← Гариб и словари

Гариб и словари · id 145425

الموازنة بين «الفائق» للزمخشري (ت 538 هـ) و «النهاية» لابن الأثير (ت 606 هـ)

إبراهيم بن عبد الله المديهش

Полный текст (87 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

بها، على ضَعف فيها. (١) ثم طبع في دار الكتب العلمية (١٤١٨ هـ) بعناية صلاح عويضة. ثم طبع في مجلد واحد بإخراج: علي حسن عبد الحميد، ط. دار ابن الجوزي (١٤٢١ هـ). وطبعة أخرى بعناية: رائد صبري، ط. بيت الأفكار (١٤٢٢ هـ تقريباً). وطبعة في دار المعرفة (١٤٢٧ هـ) بتحقيق: خليل مأمون شيحا، والطبعات الأربع الأخيرة اعتمدَتْ طبعةَ الطناحي والزاوي. ثم طبع في عام (١٤٣٤ هـ) بتحقيق أ. د. أحمد الخراط، في (١٠) مجلدات، معتمداً على عشر نسخ خطية، طُبع في المكتبة المكية، ومؤسسة الريان، ووزَّعته وزارة الأوقاف في «قطر» وهي أحسن طبعة للكتاب، ولله الحمد.

стр. 37

الخدمات حول الكتاب: نَظمَه شعراً: إسماعيل بن محمد ابن أرسلان البعلبكي الحنبلي (ت ٧٨٥ هـ)، وسمَّاه «الكفاية في نظم النهاية». وذيَّل عليه: صفي الدين محمود الأرموي (ت ٧٢٣ هـ). (١) والكاشغري (ت ٧٠٥ هـ)، والسيوطي أيضاً بعنوان «التذييل والتذنيب على نهاية الغريب» وهو مطبوع، ومن المعاصرين: عبد السلام علوش في «الذيل على النهاية في غريب الحديث والأثر» (٥٦٩ صفحة). (٢)

стр. 38

و اختصره: إبراهيم بن علي النووي، وسماه «قاموس البحر ونبراس الفجر .. »، واختصره: السيوطي بعنوان «الدر النثير» وقد أضاف إليه بعض الزيادات، وعيسى بن محمد الصفوي، (ت ٩٥٣ هـ) في قريب من نصف حجمه، واختصره أيضاً: علي بن حسام الدين المتقي الهندي (ت ٩٧٥ هـ)، ومختصر لابن العجمي المباركي، والصفوي الإيجي، وعمران الغفاري، واختصره من المعاصرين: إصلاح الدين حفني. (١) ومن الخدمات والدراسات المعاصرة حول الكتاب: «ابن الأثير المحدث ومنهجه في كتاب النهاية» لأميمة بنت رشيد بدر الدين، رسالة دكتوراة في جامعة دمشق (١٩٩٣ م) طبعت مؤخراً في عام ١٤٣٥ هـ، جاءت في (٤٨٧ صفحة) ط. دارالنوادر اللبنانية، و «مجد الدين ابن الأثير وجهوده في علم غريب الحديث» أ. د. محمود الطناحي، و «منهج ابن الأثير في النهاية» أ. د. أحمد بن محمد الخراط، و «الدراسات اللغوية عند مجد الدين بن الأثير» أ. د. سعود آل حسين سبق ذكر الكتب الأخيرة في الدراسات

стр. 39

السابقة، و «التأويل في غريب الحديث من خلال كتاب النهاية» د. علي بن عمر السحيباني. وهناك تخريج لأحاديث الكتاب في رسائل ماجستير «بحث تكميلي» في قسم الحديث في الجامعة الإسلامية في «غزة»، نُشر منها في «النت» (٣٠) رسالة. سبب تأليفه: لما رأى أنَّ كتابَ «الغريبين» للهروي، والمتمِّمَ له «المجموع المغيث» لأبي موسى المديني، يقبلان الاستدراك والإضافة، مع صعوبة الوصول إلى المبتغَى، رأى أنْ يجمعَ بينهما، ويُجرِّدَهما من غريب القرآن، مع إضافةِ كُلِّ كلمةٍ إلى أختها في بَابها؛ تسهيلاً على الطالب، ثم يضيف ما يستدركُه عليهما مما وقفَ عليه في بُطون كتُبِ السُّنَّةِ النبوية. (١) مقدمة الكتاب: خَيرُ مَنْ يُبيِّن منهجَ الكتاب مُؤلِّفُهُ، فقدَ بيَّنَ ابنُ الأثير في مقدمتِه مَعالِمَ في عِلمِ «غريب الحديث»، وبَيَّنَ منهجَه، فتحَدَّث فيها عن أهمية عِلم الحَدِيث والأثر، وأنه ينقسم إلى قسمين، أحدهما: معرفةُ ألفاظِه، والثاني: مَعرفة معانيه. ويرى أنَّ معرفةَ ألفاظِه مقدمةٌ في الرُّتْبَةِ؛ لأنها الأصل في

стр. 40

الخطاب، وبها يَحْصُل التفاهمُ، فإذا عُرِفَتْ تَرَتَّبَتْ المعاني عليها، فكانَ الاهتمامُ ببيانها أولى. ويُقسِّم بعد ذلك الألفاظَ إلى: مُفرَدَةٍ ومُرَكَّبَةٍ، ويرى أنَّ مَعرِفَةَ المُفرَدَةِ مُقَدَّمةٌ على معرفةِ المُرَكَّبَةِ؛ ويُقسِّمُ الألفاظَ المُفردَةَ إلى قسمين: خاص، وعام. أمَّا العامُّ فهو: ما يشتركُ في معرفتِه جُمهورُ أهلِ اللسانِ العربي، ممَّا يدورُ بينهم في الخطاب، وتناقلوه. وأمَّا الخاصُّ فهو: ما ورد فيه من الألفاظ اللغوية والكلماتِ الغريبة التي لا يَعرفُهَا إلا مَنْ عُنيَ بها، فكان الاهتمامُ بمعرفة هذا النوع الخاص مِنْ الألفاظِ أهمَّ ممَّا سواه، إذْ الحاجةُ إليه ضَرورِيَّةٌ في البيان … ثم تحدَّثَ ابنُ الأثير (١) عن أوَّلَ مَنْ جمعَ في هذا الفن: أبو عبيدة مَعْمَر بن المثنى، والمؤلَّفات بعده، مع تعليقات عليها موجزة، وينتقدُ بعضَ مناهِجَها في الشمول والترتيب، وغيره. ثم ذكر اعتمادَه على كتابَيْن: «الغريبين» للهروي، و «المجموع المغيث» لأبي موسى المديني، مع الترتيب و الإضافة عليهما. ونبَّهَ ابنُ الأثير القارئَ على أنَّ ما اقتبسَه مِنْ كتاب الهرَوي مَيَّزَهُ بالحرف «هـ» بالحمرة، وما اقتبسه من كتاب أبي موسى ميَّزَه بالحرف «س»،

