أما قبل
كان: تمهيداً مختصراً لرسالتي الماجستير: «الأحاديث المرفوعة والموقوفة في كتاب حياة الحيوان الكبرى للدميري، من بداية حرف التاء، إلى نهاية حرف الجيم ـ تخريجاً ودراسة ـ».
ثم: أفردته هنا، مع تصحيحات، وإضافات، و «مقدمة».
أما بعد
حقيقة: تراثنا كبير، ومتنوع، ومميَّزٌ، وكافٍ ...
نموذج من الإبداع: كتاب «حياة الحيوان» ـ على مافيه من مؤاخذات ـ.
رأيتُ: انصراف كثير من أهل زماننا إلى الثقافة الغربية، وافتتانهم بها، وتبني بعض المكتبات، والمثقفين نشر التراث الغربي ...
كتبتُ: مقدمة حول الموضوع «تغريب الثقافة».
العلاقة: بين موضوع المقدمة، وكتاب الدميري، كالعلاقة بين الدواء والداء، والزَّبَد والماء ...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد
فإنَّ كتابَ «حياة الحيوان» مَعْلَمةٌ كبرى، وُلِدت في شهر رجب، من عام ٧٧٣ هـ (١)، وأُلبستْ من العلوم أفناناً، ومن الأفنان ألواناً حساناً، وعُلِّق عليها ما يراه المحِقُّون سيئةً ونُكراناً. (٢)
جاءت تمشي قروناً عديدة، يَمُدُّ إليها يده كلُّ صاحب علمٍ وأدَب، ويدَّعي بها وصلاً وَأرَب، تمشي وتتفرد، لا قرينةَ تعادلها، ولا شبيهةَ تماثلها في «فنِّها».
تأتي مثلاً شاهداً على غناء المكتبة العربية، وجمالها، ومتعها، وتنوعها
стр. 8
المتفرد، ولطافتها، وتأثيرها في حضارات الأمم الأخرى ـ كما سيأتي في ترجمات الكتاب ـ.
قال الشيخ: علي الطنطاوي ﵀ عن الكتاب ـ وقد قرأه في أوائل شبابه ـ: (وهو كتابٌ عجيب، فيه فقهٌ، بل إنه يُعَدُّ أقرب مرجعٍ في معرفة ما يؤكل وما لايؤكل من الحيوان، وكتابُ لغةٍ فهو يضبط الأسماء، وكتابُ أدبٍ فهو يسرد الأخبار، وكتابُ طبيعةٍ فهو يشير إلى بعض خصائص الحيوانات، وكتابُ تاريخٍ فهو يُلَخِّص فيه مراحل طويلة من تاريخنا، وهو على ذلك كُلِّه مملوءٌ بالخرافات، والأوهام، والأباطيل، وما يدخلُ العقل ومالا يدخله، وما يُفسِدُه، ويُعطِّلُه، ثم لما كبرتُ قرأتُ كتاب «الحيوان» للجاحظ، فوجدتُ فيه تلك الألوان كُلَّها، ولكن الذي فيه أعلى وأغلى، وحسبُكَ أنه من تصنيف الجاحظ). (١)
стр. 9
ولعلي في هذه المقدمة أنتزع من بديع الدميري في كتابه معنى؛ فأقابل به وجوهاً ولَّت شطر مغرب الشمس، في أعين حمئة، تنظر الآفاق المغبَرَّة، ولاتبصر موضع قدمها، ولا جادة الأسلاف النيِّرة.
تنظر شطر الغرب في أفكارها وكتبها مبنى ومعنى، في مترجماتها لأدبائها ومثقفيها؛ على حين غرة وغفلة منها عن كتب الأسلاف أهل الإسلام ديناً ولغةً وأدباً ومعارف ثرَّةٍ؛ لم يقرأ منها ما يُقيم أوَدَه الثقافي!
стр. 10
يذهب دون تكبير واستفتاح، فيسجد هناك، ويهيم بكل غربي؛ تباهله أنه لن يجد ما يستحق الالتفاته إلا النزر اليسير؛ وهذا النزر لا يمسه إلا مميِّز، عرف حق أمته وفضلها ونتاجها، فنقل من أولئك ـ بحذر ـ ما يفيد، والحديث هنا عن الفكر والثقافة فقط.
لو كان انبعاثه للمترجمات بعد الامتلاء من كتبنا، وتحصين نفسه بالمسلَّمات وحرَمِها؛ ثم اتجه لما يغلب تميزه، ويقلُّ وجوده في تراثنا؛ لكان لفعلته محملاً (١)؛ لكنه قام بذلك ولما يقم أوده الثقافي؛ حينها سترديه أرضاً؛ أو تحمله إلى مكان سحيق، وهو يحسب أنه يحسن صنعاً. (٢)
وما سبق ذكره من النقل باقتصاد من عالم بتراثنا، وما عند أولئك، يظهر في أمثلة قليلة، منها: ماصنعه العالم الفقيه المفسِّر النجدي الشيخ:
стр. 11
عبدالرحمن السعدي (ت ١٣٧٦ هـ) ﵀ لمَّا رأى في بيروت كتاب ديل كارنيجي «دع القلق وابدأ الحياة»، رآه صُدْفَةً ولم يقْصِدْ إليه، قرأهُ فاستَحْسَنَهُ، ورأى أنه لم يُكتب عندنا ببسط كما في الكتاب المذكور، وأنَّ أُسُسَهُ ومَبادِئَهُ مَوجُودَةٌ وزِيَادَةٌ في الكتابِ والسُّنَّة، عَمدَ إلى زُبْدة أفكار الكتاب، وعرضَهَا بلسانٍ عَرَبيٍّ مُبِين، لاحشْوَ فيها ولا مُنَغِّصَات كما في المترجمات، ثم استدل لها بما في الوَحْيَيْن الشَّرِيفَين، فكان كتاباً خفيفَ المحْمَلِ بحجم الكَفِّ، سَهْلَ العبارة، لَطِيْفَ البَيَان، وسَمَّاهُ «الوسائل المفيدة للحياة السعيدة».
