وأثخنتها (١) الجراح ...
لكن وحشيَّ بن حرب، وأبا دجانة صاحب سيف رسول الله ﷺ وصلا إلى مسيلمة وضرباه عن يد واحدةٍ ...
فقد طعنه وحشيُّ بالحربة ...
وضربه أبو دجانة بالسَّيف ...
فخرَّ صريعًا في طرفة عينٍ.
****
عادت أمُّ عمارة بعد «اليمامة» إلى المدينة بيد واحدة ومعها ابنها الوحيد.
أمَّا يدها الأخرى فقد احتسبتها (٢) عند الله كما احتسبت من قبل ولدها الشَّهيد.
ولم لا تحتسبهما؟! ...
стр. 72
ألم تقل للرَّسول ﵊:
ادع الله لنا أن نرافقك في الجنَّة ...
فقال الرَّسول صلوات الله وسلامه عليه:
(اللَّهمَّ اجعلهم رفاقي في الجنَّة).
فقالت:
ما أبالي بعد ذما أصابني في الدُّنيا ...
رضي الله عن أمِّ عمارة وأرضاها؛ فقد كانت طرازًا فريدًا بين النِّساء المؤمنات ...
وأنموذجًا فذّاً بين المجاهدات الصَّابرات (١) ...
...
стр. 73
رَمْلَةُ بِنْتُ أَبي سُفْيَانَ
«أُمُّ حبيبة آثَرَتِ الله وَرَسُولَهُ عَلَى مَا سِوَاهُمَا، وَكَرِهَتْ
أَنْ تَعُودَ لِلْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ المَرْءُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ»
[المُؤَرِّخُون]
ما كان يخطر ببال أبي سفيان بن حربٍ أنَّ في وسع احد من قريش أن يخرج على سلطانه (١) أو يخالفه في أمرٍ ذي بالٍ (٢).
فهو سيِّد مكَّة المطاع ...
وزعيمها الذي تدين له بالولاء (٣).
لكنَّ ابنته رملة المكنَّاة بأمِّ حبيبة، قد بدَّدت (٤) هذا الزَّعم، وذلك حين كفرت بآلهة أبيها.
وآمنت هي وزوجها عبيد الله بن جحشٍ بالله وحده لا شريك له، وصدَّقت برسالة نبيِّه محمَّد بن عبد الله.
وقد حاول أبو سفيان بكلِّ ما أوتي من سطوةٍ
стр. 74
وبأسٍ (١)، أن يردَّ ابنته وزوجها إلى دينه ودين آبائه، فلم يفلح، لأنَّ الإيمان الذي رسخ في قلب رملة كان أعمق من أن تقتلعه أعاصير (٢) أبي سفيان، وأثبت من أن يزعزعه غضبه.
****
ركب أبا سفيان الهمُّ بسبب إسلام رملة، فما كان يعرف بأيِّ وجه يقابل قريشاً بعد أن عجز عن إخضاع ابنته لمشيئته، والحيلولة دونها ودون اتِّباع محمَّد.
****
ولمَّا وجدت قريشٌ أنَّ أبا سفيان ساخطٌ على رملة وزوجها اجترأت عليهما، وطفقت تضيِّق عليهما الخناق، وجعلت ترهقهما (٣) أشدَّ الإرهاق، حتَّى باتا لا يطيقان الحياة في مكَّة.
ولمَّا أذن الرَّسول صلوات الله وسلامه عليه
стр. 75
للمسلمين بالهجرة إلى «الحبشة»، كانت رملة بنت أبي سفيان وطفلتها الصَّغيرة حبيبة، وزوجها عبيد الله بن جحشٍ (١)، في طليعة المهاجرين إلى الله بدينهم، الفارِّين إلى حِمى «النَّجاشيِّ» (٢) بإيمانهم.
****
لكنَّ أبا سفيان بن حربٍ ومن معه من زعماء قريشٍ، عزَّ (٣) عليهم أن يفلت من أيديهم أولئك النَّفر من المسلمين، وأن يذوقوا طعم الرَّاحة في بلاد «الحبشة».
فأرسلوا رسلهم إلى النَّجاشيِّ يحرضونه (٤) عليهم، ويطلبون منه أن يسلمهم إليهم، ويذكرون له أنَّهم يقولون في المسيح وأمِّه مريم قولاً يسوؤُه (٥).
فبعث النَّجاشيُّ إلى زعماء المهاجرين، وسألهم
стр. 76
عن حقيقة دينهم، وعمَّا يقولونه في عيسي بن مريم وأمِّه، وطلب إليهم أن يسمعوه شيئاً من القرآن الذي ينزل على قلب نبيِّهم.
