بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (٢٣) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ٢٣ - ٢٤]، أفلا تراه كيف لم يحتجَّ عليهم بمجرَّد الأمر، بل احتجَّ عليهم بالعقل الصَّحيح ومقتضى الفطرة؟!
* ومن هذا قولُه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٧٣ - ٧٤]؛ فضربَ لهم سبحانه مثلًا من عقولهم يدلُّهم على قُبح عبادتهم لغيره، وأنَّ هذا أمرٌ مستقرٌّ قبحُه وهُجْنتُه في كلِّ عقلٍ وإن لم يَرِد به الشرع.
وهل في العقل أنكرُ وأقبحُ مِن عبادة مَن لو اجتمعوا كلُّهم لم يخلقوا ذبابًا واحدًا وإن يَسْلُبهم الذُّبابُ شيئًا لم يَقْدِروا على الانتصار منه واستنقاذ ما سَلَبَهم إياه، وتَرْك عبادة الخلَّاق العليم، القادر على كلِّ شيء، الذي ليس كمثله شيء؟!
أفلا تراه كيف احتجَّ عليهم بما ركَّبه في العقول من حُسْن عبادته وحده وقُبح عبادة غيره؟!
* وقال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ [الزمر: ٢٩]، هذا مثلٌ ضربه الله لمن عَبَده وحده فسَلِمَ له، ولمن عبد من دونه آلهةً فهم شركاءُ فيه متشاكِسُون عَسِرُون، فهل يستوي في العقول هذا وهذا؟!
وقد أكثَر تعالى من هذه الأمثال ونوَّعها مستدلًّا بها على حُسْن شكره
стр. 982
وعبادته، وقُبح عبادة غيره، ولم يحتجَّ عليهم بنفس الأمر، بل بما ركَّبه في عقولهم من الإقرار بذلك، وهذا كثيرٌ في القرآن، فمن تتبَّعه وجده.
* وقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]، فذكر توحيدَه، وذكر المناهي التي نهاهم عنها، والأوامرَ التي أمرهم بها، ثمَّ خَتَم الآيات بقوله: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء: ٣٨] أي: مخالفةُ هذه الأوامر وارتكاب هذه المناهي سيِّئةٌ مكروهةٌ لله.
فتأمَّل قوله: ﴿كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ أي: أنه سيِّئٌ (١) في نفس الأمر عند الله، حتى لو لم يَرِد به تكليفٌ لكان سيِّئةً في نفسه عند الله مكروهًا له، وكراهتُه سبحانه له لما هو عليه من الصِّفة التي اقتضت أن كَرِهَه، ولو كان قُبحُه إنما هو مجرَّدُ النهي لم يكن مكروهًا لله؛ إذ لا معنى للكراهة عندهم إلا كونُه منهيًّا عنه، فيعودُ قولُه: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ إلى معنى: كلُّ ذلك منهيٌّ عنه عند ربك! ومعلومٌ أنَّ هذا غيرُ مرادٍ من الآية.
وأيضًا؛ فإذا وقع ذلك منهم فهو عند النُّفاة للحُسْن والقُبح محبوبٌ لله، مرضيٌّ له؛ لأنه إنما وقع بإرادته، والإرادةُ عندهم هي المحبة لا فرق بينهما. والقرآنُ صريحٌ في أنَّ هذا كلَّه قبيحٌ عند الله، مكروهٌ، مبغوضٌ له، وقع أو لم يقع، وجعل سبحانه هذا البغض والقبحَ سببًا للنهي عنه، ولهذا جعله علَّةً وحكمةً للأمر، فتأمَّله، والعلَّةُ غيرُ المعلول.
* وقال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥]، دلَّ ذلك على أنَّ في نفس
стр. 983
الأمر قِسطًا، وأنَّ الله سبحانه أنزل كتابه وأنزل الميزانَ ــ وهو العدل ــ ليقوم النَّاسُ بالقِسط الذي (١) أُنزِل الكتابُ لأجله والميزان.
فعُلِم أنَّ في نفس الأمر ما هو قِسطٌ وعدلٌ حسن، ومخالفتُه قبيحة، وأنَّ الكتابَ والميزان نزلا لأجله، ومن ينفي الحُسنَ والقُبحَ يقول: ليس في نفس الأمر ما هو عدلٌ حَسَن، وإنما صار قِسطًا وعدلًا بالأمر فقط. ونحن لا ننكرُ أنَّ الأمر كساه حُسْنًا وعدلًا إلى حُسْنه وعدله في نفسه، فهو في نفسه قِسطٌ حَسَن، وكساه الأمرُ حُسْنًا آخر يُضاعَفُ به كونُه عدلًا حسنًا؛ فصار ذلك ثابتًا له من الوجهين جميعًا.
* ومن هذا قولُه تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٨]؛ فقوله: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ دليلٌ على أنها في نفسها فحشاء، وأنَّ الله لا يأمرُ بما يكونُ كذلك، وأنه يتعالى ويتقدَّسُ عنه، ولو كان كونُه فاحشةً إنما عُلِم بالنهي خاصَّةً كان بمنزلة أن يقال: إنَّ الله لا يأمرُ بما ينهى عنه. وهذا كلامٌ يُصَانُ عنه آحادُ العقلاء، فكيف بكلام ربِّ العالمين؟!
ثمَّ أكَّد سبحانه هذا الإنكار بقوله: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف: ٢٩]، فأخبَر أنه يتعالى عن الأمر بالفحشاء، بل أوامرُه كلُّها حسنةٌ في العقول، مقبولةٌ في الفِطر؛ فإنه أمَر بالقِسط لا بالجَوْر، وبإقامة الوجوه له عند مساجده لا لغيره، وبدعوته وحده مخلصينَ له الدِّين لا بالشِّرك؛ فهذا هو الذي يأمرُ به تعالى، لا بالفحشاء.
стр. 984
أفلا تراه كيف يُخْبِرُ بجنس (١) ما يأمرُ به وبحُسْنه (٢)، وينزِّه نفسَه عن الأمر بضدِّه، وأنه لا يليقُ به تعالى؟!
* [وقال تعالى]: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]، فاحتجَّ سبحانه على حُسْن دين الإسلام وأنه لا شيء أحسنُ منه بأنه (٣) يتضمَّنُ إسلامَ الوجه لله، وهو إخلاصُ القصد والتوجُّه والعمل له سبحانه، والعبدُ مع ذلك محسنٌ آتٍ بكلِّ حَسَن، لا مرتكبٌ للقُبح الذي يكرهُه الله، بل هو مخلصٌ لربِّه، محسنٌ في عبادته بما يحبُّه ويرضاه، وهو مع ذلك متَّبعٌ لملَّة إبراهيم في محبَّته لله وحده، وإخلاص الدِّين له، وبَذْل النَّفس والمال في مرضاته ومحبته.
وهذا احتجاجٌ منه على أنَّ دين الإسلام أحسنُ الأديان بما تضمَّنه مما تستحسنُه العقول، وتشهدُ به الفِطر، وأنه قد بلغ الغاية القصوى في درجات الحُسْن والكمال.
وهذا استدلالٌ بغير الأمر المجرَّد، بل هو دليلٌ على أنَّ ما كان كذلك فحقيقٌ بأن يأمر به عبادَه، ولا يرضى منهم سواه.
* ومثلُ هذا قولُه تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣]، فهذا احتجاجٌ بما ركَّب في العقول والفِطر، لأنه لا قول للعبد أحسنُ من هذا القول.
стр. 985
* وقال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠]، فأيُّ شيءٍ أصرحُ من هذا (١)؟! حيثُ أخبَر سبحانه أنه حرَّمه عليهم مع كونه طيِّبًا في نفسه، فلولا أنَّ طِيبَه أمرٌ ثابتٌ له بدون الأمر لم يكن ليجمع الطِّيبَ والتَّحريم.
وقد أخبَر تعالى أنه حرَّم عليهم طيِّباتٍ كانت حلالًا عقوبةً لهم، فهذا تحريمُ عقوبة، بخلاف التَّحريم على هذه الأمَّة فإنه تحريمُ صيانةٍ وحماية، ولا فرق عند النُّفاة بين الأمرين، بل الكلُّ سواء.
فالله سبحانه (٢) أمر عبادَه بما أمرهم به رحمةً منه وإحسانًا وإنعامًا عليهم، لأنَّ صلاحهم في معاشهم وأبدانهم وأحوالهم وفي معادهم ومآلهم إنما هو بفعلِ ما أُمِروا به، وهو في ذلك بمنزلة الغذاء الذي لا قِوام للبدن إلا به، بل أعظم، ليس مجرَّد تكليفٍ وابتلاءٍ كما يظنُّه كثيرٌ من النَّاس، ونهاهم عما نهاهم عنه صيانةً وحِمْيةً (٣) لهم، إذ لا بقاء لصحَّتهم ولا حِفظ لها إلا بهذه الحِمْية.
فلم يأمرهم حاجةً منه إليهم وهو الغنيُّ الحميد، ولا حرَّم عليهم ما حرَّم بخلًا منه عليهم وهو الجوادُ الكريم، بل أمرُه ونهيه عينُ حظِّهم وسعادتهم العاجلة والآجلة، ومَصْدَرُ أمره ونهيه رحمتُه الواسعة وبرُّه وجودُه وإحسانُه وإنعامُه، فلا يُسألُ عمَّا يفعل؛ لكمال حكمته وعلمه ووقوع أفعاله على وَفْق المصلحة والرحمة والحكمة.
