عجيب ما ورد في التقليد الأعمى أننا لا ننتبه إلى محاسن صنائعنا وجميل استعمالها إلا بعد أن يأخذها الأجنبي عنا، فيدعونا تقليده إياه إلى الرجوع إليها، فصرنا لانهتدي إلى ما عندنا إلا بعد أن ينتقل إلى الغربي؛ لنكون وراءه حتى فيما يعترف بتقدمنا عليه فيه ... ). (١)
قال العلامة علي الطنطاوي ﵀ عن تاريخنا: (إنه أخصب تاريخ في الدنيا، وأحفله بالعظماء، ولكن عيبنا أننا لا نعرف تاريخنا، ولا نقدر عظماءنا؛ ونتسابق إلى اقتناء الزجاج من عند غيرنا، ونزهد بالألماس الذي تفيض به خزائننا.
فيا أيها الشباب، لايخدعكم زجاج غيركم، عن حُرِّ جواهركم). (٢)
وأما مغالاة الغربي بانحطاط الشرقي فكما قال الزيات في عبارة بليغة موجزة: (فكيف يُرجى من هؤلاء وأولئك الإقرار بفضل العرب على الثقافة، والاعتراف بجميلهم على الحضارة، وفي النفوس من غلبة الفاتح وتر، ومن عظمة الحاكم حقد، ومن دين المجاهد إحنة، ومن سلطان الدخيل نفور). (٣)
стр. 37
ومع تميز التراث الإسلامي، وتأثيره في الحضارات الأخرى؛ ومع تعالي وغرور الإفرنجيين (١) وإنكارهم التأثر والاستفادة وقيام حضارتهم ـ سابقاً ـ من حضارة المسلمين؛ نجد عدداً من الإفرنج المنصفين أدركوا هذه الحقيقة، واعترفوا بها، قال العلامة عبدالسلام هارون ﵀: ... «فاعترف العلماء الأوربيون بقيمة التراث العربي، واستولت عليهم الدهشة إزاء ظهورهم على ما صنع أسلافنا في مختلف زوايا العلم والمعرفة، فالتراث العربي غني في الكيفية، وغني في الكمية، ولا تزال آثار هؤلاء الأسلاف في التشريع، والعلوم الفلسفية، والرياضية، والفنية، وغيرها معدودةً في قمة الإنتاج الفكري العالمي، ولا تزال النظريات الفلسفية (٢) والاجتماعية لعلماء العرب وفلاسفتهم أصلاً وجذراً من جذور علم الاجتماع والفلسفة المعاصرة». (٣)
«لقد اضطلع الأدب العربي بتغيير ذوق الأوربيين في فترة العصر
стр. 38
الوسيط، كما اضطلعت العلوم العربية بتغيير عقليتهم، ويتفق مؤرخو الأدب الأوربي عامة على التأثير الحاكم الذي أحدثه الأدب الأندلسي في تطور القصة الأوربية في العصر الوسيط؛ فلم يعرف الغرب الأوربي من فنون الآداب قبل احتكاكه بالعرب إلا القصص الخرافية، والملاحم الحماسية ... ». (١)
قال البشير الإبراهيمي الجزائري (ت ١٣٨٥ هـ) ﵀: (إن كثيراً من العلوم التي بنيت عليها الحضارة الغربية لم تصلها إلا عن طريق اللغة العربية بإجماع الباحثين منا ومنهم، وإن المنصفين منهم ليعترفون للغة العربية بهذا الفضل على العلم والمدنية، ويوفونها حقَّها من التمجيد والاحترام، ويعترفون لعلماء الإسلام بأنهم أساتذتهم في هذه العلوم، عنهم أخذوها، وعن لغتهم ترجموها، وإنهم ليحمدون للدهر أن هيأ لهم مجاورة المسلمين بالأندلس، وصقلية، وشمال أفريقيا، وثغور الشام؛ حتى أخذوا
стр. 39
عنهم ما أخذوا، واقتبسوا عنهم ما اقتبسوا، ولا زال هؤلاء المنصفون يذكرون فضل معاهد الأندلس العربية، ومعاهد شمال أفريقيا، ومعاهد الشام على الحضارة القائمة، ولا يزالون ينتهجون بعض المناهج الدراسية الأندلسية في معاهدهم إلى الآن، ولايزالون يردون كل شئ إلى أصله، ويعترفون لكل فاضل بفضله). (١)
وقال ﵀: (وقد كان احتكار المدنية لأمم خاصة تقليداً شائعاً متعاصياً عن التمحيص والنقد، ومن هذا الباب احتكار الغربيين للمدنية القائمة اليوم، وما هي في الحقيقة إلا عصارات الحضارات القديمة التي ورثها الغربيون عمن تقدمهم، وقاموا عليها بالتزيين والتحسين والتلوين، وطبعوها بالطوابع التي اقتضاها الوقت، وانتحلوها لأنفسهم أصلاً وفرعاً، ولا تزال التنقيبات عن مخلفات الحضارات القديمة تكشف كل يوم عن جديد يفضح هؤلاء المحتكرين، ويقلل من غرورهم). (٢)
стр. 40
هذا، وقد أشار الدكتور: محمد محمد حسين ﵀ قبل أكثر من ستين سنة إلى أن الانكباب المشاهد مظهر من مظاهر الاستيلاء الغربي على الثقافة وتغلغلها في صفوف المسلمين؛ ليحدث التغيير من الداخل في قولبة الإسلام وفق الأهداف والرغبات الغربية. (١)
وأسوأ ما يدعيه أولئك المثقفون المستغربون: التجديد في الثقافة! وليتهم عرفوا الثقافة؛ ليجددوها، مع أن تجديدهم يقوم على أمرين: (هدم «القديم»، وبناء ما يتوهمونه من «الجديد» (٢) وهم ماضون في الهدم، لايرضيهم إلا أن يأتوا على بنياننا من القواعد بما يتضمنه من دين، وتقاليد، وفنون، وآداب؛ ولكنهم سوف يعجزون عن البناء، سيهدمون مجتمعنا ثم يتركونه وسط أنقاض نظامه القديم فوضى، لاسكن فيه ولا قرار.
