← Тараджим

Тараджим · id 14542

صور من حياة الصحابيات

عبد الرحمن رأفت الباشا

Полный текст (115 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

كل صباح، فإذا أُذِّن للصُّبح كان يأخذ بعضادتي باب بيتها ويقول: (السَّلام عليكم أهل البيت ويطهِّركم تطهيرًا). وكان النَّبيِّ ﷺ إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فصلَّى فيه ركعتين ثمَّ يثنِّي ببيت فاطمة ويطيل عندها المكث، ثمَّ يأتي بيوت نسائه. **** وقد رُوي عن محمَّد بن قيس أنَّ الرَّسول صلوات الله عليه خرج ذات مرة في سفرٍ ومعه عليُّ بن أبي طالب فصنعت له فاطمة رضوان الله عليها في غيبتهما سوارين وقلادةً وقرطين، ووضعت على باب البيت ستارةً، وذلك لقدوم أبيها وزوجها. فلمَّا قدم رسول الله ﷺ دخل عليها ووقف أصحابه على الباب لا يدرون أيبقون أم ينصرفون لطول مكثه عندها، فخرج الرَّسول ﷺ وقد عرف في وجهه الغضب حتَّى جلس على المنبر.

стр. 37

عند ذلك أدركت فاطمة رضوان الله عليها أنَّه فعل ذلك لما رأى من السِّوارين والقلادة والقرطين والسِّتر ... فنزعت قرُطيها وقلادتها وسواريها وأنزلت السِّتر وبعثت به إلى رسول الله ﷺ ، وقالت لمن حمَّلته إياها: قُل للرَّسول تقرأ عليك ابنتك السَّلام وتقول لك اجعل هذا في سبيل الله، فلمَّا أتاه قال: (قد فعلت - فداها أبوها - ليست الدُّنيا من محمَّدٍ ولا من آل محمَّدٍ، ولو كانت الدُّنيا تعدل عند الله من الخير جناح بعوضةٍ ما سقى كافراً منها شربة ماءٍ). **** ثمَّ إنَّ بيت فاطمة الزَّهراء ما لبث أن سعد بالذُّرِّية الصَّالحة ... . فقد رُزق الأبوان الكريمان كلاً من الحسن، والحسين، ومُحسن ... . وزينب، وأم كلثومٍ. كانت فرحة الرَّسول الكريم ﷺ بهم كبيرةً، فقد

стр. 38

رُوي أنه لمَّا ولد الحسن سمَّاه والداه «حربًا» فجاء رسول الله ﷺ فقال: (أروني ابني، ما سمَّيتموه؟). قالوا: حربًا ... قال: (بل هو حَسنٌ). **** وكان الرَّسول صلوات الله عليه يدلِّل أولاد فاطمة ويستأنسهم ويداعبهم ويرقِّصهم، وربما ركب الواحد منهم على كتفه وهو ... يصلِّي ... فيتأنَّى في صلاته ويطيل سجوده لكي لا يزحزحه عن مركبه. وقد كان من عادته صلوات الله عليه أن يبيت في بيت فاطمة حيناً بعد حينٍ، ويتولى خدمة أطفالها بنفسه وأبواهم قاعدان. ففي إحدى اللَّيالي سمع الحسن يستسقي (١)؛ فقام

стр. 39

صلوات الله عليه إلى قربةٍ فجعل يعصرها في القدح فمدَّ الحُسين يده ليتناول الماء، فنحَّاه عنه وبدأ بالحسن، فقالت فاطمة: كأنَّه أحبُّ إليك؟. فقال ﵇: (إنَّما استسقى أولًا). **** وكانت فاطمة رضوان الله عليها إذا دخلت على رسول الله ﷺ أخذ بيدها ورحَّب بها وأجلسها في مجلسه ... وكان إذا دخل عليها قامت له ورحَّبت به وأخذت بيده فقبَّلتها. فدخلت عليه في مرضه الذي توفِّي فيه فأسرَّ إليها فبكت ... ثمَّ أسرَّ إليها فضحكت، وكانت عائشة ترى ذلك فقالت في نفسها: كنت أحسب لهذه المرأة فضلًا على النِّساء فإذا

