فيه فضلاً عظيمًا لا أحفظُه (١)، وربَّما كان من جملة أوراده التي لا يُخِلُّ بها (٢). وسمعتُه يقول: إن جَعَله بين السَّجدتين جاز.
فإذا شَهِد العبدُ أنَّ إخوانه مصابون بمثل ما أُصِيبَ به، محتاجون إلى ما هو محتاجٌ إليه، لم يمتنع من مباعدتهم إلا لفَرْط بُخْلٍ (٣) بمغفرة الله وفضله، وحقيقٌ بهذا أن لا يُساعَد فإنَّ الجزاء من جنس العمل.
وقد قال بعض السَّلف: «إنَّ الله لما عَتَبَ على الملائكة بسبب قولهم:
стр. 947
﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾، وامتَحَن هاروتَ وماروتَ بما امتحنهما به، جَعَلت الملائكةُ بعد ذلك تستغفرُ لبني آدم وتدعو الله لهم» (١).
فصل
ومنها: أنه إذا شَهِد نفسَه مع ربِّه مسيئًا خاطئًا مفرِّطًا (٢)، مع فَرْطِ إحسان الله إليه في كلِّ طرفة عين، وبرِّه به، ودَفْعِه عنه، وشدَّة حاجته إلى ربِّه، وعدم استغنائه عنه نَفَسًا واحدًا، وهذه حالُه معه= فكيف يطمعُ أن يكون النَّاسُ معه كما يحبُّ، وأن يعاملوه بمحض الإحسان وهو لم يعامل ربَّه بتلك المعاملة؟! وكيف يطمعُ أن يطيعه مملوكُه وولدُه وزوجتُه في كلِّ ما يريد، ولا يعصونه (٣) ولا يخلُّون بحقوقه، وهو مع ربِّه ليس كذلك؟! وهذا يوجبُ له أن يستغفر لمسيئهم، ويعفو عنه، ويسامحه، ويُغْضِي عن الاستقصاء في طلب حقِّه.
فهذه الآثارُ ونحوُها متى اجتناها العبدُ من الذَّنب فهي علامةُ كونه رحمةً في حقِّه، ومتى اجتنى منه (٤) أضدادَها وأوجبت له خلافَ ما ذكرناه فهي والله علامةُ الشَّقاوة، وأنه مِنْ هوانه على الله وسقوطه من عَيْنه خلَّى بينه وبين معاصيه؛ ليقيم عليه حجَّةَ عدله، فيعاقبه باستحقاقه.
стр. 948
وتتداعى السَّيئاتُ في حقِّ مثل هذا وتتولف (١)، فيتولَّدُ من الذَّنب الواحد ما شاء الله من المتالف والمعاطب التي يهوي بها في دركات العذاب، فالمصيبةُ كلُّ المصيبة الذَّنبُ يتولَّدُ من الذَّنب، ثمَّ يتولَّدُ من الاثنين ثالث، ثمَّ تقوى الثَّلاثةُ فتوجبُ رابعًا، وهلُمَّ جرًّا.
ومن لم يكن له فقهُ نفسٍ في هذا الباب هلك من حيثُ لا يشعُر.
فالحسناتُ والسَّيئاتُ آخذٌ بعضُها برقاب بعض، يتلو بعضُها بعضًا، ويُثْمِرُ بعضُها بعضًا؛ قال بعض السَّلف: «إنَّ من ثواب الحسنةِ الحسنةَ بعدها، وإنَّ من عقاب السيئةِ السيئةَ بعدها» (٢).
وهذا أظهرُ عند النَّاس من أن تُضرب له الأمثالُ وتُطلب له الشَّواهد (٣) والله المستعان.
فصل
وإذا تأمَّلتَ حكمتَه سبحانه فيما ابتلى به عبادَه وصفوته بما ساقهم به إلى أجلِّ الغايات وأكمل النِّهايات التي لم يكونوا يعبُرون إليها إلا على جسرٍ من الابتلاء والامتحان، وكان ذلك الجسرُ لكماله كالجسر الذي لا سبيل إلى عُبورهم إلى الجنة إلا عليه، وكان ذلك الابتلاءُ والامتحانُ عَيْنَ
стр. 949
المنح (١) في حقِّهم والكرامة، فصورتُه صورةُ ابتلاءٍ وامتحان (٢)، وباطنُه فيه الرحمةُ والنِّعمةُ والمنَّة. فكم لله من نعمةٍ جسيمةٍ ومنَّةٍ عظيمة تُجنى من قطوف الابتلاء والامتحان!
فتأمَّل حال أبينا آدم ﷺ ، وما آلت إليه محنتُه من الاصطفاء والاجتباء والتَّوبة والهداية ورفعة المنزلة، ولولا تلك المحنةُ التي جرت عليه ــ بإخراجه (٣) من الجنَّة، وتوابع ذلك ــ لما وصل إلى ما وصل إليه، فكم بين حالته الأولى وحالته الثَّانية في نهايته!
وتأمَّل حال أبينا الثَّاني نوحٍ ﷺ ، وما آلت إليه محنتُه وصبرُه على قومه تلك القرون كلَّها، حتى أقرَّ اللهُ عينَه، وأغرَق أهلَ الأرض بدعوته، وجَعَل العالم بعده من ذريَّته، وجَعَله خامس خمسةٍ هم أولو العزم الذين هم أفضلُ الرسل، وأمر رسوله ونبيَّه محمدًا ﷺ أن يصبر كصبره، وأثنى عليه بالشُّكر، فقال: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: ٣]، فوصفه بكمال الصَّبر والشُّكر.
ثمَّ تأمَّل حال أبينا الثَّالث إبراهيم ﷺ ؛ إمام الحنفاء، وشيخ الأنبياء، وعَمُود العالم (٤)، وخليل ربِّ العالمين من بني آدم، وتأمَّل ما آلت إليه محنتُه وصبرُه وبذلُه نفسَه لله.
وتأمَّل كيف آل به بذلُه لله نفسَه ونصرُه دينَه إلى أن اتخذه الله خليلًا لنفسه، وأمر رسوله وخليله محمَّدًا ﷺ أن يتَّبع ملَّته.
стр. 950
وأنبِّهك على خصلةٍ واحدةٍ مما أكرمه الله به في محنته بذبح ولده؛ فإنَّ الله ﵎ جازاه على تسليمه ولدَه لأمر الله بأن بارك في نسله وكثَّره، حتى ملأ السَّهل والجبل؛ فإنَّ الله تعالى لا يتكرَّمُ عليه أحد، وهو أكرمُ الأكرمين، فمن ترك لوجهه أمرًا أو فعله لوجهه بَذَل اللهُ له أضعاف ما تركه من ذلك الأمر أضعافًا مضاعفة، وجازاه بأضعاف ما فعله لأجله أضعافًا مضاعفة.
فلما أُمِرَ إبراهيمُ (١) بذبح ولده فبادر لأمر الله، ووافَق عليه الولدُ أباه، رضًا منهما وتسليمًا (٢)، وعَلِم الله منهما الصِّدق والوفاء= فَدَاه بذِبْحٍ عظيم وأعطاهما ما أعطاهما من فضله، وكان من بعض عطاياه أن بارك في ذريَّتهما حتى ملؤوا الأرض؛ فإنَّ المقصود بالولد إنما هو التناسلُ وتكثيرُ الذُّريَّة، ولهذا قال إبراهيم: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١٠٠]، وقال: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم: ٤٠].
فغايةُ ما كان يَحْذَرُ ويخشى مِنْ ذبح ولده (٣) انقطاع نسله، فلمَّا بذل ولده لله وبذل الولدُ نفسَه، ضاعفَ الله النَّسل، وبارك فيه، وكثَّره، حتى ملؤوا الدُّنيا، وجعل النبوَّة والكتابَ في ذريَّته خاصَّة، وأخرج منهم محمَّدًا ﷺ .
وقد ذُكِر أنَّ داود ﵇ أراد أن يَعْلمَ عَدَد بني إسرائيل، فأمَر بإحضارهم، وبَعَث لذلك نُقَباء وعُرَفاء، وأمرهم أن يرفعوا إليه ما بَلَغ
стр. 951
عددُهم، فمكثوا مدَّةً لا يقدرون على ذلك، فأوحى الله إلى داود: أن قد عَلِمْتَ أني وعدتُ أباك إبراهيم لما أمرتُه بذبح ولده فبادَر إلى طاعة أمري أن أُبارِك له في ذريَّته حتى يصيروا في عدد النُّجوم، وأجعلهم بحيث لا يحصى عددُهم، وقد أردتَ أنت أن تحصي عددًا قدَّرتُ أنه لا يحصى (١) ... وذكر باقي الحديث (٢).
فجَعَل مِنْ نسله هاتين الأمَّتين العظيمتين الذين (٣) لا يحصي عددَهم إلا الله خالقُهم ورازقُهم، وهم بنو إسرائيل وبنو إسماعيل، هذا سوى ما أكرمه الله به مِنْ رفع الذِّكر والثَّناء الجميل على ألسنة جميع الأمم وفي السَّموات بين الملائكة.