وصُورَةٌ أخرى مقابلة: يأتي مُثَقَّفٌ، فيُثَاقِفُ ــ دَوْمَاً ـ بما لدى القوم، ــ «و ثقافةُ كُلِّ أمَّةٍ مُستمَدَّةٌ من دِينَها» (١) ــ يَهْذِيْ ويرَى أنَّه يَهْدِيْ إلى خَيْرٍ! إلى تُرَاثِ الفِكْرِ لأُمَم الكُفْرِ؛ يَهْدِي النَّاس عَامَّتهم قَبْلَ خَاصَّتِهِم إلى سَلَفِيَّةٍ مُتَجَدِّدَةٍ ـ بِزَعْمِهِ ـ، ومُجتَمَعٍ مَدَنِيٍّ بفِكْرٍ غَرْبِيٍّ! هل جاءنا «طه حسين»، و «قاسم أمين»، وجماعتُهما، في رجلٍ واحدٍ من حيث لانحتسب؟ !
стр. 12
هدفُهُ أن يكون إماماً وعميداً ل «تغريب الثقافة» في بلد «الكتاب والسُّنَّة»، بعد أن ارتكس بين مؤلَّفات مفكري الغرب ـ ولو كان يعرف الشرق ـ، ثم رأى اغترار الناس به، وكثرة أتباعه المصفقين لسعة اطلاعه على كتب الروايات والمترجمات؛ وبئس اغترارٌ في سبيلِ تفرُّدٍ على مَنْهجٍ فَاسدٍ، حاملٍ لِواء الدعوة؛ والداعي إلى البدعة ليس كالمتلبِّس بها ...
وليست كثرةُ الأتباعِ دليلاً على صِحَّةِ منهج المتبوع، فلو خَرَجَ مُدَّعٍ للنبوة، لوَجَد له أتباعاً، قال ابن قتيبة ﵀ (ت ٢٧٦ هـ): (والناسُ أسرابُ طَيرٍ يتبعُ بعضُها بعضاً؛ ولو ظهرَ لهم من يدَّعي النبوة ــ مع معرفتِهم بأنَّ رسولَ الله ﷺ خاتمُ الأنبياء، أو مَنْ يدَّعِي الرُّبُوبيَّةَ ــ؛ لوجدَ على ذلك أتباعاً وأشياعاً! ). (١)
أسأل الله أن يكفَّ عن المسلمين شرَّه وأمثاله، ويهدينا وإياهم سواء السبيل، وأن يبصرنا جميعاً بالحق، ويعيننا ويثبتنا عليه حتى نلقاه.
قال العلامة: محمود شاكر ﵀: (إنَّ العار أن يقضي الشاب
стр. 13
من أول نشأته إلى آخر خروجه من دراسته أعواماً طوالاً، يدرس في أثنائه تاريخ «نابليون» وأمته، وفلاناً وفلاناً من أفذاذ الأمم الغربية، وهو لايعرف من ماضي أمته العربية إلا نتفاً تذهب مع الأيام، هذا الماضي الذي يصوره الذين يتعرضون للتاريخ من مستشرقين يقولون غير مالايعلمون (١)، أو يقولون فيما لايعلمون؛ أو عرب قد فسدت قلوبهم على تاريخهم، فهم يتقيدون لآراء عن تاريخهم كلها بهتان وتدليس، هذا الماضي الذي يصورون في صورة مسخ تاريخي هائل، قد خرج على الدنيا كما يخرج الوباء، ثم انقشع عنها؛ فأعقبها صحة وعافية، أو كما يقولون! ). (٢)
وأفاد البشير الإبراهيمي الجزائري (ت ١٣٨٥ هـ) ﵀: أن الغرب يملأ عقول أبنائنا ونفوسهم بعلومهم وتاريخهم، حتى لا يبقى فيها متسع لذكريات ماضينا وأسلافنا، وإن الواحد من هذا الصنف من أبنائنا
стр. 14
ليعرف الكثير عن «نابليون»، ولا يعرف شيئاً عن «عمر» ﵁، ويحفظ تاريخ «جان دارك» عن ظهر قلب، ولا يحفظ كلمة عن «عائشة» و «خديجة» ﵄ (١)
وقال: (عمد الغرب إلى الشباب المسلم فرموه بهذه التهاويل من الحضارة الغربية، وبهذه التعاليم التي تأتي بنيانه الفكري والعقلي من القواعد، وتحرف المسلم عن قبلته، وتحول الشرقي إلى الغرب؛ وإن من خصائص هذه الحضارة أن فيها كلَّ معاني السحر، وأساليب الجذب، وحسبكم منها أنها تفرق بين المرء وأخيه، والمرء وولده؛ فأصبح أبناؤنا يهرعون إلى معاهد العلم الغربية عن طوعٍ مِنَّا يشبهُ الكُرْهَ، أو عن كُرْهٍ يشبه الطَّوْعَ، فيرجعون إلينا العلم , أشياء أخرى ليس منها الإسلام ولا الشرقية، ومعهم أسماؤهم، وليس معهم عقولهم ولا أفكارهم، وإن هذه لهي المصيبة الكبرى التي لا نبعد إذا سمَّيناها مسخاً، وليتها كانت مسخاً للأفراد، ولكنها مَسخٌ للأمم، ونَسْخٌ لمقوِّمَاتها). (٢)
стр. 15
قال أيضاً ﵀: (إن هذا الجيل الجديد من أبنائنا واقفٌ في مفترق طرق، لا يدري أيها يسلك، وقد فتح عينيه على زخارف تستهوي من الثقافة الغربية، وقد أصبحت هذه الثقافة أقرب إلى عقله وذوقه لما مهَّد أهلها ودعاتها من المسالك إلى النفوس، ولما تنطوي عليه من المغريات والمعاني الحيوانية، ولما فيها من موجبات التحلل والانطلاق، ولما تزخر به من الشهوات وحظوظ الجسد، ولما يشهد لأهلها من شهود العلم، وهو يفتح عينيه كل يوم منها على جديد). (١)
إنَّ مكتبتنا العربية، أعني (المؤلَّفة باللغة العربية) ثرَّةٌ غنيَّة، مورداً ورِيَّاً، تبزُّ الأمم الأخرى؛ كثرةً، وجودةً، وتنوعاً، فليس لأُمَّةٍ من الأُمَمِ مَا لأَهْلِ الإِسلامِ مِنْ تَنوِّع العُلُومِ والمعارف، والتفنُّنِ في التصنيف والتأليف، وتقريبِ المعلومات، فلا يخلو بابٌ من المعرفة إلا وضربوا فيه بِسَهْمٍ وافِرٍ، أحكموا فيه صنعه، نظمه، ونثره.