فلمَّا أخبروه بحقيقة الإسلام، وتلوا عليه بعضاً من آيات القرآن, بكى حتَّى اخضلَّت (١) لحيته وقال لهم:
إنَّ هذا الذي أنزل على نبيِّكم محمَّدٍ، والذي جاء به عيسى بن مريم يخرجان من مشكاةٍ (٢) واحدةٍ.
ثمَّ أعلن إيمانه بالله وحده لا شريك له، وتصديقه لنبوة محمَّدٍ صلوات الله وسلامه عليه ...
كما أعلن حمايته لمن هاجر إلى أرضه من المسلمين على الرَّغم من أنَّ بطارقته (٣) أبوا أن يسلموا، وظلَّوا على نصرانيَّتهم.
****
стр. 77
حسبت (١) أمُّ حبيبة بعد ذلك أنَّ الأيَّام صفت لها بعد طول عبوس ... وأنَّ رحلتها الشَّاقَّة في طريق الآلام قد أفضت (٢) بها إلى واحة الأمان ...
إذ لم تكن تعلم ما خبَّأته لها المقادير ...
****
فلقد شاء الله تباركت حكمته، أن يمتحن أمَّ حبيبة امتحاناً قاسياً تطيش (٣) فيه عقول الرِّجال ذوي الأحلام (٤) وتتضعضع أمامه أفهام ذوي الأفهام.
وأن يخرجها من ذلك الإبتلاء الكبير ظافرةً تتربَّع (٥) على قمَّة النَّجاح ...
ففي ذات ليلةٍ أوت أمُّ حبيبة إلى مضجعها، فرأت فيما يراه النائم أن زوجها عبيد الله بن جحشٍ يتخبَّط في
стр. 78
بحرٍ لِّجيٍّ (١) غشيته ظلماتٌ (٢) بعضها فوق بعضٍ، وهو بأسوإ حالٍ ...
فهبَّت من نومها مذعورةً (٣) مضطربةً ...
ولم تشأ أن تذكر له أو لأحدٍ غيره شيئًا ممَّا رأت ...
لكن رؤياها ما لبثت أن تحقَّقت، إذ لم ينقض يوم تلك اللَّيلة المشؤومة (٤) حتَّى كان عبيد الله بن جحشٍ، قد ارتدَّ عن دينه وتنصَّر ...
ثمَّ أكبَّ على حانات (٥) الخمَّارين يُعاقر (٦) أمَّ الخبائث (٧) فلا يرتويٍ منها ولا يشبع.
وقد خيَّرها بين أمرين أحلاهما مُرٌّ:
стр. 79
فإما أن تطلَّق ...
وإما أن تتنصَّر ...
****
وجدت أمُّ حبيبة نفسها فجأةَ بين ثلاثٍ:
فإمَّا أن تستجيب لزوجها الذي جعل يُلحُّ في دعوتها إلى التَّنصُّر؛ وبذلك ترتدُّ عن دينها- والعياذ بالله- وتبوء (١) بخزي الدُّنيا وعذاب الآخرة.
وهو أمرٌ لا تفعله ولو مُشط لحمها عن عظمها بأمشاط من جديدٍ ...
وإمَّا أن تعود إلى بيت أبيها في مكَّة، وهو ما زال قلعةً للشِّرك، فتعيش فيه مقهورةً مغلوبةً على دينها.
وإما أن تبقى في بلاد «الحبشة» وحيدةً، شريدةً، لا أهل لها ولا وطن ولا مُعين.
فآثرت (٢) ما فيه رضا الله على ما سواه ...
стр. 80
وأزمعت (١) على البقاء في «الحبشة» حتَّى يأتي الله بفرج من عنده.
...
لم يطل انتظار أمِّ حبيبة كثيرًا.
فما إن انقضت عدَّتها (٢) من زوجها الذي لم يعش بعد تنصُّره إلاَّ قليلًا حتَّى أتاها الفرج ...
لقد جاءها السَّعد يرفرف بأجنحته الزُّمرُّديَّة (٣) الخضر فوق بيتها المخزون على غير ميعادٍ ...
ففي ذات ضحى مفضَّض السَّنا (٤) طلق المحيَّا طرق عليها الباب؛ فلمَّا فتحته فوجئت «بأبرهة» وصيفة (٥) النَّجاشيِّ ملك «الحبشة».
فحيَّتها بأدب وبشر، واستأذنت بالدُّخول عليها وقالت:
стр. 81
إنَّ الملك يحيِّيك ويقول لك:
إنَّ محمَّدًا رسول الله قد خطبك لنفسه ...
وإنَّه بعث إليه كتابًا وكَّله فيه بأن يعقد له عليك ... فوكِّلي عنك من تشائين.
