← История

История · id 145435

صحيح وضعيف تاريخ الطبري

محمد بن طاهر البرزنجي

Полный текст (6 167 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

٢٠٣ / جـ- قال الواقديّ: وفيها مات أسَيد بن الحُضَير في شعبان. وفيها ماتت زينب بنت جحش (١). (٤: ١١٣). ثم دخلت سنة إحدى وعشرين ٢٠٣ / د- قال أبو جعفر: وفيها كانت وقعة نِهاوَنْد في قول ابن إسحاق؛ حدَّثنا بذلك ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة عنه. وكذلك قال أبو معشر؛ حدّثني بذلك أحمدُ بن ثابت عمّن ذكره، عن

стр. 1052

إسحاق بن عيسى، عنه. وكذلك قال الواقديّ. (٤: ١١٤) (١).

стр. 1053

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1054

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1055

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1056

ذكر الخبر عن وقعة المسلمين والفرس بنهاوند ٢٠٤ - قال أبو جعفر: وقد كان -فيما ذكِر لي- بعث عمر بن الخطّاب ﵁ السائبَ بن الأقرع، مولى ثَقِيف -وكان رجلًا كاتبًا حاسبًا- فقال: الحقْ بهذا الجيش فكن فيهم؛ فإنْ فتَح الله عليهم فاقسم على المسلمين فيئَهم، وخذ خمس الله وخمس رسوله؛ وإن هذا الجيش أُصيبَ، فاذهب في سواد الأرض، فبطن الأرض خيرٌ من ظهرها. قال السائب: فلما فتح الله على المسلمين نهاوند، أصابوا غنائم عظامًا، فوالله إني لأقسم بين الناس، إذ جاءني عِلْج من أهلها فقال: أتُؤْمنني على نفسي

стр. 1057

وأهلي وأهل بيتي؛ على أن أدلك على كُنوز النَّخيرجان -وهي كنوز آل كسرى- تكون لك ولصاحبك، لا يَشركك فيها أحد؟ قال: قلت: نعم، قال: فابعث معي من أدلّه عليها، فبعثت معه، فأتى بسَفَطين عظيمين ليس فيهما إلا اللؤلؤ والزّبَرجد والياقوت؛ فلما فرغت من قَسْمِي بين الناس احتملتهما معي؛ ثم قدِمت على عمر بن الخطاب؛ فقال: ما وراءك يا سائب؟ ! فقلت: خير يا أميرَ المؤمنين! فتح الله عليك بأعظم الفتح، واستُشهد النعمان بن مقرّن ﵀. فقال عمر: إنا لله وإنا إليه راجعون! قال: ثم بكى فنشَج، حتى إنّي لأنظر إلى فروع مَنكِبيه من فوق كَتده. قال: فلما رأيتُ ما لقي قلت: والله يا أميرَ المؤمنين ما أصيبَ بعده من رجل يُعرف وجهه. فقال: المستضعَفون من المسلمين؛ ! لكنّ الذي أكرمهم بالشهادة يعرف وجوهَهم وأنسابَهم، وما يصنعون بمعرفة عمر ابن أمّ عمر! ثم قام ليدخل، فقلت: إنّ معي مالًا عظيمًا قد جئت به، ثم أخبرته خبر السَّفَطَين، قال: أدخِلْهما بيتَ المال حتى ننظر في شأنهما، والحق بجندك. قال: فأدخلتُهما بيت المال، وخرجت سريعًا إلى الكوفة. قال: وبات تلك الليلة التي خرجت فيها، فلما أصبح بعث في أثري رسولًا، فوالله ما أدركني حتى دخلتُ الكوفة، فأنخت بعيري، وأناخ بعيره على عُرقوبي بعيري، فقال: الحق بأمير المؤمنين، فقد بعثنِي في طلبك، فلم أقدر عليك إلّا الآن. قال: قلت: ويلك! ماذا ولمَ؟ قال: لا أدري والله! قال: فركبتُ معه حتى قدمتُ عليه، فلما رآني قال: ما لي ولابن أمّ السائب! بل ما لابن أمّ السائب وما لي! قال: قلت: وما ذاك يا أمير المؤمنين؛ ! قال: ويحك! والله ما هو إلّا أن نمت في الليلة التي خرجتَ فيها، فباتت ملائكة ربي تسحَبُني إلى ذينك السفطَين يشتعلان نارًا، يقولون: لنكويَنّك بهما، فأقول: إني سأقسمهما بين المسلمين؛ فخذهما عنّي لا أبالك والحق بهما، فبعهما في أعطية المسلمين وأرزاقهم. قال: فخرجتُ بهما حتى وضعتهما في مسجد الكوفة، وغشِيَني التجار، فابتاعهما منّي عمرو بن حُريث المخزوميّ بألفي ألف؛ ثم خرج بهما إلى أرض الأعاجم، فباعهما بأربعة آلاف ألف؛ فما زال أكثرَ أهل الكوفة مالًا بعد (١). (٤/ ١١٦ / ١١٧).

стр. 1058

٢٠٥ - حدَّثنا الرّبيع بن سليمان، قال: حدَّثنا أسد بن موسى، قال: حدَّثنا المبارك بن فضالة، عن زياد بن حُدَير، قال: حدّثني أبي: أنّ عمرَ بن الخطاب ﵁، قال للهرمزان حين آمنه: لا بأس، انصح لي، قال: نعم، قال: إنّ فارس اليوم رأس وجناحان؛ قال: وأين الرأس؟ قال: بنهاوند مع بُنْدار؛ فإنّ معه أساورة كسرى وأهل أصبهان، قال: وأين الجناحان؟ فذكر مكانًا نسيته، قال: فاقطع الجناحين يَهِنِ الرأس. فقال عمر: كذبت يا عدوّ الله! بل أعْمد إلى الرأس فأقطعه، فإذا قطعه الله لم يعصِ عليه الجناحان. قال: فأراد أن يسير إليه بنفسه، فقالوا: نذكّرك الله يا أمير المؤمنين أن تسيرَ بنفسك إلى حلبة العجم؛ فإن أُصبت لم يكن للمسلمين نظام؛ ولكن ابعث الجنود، فبعث أهل المدينة فيهم عبد الله بن عمر بن الخطّاب، وفيهم المهاجرون والأنصار؛ وكتب إلى أبي موسى الأشعريّ أن سرْ بأهل البصرة، وكتب إلى حُذيفة بن اليمان أن سرْ بأهل الكوفة حتى تجتمعوا جميعًا بنهاوند؛ وكتب: إذا التقيتم فأميرُكم النُّعمان بن مقرّن المزنيّ؛ فلما اجتمعوا بنهاوند، أرسل بُنْدار العِلْج إليهم: أن أرسلوا إلينا رجلًا نكلّمه؛ فأرسلوا إليه المغيرة بن شعبة. قال أبي: كأني أنظر إليه؛ رجلًا طويلَ الشعر أعورَ؛ فأرسلوه إليه، فلمّا جاء سألناه، فقال: وجدتُه قد استشار أصحابه؛ فقال: بأيّ شيء نأذن لهذا العربيّ؟ بشارتنا وبهجتنا ومُلْكنا، أو نتقشف له فيما قبَلنا حتى يزهد؟ فقالوا: لا، بل بأفضل ما يكون من الشارة والعدّة، فتهيؤوا بها، فلما أتيناهم كادت الحِراب والنيازك يلتمع منها البصر، فإذا هم على رأسه مثل الشياطين، وإذا هو على سرير من ذهب على رأسه التاج. قال: فمضيت كما أنا ونكّسْت، قال: فدفِعت ونُهنهت، فقلت: الرسل لا يفعل بهم هذا، فقالوا: إنما أنت كلْب، فقلت: معاذ الله! لأنا أشرف في قومي من هذا في قومه؛ فانتهروني، وقالوا: اجلس. فأجلسوني. قال -وتُرجِم له قوله: إنكم معشرَ العرب أبعدُ الناس من كلّ خير، وأطول الناس جوعًا، وأشقى الناس شقاء، وأقذر الناس قَذرًا، وأبعده دارًا؛ وما منعني أن آمر هؤلاء الأساورة حولي أن ينتظموكم بالنشّاب إلّا تنجُّسًا لجيَفكم؛ فإنكم أرجاس؛ فإن تذهبوا نُخَلّ عنكم، وإن تأتُوا نرِكم مصارعَكم؛ قال: فحمِدْت الله، وأثنيت عليه، فقلت: والله ما أخطأتَ من صفتنا شيئًا، ولا من نعتِنا، إنْ كنا لأبعدَ الناس دارًا، وأشدَّ