стр. 40

هي واحدةٌ منهنَّ بينما هي تبكي إذا هي تضحك. فلمَّا توفِّي رسول الله ﷺ سألتها عن ذلك فقالت: أسرَّ إليَّ فأخبرني أنَّه ميِّتٌ فبكيتُ ... ثمَّ أسرَّ إليَّ أنِّي أوَّل أهل بيته لحوقًا به فضحكتُ. **** ولم تمكث فاطمة بعد وفاة أبيها ﵊ طويلًا فلحقت به بعد أشهرٍ قليلةٍ، قيل إنها ستٌ أو ثلاثةٌ أو اثنان على اختلافٍ في الرِّوايات. ففي رمضان سنة إحدى عشرة للهجرة لبَّت فاطمة الزَّهراء نداء ربِّها، وفرحت باللُّحوق بأبيها. ولمَّا حضرتها الوفاة تولَّت أمر غسل نفسها بيدها وقالت لصاحبتها أسماء بنت عميسٍ - بعد أن اغتسلت كأحسن ما كانت تغتسل-: يا أمَّه إيتيني بثيابي الجدد، فلبستها ... ثمَّ قالت:

стр. 41

قد اغتسلتُ فلا يكشفنَّ لي أحدٌ كفنًا ... ثمَّ تبسمت، ولم تُر مبتسمةً بعد وفاة أبيها إلاَّ ساعة فارقت الحياة. رحم الله ريحانة رسول الله ﷺ رحمةً واسعةً فقد زُفَّت إلى عليٍّ في رمضان ... وزُفَّت إلى الجنَّة في رمضان أيضًا (١). ****

стр. 42

أسَماءُ بِنتُ أَبِي بَكرٍ ذَاتُ النِّطَاقَينِ «عُمِّرَت أَسمَاءُ مِائَةَ عَامٍ وَلَمْ يَسْقُطْ لَهَا سِنٌّ وَلَا ضِرْسٌ، وَلَمْ يَغِبْ مِنْ عَقْلِهَا شَيءٌ» [المُؤَرِّخُون] صحابيَّتنا هذه جمعت المجد من أطرافه كلِّها ... فأبوها صحابيٌّ، وجدها صحابيٌّ، وأختها صحابيَّةٌ، وزوجها صحابيٌّ، وابنها صحابيٌّ ... . وحسبُها (١) بذلك شرفًا وفخرًا ... أما أبوها فالصِّدِّيق خليل الرَّسول الكريم ﷺ في حياته، وخليفته من بعد مماته ... وأما جدُّها فأبو عتيقٍ والد أبي بكرٍ ...

стр. 43

وأمَّا أختها فأمُّ المؤمنين عائشة الطَّاهرة المبرَّأة ... وأمَّا زوجها فحواريُّ (١) رسول الله ﷺ الزُّبير بن العوَّام ... وأمَّا ابنها فعبد الله بن الزُّبير ﵁ وعنهم أجمعين ... إنَّها- بإيجاز- أسماء بنت أبي بكر الصِّدِّيق ... وكفى ... **** كانت أسماء من السَّابقات إلى الإسلام، إذ لم يتقدم عليها في هذا الفضل العظيم غير سبعة عشر إنسانًا من رجلٍ أو امرأةٍ. وقد لقِّبت بذات النِّطاقين لأنَّها صنعت للرَّسول صلوات الله عليه ولأبيها يوم هاجرا إلى المدينة زادًا، وأعدت لهما سقاءً (٢) فلمَّا لم تجد ما تربطهما به شقَّت

стр. 44

نطاقها (١) شقَّين، فربطت بأحدهما المزود (٢) وبالثَّاني السِّقاء ... فدعا لها النَّبيُّ ﵊ أن يبدلها الله منهما نطاقين في الجنَّة ... فلقبت لذلك بذات النِّطاقين. **** تزوج بها الزُّبير بن العوام، وكان شابًا مرملًا (٣) ليس له خادمٌ ينهض بخدمته، أو مالٌ يوسِّع به على عياله غير فرس اقتناها. فكانت له نعم الزَّوجة الصالحة، تخدمه وتسوس فرسه وترعاه وتطحن النَّوى لعلفه، حتَّى فتح الله عليه فغدا من أغنى أغنياء الصحابة. ولما أتيح لها أن تهاجر إلى المدينة فرارًا بدينها إلى الله ورسوله كانت قد أتمَّت حملها بابنها عبد الله بن

стр. 45

الزُّبير فلم يمنعها ذلك من تحمل مشاقِّ الرِّحلة الطَّويلة، فما إن بلغت «قُباء» (١) حتَّى وضعت ... وليدها ... فكبَّر المسلمون وهلَّلوا، لأنه كان أوَّل مولود يولد للمهاجرين في المدينة. فحملته إلى رسول الله ﷺ ووضعته في حجره، فأخذ شيئًا من ريقه وجعله في فم الصَّبيِّ، ثمَّ حنَّكه (٢) ودعا له ... فكان أوَّل ما دخل في جوفه ريق رسول الله ﷺ . **** وقد اجتمع لأسماء بنت أبي بكرٍ من خصائل الخير وشمائل النُّبل، ورجاحة العقل ما لم يجتمع إلاَّ للقليل النَّادر من الرِّجال. فقد كانت من الجود بحيث يضرب بجودها المثل.

