١٩. جاء في «مجلة لغة العرب العراقية» (٤/ ٢٨٧ ـ ٢٩٠). (١)
من زنجان (بلاد إيران) الشيخ م. ع. ز:
ذكرت مجلة المرشد في جزئها التاسع من هذه السنة: أن الخزينة الملكية في إيران تتضمن نسخة دعاء بخط علي (عم) ومكتوب في آخرها: (كتبه علي ابن (أبو طالب). . . إلخ بالواو على خلاف القاعدة المشهورة، فيعتري الباحث شك في نسبة الكتاب إلى الإمام.
ولكن هناك أمراً يزيل هذا الشك بعض الإزالة، وهو أن ابن فضل الله العُمري في كتاب ... «مسالك الأبصار» يذكر نسخة كتاب الرسول الذي كتبه لتميم الداري وإخوته في سنة تسع من الهجرة، بعد منصرفه من غزوة تبوك، في قطعة أدم من خف الأمير، وبخطه يقول في آخره ما هذا نصه بحرفه (راجع كتاب المسالك ١٧٤: ١): (شهد عتيق بن أبو قحافة، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وكتب علي بن بو طالب وشهد).
قال صاحب «المسالك»: و (أبو قحافة) ألف وباء وواو ــ ثم (قحافة) و (بو طالب) باء وواو ــ ثم (طالب). وليس في (بو) ألف. بين ذلك ليعرف. و (كتب) في ذكر علي ﵁ مقدمة، و (شهد) مؤخرة. بين ذلك أيضا ليعرف. ا. هـ
وأورد صاحب «صبح الأعشى» كلاماً في شأن هذا الكتاب في الجزء ١٣ ص ١١٨ إلى ١٢٢ من طبعة مصر، فهل ينطبق استعمال كلمة (أبو) بالواو في موضع (أبي) بالياء أم لا؟
стр. 45
وهل يجوز حذف الهمزة من (أبو) في بعض الأحيان؟
قلنا: كان بعض الأقدمين يعتبرون الكنية متمما للعلم، أو أن شئت فقل: كانوا يعتبرونها جزءاً من أصل الكلمة لا ينفك عنه، فهو في نظرهم كلمة واحدة لا غير، فيكون الجزءان جزءاً واحداً لا جزءين.
وهذا لأن المسمى بلفظ يشبه الكنية هو ليس بكنية على الحقيقة، بل علَم رجل.
ومنه في الحديث: (إلى المهاجر بن أبو أمية). لاشتهاره بالكنية أي باسم صورته صورة الكنية، لكنه ليس بها، إذ لم يكن له اسم آخر معروف ولهذا لم يجر.
وكذلك القول: علي بن أبو طالب. (راجع «تاج العروس» في نحو آخر مستدرك مادة أبو) و «النهاية» لابن الأثير.
وعليه يكون قولنا: علي بن أبو طالب أفصح من قولهم علي بن أبي طالب؛ لأنها الرواية القدمى والفصحى.
وهناك رأي آخر (١)، وهو: أن من العرب أناساً كانوا لا يعربون لفظ (أبو) (٢)،
فمنهم من
стр. 46
يبقيه بصورة الرفع أبداً. ومن ذلك رواية: (إلى المهاجر بن أبو أمية)، و (علي بن أبو طالب)، ومنهم من كان يبقيه على حالة النصب أبداً، ومنه القول المأثور عن أبي حنيفة: (ولو قتله بابا قبيس) بالنصب، وذلك على لغة من يُعرِب الأسماء الخمسة بالألف في الأصول الثلاثة، وأنشدوا على ذلك:
إن أباها وأبا أباها ... قد بلغا في المجد غايتاها.
وهي لغة الكوفيين، وأبو حنيفة من أهل الكوفة.
стр. 47
ومنهم من كان يعرب الأسماء الخمسة بالحركات لا بالحروف. فقد قالوا: هذا أبُك، بضم الباء.
قال الشاعر:
سوى أبِك الأدنى وأن محمداً ... علا كلَّ عالٍ يابن عم محمد. (١)
وعلى هذا تكون تثنيته أبان لا أبوان، وجمعه أبوان جمعاً سالماً.
وثَمَّ رأي ثالث: أن قولك (أبو طالب) هو على سبيل الحكاية. والأعلام والكُنى تُحكَى على ما تُروَى، أو على ما يُتَلفَّظ بها.
وعليه قول ابن الانباري في باب الحكاية (ص ١٥٤) من طبعة ليدن:
(هل يجوز الحكاية في غير الاسم العلم والكنية؟
قيل: اختلفت العرب في ذلك: فمِن العرب من يجيز الحكاية في المعارف كلها دون النكرات.
قال الشاعر:
سمعت الناسُ ينتجعون غيثاً ... فقلت لصيدح انتجعي بلالاً.
فقال: الناس، بالرفع، كأنه يسمع قائلاً يقول: الناس ينتجعون غيثاً، فحكى الاسم مرفوعاً، كما سُمِع.
ومن العرب من يجيز الحكاية في المعرفة والنكرة.
стр. 48
ومن ذلك قول بعضهم، وقد قيل له: (عندي تمرتان). فقال. (دعني من تمرتان).
وأما أهل الحجاز فيخصونها بالاسم العلم والكنية ... انتهى المقصود من إيراده.
فأنت ترى من هذا البسط أن قولهم: (علي بن أبو طالب) صحيح لا غبار عليه.
وربما كان أفصح من غيره.
أما حذف الهمزة من أول كلمة (أبو) فهو معروف أيضا عند بعضهم على لغة كانت لهم، ولا تزال على ألسنة بعضهم إلى عهدنا هذا. وهي: أنهم كانوا يتجنبون الهمز حيثما كان في صدر الكلمة أو قلبها أو عجزها .... إلى آخر جوابه.