فهذا من بعض ثمرة معاملته، فتبًّا لمن عَرَفه ثمَّ عامل غيره، ما أخسرَ صفقتَه وما أعظمَ حسرتَه!
فصل
ثمَّ تأمَّل حال الكليم موسى ﵇ وما آلت إليه محنتُه وفُتُونُه (٤) من أوَّل ولادته إلى منتهى أمره، حتى كلَّمه الله منه إليه تكليمًا، وكتب له التَّوراة بيده، ورفَعه إلى أعلى السَّموات، واحتَمل له ما لا يَحْتمِلُ لغيره، فإنه رمى الألواحَ على الأرض حتى تكسَّرت، وأخذ بلحية نبيِّ الله هارون وجرَّه
стр. 952
إليه، ولَطَم وجه ملَك الموت ففقأ عينَه، وخاصَم ربَّه ليلة الإسراء في شأن محمدٍ رسول الله ﷺ ، وربُّه يحبُّه على ذلك كلِّه، ولا سقط شيءٌ منه من عينه، ولا سقطت منزلتُه عنده، بل هو الوجيهُ عند الله، القريب، ولولا ما تقدَّم من السَّوابق، وتحمُّل الشَّدائد والمِحَن العِظام في الله، ومقاساة الأمَّتين الشَّديدتَين (١): فرعونَ وقومه، ثمَّ بني إسرائيل وما آذَوْهُ به وما صَبَر عليهم لله (٢).
ثمَّ تأمَّل حال المسيح ﷺ ؛ وصبرَه على قومه، واحتمالَه في الله (٣) ما تحمَّله منهم، حتى رفعه الله إليه، وطهَّره من الذين كفروا، وانتقم من أعدائه، وقطَّعهم في الأرض، ومزَّقهم كلَّ ممزَّق، وسَلَبهم مُلْكَهم وفخرَهم إلى آخر الدَّهر.
فصل
فإذا جئتَ إلى النبيِّ ﷺ وتأمَّلتَ سيرته مع قومه، وصبرَه في الله، واحتمالَه ما لم يحتمله نبيٌّ قبله، وتلوُّنَ الأحوال عليه مِنْ سِلْمٍ وحرب، وغنًى وفقر، وخوفٍ وأمن (٤)، وإقامةٍ في وطنه وظعْنٍ عنه وتَركِه لله، وقتلِ أحبابه وأوليائه بين يديه، وأذى الكفَّار له بسائر أنواع الأذى من القول والفعل، والسِّحر والكذب، والافتراء عليه والبهتان؛ وهو مع ذلك كلِّه صابرٌ على أمر الله، يدعو إلى الله.
стр. 953
فلم يُؤذ نبيٌّ ما أُوذِي، ولم يَحْتَمِل في الله ما احتَمَله (١)، ولم يُعْط نبيٌّ ما أُعطِيَه، فرفَع الله له ذِكْرَه، وقَرَن اسمه باسمه، وجعله سيِّد النَّاس كلِّهم، وجعله أقربَ الخلق إليه وسيلة، وأعظمهم عنده جاهًا، وأسمَعهم عنده شفاعة.
وكانت له تلك المحنُ والابتلاءُ عينَ كرامته، وهي مما زاده الله بها شرفًا وفضلًا، وساقه بها إلى أعلى المقامات.
وهذا حالُ ورثته من بعده الأمثل فالأمثل، كلٌّ له نصيبٌ من المحنة، يسوقُه الله به إلى كماله بحسب متابعته له، ومن لا نصيب له من ذلك فحظُّه من الدُّنيا (٢) حظُّ من خُلِق لها وخُلِقت له وجُعِل خَلاقُه ونصيبُه فيها، فهو يأكلُ منها رغَدًا، ويتمتَّعُ فيها حتى يناله نصيبُه من الكتاب، يُمْتَحَنُ أولياءُ الله وهو في دَعَةٍ وخَفْض عَيْش (٣)، ويخافون وهو آمِن، ويحزنون وهو في أهله مسرور، له شأنٌ ولهم شأن، وهو في وادٍ وهم في واد، همُّه ما يُقِيمُ به جاهَه، ويَسْلَمُ به مالُه، وتُسْمَعُ به كلمتُه، لَزِم من ذلك ما لَزِم، ورَضِي من رَضِي وسَخِط من سَخِط، وهمُّهم إقامةُ دين الله، وإعلاء كلمته، وإعزاز أوليائه، وأن تكون الدَّعوةُ له وحده، فيكون هو وحده المعبود لا غيره، ورسولُه المطاعَ لا سواه.
فللَّه سبحانه من الحِكَم في ابتلائه أنبياءه ورسله وعباده المؤمنين ما تتقاصرُ عقولُ العالمين عن معرفته، وهل وَصَل من وَصَل إلى الغايات
стр. 954
المحمودة (١) والنِّهايات الفاضلة إلا على جِسْر المحنة والابتلاء؟!
كذا المعالي إذا ما رُمْتَ تُدْرِكُها ... فاعبُر إليها على جِسْرٍ من التَّعبِ (٢)
فصل (٣)
وإذا تأمَّلتَ الحكمة الباهرة في هذا الدِّين القيِّم (٤)، والملَّة الحنيفية، والشريعة المحمَّدية، التي لا تنالُ العبارةُ كمالَها، ولا يُدْرِكُ الوصفُ حُسْنَها، ولا تقترحُ عقولُ العقلاء ــ ولو اجتمعت وكانت على عقل أكمل (٥) رجلٍ منهم ــ فوقها، وحسبُ العقول الكاملة الفاضلة أن أدركَت حُسْنَها، وشَهِدت بفضلها، وأنه ما طَرَق العالمَ شريعةٌ أكملُ ولا أجلُّ (٦) ولا أعظمُ منها.
فهي نفسُها الشاهدُ والمشهودُ له، والحجَّةُ والمحتجُّ له، والدَّعوى والبرهان، ولو لم يأت المرسَلُ (٧) ببرهانٍ عليها لكفى بها برهانًا وآيةً وشاهدًا على أنها من عند الله، وكلُّها شاهدةٌ له بكمال العلم، وكمال
стр. 955
الحكمة، وسَعة الرحمة والبرِّ والإحسان، والإحاطة بالغيب والشَّهادة، والعلم بالمباداء والعواقب، وأنها مِنْ أعظم نِعَمه التي أنعَم بها على عباده.
فما أنعَم عليهم بنعمةٍ أجلَّ من أن هداهم لها؛ وجعلهم من أهلها، وممَّن ارتضاها لهم وارتضاهم لها، فلهذا امتنَّ على عباده بأن هداهم لها؛ قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤].
وقال معرِّفًا لعباده ومذكِّرًا لهم عظيمَ نعمته عليهم بها، مُسْتَدعيًا منهم شُكرَهم (١) على أن جَعَلهم من أهلها: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
وتأمَّل كيف وَصَف الدِّين الذي اختاره لهم بالكمال، والنِّعمةَ التي أسبَغها عليهم بالتَّمام، إيذانًا في الدِّين بأنه لا نقصَ فيه ولا عيبَ ولا خلل ولا شيءَ خارجًا عن الحكمة بوجهٍ، بل هو الكاملُ في حُسْنه وجلالته، ووَصَف النِّعمة بالتَّمام إيذانًا بدوامها واتصالها، وأنه لا يَسْلُبهم إياها بعد إذ أعطاهموها (٢)، بل يُتِمُّها لهم بالدَّوام في هذه الدَّار وفي دار القرار (٣).
وتأمَّل حُسْنَ اقتران التَّمام بالنِّعمة، وحُسْنَ اقتران الكمال بالدِّين، وإضافةَ الدِّين إليهم إذ هم القائمون به المقيمون له، وإضافةَ النِّعمة إليه إذ هو
стр. 956
وليُّها ومُسْدِيها والمنعمُ بها عليهم (١)، فهي نعمتُه حقًّا وهم قابِلُوها.
وأتى في الإكمال باللام المُؤْذنة بالاختصاص وأنه شيءٌ خُصُّوا به دون الأمم، وفي إتمام النِّعمة بـ (على) المُؤْذنة بالاستعلاء والاشتمال والإحاطة؛ فجاء ﴿أَتمَمْتُ﴾ في مقابلة ﴿أَكْمَلْتُ﴾، و ﴿عَلَيْكُمْ﴾ في مقابلة ﴿لَكُمُ﴾، و ﴿نِعْمَتِي﴾ في مقابلة ﴿دِينَكُمْ﴾، وأكَّد ذلك وزاده تقريرًا وكمالًا وإتمامًا للنِّعمة بقوله: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾.
وكان بعض السَّلف يقول: «يا له مِنْ دينٍ، لو أنَّ له رجالًا» (٢).
وقد ذكرنا فصلًا مختصرًا في دلالة خلقه على وحدانيَّته (٣)، وصفات كماله، ونُعوت جلاله، وأسمائه الحسنى، وأردنا أن نختمَ به القسمَ الأوَّل من الكتاب (٤)، ثمَّ رأينا أن نتبعه فصلًا في دلالة دينه وشرعه على وحدانيَّته وعلمه وحكمته ورحمته وسائر صفات كماله؛ إذ هذا من أشرف العلوم التي يكتسبُها العبدُ في هذه الدَّار، ويدخُل بها إلى الدَّار الآخرة.