стр. 1059

الناس جوعًا، وأشقى الناس شقاء، وأبعد الناس من كلّ خير، حتى بعث الله إلينا رسولَه ﷺ ؛ فوعدنا النصر في الدّنيا، والجنة في الآخرة؛ فوالله ما زلنا نتعرّف من ربنا منذ جاءنا رسوله الفتحَ والنصر؛ حتى أتيناكم؛ وإنا والله لا نرجع إلى ذلك الشقاء أبدًا حتى نغلبَكم على ما في أيديكم؛ أو نقتل بأرضكم. فقال: أما والله إنّ الأعور قد صَدقكم الذي في نفسه. قال: فقمتُ وقد والله أرعبتُ العلِج جهدِي. قال: فأرسل إلينا العلِجُ: إمّا أن تعبُروا إلينا بنهاوند؛ وإمّا أن نعبرُ إليكم. فقال النعمان: اعبروا، قال أبي: فلم أرَ والله مثلَ ذلك اليوم، إنهم يجيئون كأنهم جبال حديد؛ قد تواثقوا ألّا يفِرّوا من العرب، وقد قرن بعضهم بعضًا؛ سبعة في قِران، وألقوا حسك الحديد خلفهم، وقالوا: من فرّ منا عقره حسك الحديد. فقال المغيرة حين رأى كثرتهم: لم أرَ كاليوم فشلًا، إنّ عدوّنا يتُركون يتأهّبون لا يُعْجلون، أما والله لو أن الأمر لي لقد أعجلتهم -وكان النعمان بن مقرّن رجلًا ليّنًا- فقال له: فالله يُشهِدك أمثالها فلا يُحزنْك ولا يعيبُك موقفك، إنه والله ما منعني من أن أناجزهم إلّا شيء شهدته من رسول الله ﷺ ؛ إنّ رسولَ الله كان إذا غزا فلم يقاتل أوّل النهار لم يعجِل حتى تحضر الصلاة، وتهبّ الأرواح، ويطيب القتال؛ فما منعني إلّا ذلك. اللهمّ إني أسألُك أن تُقِرّ عيني اليوم بفتح يكون فيه عزّ الإسلام، وذلّ يُذَلّ به الكفّار، ثم اقبضني إليك بعد ذلك على الشهادة، أمّنوا يرحمكم الله! فأمّنّا وبكينا. ثم قال: إني هازٌ لوائي فتيسَّروا للسلاح، ثم هازٌّ الثانية، فكونوا متأهّبين لقتال عدوّكم، فإذا هززتُ الثالثة فليحمل كلُّ قوم على مَنْ يليهم من عدوّهم على بركة الله. قال: وجاؤوا بحسَك الحديد. قال: فجعل يلبث حتّى إذا حضرت الصلاة وهبّت الأرواح كبّر وكبّرنا، ثم قال: أرجو أن يستجيب الله لي؛ ويفتح عليّ، ثم هزّ اللواء، فتيسّرنا للقتال، ثم هزّه الثانية فكنّا بإزاء العدوّ، ثم هزّه الثالثة. قال: فكبّر وكبّر المسلمون، وقالوا: فتحًا يعزّ الله به الإسلامِ وأهله، ثم قال النّعمان: إنْ أُصبت فعلَى الناس حُذيفة بن اليمان؛ وإن أصيب حُذيفة ففلان؛ وإنْ أصيب فلان ففلان؛ حتى عدّ سبعة آخرهم المغيرة، ثم هزّ اللواء الثالثة، فحمل كلّ إنسان على مَن يليه من العدّو. قال: فوالله ما علمت من المسلمين أحدًا يومئذ يريد أن يرجع إلى أهله، حتى يُقتل أو يظفر، فحملنا حملة واحدة، وثبتوا لنا،

стр. 1060

فما كنّا نسمع إلّا وقعَ الحديد على الحديد، حتى أصيب المسلمون بمصائب عظيمة، فلمّا رأوْا صبرنا وأنّا لا نبرح العرْصة انهزموا، فجعل يقع الواحد فيقع عليه سبعة؛ بعضهم على بعض في قياد، فيُقتلون جميعًا، وجعل يعقِرهم حسك الحديد الذي وضعوا خلفهم. فقال النعمان ﵁: قدّموا اللواء، فجعلنا نقدّم اللواء، ونقتلهم ونهزِمهم. فلما رأى أن الله قد استجاب له ورأى الفتح، جاءته نُشّابة فأصابت خاصرته، فقتلتْه. قال: فجاء أخوه معقل فسجّى عليه ثوبًا، وأخذ اللواء فقاتل، ثم قال: تقدّموا نقتلهم ونهزمهم؛ فلما اجتمع الناس قالوا: أين أميرنا؟ قال معقِل: هذا أميركم، قد أقرّ الله عينه بالفتح؛ وختم له بالشهادة. قال: فبايع الناس حُذيفة وعمر بالمدينة يستنصر له، ويدعو له مثل الحبْلى. قال: وكُتِب إلى عمر بالفتح مع رجل من المسلمين؛ فلما أتاه قال له: أبشِرْ يا أمير المؤمنين بفتح أعزّ الله به الإسلام وأهله، وأذلّ به الكفر وأهله! قال: فحمِد الله ، ثم قال: آلنّعمان بعثك؟ قال: احتسِب النّعمان يا أمير المؤمنين، قال: فبكى عمر واسترجع. قال: ومَن ويحك! قال: فلان وفلان؛ حتى عدّ له ناسًا كثيرًا، ثم قال: وآخرون يا أمير المؤمنين لا تعرفهم، فقال عمر وهو يبكي: لا يضرّهم ألّا يعرفهم عمر؛ ولكنّ الله يعرفهم (١). (٤: ١١٧/ ١١٨ / ١١٩/ ١٢٠).