стр. 986
* وقال تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٦٩) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٠) وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٩ - ٧١]، فأخبَر سبحانه أنَّ الحقَّ لو اتَّبع أهواء العباد فجاء شرعُ الله ودينُه بأهوائهم لفسدت السَّمواتُ والأرض ومن فيهنَّ.
ومعلومٌ أنَّ عند النُّفاة يجوزُ أن يَرِد شرعُ الله ودينُه بأهواء العباد، وأنه لا فرق في نفس الأمر بين ما وَرَد به وبين ما تقتضيه أهواؤهم إلا مجرَّدُ الأمر، وأنه لو وَرَد بأهوائهم جاز وكان تعبُّدًا ودينًا. وهذه مخالفةٌ صريحةٌ للقرآن، وأنه من المحال أن يتَّبع الحقُّ أهواءهم، وأنَّ أهواءهم مشتملةٌ على قُبحٍ عظيمٍ لو وَرَد الشرعُ به لفَسَد العالَمُ أعلاه وأسفلُه وما بين ذلك.
ومعلومٌ أنَّ هذا الفساد إنما يكونُ لقُبح خلاف ما شرعه الله وأمر به، ومنافاته لصلاح العالم عُلوِيِّه وسُفلِيِّه، وأنَّ خرابَ العالم وفساده لازمٌ لحصوله ولشرعه، وأنَّ كمال حكمة الله وكمال علمه ورحمته وربوبيَّته يأبى ذلك ويمنعُ منه (١)، ومن يقول: الجميعُ في نفس الأمر سواء، يجوِّزُ ورودَ التعبُّد بكلِّ شيء، سواء كان مقتضى (٢) أهوائهم أو خلافها.
* ومثلُ هذا قولُه تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٢]، أي: لو كان في السَّموات والأرض آلهةٌ تُعْبَدُ غيرُ الله لفسَدتا وبَطَلتا، ولم يقل: أربابٌ، بل قال: آلهة؛ والإلهُ هو المعبودُ
стр. 987
المَألوه، وهذا يدلُّ على أنه من الممتنع المستحيل عقلًا أن يَشْرَع اللهُ عبادةَ غيره أبدًا، وأنه لو كان معه معبودٌ سواه لفسَدت السَّمواتُ والأرض.
فقُبْحُ عبادة غيره قد استقرَّ في الفِطر والعقول وإن لم يَرِد بالنهي (١) عنه شرع، بل العقلُ يدلُّ على أنه أقبحُ القبيح على الإطلاق، وأنه من المحال أن يشرعه الله قطُّ؛ فصلاحُ العالم في أن يكون الله وحده هو المعبود، وفسادُه وهلاكُه في أن يُعْبَد معه غيرُه، ومحالٌ أن يشرع لعباده ما فيه فسادُ العالم وهلاكُه، بل هو المنزَّهُ عن ذلك.
فصل
* وقد أنكر تعالى على من نسب إلى حكمته التسويةَ بين المختلفَيْن، كالتسوية بين الأبرار والفجَّار؛ فقال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١]؛ فدلَّ على أنَّ هذا حكمٌ سيِّاءٌ قبيح، ينزَّه اللهُ عنه.
ولم ينكره (٢) سبحانه من جهة أنه أخبر بأنه لا يكون، وإنما أنكره من جهة قُبحِه في نفسه، وأنه حكمٌ سيِّاءٌ يتعالى ويتنزَّهُ عنه لمنافاته لحكمته وغِنَاه وكماله ووقوع أفعاله كلِّها على السَّداد والصَّواب والحكمة، فلا يليقُ به أن يجعل البرَّ كالفاجر، ولا المحسنَ كالمسيء، ولا المؤمنَ كالمفسد في
стр. 988
الأرض؛ فدلَّ على أنَّ هذا قبيحٌ في نفسه، تعالى الله عن فعله.
* ومن هذا أيضًا: إنكارُه سبحانه على من جوَّز أن يَتْرُك عبادَه سُدًى، فلا يأمرُهم ولا ينهاهم، ولا يثيبُهم ولا يعاقبُهم، وأنَّ هذا الحُسبان باطل، والله متعالٍ عنه لمنافاته لحكمته وكماله.
كما قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦].
قال الشافعي ﵁: «أي: مهملًا لا يُؤمر ولا يُنهى» (١). وقال غيره: «لا يثابُ ولا يعاقَب» (٢).
والقولان واحد؛ لأنَّ الثَّوابَ والعقاب غايةُ الأمر والنهي، فهو سبحانه خلقهم للأمر والنهي في الدُّنيا والثَّواب والعقاب في الأخرى، فأنكر سبحانه على من زعم أنه يُتْرَكُ سدًى إنكارَ من جَعَل في العقل استقباحَ ذلك واستهجانه، وأنه لا يليقُ أن يُنسَب ذلك إلى أحكم الحاكمين.
ومثلُه قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٥ - ١١٦]، فنزَّه نفسَه سبحانه وباعَدَها عن هذا الحُسْبان، وأنه يتعالى عنه ولا يليقُ به؛ لقُبحِه ولمنافاته لحكمته ومُلْكه وإلهيَّته.
أفلا ترى كيف ظهرَ في العقل الشَّهادةُ بدينه وشرعه وثوابه وعقابه؟!
وهذا يدلُّ على إثبات المعاد بالعقل، كما يدلُّ على إثباته بالسَّمع، وكذلك دينُه وأمرُه وما بعث به رسلَه هو ثابتٌ في العقول جملةً، ثمَّ عُلِمَ
стр. 989
بالوحي؛ فقد تطابقت شهادةُ العقل والوحي على توحيده وشرعه، والتَّصديق بوعده ووعيده، وأنه سبحانه دعا عبادَه على ألسنة رسله إلى ما وضع في العقول حُسْنَه والتَّصديقَ به جملةً، فجاء الوحيُ مفصِّلًا ومبيِّنًا ومقرِّرًا ومذكِّرًا لما هو مركوزٌ في الفِطر والعقول.
ولهذا سأل هِرَقْلُ أبا سفيانَ في جملة ما سأله عنه من أدلَّة النُّبوَّة وشواهدها عمَّا يأمرُ به النبيُّ ﷺ ، فقال: بم يأمرُكم؟ قال: يأمرُنا بالصَّلاة والصِّدق والعفاف (١)، فجَعَل ما يأمرُ به من أدلَّة نبوَّته؛ فإنَّ أكذبَ الخلق وأفجَرهم من ادَّعى النَّبوَّة وهو كاذبٌ فيها على الله، وهذا محالٌ أن يأمر إلا بما يليقُ بكذبه وفجوره وافترائه، فدعوتُه تليقُ به، وأمَّا الصَّادقُ البارُّ الذي هو أصدقُ الخلق وأبرُّهم، فدعوتُه لا تكونُ إلا أكملَ دعوةٍ وأشرفَها وأجلَّها وأعظمَها؛ فإنَّ العقول والفِطر تشهدُ بحُسْنها وصِدق القائم بها.
فلو كانت الأفعالُ كلُّها سواءً في نفس الأمر لم يكن هناك فرقانٌ بين ما يجوزُ أن يدعو إليه الرسول وما لا يجوزُ أن يدعو إليه، إذ العُرْفُ [وضدُّه] (٢) إنما يُعْلَمُ بنفس الدَّعوة والأمر والنهي.
وكذلك مسألةُ النَّجاشيِّ لجعفر وأصحابه عمَّا يدعو إليه الرسول (٣).
стр. 990
فدلَّ على أنه من المستقرِّ في العقول والفِطر انقسامُ الأفعال إلى قبيحٍ وحَسَنٍ في نفسه، وأنَّ الرُّسل تدعو إلى حَسَنها وتنهى عن قبيحها، وأنَّ ذلك من آيات صِدقهم وبراهين رسالتهم، وهو أولى وأعظمُ عند أولي الألباب والحِجى من مجرَّد خوارق العادات، وإن كان انتفاعُ ضعفاء العقول بالخوارق في الإيمان أعظمَ من انتفاعهم بنفس الدَّعوة وما جاء به في الإيمان (١).
فطرقُ الهداية متنوِّعة؛ رحمةً من الله بعباده ولطفًا بهم؛ لتفاوُت عقولهم وأذهانهم وبصائرهم:
* فمنهم من يهتدي بنفس ما جاء به وما دعا إليه مِنْ غير أن يطلُبَ منه برهانًا خارجًا (٢) عن ذلك، كحال الكُمَّل (٣) من الصَّحابة، كالصِّدِّيق ﵁.
* ومنهم من يهتدي بمعرفته بحاله ﷺ ، وما فُطِر عليه من كمال الأخلاق والأوصاف والأفعال، وأنَّ عادة الله أن لا يخزي من قامت به تلك الأوصافُ والأفعال؛ لعلمه بالله ومعرفته به وأنه لا يخزي من كان بهذه المثابة.
كما قالت أمُّ المؤمنين خديجة ﵂ له ﷺ : «أبشِر، فوالله لن يخزيكَ الله أبدًا؛ إنك لتَصِلُ الرحِم، وتصدُق الحديث، وتَحْمِلُ الكَلَّ،
стр. 991
وتَقْري الضيف، وتُعِينُ على نوائب الحقِّ» (١).
فاستدلَّت بمعرفتها بالله وحكمته ورحمته على أنَّ من كان كذلك فإنَّ الله لا يخزيه ولا يفضحه، بل هو جديرٌ بكرامة الله واصطفائه ومحبته ونبوَّته.