وقد كان الأولى بنا الإمساكُ عن ذلك؛ لأنَّ ما يصفُه الواصفون منه وتنتهي إليه علومُهم هو كما يُدْخِلُ الرجلُ إصبعَه في اليمِّ ثمَّ ينزعها، فهو يصفُ البحرَ بما يَعْلَق على أصبعه من البلل، وأين ذلك من البحر؟! فيظنُّ
стр. 957
السَّامعُ أنَّ تلك الصِّفة أحاطت بالبحر، وإنما هي صفةُ ما عَلِق بالأصبع منه (١)، وإلا فالأمرُ أجلُّ وأعظمُ وأوسعُ من أن تحيط عقولُ البشر بأدنى جزءٍ منه.
وماذا عسى أن يصفَ به النَّاظرُ إلى قُرص الشمس مِنْ ضوئها وقَدْرها وحُسْنها وعجائب صُنْع الله فيها، ولكن قد رضي الله من عباده بالثَّناء عليه، وذِكْر آلائه، وأسمائه وصفاته، وحكمته وجلاله، مع أنه لا نحصي (٢) ثناءً عليه أبدًا، بل هو كما أثنى على نفسه.
فلا يبلغ مخلوقٌ ثناءً عليه ﵎، ولا وَصْفَ كتابه ودينه بما ينبغي له، بل لا يبلغُ أحدٌ من الأمَّة ثناءً على رسوله كما هو أهلٌ أن يُثْنى عليه، بل هو فوق ما يُثْنون به عليه، ومع هذا فالله تعالى يحبُّ أن يُحْمَد ويُثْنى عليه وعلى كتابه ودينه ورسوله.
فهذه مقدِّمةُ اعتذارٍ بين يَدَي القصور من راكب هذا البحر الأعظم، والله عليمٌ بمقاصد العباد ونيَّاتهم، وهو أولى بالعُذر والتَّجاوز.
فصل
وبصائر النَّاس في هذا النُّور التامِّ (٣) تنقسمُ إلى ثلاثة أقسام:
أحدها: من عَدِم بصيرة الإيمان جملة، فهو لا يرى من هذا الضوء إلا الظُّلمات والرعد والبرق، فهو يجعلُ إصبعيه في أذنيه من الصَّواعق، ويدَه
стр. 958
على عينه من البرق؛ خشية أن يُخْطف بصرُه، ولا يجاوزُ نظرُه ما وراء ذلك من الرحمة وأسباب الحياة الأبديَّة.
فهذا القسمُ هو الذي لم يَرْفَع بهذا الدِّين رأسًا، ولم يقبل هدى الله الذي هَدى به عبادَه ولو جاءته كلُّ آية؛ لأنه ممَّن سبقت له الشَّقاوة، وحقَّت عليه الكلمة، ففائدةُ إنذار هذا إقامةُ الحجَّة عليه؛ ليعذَّب بذنبه لا بمجرَّد علم الله فيه.
القسم الثَّاني: أصحابُ البصائر (١) الضعيفة الخُفَّاشيَّة الذين نسبةُ أبصارهم إلى هذا النُّور كنسبة أبصار الخفَّاش إلى جِرْم الشمس، فهم تبعٌ لآبائهم وأسلافهم؛ دينُهم دينُ العادة والمنشأ، وهم الذين قال فيهم أميرُ المؤمنين عليُّ بن أبي طالب: «أو منقادٌ للحقِّ لا بصيرة له في أحنائه (٢)».
فهؤلاء إذا كانوا منقادين لأهل البصائر، لا يتخالجهُم (٣) شكٌّ ولا ريب؛ فهم على سبيلِ نجاة.
القسم الثَّالث: وهم خلاصةُ الوجود، ولُبابُ بني آدم؛ وهم أصحابُ البصائر النَّافذة، الذين شَهِدت بصائرُهم هذا النُّور المبين فكانوا منه على بصيرةٍ ويقينٍ ومشاهدةٍ لحسنه وكماله، بحيث لو عُرِض على عقولهم ضدُّه لرأوه كالليل البهيم الأسود.
стр. 959
وهذا هو المِحَكُّ والفرقانُ بينهم وبين الذين قبلهم؛ فإنَّ أولئك بحسب داعِيهم ومن يقترنُ (١) بهم، كما قال فيهم عليُّ بن أبي طالب: «أتباعُ كلِّ ناعق، يميلون مع كلِّ صائح (٢)، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركنٍ وثيق» (٣).
وهذا علامةُ عدم البصيرة؛ أنك تراه يستحسنُ الشيءَ وضدَّه، ويمدحُ الشيءَ ويذمُّه بعينه إذا جاء في قالبٍ لا يعرفُه، فيعظِّمُ طاعة الرسول ويرى عظيمًا مخالفتَه، ثمَّ هو من أشدِّ النَّاس مخالفةً له، ونفيًا لما أثبته، ومعاداةً للقائمين بسنَّته، وهذا من عدم البصيرة.
فهذا القسمُ الثَّالث إنما عملُهم على البصائر، وبها تفاوُت مراتبهم في درجات الفضل، كما قال بعض السَّلف ــ وقد ذَكَر السَّابقين فقال: «إنما كانوا يعملون على البصائر».
وما أوتي أحدٌ أفضل من بصيرةٍ في دين الله، ولو قصَّر في العمل؛ قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ [ص: ٤٥]، قال ابنُ عبَّاس: «أولي القوَّة في طاعة الله، والأبصار في المعرفة في أمر الله» (٤). وقال قتادةُ ومجاهد: «أُعطُوا قوَّةً في العبادة وبصرًا في الدِّين» (٥).
стр. 960
وأعلمُ النَّاس أبصرُهم بالحقِّ إذا اختلف النَّاس، وإن كان مقصِّرًا في العمل.
وتحت كلِّ واحدٍ من هذه الأقسام أنواعٌ لا يحصي مقاديرَها وتفاوتها إلا الله.
إذا عُرِف هذا؛ فالقسمُ الأوَّلُ لا ينتفعُ بهذا الباب (١)، ولا يزدادُ به إلا ضلالة، والقسمُ الثَّاني ينتفعُ به بقدر فهمه واستعداده، والقسمُ الثَّالث وإليهم هذا الحديثُ يُسَاق، وهم أولو الألباب الذين يخصُّهم الله في كتابه بخطاب التنبيه والإرشاد، وهم المرادون على الحقيقة بالتَّذكرة؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ٢٦٩].
فصل
قد شَهِدت الفِطر (٢) والعقولُ بأنَّ للعالم ربًّا قادرًا حكيمًا (٣) عليمًا رحيمًا، كاملًا في ذاته وصفاته، لا يكونُ إلا مريدًا للخير لعباده، مُجْرِيًا لهم على الشريعة والسُّنَّة الفاضلة العائدة باستصلاحهم، الموافقة لما ركَّب في عقولهم من استحسان الحَسَن واستقباح القبيح، وما جَبَل طباعَهم عليه من إيثار النَّافع لهم المصلح لشأنهم وترك الضارِّ المفسد لهم.
وشَهِدت هذه الشريعةُ له بأنه أحكمُ الحاكمين، وأرحمُ الراحمين، وأنه المحيطُ بكلِّ شيءٍ علمًا.
стр. 961
وإذا عُرِف ذلك؛ فليس من الحكمة الإلهية، بل ولا الحكمة في مُلوك العالم، أنهم يسوُّون بين من هو تحت تدبيرهم في تعريفهم كلَّ ما يعرفُه الملوك، وإعلامهم جميعَ ما يَعْلمونه، وإطلاعهم على كلِّ ما يُجْرُون عليه (١) سياساتهم في أنفسهم وفي منازلهم، حتى لا يقيموا في بلدٍ قيِّمًا (٢) إلا أخبروا من تحت أيديهم بالسَّبب في ذلك، والمعنى الذي قصدوه منه (٣)، ولا يأمرون رعيَّتهم بأمرٍ، ولا يضربون عليهم بعثًا، ولا يَسُوسونهم سياسةً إلا أخبروهم بوجه ذلك وسببه وغايته ومدَّته، بل لا تتصرَّفُ بهم الأحوالُ في مطاعمهم ومشاربهم (٤) وملابسهم ومراكبهم إلا وَقَفُوهم على أغراضهم فيه (٥).
ولا شكَّ أنَّ هذا منافٍ للحكمة والمصلحة بين المخلوقين، فكيف بشأنِ ربِّ العالمين وأحكم الحاكمين، الذي لا يشاركُه في علمه (٦) ولا في حكمته أحدٌ أبدًا؟!
فحَسْبُ العقول الكاملة أن تستدلَّ بما عرفَت من حكمته على ما غاب عنها، وتعلمَ (٧) أنَّ له حكمةً في كلِّ ما خلقه وأمر به وشرعه.