قال ابن العربي المالكي (ت ٥٤٣ هـ) ﵀: (ولم يكن قط في
стр. 16
الأمم من انتهى إلى حدِّ هذه الأمة من التصرُّف في التصنيف والتحقيق، ولاجاراها في مداها (١) من التفريع، «والتدقيق»). (٢)
قال القَلْقَشَندي (ت ٨٢١ هـ) ﵀: «واعلَم أنّ الكُتبَ المصنَّفةَ أكثرَ مِن أَنْ تُحصَر، لاسِيَّما الكتب المُصَنَّفةَ في المِلَّةِ الإسلامِيَّة؛ فإنَّها لم يُصنَّف مِثلُها في مِلَّةٍ من المِلَل، ولا قام بِنَظِيرِها أمَّةٌ من الأُمَم ... ». (٣)
قال د. عبدالرحمن بن علي الحجي: (واغتنت المكتبة الإسلامية غناءً يعزُّ بلوغه، ولا ينال قُرْبُه، ولاتمكن مباراته، ليس للاكتناز بل للبناء، ونفع المجتمع، والانتفاع به، فكانت هناك رغبةٌ غامِرةٌ متجدِّدَةٌ لاتتوقف
стр. 17
ولاتنضب في تلقِّي العلم وبذله، بحرص شديد؛ لأن هذا كله جزء من العقيدة الإسلامية، وواجبات المسلم ... ). (١)
قال ابن خلدون (ت ٨٠٨ هـ) ﵀: «إن علومنا الشرعية والنقلية قد نفقت أسواقها في هذه الملَّة بما لامزيد عليه، وانتهت فيها مدارك الناظرين إلى الغاية التي لافوقها، وهُذِّبَت الاصطلاحات، ورُتِّبت الفنون، فجاءت من وراء الغاية في الحسن والتنميق». (٢)
«ومَنْ سَمَتْ به هِمَّتُه إلى الاطلاع على غرائب المؤلَّفات، وعجائب المصنفات؛ انكشفت له حقائقُ كثيرة من دقائق العلوم، وتنزَّهَت فكرتُه ـ إنْ كانت سليمةً ـ في رياض الفُهوم:
فكُنْ رَجُلاً رِجْلُه في الثرى * وهامَةُ هِمَّتِهِ الثُّريَّا
فالنفس الإنسانية بالاطلاع على حقائق المعارف تتكمل، والفاضل الكامل بمعرفة أنواع العلوم يتَفوَّق ويتفضل، لا بتحسين هيئة اللباس، والمزاحمة على التصدر في مجالس الناس». (٣)
стр. 18
إن المرء ليحتار في تقديم أمثلة للشباب الناشئ، والكهول المفتونة، والأنفس الراغبة بالتميز خارج الحدود ـ حساً ومعنى ـ؛ ماذا يعرض من كتب التراث؟ وكيف يعرض؟ ومن أي باب يبدأ للاستدلال على ما كان من الواضحات؟ !
أعتذر هنا باطلالة مقتضبة ــ وقد كانت مطوَّلة، فعدَلْتُ بها إلى كتاب بعنوان «تغريب الثقافة»، يسر الله إتمامه ــ.
إن ضخامة تراثنا ـ كما قال القلقشندي ـ لا يمكن أن تحصر؛ فخزائن الكتب في بلاد الإسلام أعجزت الأولين عن تدوين عناوينها؛ فكيف بحملها، وجمعها في مكتبة واحدة (١)
ولكثرتها تفننوا في التأليف، وابتكروا فيه طرائق قِدَدَاً؛ لتحريك الذهن، وشحذ الهمم. (٢)
стр. 19
قال الأديب الكبير: أحمد بن حسن الزيات المصري، صاحب «مجلة الرسالة» (ت ١٣٨٨ هـ) (١) ﵀: (إنكم لَتُكْبِرون ما بذله العرب من الجهود الجبارة في سبيل المدنية والعلم (٢)، إذا قستموه بما خلفوه من البحوث، وما ألَّفوه من الكتب، فقد تناولوا أصول المعارف الإنسانية بالتقصي الدقيق، والغوص العميق حتى فرَّعوها إلى ثلاثمئة علم أحصاها طاشكبرى زاده في كتابه «مفتاح السعادة»، ثم استنزفوا الأيام في معاناة التأليف على صعوبة النسخ، وكثرة المؤونة وقلة الجدوى، فتركوا للعالَم ذلك التراث الضخم الذي اشتملت عليه مكاتبهم في الشرق والغرب، فقد ذكر (جيبون) في كتابه عن الدولة الرومانية أنه كان في طرابلس على عهد الفاطميين مكتبة تحتوي على ثلاثة ملايين مجلد، أحرقها الفرنج (سنة ٥٠٢ هـ) ...