وبوادر هذه الفوضى وأعراضها ظاهرة لكل ذي عينين؛ ذلك لأن المجتمعات لاتُبنى في يوم وليلة، ولكنها تبنى في مئات السنين، ولاتبنى في صحفٍ منشَّرة أو قاعات مغلَّقة، ولكنها عملية معقَّدة أشد التعقيد،
стр. 41
تتفاعل فيها قوى المجتمع كله، ويستمر هذا التفاعل أجيالاً تتمخض عن هذه القواعد وهذه الأشكال، بما تتضمنه من التقاليد، والقوانين، وأساليب الذوق والتفكير). (١)
وقد حذَّر البشير الإبراهيمي ﵀ من ظاهرة التجديد في الأدب لأجل التجديد، وإنما العناية بالحقائق ... وذكر أنَّ من الأهداف الخفية للاستعمار: إفساد الأدب وتمييعه، وتحطيم خصائصه، وهدم قواعده. (٢)
ومن الفروق بين ثقافة المسلمين والثقافات الأخرى أن التراث الإسلامي امتاز بالحفظ والضبط والإتقان، قال الرافعي: (تاريخ العرب امتاز بسعة مادة المحفوظ وتنوعها، وبالأسباب الدينية التي بعثتهم على الحفظ، مما أومأنا إليه في محله.
стр. 42
ومن القواعد المطردة التي تبيناها من البحث في التاريخ العربي: أن كل شئ للعرب إذا تعلق به سبب من الدين جاءوا فيه بالمعجزات التي يبزون فيها الأمم كافة، ويجعلونها من أنفسهم طبقة التاريخ وحدها، ولم نر هذه القاعدة تخلفت في أمر من أمورهم، وهي بعض ما خص به هذا الدين الحنيف الذي وجد العالم في كتابه الكريم معجزته الخالدة). (١)
أما بعد
فإنه لا غنى للمسلم عن تراثه، فكما أنه لا انفكاك بين المسلم ودينه، فإنه أيضاً لا انفكاك بينه وبين علوم دينه، ولغته، وتاريخه، وآدابه، وحضارة أمته .... وكلها تراث عظيم؛ لعظمة الدين، وحملته، والمهتمين بلغته وآدابه، وتاريخه، وسائر علومه.
وقد نقل العلامة: محمود شاكر ﵀ عن أحد الغربيين كلمة جيدة، وأيده عليها، قال: (إن ثقافة الشعب، ودين الشعب؛ مظهران لشئ واحد؛ وإن الثقافة في جوهرها تجسيد لدين الشعب). (٢)
стр. 43
قال البشير الإبراهيمي الجزائري (ت ١٣٨٥ هـ) ﵀ في خطاب ارتجالي عميق في ثقافته وإدراكه وبيانه، ومما قال: (يقول المستعمرون عنَّا: إننا خياليون، وإننا ــ حين نعتز بأسلافنا ــ نعيش في الخيال، ونعتمد على الماضي، ونتَّكلُ على الموتى، يقولون هذا عنَّا في معرض الاستهزاء بنا، أو في معرض النصح لنا، وأنا لا أدري متى كان إبليس مُذكِّراً؟ !
ما يرمون إليه أنهم يريدون أن ننسى ماضينا، فنعيش بلا ماضٍ، حتى إذا استيقظنا من نومنا أو من تنويمهم لنا؛ لم نجد ماضياً نبني عليه حاضرنا! وهو كلُّ ما يرمون إليه. وسلوهم ...
هل نسوا ماضيَهم؟
إنهم يبنون حاضرهم على ماضيهم، إنهم يعتزون بآبائهم وأجدادهم، إنهم يخلدون عظماءهم في الفكر، والأدب، والفلسفة، والحرب، والفن؛ إنهم لاينسون الجندي ذا الأثر، فضلاً عن القائد الفاتح، وهذه تماثيلهم
стр. 44
تشهد، وهذه متاحفهم تردد الشهادة ..... إلى آخر كلامه الأخَّاذ، والمبكي ﵀). (١)
وإنه ليتكلم ﵀ عن عملهم الدؤوب في فصل أمتنا عن ماضيها، وملئها بتاريخهم المهين، كل ذلك كان بأيديهم وألسنتهم الأعجمية.
كانت تلك الكلمة في منتصف عام (١٣٧١ هـ)، وأما الآن فجعلوا لهم وكلاء، من بني جلدتنا، يتكلمون بألسنتنا، ويبينون طعناً وهدماً وتغريباً بما لا يستطيعه الغربي نفسه، وقد يستحي منه، أو يتعالى على مغالطة بعض الحقائق، فجاء الوكيل وأتى بما لم يأت به الأوائل، فامتلأت بهم صحف البلاد الإسلامية، وقنواتها (٢) ... ودين الله غالب منصور، ولا يحيق المكر السئ إلا بأهله، ويخشى المسلم على نفسه إن لم يجاهد المنافقين بلسانه وبيانه، ويغلظ عليهم ـ كما أمر الله تعالى في آيتين من كتابه ـ.