стр. 41

وما أضافه مِنْ غيرِهما أهملَه بغيرعلامة؛ ليتميَّزَ ما فيهما عمَّا ليس فيهما، كما أفاد القارئ بأنَّ جميع ما في كتابه ينقسم إلى قسمين: أحدهما: مُضافٌ إلى مُسَمَّى، وقد يكون ذلك المسمَّى هو صاحب الحديث، أو يكون راوياً للحديث، أو يكون سبباً في ذكر ذلك الحديث فأُضيف إليه، أو يكون له فيه ذِكْرٌ عُرِفَ الحديث به. والثاني: غيرُ مضافٍ إلى مُسَمَّى، والغالبُ عليه أنه من أحاديثِ رسول الله ﷺ إلا القليل الذي لا تُعْرَف حقيقته: هل هو مِنْ حديثه أو من حديثِ غيره؟ (١) ثم تحدَّثَ عن الترتيب المعجمي الذي سلَكه، فقد التزمَ الحرف الأول والثاني مِنْ كل كلمة، وأتبع ذلك بالحرف الثالث مِنْ الكلمة على سياق الحروف. ثم تحدَّثَ عن المشكلة التي واجهَتْه، وهي: (أني وجدتُ في الحديث كلماتٍ كثيرة في أوائلها حروف زائدة قد بُنِيت الكلمة عليها، حتى صارت كأنها من نفسها، وكان يلتبس موضعها الأصلي على طالبها)، ورأى حَلَّ هذه المشكلة: (أنْ أُثبتَها في باب الحرف الذي هو في أولها، وإنْ لم يكن

стр. 42

أصلياً، ونَبَّهْتُ عند ذِكْرِهِ على زيادتِه؛ لئلا يراها أحدٌ في غير بابها، فيَظنُّ أنّي وَضَعْتُها فيه للجهلِ بها). (١) تأثره بمن قبله: كتاب «النهاية» امتداد لجهود مَنْ سبقه، اعتمد على السابقين، وأضاف كثيراً، فَ «كتاب الغريبين» لأبي عبيد الهروي (ت ٤٠١ هـ) فيه غريب القرآن والحديث، والعناية بالأسانيد، مرتَّب على حروف المعجم، جمع فيه كتاب أبي عبيد القاسم بن سلام، وابن قتيبة، وغيرهما، مع إضافات عليها، ثم جاء أبو موسى المديني (ت ٥٨١ هـ) فاستدركَ ما فات الهرَوي بكتاب سماه «المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث»، فجاء ابن الأثير فجعلهما أصلاً، وأضاف عليهما كثيراً، واستفاد أيضاً من «الفائق» للزمخشري، كما سبق في الحديث عن «الفائق». (٢)

стр. 43

وقال أ. د. محمود الطناحي: (بعد طول معايشة ومدارسة لكتب الغريب، ولكتابي ابن الأثير «النهاية» و «منال الطالب»؛ ظهر لي أن ابن الأثير ﵀ قد عوَّل كثيراً على الخطَّابي والزمخشري .... وقال في حديثه عن استفادة ابن الأثير في كتابيه النهاية ومنال الطالب من الزمخشري: رأيتُه في مواطن كثيرة جداً يستاق كلام الزمخشري ويصنع منه حُججه، ويُدير عليه تأويلاته، دون أن يُصرِّح بالنقل منه، والعزو إليه، وهذا فاشٍ مستفيض في «النهاية» … ). (١) واستفادَ من إبراهيم الحربي، وأبي موسى المديني، والأزهري، والجوهري، وقد كان ابنُ الأثير قليلَ العزو والتصريح بأسماء العلماء الذين ينقل منهم، فما أكثرَ ما يقول: قال بعض المتأخرين. في كُتُب بعضِ المتأخرين، رواه بعضُ المتأخرين. (٢)

стр. 44

تأثيره فيمن بعده: لما كان كتابُ «النهاية» اسماً على مُسمَّى، اعتمدَه مَنْ جاء بعده، واعتنوا به: نظماً، واختصاراً، وتذييلاً كما سبق في ذكر «الخدمات حول الكتاب». وممن استفادَ مِنْ «النهاية» العلامة ابنُ منظور في كتابه «لسان العرب» فقد جعلَه أحدَ مصادرِه الخمسةِ التي اعتمدَ عليها. (١) وكذا «مجمع بحار الأنوار في غرائب التنزيل ولطائف الأخبار» لمحمد طاهر الصديقي الفَتَّني (ت ٩٨٦ هـ)، وقد سارَ فيه على منهج الترتيب الهجائي، وذكر في مقدمته (٢) بأنَّ جعل كتاب «النهاية» أصلاً له، وأنه لم يغادر منه إلا ما نَدَرَ أو شاعَ بينهم وانتشر. وممن استفاد منه أيضاً: النووي في «تهذيب الأسماء واللغات» و «شرح صحيح مسلم»، والفيومي في «المصباح المنير»، والزبيدي في «تاج العروس»، وغيرهم. (٣)

стр. 45

قيمة الكتاب العلمية، وثناء العلماء عليه: يُعتبر كتاب «النهاية» أجمع كتاب في غريب الحديث، وأنه هذَّب الكتب التي قبله، ورتَّبَها، وأضاف عليها، وأنه يضيف الحديث إلى راويه في الغالب، أو إلى شهرته، أو لمن وقعت منه الحادثة، (١)، مع حُسن ترتيبه، لتسهيل الوصول إلى المراد، وتثبُّته من ألفاظ الحديث بالرجوع إلى أمهات كتب السنة، خاصةً مع عنايته بالحديث، وجمع متونه كما في كتابه الكبير «جامع الأصول». وصفه ابنُ منظور (ت ٧١١ هـ) بأنه: «جاء في ذلك بالنهاية، وجاوز في الجودَةَ حَدَّ الغاية». (٢) وذكر الحافظ ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) بعضَ كتب الغريب، ثم قال: (ثم جَمَعَ الجميعَ ابنُ الأثير في «النهاية»، وكتابُه أسهَلُ الكُتبِ تَناوُلاً، مَع إعْوَازٍ قَليلٍ فِيه). (٣)

