنه إذا تابَ إلى الله قَبِل الله توبتَه، فرتَّب له على ذلك القبول أنواعًا من النِّعم لا يهتدي العبدُ لتفاصيلها، بل لا يزالُ يتقلَّبُ في بركتها وآثارها ما لم ينقضها (١) ويفسدها. فصل ومنها: أنَّ الله سبحانه يحبُّه ويفرحُ بتوبته أعظمَ فرح؛ وقد تقرَّر أنَّ الجزاء من جنس العمل، فلا ينسى (٢) الفرحة التي يظفرُ (٣) بها عند التَّوبة النَّصوح (٤).

стр. 934

وتأمَّل كيف تجدُ القلبَ يرقُص فرحًا وأنت لا تدري سببَ ذلك الفرح ما هو، وهذا أمرٌ لا يحسُّ به إلا حيُّ القلب، وأمَّا ميِّتُ القلب فإنما يجدُ الفرحَ عند ظفره بالذَّنب، ولا يعرفُ فرحًا غيره. فوازِنْ إذن بين هذين الفرحَيْن، وانظر ما يُعْقِبُه فرحُ الظَّفر بالذَّنب من أنواع الأحزان والهموم والغموم والمصائب؛ فمن يشتري فرحة ساعةٍ بغمِّ الأبد؟! وانظر ما يُعْقِبُه فرحُ الظَّفر بالطَّاعة والتَّوبة النَّصوح من الانشراح الدَّائم والنَّعيم وطِيب العَيْش، ووازِنْ بين هذا وهذا، ثمَّ اختَر ما يليقُ بك ويناسبك. وكلٌّ يعملُ على شاكلته. * وكلُّ امراءٍ يصبو إلى ما يناسبُه * (١) فصل ومنها: أنه إذا شهد ذنوبَه ومعاصيه وتفريطه في حقِّ ربِّه استَكثر القليلَ من نِعَم ربِّه عليه ــ ولا قليلَ منه ــ لعلمه بأنَّ الواصل إليه منها (٢) كثيرٌ على مسيءٍ مثله، واستقلَّ الكثير من عمله لعلمه بأنَّ الذي ينبغي أن يغسل به نجاستَه وأوضارَه وأوساخَه أضعافُ ما يأتي به؛ فهو دائمًا مستقلٌّ لعمله كائنًا ما كان، مستكثرٌ لنعمة الله عليه وإن دقَّت. وقد تقدَّم التنبيهُ على هذا الوجه (٣)، وهو من ألطف الوجوه، فعليك

стр. 935

بمراعاته، فله تأثيرٌ عجيب. ولو لم يكن في فوائد الذَّنب إلا هذا لكفى به. فأين حالُ هذا مِنْ حال من لا يرى لله عليه نعمةً إلا ويرى أنه كان ينبغي أن يُعطى ما هو فوقها وأجلَّ منها، وأنه لا يَقْدِرُ أن يتكلَّم، وكيف يعاندُ القَدَر وهو مظلومٌ مع الرَّبِّ لا يُنصِفُه ولا يعطيه مرتبتَه، بل هو مُغرًى (١) بمعاندته لفضله وكماله، وأنه كان ينبغي له أن ينال الثُّريَّا ويطأ بأخمصه هنالك، ولكنَّه مظلومٌ مَبْخوسُ الحظِّ؟!! وهذا الضَّربُ من أبغض الخلق إلى الله، وأشدِّهم مقتًا عنده، وحكمةُ الله تقتضي أنهم لا يزالون في سَفَال، فهم بين تعتُّبٍ (٢) على الخالق، وشكوى له، وذلٍّ لخلقه، وحاجةٍ إليهم، وخدمةٍ لهم، أشغلُ النَّاس قلوبًا بأرباب الولايات والمناصب، ينتظرون ما يقذفون به إليهم من عظامهم وغُسَالة أيديهم وأوانيهم (٣)، وأفرغُ النَّاس قلوبًا عن معاملة الله، والانقطاع إليه، والتلذُّذ بمناجاته، والطُّمأنينة بذكره، وقُرَّة العين بخشيته، والرِّضا به. فعياذًا بالله من زوال نعمته، وتحوُّل عافيته، وفجأة نقمته، ومن جميع سخطه. فصل ومنها: أنَّ الذَّنبَ يوجبُ لصاحبه التيقُّظ والتحرُّز من مصايد عدوِّه ومكامنه، ومن أين يدخلُ عليه اللصوصُ والقُطَّاعُ ومكامِنُهم، ومن أين يخرجون عليه، وفي أيِّ وقتٍ يخرجون، فهو قد استعدَّ لهم وتأهَّب، وعرف