стр. 1061

٢٠٦ - وأما سيف، فإنه قال: -فيما كتب إليّ السريّ يذكر: أن شُعيبًا حدّثه عنه؛ وعن محمّد والمهلّب وطلحة وعمر وسعيد- إنّ الذي هاج أمر نهاوند أنّ أهلَ البصرة لما أشجوا الهُرمزان، وأعجلوا أهلَ فارس عن مصاب جند العلاء، ووطئوا أهل فارس؛ كاتبوا ملكهم؛ وهو يومئذ بمَرْو، فحرّكوه، فكاتب الملك أهلَ الجبال من بين الباب والسند وخُرَاسان وحلُوْان، فتحرّكوا وتكاتبوا، وركب بعضهم إلى بعض، فأجمعوا أن يوافوا نهاوند، ويُبرموا فيها أمورَهم، فتوافى إلى نهاوند أوائلُهم. وبلغ سعد الخبر عن قُباذ صاحب حُلوان، فكتب إلى عمر بذلك، فنزا بسعد أقوام، وألّبوا عليه فيما بين تراسل القوم واجتماعهم إلى نهاوند، ولم يشغلْهم ما دهم المسلمين من ذلك؛ وكان ممن نهض الجرّاح بن سنان الأسديّ في نفر، فقال عمر: إنّ الدليل على ما عندكم من الشرّ نهوضُكم في هذا الأمر، وقد استعدّ لكم من استعدّوا، وأيم الله لا يمنعني ذلك من النظر فيما لديكم وإن نزلوا بكم. فبعث عمر محمدَ بن مسلمة، والناس في الاستعداد للأعاجم، والأعاجم في الاجتماع -وكان محمد بن مسلمة هو صاحب العمّال الذي يقتصّ آثار مَنْ شُكِيَ زمان عمر- فقدم محمد على سعد ليطوفَ به في أهل الكوفة، والبعوث تضرَب على أهل الأمصار إلى نهاوند، فطوّف به على مساجد أهل الكوفة، لا يتعرّض للمسألة عنه في السرّ، وليست المسألة في السرّ من شأنهم إذْ ذاك؛ وكان لا يقف على مسجد فيسألهم عن سعد إلّا قالوا: لا نعلم إلّا خيرًا، ولا نشتهي به بدلًا، ولا نقول فيه، ولا نعين عليه، إلّا مَنْ مالأ الجرّاح بن سنان وأصحابه؛ فإنهم كانوا يسكتون لا يقولون سوءًا، ولا يسوغ لهم، ويتعمَّدون ترك الثناء، حتى انتهوْا إلى بني عبس، فقال محمد: أنشد بالله رجلًا يعلم حقًّا إلّا قال! قال أسامة بن قتادة: اللهمّ إن نشدتَنا فإنه لا يقسم بالسويّة، ولا يعدِلُ في الرعيّة، ولا يغزو في السريّة. فقال سعد: اللهمّ إن كان قالها كاذبًا ورئاءً وسمعة فأعمِ بصرَه، وأكثر عياله، وعرّضه لمضلّات الفتن. فعمِيَ، واجتمع عنده عشر بنات، وكان يسمع بخبر المرأة فيأتيها حتى يجسّها؛ فإذا عُثر عليه قال: دَعْوةُ سعد الرّجل المبارك. ثم أقبل على الدّعاء على النّفر، فقال: اللهمّ إن كانوا خرجوا أشرًا وبطرًا وكذبًا فاجهد بلاءهم؛ فجُهد بلاؤهم، فَقُطِّع الجرّاح بالسيوف

стр. 1062

يوم ثاوَرَ الحسنَ بنَ عليّ ليغتاله بساباط، وشُدِخ قبيصة بالحجارة، وقُتل أربد بالوَجْء وبنعال السيوف. وقال سعد: إنّي لأوّل رجل أهرق دمًا من المشركين؛ ولقد جمع لي رسول الله ﷺ أبوْيه، وما جمعهما لأحد قبلي، ولقد رأيتُني خُمس الإسلام، وبنو أسد تزعم أنّي لا أحسن أن أصلّي، وأن الصيد يُلهيني. وخرج محمد به وبهم إلى عمر حتى قدموا عليه، فأخبره الخبر، فقال: يا سعد! ويحك، كيف تُصَلِّي! فقال: أطيل الأولَيين، وأحذف الأُخْريين، فقال: هكذا الظنّ بك! ثم قال: لولا الاحتياط لكان سبيلُهم بيّنًا. ثمّ قال: مَنْ خليفتُك يا سعد على الكوفة؛ قال: عبد الله بن عبد الله بن عِتْبان، فأقرّه واستعمله؛ فكان سبب نهاوند وبدء مشورتها وبعوثها في زمان سعد؛ وأما الوقعة ففي زمان عبد الله. قالوا: وكان من حديثهم أنهم نفروا لكتاب يزْدَجِرد الملك، فتوافَوْا إلى نهَاوند، فتوافَى إليها من بين خُراسان إلى حُلوان؛ ومن بين الباب إلى حلوان، ومن بين سِجستان إلى حُلوان؛ فاجتمعت حلَبة فارس والفهْلوج أهل الجبال من بين الباب إلى حُلوان ثلاثون ألف مقاتل؛ ومن بين خراسان إلى حُلوان ستون ألف مقاتل، ومن بين سِجِسْتان إلى فارس وحُلوان ستون ألف مقاتل؛ واجتمعوا على الفيرُزان، وإليه كانوا توافَوْا وشاركهم موسى (١). (٤: ١٢٠/ ١٧٠).

стр. 1063

٢٠٧ - وروي عن أبي وائل في سبب توجيه عمرَ النعمانَ بن مقرّن إلى نهَاوند، ما حدّثني به محمد بن عبد الله بن صَفوان الثَّقَفِيّ، قال: حدَّثنا أميّة بن خالد، قال: حدَّثنا أبو عوَانة، عن حُصين بن عبد الرحمن، قال: قال أبو وائل: كان النُّعمان بن مقرّن على كَسْكَر، فكتب إلى عمر: مَثَلِي ومثَل كَسْكر كمثل رجل شابّ وإلى جنبه مُومسة تلوّنُ له وتعَطّر، فأنشُدك الله لما عزلتني عن كَسْكر، وبعثتَني إلى جيش من جيوش المسلمين! قال: فكتب إليه عمر: أن ائت الناس بِنهاوند، فأنت عليهم. قال: فالتقوْا، فكان أوّلَ قتيل، وأخذ الراية أخوه سُويد بن مقرّن، ففتح الله على المسلمين؛ ولم يكن لهم -يعني: للفرس- جماعة بعد يومئذ؛ فكان أهل كلّ مصر يغزُون عدوَّهم في بلادهم (١). (٤: ١٢٦).

стр. 1064

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1065

٢٠٧ / أ- وفي هذه السنة أمر عمر جيوشَ العراق بطلب جيوش فارس حيث كانت، وأمر بعض مَن كان بالبَصْرة من جنود المسلمين وحواليها بالمسير إلى أرض فارس وكَرْمان وأصبهان، وبعض مَنْ كان منهم بناحية الكوفة وماهاتها إلى أصبهان وأذربيجان والرّيّ، وكان بعضهم يقول: إنما كان ذلك من فعل عمر في سنة ثماني عشرة. وهو قول سيف بن عمر. (٤: ١٣٧). ٢٠٨ - حدَّثنا يعقوب بن إبراهيم وعمرو بن عليّ، قالا: حدَّثنا عبد الرحمن بن مهديّ، قال: حدَّثنا حماد بن سلَمة، عن أبي عمران الجَوْنيّ، عن علقمة بن عبد الله المزني، عن معقل بن يَسار؛ أنّ عُمر بن الخطاب شاور الهُرْمزان، فقال: ما ترى؟ أبدأ بفارس، أم بأذْرَبيجان، أم بأصبهان؟ فقال: إنّ فارس وأذْرَبيجان الجناحان، وأصبهان الرّأس. فإن قطعت أحدَ الجناحين قام الجناح الآخر؛ فإن قطعت الرأس وقع الجناحان؛ فابدأ بالرأس. فدخل عمر المسجد والنعمان بن مقرّن يصلّي؛ فقعد إلى جنبه، فلمّا قضى صلاتَه، قال:

стр. 1066

إنّي أريد أن أستعملَك؛ قال: أمّا جابيًا فلا؛ ولكن غازيًا؛ قال: فأنت غاز. فوجهه إلى أصبَهان، وكتب إلى أهل الكوفة أن يُمِدّوه، فأتاها وبينه وبينهم النهر، فأرسل إليهم المغيرة بن شعبة، فأتاهم؛ فقيل لمَلِكهم وكان يقال له ذو الحاجبين: إن رسولَ العرب على الباب، فشاور أصحابه، فقال: ما ترون؟ أقعد له في بَهْجة الملك؛ فقالوا: نعم، فقعد على سريره، ووضع التّاج على رأسه؛ وقعد أبناء الملوك نحو السمّاطين عليهم القِرَطة وأسورة الذهب وثياب الديباج. ثم أذن له فدخل ومعه رمحه وتُرْسه، فجعل يطعن برمحه بُسُطهم ليتطيّروا، وقد أخذ بضُبعيه رجلان، فقام بين يديه، فكلمه ملكُهم، فقال: إنكم يا معشرَ العرب أصابكم جوع شديد فخرجتم؛ فإن شئتم أمِرْناكم ورجعتم إلى بلادكم. فتكلّم المغيرة؛ فحمِد الله، وأثنى عليه، ثم قال: إنا معاشر العرب؛ كنا نأكل الجيفَ والمَيتة، ويطؤنا الناس ولا نطؤهم؛ وإنّ الله ابتعث منا نبيًّا، أوسطنا حسبًا، وأصدقنا حديثًا -فذكر النبيّ ﷺ بما هو أهلُه- وإنه وعدنا أشياء فوجدناها كما قال؛ وإنه وعدنا أنا سنظهر عليكم، ونغلب على ما هاهنا. وإنّي أرى عليكم بِزّة وهيئة ما أرى مَن خلْفي يذهبون حتى يصيبوها. قال: ثمّ في نفسي: لو جمعت جراميزِي، فوثبت وثبة، فقعدت مع العِلْج على سريره لعلّه يتطيّر! قال: فوجدت غفلة؛ فوثبت؛ فإذا أنا معه على سريره. قال: فأخذوه يتوجّؤونه ويطؤونه بأرجلهم. قال: قلت: هكذا تفعلون بالرسل! فإنا لا نفعل هكذا، ولا نفعل برسلكم هذا. فقال الملك: إن شئتم قطعتم إلينا، وإن شئتم قطعنا إليكم. قال: فقلت: بل نقطع إليكم. قال: فقطعنا إليهم فتسلسلوا كلّ عشرَة في سلسلة، وكلّ خمسة، وكلّ ثلاثة. قال: فصاففناهم، فرشقونا حتى أسرعُوا فينا؛ فقال المغيرة للنعمان: يرحمك الله! إنه قد أسرع في الناس فاحمل، فقال: والله إنك لذو مناقب؛ لقد شهدتُ مع رسولِ الله ﷺ القتال؛ فكان إذا لم يقاتِل أوّل النهار أخّر القتال حتى تزول الشمس، وتهبّ الرياح، وينزل النصر. قال: ثمّ قال: إني هازّ لوائي ثلاث مرات؛ فأما الهَزّة الأولى فقضى رجل حاجته وتوضّأ، وأما الثانية فنظر رجل في سلاحه وفي شِسْمعه فأصلحه، وأما الثالثة فاحملوا، ولا يلوينّ أحدٌ على أحد؛ وإن قتِل النعمان فلا يَلْو عليه أحد؛

стр. 1067

فإنّي أدعو الله بدعوةٍ؛ فعزمت على كلّ امرئ منكم لمَا أمّن عليها! اللهمّ أعطِ اليوم النعمان الشهادة في نصر المسلمين، وافتح عليهم؛ وهزّ لواءه أوّل مرة، ثم هز الثانية، ثم هزّه الثالثة، ثم شَلّ درعه، ثم حمل فكان أوّل صريع، فقال معقل: فأتيتُ عليه؛ فذكرت عزمتَه، فجعلت عليه عَلَمًا، ثمّ ذهبت -وكنا إذا قتلنا رجلًا شُغِل عنا أصحابه- ووقع ذو الحاجبين عن بغلته فانشقّ بطنُه، فهزمهم الله؛ ثم جئتُ إلى النعمان ومعي إداوة فيها ماء، فغسلت عن وجهه التراب، فقال: مَن أنت؟ قلت: معقِل بن يسار، قال: ما فعل الناس؟ فقلت: فتح الله عليهم، قال: الحمدُ لله، اكتبوا بذلك إلى عمر؛ وفاضت نفسه. واجتمع الناس إلى الأشعث بن قيس، وفيهم ابن عمر وابن الزُّبَيْر، وعمرو بن معديكرب وحُذيفة، فبعثوا إلى أمّ ولده، فقالوا: أما عهدَ إليك عهدًا؟ فقالت: هاهنا سَفَط فيه كتاب، فأخذوه، فكان فيه: إنْ قُتل النعمان ففلان، وإن قتل فلان ففلان (١). (٤: ١٤١/ ١٤٢ / ١٤٣). ٢٠٨ / أ- وقال الواقديّ: في هذه السنة -يعني سنة إحدى وعشرين- مات خالد بن الوليد بحمْص، وأوصى إلى عمر بن الخطاب. (٤: ١٤٤). ٢٠٨ / ب- قال الواقديّ: وحجّ بالناس في هذه السنة عمر بن الخطاب، وخلّف على المدينة زيد بن ثابت؛ وكان عاملَه على مكة والطائف واليمن واليمامة والبحرين والشام ومصر والبصرة مَنْ كان عليها في سنة عشرين، وأما الكوفة فإنّ عامله عليها كان عمّار بن ياسر، وكان إليه الأحداث، وإلى عبد الله بن مسعود بيت المال، وإلى عثمان بن حُنَيف الخرَاج، وإلى شُريح -فيما قيل- القضاء (٢). (٤: ١٤٥).

стр. 1068

ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين ذكر فتح هَمَذان ٢٠٨ / ب- قال أبو جعفر: ففيها فتِحت أذْرَبيجان، فيما حدّثني أحمد بن ثابت الرازيّ عمّن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، قال: كانت أذْرَبيجان سنة اثنتين وعشرين، وأميرها المغيرة بن شعبة. وكذلك قال الواقدي (١). (٤: ١٤٦).

стр. 1069

٢٠٨ / د- وحجّ بالناس في هذه السنة عمر بن الخطاب، وكان عامله على مكة عتَّاب بن أسيد، وعلى اليمن يعلَى بن أميَّة، وعلى سائر أمصار المسلمين الذين كانوا عمّاله في السنة التي قبلها، وقد ذكرناهم قبل. (٤: ١٦٠). ذكر عزل عمَّار عن الكوفة ٢٠٨ / هـ- وفي هذه السنة عَزَل عمرُ بن الخطاب عمّارًا عن الكوفة؛ واستعمل أبا موسى في قول بعضهم؛ وقد ذكرت ما قال الواقديّ في ذلك قبل. (٤: ١٦٣). ٢٠٩ - كتب إليَّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن الوليد بن جميع، عن أبي الطُّفَيل، قال: قيل لعمّار: أساءك العزل؟ فقال: والله ما سرّني حين استعمِلت، ولقد ساءني حين عُزلت (١). (٤: ١٦٣).