стр. 46

وذكر السخاوي (ت ٩٠٢ هـ) أنه جمعَ كُتُبَ مَنْ قبلَه مع زيادات، ثم قال: (فَكَانَ كِتَابُهُ النِّهَايَةَ كَاسْمِهِ، وَعَوَّلَ عَلَيْهِ كُلُّ مَنْ بَعْدَهُ؛ لِجَمْعِهِ وَسُهُولَةِ التَّنَاوُلِ مِنْهُ، مَعَ إِعْوَازٍ قَلِيلٍ فِيهِ). (١) قال السيوطي (ت ٩١١ هـ): (ثُمَّ «النِّهَايَةُ» لابن الأَثِيرِ، وهي أَحسَنُ كُتُبِ الغَريبِ وَأَجمَعُهَا وَأَشهَرُهَا الآنَ، وَأَكثَرُهَا تَدَاوُلاً، وَقَدْ فَاتَهُ الكَثِيرُ، فَذَيَّلَ عَليهِ الصَّفِيُّ الأَرمَوِيُّ بِذَيْلٍ لَمْ نَقِفْ عَلَيْهِ، وقَد شَرَعتُ فِي تَلخِيصِهَا تَلْخِيصاً حَسَناً مَعَ زِيَادَاتٍ جَمَّةٍ، وَاللهَ أسألُ الْإِعَانَةَ عَلَى إِتمَامِهَا). (٢) وقال السيوطي أيضاً: (أجلُّ كتاب أُلِّفَ في الغَريب، وأجمَعُه للبعيدِ منه والقريب). (٣) ووصفَه طاش كبري (ت ٩٦٨ هـ) بأنه «كتابٌ غريب، لم يُعهد نظيره في بابه». (٤)

стр. 47

قال عنه أحمد الشرقاوي إقبال: (أوفى الكتبِ في غريب الحديث، وأوسُعها استيعاباً، وأغزرُها مادةً، وأجودُها تصنيفاً، وأحسنُها ترتيباً … ). (١) قال أ. د. محمود الطناحي: (أما «النهاية» فهي أشهرُ كتاب، وأسيَر مُصنَّفٍ في غريب الحديث، وقد عُرفَ ابنُ الأثير بها، وانتسبَ إليها .... ورُزِقَتْ «النهاية» الحظوة والقبول عند الناس، فغطَّت شهرتها على ما سبقها من تصنيف، وأعجزت مَنْ أتى بعدها من المصنفين، فاختصرت جهودهم على الاختصار والتذييل. وذكر أ. د. الطناحي أنَّ ابنَ الأثير جمعَ واستقصى ولم تند عليه إلا أحاديثُ يسيرة … وعنده جانب ملحوظ وهو: ميله إلى اليسر والسهولة في اختيار الألفاظ الدالة على المعاني، ومن هنا رأيته يعمد كثيراً إلى تغيير العبارات الغريبة المطَّرحة إلى عبارات مألوفة مأنوسة، ويظهر هذا أكثر ما يظهر فيما أخذه من الزمخشري). (٢)

стр. 48

قال أ. د. أحمد الخراط: (فمن خلال «النهاية في غريب الحديث والأثر» يستطيع المُراجِع أن يقف على مجمل الثروة اللفظية والمعنوية التي تناولَتْ أحاديث الباب، سواء منها ما وصلَنا من مصنفات مثل كتاب: ابن قتيبة، وأبي عبيد، والمديني، والزمخشري، أو ضاعت أصولُه، فحفظ لنا كتاب ابن الأثير طائفةً منها، من مثل: كتاب «غريب الحديث» للحربي (١) و «غريب الحديث» لِ شمربن حمدويه، كما حفظ لنا كثيراً من أقوال اللغويين، الذين لم تصلنا مصنفاتهم ك: نفطويه، والأصمعي، والسجستاني، وثعلب، والزجَّاج … ). (٢) * خلاصة قيمة الكتاب: ١. أجمع كتاب في غريب الحديث. ٢. حوى قدراً واسعاً من أقوال أئمة اللغة حول غريب الحديث، مِنْ كتب لم تصلنا. ٣. تهذيب الكتب التي سبقته، مع زياداته عليها. ٤. عزو الحديث إلى راويه في الغالب، أو إلى شهرته، أو لمن وقعت منه الحادثة، وإن أغفله الهروي، وأبو موسى. (٣)

стр. 49

٥. تثبته من ألفاظ الحديث بالرجوع إلى كتب الأصول، خاصة أنه مؤلف كتاب «جامع الأصول». ٦. نسبة طائفة كبيرة من الأقوال إلى أصحابها، والروايات إلى مصنفيها. ٧. الكتاب ملئ بآثار الصحابة والتابعين، لكنه مطلقة غير مسندة، وفيه تفسير للغريب الوارد في هذه الآثار. ٨. ميله إلى اليسر والسهولة في اختيار الألفاظ الدالة على المعاني، وقد يغير بعض العبارات الغريبة المطَّرحة إلى عبارات مألوفة، فيما ينقله من غيره، من الزمخشري وغيره. ٩. ترتيب مواد الكتاب ترتيباً أبجدياً، فقد اختار أيسر الطرق المنهجية في ترتيب المادة اللغوية، فهو يمثِّل مدرسة معجمية مهمة في تاريخ التأليف المعجمي عند علماء اللغة، وهي مدرسة الترتيب الهجائي، وفق الحرف الأول. (١) هذا، ويُلحظ أن التأليف في غريب الحديث بعد ابن الأثير عالةٌ على

стр. 50

كتاب «النهاية»، سواء باختصار أو تذييل أونظم، إلا ما جاء في كتاب «مجمع بحارالأنوار» للفتني (ت ٩٨٦ هـ) فقد جمع الغريب من بعض كتب التفسير، وشروح السنة النبوية. ترتيب مواد الكتاب، ومنهجه في عرض المادة: رتَّب المادة وفْقَ الحروف الهجائية، بدأ في اختيار الحرف الأخير من الكلمة بعد تجريدها من الحروف الزائدة، ورَدِّ الحرف الأصليِّ المحذوف، ثم العودة إلى الحرف الأول من الكلمة. وقد يذكر أصل الكلمة بعد أن يوردها على ظاهر لفظها، وأحياناً يكررها بوضعها في حقِّ موضعها، فيذكرها مرتين، مرة على ظاهر اللفظ ويبالغُ في ذلك أحياناً، ومرة على حقِّ اللفظ، مثلاً «آبض» و «الأفكل». (١) إذا كان الحديث الواحد يتضمن أكثر من مفردة غريبة، فإنه يُوَزِّع نصَّ الحديث إلى مقطعات عديدة، فيذكر كل لفظ غريب وفْقَ ترتيبه الهجائي