****
استطارت (١) أمُّ حبيبة فرحاً، وهتفت:
بشَّرك الله بالخير ... بشَّرك الله بالخير ...
وطفقت تخلع ما عليها من الحليِّ؛ فنزعت سواريها، وأعطتهما لأبرهة ...
ثمَّ ألحقتهما بخُلخالها (٢) ... ثمَّ أتبعت ذلك بقُرطيها (٣) وخواتيمها ...
ولو كانت تملك كنوز الدُّنيا كلَّها لأعطتها لها في تلك اللَّحظة.
стр. 82
ثمَّ قالت لها: لقد وكَّلت عنِّي خالد بن سعيد بن العاص (١)، فهو أقرب النَّاس إليَّ.
****
وفي قصر النَّجاشيِّ الرَّابض على رابيةٍ شجراء (٢) مطلَّة على روضةٍ من رياض «الحبشة» النَّضرة.
وفي أحد أبهائه (٣) الفسيحة المزدانة بالنُّقوش الزَّاهية، المضاءة بالسُّرج (٤) النُّحاسيَّة الوضَّاءة، المفروشة بفاخر الرِّياش ... اجتمع وجوه الصَّحابة المقيمين في «الحبشة»، وعلى رأسهم جعفر بن أبي طالبٍ، وخالد بن سعيد بن العاص، وعبد الله بن حذافة السَّهميُّ (٥)، وغيرهم لشهدوا عقد أمِّ حبيبة بنت أبي سفيان على رسول الله ﷺ .
стр. 83
فلمَّا اجتمع الجمع، تصدَّر النَّجاشيُّ المجلس وخطبهم فقال:
أحمد الله القدُّوس المؤمن العزيز الجبَّار (١)، وأشهد أن لا إله إلا الله وأنَّ محمَّداً عبده ورسوله، وأنَّه هو الذي بشر به عيسي بن مريم.
أمَّا بعد ... فإنَّ رسول الله ﷺ طلب منِّي أن أزوِّجه أمَّ حبيبة بنت أبي سفيان، فأجبته إلى ما طلب، وأمهرتها نيابةً عنه أربعمائة دينارٍ ذهبًا ...
على سنَّة الله ورسوله ...
ثمَّ سكب الدَّنانير بين يدي خالد بن سعيدٍ بن العاص.
وهنا قام خالدٌ فقال:
الحمد لله أحمده وأستعينه، واستغفره، وأتوب إليه، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله، أرسله بدين
стр. 84
الهدى والحقِّ ليظهره (١) على الدِّين كلِّه ولو كره الكافرون.
أمَّا بعد ...
فقد أجبت طلب رسول الله ﷺ ، وزوَّجته موكِّلتي أمَّ حبيبة بنت أبي سفيان.
فبارك الله لرسوله بزوجته ...
وهنيئاً لأمِّ حبيبة بما كتب الله لها من الخير.
ثمَّ حمل المال وهمَّ أن يمضي به إليها؛ فقام أصحابه لقيامه وهمُّوا بالانصراف أيضًا.
فقال لهم النَّجاشيُّ: اجلسوا فإنَّ سنَّة الأنبياء إذا تزوَّجوا أن يُطعموا طعامًا.
ودعا لهم بطعام فأكل القوم ثمَّ انفضُّوا (٢).
****
стр. 85
قالت أمُّ حبيبة:
فلمَّا وصل المال إليَّ أرسلت إلى «أبرهة» التي بشَّرتني خمسين مثقالاً (١) من الذَّهب؛ وقلت:
إنِّي كنت أعطيتك ما أعطيت حين بشَّرتني، ولم يكن عندي يومئذٍ مالٌ ...
فما هو إلاَّ قليلٌ حتَّى جاءت «أبرهة» إليَّ وردَّت الذَّهب، وأخرجت حُقّاً (٢) فيه الحليُّ الذي كنت أعطيتها إيَّاه فردَّته إليَّ أيضًا وقالت:
إنَّ الملك قد عزم عليَّ ألاَّ آخذ منك شيئًا.
وقد أمر نساءه أن يبعثن لك بكلِّ ما عندهن من الطِّيب.
فلمَّا كان الغد جاءتني بورسٍ (٣)، وعودٍ (٤) وعنبرٍ، ثمَّ قالت لي:
стр. 86
إنَّ لي عندك حاجةً
فقلت: وما هي؟!.
فقالت:
لقد أسلمت، واتَّبعت دين محمَّدٍ، فاقرئي على النَّبيِّ منِّي السَّلام وأعلميه أنِّي آمنت بالله ورسوله ولا تنسي ذلك ...