стр. 936

بماذا يَسْتَدْفِعُ شرَّهم وكيدَهم؛ فلو أنه مرَّ عليهم على غِرَّةٍ (١) وطمأنينةٍ لم يأمن أن يظفروا به ويجتاحُوه جملةً. فصل ومنها: أنَّ القلبَ يكونُ ذاهلًا عن عدوِّه معرضًا عنه، مشتغلًا ببعض مهمَّاته، فإذا أصابه سهمٌ من عدوِّه اسْتَجْمَعَت له قوَّتُه وجأشُه (٢) وحميَّته، وطلب بثأره إن كان قلبُه حرًّا كريمًا، كالرَّجل الشجاع إذا جُرِحَ فإنه لا يقومُ له شيء، بل تراه بعدها هائجًا طالبًا مِقْدامًا (٣)، والقلبُ الجبانُ المَهِينُ إذا جُرِح كالرَّجل الضعيف المَهِين إذا جُرحَ ولى هاربًا (٤) والجِراحاتُ في أكتافه، وكذلك الأسدُ إذا جُرِح فإنه لا يُطاق. فلا خير فيمن لا مروءة له بطلب أخذ ثأره من أعدى عدوِّه، فما شيءٌ أشفى للقلب من أخذه بثأره من عدوِّه، ولا عدوَّ أعدى له من الشيطان، فإن كان من قلوب الرجال المتسابقين في حَلَبة المجد جدَّ في أخذ الثَّأر، وغاظ عدوَّه كلَّ الغَيظ، وأنضاه (٥)، كما جاء عن بعض السَّلف: «إنَّ المؤمن ليُنضِي شيطانَه كما يُنضِي أحدُكم بعيرَه في سفره» (٦).

стр. 937

فصل ومنها: أنَّ مثل هذا يصيرُ كالطَّبيب ينتفعُ به المرضى في علاجهم ودوائهم، والطَّبيبُ الذي كان المرضُ يباشرُه (١) وعَرَف دواءه وعلاجَه أحذقُ وأخبرُ من الطَّبيب الذي إنما عَرَفه وصفًا، هذا في أمراض الأبدان، وكذلك في أمراض القلوب وأدوائها. وهذا معنى قول بعض الصُّوفية: «أعرفُ النَّاس بالآفات أكثرُهم آفات» (٢). وقال عمرُ بن الخطَّاب ﵁: «إنما تُنقض عُرى الإسلام عُروةً عُروةً إذا نشأ في الإسلام من لا يعرفُ الجاهليَّة» (٣).

стр. 938

ولهذا كان الصَّحابةُ أعرفَ الأمَّة بالإسلام وتفاصيله وأبوابه وطرقه، وأشدَّ النَّاس رغبةً فيه، ومحبةً له، وجهادًا لأعدائه، وتكلُّمًا بأعلامه، وتحذيرًا من خلافه؛ لكمال علمهم بضدِّه، فجاءهم الإسلامُ كلُّ خصلةٍ منه مضادَّةٌ لكلِّ خصلةٍ مما كانوا عليه، فازدادوا له معرفةً وحبًّا، وفيه جهادًا؛ بمعرفتهم بضدِّه. وذلك بمنزلة من كان في حَصَرٍ شديدٍ وضيقٍ ومرضٍ وفقرٍ وخوفٍ ووَحْشَة، فقيَّض الله له من نقله منه إلى فضاءٍ وسَعةٍ وأمنٍ وعافيةٍ وغِنًى وبهجةٍ ومسرَّة، فإنه يزدادُ سرورُه وغِبطتُه ومحبتُه بما نُقِل إليه بحسب معرفته بما كان فيه. وليس حالُ هذا كمن وُلِد في الأمن والعافية والغِنى والسُّرور، فإنه لم يشعُر بغيره، وربما قُيِّضت (١) له أسبابٌ تخرجُه عن ذلك إلى ضدِّه وهو لا يشعُر، وربما ظنَّ أنَّ كثيرًا من أسباب الهلاك والعَطب تفضي به إلى السَّلامة والأمن والعافية، فيكون هلاكُه على يَدَي نفسه وهو لا يشعُر. وما أكثر هذا الضَّربَ من النَّاس! فإذا عَرَف الضدَّين، وعَلِم مباينةَ الطَّرفين (٢)، وعَرَف أسبابَ الهلاك على التفصيل، كان أحرى أن تدُوم له النِّعمة، ما لم يُؤْثِر أسبابَ زوالها على عِلم، وفي مثل هذا قال القائل: عرفتُ الشَّرَّ لا للشَّرْ ... رِ لكنْ لِتَوقِّيهِ