стр. 1070

ذكر مصير يَزدَجِرد إلى خراسان وما كان السبب في ذلك ٢٠٩ / أ- وحجّ بالناس في هذه السنة عمر بن الخطاب، وكانت عمّالهُ على الأمصار فيها عمّاله الذين كانوا عليها في سنة إحدى وعشرين غير الكوفة والبَصْرة؛ فإن عامله على الكوفة وعلى الأحداث كان المغيرة بن شعبة، وعلى البصرة أبا موسى الأشعريّ. (٤: ١٧٣). ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين ذكر الخبر عن فتح توَّج ٢١٠ - كتب إليّ السريّ عن شعيب عن سيف، عن محمد بن سوقة، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، قال: خرجْنا مع مجاشع بن مسعود غازِين توّج، فحاصرناها، وقاتلناهم ما شاء الله، فلمّا افتتحناها وحَوينا نَهْبَها نهبًا كثيرًا، وقتلنا قتلَى عظيمة؛ وكان عليّ قميصٌ قد تخرّق؛ فأخذت إبرة وسِلْكًا وجعلت أخِيط قميصي بها. ثم إنّي نظرت إلى رجل في القتْلَى عليه قميص فنزعته، فأتيت به الماء، فجعلت أضربه بين حَجَرين حتى ذهب ما فيه، فلبسته؛ فلما جمعت الرّثَّة، قام مجاشع خطيبًا، فحمِد الله، وأثنى عليه، فقال: أيها الناس لا تَغُلّوا، فإنه من غَلّ جاء بما غَلّ يوم القيامة. رُدّوا ولو المخيَط. فلما سمعتُ ذلك نزعت القَميص فألقيته في الأخماس (١). (٤: ١٧٥).

стр. 1071

فتح إصطَخر ٢١١ - قال: وقصد عثمان بن أبي العاص لإصطَخر؛ فالتقى هو وأهل إصْطَخر بجُور فاقتتلوا ما شاء الله. ثم إنّ الله فتح لهم جُور؛ وفتج المسلمون إصطَخر، فقتلوا ما شاء الله، وأصابوا ما شاؤوا، وفرّ مَن فرّ؛ ثمّ إن عثمان دعا الناس إلى الجِزاء والذمّة، فراسلوه وراسلهم، فأجابه الهِرْبِذ وكلّ من هرب أو تنحى؛ فتراجعوا وباحوا بالجزاء، وقد كان عثمان لمّا هزم القوم جمع إليه ما أفاء الله عليهم، فخمّسه، وبعث بالخُمس إلى عمر، وقسّم أربعة أخماس المغنم في الناس، وعفّت الجند عن النّهاب، وأدّوا الأمانة، واستدقّوا الدنيا. فجمعهم عثمان؛ ثم قام فيهم، وقال: إنّ هذا الأمر لا يزال مقبِلًا؛ ولا يزال أهله معافين مما يكرهون، ما لم يَغُلُّوا، فإذا غَلُّوا رأوْا ما ينكرون ولم يسدّ الكثير مسدّ القليل اليوم. (٤: ١٧٥). ٢١٢ - كتبَ إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي سُفيان، عن الحسن، قال: قال عُثمان بن أبي العاص يوم إصْطَخر: إنّ الله إذا أراد بقوم خيرًا كفّهم، ووفّر أمانتهم، فاحفظوها؛ فإنّ أوّل ما تفقدون من دينكم الأمانة؛ فإذا فقدتموها جُدِّد لكم في كلّ يوم فقدان شيء من أموركم.

стр. 1072

ثم إنّ شهرك خلع في آخر إمارة عمر وأوّل إمارة عثمان، ونشَّط أهلَ فارس، ودعاهم إلى النقض، فوُجِّه إليه عُثمان بن أبي العاص ثانيةً، وبعِث معه جنود أمِدّ بهم، عليهم عُبيد الله بن مَعْمر، وشِبْل بن معبد البَجَلِيّ، فالتقوْا بفارس، فقال شهرك لابنه وهو في المعركة؛ وبينهم وبين قرية تدعى ريشَهْر ثلاثة فراسخ، وكان بينهم وبين قرارهم اثنا عشر فرسخًا: يا بنيّ! أين يكون غَدَاؤنا؟ هاهنا أو ريشهر؟ فقال: يا أبتِ إن تركونا فلا يكون غداؤنا هاهنا ولا ريشهر، ولا يكونَنّ إلّا في المنزل، ولكن والله ما أراهم يتركوننا. فما فرغا من كلامهما حتى أنشب المسلمون القتال، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، قتل فيه شهرك وابنه، وقتل الله جلّ وعزّ منهم مقتلة عظيمة، وولي قتلَ شَهْرك الحكَم بن أبي العاص بن بشر بن دُهمان أخو عثمان (١). (٤: ١٧٦). ذكر فتح فَسا ودارابِجَرْدَ ٢١٣ - كتبَ إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة

стр. 1073

والمهلب وعمرو، قالوا: وقصد سارية بن زُنَيم فَسا وَدارَابجرْد، حتى انتهى إلى عسكرهم، فنزل عليهم وحاصرهم ما شاء الله. ثم إنهم استمدّوا، فتجمّعوا وتجمّعت إليهم أكراد فارس، فدَهم المسلمين أمرٌ عظيم، وجمع كثير؛ فرأى عمر في تلك الليلة فيما يرى النائم معركتهم وعددهم في ساعة من النهار، فنادى من الغد: الصلاة جامعة! حتى إذا كان في الساعة التي رأى فيها ما رأى خرج إليهم؛ وكان أرِيَهم والمسلمون بصحراء إن أقاموا فيها؛ أحيط بهم، وإن أرَزُوا إلى جبل من خلفهم؛ لم يؤتَوا إلّا من وجه واحد. ثمّ قام فقال: يا أيّها الناس؛ إني رأيت هذين الجمعين -وأخبر بحالهما- ثم قال: يا سارية! الجبلَ، الجبلَ! ثمّ أقبل عليهم، وقال: إنّ لله جنودًا، ولعلّ بعضها أن يبلِّغهم؛ ولما كانت تلك الساعة من ذلك اليوم أجمع سارية والمسلمون على الإسناد إلى الجبل، ففعلوا وقاتلوا القوم من وجه واحد؛ فهزمهم الله لهم؛ وكتبوا بذلك إلى عمر واستيلائهم على البلد ودعاء أهله وتسكينهم (١). (٤: ١٧٨). ذكر خبر سلمة بن قيس الأشجعيّ والأكراد ٢١٤ - حدّثني عبد الله بن كَثير العبديّ، قال: حدَّثنا جعفر بن عون، قال: أخبرنا أبو جَناب، قال: حدَّثنا أبو المحجَّل الرّدينيّ عن مخْلَد البكريّ، وعلقمة بن مَرْثَد، عن سليمان بن بُرَيدة: أنّ أميرَ المؤمنين كان إذا اجتمع إليه جيش من أهل الإيمان؛ أمّر عليهم رجلًا من أهل العلم والفقه؛ فاجتمع إليه جيش، فبعث عليهم سلَمة بن قيس الأشجعي فقال: سِرْ باسم الله، قاتِلْ في