٢٠. جاء في «علل الحديث» لابن أبي حاتم (ت ٣٢٧ هـ) ﵀ (١/ ٤٢٦) رقم ... (٢٢): قال ابن أبي حاتم الرازي: (فقلت لهما ــ أي لوالده: أبي حاتم، وأبي زرعة الرازيين ــ: مَن أبو هاشم هذا؟
قال أبي: هو إسماعيل بن كثير المكي، وليس هو: أبو هاشم الرماني ... )
علَّق محققو الكتاب (١) على لفظة (أبو) بقولهم:
стр. 49
[كذا في جميع النسخ، وهو من الأسماء الستة؛ فكان حقه أن يكون بالألف «أبا»؛ لأنه منصوب خبرا لـ «ليس»؛ لكن كتبه بالواو ــ على ما في النسخ ــ له وجوه من العربية:
الأول: أنه منصوب بالألف، لكنه كتب بالواو على حكاية أصل التكنية ــ الذي وضع عليه الاسم، وهو الرفع ــ وذلك فيمن اشتهر بكنيته ــ كما هنا ــ ومن هذا الباب: ما صح عنهم من كتابة: «علي بن أبو طالب»، و «معاوية بن أبو سفيان»، ونحوهما. ويشهد له قراءة: (تبت يدا أبو لهب وتب) [المسد: ١].
والثاني: أن نصبه بالألف أيضاً، وكتب بالواو على الحكاية، لكنها هنا حكاية الرفع في قول ابن أبي حاتم في سؤاله: «من أبو هاشم هذا»؟ ، وليست حكاية أصل التكنية الذي وضع عليه الاسم، كما في الوجه الأول.
وفي هذين الوجهين: يكون «أبو» بالواو لفظاً وخطاً، وإن كان في موضع نصب كما بينا.
والوجه الثالث: أنه منصوب بالألف؛ لكنه كتب بالواو على الأصل في لام كلمة «الأب» ــ وهو الواو ــ وهذا في الخط والكتابة لا في النطق واللفظ؛ فيكتب «أبو هاشم» هنا بالواو لكن ينطق بالألف، ونظيره: كتابتهم «الصلوة» و «الزكوة» و «الربو» ونحوها هكذا بالواو، ولا تنطق إلا بالألف.
وانظر: «الرسالة» للشافعي (ص ٨٩ ـ حاشية الشيخ أحمد شاكر رقم ٣)، و «تأويل مشكل القرآن» لابن قتيبة (ص ٢٥٦ ـ ٢٥٨)، و «الفائق» للزمخشري (١/ ١٤ ـ ١٥)، و «تفسير الكشاف»، و «اللباب» لابن عادل الحنبلي، و «روح المعاني» (سورة المسد)، و «فتح الباري» (٤/ ٢٩ - ٣٠)، و «مرقاة المفاتيح» (٥/ ٥٩٣)، (٧/ ٤١)، (٩/ ٥٥٨)، (١١/ ١٦٤ ـ ١٦٥)، و «تاريخ دمشق» (٦٢/ ٣٩٥ ـ ٣٩٦)، و «الوافي بالوفيات» (١/ ٣٩)، و «التراتيب الإدارية»
стр. 50
(١/ ١٤٨ ـ ١٥٥)، و «عقود الزبرجد» (٣/ ٢٥٣ ـ ٢٥٥)]. انتهى كلام محققي «العلل» لابن أبي حاتم.
٢١. أورد الشيخ: محمد حميد الله الحيدر آبادي الهندي (ت ١٤٢٤ هـ) ﵀ في كتابه ... «مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة» (ص ٣٤) بعض النصوص التي ذُكرت هنا، ثم قال: (وفوق ذلك كله أني لما كنت في المدينة المنورة في شهر محرم (سنة ١٣٥٨ هـ) وجدت في الكتابة القديمة التي في جنوبي جبل سَلْع في المدينة المنورة: «أنا علي بن أبو طالب». وقد تكون هذه الكتابة من خطِّ سيدنا علي ﵁. (١) فينتج من هذا أن في القرن الأول للهجرة قد استُعمل بعض الأعلام المركبة كأنها أعلام مفردة، وقال الناس مثلاً: «علي بن أبو طالب» في الأحوال الثلاث للإعراب، ونسيه الناس على مر الزمان، وصار النقلة المتأخرون يحسبونه من أغلاط الكاتب ويصححونه على القواعد الراهنة.
ولنذكر أيضا أمثال: «بلحارث»، و «بو سعيد»، و «بلعنبر» التي لا تتغير في مختلف الإعراب.
стр. 51
وهناك فوق هذا أمثلة زاد فيها الناس كلمات على النص الأصليِّ؛ لأغراضهم النفسانية وأطماعهم الفاسدة مما لا يخفى على الباحث في بعض الأحيان، وإن كان يصعب أحياناً أخرى معرفة الملحق من الملحق به).
٢٢. مِن أبو موسى إلى عُمر! !
أخرج: البلاذري (ت ٢٧٩ هـ) في: «أنساب الأشراف» (١٠/ ٣٢٠)، و «فتوح البلدان» (ص ٣٣٧)، قال:
حدثنا شيبان بن أبي شيبة الآجري (١)، قال: حدثنا أبو هلال الراسبي (٢)، قال: حدثنا يحيى بن أبي كثير (٣) أنَّ كاتباً لأبي موسى (٤) كتب إلى عمر بن الخطاب: «مِن أبو موسى». فكتب إليه
стр. 52
عمر ﵁: «إذا أتاك كتابي هذا، فاضرب كاتبك سوطاً، واعزله عن عملك».
وقال أيضاً في «أنساب الأشراف» (١٠/ ٣٢٠):
حدثنا العباس بن الوليد (١)، قال: حدثنا معتمر بن سليمان (٢)، قال أنبأنا عبد الملك بن خالد (٣)، عن مطر الوراق (٤) أنَّ أبا موسى (٥) كتب إلى عمر كتاباً فلحن فيه الكاتب حرفاً، فكتب
стр. 53
إليه عمر: أن اجلد كاتبك سوطاً، واتخذ كاتباً حنيفاً.
وقال أبو بكر محمد بن خلف بن حيان الضبي الملقب بوكيع (ت ٣٠٦ هـ) في «أخبار القضاة» (١/ ٢٨٦):
حدثنا أحمد بن عُمَر بن بكير (١)، قال: حدثنا أبي (٢)، عن الهيثم بن عدي (٣) عن (٤) جرير بن حازم (٥)، عن أبي عِمرَان الجَوني (٦): أن عُمَر كتب إلى أبي موسى: إن كاتبك الذي كتب إلي لحن، فاضربه سوطاً.