ثمَّ جهَّزتني (١).
****
ثمَّ إنِّي حملت إلى رسول الله ﷺ ...
فلمَّا لقيته، أخبرته بما كان من أمر الخطبة، وما فعلته مع «أبرهة» وأقرأته منها السَّلام.
فسرَّ بخبرها وقال:
(وعليها السَّلام ورحمة الله وبركاته) (٢).
...
стр. 87
الغُمَيصَاءُ بِنْتُ مِلْحَانَ
المُكنَّاةُ بِأُمٍّ سُلَيمٍ
«مَا سَمِعْنَا بِامْرَأَةٍ قَطُّ كَانَتْ أَكْرَمَ مَهْرًا مِنْ أُمٍّ سُلَيْمٍ؛ إِذْ كَانَ مَهْرُهَا الإِسْلاَمُ»
[أَهْلُ المَدِينَةِ]
كانت الغميصاء بنت ملحان- حين أهل الإسلام بنوره على الأرض - نصفًا تخطو نحو الأربعين من عمرها، وكان زوجها مالك بن النَّضر يسبغ عليها من وارف (١) حبِّه، وظليل وداده ما ملأ حياتها نضرةً (٢) ورغدًا (٣) وكان أهل «يثرب» يغبطون الزَّوج السَّعيد على ما تتحلَّى به عقيلته من رجاحة العقل، وبعد النَّظر، وحسن التَّبعُّل (٤).
****
стр. 88
وفي ذات يومٍ من أيَّام الله الخالدة نفذ إلى «يثرب» - مع الدَّاعية المكِّيِّ مصعب بن عميرٍ (١) - أوَّل شعاعٍ من أشعَّة الهداية المحمَّديَّة، فتفتَّح له قلب الغميصاء كما تتفتَّح أزاهير الرِّياض لتباشير الصَّباح، فلمَّا لبثت أن أعلنت إسلامها يوم كان المسلمون- في المدينة- يعدُّون على الأصابع.
ثمَّ دعت الزَّوجة الوفيَّة زوجها الأثير لينهل معها من هذا المنهل الإلهيِّ العذب الطَّهور، ويحظى بما حظيت به من سعادة الإيمان ...
لكنَّ مالك بن النَّضر لم يشرح للدِّين الجديد صدرًا، ولا طاب به نفسًا، بل إنَّه دعا زوجه بالمقابل إلى الرُّجوع عن الإسلام والعودة إلى دين الآباء والأجداد وتشبَّث كلُّ من الزَّوجين بموقفه، فالغميصاء تكره أن تعود إلى الكفر بعد الإيمان كما يكره المرء أن يقذف في النَّار ...
стр. 89
ومالكٌ يتعصَّب لدين الآباء والأجداد في عنادٍ ...
وكانت الغميصاء تملك من قوَّة الحجَّة ما تفحم (١) به زوجها، وكان في دعوتها من نور الحقِّ ما يفضح باطله الواهي (٢) المتهافت (٣) ...
وكان لمالكٍ صنمٌ من خشبٍ يعبده من دون الله، فكانت تحاجُّه في أمره قائلةً:
أتعبد جذع شجرةٍ نبت في الأرض التي تطؤها بقدميك، وترمي فيها فضلاتك؟! ...
أتدعو- من دون الله- خشبةً نجرها لك حبشيُّ من صنَّاع المدينة؟!.
ولمَّا ضاق الزَّوج ذرعاً بحجج زوجته الدَّامغة (٤) غادر المدينة ومضى هائماً على وجهه متَّجهاً نحو بلاد
стр. 90
الشام، ثمَّ إنه لم يلبث هناك قليلًا حتَّى مات على شركه.
****
وما إن شاع في المدينة خبر ترمُّل الغميصاء حتَّى تشوق كثيرٌ من الرِّجال إلى الإقتران بها، لولا أنَّهم كانوا يخشون أن تردَّهم خائبين لما بينها وبينهم من الاختلاف في الدِّين.
غير أنَّ زيد بن سهلٍ (١) المكنى بأبي طلحة أطمعه في رضاها به ما كان بينهما من روابط القربى، فكلاهما من بني «النَّجَّار».
****
مضى أبو طلحة إلى بيت الغميصاء وخاطبها بكنيتها قائلًا:
يا أمَّ سليم، لقد جئتك خاطبًا، فأرجو ألاَّ أردَّ خائبًا.
стр. 91
فقالت: والله ما مثلك يردُّ يا أبا طلحة، ولكنَّك رجلٌ كافرٌ وأنا امرأةٌ مسلمةٌ، ولا يحل لي أن أتزوَّجك، فإن تسلم فذاك مهري ولا أريد منك صداقًا غير الإسلام.