وهذه المقاماتُ في الإيمان عَجَز عنها أكثر الخلق.
* فاحتاجوا إلى الخوارق والآيات المشهودة بالحِسِّ، فآمن كثيرٌ منهم عليها.
* وأضعفُ النَّاس إيمانًا من كان إيمانُه صادرًا من المَظْهَر (٢) ورؤية غَلَبته ﷺ للنَّاس، فاستدلُّوا بذلك المَظْهَر والغَلَبة والنُّصرة على صحَّة الرسالة، فأين بصائرُ هؤلاء مِن بصائر من آمن به وأهلُ الأرض قد نَصَبوا له العداوة، وقد نال منه قومُه ضروبَ الأذى، وأصحابُه في غاية قلَّة العَدَد والمخافة من النَّاس، ومع هذا فقلبُه ممتلاءٌ بالإيمان، واثقٌ بأنه سيظهرُ على الأمم (٣)، وأنَّ دينَه سيعلو كلَّ دين؟!
* وأضعفُ مِنْ هؤلاء إيمانًا مَن إيمانُه إيمانُ العادة والمَرْبا والمنشأ؛ فإنه نشأ بين أبوين مسلمين وأقاربَ وجيرانٍ وأصحابٍ كذلك، فنشأ واحدًا منهم، ليس عنده من الرسول والكتاب إلا اسمُهما، ولا مِن الدِّين إلا ما رأى عليه أقاربَه وأصحابه. فهذا دينُ العوائد، وهو أضعفُ شيء، وصاحبُه بحسب من
стр. 992
يقترنُ به (١)، فلو قُيِّض له من يخرجه عنه لم يكن عليه كُلْفةٌ في الانتقال عنه.
والمقصودُ أنَّ خواصَّ الأمَّة ولُبابها لمَّا شَهِدَت عقولهم حُسْنَ هذا الدَّين وجلالتَه وكماله، وشَهِدَت قُبْحَ ما خالفه ونقصَه ورداءته، خالط الإيمانُ به ومحبتُه بشاشةَ قلوبهم، فلو خُيِّر بين أن يُلْقى في النَّار وبين أن يختار دينًا غيره لاختار أن يُقْذَف في النَّار، ويقطَّع أعضاءً، ولا يختار دينًا غيره.
وهذا الضربُ من النَّاس هم الذين استقرَّت أقدامُهم في الإيمان، وهم أبعدُ النَّاس عن الارتداد عنه، وأحقُّهم بالثَّبات عليه إلى يوم لقاء الله، ولهذا قال هرقلُ لأبي سفيان: أيرتدُّ أحدٌ منهم عن دينه سَخْطةً له؟ قال: لا. قال: فكذلك الإيمانُ إذا خالط بشاشةَ القلوب لا يَسْخَطُه أحد (٢).
والمقصودُ أنَّ الدَّاخلين في الإسلام، المستدلِّين على أنه من عند الله لحُسْنه وكماله، وأنه دينُ الله الذي لا يجوز أن يكون من عند غيره، هم خواصُّ الخلق، والنُّفاة سَدُّوا على أنفسهم هذا الطَّريق فلا يمكنُهم سلوكُه.
فصل
وتحقيقُ هذا المقام بالكلام في مقامين:
أحدهما: الأعمال خصوصًا ومراتبها (٣) في الحُسْن والقُبح.
الثَّاني: في الموجودات عمومًا ومراتبها في الخير والشرِّ.
стр. 993
أما المقام الأول، فالأعمال إما أن تشتمل على مصلحةٍ خالصةٍ، أو راجحة، وإما أن تشتمل على مفسدةٍ خالصةٍ، أو راجحة، وإما أن تستوي مصلحتُها ومفسدتها.
فهذه أقسامٌ خمسة، منها أربعةٌ تأتي بها الشرائع، فتأتي بما مصلحتُه خالصةٌ أو راجحةٌ آمرةً به مقتضيةً له، وما مفسدتُه خالصةٌ أو راجحةٌ فحكمُها فيه النهيُ عنه وطلبُ إعدامه. فتأتي بتحصيل المصلحة الخالصة والراجحة وتكميلهما بحسب الإمكان، وتعطيل المفسدة الخالصة أو الراجحة أو تقليلهما بحسب الإمكان. فمدارُ الشرائع والدِّيانات على هذه الأقسام الأربعة.
وتنازع النَّاسُ هنا في مسألتين:
المسألة الأولى: في وجود المصلحة الخالصة والمفسدة الخالصة.
* فمنهم من مَنَعَه، وقال: لا وجود له؛ قال: لأنَّ المصلحة هي النَّعيمُ واللذَّةُ وما يفضي إليه، والمفسدةُ هي العذابُ والألم وما يفضي إليه.
قالوا: والمأمورُ به لا بدَّ أن يقترن به ما يحتاج معه إلى الصَّبر على نوعٍ من الألم، وإن كان فيه لذَّةٌ وسرورٌ وفرحٌ فلا بدَّ من وقوع أذى، لكن لما كان هذا مغمورًا بالمصلحة لم يُلتفَت إليه ولم تعطَّل المصلحةُ لأجله، فتركُ الخير الكثير الغالب لأجل الشرِّ القليل المغلوب شرٌّ كثير.
قالوا: وكذلك الشرُّ المنهيُّ عنه إنما يفعلُه الإنسانُ لأنَّ له فيه غرضًا ووطرًا ما، وهذه مصلحةٌ عاجلةٌ له، فإذا نُهِي عنه وتركَه فاتت عليه مصلحتُه ولذَّتُه العاجلة وإن كانت مفسدتُه أعظمَ من مصلحته، بل مصلحتُه مغمورةٌ جدًّا في جنب مفسدته، كما قال تعالى في الخمر والميسر: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩].
стр. 994
فالرِّبا (١) والظُّلمُ والفواحشُ والسِّحرُ وشربُ الخمر وإن كانت شرورًا ومفاسدَ ففيها منفعةٌ ولذَّةٌ لفاعلها، ولذلك يؤثِرها ويختارُها، وإلا فلو تجرَّدت مفسدتُها من كلِّ وجهٍ لما آثرها العاقل، ولا فعَلها أصلًا.
ولما كانت خاصَّةُ العقل النَّظر إلى العواقب والغايات، كان أعقلُ النَّاس أتركَهم لما ترجَّحت مفسدتُه في العاقبة، وإن كانت فيه لذَّةٌ ما ومنفعةٌ يسيرةٌ بالنسبة إلى مضرَّته.
* ونازعهم آخرون، وقالوا: القسمةُ تقتضي إمكانَ هذين القسمين، والوجودُ يدلُّ على وقوعهما، فإنَّ معرفة الله ومحبتَه والإيمان به خيرٌ محضٌ من كلِّ وجهٍ لا مفسدة فيه بوجهٍ ما.
قالوا: ومعلومٌ أنَّ الجنَّة خيرٌ محضٌ لا شرَّ فيها أصلًا، وأنَّ النَّار شرٌّ محضٌ لا خير فيها أصلًا، وإذا كان هذان القسمان موجودان في الآخرة فما المُحِيلُ (٢) لوجودهما في الدُّنيا؟!
قالوا: وأيضًا فالمخلوقاتُ كلُّها منها ما هو خيرٌ محضٌ لا شرَّ فيه أصلًا كالأنبياء والملائكة، ومنها ما هو شرٌّ محضٌ لا خير فيه أصلًا كإبليسَ والشياطين، ومنها ما هو خيرٌ وشرٌّ وأحدُهما غالبٌ على الآخر، فمن النَّاس من يَغْلِبُ خيرُه على شرِّه، ومنهم من يَغْلِبُ شرُّه على خيره؛ فهكذا الأعمالُ منها ما هو خالصُ المصلحة وراجحُها، وخالصُ المفسدة وراجحُها، هذا في الأعمال كما أنَّ ذلك في العُمَّال.
стр. 995
قالوا: وقد قال الله تعالى في السَّحرة: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٢]، فهذا دليلٌ على أنه مضرَّةٌ خالصةٌ لا منفعة فيه:
إمَّا لأنَّ بعض أنواعه مضرَّةٌ خالصةٌ لا منفعة فيها بوجه، فما كلُّ السِّحر يحصِّلُ غرضَ السَّاحر، بل يتعلَّمُ مئة بابٍ منه حتى يحصِّل غرضَه بباب، والباقي مضرَّةٌ خالصة. وقِس على هذا (١). فهذا من القسم الخالص المفسدة.
وإمَّا لأنَّ المنفعة الحاصلة للسَّاحر لما كانت مغمورةً مُسْتَهلَكةً في جنب المفسدة العظيمة فيه جُعِلت كَلا منفعة؛ فيكونُ من القسم الراجح المفسدة.
وعلى القولين (٢) فكلُّ مأمورٍ به فهو راجحُ المصلحة على تركه، وإن كان مكروهًا للنُّفوس؛ قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦]، فبيَّن أنَّ الجهاد الذي أُمِروا به وإن كان مكروهًا للنُّفوس شاقًّا عليها فمصلحتُه راجحة، وهو خيرٌ لهم، وأحمَدُ عاقبة، وأعظمُ فائدةً من التقاعُد عنه وإيثار البقاء والراحة، فالشرُّ الذي فيه مغمورٌ بالنسبة إلى ما تضمَّنه من الخير.