стр. 46

حدَّث ابنها عبد الله قال: ما رأيت امرأتين قط أجود من خالتي عائشة وأمِّي أسماء، لكنَّ جودهما مختلفٌ ... أمَّا خالتي فكانت تجمع الشَّيء إلى الشَّيء حتَّى إذا اجتمع عندها ما يكفي؛ قسمته بين ذوي الحاجات ... . وأمَّا أمِّي فكانت لا تمسك (١) شيئًا إلى الغد ... وكانت أسماء إلى ذلك عاقلة تحسن التَّصرف في المواقف ... الحرجة ... من ذلك أنَّه لمَّا خرج الصِّدِّيق مهاجرًا بصحبة رسول الله ﷺ حمل معه ماله كلَّه، ومقداره ستَّة آلاف درهمٍ، ولم يترك لعياله شيئًا ... فلمَّا علم والده أبو قحافه برحيله - وكان ما يزال مشركًا - جاء إلى بيته وقال لأسماء:

стр. 47

والله إني لأراه قد فجعكم بماله بعد أن فجعكم بنفسه ... فقالت له: كلاَّ يا أبت إنَّه قد ترك لنا مالاً كثيرًا. ثمَّ أخذت حصى ووضعته في الكوَّة (١)، التي كانوا يضعون فيها المال، وألقت عليه ثوباً، ثمَّ أخذت بيد جدِّها- وكان مكفوف البصر- وقالت: يا أبت، انظر كم ترك لنا من المال. فوضع يده عليه وقال: لا بأس ... إذا ترك لكم هذا كلَّه فقد أحسن. وقد أرادت بذلك أن تسكِّن نفس الشَّيخ، وألاَّ تجعله يبذل (٢) لها شيئًا من ماله ...

стр. 48

ذلك لأنها كانت تكره أن تجعل لمشركٍ عليها يدًا (١) حتَّى لو كان جدَّها ... **** وإذا نسي التَّاريخ لأسماء بنت أبي بكرٍ مواقفها كلَّها، فإنَّه لن ينسى لها رجاحة عقلها، وشدَّة حزمها، وقوَّة إيمانها وهي تلقى والدها عبد الله اللِّقاء الأخير. وذلك أنَّ ابنها عبد الله بن الزُّبير بويع له بالخلافة بعد موت يزيد بن معاوية، ودانت له الحجاز، ومصر، والعراق، وخراسان، وأكثر بلاد الشَّام. لكنَّ بني «أميَّة» ما لبثوا أن سيَّروا لحربه جيشاً لجباً (٢) بقيادة «الحجاج بن يوسف الثَّقفيِّ» ... فدارت بين الفريقين معارك طاحنةٌ أظهر فيها ابن الزُّبير من ضروب البطولة ما يليق بفارس كميٍّ (٣) مثله. غير أنَّ أنصاره جعلوا ينفضُّون (٤) عنه شيئًا فشيئًا؛

стр. 49

فلجأ إلى بيت الله الحرام، واحتمى هو ومن معه في حِمى الكعبة المعظَّمة ... وقبيل مصرعه بساعات دخل على أمِّه أسماء - وكانت عجوزًا فانيةً قد كفَّ بصرها - فقال: السَّلام عليك يا أمَّه (١) ورحمة الله وبركاته. فقالت: وعليك السَّلام يا عبد الله ... ما الذي أقدمك في هذه السَّاعة، والصخور التي تقذفها منجنيقات (٢) الحجَّاج على جنودك في الحرم تهزُّ دور مكَّة هزًا؟!. قال: جئت لأستشيرك. قالت: تستشيرني!! ... في ماذا؟!. قال: لقد خذلني النَّاس وانحازوا عنِّي رهبةً من الحجَّاج أو رغبةً بما عنده ...