стр. 45
قال العلامة: محمود شاكر ﵀: (ثقافةُ كلِّ أمةٍ، وكُلِّ لُغَةٍ؛ هي حصيلةُ أبنائها المثقفين، بقدر مُشتركٍ من أصول وفروع، كلُّها مغموس في الدين المتلقَّى عند النشأة؛ فهو لذلك صاحب السلطان المطلق الخفي على اللغة وعلى النفس وعلى العقل جميعاً، سلطان لاينكره إلا من لايبالي بالتفكُّر في المنابع الأُوَل التي تجعل الإنسان ناطقاً وعاقلاً ومبيناً عن نفسه، ومستبيناً عن غيره.
فثقافةُ كلِّ أمّةٍ مِراءةٌ جامعةٌ في حيِّزها المحدود كلَّ ما تشعَّبَ وتشتّت وتباعد من ثقافة كلِّ فرد من أبنائها على اختلاف مقاديرهم ومشاربهم ومذاهبهم ومداخلهم ومخارجهم في الحياة.
وجوهر هذه المرآة هو «اللغة»؛ و «اللغة» و «الدين» ـ كما أسلفت ـ متداخلان تداخلاً غير قابل للفصل البتَّةَ.
فباطلٌ كلَّ البطلان أن يكون في هذه الدنيا على ما هي عليه، «ثقافة» يمكن أن تكون «ثقافة عالمية»، أي ثقافةٌ واحدةٌ يشترك فيها البشر جميعاً، ويمتزجون على اختلاف لغاتهم ومِلَلهم ونِحَلهم وأجناسهم وأوطانهم. فهذا تَدلِيسٌ كبيرٌ، وإنما يُراد بشيوع هذه المقولة بين الناس والأمم؛ هدفٌ آخرُ يتعلّق بفرض سيطرة أمّةٍ غالبة على أمم مغلوبة، لتبقى تبعاً لها.
стр. 46
فالثقافات متعددة بتعدد «المِلل»، ومتميزة بتميُّز «الملل»، ولكل ثقافة أسلوب في التفكير والنظر والاستدلال مُنتَّزَعٌ من «الدين» الذي تدين به لامحالة.
فالثقافات المتباينة تتحاور، وتتناظر، وتتناقش؛ ولكن لا تتداخل تداخلاً يُفضي إلى الامتزاج البتَّةَ، ولايأخذ بعضها عن بعض شيئاً، إلا بعد عرضِهِ على أسلوبها في التفكير والنظر والاستدلال، فإن استجاب للأسلوب أخذَتْهُ وعَدَّلَتْهُ وخلَّصَتْهُ من الشوائب، وإن استعصى نبذَتْهُ واطَّرحَتْهُ. وهذا باب واسع جداً، ليس هذا مكان بيانه، ولكني لا أفارقه حتَّى أُنبِّهَكَ لشئ مهم جداً، هو أنْ تفصل فصْلاً حاسماً بين ما يُسمَّى ... «ثقافة» وبين ما يسمّى «علماً» ــ أعني: العلوم البحتة ــ (١)؛ لأن لكل منهما طبيعةً مباينةً للآخر، فالثقافة مقصورةٌ على أمةٍ واحدةٍ تدين بدين واحد؛ والعلم مُشاعٌ بين خلق الله جميعاً، يشتركون فيه اشتراكاً واحداً مهما اختلفت الملل والعقائد). (٢)
стр. 47
قلتُ: والناظر في حياتنا اليوم، يجد الانكباب التام على الكتب الغربية الأدبية والتاريخية، بل والعقدية والفلسفية، هذا في جانب القراء.
وأما في جانب الغالبية التي تتابع «اللهو» و «اللعب»؛ فأصبح اهتمامهم بفرق الغرب الكروية، ومسلسلاتهم، وبرامجهم الحوارية؛ أمراً ينذر بخطر.
وهذا غاية مطمع الكفار في استحواذهم عقول المسلمين، وتفريغها من ثوابتها، وتاريخها، وعظمائها، وملئها بهذه التفاهات المخالفة لديننا في كثير منها، والمنافية لقيمنا ولغتنا وثقافتنا، فإلى الله المشتكى وهو حسبنا ونعم الوكيل.
قال العلامة: عبدالسلام هارون ﵀: (أي انفكاك بين المرء وتراثه، أو بين المرء ووطنه؛ يخلق منه أمراً تتجاذبه أطراف الضياع وفقدان النفس؛ وضياعُ النفس مدعاة إلى التفكك والتخلخل، والشعور بالبؤس والمذلة اللتين لاتطيب معهما الحياة.
وإذا ذهبت في المقابلة بين جيلنا الذي نشأنا فيه، وبين هذا الجيل الذي يعيشه أبناؤنا؛ وجدنا الفرق شاسعاً بين شعورنا بكياننا العزيز الوثيق، وكيان بعض أبنائنا الذين انفصلوا عن المتعة بالتراث العربي
стр. 48
متمثِّلاً في ضروبه المختلفة). (١)
قلت: كلامه هذا قبل (٢٧ سنة تقريباً)، (نشر بتاريخ ١٩٨٧ م)، وللعلامة الشيخ: محمد الخضر حسين ﵀ كلام نحو هذا قبل (٦٠ سنة)، وللأديب: محمد عبدالله عنان ﵀، كلام رائع قبل (٨٠ سنة)! وبعدهم للإبراهيمي الجزائري، ولمحمود شاكر، وغيرهم.
رحم الله أولئك الأعلام الكبار، وأعظم مثوبتهم؛ إذا كانت وقفتهم بهذه القوة، ووصفهم للبدايات بهذه الشناعة، فكيف لو رأوا زماننا هذا! ؟ وما فيه من التهاتف العجيب، والصدوف عن التراث، بل ودعوة العامة إلى النهل من كتب الفلسفة الأوربية، والروايات الأجنبية، والمذكرات الفارغة! نسأل الله العفو والعافية، والسلامة في الدين والدنيا والآخرة ـ.
قال الأستاذ: ناصر الدين الأسد: (إن تراث الأمة هو روحها، ومقوماتها، وتاريخها؛ والأمة التي تتخلى عن تراثها تميتُ روحها، وتهدم
стр. 49
مقوماتها، وتعيش بلا تاريخ.
والأمم كلها مهما تكن فلسفتها الاجتماعية والاقتصادية، تحرص أشد الحرص على تراثها، وتبذل جهوداً كبيرة لإحيائه ونشرِه، وبثِّه في نفوس أبنائها؛ بل إن بعض الأمم الحديثة تفتعل لنفسِها تراثاً تجمع أجزاءَه تجميعاً، وتنفخ فيه نفخاً؛ لتتم له صورة تفئ إليها الأمة، وتنطلق منها.
فليس صحيحاً أن الأخذ بأسباب الحضارة يستلزم هدم التراث، وقد انخدعت بعض الأمم بهذه الدعوى، فأصبحت كالمُنْبَتِّ لا أرضاً قطعَ، ولا ظهراً أبقى!
وإنما الصحيح أنَّ تَقدُّمَ الأمةِ ــ حين تبدأ الحياة تنسابُ فيها ــ إنما يكون من داخل نفسها، وينطلق من تراثها). (١)
ويتساءل بعض الناس عن امكانية نقل ثقافة الغرب كلِّها مادام أننا نقلنا منهم الصناعة؟ كأنه يرى التلازم بينهما، وما علم أن ثقافتهم وعاداتهم تضايق منها مثقفوهم وعقلاؤهم؛ لأنها قائمة على معاكسة الفطرة. (٢) وأن هناك فرقاً بين «الثقافة» و «العلوم البحتة» فالأولى من
стр. 50
خصائص كل أمة، والثانية مشاعة بين الأمم ـ كما سبق في كلام العلامة: محمود شاكر ـ.
وقد استعرض المويلحي ﵀ (ت ١٣٢٤ هـ) العلوم والآداب بين الشرق والغرب، استعراضاً أخَّاذاً، ثم قال: ( ... خرجنا من هذا كلِّه إلى أن الغربيين لم يمتازوا عن أهل المشرق اليوم إلا بالصناعة وآلاتها الميكانيكية، وهم فيما عدا ذلك أضعف من الشرقيين في العلوم العقلية والنظرية). (١)
стр. 51
والحديث عن ضوابط النقل والاستفادة من ثقافة الأجانب، والجواب عن إشكالية التوهم في التناقض بين الاستفادة من صناعاتهم المتطورة (١)، وترك آدابهم وتاريخهم، كل هذا تجده مبسوطاً في كتاب لطيف متين، عنوانه:
«الانفتاح الفكري، حقيقته وضوابطه» د. عبدالرحيم بن صمايل السلمي ـ جزاه الله خيراً ـ.
стр. 52
ومع ماسبق، فإن مرام الحديث هنا: بيان غناء التراث وتميزه في شتى الفنون، وليس القصد بهذه الإلماحة السريعة بعث الغرور، والكسل؛ والاكتفاء بمخازن التراث العظيمة، والركون إلى النتائج المبهرة؛ دون مسابقة الحضارات الأخرى في مجالات التجارة والصناعة، والتقدم في شتى المجالات، قال الأستاذ: إبراهيم المويلحي ﵀ (ت ١٣٢٤ هـ) في مقال نشره في جريدته الأسبوعية «مصباح الشرق» بتاريخ (٢٤/ ٨/ ١٣١٧ هـ / ١٨٩٩ م) تحت عنوان «حرصهم وتفريطنا» قال: (إن أجمع ما يتسلَّى به الشرقي في انحطاطه أمام الغربي في ارتفاعه، مزعمه بأن ما وصل إليه الغربي لم يكن إلا من فضل الشرقي، وأنه هو الأصل الذي تفرعت عنه العلوم، والمَنْبت الذي ازدهرت منه المعارف، فيتغطى بملاءة من الفخر مطرَّزةٍ ببهرج الفخفخة.
ثم يستمر غافلاً في رقدته، غريقاً في نومته، لايتحرك منها إلا ساعة مفتخره ومباهاته بأن أصل هذه العلم كان من وضع أجداده الشرقيين، وتلك المعارف إنما كان مطلعها من أفقه، غير آخذ مأخذ الغربي في الانتفاع بما لديه؛ ليبلغ شأوه في تقدمه، بل تراه يستعظم ما في رأسه من خيال المجد الماضي، ويستهين بما في يده من البقية الموجودة التي ورثها عنه، فيتخفها
стр. 53
الأجنبي من جوانبه، وهو ممسك بأهداب ما تغطى به من ثياب الفخر، مسترسلاً في خوده ورقوده، دائباً في ركوده وهموده.
وربما كان يلتمس الملتمس عذراً للشرقيين في كثير من الأزمان التي دهمتهم فيه الخطوب بدهيائها ... وكانوا يجهلون عاقبة إهمالهم، فلم ينتفعوا بتلك العلوم، ولم يسعوا في التحفظ على تلك البقية، ولكن ما وجه العذر لهم اليوم (١) في البقاء على حالهم الأول؟ ! وقد كشف لهم أدوار الحوادث أسباب تأخرهم، وأعلمتهم بنتائج فتورهم، وهم يعيشون في زمن سَهُلَ لهم فيه التواصل، وتوفرت لديهم معدات الانتفاع بما بقي في حوزتهم، ولكن طاب لهم الرقاد كما عذب للأجانب السهاد، فترى الأجنبيين يتغالون في اقتناء تلك البقية من كتب العلوم الشرقية، ويغارون عليها، ولا غيرة مؤلفيها). (٢)
стр. 54
وفي نهاية المقدمة أتوجه بالشكر الجزيل ــ بعد شكر الله تعالى ـ لشيخي الفاضل: د. عبدالله بن ناصر بن محمد الشقاري، الذي حثني على إفراد «التمهيد» من رسالتي الماجستير، وتقديمها للطباعة، وتفضل ـ أثابه الله، وأحسن إليه ـ بمراجعة التمهيد مرة ثانية، وكتابة مقدمة لهذا الجزء المطبوع.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتبه
إبراهيم بن عبدالله المديهش
الرياض
٢٧/ ٤ / ١٤٣٥ هـ
стр. 55
إشارة إلى الحالة السياسية والعلمية زمن الدميري
عاش الكمال الدميري (٧٢٤ هـ ــ ٨٠٨ هـ) في عصر المماليك الذين حكموا مصر (من سنة ٦٤٨ هـ، إلى سنة ٩٢٣ هـ).
المماليك البحرية، والمماليك البرجية. (١)
ففي أول عمره إلى أن بلغ (٣١ سنة)، كان يحكم مصر السلطان محمد الناصر قلاوون، وكان عصراً يتسم بالاستقرار والرخاء، وبعده ظهرت النزاعات والاضطرابات.
ولما بلغ الدميري من العمر (٤٢ سنة)، انتهى حكم «المماليك البحرية» أي سنة (٧٨٤ هـ)، وأتى حكم «المماليك البُرجية» (من ٧٨٤ هـ إلى ٩٢٣ هـ) الذي تولى فيه الظاهر برقوق، ثم ابنه الناصر زين الدين أبو
стр. 56
السعادات فرج، وفي عهده توفي الدميري سنة (٨٠٨ هـ).
ولازالت الفتن والاضطرابات والحروب الداخلية تعصف البلاد في هذه المرحلة.
قال المقريزي ﵀: (ولم تزل أيام الناصر كلُّها كثيرة الفتن والشرور والغلاء والوباء، وطرق بلاد الشام فيها تيمورلنك، فخربها كلها، وحرقها وعمَّها بالقتل والنهب والأسر، حتى فقد منها جميع أنواع الحيوانات، وتمزق أهلها في جميع أقطار الأرض، ثم دهمها بعد رحيله عنها جراد لم يترك بها خضراء؛ فاشتد بها الغلاء على من تراجع إليها من أهلها، وشنع موتهم، واستمرت بها مع ذلك الفتن؛ فباع أهل الصعيد أولادهم من الجوع، وصاروا أرقاء مملوكين، وشمل الخراب الشنيع عامة أرض مصر وبلاد الشام ... ). (١)
وقد حكم في فترة حياة الدميري ستة عشر سلطاناً، أربعة عشر منهم حكموا خلال أربعين عاماً تقريباً، والاثنان الباقيان خلال عشرين عاماً.
стр. 57
وأما الحياة العلمية (١)
فقد ازدهرت ازدهاراً واضحاً؛ لأن دولة المماليك وقبلها الدولة الأيوبية سعيا بنشاط لنشر العلوم الشرعية بعد القضاء على دولة الفاطميين الباطنيين الذين دام حكمهم مئتي سنة تقريباً.
فأُنفق بسخاء في الحركة العلمية بإنشاء المدارس، والمكتبات، وعقد السلاطين مجلس العلم، مع رعايتهم للعلماء وتقديمهم.
وقد عاصر الدميريُّ عدداً من الأئمة المعروفين من أشهرهم: ابن عبدالهادي (ت ٧٤٤ هـ)، والذهبي (ت ٧٤٨ هـ)، وابن القيم الجوزية ... (ت ٧٥١ هـ)، وابن كثير (ت ٧٧٤ هـ)، وعبدالرحيم الإسنوي ... (ت ٧٧٢ هـ)، والزركشي (ت ٧٩٤ هـ)، وابن رجب (ت ٧٩٥ هـ)، وابن الملقِّن (ت ٨٠٤ هـ)، السراج البلقيني (ت ٨٠٥ هـ)، وعبدالرحيم العراقي (ت ٨٠٦ هـ)، والهيثمي (ت ٨٠٧ هـ)، وابن خلدون
стр. 58
(ت ٨٠٨ هـ)، والبوصيري (ت ٨٤٠ هـ)، وابن حجر العسقلاني ... (ت ٨٥٢ هـ) ﵏.
стр. 59
التعريف بالدميري:
١) حياته الشخصية:
اسمه: محمد بن موسى بن عيسى بن محمد الدَّمِيْرِي الأصل (١)،
القاهري، الشافعي. (٢)
стр. 60
قال ابن حجر ﵀: (كان اسمُه في الأول لقَبَه غير مضاف (١)، قرأتُ بخطِّهِ في عِدَّة كتُبٍ نسَخَهَا بِخطِّهِ أيامَ الطلب: «كتبه كمال بن موسى»، فلما مَهَرَ واشتهر، تسمَّى محمداً، وصيَّر اسمَهُ لقباً .. ) (٢) زاد
стр. 61
السخاوي: (وكان يَكْشِط الأول، وكأنه لتضمُّنِهِ نوعاً من التزكية، مع هجْرِ اسمه الحقيقي). (١)
كنيته: أبو البقاء.
لقبه: كمال الدين.
مولده: ولد ﵀ في أوائل سنة ٧٤٢ هـ في القاهرة، قال التقي الفاسي ﵀: (كذا وجدتُ في بعض الاستدعاءات التي أجازَ فيها بِخَطِّهِ). (٢)
صفته:
قال المقريزي ﵀: وكان حسن المحاضرة، جميل المعاشرة، كثير التواضع، متودداً إلى الناس، مُحبباً عندهم، غزير الدمعة ... وكان له نظم جيد، ومحفوظات كثيرة، لاسيما في الحديث وأخبار الرواة، وبالجملة فلم يُخلِّف بعده مثله في معناه. (٣)
وقال المقريزي أيضاً: (صحبته سنين، وحضرت مجلس وعظه مراراً،
стр. 62
لإعجابي به، وأنشدني، وأفادني، وكنتُ أحبُّه ويحبني في الله؛ لِسمتهِ، وحُسن هديه، وجميل طريقته، ومداومته على العبادة). (١)
وكان ﵀ حسن الهيئة، كما قال السخاوي، وكان ذا حظ كبير من العبادة وتلاوة القرآن، لايفتر لسانه غالباً عنها (٢)، وفي آخر حياته كان يسرد الصوم (٣)، وكان متواضعاً، ولم يكن يلبس فاخر الثياب، قال ابن حجر العسقلاني: (ضبطتُ منه إنذارات بكثير من الكوائن، وقعتْ على وِفْقِ ما قاله، وكان يسند ذلك لبعض الصالحين، ولايعترف قط بشئ من ذلك أنه من قِبَلِهِ، وكان أكثر أصحابه يقولون: إنه إنما يعني نفسَهُ). (٤)
أسرته: (٥)
زوجه: تزوَّج أثناء مجاورته في مكة (سنة ٧٧٥ هـ) بفاطمة بنت يحيى بن عياد الصنهاجي المكية.
стр. 63
أولاده: أم حبيبة، وأم سلمة، وعبدالرحمن.
نشأته:
نشأ في القاهرة، وتعلم في أول حياته صنعة الخياطة، فكان يتكسَّبُ بها، ثم تركها، وأقبل على تلقي العلم (١)، فأخذ عن أكابر العلماء في عصره في مصر، ومكة، والمدينة.
رحلاته:
رحل إلى مكة (ست مرات)، وجاوَرَ بها، كما فصَّل في ذلك السخاوي، قَدِمها أول مرةٍ في موسم حج سنة (٧٦٢ هـ)، ثم في (٧٦٨ هـ)، ثم في (٧٧٢ هـ)، ثم في (٧٧٥ هـ)، ثم في (٧٨٠ هـ)، ثم في (٧٩٩ هـ) وفيها كلِّها عدا الثانية يمكث ما يزيد على سنة، حتى يحج في السنة القابلة لسنة قدومه. وأما قدومه الثاني فقد كان مع الرَّجَبِيَّة، حتى حجَّ في السَّنَةِ نفسِها. (٢)
стр. 64
وفاته:
توفي ﵀ في القاهرة، ليلة الثلاثاء (٣/ ٥/٨٠٨ هـ) وعمره ستٌّ وستون سنة. ودُفِن بمقابر الصوفية ب «سعيد السُّعداء» (١) في القاهرة.
ومن المصائب العظيمة في الأمة الإسلامية في هذا الزمان أن يكون قبره في «مسجده»! ؟ في حي الحسينية، في شارع الصوابي، وقد اتُّخِذَ قبرُه عِيْداً، يُزار ويحتفلُ عنده في الأيام الأخيرة من شهر شعبان، في كل عام ... ــ ولاحول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم ــ (٢)(٣)
стр. 65
٢) حياته العلمية:
نشأته العلمية: بعد أن ترك التكسُّبَ بالخياطة في أول عمره، اتَّجَهَ لطلب العلم، ولازم كبار العلماء في عصره، في مصر، ومكة، فلازم بعضهم ملازمة شديدة كالبهاء السبكي، والإسنوي، حتى تخرَّج بهما، ودرس كتباً كثيرةً، في فنون متعددة، ومهر في الفقه.
قال التقي الفاسي ﵀: (ولمَّا رآه الشيخ بهاء الدين السبكي أهلاً للتدريس والفتوى، تكلَّمَ لهُ مع القاضي كمال الدين أبي الفضل النُّوَيرِي في أن يُجيز له ذلك ففعل). (١)
فعقَدَ حِلَقاً كثيرةً في نشرِالعلم تدريساً، وإفتاءً، ووعظاً. (٢)
стр. 66
أبرز شيوخه:
١. بهاء الدين السبكي، واسمه: أحمد بن علي «تقي الدين» بن عبدالكافي السُّبْكِي (توفي ٧٧٣ هـ في مكة)، من مؤلفاته: «عروس الأفراح شرح تلخيص المفتاح»، وأكمل شرح المنهاج للنووي بعد والده التقي السبكي، والمسمى ب «الابتهاج في شرح المنهاج». (١)
وقد لازَمَهُ الدميريُّ، وخدَمَه، وتفقَّهَ عليه، وتخرَّج به. (٢)
٢. جمال الدين الإسنوي، واسمه: عبدالرحيم بن الحسن بن علي بن عمر الأموي القرشي، أبو محمد الإسنوي (ت ٧٧٢ هـ) من مؤلفاته: «المهمات» في فقه الشافعية، طُبِعَ مؤخراً في عام ١٤٣٠ هـ، و «طبقات الشافعية»، و «الأشباه والنظائر»، و «تلخيص الرافعي الكبير». (٣)
стр. 67
لازمه الدميري، وتفقه عليه، وتخرَّج به، وبالبهاء السبكي. (١)
٣. بدر الدين البُلْقِيني، واسمه: محمد بن سراج الدين عمر بن رَسْلان بن نُصَير بن صالح بن شهاب العسقلاني الأصل، ثم البُلْقِيني، أبواليُمن (ت ٧٩١ هـ). (٢)
٤. سراج الدين ابن الملَقِّن، واسمه: عمر بن علي بن أحمد بن محمد الأنصاري الأندلسي، ثم المصري، أبو حفص، المعروف بابن الملقِّن (ت ٨٠٤ هـ)، من مؤلفاته: «التوضيح شرح الجامع الصحيح للبخاري»، و «البدر المنير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير»، و «الإعلام بشرح عمدة الأحكام»، وجميعها مطبوعة. (٣)
٥. زين الدين العراقي، واسمه: عبدالرحيم بن الحسين بن
стр. 68
عبدالرحمن، أبو الفضل العراقي، المصري، الشافعي (ت ٨٠٦ هـ)، من مؤلفاته: «طرح التثريب»، و «التقييد والايضاح»، و «شرح التبصرة والتذكرة»، وغيرها. (١)
٦. العفيف المَطَري، واسمه: عبدالله بن أحمد بن خلف بن عفيف الدين المطَري (ت ٧٦٥ هـ) (٢) ذكره السخاوي من جملة أشياخ الدميري الذين سمع منهم في «المدينة النبوية».
٧. برهان الدين القيراطي، واسمه: إبراهيم بن شرف الدين عبدالله بن محمد بن عَسْكر القيراطي المصري (ت ٧٨١ هـ). من مؤلفاته: «مطلع النيرين» ديوان شعر له، و «الوشاح المفصَّل». (٣)
وهو من شيوخ الدميري في علم الأدب.
стр. 69
٨. ابن عقيل النحوي، واسمه: عبدالله بن عبدالرحمن بن عقيل، أبو محمد الطالبي الحلبي النحوي، بهاء الدين الشافعي (ت ٧٦٩ هـ) من مؤلفاته: «شرح ألفية ابن مالك»، مطبوع، و «الجامع النفيس» في الفقه الشافعي لم يكمله. (١)
وقد أخذ عنه الدميري علم العربية، وغيرها. (٢)
٩. علاء الدين العُرْضي، واسمه: علي بن أحمد بن محمد بن صالح بن ندي العُرْضي الدمشقي، أبو الحسن التاجر السفَّار، نزيل الاسكندرية ... (ت ٧٦٤ هـ). (٣)
سمع منه الدميري جميع «مسند الإمام أحمد»، بقراءة الزين العراقي، وجامع الترمذي، وغيرهما. (٤)
١٠. مُظفَّرُ الدين ابن العَطَّار، ويقال أيضاً: العَطَّار، العَسْقَلاني،
стр. 70
واسمه: محمد بن محمد بن يحيى بن عبدالكريم القُرشي العسقلاني الأصل، المصري المولد والدار، النحَّاس، أو ابن النحَّاس، المعروف: بابن العَطَّار ... (ت ٧٦١ هـ). (١)
١١. زين الدين ابن القاري الثعلبي، واسمه: عبدالرحمن بن علي بن محمد بن هارون، أبو الفرج الثعلبي (ت ٧٧٦ هـ). (٢)
١٢. كمال الدين النويري، واسمه: محمد بن أحمد بن عبدالعزيز، أبو الفضل النُّويري قاضي مكة (ت ٧٨٦ هـ). (٣)
أبرز تلاميذه:
١. الحافظ ابن حجر العسقلاني، واسمه: أحمد بن علي بن محمد، شهاب الدين ابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ)، من مؤلفاته: «فتح البارئ في شرح صحيح البخاري»، و «التلخيص الحبير في تخريج أحاديث
стр. 71
الرافعي الكبير»، وغيرها. (١)
٢. تقي الدين الفاسي، واسمه: محمد بن أحمد بن علي بن محمد، الفاسي، ثم المكي، المالكي (ت ٨٣٢ هـ). من مؤلفاته: «ذيل التقييد»، و ... «العقد الثمين». (٢)
٣. صلاح الدين، وغرس الدين الأقفهسي، واسمه: خليل بن محمد بن محمد بن عبدالرحيم ابن عبدالرحمن، أبو الصفا، وأبو الحرم، وأبو سعيد، الأقفهسي المصري الشافعي يُعرف بالأشقر، وبالأقفهسي ... (ت ٨٢١ هـ). (٣)
٤. تقي الدين المَقْرِيزي، واسمه: أحمد بن علي بن عبدالقادر بن محمد الحنفي البَعْلي الأصل، ثم المصري (ت ٨٤٥ هـ)، من مؤلفاته: «درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة»، و «السلوك في معرفة دول الملوك»، وغيرها. (٤)
стр. 72
٥. أبو الفتح المراغي، واسمه: محمد بن أبي بكر بن الحسين بن عمر، أبوالقرشي العثماني المراغي، القاهري الأصل، ثم المدني، الشافعي، ويُعرف بابن المراغي (ت ٨٥٩ هـ). (١)
٦. شهاب الدين أبو الطيب أو أبو العباس: أحمد بن محمد بن علي بن حسن بن إبراهيم الأنصاري الخزرجي، القاهري الشافعي، المعروف بالشهاب الحجازي، الأديب الشاعر (ت ٨٧٥ هـ). (٢)
مكانته العلمية، وثناءُ الأئمة عليه:
لقد تبوأَ مكانةً علميةً بارزةً في زمنِهِ، وخاصةً عند أتباع المذهب الشافعي، لتمكُّنِهِ في الفقه الشافعي خاصة، وإلمامِهِ الواسع بكتبه (٣)، مع عنايته بفنون عديدة: في التفسير، والحديث، واللغة، والتاريخ، وغيرها.
وزاده مكانةً قيامُهُ بالتدريس، والإفتاء، والوعظ، والخُطب الجُمَعِية،
стр. 73
واشتهر عند المتأخرين والمعاصرين بكتابه «حياة الحيوان»، المرجعُ الوحيدُ عندهم في علم الحيوان، المرتَّب على المعجم، المشتمل على الحديث، والفقه، والأدب، وغيره.
ولم يطبع ـ حسب علمي ـ شئٌ من كتبه إلا «حياة الحيوان»، ثم ... «النجم الوهاج» في عام (١٤٢٥ هـ)، و «مختصر الغيث المسجم».
قال عنه التقي الفاسي ﵀: (العلاَّمة المُفَنَّن ... برع في التفسير، والحديث، والفقه وأصوله، والعربية، والآداب، وله تواليف حسنة .... وأفتى، ودرَّس، وأعاد بأماكن في القاهرة: منها جامع الأزهر، كانت له فيه حلقةٌ يشغل فيها الطلبة يوم السبت غالباً، ومنها: القُبَّة من خانقاه بيبرس بالقاهرة، كان يُدرِّس فيها الحديث، وكنتُ أحضر عنده فيها، بل كان يذكِّر الناسَ بمدرسة ابنِ البَقَرِي (١) في يوم الجمعة غالباً، ويفيد في مجلسه هذا أشياءَ حَسنة مِن فُنون العِلم، ويُذَكِّرُ الناسَ أيضاً بجامع الظاهر بالحُسَينيَّة بعد العصر في يوم الجمعة غالباً، ودرَّس أيضاً بمكة وأفتى، وجاور فيها مدة سنين مفرقة، وتأهل فيها). (٢)
стр. 74
وقال المقريزي ﵀: (برع في الفقه، والوعظ، ودرَّس في عدة أماكن، وأفتى عدة سنين، ووعظ الناس زماناً، وكان على وعظه قبول، وأقبل في آخر عمره على النسك، ورتَّب ليله ونهاره على وظائف العبادة). (١)
وقال أيضاً: (تميز في الفقه، والحديث، وبرع في الأدب، ودرَّس، وأفتى، ووعظ عدة سنين). (٢)
وقال أيضاً: (وكان عالماً، صالحاً). (٣)
وقال ابن قاضي شهبة ﵀: (وكان ذا حظ من العبادة والتِّلاوة، لا يفتر لسانه غالباً عنهما). (٤)
قال ابن حجر ﵀: (ومهر في الفقه، والأدب، والحديث، وشارك في الفنون، ودرَّس بدرس الحديث بقبة بيبرس، وفي عدة أماكن، ووعظ، وأفاد، وخطب فأجاد، وكان ذا حظٍّ مِنَ العبادة تلاوةً، وصياماً،
стр. 75
ومجاورةً بالحرمين، وتظهر عنه كرامات، وكان يُخفيها، وربَّما أظهرها، وأحالها على غيره). (١)
وقال السخاوي ﵀: (وبرع في التفسير، والحديث، والفقه، وأصوله، والعربية، والأدب، وغيرها، وأُذن له بالإفتاء، والتدريس، وتصدى للإقراء، فانتفع به جماعة ... )
وقال أيضاً: له أذكار يواظب عليها (٢)، وعنده خشوع وخشية، وبكاء عند ذكر الله سبحانه. (٣)
مؤلفاته:
١. «حياة الحيوان» وهو أشهر كتبه، وسيأتي الحديث عنه بعد ترجمة المؤلف ـ إن شاء الله تعالى ـ.
٢. «النجم الوهاج في شرح المنهاج للنووي» فرغ من تأليفه في