وهكذا كلُّ منهيٍّ عنه فهو راجحُ المفسدة وإن كان محبوبًا للنُّفوس موافقًا للهوى، فمضرَّتُه ومفسدتُه أعظمُ مما فيه من المنفعة، وتلك المنفعةُ
стр. 996
واللذَّةُ مغمورةٌ مُسْتَهلَكةٌ في جنب مضرَّته، كما قال تعالى: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾، وقال: ﴿وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾.
* وفصلُ الخطاب في المسألة: إن أُرِيد بالمصلحة الخالصة أنها في نفسها خالصةٌ من المفسدة لا يشُوبها مفسدة؛ فلا ريب في وجودها، وإن أُرِيد بها المصلحةُ التي لا يشُوبها مشقَّةٌ ولا أذًى في طريقها والوسيلة إليها ولا في ذاتها؛ فليست بموجودةٍ بهذا الاعتبار، إذ المصالحُ والخيراتُ واللذَّاتُ والكمالاتُ كلُّها لا تُنالُ إلا بحظٍّ من المشقَّة، ولا يُعْبَرُ إليها إلا على جسرٍ من التَّعب.
وقد أجمع عقلاءُ كلِّ أمَّةٍ على أنَّ النَّعيمَ لا يُدْرَكُ بالنَّعيم (١)، وأنَّ من آثَر الراحةَ فاتتهُ الراحة، وأنَّ بحسب ركوب الأهوال واحتمال المشاقِّ تكونُ الفرحةُ والملذَّة؛ فلا فرحة لمن لا همَّ له، ولا لذَّة لمن لا صبر له، ولا نعيم لمن لا شقاء له، ولا راحة لمن لا تعب له، بل إذا تعب العبدُ قليلًا استراح طويلًا، وإذا تحمَّل مشقَّة الصَّبر ساعةً قاده لحياة الأبد، وكلُّ ما فيه أهلُ النَّعيم المقيم فهو ثمرةُ صبر ساعة، والله المستعان، ولا قوَّة إلا بالله.
وكلَّما كانت النفوسُ أشرف، والهمَّةُ أعلى، كان تعبُ البدن أوفر، وحظُّه من الراحة أقلَّ، كما قال المتنبِّي (٢):
وإذا كانت النفوسُ كبارًا ... تعبَت في مرادها الأجسامُ
стр. 997
وقال ابنُ الرُّومي (١):
قلبٌ يُطِلُّ على أفكاره (٢)، ويَدٌ ... تمضي الأمورَ، ونفسٌ لهوُها التَّعبُ
وقال مسلمٌ في «صحيحه» (٣): «قال يحيى بن أبي كثير: لا يُنَالُ العلمُ براحة الجسم».
ولا ريب عند كلِّ عاقلٍ أنَّ كمال الراحة بحسب التَّعب، وكمال النَّعيم بحسب تحمُّل المشاقِّ في طريقه، وإنما تخلُص الراحةُ واللذَّةُ والنَّعيمُ في دار السَّلام، فأمَّا في هذه الدَّار فكلَّا ولَمَّا.
وبهذا التفصيل يزولُ النزاعُ في المسألة، وتعودُ مسألةَ وِفَاق.
فصل
وأمَّا المسألةُ الثَّانية، وهي ما تساوت مصلحتُه ومفسدتُه؛ فقد اختُلِفَ في وجوده وحكمه؛ فأثبتَ وجودَه قومٌ، ونفاهُ آخرون.
والجواب: هذا القسمُ لا وجود له وإن حَصَرَه التقسيم، بل التفصيل: إمَّا أن يكون حصولُه أولى بالفاعل، وهو راجحُ المصلحة. وإمَّا أن يكون عدمُه أولى به، وهو راجحُ المفسدة.
وأمَّا فعلٌ يكون حصولُه أولى به لمصلحته، وعدمُه أولى به لمفسدته،
стр. 998
وكلاهما متساويان؛ فهذا مما لم يقُم دليلٌ على ثبوته، بل الدَّليلُ يقتضي نفيَه، فإنَّ المصلحة والمفسدة، والمنفعة والمضرَّة، واللذَّة والألم، إذا تقابلا فلا بدَّ أن يغلبَ أحدُهما الآخر فيصير الحكمُ للغالب، وأمَّا أن يتدافعا ويتصادما بحيث لا يغلبُ أحدُهما الآخرَ فغيرُ واقعٍ أصلًا.
فإنه إمَّا أن يقال: يوجدُ الأثران (١) معًا، وهو محال؛ لتصادمهما (٢) في المحلِّ الواحد. وإمَّا أن يقال: يمتنعُ وجودُ كلٍّ من الأثرين (٣)، وهو ممتنعٌ أيضًا؛ لوجود مقتضيه. وإمَّا أن يقال بوِجدان أحدهما دون الآخر ــ مع تساويهما ــ، وهو ممتنع؛ لأنه ترجيحٌ لأحد الجائزَين (٤) من غير مرجِّح.
وهذا المحالُ إنما نشأ من فَرْض تدافُع المؤثِّرَين وتصادمهما، فهو محال، فلا بدَّ أن يقهر أحدُهما صاحبَه فيكون الحكمُ له.
فإن قيل: ما المانعُ من أن يمتنع وجودُ الأثرين؟ قولكم: «إنه محالٌ لوجود مقتضيه» إن أردتم به المقتضي السَّالم عن المعارض فغيرُ موجود، وإن أردتم المقتضي المقارِن لوجود المعارض فتخلُّف أثره عنه غيرُ ممتنع والمعارض قائمٌ هاهنا في كلٍّ منهما، فلا يمتنعُ تخلُّفُ الأثرين.
فالجواب: أنَّ المعارض إذا كان قد سَلَبَ تأثيرَ المقتضي في مُوجَبه مع قوَّته وشدَّة اقتضائه لأثره، ومع هذا فقد قَوِي على سَلْبه قوَّة التأثير والاقتضاء، فلأنْ يقوى على سَلْبه قوَّة مَنْعِه لتأثيره هو في مقتضاه ومُوجَبه
стр. 999
بطريق الأولى، ووجهُ الأولويَّة أنَّ اقتضاءه لأثره أشدُّ من منعه تأثيرَ غيره، فإذا قَوِي على سَلْبه للأقوى فسلبُه للأضعف (١) أولى وأحرى.
فإن قيل: هذا ينتقضُ بكلِّ مانعٍ يمنعُ تأثير العلَّة في معلولها، وهو باطلٌ قطعًا.
قيل: لا ينتقضُ بما ذكرتم، والنقضُ مندفع؛ فإنَّ العلَّة والمانع ههنا لم يتدافعا ويتصادما، ولكنَّ المانع أضعفَ العلَّة، فبطل تأثيرُها، فهو عائقٌ لها عن الاقتضاء. وأمَّا في مسألتنا فالعلَّتان متصادمتان متعارضتان، كلٌّ منهما تقتضي أثرَها، فلو بطل أثرُهما لكانت كلُّ واحدةٍ مؤثِّرةً غير مؤثِّرة، غالبةً مغلوبة، مانعةً ممنوعة، وهذا يمتنع، وهو دليلٌ (٢) يشبه دليل التمانع (٣).
وسرُّ الفرق أنَّ العلَّة الواحدة إذا قارنها مانعٌ منع تأثيرَها لم تَبْقَ مقتضيةً له، بل المانعُ عاقَها عن اقتضائها، وهذا غيرُ ممتنع، وأمَّا العلَّتان المتمانعتان اللتان كلٌّ منهما مانعةٌ للأخرى من تأثيرها فإنَّ تمانعهما وتقابلهما يقتضي إبطال كلِّ واحدةٍ منهما للأخرى، وتأثيرَها فيها، وعدمَ تأثيرها معًا، وهو جمعٌ بين النقيضين؛ لأنها إذا بطلت لم تكن مؤثِّرة، وإذا لم تكن مؤثِّرةً لم تُبطِل غيرَها، فتكونُ كلٌّ منهما مؤثِّرةً غيرَ مؤثِّرة، باطلةً غيرَ باطلة، وهذا محال؛ فثبتَ أنهما لا بدَّ أن تؤثِّر إحداهما في الأخرى بقوَّتها فيكون الحكمُ لها.
فإن قيل: فما تقولون فيمن توسَّط أرضًا مغصوبةً، ثمَّ بدا له في التَّوبة،
стр. 1000
فإن أمرتموه باللُّبث فهو محال، وإن أمرتموه بقطعها والخروج من الجانب الآخر فقد أمرتموه بالحركة والتصرُّف في ملك الغير. وكذلك إن أمرتموه بالرجوع فهو حركةٌ منه وتصرُّفٌ في أرض الغَصْب. فهذا قد تعارضت فيه المصلحةُ والمفسدة، فما الحكمُ في هذه الصُّورة؟
وكذلك من توسَّط بين فئةٍ مُثْبَتةٍ بالجِراح منتظرين للموت، وليس له انتقالٌ إلا على أحدهم، فإن أقام على من هو فوقه قَتَله، وإن انتقل إلى غيره قَتَله. فقد تعارضت هنا مصلحةُ النُّقلة ومفسدتُها على السَّواء.
وكذلك من طلع عليه الفجرُ وهو مجامِعٌ، فإن أقام أفسد صومَه، وإن نَزع فالنَّزعُ من الجماع، والجماعُ مركَّبٌ من الحركتين. فهاهنا أيضًا قد تضادَّت العلَّتان.