ونقل الزيات أخباراً نحو هذا عن المقريزي، وفيه ملايين المجلدات.
стр. 20
ثم قال: (على أن توالي الفتن والمحن على العالم الإسلامي، لم يبق للعصر الحديث من هذا الكنز المذخور والمجد المسطور إلا ثلاثين ألفاً، وُزِّعت على مكاتب العالم). (١)
ومن تفنن الأسلاف في التأليف، وابتكارهم ألواناً يصعب على المرء مجاراتهم فيها:
ما كتبه الحريري (ت ٥١٦ هـ): فقد كتب رسالةً التزم فيها الشين في كل كلمة، وفيها أبيات من الشعر، وله سينية أيضاً. (٢)
وله رسالة التزم فيها كلمة منقوطة والتي تليها غير منقوطة، ورسالة أخرى أيضاً حرف منها منقوط، والآخر غير منقوط، وله كلام منثور ومنظوم يُقرأ طرداً وعكساً، تقرأوه من اليمين، وتقرأوه منكوساً، فتجده واحداً بحروفه! (٣)
стр. 21
وله رسالة القهقرية تقرأها من أولها إلى آخرها بوجه ومن آخرها إلى أولها بوجه آخر
وله أيضاً العواطل العَرِيَة عن النُّقَط، وله أبيات منقوطة، وخطبة عرية عن الإعجام. (١)
ومن صور التفنن أيضاً: الكتب المؤلفة بأحرف مهملة غير منقوطة، تستعمل (١٣) حرفاً فقط من حروف الهجاء (٢٨). وإن كان في بعضه تكلُّف، لكن القصد فيما يظهر: التفنن والإغراب، وإظهارطول الباع في اللغة والبيان.
من ذلك: تفسير القرآن، المسمى «سواطع الإلهام» لأبي الفيض فيض الله ابن المبارك الأكبر آبادي الهندي (ت ١٠٠٤ هـ) ﵀، وقد طبع في لكنهؤ سنة ١٣٠٠ هـ، و ١٣٠٦ هـ ويقع في (٧٨٠ صفحة). وله مؤلف آخر بعنوان «موارد الكلم».
ولمفتي الديار الشامية: محمود الحسيني (ت ١٣٠٥ هـ) ﵀ تفسير للقرآن بحروف مهملة، سماه «در الأسرار» طبع الجزء الأول منه في
стр. 22
دمشق سنة ١٣٠٦ هـ في (٥١٧ صفحة).
ولمحمد غلام الكرماني (ت ١٣٥١ هـ) كتاب في أصول الفقه سماه «أسس الأصول» ألفه بحروف مهملة.
ومثله أيضاً كتاب «طرح المدر لحلِّ اللألاء والدرر» ليوسف بن محمد الشربيني (ت ١٠٩٨ هـ) طبع في مصر سنة ١٣٥٠ هـ، ثم طبع حديثاً ١٤٢٤ هـ بتحقيق: محمد خير رمضان يوسف، ومن مقدمة المحقق استفدت الكتب السابقة.
والكتاب شرح قصيدة في الآداب للمؤلف نفسه، تقع في (٧٩) بيتاً، وبلغت صفحات الشرح مع مقدمة المحقق (٧٥ صفحة).
ومن أغرب كتب التراث: «عنوان الشرف الوافي في علم الفقه والعروض والتاريخ والنحو والقوافي» لإسماعيل بن أبي بكر الشرجي اليماني، المعروف بابن المقرئ (ت ٨٣٧ هـ). والكتاب مطبوع، جمع فيه خمسة علوم، إذا قرئ على سياق السطور، فهو علم الفقه؛ وإذا قرئ على أول سطر منه قراءة عمودية كان علم العروض، وإذا قرئ ثاني سطر منه عمودي فهو علم التاريخ؛ وإذا قرئ ثالث سطر عمودي منه فهو علم النحو؛ وإذا قرئ رابع سطر عمودي منه كان علم القوافي.
стр. 23
ومن صور التفنن في كتب التراث: كتاب الصفدي (ت ٧٦٤ هـ) «اختراع الخُراع في مخالفة النقل والطباع» (١)، كتب عنه العلامة الشيخ: علي الطنطاوي ﵀ مقالة رائعة سمَّاها «لون من الترف العقلي» أنقل جزءاً منها، قال ﵀: [طرق المؤلفون في كتبهم كلَّ باب من أبواب المعرفة، وسلكوا كل طريق من طرق العلم والأدب، وأودعوها كل ما يمكن أن يصل إليه العقل المفكِّر، والقلب الشاعر، والوجدان المتأمل، فكان فيها علوم الدين والدنيا؛ فيها مئات ومئات من المجلدات في القرآن، تنزيله وتأويله؛ وفي الحديث، روايته ودرايته؛ وفي الأدب، فنونه وألوانه؛ وفي الطبيعة، قوانينها ومظاهرها؛ وفي التاريخ، قديمه وحديثه.