стр. 51

الأول. بخلاف الزمخشري في «الفائق» فإنه يَسْرد النص كاملاً وفق الترتيب الهجائي لأول لفظٍ غريب، ثم يَذْكر اللفظ الغريب الثاني في الموضع نفسه. بدأ بحرف الهمزة، ويندرج تحته عنوان بارز: «باب الهمزة مع الباء»، وتحت هذا العنوان مادة أَبب، ثم مادة أبد، ثم أبر، أبس، أَبض، وهكذا، ويراعي ترتيب الأوائل فالثواني فالثوالث داخل المادة الواحدة. يكرر إيراد الحديث الذي تضمن أكثر من لفظة غريبة بحسب موقعها من الترتيب الهجائي: فيشرح اللفظة الغريبة التي تدخل في المادة اللغوية التي عقدها، فإن ورد غريبان أو أكثر في الحديث نفسه، اكتفى بغريب الباب، وإن أراد المُراجِع معرفة باقي غريب الحديث الذي أورده فَلْيتتبَّعْ مَظانَّه في سائر المواد وَفْقَ حرفه الهجائي، بيد أنَّ ابن الأثير في أحيان نادرة يضطر إلى شرح ألفاظ الحديث مجتمعةً، فإنَّه إذا فُرِّقَ لا يكاد يُفهم الغرض منه، وذلك كما في الحديث: «وإنَّ ممَّا يُنْبِتُ الربيعُ ما يَقْتُلُ حَبَطاً أو يُلِمُّ، إلا آكلة الخَضِر فإنها أكلَتْ، حتى إذا امتدَّتْ خاصِرتاها استقبلَتْ عينَ الشمسِ فثَلَطَتْ وبالَتْ ثم رَتَعَتْ … ». (١)

стр. 52

وفي حديث الكوثر: (طِينُه المِسْكُ، ورَضْراضُه التُّوم»، يقول: «الرَّضْراض: الحصى الصِّغار، والتُّوم: الدُّرُّ). (١) وحديثُه في المادة يختلف طُولاً وقصراً (٢)، فتجد في المادة اللغوية الواحدة عشرات النصوص من أحاديث الغريب، وذلك من مثل: هود، خلف، ركب، دين، دخل، سمع، وفي مقابل ذلك قد لا يتوافر في بعض المواد أكثر من حديث غريب واحد في المادة من مثل: رصح، رصغ، رتت، رتم، رثأ. وقد يورد مادةً لغويةً ولا يذكر ضمنَها أيَّ حديث، وإنما يشير إلى تكرار ذكر لفظة معينة، فيتحدث عنها مفردةً، كقوله في «هَلُمَّ»: (قد تكرر في الحديث ذكر «هَلُمَّ» ومعناه: تعال، ومنه لغتان، فأهل الحجاز يُطْلقونه على الواحد والجميع والاثنين والمؤنث، بلفظ واحد مبني على الفتح، وبنو تميم تُثَنِّي وتجمع وتؤنث فتقول: هلُمَّ وهَلُمّي وهَلُمَّا وهَلُمُّوا). (٣) وكقوله: «تكرر ذكر التوكل في الحديث، يقال: تَوَكَّل بالأمر إذا ضَمن

стр. 53

القيام به، ووكَلْتُ أمري إلى فلان أي: ألجأته إليه، واعتمدت فيه عليه. (١) وكقوله: (قد تكرر ذكر «المُزْن» وهو الغيم والسَّحاب، واحدته مُزْنة. وقيل: هي السحابة البيضاء). (٢) وليس له منهج في ترتيب المشتقات في المادة الواحدة، شأنه شأن كثير من المعاجم العربية. (٣) منهجه في اختيار ألفاظ الغريب: منهج كتب الغريب في هذا المطلب واحد، وقد سبق بيان ذلك في الحديث عن منهج الزمخشري، وأحياناً يذكر الكلمة الواضحة الظاهرة لغرض آخر غير الغرابة؛ مثل دفع التصحيف لاشتباهها. (٤)

стр. 54

منهجه في تفسيرالألفاظ: يُعنى بضبط الفعل في الماضي والمضارع، ويُورد مصدره، كقوله في مادة «أَبق»: (أبَقَ العبدُ يأبَقُ ويأبِقُ إباقاً إذا هرب، وتأبَّق إذا استتر). (١) ويضبط بالحروف، كأن يقول في حديث: «إنكم سَتَلْقَوْنَ بعدي أَثَرَة». الأَثَرة بفتح الهمزة والثاء الاسم من: آثَرَ يُؤْثِر إيثاراً، إذا أعطى، والاستئثار: الانفراد بالشيء. (٢) ويُبيِّن لغات العرب أحياناً، من ذلك قوله في الحديث: «أَصْبح بحمد الله بارئاً»، أي: مُعافى. يقال: بَرَأتُ من المرض أبْرَأُ بَرْءاً بالفتح، فأنا بارِئٌ، وأبرأني الله من المرض. وغير أهل الحجاز يقولون بَرِئْتُ بالكسر بُرْءاً. (٣) ويبين الفصيح من اللغات أحياناً، يقول في حديث «آمِرُوا النساءَ في أنفسهن» أي: شاوِروهُنَّ في تزويجهن. ويقال فيه: وامَرْتُه، وليس بفصيح. (٤)

стр. 55

يورد في شرح المادة الغريبة: الشواهد القرانية، وقد يركن إلى بعض القراءات المتواترة أو الشاذة؛ ليُجلي المعنى الذي يذهب إليه في شرح غريبه. (١) والشواهد الحديثية فيشرح الحديث بالحديث، مثاله: في مادة (حثل) يورد حديث: «لا تقوم الساعة إلا على حُثالةٍ من الناس» ثم يقول: (الحُثالة الرديء من كل شيء). ومنه الحديث: «كيف أنت إذا بَقِيتَ في حُثالة من الناس» يريد: أراذلهم، ومنه الحديث: «أعوذ بك من أن أبقى في حَثْلٍ من الناس». (٢) وفي مادة (دأل) يورد حديث خزيمة: «إنَّ الجنة محظورٌ عليها بالدآليل». ويقول: (أي: بالدواهي والشدائدِ. وهذا كقوله: «حُفَّت الجنةُ بالمكاره»). (٣) والشواهد الشعرية من ذلك قوله في مادة (بدر) في حديث المبعث «فرجَعَ بها ترجُفُ بوادِرُه». هي جمع بادِرَة، وهي: لَحْمَةٌ بين المَنكِب