فقال: دعيني حتَّى أنظر في أمري. ومضى ...
ولمَّا كان الغد عاد إليها وقال: أشهد أن لا إله إلاَّ الله، وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمَّدًا عبده ورسوله.
فقالت: أما وإنَّك قد أسلمت، فقد رضيتك زوجاً ... فجعل النَّاس يقولون: ما سمعنا بامرأة قط كانت أكرم مهراً من أمٍّ سليم إذ كان مهرها الإسلام.
****
نعم أبو طلحة بما كانت تتحلَّى به أمُّ سليمٍ من كريم الشَّمائل (١)، ونبيل الخصائل، ثمَّ زاده سعادةً بها أنَّها وضعت له غلامًا غدا قرَّة عينه، وفرحة قلبه.
стр. 92
لكنَّه بينما كان يتأهَّب لسفرٍ من أسفاره اشتكى الطِّفل الصَّغير من علَّةٍ ألمَّت به، فجزع عليه جزعاً شديداً كاد يصرفه عن السَّفر.
وفي غيبته القصيرة ذوى (١) الغصن النَّضير (٢)، ثمَّ وُري الثَّرى (٣)، فقالت أمُّ سليمٍ لأهلها:
لا تخبروا أبا طلحة بموت ابنه حتَّى أخبره أنا.
****
عاد أبو طلحة من رحلته فتلقَّته أمُّ سليمٍ هاشَّةً باشَّةً فرحةً مستبشرةً؛ فبادرها بالسُّؤال عن الصَّبيِّ فقالت:
دعه فإنَّه الآن أسكن ما عرفته.
ثمَّ قربت إليه العشاء، وجعلت تؤنسه وتدخل على قلبه السرور، فلمَّا وجدت أنَّه شبع واستراح قالت له:
يا أبا طلحة أرأيت لو أن قوماً استرجعوا عاريةً (٤)
стр. 93
أعاروها لآخرين أفمن حقَّهم أن يخطوا عليهم أن يمنعوها منهم؟.
قال: لا.
قالت: إن الله استردَّ منك ما وهب، فاحتسب ولدك عنده ...
فتلقى أبو طلحة قضاء الله بالرِّضا والتَّسليم.
ولما أصبح غدا على رسول الله ﷺ وحدَّثه بما كان من أم سليمٍ، فدعا له ولها بأن يعوِّضهما الله خيرًا ممَّا فقداه، وأن يبارك لهما في العوض؛ فاستجاب الله جل وعز دعاء نبيه ﷺ ، وحملت أمُّ سليمٍ، ولما أتمت حملها كانت عائدةً إلى المدينة من سفر هي وزوجها مع رسول الله ﷺ .
فلمَّا دنوا من «يثرب» جاءها المخاض فتوقَّف أبو طلحة معها ومضى النَّبيِّ الكريم ﷺ يريد دخول المدينة قبل أن يجنَّ عليه الليل، فرفع أبو طلحة طرفه إلى السَّماء وقال:
стр. 94
إنَّك لتعلم يا رب أنَّه يعجبني أن اخرج مع رسولك إذا خرج، وأن أدخل معه إذا دخل وقد منعني من ذلك ما ترى.
فقالت له أمُّ سليمٍ: يا أبا طلحة إني - والله - لا أجد من ألم المخاض بهذا المولود ما كنت أجده من قبل، فانطلق بنا ولا تتأخَّر عن صحبة رسول الله ﷺ .
فانطلقا حتَّى إذا بلغا المدينة وضعت حملها، فإذا هو غلامٌ، فقالت لمن حولها:
لا يرضعه أحد قبل أن تذهبوا به إلى رسول الله ﷺ .
فلمَّا أصبح حمله إليه أخوه أنس بن مالكٍ (١)، فلمَّا رآه النَّبيِّ ﷺ مقبلًا قال:
(لعل أمَّ سليمٍ ولدت).
فقال: نعم يا رسول الله ... ووضع الغلام في
стр. 95
حجره، فدعا بعجوةٍ من عجو المدينة ولاكها في فمه الشَّريف حتَّى ذابت، ووضعها في فم الصَّبيِّ، فجعل يتلمظها (١)، ثمَّ مسح وجهه بيده الكريمة، وسمَّاه عبد الله، فجاء من صلبة عشرةٌ من علماء الإسلام الأخيار.
****
ولقد كان من شأن أمِّ سليمٍ أنها أحبَّت رسول الله صلوات الله وسلامه عليه حبًا خالط منها اللَّحم والعظم، وسكن في حبَّة القلب.
