← Тараджим

Тараджим · id 14542

صور من حياة الصحابيات

عبد الرحمن رأفت الباشا

Полный текст (115 стр.). Показаны 106–115 · переход к 111.

стр. 106

ففرِّق بيني وبين زوجي وبين ابني في ساعةٍ. ومنذ ذلك اليوم جعلت أخرج كلَّ غادة إلى الأبطح، فأجلس في المكان الذي شهد مأساتي، وأستعيد صورة اللَّحظات التي حيل فيها بيني وبين وولدي وزوجي، وأظلُّ أبكي حتَّى يخيِّم عليَّ اللَّيل. وبقيت على ذلك سنةً أو قريبًا من سنةٍ إلى أن مرَّ بي رجلٌ من بني عمي فرقَّ لحالي ورحمني وقال لبني قومي: ألآ تطلقون هذه المسكينة!! فرقتم بينها وبين زوجها وبين ولدها. وما زال بهم يستلين قلوبهم ويستدرُّ عطفهم حتَّى قالوا لي: الحقي بزوجك إن شئت. ولكن كيف لي أن ألحق بزوجي في المدينة وأترك ولدي وفلذة (١) كبدي في مكَّة عند بني «عبد الأسد»؟!.

стр. 107

كيف يمكن أن تهدأ لي لوعةٌ أو ترقأ لعيني عبرةٌ (١) وأنا في دار الهجرة وولدي الصَّغير في مكَّة لا أعرف عنه شيئًا؟!!. ورأى بعض النَّاس ما أعالج (٢) من أحزاني وأشجاني فرقَّت قلوبهم لحالي، وكلَّموا بني «عبد الأسد» في شأني (٣) واستعطفوهم عليَّ ... فردُّوا لي ولدي سلمة. **** لم أشأ أن أتريَّث في مكَّة حتَّى أجد من أسافر معه، فقد كنت أخشى أن يحدث ما ليس بالحسبان فيعوقني عن اللَّحاق بزوجي عائقٌ ... لذلك بادرت فأعددت بعيري، ووضعت ولدي في حجري، وخرجت متوجهةً نحو المدينة أريد زوجي، وما معي أحدٌ من خلق الله.

стр. 108

وما إن بلغت «التَّنعيم» (١) حتَّى لقيت عثمان بن طلحة (٢) فقال: إلى أين يا بنت «زاد الرَّاكب»؟!. فقلت: أريد زوجي في المدينة. قال: أو ما معك أحدٌ؟!. قلت: لا والله إلاَّ الله ثمَّ بنيَّ هذا. قال: والله لا أتركك أبدًا حتَّى تبلغي المدينة. ثمَّ أخذ بخطام (٣) بعيري، وانطلق يهوي بي ... فوالله ما صحبت رجلًا من العرب قطُّ أكرم منه ولا أشرف، كان إذا بلغ منزلًا من المنازل ينيخ بعيري، ثمَّ يستأخر عنِّي، حتَّى إذا نزلت عن ظهره واستويت على

стр. 109

الأرض دنا إليه وحطَّ عنه رحله، واقتاده إلى شجرة وقيَّده فيها. ثمَّ يتنحى عنِّي إلى شجرة أخرى فيضطجع في ظلِّها. فإذا حان الرَّواح إلى بعيري فأعدَّه، وقدَّمه إليَّ، ثمَّ يستأخر عنِّي ويقول: اركبي ... فإذا ركبت، واستويت على البعير، أتى فأخذ بخطامه وقاده. **** وما زال يصنع بي مثل ذلك كلَّ يوم حتَّى بلغنا المدينة، فلمَّا نظر إلى قريةٍ «بقباء» (١) لبني عمرو بن عوفٍ قال: زوجك في هذه القرية، فادخليها على بركة الله، ثمَّ انصرف راجعًا إلى مكَّة. **** اجتمع الشَّمل الشَّتيت (٢) بعد طول افتراقٍ، وقرَّت

стр. 110

عين أمُّ سلمة بزوجها، وسَعِدَ أبو سلمة بصاحبته وولده ... ثمَّ طفقت الأحداث تمضي سراعًا كلمح البصر. فهذه «بدرٌ» يشهدها أبو سلمة ويعود منها مع المسلمين، وقد انتصروا نصرًا مؤزرًا (١). وهذه «أُحُدٌ» يخوض غمارها بعد «بدرٍ»، ويُبلي فيها أحسن البلاء وأكرمه، لكنَّه يخرج منها وقد جرح جُرحًا بليغًا، فما زال يعالجه حتَّى بدا له أنَّه قد اندمل (٢)، لكنَّ الجرح كان قد رُمَّ على فسادٍ (٣) فما لبث أن انتكأ (٤) وألزم أبا سلمة الفراش. وفيما كان أبو سلمة يعالج من جرحه قال لزوجه: يا أم سلمة، سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا تصيب أحدًا مصيبة، فيسترجع (٥) عند ذلك ويقول:

стр. 111

اللَّهمَّ عندك احتسبت مصيبتي هذه ... اللَّهمَّ أخلفني خيرًا منها، إلاَّ أعطاه الله ...). ظلَّ أبو سلمة على فراش مرضه أيَّاماً ... وفي ذات صباح جاءه رسول الله ﷺ ليعوده، فلم يكد ينتهي من زيارته ويجاوز باب داره، حتَّى فارق أبو سلمة الحياة. فأغمض النَّبيُّ ﵊ بيديه الشريفتين عيني صاحبه، ورفع طرفه إلى السَّماء وقال: (اللَّهمَّ اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المقرَّبين ... . واخلفه في عقبه (١) في الغابرين. واغفر لنا وله يا ربَّ العالمين ... وأفسح له في قبره، ونوِّر له فيه).

стр. 112

أمَّا أمُّ سلمة فتذكرت ما رواه لها أبو سلمة عن رسول الله ﷺ فقالت: اللَّهمَّ عندك أحتسب مصيبتي هذه ... لكنَّها لم تطب نفسها أن تقول: اللَّهمَّ أخلفني (١) فيها خيرًا منها؛ لأنَّها كانت تتساءل: ومن عساه أن يكون خيرًا لي من أبي سلمة؟!. لكنَّها ما لبثت أن أتمَّت الدعاء ... **** حزن المسلمون لمصاب أم سلمة كما لم يحزنوا لمصاب أحدٍ من قبل ... وأطلقوا عليها اسم «أيم (٢) العرب» ... إذ لم يكن لها في المدينة أحد من ذويها غير صبية صغار كزغب القطا (٣). ****

стр. 113

شعر المهاجرون والأنصار معاً بحقِّ أم سلمة عليهم، فما كادت تنتهي من حداداها على أبي سلمة حتَّى تقدم منها أبو بكرٍ الصِّدِّيق يخطبها لنفسه، فأبت أن تستجيب لطلبه ... ثمَّ تقَّدم منها عمر بن الخطَّاب؛ فردَّته كما ردَّت صاحبه ... ثمَّ تقدَّم منها رسول الله ﷺ فقالت له: يا رسول الله، إنَّ فيَّ خِلالاً (١) ثلاثًا: فأنا امرأةٌ شديدة الغيرة فأخاف أن ترى منِّي شيئًا يغضبك فيعذِّبني الله به. وأنا امرأةٌ قد دخلت في السِّنِّ (٢). وأنا امرأةٌ ذات عيالٍ. فقال ﵊: وأمَّا ما ذكرت من غيرتك فإنِّي أدعو الله أن يذهبها عنك.

стр. 114

وأمَّا ذكرت من السِّنِّ فقد أصابني مثل الذي أصابك ... وأمَّا ما ذكرت من العيال، فإنَّما عيالك عيالي). ثمَّ تزوج رسول الله ﷺ من أمِّ سلمة؛ فاستجاب الله دعاءها، وأخلفها خيرًا من أبي سلمة. ومنذ ذلك اليوم لم تبق هند المخزوميَّة أُماً لسلمة وحده؛ وإنما غدت أُماً لجميع المؤمنين. نضَّر الله وجه أمِّ سلمة في الجنَّة ورضي عنها وأرضاها (١).

стр. 115

صور من حياة الصحابيات هذا الكتاب يجوب بنا في رحاب حياة المرأة المسلمة التي عاشت في كنف الرَّسول الكريم ﷺ من خلال صور متعددة تعبر عن المنهج الإسلامي القويم الذي وضع الأسس لحقوق المرأة وواجباتها ... فتحت ظله بايعت على ما بايع عليه الرجال، ورسمت أسمى معاني البذل والعطاء في سبيل ذلك، ولم تقتصر خصائل المرأة المسلمة على أنها مؤمنة راسخة الإيمان وزوجا وأما من الطراز الأول، ربت فأحكمت وأصيبت فاحتسبت بل كانت فوق ذلك كله مجاهدة في سبيل الله فخاضت المعارك وضمدت الجراح، وحملت الزاد وأصلحت السهام، وسكبت الماء في حلوق العطاش وهم يجودون بنفوسهم في سبيل الله. إنها حياة المرأة المسلمة بكل ما فيها من سمو وفخار.