стр. 1074

سبيل الله من كفر بالله؛ فإذا لقيتم عدوَّكم من المشركين؛ فادعوهم إلى ثلاث خصال: ادعوهم إلى الإسلام فإن أسلموا فاختاروا دارهم فعليهم في أموالهم الزكاة؛ وليس لهم في فيء المسلمين نصيب، وإن اختاروا أن يكونوا معكم؛ فلهم مثلُ الذي لكم، وعليهم مثل الذي عليكم؛ فإن أبوْا فادعوهم إلى الخراج؛ فإن أقرّوا بالخراج فقاتلوا عدوهم من ورائهم؛ وفرّغوهم لخراجهم؛ ولا تكلّفوهم فوق طاقتهم؛ فإن أبوْا؛ فقاتلوهم؛ فإن الله ناصركم عليهم؛ فإن تحصّنُوا منكم في حصن فسألوكم أن ينزلوا على حكم الله وحكم رسوله؛ فلا تنزلوهم على حكم الله؛ فإنكم لا تدرون ما حكم الله ورسوله فيهم! وإن سألوكم أن ينزلوا على ذمّة الله وذمّة رسوله؛ فلا تعطُوهم ذمّة الله وذمّة رسوله؛ وأعطوهم ذمم أنفسكم، فإن قاتلوكم؛ فلا تغلّوا ولا تغدِروا ولا تمثّلوا، ولا تقتلوا وليدًا. قال سلمة: فسرنا حتى لقِينَا عدوّنا من المشركين، فدعوْناهم إلى ما أمر به أمير المؤمنين، فأبوْا أن يسلِموا، فدعوناهم إلى الخراج فأبوْا أن يُقرّوا، فقاتلناهم فنصرَنا الله عليهم، فقتلنا المقاتلة، وسبينا الذرّية، وجمعنا الرّثّة؛ فرأَى سلَمة بن قيس شيئًا من حِلْية، فقال: إنّ هذا لا يبلغ فيكم شيئًا، فتطيب أنفسكم أن نبعث به إلى أمير المؤمنين، فإنّ له بُرُدًا ومَؤونة؟ قالوا: نعم، قد طابت أنفسنا. قال: فجعل تلك الحِلية في سَفَط، ثم بعث برجل من قومه، فقال: اركب بها؛ فإذا أتيت البَصْرة فاشتر على جوائز أمير المؤمنين راحلتين؛ فأوقِرْهما زادًا لك ولغلامك، ثم سِرْ إلى أمير المؤمنين. قال: ففعلت، فأتيتُ أمير المؤمنين وهو يغدّي الناسَ متّكئًا على عصا كما يصنع الراعي وهو يدور على القِصاع، يقول: يا يرفأ؛ زدْ هؤلاء لحمًا، زِدْ هؤلاء خبزًا، زدْ هؤلاء مَرَقة، فلما دُفعتُ إليه، قال: اجلس؛ فجلست في أدنَى الناس؛ فإذا طعام فيه خشونة طعامي، الذي معي أطيبُ منه. فلما فرغ الناس من قصاعهم قال يا يرفأ! ارفع قِصاعك ثمّ أدْبِر؛ فاتّبعته فدخل دارًا، ثم دخل حجرة، فاستأذنت وسلمت، فأذن لي، فدخلت عليه فإذا هو جالسٌ على مِسْح متّكئ على وسادتين من أدُم محشوّتين ليفًا؛ فنبذ إليّ بإحداهما، فجلست عليها، وإذا بَهْوٌ في صفّة فيها بيت عليه سُتَير، فقال: يا أم كلثوم! غداءنا! فأخرجت إليه خُبزة بزيت في عُرْضها ملح لم يُدَقّ، فقال: يا أمّ كلثوم! ألا

стр. 1075

تخرجين إلينا تأكلين معنا من هذا؟ قالت: إني أسمع عندك حِسَّ رجل، قال: نعم ولا أراه من أهل البلد -قال: فذلك حين عرفت أنه لم يعرفني- قالت: لو أردتَ أن أخرج إلى الرجال لكسوتَنِي كما كسا ابنُ جعفر امرأته، وكما كسا الزُّبَيْر امرأته، وكما كَسَا طلحة امرأته! قال: أوَ مَا يَكفيك أن يقال: أمّ كُلثوم بنت عليّ بن أبي طالب، وامرأة أمير المؤمنين عمر! فقال: كلْ؛ فلو كانت راضيةً لأطعمتْك أطيبَ من هذا. قال: فأكلتُ قليلًا -وطعامي الذي معي أطيب منه- وأكل، فما رأيت أحدًا أحسن أكلًا منه ما يتلبّس طعامهُ بيده ولا فمه، ثم قال: اسقونا، فجاؤوا بعُسّ من سُلْت فقال: أعط الرّجل، قال: فشربت قليلًا، سويقي الذي معي أطيب منه، ثمّ أخذه فشربه حتى قَرَع القدح جبهته، وقال: الحمد لله الذي أطعمنا فأشبعنا، وسقانا فأروانا. قال: قلت: قد أكل أمير المؤمنين فشبع، وشرب فرويَ؛ حاجتي يا أمير المؤمنين! قال: وما حاجتك؟ قال: قلت: أنا رسول سلمة بن قيس، قال: مرحبًا بسلمَة بن قيس ورسولهِ! حدّثني عن المهاجرين كيف هم؟ قال: قلت: هم يا أميرَ المؤمنين كما تحبّ من السلامة والظَّفر على عدوّهم. قال: كيف أسعارهم؟ قال: قلت: أرخص أسعار. قال: كيف اللحم فيهم فإنها شجرة العرب ولا تصلح العرب إلا بشجرتها؟ قال: قلت: البقرة فيهم بكذا، والشاة فيهم بكذا يا أميرَ المؤمنين! سرنا حتى لقينا عدونا من المشركين فدعوْناهم إلى ما أمرتَنا به من الإسلام فأبوْا، فدعوْناهم إلى الخراج فأبوْا، فقاتلناهم فنصرَنا الله عليهم، فقتلْنا المقاتلة، وسبينا الذّرّية، وجمعنا الرّثّة؛ فرأى سلمة في الرثّة حِلْية، فقال للناس: إنّ هذا لا يبلغ فيكم شيئًا، فتطيب أنفسكم أنْ أبعثَ به إلى أمير المؤمنين؟ فقالوا: نعم. فاستخرجت سَفَطي، فلما نظر إلى تلك الفصوص من بين أحمر وأصفر وأخضر، وثب ثمّ جعل يده في خاصرته، ثم قال: لا أشبع الله إذًا بطن عمر! قال: فظنّ النساء أني أريد أن أغتاله، فجئن إلى الستر، فقال: كفّ ما جئت به، يا يرفأ! جَأ عنقه. قال: فأنا أصلح سَفَطي وهو يجأ عنقي! قلت: يا أميرَ المؤمنين! أبْدِعَ بي، فاحملني، قال: يا يرفأ أعطه راحلتين من الصدقة، فإذا لقيتَ أفقر إليهما منك فادفعهما إليه. قلت: أفعل يا أمير المؤمنين! فقال: أمَّا والله لئن تفرّق المسلمون في مشاتِيهم قبل أن يقسَم هذا فيهم لأفعلنّ بك وبصاحبك الفاقرة.