وكذلك ــ أيضًا ــ إذا تترَّس الكفَّارُ بأسرى من المسلمين هم بعَدَد المُقاتِلة، ودار الأمرُ بين قتل التُّرس وبين الكفِّ عنه وقتل الكفَّار لمُقاتِلة (١) المسلمين. فهاهنا أيضًا قد تقابلت المصلحةُ والمفسدةُ على السَّواء.
وكذلك ــ أيضًا ــ إذا أُلقِي في مركبهم نارٌ وعاينُوا الهلاك بها، فإن أقاموا احترقوا، وإن لجؤوا إلى الماء هلكوا بالغَرق. وكذلك الرجلُ إذا ضاق عليه الوقتُ ليلة عَرفة، ولم يبق منه إلا ما يسعُ قَدْر صلاة العشاء، فإن اشتغل بها فاته الوقوف، وإن اشتغل بالذَّهاب إلى عرفة فاتته الصَّلاة. فهاهنا قد تعارضت المصلحتان والمفسدتان على السَّواء.
стр. 1001
وكذلك الرجلُ إذا استيقظ قبل طلوع الشمس وهو جُنُبٌ ولم يبق من الوقت إلا ما يسعُ لقَدْر الغُسل أو الصَّلاة بالتيمُّم؛ فإن اغتسل فاتته مصلحةُ الصَّلاة في الوقت، وإن صلى بالتيمُّم فاتته مصلحةُ الطَّهارة. فقد تقابلت المصلحةُ والمفسدة.
وكذلك إذا اغتَلَمَ البحرُ (١) بحيث يعلمُ رُكبان السَّفينة (٢) أنهم لا يخلُصون إلا بتغريق شطر الرُّكبان لتَخِفَّ بهم السَّفينة؛ فإن ألقَوا شطرَهم كان فيه مفسدة، وإن تركوهم كان فيه مفسدة. فقد تقابلت المفسدتان والمصلحتان على السَّواء.
وكذلك لو أُكرِه رجلٌ على إفساد درهمٍ من درهمين متساويين، أو إتلاف حيوانٍ من حيوانين متساويين، أو شُرب قدَحٍ من قَدَحين متساويين، أو وَجَد كافرين قويَّين في حال المبارزة لا يمكنُه إلا قتلُ أحدهما، أو قَصَد المسلمين عدوَّان متكافئان من كلِّ وجهٍ في القُرب والبُعد والعَدَد والعداوة (٣).
فإنه في هذه الصُّور كلِّها تساوت المصالحُ والمفاسد، ولا يمكنكم ترجيحُ أحدٍ من المصلحتين ولا أحدٍ من المفسدتين، ومعلومٌ أنَّ هذه حوادثُ لا تخلو من حكمٍ لله فيها.
وأمَّا ما ذكرتم من امتناع تقابل المصلحة والمفسدة على السَّواء، فكيف
стр. 1002
يمكنكم (١) إنكارُه وأنتم تقولون بالموازنة (٢)، وأنَّ من النَّاس من تستوي حسناتُه وسيئاتُه فيبقى في الأعراف بين الجنَّة والنَّار، لتقابُل مقتضى الثَّواب والعقاب (٣) في حقِّه؛ فإنَّ حسناته قَصُرَت به عن دخول النَّار، وسيئاته قَصُرَت به عن دخول الجنَّة، وهذا ثابتٌ عن الصَّحابة حذيفة بن اليمان وابن مسعودٍ وغيرهما (٤).
فالجوابُ من وجهين: مجملٍ ومفصَّل:
أما المجمل: فليس في شيءٍ مما ذكرتم دليلٌ على محلِّ النِّزاع، فإنَّ مَوْرِد النِّزاع أن تتقابل المصلحةُ والمفسدةُ وتتساويا (٥)، فيتدافعا ويبطُل أثرُهما، وليس في هذه الصُّور شيءٌ كذلك.
وهذا يتبيَّنُ بالجواب التفصيليِّ عنها صورةً صورة:
* فأمَّا من توسَّط أرضًا مغصوبة (٦)؛ فإنه مأمورٌ من حين دخل فيها بالخروج منها، فحكمُ الشارع في حقِّه المبادرةُ إلى الخروج، وإن استلزم ذلك حركةً في الأرض المغصوبة فإنها حركةٌ تتضمَّنُ ترك الغصب، فهي من
стр. 1003
باب ما لا خلاص عن الحرام إلا به، وإن قيل: إنها واجبة، فوجوبٌ عقليٌّ لزوميٌّ لا شرعيٌّ مقصود.
فمفسدةُ هذه الحركة مغمورةٌ في مصلحة تفريغ الأرض والخروج عن الغصب. وإذا قُدِّر تساوي الجوانب بالنسبة إليه؛ فالواجبُ القدرُ المشتركُ وهو الخروجُ من أحدها.
وعلى كلِّ تقدير، فمفسدةُ هذه الحركة مغمورةٌ جدًّا في مصلحة ترك الغصب، فليس مما نحنُ فيه بسبيل.
* وأمَّا مسألةُ من توسَّط بين قتلى لا سبيل له إلى المقام أو النُّقلة إلا بقتل أحدهم (١)، فهذا ليس مكلَّفًا في هذه الحال، بل هو في حكم المُلْجَأ، والمُلْجَأ ليس مكلَّفًا اتفاقًا، فإنه لا قصدَ له ولا فِعل، وهذا مُلْجَأٌ من حيث إنه لا سبيل له إلى ترك النُّقلة عن واحدٍ (٢) إلا إلى آخر؛ فهو مُلْجَأٌ إلى لُبْثِه فوق واحدٍ ولا بدَّ، ومثلُ هذا لا يوصفُ فعلُه بإباحةٍ ولا تحريمٍ ولا حكمٍ من أحكام التكليف؛ لأنَّ أحكام التكليف منُوطةٌ بالاختيار، فلا تتعلَّقُ بمن لا اختيار له.
فلو كان بعضهم مسلمًا وبعضهم كافرًا مع اشتراكهم في العصمة فقد قيل: يلزمه الانتقالُ إلى الكافر، أو المقامُ عليه؛ لأنَّ قتله أخفُّ مفسدةً من قتل المسلم، ولهذا يجوزُ قتلُ من لا نقتله في المعركة إذا تترَّس بهم الكفَّار، فيرميهم ويقصدُ الكفَّار.
стр. 1004
* وأمَّا من طلع عليه الفجرُ وهو مجامع، فالواجبُ عليه النَّزعُ عينًا، ويحرُم عليه استدامةُ الجماع واللُّبث، وإنما اختُلِف في وجوب القضاء والكفَّارة عليه على ثلاثة أقوالٍ في مذهب أحمد وغيره (١):
أحدها: عليه القضاءُ والكفَّارة، وهذا اختيارُ القاضي أبي يعلى.
والثَّاني: لا شيء عليه، وهذا اختيارُ شيخنا (٢)، وهو الصَّحيح.
والثَّالث: عليه القضاءُ دون الكفَّارة.
وعلى الأقوال كلِّها فالحكمُ في حقِّه وجوبُ النَّزع، والمفسدةُ التي في حركة النَّازع مفسدةٌ مغمورةٌ في مصلحة إقلاعه ونزعه؛ فليست المسألةُ من موارد النِّزاع.
* وأمَّا إذا تترَّس الكفَّارُ بأسرى من المسلمين بعدد المُقاتِلة (٣)، فإنه لا يجوزُ رميُهم إلا أن يخشى على جيش المسلمين (٤)، وتكون مصلحةُ حفظ الجيش أعظمَ من مصلحة حفظ الأُسارى، فحينئذٍ يجوزُ رميُ الأُسارى، ويكونُ من باب دفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما، فلو انعكس الأمرُ وكانت مصلحةُ بقاء الأسرى أعظمَ من رميهم لم يجُز رميُهم.
стр. 1005
فهذا البابُ مبنيٌّ على دفع أعظم المفسدتين بأدناهما، وتحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، فإن فُرِض الشكُّ وتساوي الأمرين لم يجُز رميُ الأسرى؛ لأنه على يقينٍ مِنْ قتلهم، وعلى ظنٍّ وتخمينٍ مِنْ قتل أصحابه وهلاكهم، ولو قُدِّر أنهم تيقَّنوا ذلك ولم يكن في قتلهم استباحةُ بيضة الإسلام وغلبةُ العدوِّ على الدِّيار لم يجُز أن يَقُوا نفوسَهم بنفوس الأسرى، كما لا يجوزُ للمُكرَه على قتل المعصوم أن يقتله ويَقِيَ نفسَه بنفسه، بل الواجبُ عليه أن يستسلم للقتل ولا يجعل النفوسَ (١) المعصومة وقايةً لنفسه.
* وأمَّا إذا أُلقِيَ في مركبهم نار؛ فإنهم يفعلون ما يَرَوْن السَّلامة فيه، وإن شكُّوا: هل السَّلامةُ في مقامهم أو في وقوعهم في الماء؟ أو تيقَّنوا الهلاكَ في الصُّورتين، أو غلبَ على ظنِّهم غلبةً متساويةً لا يترجَّحُ أحدُ طرفيها، ففي الصُّور الثَّلاث قولان لأهل العلم (٢)، وهما روايتان منصوصتان عن أحمد:
إحداهما: أنهم يخيَّرون بين الأمرين، لأنهما موتتان قد عَرَضتا لهم، فلهم أن يختاروا أيسرهما عليهم، إذ لا بدَّ من أحدهما، وكلاهما بالنسبة إليهم سواءٌ، فيخيَّرون بينهما.