وقد بلغ من حبِّها له ما حدَّث عنه ابنها أنسٌ قال:
كان رسول الله ﷺ نائماً في بيتنا ذات نهارٍ؛ وكان الحرُّ شديدًا، فأخذ العرق يتصبَّب من جبينه، فجاءت أمِّي بقارورةٍ، وجعلت تُسلت فيها العرق فاستيقظ النَّبيُّ ﵊ وقال:
(ما هذا الذي تصنعين يا أمَّ سليمٍ؟!).
стр. 96
قالت: هذا عرقك أجمعه وأجعله في طيبنا، فيغدو أطيب الطِّيب.
ومن شواهد حبِّها لرسول الله صلوات الله وسلامه عليه وهي كثيرةٌ وفيرةٌ، أن ابنها أنساً كانت له ذؤابةٌ (١) تنوس (٢) على جبينه، فرغب إليها زوجها أن تقصَّها له بعد أن طالت فأبت ذلك؛ لأنَّ النَّبيَّ صلوات الله وسلامه عليه كان كلَّما أقبل عليه أنسٌ مسح رأسه بيده ومسَّ ذؤابته المدلاَّة على جبينه.
****
ولم تقتصر خصائل أمِّ سليم على أنَّها كانت مؤمنةً راسخة الإيمان، عاقلةً وافرة العقل، زوجاً وأماً من الطراز الأول ...
وإنما كانت فوق ذلك كلِّه مجاهدة في سبيل الله.
стр. 97
فلكم ملأت رئتيها من غبار المعارك العبق (١) بطيوب الجنَّة!!.
وخضَّبت (٢) أناملها من جراح المجاهدين، وهي تمسحها بيديها وتحكم عليها الضِّماد (٣).
ولكم سكبت الماء في حلوق العطاش وهم يجودون بنفوسهم في سبيل الله ...
وحملت لهم الزَّاد ... وأصلحت السِّهام.
لقد شهدت «أُحُدًا» هي وزوجها أبو طلحة مع رسول الله ﷺ ، ودأبت هي وعائشة رضوان الله عليهما على نقل قرب الماء على ظهريهما وإفراغها في أفواه القوم.
كما شهدت «حنيناً» أيضًا، وقد اتخذت لنفسها
стр. 98
يومذاك خنجرًا وتمنطقت به، فلمَّا رآه زوجها أبو طلحة قال: يا رسول الله، هذه أمُّ سليم معها خنجرٌ.
فقال لها النَّبيُّ ﵊:
(ما هذا يا أمَّ سليمٍ؟!).
قالت: خنجرٌ اتَّخذته حتَّى إذا دنا منِّي أحدٌ من المشركين بقرت (١) به بطنه ...
فجعل رسول الله ﷺ يضحك سرورًا بما قالت.
****
وبعد ...
أفتظنُّ أن على ظهر الأرض امرأةً أسعد سعادةً وأزهى خاتمةً من أمِّ سليمٍ بعد أن قال فيها رسول الله ﷺ :
(دخلت الجنَّة فسمعت فيها خشفةً (٢) ...
فقلت: من هذا؟!.
стр. 99
قالوا:
الغميصاء بنت ملحان أمُّ أنس بن مالكٍ) (١).
...
стр. 100
أُمُّ سَلَمَةَ
أَيِّمُ العَرَبِ
«لَمْ تَبْقَ هِنْدٌ المَخزُومِيَّةُ أُماً لِسَلَمَةَ وَحْدَهُ، وَإِنَّمَا غَدَتْ أُماً لِجَمِيعِ المُؤمِنِينَ»
أمُّ سلمة، وما أدراك ما أمُّ سلمة؟!.
أما أبوها فسيِّدٌ من سادات «مخزومٍ» المرموقين، وجوادٌ من أجواد العرب المعدودين، حتَّى إنَّه كان يقال له: «زاد الرَّاكب» (١)، لأن الرُّكبان كانت لا تتزوَّد إذا قصدت منازلة أو سارت في صحبته.
وأمَّا زوجها فعبد الله بن عبد الأسد أحد العشرة السَّابقين إلى الإسلام؛ إذ لم يسلم قبله إلاَّ أبو بكرٍ الصِّدِّيق ونفرٌ قليلٌ لا يبلغ أصابع اليدين عددًا.
стр. 101
وأمَّا اسمها فهند، لكنها كنيت بأمُّ سلمة، ثمَّ غلبت عليها الكنية.
****
أسلمت أمُّ سلمة مع زوجها فكانت هي الأخرى من السَّابقات إلى الإسلام أيضًا.
وما إن شاع نبأ إسلام أمِّ سلمة وزوجها حتَّى هاجت قريشٌ وماجت وجعلت تصبُّ عليهما من نكالها (١) ما يزلزل الصُّمَّ الصِّلاب (٢)، فلم يضعفا ولم يَهِنا ولم يتردَّدا.