- ضعيف جداً، الهيثم كذاب، وأحمد ووالده لم أجد فيهما كلاماً لأئمة الحديث،
стр. 54
وهو مرسل.
قال أبو بكر الأنباري (ت ٣٢٨ هـ) في «إيضاح الوقف والابتداء» (١/ ٢٥) رقم (٢٨)
حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي (١) قال: حدثنا سليمان ـ يعني ابن حرب ـ (٢)، قال: حدثنا أبو هلال (٣) قال: حدثني رجل من باهلة (٤) أنَّ كاتب أبي موسى كتب إلى عمر فكتب: ... «مِن أبو موسى» فكتب إليه عمر: «إذا أتاك كتابي هذا فاجلده سوطًا، واعزله عن عملك».
- فيه جهالة الباهلي، والانقطاع بينه وبين أبي موسى الأشعري ﵁.
وقال وكيع أيضاً في «أخبار القضاة» (١/ ٢٨٦)، وابن الأعرابي في «معجمه» (٢/ ٨٥٤) رقم (١٧٦٦):
حدثنا العباس بن محمد الدُّورِي (٥)، قال: حدثنا أبو غسان (٦)، قال: حدثنا عبد السلام (٧)،
стр. 55
عَن شيخ من أهل البصرة، يقال له: أبو يزيد (١)، قال: كتب أبو موسى إلى عُمَر: من أبو موسى إلى عمر، فكتب إليه عمر: أن اجلد كاتبك سوطاً.
- فيه جهالة أبي يزيد البصري، والانقطاع بينه وبين أبي موسى الأشعري ﵁ ..
فالأثر مع إرساله، لا تخلو أسانيده من ضعف، وأحسنها الإسناد الأول.
لكن بمجموعها، وشواهدها المرسلة الأخرى عن عمر ﵁ وغيره الدالة على ذم اللحن وإنكاره (٢)، تدل على أن له أصلاً.
وموضوعه مما يتسامح في أسانيده والنظر فيها حديثياً، والذي يهمنا هنا: إنكار لفظ «مِن أبو موسى»، فلو ثبت هذا اللفظ، لكان قاطعاً في المسألة، خاصة وأن أبا موسى الأشعري مشتهر بكنيته، وقد غلبت على اسمه، والإنكار هنا على المكتوب لا الملفوظ، ومع الإنكار طلبَ عمر التأديب ثم العزل.
فالخلاصة أنه مما يستأنس به، ويزجر به أهل اللحن، خاصة مع توارد العلماء عليه، فمِن مَن نقل الأثر ــ بلفظه أو بمعناه ــ بلا إسناد:
الجاحظ (ت ٢٥٥ هـ) في «البيان والتبيين» (٢/ ٢١٦)، والصولي (ت ٣٣٥ هـ) في «أدب الكتَّاب» (ص ١٢٩)، أبوجعفر النحاس (ت ٣٣٨ هـ) في «عمدة الكتاب» (ص ٣٣٧) رقم ... (١١١٤)، وأبو الطيب عبدالواحد اللغوي (ت ٣٥١ هـ) في «مراتب النحويين» (٣) (ص ٦)،
стр. 56
وعنه: [السيوطي (ت ٩١١ هـ) في «المُزهِر» (٢/ ٣٩٧)]، وابن جني (ت ٣٩٢ هـ) في «الخصائص» (٢/ ١٠)، والبيهقي (ت ٤٥٨ هـ) في «شعب الإيمان» (٣/ ٢١٠) بعد حديث رقم (١٥٥٧)، والزمخشري (ت ٥٣٨ هـ) في «ربيع الأبرار» (٢/ ٢٦)، والشنتريني (ت ٥٥٠ هـ تقريباً) في «تنبيه الألباب على فضائل الإعراب» تحقيق د. الحموز (ص ٤٢)، وابن يعيش (ت ٦٤٣ هـ) في «شرح المفصل» (٢/ ٨٢)، وابن الأبَّار (ت ٦٥٨ هـ) في «إعتاب الكتَّاب» (ص ١٢٦)، وابن خلِّكان (ت ٦٨١ هـ) في «وفيات الأعيان» (٦/ ٣٥٧)، وابن منظور (ت ٧١١ هـ) في «لسان العرب» (٨/ ٣٠١)، والطوفي (ت ٧١٦ هـ) في «الصعقة الغضبية في الرد على منكري العربية» (ص ٣١٩)، وابن المبرِّد الحنبلي (ت ٩٠٩ هـ) في «محض الصواب في فضائل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب» (٢/ ٥٤٩).
وانظر: «التراتيب الإدارية» للكتَّاني (ت ١٣٨٢ هـ) (٢/ ٣١٥)، وعنه: [«مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة» لمحمد حميد الله آبادي الهندي (ت ١٤٢٤ هـ) (ص ٣٤)]، و «دراسة نقدية في المرويات الواردة في شخصية عمر بن الخطاب وسياسته الإدارية ﵁» لعبد السلام العيسى (٢/ ٨٧٤)، و «الأحاديث الواردة في فضل اللغة العربية وذم اللحن ـ رواية ودراية ـ» للشيخ د. أحمد الباتلي (ص ٢٣٠) رقم (١٠٠).
تعليق حسن:
قال الرافعي (ت ١٣٥٦ هـ) ﵀ في «تاريخ آداب العرب» (١/ ١٥٤) ــ ضمن حديثه عن اللحن ـ
( ... وقد تضافرت الروايات بأن كاتبَاً لأبي موسى الأشعري كتب إلى عمر ﵄ فلحن، فكتب إليه عمر: عزت عليك لما ضربت كاتبك سوطَاً ــ وفي رواية كتب إليه أن قنع كاتبك سوطَاً ــ ولكنهم لم يذكروا موضع اللحن في كتاب أبي موسى،
стр. 57
حتى وقفنا عليه، فإذا هو لحن قبيحٌ يشق على عمر، وغير عمر؛ لأن ذلك الكاتب جعل صدر كتابه هكذا: «من أبو موسى»!
وهذا على ما نظن أول لحن وقع في الكتابة، ثم شاع بعد ذلك حين نقلت الدواوين إلى العربية من الرومية والقبطية، وكان أكثر ما يكون ذلك من ألفاف كتاب الخراج والصيارفة.