ولدينا آلاف من الكتب في تراجم العظماء وطبقاتهم: الصحابة، والتابعين، والقراء، والفقهاء، والقواد والأمراء، والأدباء والشعراء.
دوَّنوا أخبار العقلاء، والمجانين، والحمقى والمغفلين، كما دونوا أخبار الأذكياء والنابغين.
стр. 24
وإذا كان عند اليونان الأقدمين هذه «الألياذة» التي يعدونها أولى مفاخرهم، والتي استمد منها أدباء الغرب وشعراؤهم المحدثون أكثر مآثرهم، فلقد روى الكتاني في «التراتيب الإدارية» أن عندنا قصيدة في خمسة آلاف بيت، همزية جيدة في السيرة النبوية، ولابن عيسى القرطبي أرجوزة أخرى في سبعة آلاف بيت، وثالثة عنوانها «المقالات السَّنية في مدح خير البرية» لعثمان بن علي في تسعة عشر ألف بيت.
وإذا كانت الإلياذة تشتمل على خرافات وعلى تخيلات، ما يسندها واقع، ولا تعتمد على حقيقة، فإن هذه الأراجيز ما فيها إلا حقائق ثابتة (١)، وتواريخ محققة، هذا وأنتم تعرفون الأراجيز العلمية: كألفية ابن مالك، وألفية العراقي، والكثير من أمثالهما.
ولما ظنوا أنهم شبعوا من الجدِّ واكتفوا؛ استراحوا إلى لون جديد، كما استراح أهل الفن من المصوِّرين والرسامين إلى هذه المذاهب الجديدة في الرسم، التي لاتبلغ معرفتي بها مبلغ القدرة على وصفها والكلام فيها،
стр. 25
ولكن لايصل عجبي منها إلى حد الإعجاب بها، أو تذوقها وفهمها.
وكيف أعجب بلوحة ما أرى فيها إلا علب كبريت مكوَّمة أكواماً، أو حجارة مركومة ركماً، أو سلماً مقلوباً قد تعلق بخطوط متعرجة متداخلة بلا ترتيب ولا نظام ولا دقة ولا إحكام، كأنها خرابيش الدجاج على بقعة من الرمل، ثم أرى تحتها كتابة موضِّحة لها تقول إنها صورة امرأة جميلة، أو مشهد غروب الشمس في البحر ... وما ثَمَّ شمس ولا بحر، ما هناك إلا الفوضى والعبث!
كهذا المذهب الحديث في الشعر، حيث ترصف كلمات جميلة لايربط بينها رباط يتبينه الفكر، ولا صورة يلذها الذوق، ولا موسيقى تطرب لها الآذان، ما هي إلا معجم، ولكنه معجم قد اختلَّ ترتيبه! قالوا: إن هذا هو الشعر الحديث!
والذي نعرفه أن الألفاظ أوعية المعاني، فإذا خَلَت من المعنى المبتكر، والصورة الحلوة، عادت ألفاظاً فارغة، لها إن قرعتها طنين ورنين، وما فيها فائدة للمستفيدين، وصارت ألاعيب لأدباء ذلك الزمان الذي يدعوه مؤرخو الأدب بعصر الانحطاط؛ كلُّ همِّ رجالِهِ التلاعب بالألفاظ لا يجاوزونها.
стр. 26
ثم ذكر الطنطاوي ﵀ حِفظَ أهل الأدب في زمان الشيخ لمقامات الحريري، وما فيها من التفنن مثل ما جاء في المقامة السادسة: كلمة منقوطة، وبعدها مهملة.
وفي المقامة السادسة عشرة، جمل تقرأ طرداً وعكساً، من اليمين، ومن اليسار مقلوبة، لاتتغير.
ثم ذكر ﵀ تأليفاً ليس فيه حرف معجم منقوط.
وذكر كتاباً فيه خمسة جداول، كل جدول علم من العلوم. يعني به ... «عنوان الشرف الوافي» للمقرئ.
وذكر أنه كتب في «مجلة الرسالة» (٢٣/رجب/١٣٥٤ هـ) مقالةً فيها وصف لكتاب عجيب، ليس في تراثنا الفكري مثيل، قال: لأنه جاء بشئ مما أُسمِّيه «الترف العقلي»، فقد تعمد أن لايأتي فيه إلا بما هو خطأ محرَّف عن أصله، معدول به عن جادة الصواب، ممال به عن سبيل الحق، فلا بيت ينسب إلى صاحبه، ولاكتاب يعزى إلى مؤلفه، ولا مسألة تورد على وجهها، ولا بلدة توضع في موضعها ...
وذكر أن اسم الكتاب «اختراع الخُراع» للصفدي (ت ٧٦٤ هـ)، والخُراع: داء يصيب الدابة في ظهرها فتبرك، ولا تستطيع القيام.
стр. 27
وقد بنى كتابه على بيتين محرَّفين. ثم شرحهما.
والبيتان هما:
لو كنت بَكْتوت امرأة جارية الفضل ... * ... وكان أكل الشعير في البرد مَلْبسكو
لابُدَّ من الطلوع إلى بئرك في ... * ... الليل وظلام النهار متضحٍ اً
علَّق الطنطاوي على البيتين، بقوله: [لعل الله كشف للصفدي طرفاً من مستقبل الأدب، فجعله يقرأ ما ينشر في أيامنا من الكلام على أنه شعر، والذي لايختلف عن هذين البيتين اللذين أوردهما!
هذا الشعر الذي تعب أخونا الأستاذ الفاضل: أكرم زعيتر في وضع الأسماء له.