ولمَّا اشتد عليهما الأذى وأذِن الرَّسول صلوات الله عليه لأصحابه بالهجرة إلى «الحبشة» كانا في طليعة المهاجرين.
****
مضت أمُّ سلمة وزوجها إلى ديار الغربة وخلَّفت وراءها في مكَّة بيتها الباذخ (٣) وعزَّها الشامخ، ونسبها
стр. 102
العريق، محتسبةً (١) ذلك كلَّه عند الله، مستقلةً له في جنب مرضاته.
وعلى الرَّغم مما لقيته أمُّ سلمة وصحبها من حماية النَّجاشيِّ (٢) نضَّر الله في الجنَّة وجهه، فقد كان الشَّوق إلى مكَّة مهبط الوحي، والحنين إلى رسول الله ﷺ مصدر الهدى يفري كبدها وكبد زوجها فريًا.
ثمَّ تتابعت الأخبار على المهاجرين إلى أرض «الحبشة» بأن المسلمين في مكَّة قد كثر عددهم، وأنَّ إسلام حمزة بن عبد المطَّلب، وعمر بن الخطَّاب قد شدَّ من أزرهم (٣)، وكفَّ شيئاً من أذى قريش عنهم، فعزم فريق منهم على العودة إلى مكَّة، يحدوهم (٤) الشَّوق ويدعوهم الحنين ...
стр. 103
فكانت أمُّ سلمة وزوجها في طليعة العائدين.
****
لكن سرعان ما اكتشف العائدون أن ما نمي إليهم من أخبار كان مبالغاً فيه، وأنَّ الوثبة التي وثبها المسلمون بعد إسلام حمزة وعمر، قد قوبلت من قريش بهجمةٍ أكبر.
فافتنَّ المشركون في تعذيب المسلمين وترويعهم، وأذاقوهم من بأسهم ما لا عهد لهم به من قبل.
عند ذلك أَذِن الرَّسول صلوات الله وسلامه عليه لأصحابه بالهجرة إلى المدينة، فعزمت أمُّ سلمة وزوجها على أن يكونا أوَّل المهاجرين فرارًا بدينهما وتخلُّصًا من أذى قريشٍ.
لكنَّ هجرة أمِّ سلمة وزوجها لم تكن سهلةً ميسرةً كما خيِّل لهما، وإنما كانت شاقةً مرَّةً خلَّفت وراءها مأساةً تهون دونها كلُّ مأساةٍ.
فلنترك الكلام لأمِّ سلمة لتروي لنا قصَّة مأساتها ...
стр. 104
فشعورها بها أشدُّ وأعمق، وتصويرها لها أدقُّ وأبلغ.
قالت أمُّ سلمة:
لما عزم أبو سلمة على الخروج إلى المدينة أعدَّ لي بعيراً، ثمَّ حملني عليه، وجعل طفلنا سلمة في حجري، ومضى يقود بنا البعير وهو لا يلوي (١) على شيءٍ.
وقبل أن نفصل (٢) عن مكَّة؛ رآنا رجالٌ من قومي بني «مخزوم» فتصدَّوا لنا وقالوا لأبي سلمة:
إن كنت قد غلبتنا على نفسك، فما بال امرأتك هذه؟! ...
وهي بنتنا، فعلام نتركك تأخذها منَّا وتسير بها في البلاد؟!.
ثمَّ وثبوا عليه، وانتزعوني منه انتزاعًا.
стр. 105
وما إن رآهم قوم زوجي بنو «عبد الأسد» يأخذونني أنا وطفلي، حتَّى غضبوا أشدَّ الغضب وقالوا:
لا والله لا نترك الولد عند صاحبتكم بعد أن انتزعتموها من صاحبنا انتزاعًا ...
فهو ابننا ونحن أولى به.
ثمَّ طفقوا يتجاذبون طفلي سلمة بينهم على مشهدٍ مني حتَّى خلعوا يده وأخذوه.
وفي لحظات وجدت نفسي ممزقة الشمل وحيدةً فريدةً:
فزوجي اتَّجه إلى المدينة فرارًا بدينه ونفسه ...
وولدي اختطفه بنو «عبد الأسد» من بين يديَّ محطَّماً مهيضًا (١) ...
أمَّا أنا فقد استولى عليَّ قومي بنو «مخزوم»، وجعلوني عندهم ...
стр. 106
ففرِّق بيني وبين زوجي وبين ابني في ساعةٍ.