стр. 962
وهل تقتضي الحكمةُ أن يخبر الله تعالى كلَّ عبد من عباده (١) بكلِّ ما يفعلُه، ويُوقِفهم على وجه تدبيره في كلِّ ما يريدُه، وعلى حكمته في صغير ما ذَرَأ وبَرَأ من خليقته؟! وهل في قُوى المخلوق ذلك؟! بل طوى سبحانه كثيرًا من صنعه وأمره عن جميع خلقه، فلم يُطْلِع على ذلك مَلَكًا مقرَّبًا ولا نبيًّا مرسلًا.
والمدبِّر الحكيمُ من البشر إذا ثبتت حكمتُه وابتغاؤه الصَّلاحَ لمن تحت تدبيره وسياسته كفى في ذلك تتبُّعُ مقاصده فيمن يولِّي ويَعْزِل، وفي جنس ما يأمرُ به وينهى عنه، وفي تدبيره لرعيَّته (٢) وسياسته لهم، دون تفاصيل كلِّ فعلٍ من أفعاله (٣)، اللهمَّ إلا أن يبلُغ الأمرُ في ذلك مبلغًا لا يوجدُ لفعله منفذٌ ومَسَاغٌ في المصلحة أصلًا، فحينئذٍ يخرجُ بذلك عن استحقاق اسم الحكيم (٤).
ولن يجد أحدٌ في خَلْق الله ولا في أمره واحدًا (٥) من هذا الضرب، بل غايةُ ما يخرجه تفتيشُ المتعنِّت (٦) أمورٌ يعجزُ العقلُ عن معرفة وجوهها وحكمتها، وأمَّا أن ينفي ذلك عنها فمعاذ الله؛ إلا أن يكون ما أخرجه كذبًا على الخلق والأمر فلم يخلق الله ذلك ولا شرعه.
стр. 963
وإذا عُرِف هذا فقد عُلِم أنَّ ربَّ العالمين أحكمُ الحاكمين، والعالمُ بكلِّ شيء، والغنيُّ عن كلِّ شيء، والقادرُ على كلِّ شيء، ومن هذا شأنه لم تخرج أفعالُه وأوامرُه قطُّ عن الحكمة والرحمة والمصلحة، وما يخفى على العباد من معاني حكمته في صُنعه وإبداعه وأمره وشرعه فيكفيهم فيه معرفتُه (١) بالوجه العامِّ أن تضمَّنته حكمةٌ بالغة، وإن لم يعرفوا تفصيلَها، وأنَّ ذلك من علم الغيب الذي استأثر الله به، فيكفيهم في ذلك الإسنادُ (٢) إلى الحكمة البالغة العامَّة الشاملة التي عَلِموا ما خَفِي منها مما ظهر لهم.
هذا، وإنَّ الله بنى أمورَ عباده على أن عرَّفهم معاني جلائل خلقه وأمره دون دقائقهما وتفاصيلهما، وهذا مطَّردٌ في الأشياء أصولها وفروعها.
فأنت إذا رأيتَ الرجلين ــ مثلًا ــ أحدُهما أكثر شَعرًا من الآخر، أو أشدُّ بياضًا، أو أحدُّ ذهنًا، لأمكنك أن تعرف مِنْ جهة السَّبب الذي أجرى الله عليه سُنَّة الخليقة وجه اختصاص كلِّ واحدٍ منهما بما اختصَّ به. وهكذا في اختلاف الصُّور والأشكال.
ولكن لو أردتَ أن تعرف المعنى الذي كان شَعرُ هذا مثلًا يزيدُ على شَعر الآخر بعددٍ معيَّن، أو المعنى الذي فضَّله اللهُ به في القَدْر المخصوص والتَّشكيل المخصوص، ومعرفة القَدْر الذي بينهما من التَّفاوت وسببَه؛ لما أمكن ذلك أصلًا (٣).
стр. 964
وقِس على هذا جميعَ المخلوقات، من الرِّمال (١) والجبال والأشجار ومقادير الكواكب وهيآتها.
وإذا كان لا سبيل إلى معرفة هذا في الخلق، بل يكفي فيه العلَّةُ العامَّةُ والحكمةُ الشاملة، فهكذا في الأمر يُعْلَمُ أنَّ جميعَ ما أمر به متضمِّنٌ لحكمةٍ بالغة، وأمَّا تفاصيلُ أسرار المأمورات والمنهيَّات فلا سبيل إلى علم البشر به، ولكن يُطْلِعُ الله من شاء من خلقه على ما شاء منه، فاعتصِم بهذا الأصل (٢).
فصل (٣)
حاجةُ النَّاس إلى الشريعة ضروريةٌ فوق حاجتهم إلى كلِّ شيء، ولا نسبة لحاجتهم إلى علم الطبِّ إليها، ألا ترى أنَّ أكثر العالم يعيشون بغير طبيب، ولا يكونُ الطَّبيبُ إلا في بعض المدن الجامعة، وأمَّا أهلُ البَدْو كلُّهم، وأهلُ الكُفُور (٤) كلُّهم، وعامَّةُ بني آدم؛ فلا يحتاجون إلى طبيب، وهم أصحُّ أبدانًا (٥) وأقوى طبيعةً ممَّن هو متقيِّدٌ بالطَّبيب (٦)، ولعلَّ أعمارهم متقاربة.
стр. 965
وقد فطر اللهُ بني آدم على تناول ما ينفعُهم واجتناب ما يضرُّهم، وجعل لكلِّ قومٍ عادةً وعُرفًا في استخراج [أدوية] ما يَهْجُم عليهم من الأدواء، حتى إنَّ كثيرًا من أصول الطبِّ إنما أُخِذت من عوائد النَّاسِ وعُرفهم وتجاربهم.
وأمَّا الشريعةُ فمبناها على تعريف مواقع رضا الله وسَخَطه في حركات العباد الاختياريَّة؛ فمبناها على الوحي المحض، والحاجةُ [إليها أشدُّ من الحاجة] (١) إلى التنفُّس، فضلًا عن الطَّعام والشراب؛ لأنَّ غاية ما يقدَّر في عدم التنفُّس والطَّعام والشراب موتُ البدن وتعطُّل الرُّوح عنه، وأمَّا ما يقدَّر عند عدم الشريعة ففسادُ الرُّوح والقلب جملةً، وهلاكُ الأبد؛ وشتَّان بين هذا وهلاك البدن بالموت.
فليس النَّاسُ قطُّ إلى شيءٍ أحوجَ منهم إلى معرفة ما جاء به الرسول ﷺ ، والقيام به، والدَّعوة إليه، والصَّبر عليه، وجهاد من خرجَ عنه حتى يرجع إليه، وليس للعالَم صلاحٌ بدون ذلك البتَّة، ولا سبيل إلى الوصول إلى السَّعادة والفوز الأكبر إلا بالعُبور على هذا الجِسْر.
فصل
الشرائعُ كلُّها في أصولها ــ وإن تباينت ــ متَّفقة، مركوزٌ حُسْنُها في العقول، ولو وقعَت على غير ما هي عليه لخرجَت عن الحكمة والمصلحة (٢) والرحمة، بل من المحال أن تأتي بخلاف ما أتت به؛ ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون: ٧١].
стр. 966
وكيف يجوِّزُ ذو العقل أن تَرِد شريعةُ أحكم الحاكمين بضدِّ ما وردت به؟!
* فالصَّلاة قد وُضِعَت على أكمل الوجوه وأحسنها التي تعبَّد (١) بها الخالقُ ﵎ عبادَه؛ مِنْ تضمُّنها (٢) للتَّعظيم له بأنواع الجوارح، مِنْ نُطْق اللسان، وعمل اليدين والرِّجلين، والرأس وحواسِّه، وسائرُ أجزاء البدن يأخذُ بحظِّه (٣) من الحكمة في هذه العبادة العظيمة المقدار، مع أخذ الحواسِّ الباطنة بحظِّها منها، وقيام القلب بواجب عبوديَّته فيها.
فهي مشتملةٌ على الثَّناء والحمد، والتَّمجيد والتَّسبيح والتكبير، وشهادة الحقِّ، والقيام بين يدي الربِّ مقام العبد الذَّليل الخاضع (٤) المدبَّر المَرْبُوب.
ثمَّ التذلُّل له في هذا المقام، والتضرُّع والتقرُّب إليه بكلامه، ثمَّ انحناء الظَّهر ذلًّا له وخشوعًا واستكانة، ثمَّ استوائه قائمًا ليستعدَّ لخضوعٍ أكملَ له من الخضوع الأوَّل، وهو السُّجودُ مِنْ قيامٍ؛ فيضعُ أشرفَ شيءٍ فيه ــ وهو وجهُه ــ على التُّراب خشوعًا لربِّه، واستكانةً وخضوعًا لعظمته، وذلًّا لعزَّته، قد انكسر له قلبُه، وذلَّ له جسمُه، وخشعت له جوارحُه، ثمَّ يستوي قاعدًا يتضرَّعُ له، ويتذلَّلُ بين يديه، ويسأله من فضله، ثمَّ يعودُ إلى حاله من الذُّل والخشوع والاستكانة، فلا يزالُ هذا دأبه حتى يقضي صلاته، فيجلس عند
стр. 967
إرادة الانصراف (١) منها مثنيًا على ربِّه، مسلِّمًا على نبيِّه وعلى عباده، ثمَّ يصلي على رسوله، ثمَّ يسأل ربَّه من خيره وبرِّه وفضله (٢).
فأيُّ شيءٍ بعد هذه العبادة من الحُسْن؟! وأيُّ كمالٍ وراء هذا الكمال؟! وأيُّ عبوديةٍ أشرفُ من هذه العبودية؟!
فمن جوَّز عقلُه أن تَرِد الشريعةُ بضدِّها من كلِّ وجهٍ في القول والعمل, وأنه لا فرق في نفس الأمر (٣) بين هذه العبادة وبين ضدِّها من السُّخرية، والسَّبِّ، والبَطَر (٤)، وكشف العورة، والبول على السَّاقين، والضحك، والصَّفير، وأنواع المُجون وأمثال ذلك= فليُعَزِّ عقلَه (٥)، وليسأل الله أن يهبه عقلًا سواه!
* وأمَّا حُسْنُ الزَّكاة وما تضمَّنته من مواساة ذوي الحاجات والمَسْكنة والخَلَّة من عباد الله الذين يعجزون عن إقامة نفوسهم، ويُخافُ عليهم التَّلفُ إذا خلَّاهم الأغنياءُ وأنفسَهم (٦)، وما فيها من الرحمة والإحسان والبرِّ والطُّهْرة، وإيثار أهل الإيثار، والاتصاف بصفة الكرم والجُود والفضل، والخروج من سِمَات أهل الشُّحِّ والبخل والدَّناءة= فأمرٌ لا يستريبُ عاقلٌ في
стр. 968
حُسْنه ومصلحته، وأنَّ الآمرَ به أحكمُ الحاكمين.
وليس يجوزُ في العقل ولا في الفطرة البتَّة أن تَرِد شريعةٌ من الحكيم العليم (١) بضدِّ ذلك أبدًا.
* وأمَّا الصَّوم، فناهيك به مِنْ عبادةٍ تَكُفُّ النَّفس عن شهواتها، وتخرجُها عن شَبَه البهائم إلى شَبَه الملائكة المقرَّبين، فإنَّ النَّفس إذا خُلِّيَت ودواعي شهواتها التحقَت بعالم البهائم، فإذا كفَّت شهواتها لله ضيَّقَت مجاري الشيطان، وصارت قريبةً من الله بترك عاداتها (٢) وشهواتها؛ محبةً له، وإيثارًا لمرضاته، وتقرُّبًا إليه، فيدعُ الصَّائمُ أحبَّ الأشياء إليه وأعظمها لصوقًا بنفسه من الطَّعام والشراب والجِماع من أجل ربِّه، فهو عبادةٌ لا تُتصَوَّرُ (٣) حقيقتُها إلا بترك الشَّهوة لله، فالصَّائمُ يدعُ طعامَه وشرابه وشهواته من أجل ربِّه.
وهذا معنى كون الصَّوم له ﵎، وبهذا فسَّر النبيُّ ﷺ هذه الإضافة في الحديث، فقال: «يقولُ الله تعالى: كلُّ عمل ابن آدم يضاعف الحسنةُ بعشرة أمثالها، قال الله: إلا الصَّوم؛ فإنه لي وأنا أجزي به، يدعُ طعامَه وشرابه من أجلي» (٤)، حتى إنَّ الصَّائم ليتصوَّرُ بصورة من لا حاجة له في الدُّنيا إلا في تحصيل رضا الله (٥).
стр. 969
وأيُّ حُسْنٍ يزيدُ على حُسْن هذه العبادة التي تَكْسِرُ الشهوة، وتَقْمَعُ النَّفس، وتحيي القلبَ وتفرحُه، وتزهِّدُ في الدُّنيا وشهواتها، وترغِّبُ فيما عند الله، وتذكِّرُ الأغنياءَ بشأن المساكين وأحوالهم، وأنهم قد أخذوا بنصيبٍ (١) من عَيْشِهم، فتعطِّف قلوبهم عليهم، ويعلمون ما هم فيه من نِعَم الله فيزدادوا له شكرًا؟!
وبالجملة، فعونُ الصَّوم على تقوى الله أمرٌ مشهور، فما استعان أحدٌ على تقوى الله وحِفظ حدوده واجتناب محارمه بمثل الصَّوم، فهو شاهدٌ لمن شرعه وأمر به بأنه أحكمُ الحاكمين وأرحمُ الراحمين، وأنه إنما شرعه إحسانًا إلى عباده، ورحمةً بهم (٢)، ولطفًا بهم، لا بخلًا عليهم برزقه، ولا مجرَّد تكليفٍ وتعذيبٍ خالٍ من الحكمة والمصلحة، بل هو غايةُ الحكمة والرحمة والمصلحة، وأنَّ شَرْع هذه العبادات لهم من تمام نعمته عليهم، ورحمته بهم.
* وأمَّا الحجُّ، فشأنٌ آخرُ لا يُدْرِكه إلا الحنفاءُ الذين ضربوا في المحبة بسَهْم، وشأنه أجلُّ من أن تحيط به العبارة، وهو خاصَّةُ هذا الدِّين الحنيف، حتى قيل في قوله تعالى: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ﴾ [الحج: ٣١]: «أي: حُجَّاجًا» (٣).
وجَعَل الله بيتَه الحرام قِيامًا للنَّاس، فهو عمودُ العالَم الذي عليه بناؤه، فلو ترك النَّاسُ كلُّهم الحجَّ سنةً لخرَّت السَّماءُ على الأرض، هكذا قال
стр. 970
ترجمانُ القرآن ابنُ عبَّاس (١)؛ فالبيتُ الحرامُ قِيامُ العالَم، فلا يزالُ قِيامًا ما دام هذا البيتُ محجوجًا.
فالحجُّ خاصَّةُ الحنيفية وتقويته (٢) والصَّلاة سرُّ قول العبد: لا إله إلا الله؛ فإنه مؤسَّسٌ على التَّوحيد المحض والمحبة الخالصة، وهو استزارةُ المحبوب لأحبابه، ودعوتُهم إلى بيته ومحلِّ كرامته، ولهذا إذا دخلوا في هذه العبادة فشعارُهم: لبَّيك اللهمَّ لبَّيك، إجابةَ محبٍّ لدعوة حبيبه، ولهذا كان للتَّلبية موقعٌ عند الله، وكلَّما أكثر العبدُ منها كان أحبَّ إلى ربِّه وأحظى، فهو لا يملكُ نفسَه أن يقول: لبَّيك اللهمَّ لبَّيك (٣)، حتى ينقطع نفَسُه.
وأمَّا أسرارُ ما في هذه العبادة من الإحرام، واجتناب العوائد، وكشف الرأس، ونزع الثِّياب المعتادة، والطَّواف، والوقوف بعرفة، ورمي الجمار، وسائر شعائر الحجِّ= فمما شَهِدت بحُسْنه العقولُ السَّليمة والفطرُ المستقيمة، وعَلِمَت بأنَّ الذي شرع هذا لا حكمة فوق حكمته. وسنعودُ إن شاء الله إلى الكلام في ذلك في موضعه (٤).
стр. 971
* وأمَّا الجهاد، فناهيك به مِنْ عبادةٍ هي سَنَامُ العبادات وذِرْوتُها، وهو المِحَكُّ والدَّليلُ المفرِّقُ بين المحِبِّ والمدَّعي؛ فالمحِبُّ قد بذل مهجتَه وماله لربِّه وإلهه، متقرِّبًا إليه ببَذْل أعزِّ ما بحضرته، يودُّ لو أنَّ له بكلِّ شَعرةٍ نَفْسًا يبذُلها في حبِّه ومرضاته، ويودُّ أن لو قُتِل فيه ثمَّ أُحيِي ثمَّ قُتِل ثمَّ أُحيِي ثمَّ قُتِل، فهو يفدي بنفسه حبيبَه وعبدَه ورسوله، ولسانُ حاله يقول:
يَفْدِيكَ بالنَّفس صَبٌّ لو يكونُ له ... أعزَّ مِنْ نفسِه شيءٌ فَداكَ به (١)
فهو قد سلَّم نفسَه وماله لمشتريها، وعَلِم أنه لا سبيل إلى أخذ السِّلعة إلا ببذلِ ثمنها؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ [التوبة: ١١١].
وإذا كان من المعلوم المستقرِّ عند الخلق أنَّ علامة المحبة الصَّحيحة بذلُ الرُّوح والمال في مرضاة المحبوب، فالمحبوبُ الحقُّ الذي لا تنبغي المحبةُ إلا له، وكلُّ محبةٍ سوى محبَّته فالمحبة له باطلة= أولى بأن يَشْرَع لعباده الجهادَ الذي هو غايةُ ما يتقرَّبون به إلى إلههم وربهم، وكانت قرابينُ مَنْ قبلهم من الأمم في ذبائحهم، وقرابينُهم تقديمُ أنفسهم للذَّبح في الله مولاهم الحقِّ.
стр. 972
فأيُّ حُسْنٍ يزيدُ على حُسْن هذه العبادة؟! ولهذا ادَّخرها اللهُ لأكمل الأنبياء، وأكمل الأمم عقلًا وتوحيدًا ومحبةً لله.
* وأمَّا الضحايا والهدايا، فقُربانٌ إلى الخالق سبحانه، يقومُ مقامَ الفِدية عن النَّفس المستحقَّة للتَّلف (١)، فِديةً وعِوَضًا وقُربانًا إلى الله، وتشبُّهًا بإمام الحنفاء، وإحياءً لسنَّته إذ فَدَى اللهُ ولدَه بالقُربان؛ فجَعَل ذلك في ذُرِّيته باقيًا أبدًا.
* وأمَّا الأيمانُ والنُّذور، فعقودٌ يَعْقِدُها العبدُ على نفسه، يؤكِّدُ بها ما ألزمه نفسَه من الأمور بالله ولله، فهي تعظيمٌ للخالق ولأسمائه ولحقِّه، وأن تكون العقودُ به وله، وهذا غايةُ التَّعظيم، فلا يُعْقَدُ بغير اسمه، ولا لغير القُرْب (٢) إليه، بل إن حَلَف فبِاسْمِه تعظيمًا (٣) وتوحيدًا وإجلالًا، وإن نَذَر فله توحيدًا وطاعةً ومحبةً وعبودية، فيكونُ هو المعبودُ وحده والمستعانُ به وحده.
* وأمَّا المطاعمُ والمشاربُ والملابسُ والمناكح، فهي داخلةٌ فيما يُقِيمُ الأبدانَ ويحفظُها من الفساد والهلاك، وفيما يعودُ ببقاء النَّوع الإنساني؛ ليتمَّ بذلك قِوامُ الأجساد وحِفظ النَّوع، فيتحمَّل الأمانةَ التي عُرِضت على السَّموات والأرض، ويقْوى على حملها وأدائها، ويتمكَّن من شُكر مَولى الإنعام ومُسْدِيه.
стр. 973
وفرق في هذه الأنواع بين المباح والمحظور، والحسن والقبيح، والضارِّ والنَّافع، والطَّيِّب والخبيث، فحرَّم منها القبيحَ والخبيثَ والضارَّ وأباح منها الحسنَ والطيِّبَ والنَّافع، كما سيأتي إن شاء الله.
وتأمَّل ذلك في المَناكح، فإنَّ من المستقرِّ في العقول والفطر أنَّ قضاء هذا الوَطَر في الأمَّهات والبنات والأخوات والعمَّات والخالات والجدَّات مُستقبَحٌ في كلِّ عقل، مُستهجَنٌ في كلِّ فطرة (١)، ومن المحال أن يكون المباحُ من ذلك مساويًا للمحظور في نفس الأمر، ولا فرق بينهما إلا مجرَّدُ التحكُّم بالمشيئة. سبحانك هذا بهتانٌ عظيم. وكيف يكونُ في نفس الأمر نكاحُ الأمِّ واستفراشُها مساويًا لنكاح الأجنبية واستفراشها، وإنما فرَّق بينهما محضُ الأمر؟!
وكذلك من المحال أن يكون الدَّمُ والبولُ والرجيعُ مساويًا للخبز والماء والفاكهة ونحوها، وإنما الشارعُ فرَّق بينهما فأباح هذا وحرَّم هذا مع استواء الكلِّ في نفس الأمر!
وكذلك أخذُ المال بالبيع والهبة والوصية والميراث لا يكونُ مساويًا لأخذه بالقهر والغلبة والغصب والسَّرقة والخيانة (٢)، حتى يكون إباحةُ هذا وتحريمُ هذا راجعًا إلى محض الأمر والنهي المفرِّق بين المتماثلين!
وكذلك الظُّلمُ والكذبُ والزُّورُ والفواحشُ كالزِّنا واللواط وكشف العورة بين الملأ ونحو ذلك، كيف يسوِّغُ عقلُ عاقلٍ أنه لا فرق قطُّ في نفس
стр. 974
الأمر بين ذلك وبين العدل والإحسان والعِفَّة والصِّيانة وسَتْر العورة، وإنما الشارعُ يحكم بإيجاب هذا وتحريم هذا؟!
هذا مما لو عُرِض على العقول السَّليمة التي لم تَنْغَل (١)، ولم يمسَّها دَغَلُ (٢) المقالات (٣) الفاسدة، وتعظيم أهلها، وحُسْن الظَّنِّ بهم= لكانت أشدَّ إنكارًا له، وشهادةً ببطلانه من كثيرٍ من الضروريات.
وهل ركَّبَ الله في فطرة عاقلٍ قطُّ أنَّ الإحسانَ والإساءة، والصِّدقَ والكذب، والفجورَ والعفَّة، والعدل والظُّلم، وقتلَ النُّفوس وإنجاءها، بل السُّجودَ لله وللصَّنم= سواءٌ في نفس الأمر، لا فرق بينهما وإنما الفرقُ بينهما الأمرُ المجرَّد؟! وأيُّ جحدٍ للضروريات أعظمُ من هذا؟!
وهل هذا إلا بمنزلة من يقول: إنه لا فرق بين الرجيع والبول، والدَّم والقيء، وبين الخبز واللَّحم، والماء والفاكهة، والكلُّ سواءٌ في نفس الأمر، وإنما الفرقُ بالعوائد؟! فأيُّ فرقٍ بين مدَّعي هذا الباطل وبين مدَّعي ذاك الباطل؟! وهل هذا إلا بَهْتٌ للعقل والحسِّ والضرورة والشَّرع والحكمة؟!
وإذا كان لا معنى عندهم للمعروف إلا ما أُمِرَ به فصار معروفًا بالأمر، ولا للمنكر إلا ما نُهِيَ عنه فصار منكرًا بنهيه، فأيُّ معنًى لقوله: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]؟! وهل حاصلُ ذلك زائدٌ
стр. 975
على أن يقال: يأمرُهم بما يأمرُهم به، وينهاهم عمَّا ينهاهم عنه؟! وهذا كلامٌ يُنَزَّهُ عنه (١) آحادُ العقلاء فضلًا عن كلام ربِّ العالمين.
وهل دلَّت الآيةُ إلا على أنه أمرهم بالمعروف الذي تَعْرِفُه العقول، وتُقِرُّ بحُسْنه الفطر، فأمَرَهم بما هو معروفٌ في نفسه عند كلِّ عقلٍ (٢) سليم، ونهاهم عمَّا هو منكرٌ في الطِّباع والعقول، بحيث إذا عُرِض على العقول السَّليمة أنكرته أشدَّ الإنكار، كما أنَّ ما أمَرَ به إذا عُرِض على العقل السَّليم قَبِله أعظمَ قبولٍ وشَهِد بحُسْنه. كما قال بعض الأعراب، وقد سئل: بم عرفتَ أنه رسولُ الله؟، فقال: ما أمَرَ بشيءٍ فقال العقلُ: ليته ينهى عنه، ولا نهى عن شيءٍ فقال العقلُ: ليته أمَرَ به (٣).
فهذا الأعرابيُّ أعرفُ بالله ودينه ورسوله من هؤلاء، وقد أقرَّ عقلُه (٤) وفطرتُه بحُسْن ما أمَرَ به، وقُبْح ما نهى عنه، حتى كان في حقِّه من أعلام نبوَّته وشواهد رسالته، ولو كان جهةُ كونه معروفًا ومنكرًا هو الأمرَ المجرَّد لم يكن فيه دليل، بل كان يُطلَبُ له الدَّليلُ من غيره.
стр. 976
ومن سلك ذلك المسلكَ الباطل لم يُمْكِنْه أن يستدلَّ على صحَّة نبوَّته بنفس دعوته ودينه، ومعلومٌ أنَّ نفسَ الدِّين الذي جاء به والملَّة التي دعا إليها مِنْ أعظم براهين صدقه وشواهد نبوَّته، ومن لم يُثْبِت لذلك صفاتٍ وجوديةً أوجَبَت حُسْنَه وقبول العقول له، ولضدِّه صفاتٍ أوجَبَت قُبْحَه ونفور العقول عنه= فقد سَدَّ على نفسه بابَ الاستدلال بنفس الدَّعوة، وجعلها مُسْتَدَلًّا عليه فقط.
* ومما يدلُّ على صحَّة ذلك قولُه تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾، فهذا صريحٌ في أنَّ الحلال كان طيِّبًا قبل حِلِّه، وأنَّ الخبيثَ كان خبيثًا قبل تحريمه، ولم يُسْتَفد طِيبُ هذا وخُبثُ هذا من نفس الحِلِّ والتَّحريم؛ لوجهين اثنين:
أحدهما: أنَّ هذا عَلَمٌ من أعلام نبوَّته التي احتجَّ الله بها على أهل الكتاب، فقال: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
فلو كان الطِّيبُ والخُبْثُ (١) إنما استُفِيد من التَّحريم والتَّحليل لم يكن في ذلك دليل، فإنه بمنزلة أن يقال: يُحِلُّ لهم ما يُحِلُّ، ويُحَرِّمُ عليهم ما يُحَرِّم. وهذا أيضًا باطل؛ فإنه لا فائدة فيه، وهو الوجه الثَّاني.
فثبت أنه أحلَّ ما هو طيِّبٌ في نفسه قبل الحِلِّ، فكساهُ بإحلاله طِيبًا آخر، فصار منشأُ طِيبه من الوجهين معًا.
стр. 977
فتأمَّل هذا الموضعَ حقَّ التأمُّل يُطْلِعْك على أسرار الشريعة، ويُشْرِفْك على محاسنها وكمالها وبهجتها وجلالها، وأنه من الممتنع في حكمة أحكم الحاكمين أن تَرِدَ بخلاف ما وردت به، وأنَّ الله تعالى يتنزَّهُ عن ذلك كما يتنزَّهُ عن سائر ما لا يليقُ به.
* ومما يدلُّ على ذلك قولُه تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]، وهذا دليلٌ على أنها فواحشُ في نفسها، لا تستحسنُها العقول، فعَلَّق (١) التَّحريمَ بها لفُحْشِها؛ فإنَّ ترتيبَ الحكم على الوصف المناسب المشتقِّ يدلُّ على أنه هو العلَّةُ المقتضيةُ له، وهذا دليلٌ في جميع هذه الآيات التي ذكرناها؛ فدلَّ على أنه حرَّمها لكونها فواحش، وحرَّم الخبيثَ لكونه خبيثًا، وأمَرَ بالمعروف لكونه معروفًا، والعلَّةُ يجبُ أن تُغايِرَ المعلول، فلو كان كونُه فاحشةً هو معنى كونه منهيًّا عنه، وكونُه خبيثًا هو معنى كونه محرَّمًا= كانت العلَّةُ عينَ المعلول، وهذا محال، فتأمَّله، وكذا تحريمُ الإثم والبغي دليلٌ على أنَّ هذا وصفٌ ثابتٌ له قبل التَّحريم.
* ومن هذا قولُه تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٢٣]؛ فعلَّل النهيَ في الموضعين بكون المنهيِّ عنه فاحشةً، ولو كان جهةُ كونه فاحشةً هو النهي لكان تعليلًا للشيء بنفسه، ولكان بمنزلة أن يقال: لا تقربوا الزِّنا فإنه يقول لكم: لا تقربوه، أو: فإنه منهيٌّ عنه! وهذا محالٌ من وجهين:
стр. 978
أحدهما: أنه يتضمَّنُ إخلاءَ الكلام من الفائدة.
والثَّاني: أنه تعليلٌ للنهي بالنهي.
* ومن ذلك قولُه تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ٤٧]، فأخبَر تعالى أنَّ ما قدَّمت أيديهم قبل البعثة سببٌ لإصابتهم بالمصيبة، وأنه سبحانه لو أصابهم بما يستحقُّون من ذلك لاحتجُّوا عليه بأنه لم يُرسِل إليهم رسولًا، ولم ينزِّل عليهم كتابًا، فقَطَعَ هذه الحجَّة بإرسال الرسول، وإنزال الكتاب، لئلَّا يكون للنَّاس على الله حجَّةٌ بعد الرُّسل.
وهذا صريحٌ في أنَّ أعمالهم قبل البعثة كانت قبيحةً بحيث استحقُّوا أن يصابوا (١) بها المصيبةَ، ولكنه سبحانه لا يعذِّبُ إلا بعد إرسال الرُّسل (٢).
وهذا هو فصلُ الخطاب وتحقيقُ القول في هذا الأصل العظيم: أنَّ القُبْحَ ثابتٌ للفعل في نفسه، وأنه لا يعذِّبُ اللهُ عليه إلا بعد إقامة الحجَّة بالرِّسالة.
وهذه النُّكتة هي التي فاتت (٣) المعتزلةَ والكُلَّابية كليهما، فاستطالت كلُّ طائفةٍ منهما على الأخرى؛ لعدم جمعها بين هذين الأمرين، فاستطالت الكُلَّابيةُ على المعتزلة بإثباتهم العذابَ قبل إرسال الرُّسل، وترتيبهم العقابَ على مجرَّد القُبْح العقلي، وأحسنوا في ردِّ ذلك عليهم، واستطالت المعتزلةُ
стр. 979
عليهم في إنكارهم الحُسْنَ والقُبْحَ العقليَّين جملةً، وجَعْلِهم انتفاءَ العذاب قبل البعثة دليلًا على انتفاء القُبْح واستواء الأفعال في أنفسها، وأحسنوا في ردِّ هذا عليهم.
فكلُّ طائفةٍ استطالت على الأخرى بسبب إنكارها الصَّواب.
وأمَّا من سَلَك هذا المسلكَ الذي سلكناه، فلا سبيل لواحدةٍ من الطَّائفتين إلى ردِّ قوله، ولا الظَّفر عليه أصلًا؛ فإنه موافقٌ لكلِّ طائفةٍ على ما معها من الحقِّ، مقرِّرٌ له، مخالفٌ لها في باطلها، منكرٌ له.
وليس مع النُّفاة قطُّ دليلٌ واحدٌ صحيحٌ على نفي الحُسْن والقُبح العقليَّين، وأنَّ الأفعال المتضادَّة كلَّها في نفس الأمر سواءٌ لا فرق بينها إلا بالأمر والنهي، وكلُّ أدلَّتهم على هذا باطلةٌ كما سنذكرها ونذكرُ بطلانها إن شاء الله تعالى.
وليس مع المعتزلة دليلٌ واحدٌ صحيحٌ قطُّ يدلُّ على إثبات العذاب على مجرَّد القُبح العقليِّ قبل بعثة الرُّسل، وأدلَّتُهم على ذلك كلُّها باطلةٌ كما سنذكرُها ونذكرُ بطلانها إن شاء الله تعالى.
* ومما يدلُّ على ذلك أيضًا: أنه سبحانه يحتجُّ على فساد مذهب من عبد غيرَه بالأدلَّة العقلية التي تقبلُها الفطرُ والعقول، ويجعلُ ما ركَّبه في العقول من حُسْن عبادة الخالق وحده وقُبْح عبادة غيره مِنْ أعظم الأدلَّة على ذلك، وهذا في القرآن أكثر من أن يُذْكَرَ ههنا، ولولا أنه مستقرٌّ في العقول والفطر حُسْنُ عبادته وشكره، وقُبح عبادة غيره وتركُ شكره= لما احتَجَّ عليهم بذلك أصلًا، وإنما كانت الحجَّةُ في مجرَّد الأمر.
стр. 980
وطريقةُ القرآن صريحةٌ في هذا، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢]، فذكر سبحانه أمرَهم بعبادته، وذكر اسمَ الربِّ مضافًا إليهم لمقتضى عبوديَّتهم لربهم ومالكهم، ثمَّ ذكر ضروبَ إنعامه عليهم: بإيجادهم وإيجاد من قبلهم، وجَعْل الأرض فراشًا لهم يمكنُهم الاستقرارُ عليها والبناءُ والسُّكنى، وجَعْل السَّماء بناءً وسقفًا؛ فذكر أرض العالم وسقفَه، ثمَّ ذكر إنزال مادَّة أقواتهم ولباسهم وثمارهم، منبِّهًا بهذا على استقرار حُسْن عبادة من هذا شأنُه وتشكره الفطرُ والعقول (١)، وقُبح الإشراك به وعبادة غيره.
* ومن هذا قولُه تعالى حاكيًا عن صاحب ياسينَ أنه قال لقومه محتجًّا عليهم بما تُقِرُّ به فطرُهم وعقولهم: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٢٢]، فتأمَّل هذا الخطابَ كيف تجدُ تحته أشرفَ معنًى وأجلَّه، وهو أنَّ كونه سبحانه فاطرًا لعباده يقتضي عبادتهم له، وأنَّ من كان (٢) مفطورًا مخلوقًا فحقيقٌ به أن يعبُد فاطرَه وخالقه، ولا سيَّما إذا كان مردُّه إليه؛ فمبدؤه منه ومصيرُه إليه، وهذا يوجبُ عليه التفرُّغ لعبادته.
ثمَّ احتجَّ عليهم بما تُقِرُّ به عقولهم وفطرُهم من قُبح عبادة غيره، وأنها أقبحُ شيءٍ في العقل وأنكَرُه، فقال: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ
стр. 981
بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (٢٣) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ٢٣ - ٢٤]، أفلا تراه كيف لم يحتجَّ عليهم بمجرَّد الأمر، بل احتجَّ عليهم بالعقل الصَّحيح ومقتضى الفطرة؟!
* ومن هذا قولُه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٧٣ - ٧٤]؛ فضربَ لهم سبحانه مثلًا من عقولهم يدلُّهم على قُبح عبادتهم لغيره، وأنَّ هذا أمرٌ مستقرٌّ قبحُه وهُجْنتُه في كلِّ عقلٍ وإن لم يَرِد به الشرع.
وهل في العقل أنكرُ وأقبحُ مِن عبادة مَن لو اجتمعوا كلُّهم لم يخلقوا ذبابًا واحدًا وإن يَسْلُبهم الذُّبابُ شيئًا لم يَقْدِروا على الانتصار منه واستنقاذ ما سَلَبَهم إياه، وتَرْك عبادة الخلَّاق العليم، القادر على كلِّ شيء، الذي ليس كمثله شيء؟!
أفلا تراه كيف احتجَّ عليهم بما ركَّبه في العقول من حُسْن عبادته وحده وقُبح عبادة غيره؟!
* وقال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ [الزمر: ٢٩]، هذا مثلٌ ضربه الله لمن عَبَده وحده فسَلِمَ له، ولمن عبد من دونه آلهةً فهم شركاءُ فيه متشاكِسُون عَسِرُون، فهل يستوي في العقول هذا وهذا؟!
وقد أكثَر تعالى من هذه الأمثال ونوَّعها مستدلًّا بها على حُسْن شكره
стр. 982
وعبادته، وقُبح عبادة غيره، ولم يحتجَّ عليهم بنفس الأمر، بل بما ركَّبه في عقولهم من الإقرار بذلك، وهذا كثيرٌ في القرآن، فمن تتبَّعه وجده.
* وقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]، فذكر توحيدَه، وذكر المناهي التي نهاهم عنها، والأوامرَ التي أمرهم بها، ثمَّ خَتَم الآيات بقوله: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء: ٣٨] أي: مخالفةُ هذه الأوامر وارتكاب هذه المناهي سيِّئةٌ مكروهةٌ لله.
فتأمَّل قوله: ﴿كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ أي: أنه سيِّئٌ (١) في نفس الأمر عند الله، حتى لو لم يَرِد به تكليفٌ لكان سيِّئةً في نفسه عند الله مكروهًا له، وكراهتُه سبحانه له لما هو عليه من الصِّفة التي اقتضت أن كَرِهَه، ولو كان قُبحُه إنما هو مجرَّدُ النهي لم يكن مكروهًا لله؛ إذ لا معنى للكراهة عندهم إلا كونُه منهيًّا عنه، فيعودُ قولُه: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ إلى معنى: كلُّ ذلك منهيٌّ عنه عند ربك! ومعلومٌ أنَّ هذا غيرُ مرادٍ من الآية.
وأيضًا؛ فإذا وقع ذلك منهم فهو عند النُّفاة للحُسْن والقُبح محبوبٌ لله، مرضيٌّ له؛ لأنه إنما وقع بإرادته، والإرادةُ عندهم هي المحبة لا فرق بينهما. والقرآنُ صريحٌ في أنَّ هذا كلَّه قبيحٌ عند الله، مكروهٌ، مبغوضٌ له، وقع أو لم يقع، وجعل سبحانه هذا البغض والقبحَ سببًا للنهي عنه، ولهذا جعله علَّةً وحكمةً للأمر، فتأمَّله، والعلَّةُ غيرُ المعلول.
* وقال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥]، دلَّ ذلك على أنَّ في نفس
стр. 983
الأمر قِسطًا، وأنَّ الله سبحانه أنزل كتابه وأنزل الميزانَ ــ وهو العدل ــ ليقوم النَّاسُ بالقِسط الذي (١) أُنزِل الكتابُ لأجله والميزان.
فعُلِم أنَّ في نفس الأمر ما هو قِسطٌ وعدلٌ حسن، ومخالفتُه قبيحة، وأنَّ الكتابَ والميزان نزلا لأجله، ومن ينفي الحُسنَ والقُبحَ يقول: ليس في نفس الأمر ما هو عدلٌ حَسَن، وإنما صار قِسطًا وعدلًا بالأمر فقط. ونحن لا ننكرُ أنَّ الأمر كساه حُسْنًا وعدلًا إلى حُسْنه وعدله في نفسه، فهو في نفسه قِسطٌ حَسَن، وكساه الأمرُ حُسْنًا آخر يُضاعَفُ به كونُه عدلًا حسنًا؛ فصار ذلك ثابتًا له من الوجهين جميعًا.
* ومن هذا قولُه تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٨]؛ فقوله: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ دليلٌ على أنها في نفسها فحشاء، وأنَّ الله لا يأمرُ بما يكونُ كذلك، وأنه يتعالى ويتقدَّسُ عنه، ولو كان كونُه فاحشةً إنما عُلِم بالنهي خاصَّةً كان بمنزلة أن يقال: إنَّ الله لا يأمرُ بما ينهى عنه. وهذا كلامٌ يُصَانُ عنه آحادُ العقلاء، فكيف بكلام ربِّ العالمين؟!
ثمَّ أكَّد سبحانه هذا الإنكار بقوله: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف: ٢٩]، فأخبَر أنه يتعالى عن الأمر بالفحشاء، بل أوامرُه كلُّها حسنةٌ في العقول، مقبولةٌ في الفِطر؛ فإنه أمَر بالقِسط لا بالجَوْر، وبإقامة الوجوه له عند مساجده لا لغيره، وبدعوته وحده مخلصينَ له الدِّين لا بالشِّرك؛ فهذا هو الذي يأمرُ به تعالى، لا بالفحشاء.
стр. 984
أفلا تراه كيف يُخْبِرُ بجنس (١) ما يأمرُ به وبحُسْنه (٢)، وينزِّه نفسَه عن الأمر بضدِّه، وأنه لا يليقُ به تعالى؟!
* [وقال تعالى]: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]، فاحتجَّ سبحانه على حُسْن دين الإسلام وأنه لا شيء أحسنُ منه بأنه (٣) يتضمَّنُ إسلامَ الوجه لله، وهو إخلاصُ القصد والتوجُّه والعمل له سبحانه، والعبدُ مع ذلك محسنٌ آتٍ بكلِّ حَسَن، لا مرتكبٌ للقُبح الذي يكرهُه الله، بل هو مخلصٌ لربِّه، محسنٌ في عبادته بما يحبُّه ويرضاه، وهو مع ذلك متَّبعٌ لملَّة إبراهيم في محبَّته لله وحده، وإخلاص الدِّين له، وبَذْل النَّفس والمال في مرضاته ومحبته.
وهذا احتجاجٌ منه على أنَّ دين الإسلام أحسنُ الأديان بما تضمَّنه مما تستحسنُه العقول، وتشهدُ به الفِطر، وأنه قد بلغ الغاية القصوى في درجات الحُسْن والكمال.
وهذا استدلالٌ بغير الأمر المجرَّد، بل هو دليلٌ على أنَّ ما كان كذلك فحقيقٌ بأن يأمر به عبادَه، ولا يرضى منهم سواه.
* ومثلُ هذا قولُه تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣]، فهذا احتجاجٌ بما ركَّب في العقول والفِطر، لأنه لا قول للعبد أحسنُ من هذا القول.
стр. 985
* وقال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠]، فأيُّ شيءٍ أصرحُ من هذا (١)؟! حيثُ أخبَر سبحانه أنه حرَّمه عليهم مع كونه طيِّبًا في نفسه، فلولا أنَّ طِيبَه أمرٌ ثابتٌ له بدون الأمر لم يكن ليجمع الطِّيبَ والتَّحريم.
وقد أخبَر تعالى أنه حرَّم عليهم طيِّباتٍ كانت حلالًا عقوبةً لهم، فهذا تحريمُ عقوبة، بخلاف التَّحريم على هذه الأمَّة فإنه تحريمُ صيانةٍ وحماية، ولا فرق عند النُّفاة بين الأمرين، بل الكلُّ سواء.
فالله سبحانه (٢) أمر عبادَه بما أمرهم به رحمةً منه وإحسانًا وإنعامًا عليهم، لأنَّ صلاحهم في معاشهم وأبدانهم وأحوالهم وفي معادهم ومآلهم إنما هو بفعلِ ما أُمِروا به، وهو في ذلك بمنزلة الغذاء الذي لا قِوام للبدن إلا به، بل أعظم، ليس مجرَّد تكليفٍ وابتلاءٍ كما يظنُّه كثيرٌ من النَّاس، ونهاهم عما نهاهم عنه صيانةً وحِمْيةً (٣) لهم، إذ لا بقاء لصحَّتهم ولا حِفظ لها إلا بهذه الحِمْية.
فلم يأمرهم حاجةً منه إليهم وهو الغنيُّ الحميد، ولا حرَّم عليهم ما حرَّم بخلًا منه عليهم وهو الجوادُ الكريم، بل أمرُه ونهيه عينُ حظِّهم وسعادتهم العاجلة والآجلة، ومَصْدَرُ أمره ونهيه رحمتُه الواسعة وبرُّه وجودُه وإحسانُه وإنعامُه، فلا يُسألُ عمَّا يفعل؛ لكمال حكمته وعلمه ووقوع أفعاله على وَفْق المصلحة والرحمة والحكمة.