وكثرة الأسماء ليست دائماً دليلاً على شرف المُسمَّى، فالقطُّ له أكثر من خمسين اسماً، ثم لم يكن إلا قطاً، ما صار نَمِراً ولا أسداً].
وذكر الصفدي في كتابه أن الناس تعجبوا من هذين البيتين مما تفق فيهما من اضطراب النظم، واختلال القافية، وعدم الإعراب، ومخالفة أوضاع اللغة، وتناقض المعنى وفساده، والتخبيط في التاريخ ... ، فعلَّق
стр. 28
الطنطاوي: [فكيف لو قرؤوا شعر الحداثة الذي تنشره الصحف على أنه هو الشعر (١) لامارواه الرواة وأودعوه الكتب وملؤوا به الدواوين]. (٢)
ومن صور تفنُّنِهم في الموضوعات، وإفرادهم دقائقها ولطائفها في تأليف (٣):
стр. 29
كتاب «حياة الحيوان» للدميري ـ وهو موضع الحديث في هذا الكتاب ـ، و «معجم البلدان» لياقوت الحموي.
ومن المفردات البديعة: «كشف العمى في معاني لاسيما» لإبراهيم المزجاجي (ت بعد ١٢٥٦ هـ)، «فتح المالك بما يتعلق بقول الناس وهو كذلك» (١) لأحمد السُّجَاعي (ت ١١٩٧ هـ)، «أحكام كُلّ، وما عليه تدل» للسبكي (ت ٧٥٦ هـ)، «إتحاف الألباب بفصل الخطاب ـ أما بعد ـ» لابن الأمين الخرازي (ت ١٢٣٦ هـ)، «إحراز السعد بإنجاز الوعد بمباحث أما بعد» لإسماعيل الجوهري (ت القرن ١٢ هـ)، وذكر محققه الشيخ: راشد الغفيلي خمس عشرة رسالة في «أما بعد».
«أسماء الريح» لابن خالويه (ت ٣٧٠ هـ)، «الملقبات في النحو» لابن طولون (ت ٩٥٣ هـ)، «خلق الإنسان» لابن أبي ثابت (ت في القرن ٣ هـ)، وللزجاج (ت ٣١١ هـ)،
стр. 30
وغيرهما، «أحكام الخواتم» لابن رجب (ت ٧٩٥ هـ)، «أحكام النظر» لابن القطان الفاسي (ت ٦٢٨ هـ)، «في البسملة» كتاب في (٨٠٠ صفحة) لأبي محمد المقدسي (ت ٦٥٥ هـ)، «وصول الأماني في أصول التهاني» للسيوطي، في أحكام وآداب الحمَّام: للحسيني الدمشقي (ت ٧٦٥ هـ)، وللمناوي (١٠٣١ هـ) و «للأقفهسي (ت ٨٠٨ هـ)، وللحيمي الكوكباني (ت ١١٥١ هـ)، «الروح»، و «الفروسية»، و «روضة المحبين» جميعها لابن القيم (ت ٧٥١ هـ)، «المزاح»، و «آداب المؤاكلة» كلاهما للغزي (ت ٩٨٤ هـ)، «العزلة» للخطابي (ت ٣٨٨ هـ)، «الأطعمة» لابن بشكوال (ت ٥٧٨ هـ)، «العزلة» و «الصمت» و «مداراة الناس» جميعها لابن أبي الدنيا (ت ٢٨١ هـ)، «العفو والاعتذار» للرقام البصري (ت في القرن ٤ هـ)، «أدب الخطيب» لابن العطار (ت ٧٢٤ هـ)، «أدب الطبيب» للرهاوي (ت في القرن ٤ هـ)، «الدور والدارات والديرة» لياقوت (ت ٦٢٦ هـ)، «أدب الكتاب» لابن قتيبة، والنحاس، والصولي، وابن شيث، والقلقشندي، وغيرهم، «الفرج بعد الشدة» للتنوخي (ت ٣٨٤ هـ)، ... «أخبار الحمقى» لابن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ)، «كشف الحال في وصف الخال» للصفدي (ت ٧٦٤ هـ)، «النخل» للسجستاني (ت ٢٥٥ هـ)،
стр. 31
«محاسن الشام» لابن البدري (ت ٨٩٤ هـ)، «أخبار مكة» للفاكهي، ولللأزرقي، «الزاهر في معاني كلمات الناس» لابن الأنباري (ت ٣٢٨ هـ)، «العقَقَة والبرَرَة» لأبي عبيدة بن المثنى (ت ٢١٠ هـ)، «طوق الحمامة في الأُلف والألاف» لابن حزم (ت ٤٥٦ هـ)، «الهفوات النادرة» للصابي (ت ٤٨٠ هـ)، «بدائع البدائه» لابن ظافر الأزدي (ت ٦١٣ هـ)، «المرصَّع في الآباء والأمهات والأبناء والبنات والأذواء والذوات» لابن الأثير (ت ٦٠٦ هـ)، «الشكوى والعتاب»، و «يواقيت المواقيت
في مدح كل شئ وذمه» كلاهما للثعالبي (ت ٤٢٩ هـ) وغيره من كتبه البديعة في الأدب، «العصا» لابن منقذ (ت ٥٨٤ هـ)، «أنباء نُجباء الأبناء» للصقلي (ت ٥٦٥ هـ).