стр. 1076

قال: فارتحلتُ حتى أتيت سلمة، فقلت: ما بارك الله لي فيما اختَصصتني به! اقسم هذا في الناس قبل أن تصيبني وإيّاك فاقرة، فقسمه فيهم، والفصّ يباع بخمسة دراهم وستة دراهم؛ وهو خير من عشرين ألفًا (١). (٤: ١٨٦/ ١٨٧ / ١٨٨). ٢١٥ - وأما السّريّ فإنه ذكر -فيما كتب به إليّ يذكر عن شعيب، عن سيف، عن أبي جناب، عن سليمان بن بُريدة- قال: لقيت رسولَ سلمة بن قيس الأشجعيّ، قال: كان عمر بن الخطاب إذا اجتمعَ إليه جيشٌ من العرب ... ثم ذكر نحو حديث عبد الله بن كثير عن جعفر بن عون؛ غير أنه قال في حديثه: عن شعيب عن سيف: وأعطوهم ذِمم أنفسكم. قال: فلقينا عدوّنا من الأكراد، فدعوناهم. وقال أيضًا: وجمعنا الرِّثّة، فوجد فيها سلَمة حُقّتين جوهرًا، فجعلها في سَفط. وقال أيضًا: أوَ مَا كفاكِ أن يقال: أمّ كُلثوم بنت عليّ بن أبي طالب امرأة عمر بن الخطّاب! قالت: إنّ ذلك عني لقليل الغَناء، قال: كل. وقال أيضًا: فجاؤوا بعُسٍّ من سُلْت، كلّما حرّكوه فارَ فوقه مما فيه؛ وإذا تركوه سكن. ثم قال: اشرب، فشربت قليلًا؛ شرابي الذي معي أطيب منه، فأخذ القَدَح فضرب به جبهته، ثم قال: إنك لضعيفُ الأكل، ضعيف الشرب. وقال أيضًا: قلت: رسول سلمة، قال: مرحبًا بسلَمة وبرسوله؛ وكأنما خرجتَ من صلبه؛ حدّثْني عن المهاجرين. وقال أيضًا: ثم قال: لا أشبع الله إذًا بطن عمر! قال: وظنّ النساء أني قد اغتلتُه، فكشفن الستر، وقال: يا يرفأ، جأ عنقه، فوجأ عنقي وأنا أصيح، وقال: النَّجَاء؛ وأظنّك ستبطئ. وقال: أما والله الذي لا إله غيره لئن تفرّق الناس

стр. 1077

إلى مشاتيهم ... وسائر الحديث نحو حديث عبد الله بن كثير (١). (٤: ١٨٩/ ١٩٠). ٢١٦ - وحدّثنا الرّبيع بن سليمان، قال: حدَّثنا أسد بن موسى، قال: حدَّثنا شهاب بن خِراش الحوشبيّ، قال: حدَّثنا الحجاج بن دينار عن منصور بن المعتمر، عن شقيق بن سلمة الأسديّ، قال: حدَّثنا الذي جرى بين عمر بن الخطاب وسلَمة بن قيس، قال: ندب عمر بن الخطاب الناس إلى سلمة بن قيس الأشجعيّ بالحيرة، فقال: انطلقوا باسم الله ... ثم ذكر نحو حديث عبد الله بن كثير، عن جعفر (٢). (١٩٠: ٤). ٢١٧ - قال أبو جعفر: وحجّ عمر بأزواج رسول الله ﷺ في هذه السنة؛ وهي آخر حَجّة حجّها بالناس؛ حدّثني بذلك الحارث، قال: حدَّثنا ابنُ سعد، عن الواقديّ (٣). (٤: ١٩٠).

стр. 1078

ذكر نسب عمر ﵁ - ٢١٨ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة عن محمد بن إسحاق. وحدّثني الحارث، قال: حدَّثنا ابنُ سعد، عن محمد بن عمر وهشام بن محمد. وحدّثني عُمر، قال: حدَّثنا عليّ بن محمد، قالوا جميعًا في نسب عمر: هو عمرُ بن الخطاب بن نُفَيل بن عبد العُزَّى بن رِباح بن عبد الله بن قُرْط بن رَزاح بن عديّ بن كعب بن لؤيّ. وكنيته أبو حفص، وأمّه حَنْتمة بنت هاشم بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم (١). (٤: ١٩٥). تسميته بالفاروق قال أبو جعفر: وكان يقال له: الفاروق. وقد اختلف السلف فيمن سمّله بذلك، فقال بعضهم: سماه بذلك رسول الله ﷺ . ذكر من قال ذلك: (٤: ١٩٥). وقال بعضهم: أوّل مَنْ سمّاه بهذا الاسم أهل الكتاب. ذكر من قال ذلك: ٢١٩ - حدَّثنا الحارث، قال: حدَّثنا ابن سعد، قال: أخبرنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن صالح بن كيسان، قال: قال ابن شهاب: بلغنا

стр. 1079

أنّ أهل الكتاب كانوا أوّلَ مَن قال لعمر: الفاروق؛ وكان المسلمون يأثُرون ذلك من قولهم؛ ولم يبلغنا أن رسول الله ﷺ ذكر من ذلك شيئًا (١). (٤: ١٩٥/ ١٩٦). ذكر صفته ٢٢٠ - حدَّثنا هنّاد بن السّريّ، قال: حدَّثنا وكيع عن سفيان، عن عاصم بن أبي النَّجُود، عن زِرّ بن حُبيش، قال: خرج عمر في يوم عيد -أو في جنازة زينب- آدم طُوالًا أصلعَ أعسرَ يَسرًا، يمشي كأنه راكب (٢). (٤: ١٩٦). ٢٢١ - حدَّثنا هنّاد؛ قال: حدَّثنا شريك عن عاصم، عن زِرّ، قال: رأيت عمر يأتي العيد ماشيًا حافيًا أعسَر أيسَر متلبِّبًا بُرْدًا قَطَريًّا، مشرفًا على الناس كأنه على دابّة؛ وهو يقول: أيّها الناس؛ هاجروا ولا تهجَّروا (٣). (٤: ١٩٦). ٢٢٢ - وحدّثني الحارث، قال: حدَّثنا ابنُ سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدَّثنا شُعيب بن طلحة عن أبيه، عن القاسم بن محمد، قال: سمعتُ ابنَ عمر يصفُ عمر يقول: رجل أبيض، تعلوه حُمرة، طُوال، أشيب، أصلع (٤). (٤: ١٩٦). ٢٢٣ - وحدّثني الحارث، قال: حدَّثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: أخبرنا خالد بن أبي بكر، قال: كان عُمر يصفّر لحيتَه، ويرجّل رأسه بالحِنّاء (٥). (٤: ١٩٦).

стр. 1080

ذكر مولده ومبلغ عمره ٢٢٣ / أ- وقال آخرون: توفِّي وهو ابن ثلاث وستين سنة. (٤: ١٩٧). ذكر من قال ذلك: ٢٢٤ - حدَّثنا ابنُ المثنّى، قال: حدَّثنا ابنُ أبي عديّ عن داود، عن عامر، قال: مات عُمَر وهو ابن ثلاث وستين سنة (١). (٤: ١٩٨). ذكر بعض سِيَره ٢٢٥ - وحدّثني يعقوبُ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إبراهيم، عن يونس، عن الحسن، قال: قال عمر: إذا كنت في منزلة تسعني وتعجِز عن الناس فوالله ما تلك لي بمنزلة حتى أكون أسوةً للناس (٢). (٤: ٢٠١). ٢٢٦ - حدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدَّثنا إسماعيل عن يونس، عن الحسن، قال: قال عمر: لئن عشت إنْ شاء الله لأسيرنّ في الرعيّة حَوْلًا، فإني