стр. 939

ومن لا يَعْرِف الشَّرَّ ... من النَّاسِ يَقَعْ فيهِ (١) وهذه حالُ المؤمن؛ يكونُ فَطِنًا حاذقًا، أعرَف النَّاس بالشرِّ، وأبعدَهم منه، فإذا تكلَّم في الشرِّ وأسبابه ظننتَه مِنْ شرِّ النَّاس، فإذا خالطتَه وعرفتَ طويَّته رأيتَه من أبرِّ النَّاس. والمقصودُ أنَّ من بُلي بالآفات صار من أعرف النَّاس بطرقها، وأمكنه أن يسدَّها على نفسه وعلى من استنصحه من النَّاس ومن لم يستنصحه (٢). فصل ومنها: أنه سبحانه يذيقُ عبدَه ألمَ الحجاب عنه، والبُعد، وزوال ذلك الأُنس والقُرب؛ ليمتحن عبدَه: فإن أقام على الرِّضا بهذه الحال، ولم يجد نفسَه تطالبُه بحالها الأوَّل مع الله، بل اطمأنت وسكنت إلى غيره= عَلِم أنه لا يصلُح، فوضعه في مرتبته التي تليقُ به. وإن استغاث استغاثة الملهوف، وتقلَّق تقلُّق المكروب (٣)، ودعا دعاء المضطرِّ، وعَلِم أنه قد فاته حياتُه (٤) حقًّا، فهو يهتفُ بربِّه أن يردَّ عليه حياته،

стр. 940

ويعيد عليه ما لا حياة له بدونه= عَلِم أنه موضعٌ لما أُهِّل له، فردَّ عليه أحوجَ ما هو إليه، فعظُمت به فرحتُه، وكمُلت به لذَّتُه، وتمَّت به نعمتُه (١)، واتصل به سرورُه، وعَلِم حينئذٍ مقدارَه، فعَضَّ عليه بالنَّواجذ، وثنى عليه الخناصر، وكان حالُه كحال ذلك الفاقد لراحلته التي عليها طعامُه وشرابُه في الأرض المَهْلَكة إذا وجدها بعد معاينة الهلاك؛ فما أعظم موقع ذلك الوِجْدان عنده! ولله أسرارٌ وحِكَمٌ ومنبِّهاتٌ وتعريفاتٌ لا تنالها عقولُ البشر. فقُل لغليظِ القلب ويحكَ ليسَ ذا ... بِعُشِّكَ فادْرُجْ طالبًا عُشَّكَ البالي ولا تكُ ممَّن مَدَّ باعًا إلى جَنًى ... فقَصَّرَ عنه قال ذا ليسَ بالحالي (٢) فالعبدُ إذا بُلي بعد الأُنس بشيءٍ من الوَحْشة، وبعد القُرب صَلِي بنار البِعاد (٣)، اشتاقت نفسُه إلى لذَّة تلك المعاملة، فحنَّت وأنَّت وتضرَّعت (٤) وتعرَّضت لنفحات من ليس لها منه عِوَضٌ أبدًا، ولا سيَّما إذا تذكَّرت برَّه ولطفه وحنانه وقُربه؛ فإنَّ هذه الذكرى تمنعُها القرار وتهيِّجُ منها البلابل (٥)، كما قال القائل ــ وقد فاته طوافُ الوداع، فركب الأخطار ورجع إليه ــ: ولما تذكَّرتُ المنازلَ بالحِمى ... ولم يُقْضَ لي تسليمةُ المتزَوِّد تيقَّنتُ أنَّ العَيْشَ ليس بنافعي ... إذا أنا لم أنظُر إليها بموعدِ (٦)