стр. 50

حتَّى أولادي وأهلي انفضُّوا (١) عنِّي، ولم يبق معي إلاَّ نفر قليلٌ من رجالي، وهم مهما عظم جلدهم (٢) فلن يصبروا إلاَّ ساعةً أو ... ساعتين ... ورسل بني «أميَّة» يفاوضونني على أن يعطوني ما شئت من الدُّنيا إذا ألقيت السِّلاح وبايعت عبد الملك ابن مروان، فما ترين؟. فعلا صوتها وقالت: الشَّأن شأنك يا عبد الله، وأنت أعلم بنفسك ... فإن كنت تعتقد أنَّك على حقٍّ، وتدعو إلى حقٍّ، فاصبر وجالد كما صبر أصحابك الذين قتلوا تحت رايتك ... وإن كنت إنَّما أردت الدنيا فلبئس العبد أنت ... أهلكت نفسك، وأهلكت رجالك. قال: ولكنِّي مقتول اليوم لا محالة.

стр. 51

قالت: ذلك خيرٌ لك من أن تسلم نفسك للحجَّاج مختارًا، فيلعب برأسك غلمان بني «أميَّة». قال: لست أخشى القتل، وإنما أخاف أن يمثِّلوا بي. قالت: ليس بعد القتل ما يخافه المرء، فالشَّاة المذبوحة لا يؤلمها السَّلخ ... فأشرقت أسارير (١) وجهه وقال: بوركت من أمٍّ، وبوركت مناقبك (٢) الجليلة؛ فأنا ما جئت إليك في هذه السَّاعة إلاَّ لأسمع منك ما سمعت، والله يعلم أنَّني ما وهنت ولا ضعفت، وهو الشَّهيد عليَّ أنَّني ما قمت بما قمت به حبًا بالدنيا وزينتها، وإنما غضباً لله أن تستباح محارمه ... وهأنذا ماض إلى ما تحبيِّن، فإذا أنا قتلت فلا تحزني عليَّ وسلِّمي أمرك لله ...

стр. 52

قالت: إنما أحزن عليك لو قتلت في باطل. قال: كوني على ثقةٍ بأنَّ ابنك لم يتعمَّد إتيان منكرٍ قطُّ، ولا عمل بفاحشةٍ قطُّ، ولم يجر في حكم الله، ولم يغدر في أمان، ولم يتعمَّد ظلم مسلمٍ ولا معاهدٍ (١)، ولم يكن شيء عنده آثر (٢) من رضي الله ... لا أقول ذلك تزكيةً لنفسي، فالله أعلم منِّي بي، وإنَّما قلته لأدخل العزاء (٣) علي قلبك. فقالت: الحمد لله الذي جعلك على ما يحبُّ وأحبُّ ... اقترب منِّي يا بنيَّ لأتشمَّم رائحتك وألمس جسدك فقد يكون هذا آخر العهد بك. فأكبَّ عبد الله على يديها ورجليها يوسعهما (٤) لثماً، وأجالت هي أنفها في رأسه ووجهه وعنقه تتشمَّمُه وتُقبِّلُه ...

стр. 53

وأطلقت يديها تتلمَّس جسده، ثمَّ ما لبثت أن ردَّتهما عنه وهي تقول: ما هذا الذي تلبسه يا عبد الله؟!. قال: درعي. قالت: ما هذا يا بنيَّ لباس من يريد الشَّهادة. قال: إنَّما لبستها لأطيب خاطرك، وأسكن قلبك. قالت: انزعها عنك، فذلك أشدُّ لحميتك (١) وأقوي لوثبتك، وأخفُّ لحركتك ... ولكن البس بدلًا منها سراويل مضاعفةً (٢)، حتَّى إذا صُرعت لم تنكشف عورتك. ****

стр. 54

نزع عبد الله بن الزُّبير درعه، وشدَّ عليه سراويله، ومضى إلى الحرم لمواصلة القتال وهو يقول: لا تفتري عن الدُّعاء لي يا أمَّه. فرفعت كفَّيها إلى السَّماء وهي تقول: اللَّهمَّ ارحم طول قيامه وشدَّة نحيبه في سواد اللَّيل والنَّاس نيامٌ ... اللَّهمَّ ارحم جوعه وظمأه في هواجر المدينة ومكَّة وهو صائمٌ ... اللَّهمَّ ارحم برَّه بأبيه وأمَّه ... اللَّهمَّ إني قد سلَّمته لأمرك، ورضيت بما قضيت له، فأثبني عليه ثواب الصَّابرين ... لم تغرب شمسُ ذلك اليوم إلاَّ كان عبد الله بن الزُّبير قد لحق بجوار ربِّه. ولم يمض على مصرعه غير بضعة عشر يومًا

стр. 55

إلاَّ كانت أمُّه أسماء بنت أبي بكر قد لحقت به ... وقد بلغت من العمر مائة عام، ولم يسقط لها سنٌّ ولا ضرسٌ ولم يغب من عقلها شيءٌ (١). ...

