قال ابن منظور: ... كلمة تقال عند تعظيم الإنسان، وعند التعجب من الشيء، وعند المدح والرضا بالشيء، وتكرر للمبالغة.
- قال ابن إدريس في شعبة: "قبان الحديث"
القبان: أي القسطاس والأمين كما في القاموس وفي اللسان ٣/ ٣٢٩ الذي يوزن به (١).
- الفرق بين "ليس به بأس" و"لا بأس به"
قال الصنعاني: فإنه قيل: إنه ينبغي أن يكون"لا بأس به"أبلغ من ليس به بأس؛ لعراقة (لا) في النفي.
أجيب: بأن في العبارة الأخرى قوة، من حيث وقوع النكرة في سياق النفي، فساوت الأولى في الجملة. (٢) ا. هـ
* وفي باب التشبيه:
قال مكي بن إبراهيم: سئل شعبة عن ابن عون فقال: سمن وعسل. قيل: فما تقول في هشام بن حسان؟ فقال: خَلّ وزيت. قيل: فما تقول في أبي بكر الهذلي؟ قال: دعني لا أقيء به (٣).
- ومنه قولهم: فلان مُوْدٍ: أي هالك، وتأتي مشددة مهموزة، مُؤدٍّ: فتعني أنه يؤدي ما سمع (٤).
- ومنه قول يحيى بن سعيد القطان: (ما رأيت الصالحين في شيء،
стр. 72
أكذب منهم في الحديث) أي: لكثرة وهمهم، وفحش أخطائهم، وذلك لاشتغالهم بالعبادة، وعدم تعاهدهم للحديث، مما يؤدي إلى كثرة اضطرابهم (١).
قال ابن حبان: وأهل الحجاز يسمون الخطأ كذباً (٢).
وقد استخدم المحدثون في النقد، عدة أمثالٍ مشهورةٍ في لغة العرب، من ذلك:
١) أحد الأحدين.
مجمع الأمثال للميداني ١/ ٢٨٢، الجرح لابن أبي حاتم ١/ ٢٣.
٢) أجرأ من خاصي الأسد.
الميداني ١/ ١٨٢، تذكرة الحفاظ ٣/ ٩٩٤، السير ١٦/ ٤٥٣.
٣) أخسر من حمالة الحطب.
الميداني ١/ ٢٥٦، تهذيب التهذيب ١٠/ ٤٤٥، الجرح ٨/ ٤٧٩.
٤) حاطب ليل.
الميداني ٢/ ٢٦١، لسان الميزان ٥/ ٣٧٦.
٥) حديث خرافة.
الميداني ١/ ١٩٥، ميزان الاعتدال ١/ ٦٠، ٣٣٢.
стр. 73
٦) حية الوادي
ثمار القلوب للثعالبي ص ٤٢٢، تاريخ بغداد ١١/ ٤٦٣.
٧) عصا موسى تلقف ما يأفكون.
ثمار القلوب، سير أعلام النبلاء ١٤/ ٢٢" (١).
٨) قولهم: (على يدي عدل) ظاهرها التعديل، لكن بالرجوع إلى المثل المعروف عندهم، يُعلم أنها من عبارات التجريح.
قال أبو بكر الأنباري: قال هشام بن محمد بن السائب الكلبي: العدْل هو: العدْل بن سعد العشيرة، وكان على شُرَط تُبَّع، وكان تُبَّع إذا أراد قتل رجل، دفعه إليه، فجرى المثل به في ذلك الدهر، فصار الناس يقولون لكل شيء ييأسون منه: هو على يَدَي عدل ا. هـ (٢)
٩) (فلان باقعة) أي حذر محتال حاذق.
الزاهر للأنباري ٢/ ٩٤.
стр. 74
القرينة السادسة: أن يعلم مراد الإمام الناقد بطريق معرفة عادة الأئمة وعرفهم .
- قال ابن حجر: "من عادته - أي ابن عدي - أنه يخرج الأحاديث التي أنكرت على الثقة أو على غير الثقة" (١).
قال التهانوي: فلا يُغتر بقول ابن عدي عن الحديث: إنه من مناكير فلان، فيُضعف هذا الرجل، بمجرد هذا القول، لأن القصد كون الرجل قد تفرد بهذا الحديث فحسب ا. هـ (٢) بمعناه.
- قال يحيى بن معين: "إذا حدثت في بلد فيها أبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر الغساني، فحق لحيتي أن تحلق" (٣).
فهذا يدل على علو شأن أبي مسهر، لأن عادة الأئمة، أن أحدهم لا يحدث في مجلس مَن هو أعلى منه قدراً، وأجل شأناً، وهذا من تكريم العلم والعلماء (٤).
* ومن الألفاظ ما يفهم دلالتها من عرفهم:
قولهم: (فلان كخبز الشعير) تهذيب التهذيب ٩/ ٤٤٣.
стр. 75
فهذا يدل على أن الراوي ليس من الدرجة العالية، وليس بالمتروك (١).
ومن ذلك قولهم: (هو الديباج الخسرواني) تاريخ بغداد ٩/ ١٠، ٦/ ٣٤٢.
فهذا مدح رفيع (٢).
" ومن عادة المحدثين، أنهم يذكرون في أوائل كل جزء، اسم الشيخ الذي سمع هذا الجزء، أو عرض عليه، ويذكر النسب والكنية ...
ثم يذكر السند إلى رسول الله ﷺ ، أو لكتاب مؤلف ...
فكان الإمام أحمد ﵀ لا يكتب شيئاً من هذا؛ لأنه كان يحفظ هذه المعلومات، كما قاله أبو زرعة، وقال: أنا لا أقدر على هذا.
فهذه عادة المؤلفين، فلا يمكن أن نفهم مراد أبي زرعة على الوجه الذي أراد، إلا بمعرفة هذه الطريقة التي سلكوها.
انظر سير أعلام النبلاء ١١/ ١١٨ (٣).
стр. 76
القرينة السابعة: أن يعلم مراد الإمام بجمع كلام الأئمة في الراوي
ذكر المعلمي ﵀ من الأمور التي ينبغي مراعاتها عند البحث عن أحوال الرواة:
البحث عن رأي كل إمام من أئمة الجرح والتعديل، واصطلاحه، مستعيناً على ذلك بتتبع كلامه في الرواة، واختلاف الرواية عنه في بعضهم، مع مقارنة كلامه بكلام غيره (١).
"لأن هناك ألفاظاً تحتمل الحديث والفقه والعبادة وغير ذلك، فجمع كلام الأئمة في ترجمة الراوي؛ يظهر غالباً مراد المتكلم بتلك اللفظة، المحتملة تزكية الراوي في دينه فقط، أو في زهده، أو فقهه، أو في أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، ومن أمثلة تلك الألفاظ: ركن الإسلام، ما قدم علينا مثله، أتعب الإبل، إمام منظور إليه، بعيد الشبيه، معدوم النظير، شيخ وقته، فلان الرضى، كان عجباً، ساد الأقران، صدر من الصدور ... الخ" (٢).
ومثله ألفاظ تدل على الحفظ والضبط، دون تعرض للعدالة: كان أحد أبويه جني (كناية عن الحفظ)، حافظ كبير، كان متقناً عجباً، باقعة في الحفظ ... الخ (٣).
стр. 77
وكذا ألفاظ تدل على الاجتهاد في الطلب أو سعة العلم أو الفقه أو الأدب ... (١).
- ولأن الأئمة ﵏ يعتبرون نقدهم بنقد الأئمة الآخرين، فإذا ما جمعنا كلام الأئمة، ظهر دلالة الكلمة المراد تحديد معناها، فقوى بعضها بعضاً، وفسر بعضه بعضاً" (٢).
انظر: استعمال الموازنة عند ابن أبي حاتم في الجرح ٨/ ٣٣٩ (٣).
وكذلك الإمام ابن المديني، كان يعتبر بنقد بعض النقاد من شيوخه، فيوافقهم في نقدهم للرجال، إما بذكر أقوالهم فيه، من تعديل أو تجريح, وإما بموافقتهم في حكمهم، من غير أن يصرح بأقوالهم، وإما أن لا يذكر أقوالهم، وإنما يستقرئها، ثم يستخلص من هذه الأقوال حكماً مختصراً ...
الإمام ابن المديني ومنهجه في نقد الرجال ص ٥٠٦
стр. 78
القرينة الثامنة: أن يعلم مراد الإمام بسبر أحاديث الراوي
فإذا ما جُمعت مرويات ذلك الراوي - خاصة الرواة المقلين من الرواية - ثم دُرس كل حديث على حِدَة، ظهر للباحث مراد الإمام ﵀ بعبارته النقدية، وربما تكون هذه القرينة في الوقت المعاصر من أضعف القرائن.
* * *
стр. 79
الخاتمة
ظهر من هذا الجمع في الفصلين السابقين والتمهيد لهما:
١) التأكيد على عظم مكانة الأئمة ﵏.
٢) دقة نظرهم في هذا العلم، وأن أحداً من المتأخرين يبلغُ شأوهم في هذا العلم المتين.
٣) تعدد المصطلحات في الجرح والتعديل، خاصة المصطلحات الخاصة بأحد الأئمة، مع تنوع الإطلاقات للكلمة الواحدة، كإطلاقات الحسن، المنكر، وغيرهما، مما يوجب التريث في الفهم، وعدم مجاوزة كلام الأئمة أصحاب الشأن - رحم الله الجميع -.
٤) الدراسات الجامعية، قدمت رسائل في مناهج الأئمة في كتبهم، أو نقدهم للرجال، حصل لمؤلفي هذه الرسائل، تتبع واستقراء لمصطلحات الأئمة وإطلاقاتهم، يحسن الوقوف عليها، وحبذا لو جمعت في رسالة مستقلة.
٥) ظهر لي أثناء البحث والجمع، رسوخ العلامة المعلمي في نقد الرجال، مع بروز منهجه الاستقرائي فهو بحق ذهبي العصر ﵀ رحمة واسعة -.
٦) خلاصة القرائن الموصلة إلى فهم مراد الأئمة في عبارات الجرح والتعديل:
١) أن ينص الإمام على بيان مراده.
стр. 80
٢) أن ينص تلاميذه أو من بعدهم من الأئمة.
٣) أن يعلم بالاستقراء والتتبع لعبارة الإمام.
٤) أن يعلم بمعرفة السياق والحال.
٥) أن يعلم بطريق الرجوع إلى كتب اللغة والأمثال.
٦) أن يعلم بطريق معرفة عادة الأئمة وعرفهم.
٧) أن يعلم مراد الإمام بمجمع كلام الأئمة في الراوي.
٨) أن يعلم بسبر أحاديث الراوي.
هذا ما توصلت إليه جمعاً وترتيباً.
ولقد ضاق الوقت علي كثيراً أثناء صياغة هذا الجمع ...
وللصياغة والترتيب والتضمين، فَنٌّ يحتاج إلى طول تأمل، وصفاء ذهن ......
وقد تخلفا عني، فتخلف حُسن الإخراج.
والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتبه ...
إبراهيم بن عبدالله بن عبدالرحمن المديهش
الرياض
١٦/ ١٠/ ١٤٢٦ هـ
الجمعة