والقولُ الثَّاني: أن يلزمهم المقام، ولا يُعِينون على أنفسهم، لئلَّا يكون موتُهم بسببٍ من جهتهم، وليتمحَّصَ موتُهم شهادةً بأيدي عدوِّهم.
* وأمَّا الذي ضاق عليه وقتُ الوقوف بعرفة والصَّلاة؛ فإنَّ الواجبَ في
стр. 1006
حقِّه تقوى الله بحسب الإمكان، وقد اختُلِف في تعيين ذلك الواجب على ثلاثة أقوالٍ في مذهب أحمد وغيره (١):
أحدها: أنَّ الواجبَ في حقِّه معيَّنًا إيقاعُ الصَّلاة في وقتها؛ فإنها قد تضيَّقت، والحجُّ لم يتضيَّق وقتُه، فإنه إذا فعله في العام القابل لم يكن قد أخرجه عن وقته، بخلاف الصَّلاة.
والقول الثَّاني: أنه يقدِّمُ الحجَّ ويقضي الصَّلاة بعد الوقت؛ لأنَّ مشقَّة فواته وتكليفه (٢) إنشاء سفرٍ آخر أو إقامةً في مكَّة إلى قابلٍ ضررٌ عظيمٌ تأباه الحنيفيةُ السَّمحة، فيشتغلُ بإدراكه ويقضي الصَّلاة بعد الوقت.
والثَّالث: يقضي الصَّلاة وهو سائرٌ إلى عَرَفة، فيكونُ في طريقه مصلِّيًا كما يصلي الهاربُ من سيلٍ أو سَبُعٍ أو عدوٍّ اتفاقًا، أو الطَّالبُ لعدوٍّ يخشى فواته على أصحِّ القولين.
وهذا أقيسُ الأقوال وأقربها إلى قواعد الشرع ومقاصده (٣)؛ فإنَّ الشريعة مبناها على تحصيل المصالح بحسب الإمكان، وأن لا يفُوتَ منها شيء، فإن أمكن تحصيلُها كلِّها حصِّلت، وإن تزاحمت ولم يمكن تحصيلُ بعضها إلا بتفويت البعض قُدِّم أكملُها وأهمُّها وأشدُّها طلبًا للشارع.
وقد قال عبد الله بن أُنيس: بعثني رسولُ الله ﷺ إلى خالد بن سفيان
стр. 1007
العُرنيِّ، وكان نحو عُرَنة وعرفات، فقال: «اذهب فاقتله»، فرأيتُه، وحضرت صلاةُ العصر، فقلت: إني أخافُ أن يكون بيني وبينه ما إنْ أُؤَخِّر الصَّلاة (١)، فانطلقتُ أمشي وأنا أصلي، أوماءُ إيماءً نحوه، فلمَّا دنوتُ منه قال لي: من أنت؟ قلت: رجلٌ من العرب، بلغني أنك تجمعُ لهذا الرجل، فجئتك في ذلك. قال: إني لفي ذلك. قال: فمشيتُ معه ساعةً حتى إذا أمكنني عَلَوْتُه بسيفي حتى بَرَد. رواه أبو داود (٢).
وأمَّا مسألةُ المستيقظ قبل طلوع الشَّمس جُنُبًا وضاق الوقتُ (٣) عليه بحيثُ لا يتَّسعُ للغُسل والصَّلاة، فهذا الواجبُ في حقِّه عند جمهور العلماء أن يغتسل وإن طلعت الشمس، ولا تجزئه الصَّلاةُ بالتيمُّم؛ لأنه واجدٌ للماء (٤).
وإن كان غير مفرِّطٍ في نومه فلا إثم عليه، كما لو نام حتى طلعت
стр. 1008
الشمس، والواجبُ في حقِّه المبادرةُ إلى الغُسل والصَّلاة، وهذا وقتُها في حقِّ أمثاله.
وعلى هذا القول الصَّحيح فلم يتعارض هاهنا مصلحةٌ ومفسدةٌ متساويتان، بل مصلحةُ الصَّلاة بالطَّهارة أرجحُ من إيقاعها في الوقت بالتيمُّم.
وفي المسألة قولٌ ثانٍ، وهو روايةٌ عن مالك: أنه يتيمَّمُ ويصلي في الوقت (١)، لأنَّ الشارع له التفاتٌ إلى إيقاع الصَّلاة في الوقت بالتيمُّم أعظمُ من التفاته إلى إيقاعها بطهارة الماء خارجَ الوقت، والعَدَمُ المبيحُ للتيمُّم هو العدمُ بالنسبة إلى وقت الصَّلاة لا مطلقًا، فإنه لا بدَّ أن يجد الماء ولو بعد حين، ومع هذا فأوجبَ عليه الشارعُ التيمُّم؛ لأنه عادمٌ للماء بالنسبة إلى وقت الصَّلاة، وهكذا هذا النَّائمُ، وإن كان واجدًا للماء لكنه عادمٌ بالنسبة إلى الوقت.
وصاحبُ هذا القول يقول: مصلحةُ إيقاع الصَّلاة في الوقت بالتيمُّم أرجحُ في نظر الشارع من إيقاعها خارجَ الوقت بطهارة الماء؛ فعلى كلا القولين لم تتساوَ المصلحةُ والمفسدة؛ فثبت أنه لا وجود لهذا القسم في الشَّرع.
وأمَّا مسألةُ اغتِلام البحر؛ فلا يجوزُ إلقاءُ أحدٍ منهم في البحر بالقُرعة ولا غيرها؛ لاستوائهم في العصمة وقَتْل من لا ذنبَ له وقايةً لنفس القاتل به
стр. 1009
وليس أولى بذلك منه (١).
نعم؛ لو كان في السَّفينة مالٌ أو حيوانٌ وجبَ إلقاءُ المال ثمَّ الحيوان؛ لأنَّ المفسدة في فوات الأموال والحيوانات أولى من المفسدة في فوات أنفُس النَّاس المعصومة.
وأمَّا سائرُ الصُّور التي تساوت مفاسدُها، كإتلاف الدِّرهمين والحيوانين وقتل أحد العدوَّين، فهذا الحكمُ فيه التَّخييرُ بينهما؛ لأنه لا بدَّ من إتلاف أحدهما وقايةً لنفسه، وكلاهما سواء، فيخيَّر بينهما، وكذلك العدوَّان المتكافئان يخيَّر بين قتالهما، كالواجب المخيَّر، وأولى (٢).
وأمَّا من تساوت حسناتُه وسيئاتُه وتدافَع أثرهما، فهو حجَّةٌ عليكم؛ فإنَّ الحكمَ للحسنات، وهي تَغْلِبُ السَّيئات؛ فإنه لا يدخلُ النَّار ولكنه يبقى على الأعراف مدَّةً ثمَّ يصيرُ إلى الجنَّة؛ فقد تبيَّن غلبةُ الحسنات لجانب السَّيئات، ومنعُها من ترتُّب أثرها عليها، وأنَّ الأثر هو أثرُ الحسنات فقط.
فبانَ أنه لا دليل لكم على وجود هذا القسم أصلًا، وأنَّ الدَّليل يدلُّ على امتناعه.
فإن قيل (٣): فما قولكم فيما إذا عارض المفسدةَ مصلحةٌ أرجحُ منها، وترتَّب الحكمُ على الراجح، هل يترتَّبُ عليه مع بقاء المرجوح من المصلحة والمفسدة، لكنه لما كان مغمورًا لم يُلْتَفت إليه؟ أو تقولون: إنَّ المرجوحَ زال أثرُه بالراجح، فلم يبق له أثر؟
стр. 1010
ومثالُ ذلك: أنَّ الله تعالى حرَّم الميتة والدَّم ولحمَ الخنزير؛ لما في تناولها من المفسدة الراجحة؛ وهو خبثُ التَّغذية، والغاذي شبيهٌ بالمُغْتَذِي (١)، فيصيرُ المُغْتَذي بهذه الخبائث خبيثَ النَّفس؛ فمن محاسن الشريعة تحريمُ هذه الخبائث.
فإن اضطرَّ إليها وخاف على نفسه الهلاكَ إن لم يتناولها أُبيحَت له، فهل إباحتُها والحالةُ هذه مع بقاء وصف الخبث فيها، لكن عارضه مصلحةٌ أرجحُ منه وهي حفظُ النَّفس، أو إباحتُها أزالت وصفَ الخبث منها، فما أُبيحَ له إلا طيِّبٌ وإن كان خبيثًا في حال الاختيار؟
قيل: هذا موضعٌ دقيق، وتحقيقُه يستدعي اطلاعًا على أسرار الشريعة والطَّبيعة، فلا تَسْتَهوِنْه وأعطِه حقَّه من النَّظر والتأمُّل. وقد اختلف النَّاسُ فيه على قولين:
فكثيرٌ منهم ــ أو أكثرهم ــ سلك مسالكَ التَّرجيح مع بقاء وصف الخبث فيه، وقال: مصلحةُ حفظ النَّفس أرجحُ من مفسدة خبث التَّغذية.
وهذا قولُ من لم يحقِّق النَّظر، ويُمْعِن التأمُّل، بل استرسل مع ظاهر الأمر، والصَّوابُ أنَّ وصفَ الخبث منتفٍ حال الاضطرار.
وكشفُ الغطاء عن المسألة: أنَّ وصفَ الخبث غيرُ مستقلٍّ بنفسه في المحلِّ المُغْتَذى به، بل هو متولِّدٌ من القابل والفاعل، فهو حاصلٌ من المُغْتَذِي والمُغْتَذى به، ونظيرُه تأثيرُ السُّمِّ في البدن، هو موقوفٌ على الفاعل والمحلِّ القابل.