стр. 56

نَسِيبَةُ المَازِنِيَّةُ «مَا التَفَتُّ يَومَ أُحُدٍ يَمِيناً وَلَا شِمَالاً إلاَّ وَرَأَيتُ أُمَّ عُمَارَةَ تُقَاتِلُ دُونِي» [مُحَمَّدُ رَسُولُ الله] «أنتم على موعدٍ مع رسول الله ﷺ عند العقبة في آخر الهزيع (١) الأوَّل من اللَّيل». أسرَّ مصعب بن عميرٍ بهذه الكلمة إلى واحدٍ من مسلمي «يثرب»، فسرى الخبر بينهم سريان النَّسيم في سرعةٍ، وخفَّةٍ، وهدوءٍ. وأحيط به المسلمون الذين تسلَّلوا من المدينة، واندسُّوا بين جموع حجَّاج المشركين الوافدين على مكَّة من كلِّ صوبٍ. وأقبل اللَّيل فاستسلم حجَّاج المشركين إلى الكرى (٢) ...

стр. 57

وجعلوا يغُطُّون في نوم عميقٍ بعد يومٍ جاهدٍ ناصبٍ (١) قضوه في التَّطواف حول الأوثان ... والذَّبح للأصنام ... لكنَّ أصحاب مصعب بن عميرٍ من مسلمي «يثرب» لم يغمض لهم جفنٌ ... وكيف لجفونهم أن تغمض؟!. وقلوبهم تخفق بين فرحة باللِّقاء الذي قطعوا من أجله الفَيَافِي (٢) والقِفَار (٣) وأفئدتهم تكاد تطير من بين ضلوعهم شوقاً لرؤية نبيِّهم الحبيب صلوات الله وسلامه عليه. فقد آمن به أكثرهم قبل أن يسعدوا بلقياه ... وتعلَّقوا به قبل أن تكتحل أعينهم بمرآه ... **** وفي آخر الهزيع الأوَّل من أوسط أيَّام التَّشريق،

стр. 58

وعند «العقبة» في «منى» تمَّ اللِّقاء الكبير في نجوةٍ (١) من قريشٍ ... فلمَّا تقدَّم اثنان وسبعون رجلاً من النَّبيِّ صلوات الله وسلامه ... عليه ... ووضعوا أيديهم في يديه واحدًا بعد آخر مبايعين على أن يمنعوه ممَّا يمنعون منه نساءهم وأولادهم ... ولمَّا انتهى الرِّجال من البيعة تقدَّمت امرأتان فبايعتا على ما بايع عليه الرِّجال ... ولكن من غير مصافحةٍ ... ذلك لأن الرَّسول ﵊ لا يصافح النِّساء. وقد كانت إحدى هاتين المرأتين تعرف بأمٍّ منيعٍ (٢) ...

стр. 59

أما الأخرى فهي نسيبة بنت كعب المازنيَّة المكنَّاة بأمِّ عمارة. **** عادت أمَّ عمارة إلى «يثرب» فرحةً بما أكرمها الله به من لقاء الرَّسول الأعظم ﷺ . عاقدةً العزم على الوفاء بشروط البيعة ... ثمَّ مضت الأيام سراعًا، حتَّى كان يوم «أُحُدٍ»، وكان لأمِّ عمارة فيه شأنٌ وأيُّ شأنٍ؟!. خرجت أمُّ عمارة إلى «أُحُدٍ» تحمل سقاءها لتروي ظمأ المجاهدين في سبيل الله. ومعها لفائفُها لتضمِّد (١) جراحهم ... ولا عجب فقد كان لها في المعركة زوجٌ وثلاثة أفئدةٍ: هم رسولُ الله صلوات الله وسلامه عليه ...

стр. 60

وولدها حبيب (١)، وعبد الله ... وذلك بالإضافة إلى إخوتها من المسلمين الذَّائدين (٢) عن دين الله المنافحين عن رسول الله. ثمَّ كان ما كان يوم «أُحُدٍ» ... فلقد رأت أمُّ عمارة بعينيها كيف تحوَّل نصر المسلمين إلى هزيمةٍ كبرى ... وكيف أخذ القتل يشتدُّ في صفوف المسلمين فيتساقطون على أرض المعركة شهيدًا إثر شهيد ... وكيف زلزلت الأقدام، فتفرَّق الرِّجال عن رسول الله ﷺ حتَّى لم يبق معه إلاَّ عشرةٌ أو نحوٌ من عشرةٍ ... ممَّا جعل صارخ الكفَّار ينادي: لقد قتل محمَّدٌ ... لقد قتل محمَّدٌ ...