وألَّفُوا في التراجم لطائف (١): منها: «كتاب المعمَّرين» لأبي حاتم السجستاني، «البرصان والعرجان والعميان والحولان» للجاحظ، «طوال اللحى» للصيمري (ت ٢٧٥ هـ)، «من عاش بعد الموت» لابن أبي الدنيا
стр. 32
(ت ٢٨٢ هـ)، «الطوال أسماؤهم وصفاتهم» لأبي القاسم السعدي (ت ٥١٥ هـ)، «أهل المئة فصاعداً» للذهبي (ت ٧٤٨ هـ)، «نَكْت الهِمْيان في نُكَت العميان» للصفدي (ت ٧٦٤ هـ)، «مَن نُسِب إلى أمه من الشعراء» لمحمد بن حبيب (ت ٢٤٥ هـ)، «تحفة الأبيه فيمن نُسِب إلى غير أبيه» للفيروز آبادي (ت ٨١٧ هـ)، «الفلاكة والمفلوكون» لأحمد بن علي الدَّلْجِي (ت ٨٣٨ هـ)، وغيرها.
زيادة على مؤلفاتهم البديعة في الدين: عقيدة، وتفسيراً، وحديثاً، وفقهاً، ولغةً، ولكل منها مداخل وتاريخ وعلوم، وألَّفو في الشعر والحكم، والتراجم، والتاريخ، والأنساب، والجغرافيا، والرحلات، والنبات، والحيوانات، والأطعمة، والزراعة، والطب، والصناعة، وغير ذلك مما يقول المرء في الفخر: «ما ترك الأول للآخر»، وفي البحث والتأليف: «كم ترك الأول للآخر»، فالعبارة كالخوف والرجاء، والمؤمن بينهما!
والقصد من ذلك: الإشارة اليسيرة إلى غناء ترثنا، وتميزه ـ ومنه تبعاً الكتب القيمة للمتأخرين والمعاصرين ـ، خاصةً أنه مستمد من دين قويم، وفهمٍ له مستقيم، ورجالٍ بذلوا في خدمة الدين ولغته مالم يبذله أحدٌ من الأمم الأخرى، رحلات تجوب الأقطار، ونسخ متصل بالليل والنهار،
стр. 33
ودقة تعجز عن مثلها «الحاسوب»، فهل بعد هذه المحصلة البديعة الجامعة المنوعة يذهب محبُّ الثقافة والاطلاع فضلاً عن العلم إلى القراءة أو حصر القراءة في الكتب الأجنبية المترجمة التي يضع مؤلفوها الورقة في عشر ورقات ببيان هزيل (١)، وتمثيل تأباه شريعتنا، فضلاً عن عاداتٍ لاتوافق عاداتنا، ولا ذائقتنا؟ !
لانملك ونحن نرى اللهث خلف المترجمات، تمظهراً بالتقدم والثقافة، حتى ممن يحسبون على العلم الشرعي أو اللغوي ـ يظهرون المقدرة، وسعة الإطلاع، وعالمية الثقافة ـ، إلا أن نقول: (أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير .. )
وإن من أعظم أسباب هذا التحوُّل إلى المترجمات التي يكثر فيها الغثاء جهلَهم البالغ بتُراثِ الأمَّةِ: كثرتِهِ، وتنوعِه، وبديعِه، وغريبِه، ولَطِيْفِه، جِدِّهِ وهَزَلِه ... ، وتأثيره في الأمم الأخرى. (٢)
مع المبالغة بتعظيم ثقافة الأجنبي،
стр. 34
«والسِّرُّ في أنَّ الشَّرْقِيَّ يُبالغ بحضارة الغربي، والغربيَّ يغالي بانحطاط الشرقي؛ كون كل فريق لايعرف ما عند الفريق الآخر على حقيقته .... » (١) كذا قال كُرْد علي، ولا يُسَلَّم له في الثانية.
أما مبالغة الشرقي بالغربي؛ فلحديث النبي ﷺ :
«لتتبعنَّ سَنَنَ من كان قبلكم، شِبراً بشِبْرٍ، وذراعاً بِذِراعٍ، حتى لو دخلوا جحر ضبٍّ؛ لاتَّبعْتُموهم». قلنا: يارسول الله، اليهودَ والنصارى؟
стр. 35
قال: «فمَنْ»؟ ! (١)
ولأمر آخر: الهزيمة النفسية عند المسلمين؛ فإن لها أثراً في شتى المجالات: العلمية والعملية، والمغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب. (٢)
قال العلامة: محمود شاكر ﵀: (ومن بلاء الأمم الضعيفة بنفسها أن انبعاثها إلى التقليد ـ تقليد القوي ـ أشد من انبعاثها لتجديد تاريخها بأسباب القوة التي تدفع في أعصابها عنفوان الحياة؛ والضعف يجعل محاكاة القوي أصلاً في كل أعماله ... ). (٣)
قال الأديب: إبراهيم المويلحي ﵀ (ت ١٣٢٤ هـ): (ومن
стр. 36
عجيب ما ورد في التقليد الأعمى أننا لا ننتبه إلى محاسن صنائعنا وجميل استعمالها إلا بعد أن يأخذها الأجنبي عنا، فيدعونا تقليده إياه إلى الرجوع إليها، فصرنا لانهتدي إلى ما عندنا إلا بعد أن ينتقل إلى الغربي؛ لنكون وراءه حتى فيما يعترف بتقدمنا عليه فيه ... ). (١)
قال العلامة علي الطنطاوي ﵀ عن تاريخنا: (إنه أخصب تاريخ في الدنيا، وأحفله بالعظماء، ولكن عيبنا أننا لا نعرف تاريخنا، ولا نقدر عظماءنا؛ ونتسابق إلى اقتناء الزجاج من عند غيرنا، ونزهد بالألماس الذي تفيض به خزائننا.