ومنذ ذلك اليوم جعلت أخرج كلَّ غادة إلى الأبطح، فأجلس في المكان الذي شهد مأساتي، وأستعيد صورة اللَّحظات التي حيل فيها بيني وبين وولدي وزوجي، وأظلُّ أبكي حتَّى يخيِّم عليَّ اللَّيل.
وبقيت على ذلك سنةً أو قريبًا من سنةٍ إلى أن مرَّ بي رجلٌ من بني عمي فرقَّ لحالي ورحمني وقال لبني قومي:
ألآ تطلقون هذه المسكينة!! فرقتم بينها وبين زوجها وبين ولدها.
وما زال بهم يستلين قلوبهم ويستدرُّ عطفهم حتَّى قالوا لي: الحقي بزوجك إن شئت.
ولكن كيف لي أن ألحق بزوجي في المدينة وأترك ولدي وفلذة (١) كبدي في مكَّة عند بني «عبد الأسد»؟!.
стр. 107
كيف يمكن أن تهدأ لي لوعةٌ أو ترقأ لعيني عبرةٌ (١) وأنا في دار الهجرة وولدي الصَّغير في مكَّة لا أعرف عنه شيئًا؟!!.
ورأى بعض النَّاس ما أعالج (٢) من أحزاني وأشجاني فرقَّت قلوبهم لحالي، وكلَّموا بني «عبد الأسد» في شأني (٣) واستعطفوهم عليَّ ... فردُّوا لي ولدي سلمة.
****
لم أشأ أن أتريَّث في مكَّة حتَّى أجد من أسافر معه، فقد كنت أخشى أن يحدث ما ليس بالحسبان فيعوقني عن اللَّحاق بزوجي عائقٌ ...
لذلك بادرت فأعددت بعيري، ووضعت ولدي في حجري، وخرجت متوجهةً نحو المدينة أريد زوجي، وما معي أحدٌ من خلق الله.
стр. 108
وما إن بلغت «التَّنعيم» (١) حتَّى لقيت عثمان بن طلحة (٢) فقال:
إلى أين يا بنت «زاد الرَّاكب»؟!.
فقلت: أريد زوجي في المدينة.
قال: أو ما معك أحدٌ؟!.
قلت: لا والله إلاَّ الله ثمَّ بنيَّ هذا.
قال: والله لا أتركك أبدًا حتَّى تبلغي المدينة.
ثمَّ أخذ بخطام (٣) بعيري، وانطلق يهوي بي ...
فوالله ما صحبت رجلًا من العرب قطُّ أكرم منه ولا أشرف، كان إذا بلغ منزلًا من المنازل ينيخ بعيري، ثمَّ يستأخر عنِّي، حتَّى إذا نزلت عن ظهره واستويت على
стр. 109
الأرض دنا إليه وحطَّ عنه رحله، واقتاده إلى شجرة وقيَّده فيها.
ثمَّ يتنحى عنِّي إلى شجرة أخرى فيضطجع في ظلِّها.
فإذا حان الرَّواح إلى بعيري فأعدَّه، وقدَّمه إليَّ، ثمَّ يستأخر عنِّي ويقول: اركبي ... فإذا ركبت، واستويت على البعير، أتى فأخذ بخطامه وقاده.
****
وما زال يصنع بي مثل ذلك كلَّ يوم حتَّى بلغنا المدينة، فلمَّا نظر إلى قريةٍ «بقباء» (١) لبني عمرو بن عوفٍ قال: زوجك في هذه القرية، فادخليها على بركة الله، ثمَّ انصرف راجعًا إلى مكَّة.
****
اجتمع الشَّمل الشَّتيت (٢) بعد طول افتراقٍ، وقرَّت
стр. 110
عين أمُّ سلمة بزوجها، وسَعِدَ أبو سلمة بصاحبته وولده ... ثمَّ طفقت الأحداث تمضي سراعًا كلمح البصر.
فهذه «بدرٌ» يشهدها أبو سلمة ويعود منها مع المسلمين، وقد انتصروا نصرًا مؤزرًا (١).
وهذه «أُحُدٌ» يخوض غمارها بعد «بدرٍ»، ويُبلي فيها أحسن البلاء وأكرمه، لكنَّه يخرج منها وقد جرح جُرحًا بليغًا، فما زال يعالجه حتَّى بدا له أنَّه قد اندمل (٢)، لكنَّ الجرح كان قد رُمَّ على فسادٍ (٣) فما لبث أن انتكأ (٤) وألزم أبا سلمة الفراش.
وفيما كان أبو سلمة يعالج من جرحه قال لزوجه: يا أم سلمة، سمعت رسول الله ﷺ يقول:
(لا تصيب أحدًا مصيبة، فيسترجع (٥) عند ذلك ويقول: