← Тараджим

Тараджим · id 14542

صور من حياة الصحابيات

عبد الرحمن رأفت الباشا

Полный текст (115 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

صور من حَيَاة الصحابيات تأليف الدكتور عبد الرَّحْمَن رأفت الباشا دَار الْأَدَب الإسلامي

стр. 2

حَلِيمةُ السَّعديَّةُ أُمُّ الرَّسول الأعظَمِ ﷺ مِنَ الرَّضَاعِ هذه السَّيِّدة الرصان الرزان (١) أثيرة لدى كل مسلم ... عزيزة على كل مؤمنٍ ... فمن ثدييها الطاهرين رضع الغلام السعيد محمد ابن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه ... وعلى صدرها المفعم بالمحبة غفا ... وفي حجرها الطافح بالحنان درج ... ومن فصاحتها وفصاحة قومها بني «سعدٍ» نهل ... فكان من أبين الأبيناء (٢) كلامًا ...

стр. 3

وأفصح الفصحاء نطقًا. إنَّها السَّيِّدة الجليلة حليمة السَّعديَّة أمُّ نبيِّنا محمدٍ - صلوات الله وسلامه عليه - من الرَّضاع. **** ولإرضاع السَّيِّدة السَّعديَّة للطفل المبارك الذي ملأ الدنيا برّاً ومرحمةً ... وأترعها خيرًا وهديًا ... وزانها خلقاً وفضلاً ... قصةٌ من روائع القصص، حكتها حليمة السَّعديَّة ببيانها المشرق الأنيق الجذاب ... وأسلوبها المتألِّق الرَّشيق الممتع. فتعالوا نستمع إليها ... فخبرها عن النَّبيِّ الكريم ﷺ من روائع الأخبار. **** قالت حليمة السَّعديَّة:

стр. 4

خرجت من منازلنا أنا وزوجي (١) وابن لنا صغيرٌ نلتمس الرُّضعاء (٢) في مكَّة، وكان معنا نسوةٌ من قومي بني «سعدٍ» قد خرجن لمثل ما خرجت إليه. وكان ذلك في سنةٍ قاحلةٍ مجدبةٍ (٣) ... أيبست الزَّرع ... وأهلكت الضَّرع فلم تبق لنا شيئًا. وكان معنا دابَّتان عجفاوان (٤) مسنَّتان لا ترشحان (٥) بقطرة من لبنٍ فركبت أنا وغلامي الصَّغير إحداهما ... أمَّا زوجي فركب الأخرى، وكانت ناقته أكبر سناً وأشدَّ هُزالاً.

стр. 5

وكنا - والله - ما ننام لحظة في ليلنا كلِّه لشدَّة بكاء طفلنا من الجوع، إذ لم يكن ثديي ما يغنيه ... ولم يكن في ضرعي ناقتنا ما يغذِّيه ... ولقد أبطأنا بالركَّب بسبب هُزال أتاننا (١) وضعفها فضجر رفاقنا منَّا ... وشقَّ عليهم السَّفر بسببنا. فلمَّا بلغنا مكَّة وبحثنا عن الرُّضعاء وقعت في أمر لم يكن بالحسبان ... ذلك أنه لم تبق امرأةٌ إلاَّ وعرض عليها الغلام الصَّغير محمَّد بن عبد الله ... فكنَّا نأباه لأنَّه يتيم، وكنَّا نقول: ما عسى أن تنفعنا أمُّ صبيٍّ لا أب له؟! ... وما عسى أن يصنع لنا جدُّه؟! ... **** ثمَّ إنَّه لم يمض علينا غير يومين اثنين حتَّى ظفرت

стр. 6

كلُّ امرأة معنا بواحد من الرُّضعاء ... أما أنا فلم أظفر بأحدٍ ... فلمَّا أزمعنا الرَّحيل قلت لزوجي: إنِّي لأكره أن أرجع إلى منازلنا وألقى بني قومنا خَاوية الوِفَاض (١) دون أن آخذ رضيعًا، فليس في صُويحباتي امرأةٌ إلاَّ ومعها رضيعٌ. والله لأذهبنَّ إلى ذلك اليتيم، ولآخذنَّه. فقال لي زوجي: لا بأس عليك، خذيه فعسى أن يجعل الله فيه خيرًا فذهبت إلى أمِّه وأخذته ... ووالله ما حملني على أخذه إلاَّ أنِّي لم أجد غلامًا سواه. **** فلمَّا رجعت به إلى رحلي وضعته في حجري،