стр. 56

والعنق، والبادِرَة من الكلام الذي يسبق الإنسان إليه في الغضب. ومنه قول النابغة: ولا خيرَ في حِلْمٍ إذا لم تكن له … بوادِرُ تَحْمي صَفْوَه أن يُكَدَّرا (١) ويستطرد أحياناً بفوائد لها علاقة قوية بالمادة، ففي حديث: «فهذا أوان قطعتْ أَبْهَري»، يذكر: (أنَّ الأَبْهرَ عرقٌ منشؤه من الرأس ويمتد إلى القدم، وله شرايينُ تتصل بأكثرِ الأطراف والبدن، فالذي في الرأس منه يسمَّى النَّأْمة، ويمتد إلى الحلق فيسمّى فيه الوريد، ويمتد إلى الصدر فيسمّى الأبهر، ويمتد إلى الظهر فيسمَّى الوَتين، ويمتد إلى الفخذ فيسمَّى النَّسَا، ويمتد إلى الساق فيسمَّى الصافِنَ). (٢) ويبين المعرَّب والدَّخِيل، كما في «الأسبرنج» مثلاً (٣) ويعتني بمسائل التأنيث والتذكر، كما في «الطَّسْت» (٤)

стр. 57

ويُبيِّن الأمكنة ويحددها، كما في «الأبْواء» (١)، و «بَرْثان». (٢) ويُبينُ اللحن الشائع العامة وتصحيفهم، أورد الحديث: «فَضْلُ عائشة على النساء، كفضل الثَّريد على سائر الطعام» أي: باقيه، ويقول: والناس يستعملونه في معنى الجميع، وليس بصحيح، وقد تكررت هذه اللفظة في الحديث، وكلها بمعنى باقي الشيء. (٣) ويُبين اللغة العالية وما دونها كما في «مِلح»، و «مالح» فالثانية لغة ليست عالية. (٤) ويُبيِّن الأضداد، مثل: «التِّلاع» (٥) ويُبَيِّنُ أحياناً المعنى العام للحديث الذي ورد فيه اللفظة الغريبة: ففي الحديث «الهَدْيُ الصالح والسَّمْتُ الصالح جزء من خمسةٍ وعشرين جزءاً من النبوَّة». يقول: أي إنَّ هذه الخِلال من شمائل الأنبياء، ومن جملة

стр. 58

الخصالِ المعدودةِ من خصالِهم، وأنها جزءٌ معلومٌ من أجزاء أفعالهم، فاقتَدوا بهم فيها، وتابِعوهم عليها. وليس أنَّ المعنى أنَّ النبوَّة تتجزَّأُ، ولا أنَّ من جَمَعَ هذه الخلالَ كان فيه جزءٌ من النبوَّة، فإنَّ النبوَّةَ غيرُ مكتسَبة ولا مجتلَبَةٍ بالأسباب، وإنما هي كرامة من الله تعالى، ويجوز أن يكون أراد بالنبوَّة هاهنا ما جاءت به النبوةُ ودَعَتْ إليه من الخيرات. (١) وكذا في «النصيحة» (٢)، و «صلة الرحم». (٣) وله براعة في النحو، والصرف، واللغة عموماً، ومن شواهدِ المسائل النحوية، قوله في الحديث «فهذا أوانُ قَطَعَتْ أَبْهَري»: يجوز في «أوان» الضمُّ والفتح، فالضمُّ لأنه خبر المبتدأ، والفتحُ على البناء، لإضافته إلى مبني … (٤) وذكر حديث لقيط «لَعَمْرُ إلهكِ» فقال: وهو رفعٌ بالابتداءِ، والخبر محذوفٌ تقديره: لَعَمْرُ الله قسمي، واللام للتوكيد، فإن لم تأت باللام نصَبْتَه نَصْبَ المصادرِ، أي بإقرارِك لله وتعميرك له بالبقاء. (٥)

стр. 59

ومن المسائل الصرفية، كما في «الدَّوْلَج». (١) ومن اهتمامه ببيان الوجه البلاغي، أنه يشير إلى التشبيه ووجهه، والاستعارة، والكناية، وغير ذلك من فنونِ البلاغة، كما في «مثجا» (٢) و «جلود النمور». (٣) ويذكرالاحتمالاتِ المختلفةَ لمعاني اللفظ الغريب، وفي حديث: «فجعل المشركون يُرْبِسُون به العبَّاس» يقول: يَحتمل أن يكون من الإرْباس وهو المراغَمَةُ، أي: يُسْمِعونه ما يُسْخِطُه ويَغيظُه، ويحتمل أن يكونَ من قولِهم: جاؤوا بأمورٍ رُبْسٍ أي: سُود، ويحتمل أن يكون من الرَّبيس، وهو المُصاب بمالٍ أو غيره أي: يُصيبون العباس بما يَسُوءُه. (٤) ويذكر فوائد ولطائف في معنى الحديث، ففي الحديث: «احثُوا في وجوه المدَّاحين الترابَ». يقول: أراد بالمدَّاحين الذين اتخذوا مدحَ الناسِ عادةً، وجعلوه صناعة يستأكلون به الممدوح، فأمَّا مَنْ مدَح على الفعل الحسنِ والأمرِ المحمود؛ ترغيباً في أمثاله، وتحريضاً للناس على الاقتداء

стр. 60

به، في أشباهه، فليس بمَدَّاح، وإن كان قد صار مادحاً بما تكلَّم به من جميل القول. (١) ومَن قتله نبيُّ، (٢) و لا يُعذِّب اللهُ قلباً وعَى القرآن. (٣) ويوفِّق أحياناً بين الأحاديث المتعارضة في الظاهر، مثل حديث البدعة، والرقية، والكتابة. (٤) وله تعقبات على مَنْ سبقه: مثاله يقول: قال الجوهري: تقول: بضع سنين، وبضعة عشر رجلاً، فإذا جاوزت لفظ العشر لا تقول: بضع وعشرون، وهذا يخالف ما جاء في الحديث. (٥) وفي حديث عليِّ: «وجَبَّار القلوب» يقول القتيبي: لم أجعله من أَجْبَرَ؛ لأنَّ أفْعَل لا يُقال فيه فَعَّال. قال ابن الأثير: قلت: يكون من اللغة الأخرى، يقال: جَبَرْتُ وأَجْبَرْتُ بمعنى: قَهَرْتُ. (٦) وفي حديث عمر: «فِيمَ الرَّمَلان»؟ يقول: وحكى الحربي فيه قولاً غريباً قال: إنه تثنية الرَّمَل وليس مصدراً.