стр. 61

عند ذلك ألقت أمُّ عمارة سقاءها، وانبرت إلى المعركة كالنَّمرة التي قصد أشبالها بشرٍّ ... ولنترك لأمِّ عمارة نفسها الحديث عن هذه اللَّحظات الحاسمات، فليس كمثلها من يستطيع تصويرها بدقَّةٍ وصدقٍ. قالت أمُّ عمارة: خرجت أوَّل النَّهار إلى «أُحُدٍ» ومعي سقاءٌ أسقي منه المجاهدين حتَّى انتهيت إلى رسول الله ﷺ ، والدَّولة والرِّيح (١) له ولمن معه ... ثمَّ ما لبث أن انكشف المسلمون عن رسول الله ﷺ فما بقي إلاَّ في نفرٍ قليلٍ ما يزيدون على العشرة ... فملت إليه أنا وابني وزوجي ... وأحطنا به إحاطة السِّوار بالمعصم، وجعلنا نذود عنه بسائر ما نملكه من قوَّةٍ وسلاحٍ ...

стр. 62

ورآني الرَّسول الكريم ﷺ ولا تُرس معي أقي به نفسي من ضربات المشركين. ثمَّ أبصر رجلًا مولِّياً (١) ومعه ترسٌ فقال له: (القِ تُرسك إلى من يقاتل) فألقى الرَّجل تُرسه ومضى ... فأخذته وجعلت أتترَّس به عن الرَّسول ﷺ . ومازلت أضارب عن النَّبيِّ بالسيف ... وأرمي دونه بالقوس حتَّى أعجزتني الجراح. وفيما نحن كذلك أقبل «ابن قمئة» كالجمل الهائج وهو يصيح: أين محمَّد؟ ... دلُّوني على محمَّدٍ. فاعترضت سبيله أنا ومصعب بن عميرٍ، فصرع مُصعبًا بسيفه وأرداه قتيلاً ...

стр. 63

ثمَّ ضربني ضربة خلَّفت في عاتقي جُرحًا غائرًا ... فضربته على ذلك ضرباتٍ، ولكنَّ عدوَّ الله كانت عليه ... درعان (١) ... ثمَّ أتبعت نسيبة المازنيَّة تقول: وفيما كان ابني يُناضل عن رسول الله ﷺ ضربه أحد المشركين ضربةً كادت تقطع عضده ... وجعل الدَّم يتفجَّر من جرحه الغائر ... فأقبلت عليه، وضمَّدت جرحه، وقلت له: انهض يا بنيَّ وجالد (٢) القوم ... فالتفت إليَّ الرَّسول صلوات الله وسلامه عليه وقال: (ومن يُطيق ما تطيقين يا أمَّ عمارة)؟!.

стр. 64

ثمَّ أقبل الرَّجل الذي ضرب ابني، فقال الرَّسول ﵊: (هذا ضارب ابنك يا أمَّ عمارة). فما أسرعت أن اعترضت سبيله وضربته على ساقه بالسَّيف، فسقط صريعًا على الأرض ... فأقبلنا عليه نتعاوره (١) بالسُّيوف ونطعنه بالرِّماح حتَّى أجهزنا (٢) عليه، فالتفت إليَّ النَّبيِّ الأعظم ﷺ مبتسمًا وقال: (لقد اقتصصت منه يا أمَّ عمارة ... والحمد لله الذي أظفرك به ... وأراك ثأرك بعينك). **** لم يكن ولدًا أمِّ عمارة أقلَّ شجاعةً وبذلًا من أمِّهما وأبيهما، ولا أدنى تضحيةً وفداءً منهما ...

стр. 65

فالولد سرُّ أمِّه وأبيه، وصورةٌ صادقةٌ عنهما. حدَّث ابنها عبد الله قال: شهدت «أُحُدًا» مع رسول الله ﷺ ، فلمَّا تفرَّق النَّاس عنه دنوت منه أنا وأمِّي نذبُّ (١) عنه، فقال: (ابن أمِّ عمارة؟). قلت: نعم. قال: (ارم ...). فرميت بين يديه رجلًا من المشركين بحجر فوقع على الأرض، فما زلت أعلوه بالحجارة حتَّى جعلت عليه منها حملًا، والنَّبيُّ ﵇ ينظر إليَّ ويبتسم ... وحانت منه التفاتةٌ فرأى جُرح أمِّي على عاتقها يتصبَّب منه الدَّم فقال: (أمَّك ... أمَّك ... اعصب جرحها. بارك الله عليكم أهل بيتٍ ...

стр. 66

لمقام أمِّك خيرٌ من مقام فلانٍ وفلانٍ ... رحمكم الله أهل بيتٍ). فالتفتت إليه أمِّي وقالت: ادع الله لنا أن نرافقك في الجنَّة يا رسول الله. فقال: (اللهم اجعلهم رفقائي في الجنَّة). فقالت أمِّي: ما أبالي بعد ذلك ما أصابني في الدُّنيا. ثمَّ عادت أمُّ عمارة من «أُحُدٍ» بجرحها الغائر وهذه الدَّعوة التي دعا لها بها الرَّسول الأعظم ﷺ . وعاد النَّبيُّ ﵊ من «أُحُدٍ» وهو يقول: (ما التفتُّ يوم أحدٍ يمينًا ولا شمالاً إلاَّ ورأيت أمَّ عمارة تقاتل دوني). ****

стр. 67

تمرست أمُّ عمارة يوم «أُحُدٍ» على القتال؛ فأتقنته ... وذاقت حلاوة الجهاد في سبيل الله؛ فما عادت تطيق عنه صبرًا. وقد كتب لها أن تشهد مع الرَّسول صلوات الله وسلامه عليه ... أكثر المشاهد ... فحضرت معه الحديبية، وخيبرًا ... وعمرة القضيَّة (١)، وحُنينًا ... وبيعة الرِّضوان ... ولكنَّ ذلك كله لا يعدُّ شيئًا إذا قيس بما كان منها يوم «اليمامة» على عهد الصِّدِّيق ﵂ وعنه. **** تبدأ قصة أمِّ عمارة مع يوم «اليمامة» منذ عهد الرَّسول صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 68

فقد بعث الرَّسول الأعظم ﷺ ابنها حبيب بن زيدٍ برسالة إلى مسيلمة الكذَّاب ... . فغدر مسيلمة بحبيبٍ وقتله قتلةً تقشعرُّ منها الجلود. ذلك أن مسيلمة قيَّد حبيبًا ثمَّ قال له: أتشهد أن محمَّدًا رسول الله؟. فقال: نعم. فقال مسيلمة: أتشهد أنِّي رسول الله؟. فقال: لا أسمع ما تقول ... . فقطع منه عضوًا ... . ثمَّ مازال مسيلمة يعيد عليه السُّؤال نفسه، فيردُّ عليه الجواب نفسه ... .. لا يزيد عليه ولا ينقص ... . وكان في كلِّ مرَّة يقطع منه عضوًا حتَّى فاضت

стр. 69

روحه الطَّاهرة، وذلك بعد أن ذاق من العذاب ما تتزلزل منه الصُّمُّ الصِّلاب (١). **** نعى النَّاعي حبيب بن زيدٍ إلى أمِّه نسيبة المازنيَّة فما زادت على أن قالت: من أجل مثل هذا الموقف أعددته ... وعند الله احتسبته ... لقد بايع الرَّسول ﷺ ليلة العقبة (٢) صغيرًا ... ووفَّى له اليوم كبيرًا ... ولئن أمكنني الله من مسيلمة لأجعلنَّ بناته يلطمن الخدود عليه ... **** لم يبطئ اليوم الذي تمنَّته نسيبة كثيرًا ... حيث أذَّن مؤذِّن أبي بكرٍ في المدينة أن حيَّ على قتال المتنبِّئ الكذَّاب مسيلمة ...

стр. 70

فمضى المسلمون يحثُّون الخطا إلى لقائه، وكان في الجيش أمُّ عمارة المجاهدة الباسلة وولدها عبد الله ابن زيدٍ. ولمَّا التقى الجمعان وحمي وطيس (١) المعركة كان يترصَّد لمسيلمة نفرٌ من المسلمين وعلى رأسهم أمُّ عمارة التي تريد أن تنتقم لابنها الشَّهيد ... ووحشيُّ بن حرب (٢) قاتل حمزة يوم «أُحُدٍ» ... فقد كان يريد أن يقتل شرَّ النَّاس وهو مؤمنٌ. بعد أن قتل أحد أخيار النَّاس وهو مشركٌ. **** لم تستطع أمُّ عمارة أن تصل إلى مسيلمة بعد أن قطعت يدها في المعركة ...