стр. 7

وألقمته ثديي، فدرَّ عليه من اللَّبن ما شاء الله أن يدرَّ بعد أن كان خاوياً خالياً ... فشرب الغلام حتَّى رَوِي ثمَّ شرب أخوه حتَّى رَوِي أيضًا، ثمَّ ناما ... فاضَّجعت أنا وزوجي إلى جانبهما لننام بعد أن كنَّا لا نحظى بالنوم إلاَّ غرارًا (١) بسبب صبيِّنا الصغير. ثمَّ حانت من زوجي التفاتةٌ إلى ناقتنا المسنَّة العجفاء ... فإذا ضرعاها حافلان ممتلئان ... فقام إليها دهِشاً، وهو لا يصدِّق عينيه وحلب منها وشرب. ثمَّ حلب لي فشربت معه حتَّى امتلأنا ريّاً وشبعاً. وبتنا في خير ليلةٍ.

стр. 8

فلمَّا أصبحنا قال لي زوجي: أتدرين يا حليمة أنَّك قد ظفرت بطفل مبارك؟!. فقلت له: إنَّه لكذلك وإني لأرجو منه خيرًا كثيرًا. **** ثمَّ خرجنا من مكَّة فركبت أتاننا المسنَّة ... وحملته معي عليها؛ فمضت نشيطة تتقدَّم دوابَّ القوم جميعًا حتَّى ما يلحق بها أيٌّ من دوابِّهم. فجعلت صواحبي يقلن لي: ويحك يا ابنة أبي ذُؤيب، تمهَّلي علينا ... أليست هذه أتانك المسنَّة التي خرجتم عليها؟!!. فأقول لهنَّ: بلى ... والله إنَّها هي. فيقلن: والله إنَّ لها لشأناً. ****

стр. 9

ثمَّ قدمنا منازلنا في بلاد بني «سعد»، وما أعلم أرضاً من أرض الله أشدُّ قحطًا منها ولا أقسى جدبًا. لكنَّ غنمنا جعلت تغدو إليها مع كلِّ صباح، فترعى فيها ثمَّ تعود مع المساء ... فنحلب منها ما شاء الله أن نحلب، ونشرب من لبنها ما طاب لنا أن نشرب، وما يحلب أحدٌ غيرنا من غنمه قطرةً. فجعل بنو قومي يقولون لرعيانهم: ويلكم ... اسرحوا بغنمكم حيث يسرح راعي بنت أبي ذُؤيب. فصاروا يسرحون بأغنامهم وراء غنمنا؛ غير أنَّهم كانوا يعودون بها وهي جائعةٌ ما ترشح لهم بقطرةٍ. ولم نزل نتلقَّى من الله البركة والخير حتَّى انقضت سنتا رضاع الصَّبيِّ ... وتمَّ فطامه ...

стр. 10

وكان خلال عاميه هذين ينمو نموّاً لا يشبه نمو أقرانه ... فهو ما كاد يتم سنتيه عندنا حتَّى غدا غلامًا قويًا مكتملًا. **** عند ذلك قدمنا به على أمِّه، ونحن أحرص ما نكون على مكثه عندنا، وبقائه فينا، لما كنَّا نرى في بركته، فلمَّا لقيت أمَّه طمأنتها عليه وقلت: ليتك تتركين بُنيِّ عندي حتَّى يزداد فُتوَّةً وقُوَّةً ... فإني أخشى عليه وباء مكَّة ... ولم أزل بها أقنعها وأرغِّبها حتَّى ردَّته معنا ... فرجعنا به فرحين مستبشرين. **** ثمَّ إنه لم يمض على مقدم الغلام معنا غير أشهرٍ معدودات حتَّى وقع له أمر أخافنا ... وأقلقنا ... وهزَّنا هزًّا.

стр. 11

فلقد خرج ذات صباح مع أخيه في غنيماتٍ لنا يرعيانها خلف بيوتنا؛ فما هو إلاَّ قليلٌ حتَّى أقبل علينا أخوه يعدو، وقال: الحقا بأخي القرشيِّ، فقد أخذه رجلان عليهما ثيابٌ بيضٌ فأضجعاه ... وشقَّا بطنه ... فانطلقت أنا وزوجي نغدو نحو الغلام، فوجدناه منتقع الوجه (١) مرتجفاً ... فالتزمه زوجي , وضممته إلى صدري ... وقلت له: مالك يا بُنيَّ؟!!. فقال: جاءني رجلان عليهما ثيابٌ بيضٌ فأضجعاني، وشقَّا بطني، والتمسا شيئاً فيه، لا أدري ما هو ثمَّ خلَّياني، ومضيا. فرجعنا بالغلام مضطربين خائفين.

стр. 12

فلمَّا بلغنا خباءنا التفت إليَّ زوجي وعيناه تدمعان، ثمَّ قال: إنِّي لأخشى أن يكون هذا الغلام المبارك قد أصيب بأمر لا قبل لنا بردِّه ... . فألحقيه بأهله، فإنَّهم أقدر منِّا على ذلك. **** فاحتملنا الغلام ومضينا به حتَّى بلغنا مكَّة، ودخلنا بيت أمِّه، فلمَّا رأتنا حدَّقت في وجه ولدها، ثمَّ بادرتني قائلة: ما أقدمك بمحمَّد يا حليمة وقد كنتِ حريصةً عليه؟! ... شديدة الرَّغبة في مُكثه عندك!!. فقلت: لقد قوي عوده ... . واكتملت فتوَّته ... . وقضيت الذي عليَّ نحوه، وتخوفت عليه من الأحداث؛ فأدَّيته إليك ... .

стр. 13

فقالت: اصدقيني الخبر فما أنت بالتي ترغب (١) عن الصَّبيِّ لهذا الذي ذكرته ... ثمَّ مازالت تلحُّ عليَّ ولم تدعني حتَّى أخبرتها بما وقع له، فهدأت ثمَّ قالت: وهل تخوَّفت عليه الشَّيطان يا حليمة؟. فقلتُ: نعم. فقالت: كلاَّ، والله ما للشَّيطان عليه من سبيل ... وإنَّ لابني لشأناً ... فهل أخبرك خبره؟. فقلتُ: بلى ... قالت: رأيت - حين حملت به - أنَّه خرج منِّي نورٌ أضاء لي قصور «بصرى» من أرض الشَّام ... ثمَّ إنِّي حين ولدته نزل واضعًا يديه على الأرض، رافعًا رأسه إلى السَّماء ... ثمَّ قالت: دعيه عنك، وانطلقي راشدةً ...

стр. 14

وجزيت عنَّا وعنه خيرًا. فمضيت أنا وزوجي محزونين أشدَّ الحزن على فراقه ... ولم يكن غلامنا بأقلَّ منَّا حزناً عليه، وأسىً ولوعةً على فراقه. **** وبعدُ ... فلقد عاشت حليمة السَّعديَّة حتَّى بلغت من الكبر عتيّاً (١) ... ثمَّ رأت الطِّفل اليتيم الذي أرضَعتهُ، قد غدا للعرب سيِّداً ... وللإنسانيَّة مرشدًا ... وللبشرية نبيّاً ... ولقد وفدت عليه بعد أن آمنت به وصدَّقت بالكتاب الذي أُنزل عليه ... فما إن رآها حتَّى استطار بها سرورًا، وطفق يقول: «أُمِّي ... أُمِّي ...». ثمَّ خلع لها رداءه، وبسطه تحتها، وأكرم وِفادتها

стр. 15

أبلغ الإكرام، وعيون الصَّحابة تنظر إليه وإليها في غبطةٍ وإجلالٍ ... **** صلوات الله وسلامه على محمَّد البرِّ الوفيِّ ... صاحب الخلق الكريم ... ورضوان الله على السَّيِّدة حليمة السَّعديَّة ... ظئر (١) النَّبيِّ العظيم ﷺ (٢) ...

стр. 16

صفيَّة بِنْتُ عَبْدِ المطَّلب «صفيَّة أَوَّلُ امرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ قَتَلَتْ مُشْرِكاً دِفَاعًا عَنْ دِينِ اللهِ» من هذه السَّيِّدة الجزلة الرَّزان (١) التي كان يحسب لها الرِّجال ... ألف حساب؟ ... من هذه الصَّحابيَّة الباسلة التي كانت أوَّل امرأة قتلت مشركًا في الإسلام؟ ... من هذه المرأة الحازمة التي أنشأت للمسلمين أوَّل فارسٍ سلَّ سيفاً في سبيل الله؟ ... إنَّها صفيَّة بنت عبد المطَّلب الهاشميَّة القرشيَّة عمَّة رسول الله ﷺ . ****

стр. 17

اكتنف المجد صفيَّة بنت عبد المطَّلب من كلِّ جانب: فأبوها، عبد المطَّلب بن هاشم جدُّ النَّبيِّ ﷺ وزعيم قريش وسيِّدها المطاع. وأمُّها، هالة بنت وهبٍ أخت آمنة بنت وهب والدة الرَّسول ﷺ . وزوجها الأوَّل، الحارث بن حرب أخو أبي سفيان ابن حرب زعيم بني «أميَّة»، وقد توفِّي عنها. وزوجها الثَّاني، العوَّام بن خويلد أخو خديجة بنت خويلد سيِّدة نساء العرب في الجاهليَّة، وأولى أمَّهات المؤمنين في الإسلام. وابنها الزُّبير بن العوَّام حواريُّ رسول الله ﷺ . أفبعد هذا الشَّرف شرفٌ تطمح إليه النُّفوس غير شرف الإيمان؟!. ****

стр. 18

لقد توفِّي عنها زوجها العوَّام بن خويلد وترك لها طفلًا صغيرًا هو ابنها «الزُّبير» فنشَّأته على الخشونة والبأس ... وربَّته على الفروسيَّة والحرب ... وجعلت لعبته في بري السِّهام وإصلاح القسيِّ. ودأبت على أن تقذفه في كلِّ مخوفةٍ (١) وتقحمه (٢) في كلِّ خطرٍ ... فإذا رأته أحجم أو تردَّد ضربته ضربًا مبرِّحًا، حتَّى إنَّها عوتبت في ذلك من قبل أحد أعمامه حيث قال لها: ما هكذا يُضرب الولد ... إنَّك تضربينه ضرب مبغضةٍ لا ضرب أمٍّ؛ فارتجزت (٣) قائلةً: مَن قَال أبغَضتُهُ فَقَد كَذَب

стр. 19

وإنَّما أَضربُهُ لِكَي يَلِبْ (١) وَيَهْزِمَ الجَيشَ وَيَأتِي بِالسَّلَبْ ولمَّا بعث الله نبيَّه بدين الهدى والحقِّ، وأرسله نذيرًا وبشيرًا للنَّاس، وأمره بأن يبدأ بذوي قُرباه، جمع بني عبد المطَّلب ... نساءهم ورجالهم وكبارهم وصغارهم، وخاطبهم قائلًا: (يا فاطمة (٢) بنت محمَّد، يا صفيَّة بنت عبد المطَّلب، يا بني عبد المطَّلب إنِّي لا أملك لكم من الله شيئًا). ثمَّ دعاهم إلى الإيمان بالله، وحضَّهم على التصديق برسالته ... فأقبل على النور الإلهيِّ منهم من أقبل، وأعرض عن سَنَاه (٣) من أعرض؛ فكانت صفيَّة بنت عبد المطَّلب في

стр. 20

الرَّعيل (١) الأوَّل من المؤمنين المصدِّقين ... عند ذلك جمعت صفيَّة المجد من أطرافه: سُؤدد الحسب، وعِزِّ الإسلام. **** انضمَّت صفيَّة بنت عبد المطَّلب إلى موكب النُّور هي وفتاها الزُّبير بن العوَّام، وعانت ما عاناه المسلمون السَّابقون من بأس قريش وعنتها وطغيانها. فلمَّا أذن الله لنبيِّه والمؤمنين معه بالهجرة إلى المدينة خلَّفت السَّيِّدة الهاشميَّة وراءها مكَّة بكل ما لها فيها من طيوب الذِّكريات، وضروب المفاخر والمآثر ويمَّمت وجهها شطر المدينة، مهاجرةً إلى الله ورسوله. وعلى الرَّغم من أنَّ السَّيِّدة العظيمة كانت يومئذٍ تخطو نحو السِّتِّين من عمرها المديد الحافل ... فقد كان لها في ميادين الجهاد مواقف ما يزال

стр. 21

يذكرها التَّاريخ بلسانٍ نديٍّ بالإعجاب رطيبٍ بالثَّناء، وحسبنا من هذه المواقف مشهدان اثنان: كان أولهما يوم «أحدٍ» ... وثانيهما يوم «الخندق». **** أمَّا ما كان منها في «أحد» فهو أنَّها خرجت مع جند المسلمين في ثلَّةٍ (١) من النِّساء جهادًا في سبيل الله. فجعلت تنقل الماء، وتروي العطاش، وتبري السِّهام، وتُصلح القِسيَّ (٢). وكان لها مع ذلك غرضٌ آخر هو أن ترقب المعركة بمشاعرها كلِّها ... ولا غرو (٣) فقد كان في ساحتها ابن أخيها محمَّدٌ رسول الله ﷺ ...

стр. 22

وأخوها حمزة بن عبد المطَّلب أسدُ الله ... وابنها الزُّبير بن العوَّام حواريُّ (١) نبيِّ الله ﷺ ... وفي المعركة - قبل ذلك كلِّه وفوق ذلك كلِّه - مصير الإسلام الذي اعتنقته راغبةً ... وهاجرت في سبيله محتسبةً ... وأبصرت من خلاله طريق الجنَّة. **** ولمَّا رأت المسلمين ينكشفون (٢) عن رسول الله ﷺ إلاَّ قليلًا منهم ... ووجدت المشركين يوشكون أن يصلوا إلى النَّبيِّ ﷺ ويقضوا عليه؛ طرحت سقاءها أرضاً ... وهبَّت كاللَّبؤة (٣) التي هوجم أشبالها وانتزعت من

стр. 23

يد أحد المنهزمين رُمحه، ومضت تشقُّ به الصُّفوف، وتضرب بسنانه الوجوه، وتزأر في المسلمين قائلةً: ويحكم، انهزمتم عن رسول الله؟!!. فلمَّا رآها النَّبيِّ ﵊ مقبلةً خشي عليها أن ترى أخاها حمزة وهو صريعٌ، وقد مثَّل به المشركون أبشع تمثيلٍ (١) فأشار إلى ابنها الزُّبير قائلًا: (المرأة يا زبير ... المرأة يا زبير ...). فأقبل عليها الزُّبير وقال: يا أمَّه إليك ... إليك يا أمَّه (٢). فقالت: تنحَّ لا أمَّ لك. فقال: إنَّ رسول الله يأمرك أن ترجعي ... فقالت: ولم؟! ... إنَّه قد بلغني أنه مثِّل بأخي، وذلك في الله ...

стр. 24

فقال له الرَّسول: ﷺ (خلِّ سبيلها يا زُبير). فخلَّى سبيلها. **** ولمَّا وضعت المعركة أوزارها ... وقفت صفيَّة على أخيها حمزة فوجدته قد بُقر (١) بطنه، وأُخرجت كبده، وجُدع أنفه (٢)، وصُلمت أذناه (٣)، وشوِّه وجهه، فاستغفرت له، وجعلت تقول: إنَّ ذلك في الله ... لقد رضيت بقضاء الله. والله لأصبرنَّ، ولأحتسبنَّ (٤) إن شاء الله. كان ذلك موقف صفيَّة بنت عبد المطَّلب يوم «أحد» ...

стр. 25

أمَّا موقفها يوم «الخندق» فله قصَّةٌ قصيرةٌ مثيرةٌ سُداها الدَّهاء والذَّكاء، ولُحمتُها (١) , البسالةُ والحزم ... فإليك (٢) خبرها كما وعته كتب التَّاريخ. **** لقد كان من عادة رسول الله ﷺ إذا عزم على غزوة من الغزوات أن يضع النِّساء والذَّراري في الحصون خشية أن يغدر بالمدينة غادرٌ في غيبة حماتها. فلمَّا كان يوم «الخندق» جعل نساءه وعمَّته وطائفة من نساء المسلمين في حصن لحسَّان بن ثابت (٣) ورثه عن آبائه، وكان من أمنع حصون المدينة مناعةً وأبعدها منالاً. وبينما كان المسلمون يرابطون على حوافِّ (٤)

стр. 26

الخندق في مواجهة قريش وأحلافها، وقد شُغلوا عن النِّساء والذَّراري بمنازلة العدو. أبصرت صفيَّة بنت عبد المطَّلب شبحًا يتحرَّك في عتمة الفجر، فأرهفت له السَّمع، وأحدَّت إليه البصر ... فإذا هو يهوديٌّ أقبل على الحصن، وجعل يُطيف به متحسِّساً أخباره متجسِّساً على من فيه. فأدركت أنَّه عينٌ (١) لبني قومه جاء ليعلم أفي الحصن رجالٌ يدافعون عمَّن فيه، أم إنَّه لا يضمُّ بين جدرانه غير النِّساء والأطفال. فقالت في نفسها: إنَّ يهود بني «قُريظة» قد نقضوا ما بينهم وبين رسول الله من عهدٍ وظاهروا (٢) قريشًا وأحلافها على المسلمين ... وليس بيننا وبينهم أحدٌ من المسلمين يدافع عنَّا،

стр. 27

ورسول الله ﷺ ومن معه مرابطون في نحور (١) العدوِّ ... فإن استطاع عدوُّ الله أن ينقل إلى قومه حقيقة أمرنا سبى اليهود النِّساء واسترقوا الذَّراري، وكانت الطَّامَّة (٢) على المسلمين. **** عند ذلك بادرت إلى خمارها فلفَّتهُ على رأسها، وعمدت إلى ثيابها فشدَّتها على وسطها، وأخذت عمودًا على عاتقها (٣)، ونزلت إلى باب الحصن فشقَّته في أناةٍ وحذقٍ، وجعلت ترقب من خلاله عدوَّ الله في يقظةٍ وحذرٍ، حتَّى إذا أيقنت أنَّه غدا في موقفٍ ... يُمكِّنُها منه ... حملت عليه حملةً حازمةً صارمةً، وضربته بالعمود على رأسه فطرحته أرضًا ...

стр. 28

ثمَّ عزَّزت الضَّربة الأولى بثانيةٍ وثالثةٍ حتَّى أجهزت عليه، وأخمدت أنفاسه بين جنبيه ... ثمَّ بادرت إليه فاحتزَّت رأسه بسكِّين كانت معها، وقذفت بالرَّأس من أعلى الحصن ... فطفق يتدحرج على سفوحه حتَّى استقرَّ بين أيدي اليهود الذين كانوا يتربَّصون (١) في أسفله. فلمَّا رأى اليهود رأس صاحبهم؛ قال بعضهم لبعض: قد علمنا أنَّ محمدًا لم يكن ليترك النِّساء والأطفال من غير ... حُماةٍ ... ثمَّ عادوا أدراجهم ... **** رضي الله عن صفيَّة بنت عبد المطَّلب. فقد كانت مثلًا فذّاً للمرأة المسلمة ... ربَّت وحيدها فأحكمت تربيته ...

стр. 29

وأصيبت بشقيقها فأحسنت الصَّبر عليه ... واختبرتها الشَّدائد فوجدت فيها المرأة الحازمة العاقلة الباسلة ... ثمَّ إنَّ التَّاريخ كتب في أنصع صفحاته: إن صفيَّة بنت عبد المطَّلب كانت أوَّل امرأةٍ قتلت مشركًا في الإسلام (١). ...

стр. 30

فَاطِمَةُ الزَّهراء رَيْحَانَةُ رَسُولِ الله ﷺ «المَهدِيُّ مِن عِترَتِي مِن وَلَدِ فَاطِمَةَ» [مُحَمَّدُ رَسُولُ الله] قصَّة حياة فاطمة الزَّهراء فصلٌ مشرقٌ من سيرة الرَّسول ... العظيم ﷺ ... وصورةٌ رائعةٌ من صور حياة بيت النُّبوَّة الكريم ... ومثلٌ رائعٌ لما كان عليه الصحابة الكرام. **** ولدت فاطمة الزَّهراء رضوان الله عليها سنة بناء الكعبة قبل البعثة المحمَّديَّة بخمس سنين. أمَّا أمُّها فسيِّدةٌ رزانٌ جمعت العقل الحصيف (١) إلى النَّسب الشَّريف وضمَّت إلى ذلك الخلائق الفاضلة،

стр. 31

والثَّروة الطَّائلة؛ فكانت تدعى في الجاهليَّة بالطَّاهرة، وتُنعت بسيِّدة نساء قريشٍ ... آمنت بالرَّسول ﷺ إذ كفر به النَّاس، وصدَّقته إذ كذَّبه النَّاس، وواسته بمالها إذ حرمه النَّاس. وقد حبا الله هذه السَّيِّدة الوقور صباحة الوجه مع ما حباها به من الخلق الجميل، والحسب الأثيل (١) والمال الجزيل ... هذه هي أمُّ فاطمة الزَّهراء ... أمَّا أبوها فسيِّد المرسلين، وخاتم النَّبيِّين، وإمام المتَّقين ... فأعظم بهذا النَّسب الكريم نسبًا ... وهذا الأب العظيم أباً. **** كانت فاطمة الزَّهراء آخر أولاد أبويها، وآخر

стр. 32

الأولاد يتقلَّب في أعطاف الحنان والحَدب ... ويدرج في أكناف الحفاوة والحبِّ ... لذا كانت فاطمة ريحانة رسول الله صلوات الله عليه ... يرضى إذا رضيت ويسخط إذا سخطت. ولكنَّ حنان الأبوين لم يحل دون تعهُّد المحبوبة الأثيرة بالتَّربية وإعدادها لتحمُّل المسئوليَّات ... فقد روي أنَّها كانت تقوم وحدها بصنيع بيتها لا يعينها في أكثر أيَّامها أحدٌ، وأنها كانت تضمِّد جراح أبيها صلوات الله عليه في غزوة «أحد». ولمَّا بلغت الزَّهراء مبلغ النِّساء طمحت إليها الأنظار؛ فكان في جملة من خطبها أبو بكر وعمر ... فردَّهما الرَّسول صلوات الله عليه ردًّا كريمًا، وكأنَّما كان يريد أن يخصَّ بها عليًا رضوان الله عليه. **** وفي السَّنة الثَّامنة للهجرة خطب عليُّ بن أبي طالبٍ

стр. 33

فاطمة الزَّهراء فما أسرع أن استجاب الرَّسول ﷺ إلى طلبه، فخرَّ عليُّ ساجداً شكرًا لله، فلمَّا رفع رأسه من سجوده قال له الرَّسول عليه أفضل الصَّلاة والسَّلام: (بارك الله لكما وعليكما، وأسعد جدَّكما (١) وأخرج منكما الكثير الطيب). وقد شهد عقد فاطمة الزَّهراء على عليِّ بن أبي طالب أبو بكر، وعمر، وعثمَّان، وطلحة (٢)، والزُّبير من المهاجرين، وعددٌ يماثل عددهم من الأنصار. ولما أخذ القوم مجالسهم قال ﵊: (الحمد لله المحمود بنعمته، المعبود بقدرته، إنَّ الله جعل المصاهرة نسبًا لاحقًا، وأمرًا مفترضًا

стр. 34

وحكمًا عادلًا، وخيرًا جامعًا، أوشج (١) بها الأرحام وألزمها الأنام فقال : ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ (٢). أشهدكم أنِّي زوجت فاطمة من عليٍّ على أربع مائة مثقال فضَّةٍ إن رضي بذلك على السُّنَّة القائمة، والفريضة الواجبة ... فجمع الله شملهما، وبارك لهما، وأطاب نسلهما ... أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم). وزُفَّت سيِّدة نساء المسلمين إلى بيت زوجها. وما كان لها من جهازٍ غير سريرٍ مشروطٍ، ووسادةٍ من أدمٍ حشوها ليفٌ، ونورةٍ (٣) من أدمٍ، وسقاءٍ، ومنخلٍ،

стр. 35

ومنشفةٍ، وقدحٍ، ورحوان وجرَّتان. **** لم يطق الرَّسول الكريم ﷺ صبرًا على بعد الزَّهراء عنه؛ فعزم على أن يحوِّلها إلى جواره وكانت تجاوره منازل لحارثة بن النُّعمان فجاء إلى النَّبيِّ صلوات الله عليه وقال: إنَّه بلغني أنَّك تريد أن تحوِّل فاطمة إليك، وهذه منازلي وهي أقرب بيوت «بني النَّجَّار» إليك، وإنما أنا ومالي لله ورسوله، والله يا رسول الله: للمالُ الذي تأخذ مني أحب إلي من الذي تدع. فقال رسول الله ﷺ : (صدقت، بارك الله عليك). ثمَّ حوَّل فاطمة إلى جواره وأسكنها منزلًا من بيوت حارثة رضوان الله عليه. **** ومنذ استقرت الزَّهراء في جوار أبيها كان يلمُّ ببيتها

стр. 36

كل صباح، فإذا أُذِّن للصُّبح كان يأخذ بعضادتي باب بيتها ويقول: (السَّلام عليكم أهل البيت ويطهِّركم تطهيرًا). وكان النَّبيِّ ﷺ إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فصلَّى فيه ركعتين ثمَّ يثنِّي ببيت فاطمة ويطيل عندها المكث، ثمَّ يأتي بيوت نسائه. **** وقد رُوي عن محمَّد بن قيس أنَّ الرَّسول صلوات الله عليه خرج ذات مرة في سفرٍ ومعه عليُّ بن أبي طالب فصنعت له فاطمة رضوان الله عليها في غيبتهما سوارين وقلادةً وقرطين، ووضعت على باب البيت ستارةً، وذلك لقدوم أبيها وزوجها. فلمَّا قدم رسول الله ﷺ دخل عليها ووقف أصحابه على الباب لا يدرون أيبقون أم ينصرفون لطول مكثه عندها، فخرج الرَّسول ﷺ وقد عرف في وجهه الغضب حتَّى جلس على المنبر.

стр. 37

عند ذلك أدركت فاطمة رضوان الله عليها أنَّه فعل ذلك لما رأى من السِّوارين والقلادة والقرطين والسِّتر ... فنزعت قرُطيها وقلادتها وسواريها وأنزلت السِّتر وبعثت به إلى رسول الله ﷺ ، وقالت لمن حمَّلته إياها: قُل للرَّسول تقرأ عليك ابنتك السَّلام وتقول لك اجعل هذا في سبيل الله، فلمَّا أتاه قال: (قد فعلت - فداها أبوها - ليست الدُّنيا من محمَّدٍ ولا من آل محمَّدٍ، ولو كانت الدُّنيا تعدل عند الله من الخير جناح بعوضةٍ ما سقى كافراً منها شربة ماءٍ). **** ثمَّ إنَّ بيت فاطمة الزَّهراء ما لبث أن سعد بالذُّرِّية الصَّالحة ... . فقد رُزق الأبوان الكريمان كلاً من الحسن، والحسين، ومُحسن ... . وزينب، وأم كلثومٍ. كانت فرحة الرَّسول الكريم ﷺ بهم كبيرةً، فقد

стр. 38

رُوي أنه لمَّا ولد الحسن سمَّاه والداه «حربًا» فجاء رسول الله ﷺ فقال: (أروني ابني، ما سمَّيتموه؟). قالوا: حربًا ... قال: (بل هو حَسنٌ). **** وكان الرَّسول صلوات الله عليه يدلِّل أولاد فاطمة ويستأنسهم ويداعبهم ويرقِّصهم، وربما ركب الواحد منهم على كتفه وهو ... يصلِّي ... فيتأنَّى في صلاته ويطيل سجوده لكي لا يزحزحه عن مركبه. وقد كان من عادته صلوات الله عليه أن يبيت في بيت فاطمة حيناً بعد حينٍ، ويتولى خدمة أطفالها بنفسه وأبواهم قاعدان. ففي إحدى اللَّيالي سمع الحسن يستسقي (١)؛ فقام

стр. 39

صلوات الله عليه إلى قربةٍ فجعل يعصرها في القدح فمدَّ الحُسين يده ليتناول الماء، فنحَّاه عنه وبدأ بالحسن، فقالت فاطمة: كأنَّه أحبُّ إليك؟. فقال ﵇: (إنَّما استسقى أولًا). **** وكانت فاطمة رضوان الله عليها إذا دخلت على رسول الله ﷺ أخذ بيدها ورحَّب بها وأجلسها في مجلسه ... وكان إذا دخل عليها قامت له ورحَّبت به وأخذت بيده فقبَّلتها. فدخلت عليه في مرضه الذي توفِّي فيه فأسرَّ إليها فبكت ... ثمَّ أسرَّ إليها فضحكت، وكانت عائشة ترى ذلك فقالت في نفسها: كنت أحسب لهذه المرأة فضلًا على النِّساء فإذا

стр. 40

هي واحدةٌ منهنَّ بينما هي تبكي إذا هي تضحك. فلمَّا توفِّي رسول الله ﷺ سألتها عن ذلك فقالت: أسرَّ إليَّ فأخبرني أنَّه ميِّتٌ فبكيتُ ... ثمَّ أسرَّ إليَّ أنِّي أوَّل أهل بيته لحوقًا به فضحكتُ. **** ولم تمكث فاطمة بعد وفاة أبيها ﵊ طويلًا فلحقت به بعد أشهرٍ قليلةٍ، قيل إنها ستٌ أو ثلاثةٌ أو اثنان على اختلافٍ في الرِّوايات. ففي رمضان سنة إحدى عشرة للهجرة لبَّت فاطمة الزَّهراء نداء ربِّها، وفرحت باللُّحوق بأبيها. ولمَّا حضرتها الوفاة تولَّت أمر غسل نفسها بيدها وقالت لصاحبتها أسماء بنت عميسٍ - بعد أن اغتسلت كأحسن ما كانت تغتسل-: يا أمَّه إيتيني بثيابي الجدد، فلبستها ... ثمَّ قالت:
следующие страницы →