стр. 61

يقول ابن الأثير: وهذا القولُ من ذلك الإمام كما تراه، وهو مصدر، وكذلك شرحه أهل العلم، لا خلاف بينهم فيه، فليس للتثنية وجهٌ. (١) مذهبه العقدي وأثره في الكتاب: سار ﵀ على طريقة الأشاعرة في باب أسماء الله -جل وعلا- وصفاته، فأوَّل عدداً من الصفات: اليد، والقدم، والساق، والعين. (٢) مذهبه الفقهي، وأثره في الكتاب: ابن الأثير فقيهٌ شافعي كماسبق في ترجمته، وسبق أن من مؤلفاته: «شرح مسند الشافعي». وقد عرض في «النهاية» عدداً من المسائل الفقهية منها: قولُه في الحديث (٣): «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاةُ فمن تركها فقد كفر». ذهب أحمد بن حنبل إلى أنَّه يكفُر بذلك حَمْلاً للحديث على ظاهره، وقال الشافعي: يُقتل بتركها، ويُصَلَّى عليه ويُدْفَنُ مع المسلمين.

стр. 62

وذكر مسألة: بيع العُربان (١)، وخيار البيع (٢)، ولم يظهر أثرٌ واضحٌ على مذهبه في كتابه، لأنَّ الكتاب ليس في بيان الأحكام الفقهية، وإن جاءت فعَرَضاً، ويشير إليها بإيجاز كما سبق في الأمثلة. المآخذ على الكتاب: ١. تأويله عدداً من صفات الله ، مخالفاً ما عليه الصحابةُ والتابعون وتابعوهم، وأئمةُ الإسلام بإثبات الصفات كما وردت، من غير تشبيه ولا تمثيل، ولا تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف. (٣) ٢. مِنْ منهجه الذي نص عليه أن يُورد كثيراً من ألفاظ الغريب وَفْقَ لفظِها المنطوقِ به، وليس وفْقَ منهج أصحاب المعاجم، في تجريد الكلمة من الأحرف الزائدة، وإيرادها وفْقَ جذرها الثلاثي، أو الرباعي. وحُجَّته في

стр. 63

ذلك كما يقول: وإنما أَوْرَدْنَاها هاهنا حملاً على ظاهر لفظها. (١) ويقول: (إلا أني وجدت في الحديث كلماتٍ كثيرة، في أوائلها حروف زائدة، قد بُنِيت الكلمة عليها حتى صارت من نفسها، وكان يلتبس موضعها الأصلي على طالبها، لاسيما وأكثر طلبة غريب الحديث لا يكادون يُفَرِّقون بين الأصلي والزائد، فرأيت أن أُثبتها في باب الحرف الذي هو في أولها وإن لم يكن أصلياً، ونَبَّهْتُ عند ذكرِه، لئلا يراها أحدٌ في غير بابها، فيظن أني وضَعْتُها فيه للجهل بها). (٢) ولم يكن هذا المنهج منه مطرداً، فقد عمل به في بعض الكلمات، وأغفله في كلمات أخرى. وقد لحظ ابنُ منظور في «اللسان» هذا الاضطراب في منهج ابن الأثير فقال: (غير أنه لم يضع الكلمات في محلِّها، ولا راعى زائد حروفها من أصلها). (٣) مثاله: أورد في مادة (أبرد) في باب الهمزة، حديث: «إنَّ البطيخ يقلَعُ الإبْرِدَة»، وشرَحَها، ثم قال: وهمزتها زائدة، وإنما أوردناها هاهنا حملاً على

стр. 64

ظاهر لفظها. وفي مادة (برد) لم يُورد هذا الحديث، ولم يُشر إلى شيءٍ منه. (١) وأورد في مادة (أجدل) في باب الهمزة حديث: «يهوي هُوِيَّ الأجادل»، وشرحها ثم قال: والهمزة فيها زائدة. وفي مادة (جدل) لم يُورد الحديث. (٢) وأورد في مادة (إذْخر) في باب الهمزة حديث: «إلا الإِذْخِر»، ثم قال: وهمزتها زائدة، وإنما ذكرناها هاهنا حملاً على ظاهر لفظها. وفي مادة (ذخر) لم يورد الحديث. (٣) لذلك انتقده ابن منظور (ت ٧١١ هـ) فقال في مقدمة كتابه «لسان العرب» عن ابن الأثير: (قد جاءَ في ذلك بالنهاية، وجاوَزَ في الجَودَة حدَّ الغايَة، غيرَ أنه لم يَضعْ الكلمات في محَلِّها، ولا راعى زائدَ حُرُوفِها مِنْ أَصلِها؛ فوضَعتُ كُلّاً مِنهَا في مَكانِهِ، وأظهَرتُهُ مع بُرْهَانِهِ). (٤) ٣. عامة ما في «النهاية» من كتابَي: الهروي، وأبي موسى، وقد أشار لِمَا نقَلَ منهما، وهناك شروح ومواد أُخذت من غيرهما من كتب الغريب، ولم يُنبِّه على ذلك.

стр. 65

٤. يقول في مقدمته: (وجعلتُ على ما فيه من كتاب الهروي «هاء» بالحمرة، وعلى ما فيه من كتاب أبي موسى «سيناً»، وما أضفته من غيرهما مهملاً، بغير علامة؛ ليتميَّز ما فيهما عمَّا ليس فيهما). (١) ويعني بذلك أنَّ ما اقتبسه من كلٍ من الكتابين بَيِّنٌ معلوم، بيد أنَّ الموازنة (٢) بين ماهو مسجَّل على النسخة المطبوعة من «النهاية»، والنسخة المطبوعة لكلٍ من كتابي: الهروي وأبي موسى، تُظْهِرُ أنَّ ما ذكره ابن الأثير غير دقيق؛ لأنَّ كثيراً من النصوص التي ليس لها علامة، ويُفْترض أنَّها ليست فيهما، هي مودعةٌ في أحد الكتابين، كما أنَّ كثيراً من النصوص المسبوقة بعلامة لأحدهما ليست فيه، وإنما هي لغيره أو لصاحبه، ويحتمل أن هذا الخلل من النُّسَّاخ، وليس في أصل كتاب ابن الأثير، خاصة مع وجود اختلاف في الألفاظ والأحاديث المنقولة من الكتابين. (٣)

стр. 66

وهذه العلامات لا تعني رمزاً لاقتباس المادة العلمية التابعة للتأصيل اللغوي، وإنما تعني اقتباس نصِّ الحديث الغريب فقط، وعزوه لأحد الكتابين: «الغريبين»، أو «المجموع المغيث»؛ وذلك لأننا لدى الموازنة بين المادة العلمية الواردة في «النهاية» وهذين الكتابين، نجد أنَّ عملية الاقتباس لا تنضبط، فكثير من هذه المادة العلمية الواردة في «النهاية» مسبوقة بِ «هـ» و «س» ليست في كتابَيْ الهروي وأبي موسى، وكثير من المادة الواردة في «النهاية» مسبوقة ب «هـ» وحدها ليست في كتاب الهروي، أو مسبوقة بِ «س» وحدها ليست في كتاب أبي موسى. وكذلك قد تَرِد مادةٌ علمية في «النهاية» غير مسبوقة بعلامة «هـ» أو «س»، وهي واردة فعلاً في أحد الكتابين، وهذا الأمر كثير في «النهاية» لا يحتاج إلى تمثيل، وإنَّما يظهر بأدنى تأمل. وممَّا يؤكد أنَّ علامَتَي «هـ»، «س» عند ابن الأثير لا تعني اقتباس مادة علمية، وإنما تعني اقتباس نصّ حديث غريب قوله في مقدمته وهو يصف الكتابين: (فاتهما الكثير الوافر، فحيث عرفتُ ذلك، تنبَّهتُ لاعتبار غير هذين الكتابين من كتب الحديث المدوَّنة المصنَّفة، في أول الزمان وأوسطه وآخره،

стр. 67

فتتبَّعْتُها واستقريت ما حضرني منها، وأضفتُ ما عثرتُ عليه من الغرائب إلى ما في كتابيهما في حروفها مع نظائرها). (١) لقد لحظ ابنُ الأثير أنَّ ثمة مادةً من غريب الحديث قد فاتت هذين الكتابين؛ فاضطر للبحث عنها في غيرهذين الكتابين، يقول: (فتتبعتُها وأضفت ماعثرت عليه من الغرائب إلى ما في كتابيهما في حروفها مع نظائرها). (٢) فهو إذن يأخذ من كتابَيْ الهروي وأبي موسى أحاديث غريبة ويميزها بين الحرفين «هـ»، «س»، والذي ترجَّح لي والحديث للدكتور أحمد الخراط أنَّه لا يعني المادة العلمية، وإنَّما يعني نصوص غريب الحديث. مثال ذلك: ورد في «النهاية» في مادة «أبل» (٣) بعد الحرف «س»: وقيل: هو من الوبال، فإن كان من الأول فقد قُلبت همزته في الرواية الثانية واواً، وإن كان من الثاني فقد قُلبت واوه في الرواية الأولى همزة. وهذا كله ليس في كتاب أبي موسى. (٤) وأورد ابن الأثير في المادة نفسها (٥): («س» يعني أنَّ المَرْضِيَّ

стр. 68

المنتخب من الناس في عزَّة وجوده، كالنجيب من الإبل القوي على الأحمال والأسفار الذي لا يوجد في كثير من الإبل. قال الزهري: … ). وهذا كله ليس في كتاب أبي موسى (١)، وإنَّما في كتاب أبي موسى نصُّ الحديثين: «لا تبع الثمرة»، و «الناس كإبل مئة». ذكر كثيراً مما سبق أ. د. أحمد الخراط وقال: بناءً على هذا أرجِّح أن تكون علامتا (س، هـ) الواردتان في «النهاية» رمزَين لاقتباسه نصَّ حديث غريب من كتابَيْ الهروي وأبي موسى، ولا تدلان على اقتباس مادة علمية في شرح الحديث الغريب. (٢) ٥. عدم التنبيه على الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وهذا تبع لمن سبقه، وعليه عامة من كتب في الغريب؛ لأن القصد هو شرح المفردة الغريبة، أما بيان الصحة والضعف فلها كتب أخرى، ولو أراد أصحاب الفن تمييز ذلك، لطالت الكتب كثيراً، نظراً لكثرة الأحاديث.

стр. 69

٦. كثرة نقله عن الزمخشري دون عزو أو إحالة. (١) ٧. وله ﵀ أوهام يسيرة، لا يخلو منها كتاب بشري، فضلاً عن معجم كبير متعدد العلوم والمعارف، والوهم من طبيعة البشَر. (٢) * * *

стр. 70

* المبحث الخامس: الموازنة بين كتاب الفائق والنهاية، وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: نقاط الاتفاق بين الكتابين. بعد بيانٍ مُوجزٍ كاشفٍ لمنهج كلٍّ من «الفائق» و «النهاية»، تظهر معالم الاتفاق والاختلاف بينهما، من خلال مايلي: ١. كلاهما من كتب غريب الحديث المطوَّلة. ٢. اعتمدَا على مَنْ قبلهما. ٣. أضافَا جديداً من استدراك، أو تعقب، أو إضافات علمية. ٤. رتَّبا المواد على الحروف الهجائية. ٥. كثيراً ما يُغفلان عزو النقول إلى أصحابها. ٦. لم ينبِّهَا على الأحاديث الضعيفة والموضوعة. ٧. كلاهما اعتنى بالشواهد القرآنية، والحديثِية، والشعرية. ٨. منهجهما متقاربٌ في تفسير الكلمة، وذكر الاشتقاق، والتصريف، والضبط بالحروف، وغير ذلك. ٩. كلاهما أوَّلَا صِفاتِ الله .

стр. 71

المطلب الثاني: نقاط الاختلاف بين الكتابين. ١. الزمخشري معتزلي، وابن الأثير وافق الأشاعرة في باب الأسماء والصفات. ٢. الزمخشري حنفي، وابن الأثير شافعي، لكن لم يظهر هذا الاختلاف على كتابيهما، نظراً لندرة المسائل الفقهية. ٣. الزمخشري متقدم (ت ٥٣٨ هـ)، وابن الأثير متأخر عنه نِسْبياً (ت ٦٠٦ هـ). ٤. الزمخشري إمام لغوي، وابن الأثير مُحدِّثٌ، فظهر أثرُ ذلك على الكتابَين، فتميز كتاب الزمخشري عن عامة كتب الغريب بكثرة المسائل والتفريعات والفوائد اللغوية، وأما ابن الأثير فكان أغزر أحاديث؛ لرجوعه إلى دواوين السُّنة النبوية، خاصةً وأنَّ له اهتماماً بكتب الأصول، وله الكتابُ الكبير: «جامع الأصول». ٥. ابنُ الأثير أغزر مادةً لأنه جاء بعد الزمخشري فاستفاد مِنْ كتابه، ونقلَ منه، وصرَّح باسمه في مواضع تزيد على المئتين. ٦. عناية أهل العلم بكتاب «النهاية» أكثر من عنايتهم بكتاب «الفائق»، يظهر ذلك من خلال نقول العلماء، وطبعات الكتابين والخدمات حولهما، فطبعات «النهاية» أكثر، وكذا الأعمالُ على الكتاب أيضاً من: نَظمٍ، واختصارٍ، وتذييلٍ، وتخريج.

стр. 72

٧. الزمخشري لم يَكتب مقدمةً كاشفةً يُبَيِّنُ فيها: الباعثَ على التأليف، ومنهجَه، ومصادرَه؛ بخلاف ابنِ الأثير فذكرَ في مقدمتِه: فضلَ عِلْمِ الغريب، ومراحل التأليف، ووصف بعضَ أمهات المصادر، وذكرَ المصادر التي اعتمدَ عليها، وذكرَ الباعثَ على التأليف، والمنهجَ الذي سارَ عليه. ٨. الزمخشري لم يُشرْ إلى اعتمادِه على كتاب الخطابي وابن قتيبة، ويَقلُّ العزو إليهما أثناءَ نقله، بخلاف ابنِ الأثير فقد أشارَ في مقدمتِه، ورمز لكتابَي: (الهروي، والمديني) عند النقل. ٩. الزمخشري لم يُراعِ في ترتيب المواد الحرفَ الثالث، بخلاف ابن الأثير. ١٠. الزمخشري يورد الحديثَ كاملاً، ويُفسِّر جميعَ الغريبِ الوارد فيه تحت مادة واحدة، ولا يشير في سائر ألفاظ الحديث عند موضعِها من الكتاب، بخلاف ابن الأثير فإنه يُقطِّع الأحاديث ويذكر كلَّ لفظةٍ غريبةٍ في بابها. ١١. الزمخشري لايراعي الحروفَ الزوائد، بل يُجرِّدُ الكلمةَ من الزوائد، ويضعُها في موضعِها، بخلافِ ابن الأثير فإنه يُراعي ذلك كما سبق في المآخذ على «النهاية» رقم (٢).

стр. 73

١٢. ميل ابن الأثير إلى اليُسْر والسهولة في اختيار الألفاظ الدالة على المعاني، وقد يُغيِّر بعض العبارات الغريبة المطَّرَحة إلى عبارات مألوفَةٍ مأنوسَةٍ، ويظهر هذا أكثر ما يظهر فيما أخذه من الزمخشري. قاله أ. د. محمود الطناحي ﵀. المطلب الثالث: الترجيح بين الكتابين، ويليه نموذج من الكتابين. كتاب «النهاية» لابن الأثير أجمعُ للحديثِ والغريب، وأسهلُ ترتيباً، وأضبطُ في عَرض المتون؛ لاختصاصِه ورجوعِه للمصادِر، فهو قد فاقَ «الفائق» ووصلَ النهايةَ. ولايزيدُ «الفائق» عليه إلا بالمسائل اللغوية مِنْ: نحو، وصرف، وبلاغة. والحقيقةُ أنَّ الباحثَ القاصدَ كتبَ غريبِ الحديث النبوي، لايعنيه كثيراً هذه الميزة اللغوية الاستطرادية في الغالب، وإنما يعنيه شمولُ الكتابِ للغريبِ، وبيانُ جميعِ الأحاديث التي ورد فيها هذه اللفظة، مع بيانٍ واضحٍ يُزيلُ الغموضَ أو يرفعُ الالتباسَ؛ وأما المسائلُ اللغوية فلَهَا فَنٌّ خاصُّ بها، كما قيل في عدمِ اهتمامِ كُتب الغريب ببيان صحةِ الأحاديثِ من ضعفها؛ لأن لها مجالاً آخر، فيُقال هنا: الاستطراداتُ اللغوية لها مجالٌ آخر، ويبقى «النهاية» كافياً، وفائقاً، ونِهايَةً.

стр. 74

• نموذج واحد من الكتابين: في «الفائق» (٣/ ٢٨٧): (كهر): (كهر النبي ﷺ قال معاوية بن الحكم السلمي: صليت مع رسول الله ﷺ فعطس بعض القوم، فقلت: يرحمك الله. فرماني القوم بأبصارهم، وجعلوا يضربوا بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني، قلت: واثكل أمياه! مالكم تصمتونني! فلما قضى النبي ﷺ صلاته فبأبي هو وأمي، ما رأيتُ معلماً قبله ولا بعده كان أحسن تعليماً منه، ما ضربني ولا شتمني ولا كهرني قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هي للتسبيح والتكبير وقراءة القرآن. كهر الكهر والهر والقهر: أخوات. وفي قراءة عبد الله: «فأما اليتم فلا تكهر». يقال: كهرت الرجل: إذا زبرته واستقبلته بوجه عابس، وفلان ذو كهرورة. وأنشد أبو زيد لزيد الخيل: ولست بذى كهرورة غير أنني * إذا طلعت أولى المغيرة أعبس). وفي «النهاية» (٤/ ٢١٢): (كهر): (كَهر «هـ» في حديث معاوية بن الحكم السلمي: «فبأبي هو وأمي ما ضربني ولا شتمني ولا كهرني» الكهر: الانتهار، وقد كهره يكهره: إذا زبره واستقبله بوجه عبوس. وفي حديث المسعى: «أنهم كانوا لا يدعون عنه ولا يكهرون». هكذا يروى في كتب الغريب، وبعض طرق مسلم، والذي جاء في الأكثر: يكرهون، بتقديم الراء، من الإكراه).

стр. 75

* الخاتمة: وفيها أهم النتائج، والتوصيات. نتائج الدراسة: ١. عظم عناية أئمة الإسلام بسُنَّةِ خَيرِ الأنامِ نبيِّنا -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. ٢. أهمية العناية بعلم غريب الحديث النبوي، وأنه يتوقف عليه فهمُ الحديث. ٣. جهودٌ علماء الإسلام مباركةٌ طيبةٌ مُتنوعةٌ في التأليف في «علم غريب الحديث» ﵏، ويُلحظ فيها التحديث والابتكار، خاصةً المتأخرة منها. ٤. كذلك مما يظهر: جهودٌ طيبةٌ للمعاصرين في خدمة علم غريب الحديث. ٥. فضلُ الإمامَين الزمخشري وابن الأثير في تأليفهما كتابَين كبيرَين نافعَين في غريب الحديث -رحمهما الله- رحمةً واسعة، وجزاهما عن المسلمين خيراً. ٦. أن علماء الإسلام ﵏ يُكمِل بعضُهم بعضاً في مجال التأليف، فالمتأخرُ يبدأ من حيثُ انتهى المتقدِّمُ لا مِنْ حيثُ بدأ، يرافقُه شُكْرُ الأولِ والثناءُ عليه، مع التعقبات والتصحيحات والإضافات عديدة.
следующие страницы →