стр. 941

وإن استمرَّ إعراضها ولم تَحِنَّ إلى مَعْهَدها الأوَّل (١)، ولم تحسَّ بفاقتها الشديدة وضرورتها إلى مراجعة قربها من ربها؛ فهي ممَّن إذا غاب لم يُطْلب، وإذا أبَق لم يُسْتَرجع، وإذا جنى لم يُسْتَعتَب. وهذه هي النُّفوسُ التي لم تُؤهَّل لما هنالك. وبحَسْب المُعْرِض هذا الحرمان، فإنه يكفيه، وذلك ذنبٌ عقابُه فيه. فصل ومنها: أنَّ الحكمة الإلهيَّة اقتضت تركيبَ الشَّهوة والغضب في الإنسان، وهاتان القُوَّتان فيه بمنزلة صفاته الذَّاتية، لا ينفكُّ عنها، وبهما وقعت المحنةُ والابتلاء، وعُرِّض لنيل الدَّرجات العُلى، واللَّحاق بالرفيق الأعلى، والهبوط إلى أسفل سافلين. فهاتان القُوَّتان لا يَدَعان العبدَ حتى يُنيلانه منازل الأبرار، أو يضعانه تحت أقدام الأشرار، ولن يجعل الله مَن شهوتُه مصروفةٌ إلى ما أُعِدَّ له في دار النَّعيم، وغضبُه حميَّةٌ لله ولكتابه ولرسوله ولدينه، كمن شهوتُه (٢) مصروفةٌ في هواه وأمانيه العاجلة، وغضبُه مقصورٌ على حظِّه، ولو انتُهِكت محارمُ الله وحدودُه، وعُطِّلت شرائعُه وسننُه، بعد أن يكون هو ملحوظًا بعَيْن

стр. 942

الاحترام والتَّعظيم والتَّوقير ونفوذ الكلمة. وهذه حالُ أكثر الرُّؤساء أعاذنا الله منها. فلن يجعل الله هذين الصِّنفين في دارٍ واحدة، فهذا رَكَض (١) بشهوته وغضبه إلى أعلى عِلِّيِّين، وهذا هوى بهما إلى أسفل سافلين. والمقصودُ أنَّ تركيبَ الإنسان على هذا الوجه هو غايةُ الحكمة، ولا بدَّ أن يقتضي كلُّ واحدٍ من القوَّتين أثرَه (٢)، فلا بدَّ من وقوع الذَّنب والمخالفات والمعاصي، ولا بدَّ من ترتُّب آثار هاتين القُوَّتين عليهما، ولو لم يُخْلقا (٣) في الإنسان لم يكن إنسانًا، بل كان مَلَكًا؛ فالترتُّبُ (٤) من موجَبات الإنسانيَّة، كما قال النبيُّ ﷺ : «كلُّ بني آدم خطَّاء، وخيرُ الخطَّائين التوَّابون» (٥).

стр. 943

فأمَّا من اكتنفته العصمة، وضُرِبت عليه سُرادِقاتُ الحفظ، فهم أقلُّ أفراد النَّوع الإنسانيِّ، وهم خلاصتُه ولبُّه. فصل ومنها: أنَّ الله سبحانه إذا أراد بعبده خيرًا أنساه رؤيةَ طاعاته، ورَفَعَها من قلبه ولسانه، فإذا ابتُلي بالذَّنب جعله نُصْبَ عينيه، ونسي طاعاته، وجعل همَّه كلَّه بذنبه (١)، فلا يزالُ ذنبُه أمامه إن قام أو قعد أو غدا أو راح، فيكونُ هذا عينَ الرحمة في حقِّه. كما قال بعض السَّلف: «إنَّ العبد ليعملُ الذَّنبَ فيدخُل به الجنَّة، ويعملُ الحسنةَ فيدخلُ بها النَّار. قالوا: وكيف ذلك؟ قال: يعملُ الخطيئةَ فلا تزالُ نُصْبَ عينيه كلَّما ذَكَرَها بكى، وندم، وتاب، واستغفر، وتضرَّع، وأناب إلى الله، وذلَّ له وانكَسَر، وعَمِل لها أعمالًا؛ فتكونُ سببَ الرحمة في حقِّه. ويعملُ الحسنةَ فلا تزالُ نُصْبَ عينيه يَمُنُّ بها ويراها ويعتدُّها على ربِّه وعلى الخلق، ويتكبَّر بها، ويتعجَّبُ من النَّاس كيف لا يعظِّمونه ويكرمونه ويجلُّونه عليها، فلا تزالُ هذه الأمورُ به حتى تقوى عليه آثارُها؛ فتُدخِله

стр. 944

النَّار» (١). فعلامةُ السَّعادة أن تكون حسناتُ العبد خلف ظهره، وسيئاتُه نُصْبَ عينيه. وعلامةُ الشقاوة أن يجعل حسناته نُصْبَ عينيه، وسيئاته خلف ظهره. والله المستعان. فصل ومنها: أنَّ شُهود العبد ذنوبَه وخطاياه توجبُ له أن لا يرى لنفسه على أحدٍ فضلًا، ولا له على أحدٍ حقًّا (٢)؛ فإنه يشهدُ عيوبَ نفسه وذنوبَه، فلا يظنُّ أنه خيرٌ من مسلمٍ يؤمنُ بالله ورسولِه، ويحرِّمُ ما حرَّم الله ورسوله. وإذا شَهِد ذلك مِنْ نفسه لم يَرَ لها على النَّاس حقوقًا من الإكرام يتقاضاهم إياها ويذمُّهم على ترك القيام بها، فإنها عنده أخسُّ قدرًا وأقلُّ قيمةً من أن يكون لها على عباد الله حقوقٌ يجبُ عليهم مراعاتُها، أو لها عليهم فضلٌ يستحقُّ أن يُكْرَم ويُعَظَّم ويُقَدَّم لأجله. فيَرى أنَّ من سلَّم عليه أو لَقِيَه بوجهٍ منبسطٍ فقد أحسن إليه، وبذل له ما لا يستحقُّه؛ فاستراحَ هذا في نفسه، وأراح النَّاسَ من شِكايته وغضبه على

стр. 945

الوجود وأهله، فما أطيبَ عيشَه! وما أنعمَ بالَه! وما أقَرَّ عينَه! وأين هذا ممَّن لا يزالُ عاتبًا على الخلق، شاكيًا ترك قيامهم بحقِّه، ساخطًا عليهم، وهم عليه أسخط؟! فسبحان من بَهَرَت حكمتُه عقول العالمين. فصل ومنها: أنه يوجبُ له الإمساكَ عن عيوب النَّاس والفِكر فيها؛ فإنه في شُغلٍ بعيب نفسه (١)، فطُوبى لمن شغله عيبُه عن عيوب النَّاس، وويلٌ لمن نَسِيَ عيبَه وتفرَّغ لعيوب النَّاس. هذا من علامة الشَّقاوة، كما أنَّ الأوَّل من أمارات السَّعادة. فصل ومنها: أنه إذا وقع في الذَّنب شَهِد نفسَه مثل إخوانه الخطَّائين، وشَهِد أنَّ المصيبة واحدة، والجميعَ مشتركون في الحاجة ــ بل في الضرورة ــ إلى مغفرة الله وعفوه ورحمته، فكما يحبُّ أن يستغفر له أخوه المسلم، كذلك هو أيضًا ينبغي أن يستغفر لأخيه المسلم، فيصير هِجِّيراه: «ربِّ اغفر لي ولوالديَّ وللمسلمين والمسلمات وللمؤمنين والمؤمنات». وقد كان بعضُ السَّلف يستحبُّ لكلِّ أحدٍ أن يداوم على هذا الدُّعاء كلَّ يومٍ سبعين مرَّة، فيجعل له منه وِرْدًا لا يُخِلُّ به. سمعتُ شيخنا يذكُره، وذكَر

стр. 946

فيه فضلاً عظيمًا لا أحفظُه (١)، وربَّما كان من جملة أوراده التي لا يُخِلُّ بها (٢). وسمعتُه يقول: إن جَعَله بين السَّجدتين جاز. فإذا شَهِد العبدُ أنَّ إخوانه مصابون بمثل ما أُصِيبَ به، محتاجون إلى ما هو محتاجٌ إليه، لم يمتنع من مباعدتهم إلا لفَرْط بُخْلٍ (٣) بمغفرة الله وفضله، وحقيقٌ بهذا أن لا يُساعَد فإنَّ الجزاء من جنس العمل. وقد قال بعض السَّلف: «إنَّ الله لما عَتَبَ على الملائكة بسبب قولهم:

стр. 947

﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾، وامتَحَن هاروتَ وماروتَ بما امتحنهما به، جَعَلت الملائكةُ بعد ذلك تستغفرُ لبني آدم وتدعو الله لهم» (١). فصل ومنها: أنه إذا شَهِد نفسَه مع ربِّه مسيئًا خاطئًا مفرِّطًا (٢)، مع فَرْطِ إحسان الله إليه في كلِّ طرفة عين، وبرِّه به، ودَفْعِه عنه، وشدَّة حاجته إلى ربِّه، وعدم استغنائه عنه نَفَسًا واحدًا، وهذه حالُه معه= فكيف يطمعُ أن يكون النَّاسُ معه كما يحبُّ، وأن يعاملوه بمحض الإحسان وهو لم يعامل ربَّه بتلك المعاملة؟! وكيف يطمعُ أن يطيعه مملوكُه وولدُه وزوجتُه في كلِّ ما يريد، ولا يعصونه (٣) ولا يخلُّون بحقوقه، وهو مع ربِّه ليس كذلك؟! وهذا يوجبُ له أن يستغفر لمسيئهم، ويعفو عنه، ويسامحه، ويُغْضِي عن الاستقصاء في طلب حقِّه. فهذه الآثارُ ونحوُها متى اجتناها العبدُ من الذَّنب فهي علامةُ كونه رحمةً في حقِّه، ومتى اجتنى منه (٤) أضدادَها وأوجبت له خلافَ ما ذكرناه فهي والله علامةُ الشَّقاوة، وأنه مِنْ هوانه على الله وسقوطه من عَيْنه خلَّى بينه وبين معاصيه؛ ليقيم عليه حجَّةَ عدله، فيعاقبه باستحقاقه.

стр. 948

وتتداعى السَّيئاتُ في حقِّ مثل هذا وتتولف (١)، فيتولَّدُ من الذَّنب الواحد ما شاء الله من المتالف والمعاطب التي يهوي بها في دركات العذاب، فالمصيبةُ كلُّ المصيبة الذَّنبُ يتولَّدُ من الذَّنب، ثمَّ يتولَّدُ من الاثنين ثالث، ثمَّ تقوى الثَّلاثةُ فتوجبُ رابعًا، وهلُمَّ جرًّا. ومن لم يكن له فقهُ نفسٍ في هذا الباب هلك من حيثُ لا يشعُر. فالحسناتُ والسَّيئاتُ آخذٌ بعضُها برقاب بعض، يتلو بعضُها بعضًا، ويُثْمِرُ بعضُها بعضًا؛ قال بعض السَّلف: «إنَّ من ثواب الحسنةِ الحسنةَ بعدها، وإنَّ من عقاب السيئةِ السيئةَ بعدها» (٢). وهذا أظهرُ عند النَّاس من أن تُضرب له الأمثالُ وتُطلب له الشَّواهد (٣) والله المستعان. فصل وإذا تأمَّلتَ حكمتَه سبحانه فيما ابتلى به عبادَه وصفوته بما ساقهم به إلى أجلِّ الغايات وأكمل النِّهايات التي لم يكونوا يعبُرون إليها إلا على جسرٍ من الابتلاء والامتحان، وكان ذلك الجسرُ لكماله كالجسر الذي لا سبيل إلى عُبورهم إلى الجنة إلا عليه، وكان ذلك الابتلاءُ والامتحانُ عَيْنَ

стр. 949

المنح (١) في حقِّهم والكرامة، فصورتُه صورةُ ابتلاءٍ وامتحان (٢)، وباطنُه فيه الرحمةُ والنِّعمةُ والمنَّة. فكم لله من نعمةٍ جسيمةٍ ومنَّةٍ عظيمة تُجنى من قطوف الابتلاء والامتحان! فتأمَّل حال أبينا آدم ﷺ ، وما آلت إليه محنتُه من الاصطفاء والاجتباء والتَّوبة والهداية ورفعة المنزلة، ولولا تلك المحنةُ التي جرت عليه ــ بإخراجه (٣) من الجنَّة، وتوابع ذلك ــ لما وصل إلى ما وصل إليه، فكم بين حالته الأولى وحالته الثَّانية في نهايته! وتأمَّل حال أبينا الثَّاني نوحٍ ﷺ ، وما آلت إليه محنتُه وصبرُه على قومه تلك القرون كلَّها، حتى أقرَّ اللهُ عينَه، وأغرَق أهلَ الأرض بدعوته، وجَعَل العالم بعده من ذريَّته، وجَعَله خامس خمسةٍ هم أولو العزم الذين هم أفضلُ الرسل، وأمر رسوله ونبيَّه محمدًا ﷺ أن يصبر كصبره، وأثنى عليه بالشُّكر، فقال: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: ٣]، فوصفه بكمال الصَّبر والشُّكر. ثمَّ تأمَّل حال أبينا الثَّالث إبراهيم ﷺ ؛ إمام الحنفاء، وشيخ الأنبياء، وعَمُود العالم (٤)، وخليل ربِّ العالمين من بني آدم، وتأمَّل ما آلت إليه محنتُه وصبرُه وبذلُه نفسَه لله. وتأمَّل كيف آل به بذلُه لله نفسَه ونصرُه دينَه إلى أن اتخذه الله خليلًا لنفسه، وأمر رسوله وخليله محمَّدًا ﷺ أن يتَّبع ملَّته.

стр. 950

وأنبِّهك على خصلةٍ واحدةٍ مما أكرمه الله به في محنته بذبح ولده؛ فإنَّ الله ﵎ جازاه على تسليمه ولدَه لأمر الله بأن بارك في نسله وكثَّره، حتى ملأ السَّهل والجبل؛ فإنَّ الله تعالى لا يتكرَّمُ عليه أحد، وهو أكرمُ الأكرمين، فمن ترك لوجهه أمرًا أو فعله لوجهه بَذَل اللهُ له أضعاف ما تركه من ذلك الأمر أضعافًا مضاعفة، وجازاه بأضعاف ما فعله لأجله أضعافًا مضاعفة. فلما أُمِرَ إبراهيمُ (١) بذبح ولده فبادر لأمر الله، ووافَق عليه الولدُ أباه، رضًا منهما وتسليمًا (٢)، وعَلِم الله منهما الصِّدق والوفاء= فَدَاه بذِبْحٍ عظيم وأعطاهما ما أعطاهما من فضله، وكان من بعض عطاياه أن بارك في ذريَّتهما حتى ملؤوا الأرض؛ فإنَّ المقصود بالولد إنما هو التناسلُ وتكثيرُ الذُّريَّة، ولهذا قال إبراهيم: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١٠٠]، وقال: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم: ٤٠]. فغايةُ ما كان يَحْذَرُ ويخشى مِنْ ذبح ولده (٣) انقطاع نسله، فلمَّا بذل ولده لله وبذل الولدُ نفسَه، ضاعفَ الله النَّسل، وبارك فيه، وكثَّره، حتى ملؤوا الدُّنيا، وجعل النبوَّة والكتابَ في ذريَّته خاصَّة، وأخرج منهم محمَّدًا ﷺ . وقد ذُكِر أنَّ داود ﵇ أراد أن يَعْلمَ عَدَد بني إسرائيل، فأمَر بإحضارهم، وبَعَث لذلك نُقَباء وعُرَفاء، وأمرهم أن يرفعوا إليه ما بَلَغ
следующие страницы →