стр. 71

وأثخنتها (١) الجراح ... لكن وحشيَّ بن حرب، وأبا دجانة صاحب سيف رسول الله ﷺ وصلا إلى مسيلمة وضرباه عن يد واحدةٍ ... فقد طعنه وحشيُّ بالحربة ... وضربه أبو دجانة بالسَّيف ... فخرَّ صريعًا في طرفة عينٍ. **** عادت أمُّ عمارة بعد «اليمامة» إلى المدينة بيد واحدة ومعها ابنها الوحيد. أمَّا يدها الأخرى فقد احتسبتها (٢) عند الله كما احتسبت من قبل ولدها الشَّهيد. ولم لا تحتسبهما؟! ...

стр. 72

ألم تقل للرَّسول ﵊: ادع الله لنا أن نرافقك في الجنَّة ... فقال الرَّسول صلوات الله وسلامه عليه: (اللَّهمَّ اجعلهم رفاقي في الجنَّة). فقالت: ما أبالي بعد ذما أصابني في الدُّنيا ... رضي الله عن أمِّ عمارة وأرضاها؛ فقد كانت طرازًا فريدًا بين النِّساء المؤمنات ... وأنموذجًا فذّاً بين المجاهدات الصَّابرات (١) ... ...

стр. 73

رَمْلَةُ بِنْتُ أَبي سُفْيَانَ «أُمُّ حبيبة آثَرَتِ الله وَرَسُولَهُ عَلَى مَا سِوَاهُمَا، وَكَرِهَتْ أَنْ تَعُودَ لِلْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ المَرْءُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ» [المُؤَرِّخُون] ما كان يخطر ببال أبي سفيان بن حربٍ أنَّ في وسع احد من قريش أن يخرج على سلطانه (١) أو يخالفه في أمرٍ ذي بالٍ (٢). فهو سيِّد مكَّة المطاع ... وزعيمها الذي تدين له بالولاء (٣). لكنَّ ابنته رملة المكنَّاة بأمِّ حبيبة، قد بدَّدت (٤) هذا الزَّعم، وذلك حين كفرت بآلهة أبيها. وآمنت هي وزوجها عبيد الله بن جحشٍ بالله وحده لا شريك له، وصدَّقت برسالة نبيِّه محمَّد بن عبد الله. وقد حاول أبو سفيان بكلِّ ما أوتي من سطوةٍ

стр. 74

وبأسٍ (١)، أن يردَّ ابنته وزوجها إلى دينه ودين آبائه، فلم يفلح، لأنَّ الإيمان الذي رسخ في قلب رملة كان أعمق من أن تقتلعه أعاصير (٢) أبي سفيان، وأثبت من أن يزعزعه غضبه. **** ركب أبا سفيان الهمُّ بسبب إسلام رملة، فما كان يعرف بأيِّ وجه يقابل قريشاً بعد أن عجز عن إخضاع ابنته لمشيئته، والحيلولة دونها ودون اتِّباع محمَّد. **** ولمَّا وجدت قريشٌ أنَّ أبا سفيان ساخطٌ على رملة وزوجها اجترأت عليهما، وطفقت تضيِّق عليهما الخناق، وجعلت ترهقهما (٣) أشدَّ الإرهاق، حتَّى باتا لا يطيقان الحياة في مكَّة. ولمَّا أذن الرَّسول صلوات الله وسلامه عليه

стр. 75

للمسلمين بالهجرة إلى «الحبشة»، كانت رملة بنت أبي سفيان وطفلتها الصَّغيرة حبيبة، وزوجها عبيد الله بن جحشٍ (١)، في طليعة المهاجرين إلى الله بدينهم، الفارِّين إلى حِمى «النَّجاشيِّ» (٢) بإيمانهم. **** لكنَّ أبا سفيان بن حربٍ ومن معه من زعماء قريشٍ، عزَّ (٣) عليهم أن يفلت من أيديهم أولئك النَّفر من المسلمين، وأن يذوقوا طعم الرَّاحة في بلاد «الحبشة». فأرسلوا رسلهم إلى النَّجاشيِّ يحرضونه (٤) عليهم، ويطلبون منه أن يسلمهم إليهم، ويذكرون له أنَّهم يقولون في المسيح وأمِّه مريم قولاً يسوؤُه (٥). فبعث النَّجاشيُّ إلى زعماء المهاجرين، وسألهم
следующие страницы →