وقد عثروا في بعض قرى مصر على رقاع مكتوبة، يرجع تاريخ أقدمها إلى (سنة ١٢٧ هـ)، ومنها رسائل موجزة إلى أصحاب البُرُد، كبريد أشمون وغيره، وهي على إيجازها قبيحة اللحن، ولكن منها رسائل مؤرخة في (سنة ١٨٢ هـ)، و (٢٥٠ هـ)، و (٢٧٩ هـ)، و (٢٩٥ هـ)، وقد كتب الأخيرتين «شمعون بن مينا، ونقله ابن اندونه»، ولحنها من أقبح اللحن، يكتبون فيها دنانير هكذا «دنَنِير» على أنها كلها تكتب بصيغة واحدة لا تتجاوز كلمات معدودة، مما يرجع أنها أمثلة موضوعة لهم ينقلونها في تلك الأغراض الثابتة، ولا يغيرون منها إلا الأسماء والأرقام، وذلك شأن حثالة العامة إلى اليوم ... ).
٢٣. أكثر ما ترد الأسماء والكنى في كتب التراجم، وكتب الأنساب، وللنسابين في كتبهم طريقة ذكرها العلامة: عبدالستار فراج، أنقله هنا، لفهم المسألة وما حولها:
قال الأستاذ: عبدالستار فرَّاج في مقدمة تحقيق ل «جمهرة النسب» لابن الكلبي ـ ط. وزارة الإعلام الكويتية ـ (١٤٠٣ هـ) (١/ ٣٦). (١)
(والمؤلِّفون لكتب الأنساب كانت لهم طريقتان:
стр. 58
فبعضهم يُعرب الأسماء حسب موقعها في الجملة، وبخاصة المنصوبة.
وبعضهم كان يُلزم آخرها حالة واحدة؛ لتبقى على صورتها الأصلية قبل خضوعها لتلك العوامل.
وعلى هذه الطريقة الأخيرة سار البلاذري في «أنساب الأشراف»، وهو يقول: «قال أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري (١): قد كتبتُ الأسماء في كتابي هذا على صُورَها، ولم أُعْرِبْها في النسب؛ لئلا يظن ظانٌّ أن بعض الألفات التي في الاسم المنصوب الجاري ثابتةٌ فيه، وأنها ليست بإعراب، وكذلك رأيتُ عِدَّةً من المشايخ فعلوه في النسب».
وكذلك فعل بعض الناسخين لهذا الكتاب، ومنهم ابن كوجك، إذْ يقول: «وتركتُ إعراب الأسماء كما ترَكَها، فلا يطعن عليَّ في إسقاط الألف الثابت في الأسماء ـ إذا أُعرب ـ طاعنٌ».
ويُقصد بالجاري المعرب المصروف المنَوَّن، كأن يقول: ولدَ محمدٌ علياً وحسناً وخالداً وزيداً وجابراً.
فهو يقول: ولدَ محمدٌ: علي وحسن وخالد وزيد وجابر.
أما النصوص التاريخية الأدبية فيجري عليها الإعراب.
وقد سار على هذا كثيرٌ من المؤلفين في الأنساب، فجاء المحققون وساقوها كما يأتي، تخلُّصاً من إلزام الإعراب الذي تركه بعض المؤلفين: وولدُ محمدٍ: علي وحسن وخالد وزيد وجابر.
والظاهر أنهم لم يطَّلعوا على نص البلاذري وناسخه). انتهى كلام عبدالستار.
стр. 59
٢٤. ينظر: «توجيه اللمع» لابن الخبَّاز (ت ٦٣٩ هـ) ــ اللمع لابن جني ـ (ص ٥٩١) ط. دار السلام. و «شرح اللمع» لعمر الزيدي (ت ٥٣٩ هـ) (ص ٦١٠)، و «الفوائد والقواعد» لعمر بن ثابت الثمانيني (ت ٤٤٢ هـ) (ص ٨٣٧ ـ ٨٤٢).
٢٥. ذكر العيني (ت ٨٥٥ هـ) في «المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفية» (١/ ٢٠٠) الرفع على الحكاية.
٢٦. قال الأديب الأريب أ. د. عبدالله بن سليم الرشيد ــ فيما كتبه إليَّ أحسن الله إليه ـ:
[هذه نصوص مقبوسة يمكن تأملها ووضعها في مواضعها الملائمة من البحث (١):
نقل الجاحظ أن العرب الفصحاء لا يفهمون (ذهبت إلى أبو زيد ورأيت أبي عمرو) ومتى وجد النحويون أعرابيًّا منهم يفهم هذا وأشباهه بهرجوه، ولم يسمعوا منه.
«البيان والتبيين» (١/ ١٦٢)
يمكن أن يضاف إلى البحث أن الكُنى ترد في الشعر والنثر عند الفصحاء المحتج بلغتهم، وعند العلماء معربةً بالحروف لا محكيّة، فمن ذلك قول ثروان العامري:
وعاد العبد مثل أبي قُبيس ... وسِيق مع المعلهجة العشارُ
«خزانة الأدب» (٧/ ١٩٥)
وقول جرير:
إذا مات الفرزدق فارجموه ... كما ترمون قبر أبي رغال.
«ديوانه»
стр. 60
وقول آخر:
كأبي براقش كلَّ لو ... نٍ لونُه يتحوّلُ
«المرصَّع» (٧٢) والبيت يرد كثيرًا في كتب اللغة والنحو.
ومن إعراب العلماء والأدباء لها بالحروف ما نجده عند أبي الفرج عند ذكره لأبي نُخيلة ... ـ واسمه كُنيته ـ فانظره في «الأغاني» ــ نشرة فراج ــ في عدة مواضع منها: (٢٠/ ٣٦٣، ٣٧٤، ٣٧٦).
وأبو الفرج نفسه يورد اسم أبي قبيس في كلامه معربًا بالحروف «بقاء أبي قبيس»، «وكان ينقش الحجارة بأبي قبيس». «الأغاني» (٥/ ٥٦)، (١٧/ ١٤٤)، وفي «خزانة الأدب» (٢/ ٦٨): «بصعودهم جبل أبي قبيس».
ولا شك أنه يُستأنس بكلام العلماء، وإن كان لا يُحتجّ بلغتهم لتأخر أزمانهم. (١)
стр. 61
ومما كتبته في بعض أوراقي القديمة عن المسألة:
راجع: «همع الهوامع» (١) (٣/ ١٥٤)، و «النحو الوافي» (٢) لعباس حسن (١/ ١١٤).
قال رجل للحسن البصري: يا أبو سعيد، فقال: أحسب أن الدوانيق شغلتك عن أن تقول: يا أبا سعيد. (٣)
«العقد» (٢/ ٤٨٠)]. انتهى ما كتبه د. عبدالله الرشيد.
стр. 62
٢٧. قال الأستاذ: عبَّاس حسن (ت ١٣٩٨ هـ) ﵀ في كتابه: «النحو الوافي» (١) ... (٣/ ١١٣ ـ ١١٥) في باب الأسماء الستة:
[زيادة وتفصيل:
أـ بالرغم من تلك اللغات التى وردت عن العرب، يجدر بنا أن نقتصر على اللغة الأولى التى هي أشهر تلك اللغات وأفصحها، وأن نهمل ما عداها (٢)؛ حرصًا على التيسير، ومنعًا للفوضى والاضطراب الناشئين من استخدام لغات وهجمات متعددة. وقد يقالك ما الفائدة من عرض تلك اللغات إذن؟
إن فائدتها هي لبعض الدارسين المتخصصين: وأشباههم؛ إذ تعينهم على فهم النصوص القديمة، المتضمنة تلك اللهجات التى لا تروق اليوم محاكاتها، ولا القياس عليها، ولا ترك الأشهر الأفصح من أجلها.
ب ـ جرى العرف على التسمية ببعض الأسماء الستة السالفة، مثل: أبوبكر، أبوالفضل، ذي النون، ذى يَزَن .... فإذا سمي باسم مضاف من تلك الأسماء الستة المستوفية للشروط جاز فى العلَم المنقول منها أحد أمرين:
أولهما: إعرابه بالحروف، كما كان يُعْرف أوّلا قبل نقله إلى العلمية. كما يصح إعرابه بغير الحروف من الأوجه الإعرابية الأخرى التى تجرى على تلك الأسماء بالشروط والقيود التى سبقت عند الكلام عليها، أى: أن كل ما يصح فى الأسماء الستة المستوفية للشروط قبل التسمية بها يصح إجراؤه عليها بعد التسمية.
стр. 63
ثانيهما: وهو الأنسب أن يلتزم العَلم صورة واحدة فى جميع الأساليب (١)، مهما اختلفت العوامل الإعرابية، وهذه الصورة هى التى سمى بها، واشتهر، فيقال ـ مثلا ـ كان أبوبكر رفيق الرسول ﵇ فى الهجرة ـ إنَّ أبو بكر من أعظم الصحابة رضوان الله عليهم، أثنى الرسول ﵇ على أبو بكر خير الثناء ... فكلمة: «أبو» ونظائرها من كل عَلم مضاف صدره من الأسماء الستة يلتزم حالة واحدة لا يتغير فيها آخره، ويكون معها معربًا بعلامة مقدرة، سواء أكانت العلامة حرْفًا أم حركة على حسب اللغات المختلفة السالفة (٢)].
٢٨. «يا أبو سعيد»، «لأبو فلان»، «يا أبو فلان» .
* ساق الأنباري (ت ٣٢٨ هـ) ﵀ في «إيضاح الوقف والابتداء» (١/ ٥٩) رقم ... (٨٩) بإسناده إلى يعلى بن حكيم قوله: دخل فَرْقَد على الحسَن [البصري] فقال: السلام عليك يا أبو سعيد.
فقال الحسن: مَن هذا؟ قالوا: هذا فرقد.
стр. 64
قال: ومن فرقد؟ قالوا: إنسان يكون بالسبخة. (١)
فقال: يا فُرَيقِد، ما تقول فيمن يأكل الخبيص؟ قال: لا أحبه، ولا أحب من يحبه، ولا أتولاه في الدنيا ولا في الآخرة.
فقال الحسن: أترونه مجنونًا؟
* وساق البيهقي (ت ٤٥٨ هـ) ﵀ في «شعب الإيمان» (٣/ ٢١٥) (١٥٦٣) بإسناده إلى حُريث بن السائب قال: شهدت الحسن فأتاه رجل، فقال: يا أبو سعيد.
قال: «كسب الدوانيق شغلك أن تقول: يا أبا سعيد». (٢)
* وأخرجه: الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣ هـ) ﵀ في «تلخيص المتشابه في الرسم» (١/ ٥٦٧) بإسناده إلى سنان بن أبي سنان ــ قاضي بلخ ـ: أن رجلاً قال للحسن: يا أبو سعيد، فقال: «ما على أحدكم أن يتعلم العربية، فيقرأ بها القرآن».
* ونُسِب للأصمعي كما في «الإبانة في اللغة العربية» لسلمة بن مسلم العوتبي الصُحَاري الأبَاضي (ت ق ٥ هـ) (١/ ١٨): (وروي أن رجلاً قال للأصمعي: يا أبو سعيد، فقال: يا لُكع، كسب الدوانيق شغلك أن تقول: يا أبا سعيد.
وروي أن رجلاً قال له: يا أبي سعيد، فقال له: لا أدركتني بالفتحة، لقتلتني بالكسرة.
стр. 65
وجاء رجل إلى صديق له، فوقف ببابه، ونادى: يا أبو فلان، فلم يُجبه، فقال: يا أبي فلان. فقال له: قل الثالثة وادخل. يريد قل: يا أبا فلان).
* وأخرج الخطيب البغدادي ـ أيضاً ـ في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٥٩٤)، ومن طريقه: [ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٤٣/ ٢٤٨)] بإسناده إلى أبي عُبيدة مَعمر بن المثني، قال: مرَّ أبو عَمرو بن العلاء بالبصرة، فإذا أعدالٌ مَطروحة مكتوب عليها: «لأبو فلان»، فقال أبو عمرو: يا ربِّ يَلحنون ويُرزقون! (١)
* وفي «معجم الأدباء» (١/ ٢٣) قرع رجل على الحسن البصري الباب وقال: يا أبو سعيد فلم يجبه، فقال: أبي سعيد، فقال الحسن: قل الثالثة وادخل.
* وفي «نهاية الأرب» للنويري (٤/ ١٣): جاء رجل الى الحسن البصري فقال: ما تقول في رجل مات فترك أبيه وأخيه؟
فقال الحسن: ترك أباه وأخاه. فقال: ما لأباه وأخاه. فقال الحسن: ما لأبيه وأخيه.
стр. 66
فقال الرجل: إني أراك كلما طاوعتك تخالفني!
* قال أبو داوود الطيالسي (ت ٢٠٤ هـ) ﵀ في «مسنده» (٣/ ٦٤٩) رقم (٢٣١٠): حدثنا شعبة، قال: أخبرني قيس بن مسلم، قال: سمعت طارق بن شهاب، قال: قدَّمَ مَروان الخطبة قبل الصلاة، فقام رجل فقال: خالفت السنة، كانت الخطبة بعد الصلاة، قال: تُرك ذاك يا أبو فلان ــ قال شعبة: وكان لحاناً ـ فقام أبو سعيد فقال: من هذا المتكلم؟ قد قضى ما عليه، قال لنا رسول الله ﷺ : «من رأى منكم منكراً فلينكره بيده، فمن لم يستطع فلينكره بلسانه، فمن لم يستطع فلينكره بقلبه، وذاك أضعف الإيمان».
الموضوع في خطبة العيد، وأنها بعد الصلاة.
والحديث في: «صحيح البخاري» رقم (٩٥٦)، و «صحيح مسلم» رقم (٧٨)، وليس فيهما الشاهد: (يا أبو فلان)
وجاء في «مسند أحمد» (١٨/ ٤٢، ٧٨، ٣٧٨) رقم (١١٤٦٠، و ١١٥١٤، و ١١٨٧٦): يا أبا فلان.
стр. 67
٢٩. اطلَّع الأستاذ البحَّاثة الموفَّق: فيصل بن علي المنصور (١) ـ حفظه الله ونفع به ـ على هذه الأوراق في نسختها الأولى (٩ صفحات) قبل الزيادات، فأجاب بقوله:
(هنا مسألتان:
الأولى: هل ثبت عن العرب قديماً إلزام (أبو) الواو؟
الذي أكاد أقطع به أنه لم يثبت، لما ذكرتُ، ولعلل أخرى تحتاج إلى بسط.
الثانية: هل لنا أن نلزم العلم في زماننا الواو إذا كان لا يعرف إلا بها مثل (أبو ظبي)؟
أجدني أميل إلى تصحيح ذلك؛ لأنه صار جزءاً من العلَمية، وتغييره قد يخلُّ بذلك.
ومثله قولك: «أرسطو» و «خوفو» بالواو، وإن لم يكن في العربية اسم مُعْرَبٌ آخره واو قبلها ضمة؛ وذلك حفاظاً على صورة العلم من التغيير.
وقد يشهد لهذا لزوم الواو في نحو «سورة المؤمنون»؛ للعلة نفسها.
فهاتان مسألتان ينبغي أن نفرق بينهما). انتهى
ثم كتب ـ أحسن الله إليه ورفع قدره ـ بعد اطلاعه على البحث كاملاً ـ:
(وهنا مسألة مهمة أراك بنيتَ عليها، وهي مسألة الحكاية. ولعلك تراجعها، فالحكاية إنما تكون في الاستفهام فقط دون الإخبار، (٢) فلا يصح أن يحمَل عليها نحو «علي بن أبو طالب».
стр. 68
ومن الحجج التي تؤيد قول الفراء وغيره أن الكنى في كلام العرب فاشية جدًّا، فلو كانوا يلزمون «أبو طالب» الواو لكانت هذه لغة قريش على الأقلّ، ولو كانت لغة قريش لوجدناهم يعملون في «أبو لهب» العمل نفسه، ولو كان ذلك كذلك لانبغى:
١. أن يقرأ بها عدد من القراء على الأقلّ لأن القرآن نزل على لسانهم في الغالب، وهذا علم، وحقّ الأعلام أن تُحفظ ولا تغيّر.
٢. أن تكون هذه لغة النبي ﷺ . ولو كانت كذلك لذاعت ولكثرت شواهدها في كلامهم، ولعرفها متقدمو النحاة وأثبتوها ونصَّوا عليها. وهذا لم يثبت، فدلَّ ذلك على أن القول ما قال الفراء، وهو عالم ثقة ضابط عارف برسم المصاحف وهو أقدم أو من أقدم من عرض لهذه المسألة من النحاة.
وقوله مُقدَّم على ابن قتيبة، فابن قتيبة متأخر عنه، وليس علمه في وزن علم الفراء ولا قريبًا منه.
هذا مع أن كلام ابن قتيبة لا يقطع بخلاف قول الفراء لو تأملته، فمن الممكن أنه يحتج بذلك لسبب رسمه بالواو، ولذا قال: «يكتبون» ولم يقل: «ينطقون»، فليُتأمل.
وأما غير هذين فهم غالبًا متأخرون، فلا يعاج (١) كثيرًا بدعاواهم وقد خالفت الأدلة والمعهود من كلام العرب ونصوص النحاة المتقدمين).
стр. 69
في الختام:
الذي ظهر لي من خلال النقول السابقة، أن العلماء اختلفوا في الصورة المذكورة التالية:
علي بن أبو طالب، معاوية بن أبو سفيان ﵃ ونحو ذلك:
القول الأول: تأتي «أبو» في موضع نصب أو جر، على الحكاية.
قال به: الكوفيون ـ فيما فهمته من كلام النحَّاس ـ، وابنُ قتيبة (ت ٢٧٦ هـ)، والخطَّابي، والحاكم، وابن بري، وابن الأثير في موضع، وابن هشام في موضع، والعيني، وخالد الأزهري، وابن حجر، والصالحي، وعباس حسن في «النحو الوافي».
وهو لغة أهل الحجاز، لما نقله سيبويه، وأبو حيان ـ كما سبق ـ: حكاية العلم اسماً وكنيةً ولقباً في لغة الحجاز.
وأما قراءة: «تبت يدا أبو لهب»، وما ورد في الشهادة على الإقطاع لتميم، فلا يثبت.
وما في الصحيحين ليس باتفاق الرواة، فقد ورد بالرفع، وورد بحسب موقعها الإعرابي.
والنصوص التي وردت فيها (أبو) في المراجع المحال إليها في الحاشية أول البحث، تُحمَل عند المانعين على: اللحن، أو الكتابة دون النطق.
القول الثاني: إذا وردت «أبو» في موضع نصب أو جر، فهي كتابةً لا نطقاً.
قال به: الفرَّاء (ت ٢٠٧ هـ)، وابن خروف في «شرح سيبويه»، وعلي بن سليمان الأخفش، والزجاج (ت ٣٣٨ هـ)، وأبو بكر بن أبي طلحة في «شرح الجمل»، وابن جرير، وابن مالك ... ــ وذكر أنه المختار عند المحققين ــ، وابن الأثير في «البديع»، وابن هشام ـ وهو ترجيحه ـ، والصفدي.
وهذا ما يرجحه الأستاذان الفاضلان: د. عبدالله بن سليم الرشيد، وفيصل بن علي المنصور
стр. 70
ـ وفقهما الله ـ.
القول الثالث: لا ترد مطلقاً، لا كتابة ولا نطقاً.
وهو ما يدل عليه أثر عمر بن الخطاب ﵁ ـ عند من يرى ثبوته بمجموع طُرقه ـ، وابن كثير، وبعض التخريجات التي ذكرها ابن هشام في «تذكرته»، وقول الرافعي.
وهذا القول ضعيف، يردُّه وجود النصوص الكثيرة، كما سلف في أول البحث.
القول الرابع: يمكن أن يقال به: تلزم «أبو» في جميع الأحوال، على لغة قريش.
لما حكاه أبو زيد في «نوادره» عن الأصمعي، عن يحيى بن عمر: (أنَّ قريشاً كانت لا تغير الأب في الكنية، تجعله مرفوعاً في كل وجه، من الرفع والجر والنصب).
وهذا النص ذكره الملا علي قارئ الهروي (ت ١٠١٤ هـ) في «شرح الشفا» ـ كما سبق ـ ولم أجده في مصدر متقدم.
وانظر لغة أهل الحجاز في الحكاية فيما سبق في كلام سيبويه، وأبي حيان.
وقفة تأمُّل: في الحقيقة لم أجد نصاً صريحاً صحيحاً يحتجُّ به على مجئ (أبو) في موضع نصب أو جر على الحكاية، وإذا وجد في النصوص القديمة، فالتخريج على ما قاله علماء النحو: وردت كتابة لا نطقاً.
تساؤل: لماذا تُكتب بالواو، وتنطق حسب موقعها الإعرابي ؟
لم أجد جواباً صريحاً في هذا، إلا إن كانت مثل: الصلوة، الزكوة، الحيوة، ونحوها، وفيها تعليلات كثيرة. (١)
أو أنهم أبقوها على الأصل، قالوا: قام أبوك أصله «أبَوُكَ» فأتبعت حركة الباء لحركة الواو
стр. 71
فقيل: «أبُوُك» ثم استثقلت الضمة على الواو، فحذفت.
وإذا قلتَ: رأيت أباك، فأصله: «أبَوَك» تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقُلِبَت ألفَاً.
وإذا قلتَ: مررت بأبيك، فأصله: «بِأَبَوِكَ» ثم أتبعت حركة الباء لحركة الواو، فصار ... «بأبِوِكَ» فاستثقلت الكسرة على الواو فحذفت فسكنت، وقبلها كسرة فانقلبت ياء. (١)
ويمكن أن يقال: بأن هذا أحد الاختلافات التنوعية الكثيرة في الرسم، وربما كتبوها بالواو خشية الالتباس بينها وبين «ابن»، فإن الكتابات القديمة المنقوطة وغيرها قد يحصل عند تجاور كلمتين متشابهتين في الرسم لبسٌ وتصحيف فتأمل: «علي بن ابى طالب» (بن ابى) من دون نقط، وربما كتب (ابن ابى)، فدفعاً لهذا كتبوها بالواو، والقارئ ينطقها حسب موقعها الإعرابي. (٢)
والحقيقة أن الأمثلة المشار إليها في حاشية (ص ٦) تعتبر قليلة بالنسبة لضخامة التراث، خاصة كتب التراجم، هذا إن ثبتت الأمثلة كلها، فربما نجد بعد الرجوع إلى مخطوطات ذلك الكتاب مجيئها منصوبة أو مجرورة، فلا تعتبر دليلاً.
ويظهر ـ والله أعلم ـ أن أصحاب القول الثاني أقوى من غيرهم، وأنهم أئمة النحو واللغة.
والذي يبقى مشكلاً وجود الأسر، والقبائل، والبلدان التي تبتدئ ب (أبو) كما سبق ذكر الأمثلة، فلو أعربت لوقع إشكال، فماذا يقال في مثل هذا:
стр. 72
كتاب «معجم المناهي اللفظية» لمعالي الشيخ د. بكر بن عبدالله أبو زيد ﵀
«أبو زيد» اسم أسرة كبيرة، فإذا قلنا: أبي زيد، ظُنَّ أنها كنية الشيخ بكر، والشيخ كنيته: أبو عبدالله.
ما رجحته هنا هو بالنظر إلى القلة والكثرة، وقوة أصحاب القول وإمامتهم، وأنه منسوب للمحققين من أهل اللغة ـ كما في عبارة ابن مالك ـ، أما النظر والاستدلال، فأدعه لأهل الاختصاص اللغوي.
المسألة في نظري تحتاج إلى مجمَعٍ من المختصين، وبحثٍ واسع للوقوف على نصوص من عصر الاحتجاج، مع التأكد من أن النص الوارد بالرفع كتابةً وقراءة.
هذا ما لدي، والعلم عند الله تعالى، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتبه:
إبراهيم بن عبدالله بن عبدالرحمن المديهش.
مدينة الرياض
(٢١/ ١١/ ١٤٣٧ هـ)
ثم نشر ثانية بإضافات وتصحيحات (٢/ ١٢/ ١٤٣٧ هـ)
والنشرة الثالثة للمكتبة الشاملة ــ بإضافة المستدرك التالي ــ (١٣/ ٣/ ١٤٤٠ هـ)
* * *
стр. 73
المستدرك
١. أفاد الأستاذ: فيصل المنصور ـ وفقه الله ـ في حسابه في «تويتر» [٢١/ ٢/ ١٤٣٨ هـ] بما يلي: (قال ابن الدهَّان: «كتبوا: «علي بن أبو طالب» بالواو، وهم يتكلمون بها بالياء؛ لأنه لم يكن يوم حرَّروا الخطَّ ... ).
قلت: لم أجده في «أبنية سيبويه» للدهان، ويراجع كتاب: الفصول في العربية له أيضاً حققه فائز فارس ط. مؤسسة الرسالة، وقصيدة في الألغاز النحوية مطبوعة ضمن كتاب الفريدة في شرح القصيدة لابن الخباز ـ تحقيق د. عبدالرحمن العثيمين ـ.
٢. قال أحمد بن عبدالوهاب النويري (ت ٧٣٣ هـ) في كتابه «نهاية الأرب في فنون الأدب» (١٨/ ١٠٥ ـ ١٠٧): ( ... وشاهدتُ أنا عند ورثة الصاحب الوزير فخر الدين أبى حفص عمر، ابن القاضى المرحوم الرئيس مجد الدين عبد العزيز المعروف بابن الخليلى التميمىّ ﵀، كتابا يتوارثونه كابرا عن كابر، يقولون: هو كتاب رسول الله ﷺ الذى كتبه لتميم الداريِّ وإخوته، وهو فى قطعة من أدم مربّعة دون الشّبر قد غلّفت بالأطلس الأبيض، يزعمون أن ذلك من خفٍّ كان لأمير المؤمنين عليِّ بن أبي طالب ﵁، وقد بقى بهذه القطعة الأدم آثار أحرف خافية، لا تكاد تبين إلا بعد إمعان التأمّل، وتحقيق النظر، وعلى هذه القطعة الأدم من الجلالة ولها من الموقع فى النفوس والمهابة ما يقوّى أنها صادرة عن المحل المنيف، وقرين هذه القطعة الأدم قرطاس أبيض قديم، يزعمون أن أسلافهم نقلوا ما فيه من الكتابة من كتاب رسول الله ﷺ ، قبل أن تزول حروفه. وفيه تسعة أسطر بما فى ذلك من البسملة، وقد رأينا أن نضع ذلك فى هذا الكتاب على هيئته فى العدد، وإن لم يوافق الخط، وهو:
стр. 74
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
هذا ما انطا محمد رسول الله لتميم الدارى واخوته حبرون والمرطوم وبيت عينون وبيت ابراهيم وما فيهن نطيه بت بذمتهم ونفذت وسلمت ذلك لهم ولأعقابهم فمن اذاهم اذاه الله فمن اذاهم لعنه الله شهد عتيق ابن ابو قحافة وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وكتب على بن ابو طالب وشهد.
هكذا شاهدتُ تلك الورقة التى هي قرين الكتاب، والكتاب بأيديهم إلى وقتنا هذا؛ وهو العشر الآخر من ذى القعدة سنة ستّ عشرة وسبعمئة.
وهذه الضّياع الأربعة المذكورة بأيديهم إلى وقتنا هذا، لا ينازعون فيها.
وكان الصاحب الوزير فخر الدين عمر بن الخليلي ﵀، إذا نابته نائبة، أو صودر أو أوذى بوجه من وجوه الأذى، توسَّل إلى الله تعالى بكتاب نبيه ﷺ (١)، وأظهره للملوك، فكفوا عن طلبه، وأفرجوا عنه). انتهى النقل من «نهاية الأرب». (١٠/ ١٤٣٨ هـ)
٣. في «الأجوبة النافعة عن المسائل الواقعة» ـ رسائل شخصية علمية من الشيخ عبدالرحمن بن سعدي إلى تلميذه: الشيخ: عبدالله بن عقيل ـ رحمهما الله ـ (ص ٤٤) ضمن رسالة مؤرخة في ١٥/ شوال / ١٣٥٨ هـ قال الشيخ ابن سعدي لتلميذه ابن عقيل ـ وكان قاضياً في بلدة «أبو عريش» في منطقة جازان، في جنوب المملكة العربية السعودية: (تسأل عن «أبو عريش»: هل الأوفق موافقة الناس على استعماله بالواو بالأحوال الثلاثة، أم إجراؤه مجرى الأسماء الخمسة بحسب أحوال الإعراب؟
стр. 75
فالذي أرى: الأول؛ موافقته للغة الناس، وله وجه في العربية، أن يكون ذلك على وجه الحكاية، فيُحكى كما يُلفظ به).
علق المحقق الأجوبة: هيثم بن جواد الحداد على هذا الرأي مرجحاً ما اختاره ابن سعدي، وأحال إلى شروح الألفية، و: «الأحكام النحوية للأعلام في العربية» د. محمد بن أحمد العمروسي، ط. في مطبعة الأمانة، ط. الأولى ١٤٠٩ هـ. (كتبتُ هذا التعليق في ١٢/ ١١/ ١٤٣٨ هـ).
٤. يراجع كتاب: «الأحكام النحوية للأعلام في العربية» د. محمد بن أحمد العمروسي، ط. في مطبعة الأمانة، ط. الأولى ١٤٠٩ هـ. الذي أحال إليه: الشيخ: هيثم حداد كما في التعليق السابق ....
٥. رقم (٩) من النقول، وهو عن ابن الأثير في «النهاية»، يضاف في الحاشية أن العلامة اللغوي أبا تراب الظاهري نقله في «شواهد القرآن» (٢/ ٧٠ و ٧١) ولم يُعلِّق عليه.
٦. في النقل رقم (٤) وهو من «البداية والنهاية» أشار في آخر كلامه إلى «الحاوي» للماوردي، يُحال عند ذكر الحاوي إلى (١٤/ ٣١٠). لكنه لم يشر إلى المسألة وإنما أشار إلى كتاب اليهود.
٧. يراجع «شرح التحفة الوردية» لابن الوردي (ص ١٢٩).
٨. رقم (٨) من النقول، وهو من «غريب الحديث» للخطابي، أحلت في إسناده إليه وإلى «تاريخ دمشق»، و «الوثائق السياسية»، وكان يجب تخريج الكتاب في الحاشية، وهو:
أخرجه: الخطابي في «غريب الحديث» (١/ ١٤٩)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» ... (٦٢/ ٣٩٢) من طريق أبي حاتم الرازي، عن محمد بن حُجْر بن عبدالجبار بن وائل بن حُجْر