стр. 1011
إذا عُلِمَ ذلك، فتناولُ هذه الخبائث في حال الاختيار يوجبُ حصول الأثر المطلوب عَدَمُه، فإذا كان المتناولُ لها مضطرًّا فإنَّ ضرورته تمنعُ قبول الخبث الذي في المُغْتَذى به، فلم تحصُل تلك المفسدة؛ لأنها مشروطةٌ بالاختيار الذي به يقبلُ المحلُّ خبثَ التَّغذية، فإذا زال الاختيارُ زال شرطُ القبول، فلم تحصُل المفسدةُ أصلًا.
وإن اعتاصَ هذا على فهمك فانظُر في الأغذية والأشربة الضارَّة التي لا يتخلَّفُ عنها الضررُ إذا تناولها المختارُ الواجدُ لغيرها، فإذا اشتدَّت ضرورتُه إليها ولم يجد منها بُدًّا فإنها تنفعُه ولا يتولَّدُ له منها ضررٌ أصلًا؛ لأنَّ قبول طبيعته وفاقتها إليها وميلها إليها منعَها من التضرُّر بها، بخلاف (١) حال الاختيار.
وأمثلةُ ذلك معلومةٌ مشهودةٌ بالحِسِّ، فإذا كان هذا في الأوصاف الحسِّية المؤثِّرة في محالِّها بالحِسِّ، فما الظَّنُّ بالأوصاف المعنوية التي تأثيرُها إنما يُعْلَمُ بالعقل أو بالشرع؟!
فلا تظنَّ (٢) أنَّ الضرورة أزالت وصفَ المحلِّ وبدَّلتْه، فإنَّا لم نقُل هذا، ولا يقوله عاقل، وإنما الضرورةُ منعت تأثيرَ الوصف وأبطلته، فهي من باب المانع الذي يمنعُ تأثيرَ المقتضي، لا أنه يُزِيلُ قوَّته، ألا ترى أنَّ السَّيفَ الحادَّ إذا صادفَ حجرًا فإنه يمنعُ قطعَه وتأثيرَه، لا أنه يُزِيلُ حِدَّته وتهيُّؤه لقَطْع القابل؟!
стр. 1012
ونظيرُ هذا الملابسُ المحرَّمةُ إذا اضطرَّ إليها؛ فإنَّ ضرورته تمنعُ ترتُّبَ المفسدة التي حرِّمت لأجلها.
فإن قال: فهذا ينتقض عليكم بتحريم نكاح الأمَة؛ فإنه حرِّم للمفسدة التي تتضمَّنُه مِنْ إرقاق ولده، ثمَّ أبيحَ عند الضرورة إليه وهي خوفُ العَنَت الذي هو أعظمُ فسادًا من إرقاق الولد، ومع هذا فالمفسدةُ قائمةٌ بعينها، ولكنْ عارضها مصلحةُ حفظ الفرج عن الحرام، وهي أرجحُ عند الشَّارع من رقِّ الولد.
قيل: هذا لا ينقُض ما قرَّرناه (١)؛ فإنَّ الله سبحانه لمَّا حرَّم نكاحَ الأمَة لما فيه من مفسدة رقِّ الولد، واشتغال الأمَة بخدمة سيِّدها، فلا يحصُل لزوجها من السَّكن إليها والإيواء ودوام المعاشرة (٢) ما تَقَرُّ به عينُه، وتسكُن به نفسُه= أباحه عند الحاجة إليه، بأن لا يقْدِر على نكاح حُرَّة، ويخشى على نفسه مواقعة المحظور؛ فكانت المصلحةُ له في نكاحها في هذه الحال أرجحَ من تلك المفاسد.
وليس هذا حال ضرورةٍ يباحُ لها المحظور؛ فإنَّ الله سبحانه لا يضطرُّ عبدَه إلى الجِماع بحيثُ إن لم يجامِع مات، بخلاف الطَّعام والشَّراب، ولهذا لا يباحُ الزِّنا بضرورةٍ كما يباحُ الخنزيرُ والميتةُ والدَّم، وإنما الشَّهوةُ وقضاءُ الوَطَر يَشُقُّ على الرجل تحمُّله وكفُّ النَّفس عنه؛ لضعفه وقلَّة صبره، فرَحِمه أرحمُ الراحمين، وأباح له مِن أطايب النِّساء وأحسنهنَّ أربعًا من
стр. 1013
الحرائر، وما شاء من ملك يمينه من الإماء، فإن عجز عن ذلك أباح له نكاحَ الأمَة رحمةً به، وتخفيفًا عنه؛ لضَعْفِه.
ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٥ - ٢٨]؛ فأخبر سبحانه أنه شرع لهم هذه الأحكام تخفيفًا عنهم؛ لضَعْفِهم وقلَّة صبرهم؛ ورحمةً بهم وإحسانًا إليهم.
فليس هاهنا ضرورةٌ تبيحُ المحظور، وإنما هي مصلحةٌ أرجحُ من مصلحة، ومفسدةٌ أقلُّ من مفسدة، فاختار لهم أعظمَ المصلحتين وإن فاتت أدناهما، ودَفَع عنهم أعظمَ المفسدتين وإن فاتت أدناهما.
وهذا شأنُ الحكيم اللطيف الخبير البَرِّ المُحْسِن.
فإذا تأمَّلتَ شرائعَ دينه التي وضعها بين عباده وجدتها لا تخرجُ عن تحصيل المصالح الخالصة أو الراجحة بحسب الإمكان، وإن تزاحمت قُدِّم أهمُّها وأجلُّها وإن فاتت أدناها (١)، وتعطيل المفاسد الخالصة أو الراجحة بحسب الإمكان، وإن تزاحمت عُطِّل أعظمُها فسادًا باحتمال أدناها.
وعلى هذا وَضَع أحكمُ الحاكمينَ شرائعَ دينه دالَّةً عليه، شاهدةً له بكمال علمه وحكمته ولُطْفِه بعباده وإحسانه إليهم.
стр. 1014
وهذه الجملةُ لا يستريبُ فيها من له ذوقٌ من الشريعة وارتضاعٌ من ثَديها، وورودٌ من عَفْو حَوضِها (١)، وكلَّما كان تضلُّعه منها أعظمَ كان شهودُه لمحاسنها ومصالحها أكمل.
ولا يمكنُ أحدًا من الفقهاء أن يتكلَّم في مآخذ الأحكام وعِلَلِها والأوصاف المؤثِّرة فيها جمعًا وفَرْقًا (٢) إلا على هذه الطَّريقة، وأمَّا طريقةُ إنكار الحِكَم والتَّعليل، ونفي الأوصاف المقتضية لحُسْن ما أُمِرَ به وقُبْح ما نُهِيَ عنه، وتأثيرها واقتضائها للحبِّ والبغض الذي هو مصدرُ الأمر والنهي، بطريقةٍ جدليَّةٍ كلاميَّة= لا يُتصوَّرُ بناءُ الأحكام عليها، ولا يمكنُ فقيهًا أن يستعملها في بابٍ واحدٍ من أبواب الفقه.
كيف والقرآنُ وسنَّة رسول الله ﷺ مملوآن من تعليل الأحكام بالحِكَم والمصالح، وتعليل الخلق بهما، والتَّنبيه على وجوه الحِكَم التي لأجلها شرع تلك الأحكام، ولأجلها خلق تلك الأعيان.
ولو كان هذا في القرآن والسُّنَّة في نحو مئة موضعٍ أو مئتين لسُقناها، ولكنه يزيدُ على ألف موضعٍ بطرقٍ متنوِّعة (٣):
* فتارةً يذكرُ لام التَّعليل الصريحة.
* وتارةً يذكرُ المفعول لأجله الذي هو المقصودُ بالفعل.
стр. 1015
* وتارةً يذكرُ «مِنْ أجل» الصريحة في التَّعليل.
* وتارةً يذكرُ أداة «كي».
* وتارةً يذكرُ الفاء و «إنَّ» (١).
* وتارةً يذكرُ أداة «لعلَّ» المتضمِّنة للتَّعليل، المجرَّدة عن معنى الرجاء المضاف إلى المخلوق.
* وتارةً ينبِّه على السَّبب بذكره صريحًا.
* وتارةً يذكرُ الأوصافَ المشتقَّة المناسبة لتلك الأحكام، ثمَّ يرتِّبها عليها ترتيبَ المسبَّبات على أسبابها.
* وتارةً ينكرُ على من زعم أنه خلق خلقَه وشرع دينه عبثًا وسُدى.
* وتارةً ينكرُ على من ظنَّ أنه يسوِّي بين المختلفَين اللذَين يقتضيان أثرين مختلفَين.
* وتارةً يخبرُ بكمال حكمته وعلمه المقتضي أنه لا يفرِّقُ بين متماثلَين ولا يسوِّي بين مختلفَين، وأنه ينزِّل الأشياء منازلها ويرتِّبها مراتبها.
* وتارةً يستدعِي من عباده التفكُّرَ والتأمُّل والتدبُّر والتعقُّل لحُسْن (٢) ما بعث به رسوله وشرعه لعباده، كما يستدعِي منهم التفكُّر والنَّظر في مخلوقاته وحِكَمها وما فيها من المنافع والمصالح.