فيا أيها الشباب، لايخدعكم زجاج غيركم، عن حُرِّ جواهركم). (٢)
وأما مغالاة الغربي بانحطاط الشرقي فكما قال الزيات في عبارة بليغة موجزة: (فكيف يُرجى من هؤلاء وأولئك الإقرار بفضل العرب على الثقافة، والاعتراف بجميلهم على الحضارة، وفي النفوس من غلبة الفاتح وتر، ومن عظمة الحاكم حقد، ومن دين المجاهد إحنة، ومن سلطان الدخيل نفور). (٣)
стр. 37
ومع تميز التراث الإسلامي، وتأثيره في الحضارات الأخرى؛ ومع تعالي وغرور الإفرنجيين (١) وإنكارهم التأثر والاستفادة وقيام حضارتهم ـ سابقاً ـ من حضارة المسلمين؛ نجد عدداً من الإفرنج المنصفين أدركوا هذه الحقيقة، واعترفوا بها، قال العلامة عبدالسلام هارون ﵀: ... «فاعترف العلماء الأوربيون بقيمة التراث العربي، واستولت عليهم الدهشة إزاء ظهورهم على ما صنع أسلافنا في مختلف زوايا العلم والمعرفة، فالتراث العربي غني في الكيفية، وغني في الكمية، ولا تزال آثار هؤلاء الأسلاف في التشريع، والعلوم الفلسفية، والرياضية، والفنية، وغيرها معدودةً في قمة الإنتاج الفكري العالمي، ولا تزال النظريات الفلسفية (٢) والاجتماعية لعلماء العرب وفلاسفتهم أصلاً وجذراً من جذور علم الاجتماع والفلسفة المعاصرة». (٣)
«لقد اضطلع الأدب العربي بتغيير ذوق الأوربيين في فترة العصر
стр. 38
الوسيط، كما اضطلعت العلوم العربية بتغيير عقليتهم، ويتفق مؤرخو الأدب الأوربي عامة على التأثير الحاكم الذي أحدثه الأدب الأندلسي في تطور القصة الأوربية في العصر الوسيط؛ فلم يعرف الغرب الأوربي من فنون الآداب قبل احتكاكه بالعرب إلا القصص الخرافية، والملاحم الحماسية ... ». (١)
قال البشير الإبراهيمي الجزائري (ت ١٣٨٥ هـ) ﵀: (إن كثيراً من العلوم التي بنيت عليها الحضارة الغربية لم تصلها إلا عن طريق اللغة العربية بإجماع الباحثين منا ومنهم، وإن المنصفين منهم ليعترفون للغة العربية بهذا الفضل على العلم والمدنية، ويوفونها حقَّها من التمجيد والاحترام، ويعترفون لعلماء الإسلام بأنهم أساتذتهم في هذه العلوم، عنهم أخذوها، وعن لغتهم ترجموها، وإنهم ليحمدون للدهر أن هيأ لهم مجاورة المسلمين بالأندلس، وصقلية، وشمال أفريقيا، وثغور الشام؛ حتى أخذوا
стр. 39
عنهم ما أخذوا، واقتبسوا عنهم ما اقتبسوا، ولا زال هؤلاء المنصفون يذكرون فضل معاهد الأندلس العربية، ومعاهد شمال أفريقيا، ومعاهد الشام على الحضارة القائمة، ولا يزالون ينتهجون بعض المناهج الدراسية الأندلسية في معاهدهم إلى الآن، ولايزالون يردون كل شئ إلى أصله، ويعترفون لكل فاضل بفضله). (١)
وقال ﵀: (وقد كان احتكار المدنية لأمم خاصة تقليداً شائعاً متعاصياً عن التمحيص والنقد، ومن هذا الباب احتكار الغربيين للمدنية القائمة اليوم، وما هي في الحقيقة إلا عصارات الحضارات القديمة التي ورثها الغربيون عمن تقدمهم، وقاموا عليها بالتزيين والتحسين والتلوين، وطبعوها بالطوابع التي اقتضاها الوقت، وانتحلوها لأنفسهم أصلاً وفرعاً، ولا تزال التنقيبات عن مخلفات الحضارات القديمة تكشف كل يوم عن جديد يفضح هؤلاء المحتكرين، ويقلل من غرورهم). (٢)
стр. 40
هذا، وقد أشار الدكتور: محمد محمد حسين ﵀ قبل أكثر من ستين سنة إلى أن الانكباب المشاهد مظهر من مظاهر الاستيلاء الغربي على الثقافة وتغلغلها في صفوف المسلمين؛ ليحدث التغيير من الداخل في قولبة الإسلام وفق الأهداف والرغبات الغربية. (١)
وأسوأ ما يدعيه أولئك المثقفون المستغربون: التجديد في الثقافة! وليتهم عرفوا الثقافة؛ ليجددوها، مع أن تجديدهم يقوم على أمرين: (هدم «القديم»، وبناء ما يتوهمونه من «الجديد» (٢) وهم ماضون في الهدم، لايرضيهم إلا أن يأتوا على بنياننا من القواعد بما يتضمنه من دين، وتقاليد، وفنون، وآداب؛ ولكنهم سوف يعجزون عن البناء، سيهدمون مجتمعنا ثم يتركونه وسط أنقاض نظامه القديم فوضى، لاسكن فيه ولا قرار.
وبوادر هذه الفوضى وأعراضها ظاهرة لكل ذي عينين؛ ذلك لأن المجتمعات لاتُبنى في يوم وليلة، ولكنها تبنى في مئات السنين، ولاتبنى في صحفٍ منشَّرة أو قاعات مغلَّقة، ولكنها عملية معقَّدة أشد التعقيد،