* وتارةً يذكرُ منافع مخلوقاته منبِّهًا بها على كمال حكمته وعلمه، كما
стр. 1016
يذكرُ مصالح أمره منبِّهًا بها على ذلك وأنه الله الذي لا إله إلا هو.
* وتارةً يختمُ آياتِ خلقه وأمره بأسماءٍ وصفاتٍ تناسبُها وتقتضيها.
والقرآنُ مملوءٌ من أوَّله إلى آخره بذكر حِكَم الخلق والأمر ومصالحهما ومنافعهما، وما تضمَّناه من الآيات الشَّاهدة له الدَّالَّة عليه، ولا يمكن من له أدنى اطِّلاعٍ على معاني القرآن إنكارُ ذلك.
وهل جعل الله سبحانه في فِطَر العباد استواءَ العدل والظُّلم، والصِّدق والكذب، والفُجور والعِفَّة، والإحسان والإساءة، والصَّبر والعفو، والاحتمال والطَّيش، والانتقام والحدَّة، والكرم والسَّماحة، والبَذْل والبُخل، والشُّحِّ والإمساك؟! بل الفطرةُ على الفُرقان بين ذلك كالفطرة على قبول الأغذية النَّافعة، وتركِ ما لا ينفعُ ولا يغذِّي، ولا فرق في الفطرة بينهما أصلًا.
وإذا تأمَّلتَ الشريعةَ التي بعث الله بها رسوله حقَّ التأمُّل وجدتها من أوَّلها إلى آخرها شاهدةً بذلك، ناطقةً به، ووجدتَ الحكمةَ والمصلحة والعدل والرحمة باديًا على صفحاتها، مناديًا عليها، يدعو العقول والألبابَ إليها، وأنه لا يجوزُ على أحكم الحاكمين ولا يليقُ به أن يشرع لعباده ما يضادُّها؛ وذلك لأنَّ الذي شرعها عَلِم ما في خلافها من المفاسد والقبائح والظُّلم والسَّفَه الذي يتعالى عن إرادته وشرعه، وأنه لا يصلُح العبادُ إلا عليها، ولا سعادة لهم بدونها البتَّة.
فتأمَّل محاسنَ الوضوء بين يَدَي الصَّلاة، وما تضمَّنه من النَّظافة والنَّزاهة ومجانبة الأوساخ والمستقذرات.
وتأمَّل كيف وُضِع على الأعضاء الأربعة التي هي آلةُ البطش والمشي،
стр. 1017
ومَجْمَعُ الحواسِّ التي أكثرُ تعلُّق الذُّنوب والخطايا بها، ولهذا (١) خصَّها النَّبيُّ ﷺ بالذِّكر في قوله: «إنَّ اللهَ كتب على ابن آدم حظَّه من الزِّنا أدركَ ذلك لا محالة؛ فالعينُ تزني وزناها النَّظر، والأذنُ تزني وزناها الاستماع، واليدُ تزني وزناها البطش، والرِّجلُ تزني وزناها المشي، والقلبُ يتمنَّى ويشتهي، والفرجُ يصدِّقُ ذلك أو يكذِّبه» (٢).
فلمَّا كانت هذه الأعضاءُ هي أكثر الأعضاء مباشرةً للمعاصي، كان وَسَخُ الذُّنوب ألصَق بها، وأعلَق من غيرها؛ فشرع أحكمُ الحاكمين الوضوء عليها ليتضمَّن نظافتَها وطهارتها من الأوساخ الحِسِّية وأوساخ الذُّنوب والمعاصي (٣).
وقد أشار النَّبيُّ ﷺ إلى هذا المعنى بقوله: «إذا توضَّأ العبدُ المسلم خرجت خطاياه مع الماء ــ أو: مع آخر قَطْر الماء ــ، حتى تخرجَ من تحت أظفاره» (٤).
وقال أبو أمامة: يا رسول الله، كيف الوضوء؟ فقال: «أمَا فإنَّك إذا توضَّأتَ فغسلتَ كفَّيك فأنقيتَهما خرجَت خطاياكَ من بين أظفارك وأناملك، فإذا مَضْمَضْتَ واسْتَنْشَقْتَ بمَنْخِريك، وغسلتَ وجهَك ويديكَ إلى المرفقَين، ومسحتَ برأسك، وغسلتَ رجليكَ إلى الكعبين= اغتسلتَ من
стр. 1018
عامَّة خطاياك؛ فإن أنت وضعتَ وجهَك لله خرجتَ من خطاياكَ كيوم ولدتكَ أمُّك» رواه النَّسائي (١).
والأحاديثُ في هذا الباب كثيرة.
فاقتضت حكمةُ أحكم الحاكمين ورحمتُه أن شرع الوضوءَ على هذه الأعضاء التي هي أكثرُ الأعضاء مباشرةً للمعاصي، وهي الأعضاءُ الظَّاهرةُ البارزةُ للغُبار والوَسَخ أيضًا، وهي أسهلُ الأعضاء غسلًا، فلا يشقُّ تكرارُ غَسلها في اليوم والليلة؛ فكانت الحكمةُ الباهرةُ في شرع الوضوء عليها دون سائر الأعضاء.
وهذا يدلُّ على أنَّ المضمضة من آكد أعضاء الوضوء، ولهذا كان النَّبيُّ ﷺ يداومُ عليها، ولم يُنْقَل عنه بإسنادٍ قطُّ أنه أخلَّ بها يومًا واحدًا، وهذا يدلُّ على أنها فرضٌ لا يصحُّ الوضوءُ بدونها، كما هو الصَّحيحُ من مذهب أحمدَ وغيره من السَّلف (٢).
فمن سوَّى بين هذه الأعضاء وغيرها، وجعل تعيينَها بمجرَّد الأمر الخالي عن الحكمة والمصلحة، فقد ذهب مذهبًا فاسدًا (٣)، فكيف إذا زعم مع ذلك أنه لا فرق في نفس الأمر بين التَّعبُّد بذلك وبين أن يُتَعَبَّد بالنَّجاسة
стр. 1019
وأنواع الأقذار والأوساخ والأنتان والرائحة الكريهة، ويجعل ذلك مكانَ الطَّهارة والوضوء، وأنَّ الأمرين سواء، وإنما يحكمُ بمجرَّد المشيئة بهذا الأمر دون ضدِّه، ولا فرق بينهما في نفسِ الأمر؟! وهذا قولٌ تصوُّره كافٍ في الجزم ببطلانه.
وجميعُ مسائل الشريعة كذلك آياتٌ بيِّنات، ودلالاتٌ واضحات، وشواهدُ ناطقاتٌ بأنَّ الذي شرعها له الحكمةُ البالغة، والعلمُ المحيط، والرحمة والعنايةُ بعباده، وإرادةُ الصَّلاح لهم، وسَوْقِهم بها إلى كمالهم وعواقبهم الحميدة.
وقد نبَّه سبحانه عباده على هذا، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾، إلى قوله: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦]؛ فأخبَر سبحانه أنه لم يأمرهم بذلك حَرَجًا عليهم، وتضييقًا ومشقَّة، ولكنْ إرادةَ تطهيرهم (١) وإتمام نعمته عليهم، ليشكروه على ذلك، فله الحمدُ كما هو أهلُه، وكما ينبغي لكرم وجهه وعِزِّ جلاله.
فإن قيل: فما جوابكم عن الأدلَّة التي ذكرها نفاةُ التَّحسين والتَّقبيح على كثرتها؟
قيل: قد كَفَوْنا بحمد الله مُؤنةَ إبطالها بقَدْحِهم فيها، وقد أبطلها كلَّها
стр. 1020
واعترض عليها فضلاءُ أتباعها وأصحابها: أبو عبد الله ابن الخطيب (١)، وأبو الحسن الآمِدي (٢)، واعتمد كلٌّ منهم على مسلكٍ من أفسد المسالك، واعتمد القاضي (٣) على مسلكٍ من جنسهما في المفاسد، فاعتمد هؤلاء الفضلاءُ على ثلاث مسالك فاسدة، وتعرَّضوا لإبطال ما سواها والقَدْح فيه.
ونحن نذكرُ مسالكَهم التي اعتمدوا عليها، ونبيِّن فسادَها وبطلانها:
* فأمَّا ابنُ الخطيب، فاعتمد على المسلك المشهور، وهو أنَّ فعلَ العبد غيرُ اختياريٍّ، وما ليس بفعلٍ اختياريٍّ لا يكونُ حسنًا ولا قبيحًا عقلًا، بالاتفاق؛ لأنَّ القائلين بالحُسْن والقُبْح العقليَّين يعترفون (٤) بأنه إنما يكونُ كذلك إذا كان اختياريًّا، وقد ثبت أنه اضطراريٌّ، فلا يوصفُ بحُسنٍ ولا قُبحٍ على المذهبين.
أمَّا بيانُ كونه غير اختياريٍّ، فلأنه إن لم يتمكَّن العبدُ من فعله وتركه فواضح؛ وإن كان متمكِّنًا من فعله وتركه كان جائزًا، فإمَّا أن يفتقر ترجيحُ الفاعليَّة على التَّاركيَّة إلى مرجِّحٍ أو لا؟ فإن لم يفتقر كان اتفاقيًّا، والاتفاقُ لا يوصفُ بالحُسن والقُبح، وإن افتَقر إلى مرجِّحٍ فهو مع مرجِّحه إمَّا [أن يكون] لازمًا وإمَّا جائزًا، فإن كان لازمًا فهو اضطراريٌّ، وإن كان جائزًا عاد