стр. 1081

أعلمُ أنّ للناس حوائج تقطع دوني؛ أما عمّالهم فلا يرفعونها إليّ؛ وأمّا هم فلا يصلون إليّ، فأسير إلى الشام؛ فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى الجزيرة فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى مصر فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى البحرين فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى الكوفة فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى البصرة فأقيم بها شهرين؛ والله لنعمَ الحوْل هذا! (١). (٤: ٢٠١/ ٢٠٢). ٢٢٧ - حدّثني يونس بن عبد الأعلى، قال: حدَّثنا سفيان، عن يحيى، قال: أخبرني سالم، عن أسلم، قال: بعثني عمر بإبل من إبل الصدقة إلى الحِمَى، فوضعت جَهازي على ناقة منها؛ فلما أردت أن أُصدِرها، قال: اعرِضْها عليّ، فعرضتُها عليه، فرأى متاعي على ناقة منها حسناء، فقال: لا أمّ لك! عَمَدت إلى ناقة تغني أهلَ بيت المسلمين! فهلّا ابن لَبون بوّالًا، أو ناقةً شَصُوصًا! (٢) (٢٠٢: ٤). ٢٢٨ - حدّثني عمر بن إسماعيل بن مجالد الهمْدانيّ، قال: حدثنا أبو معاوية عن أبي حيان، عن أبي الزّنباع، عن أبي الدهقانة، قال: قيل لعمر بن الخطاب: إن هاهنا رجلًا من أهل الأنبار له بَصر بالديوان؛ لو اتخذته كاتبًا! فقال عمر: لقد اتّخذتُ إذًا بِطانةً من دون المؤمنين (٣). (٤: ٢٠٢). ٢٢٩ - ما حدَّثنا به محمد بن المثنّى، قال: حدَّثنا عبد الرحمن بن مهديّ، قال: حدَّثنا شعبة عن يحيى بن حضَين، سمع طارق بن شهاب يقول: قال عمر في عمّاله: اللهمّ إني لم أبعثهم ليأخذوا أموالهم؛ ولا ليضربوا أبشارهم، مَن ظلَمه أميره فلا إمْرة عليه دوني (٤). (٤: ٢٠٣). ٢٣٠ - وحدّثنا ابنُ بشّار، قال: حدَّثنا ابنُ أبي عديّ عن شعبة، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعْد، عن مَعْدان بن أبي طلحة: أن عمر بن الخطاب ﵁ خطبَ الناس يوم الجمعة، فقال: اللهمّ إني أشهدك على أمراء الأمصار أني إنما بعثتهم ليعلِّموا الناس دينَهم وسنّة نبيّهم؛ وأن يقسموا فيهم فيئهم، وأن

стр. 1082

يعدِلوا؛ فإن أشكل عليهم شيء رفعوه إليّ (١). (٤: ٢٠٣/ ٢٠٤). ذكر الخبر الوارد عنه بذلك: ٢٣١ - حدَّثنا ابنُ بشار، قال: حدَّثنا أبو عامر، قال: حدَّثنا قُرّة بن خالد، عن بكر بن عبد الله المُزنِيّ، قال: جاء عمر بن الخطاب إلى باب عبد الرحمن بن عوف فضرَبه، فجاءت المرأة ففتحته؛ ثم قالت له: لا تدخل حتى أدخل البيت وأجلس مجلسي، فلم يدخل حتى جلست، ثم قالت: ادخل، فدخل، ثم قال: هل من شيء؟ فأتته بطعام فأكل، وعبد الرحمن قائم يصلّي، فقال له: تَجَوّز أيّها الرجل؛ فسلم عبد الرحمن حينئذ، ثم أقبل عليه، فقال: ما جاء بك في هذه الساعة يا أمير المؤمنين؛ ! قال: رُفقة نزلتْ في ناحية السوق خشيتُ عليهم سُرّاق المدينة، فانطلق فلنحرسهم! فانطلقا فأتيا السوق، فقعدا على نَشَزٍ من الأرض يتحدّثان، فرفع لهما مصباح، فقال عمر: ألم أنْهَ عن المصابيح بعد النوم! فانطلقا، فإذا هم قوم على شراب لهم، فقال: انطلق فقد عرفته، فلما أصبح أرسل إليه فقال: يا فلان! كنتَ وأصحابك البارحة على شراب. قال: وما علمُك يا أميرَ المؤمنين؛ ! قال: شيء شهدته؛ فقال: أوَ لم ينهك الله عن التجسّس! قال: فتجاوز عنه. قال بكر بن عبد الله المُزنيّ: وإنّما نهى عمر عن المصابيح؛ لأن الفأرة تأخذ الفتيلة فترمِي بها في سقف البيت فيحترق، وكان إذْ ذاك سقف البيت من الجريد (٢). (٤: ٢٠٥). ٢٣٢ - قال أبو جعفر: وكان ﵁ شديدًا على أهل الرِّيَب، وفي حقّ الله صلىبًا حتى يستخرجه، وليّنًا سهلًا فيما يلزمه حتى يؤدّيَه، وبالضعيف رحيمًا رؤوفًا. حدّثني عبيد الله بن سعيد الزُّهريّ، قال: حدَّثنا عمّي، قال: حدَّثنا أبي، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن عجلان: أنّ زيد بن أسلم حدّثه عن أبيه: أنّ نفرًا من المسلمين كلّموا عبد الرحمن بن عوف، فقالوا: كلّم عمر بن الخطاب؛ فإنه قد أخشانا حتى والله ما نستطيع أن ندِيم إليه أبصارنا. قال: فذكر

стр. 1083

ذلك عبد الرحمن بن عوف لعمر، فقال: أوَقد قالوا ذلك! فوالله لقد لِنت لهم حتى تخوّفت الله في ذلك؛ ولقد اشتددت عليهم حتى خشيت الله في ذلك، وايم الله لأنا أشدّ منهم فرَقًا منهم منّي! (١) (٤: ٢٠٧). تسمية عمر ﵁ أمير المؤمنين ٢٣٢ / أ- قال أبو جعفر: أوّلُ مَنْ دُعِيَ أمير المؤمنين عمرُ بن الخطاب، ثم جرت بذلك السنّة، واستعمله الخلفاء إلى اليوم. (٤: ٢٠٨). وضعه التأريخ ٢٣٢ / ب- قال أبو جعفر: وكان أوّل مَن وضع التاريخ وكتبه -فيما حدّثني الحارث، قال: حدَّثنا ابنُ سعد، عن محمد بن عمر- في سنة ستّ عشرة في شهر ربيع الأول منها، وقد مضى ذكري سبب كتابه ذلك؛ وكيف كان الأمر فيه. وعمر ﵁ -أوّل مَنْ أرّخ الكتب، وخَتم بالطين. وهو أوّل مَن جمع الناس على إمام يصلِّي بهم التراويح في شهر رمضان، وكتب بذلك إلى البلدان (٢). (٤/ ٢٠٩).

стр. 1084

حمله الدّرّة وتدوينه الدواوين ٢٣٢ / جـ - وهو أوّل مَن حمل الدّرّة، وضرب بها؛ وهو أوّل مَن دَوّن للناس في الإسلام الدواوين، وكتب الناس على قبائلهم، وفرض لهم العطاء (١). (٢٠٩: ٤). شيء من سيره مما لم يمض ذكره ٢٣٣ - وحدّثني عمر، قال: حدَّثنا عليّ عن مسلمة بن محارب، عن خالد الحذّاء، عن عبد الله بن أبي صعصعة عن الأحنف، قال: أتى عبد الله بن عمير عمر؛ وهو يفرض للناس -واستشهد أبوه يوم حُنين- فقال: يا أمير المؤمنين! افرض لي. فلم يلتفت إليه، فنخسه، فقال عمر: حسِّ! وأقبل عليه فقال: مَن أنت؟ قال: عبد الله بن عمير، قال: يا يرفأ، أعطه ستمئة، فأعطاه خمسمئة،

стр. 1085

فلم يقبلها، وقال: أمرَ لي أمير المؤمنين بستمئة، ورجع إلى عمر فأخبره، فقال عمر: يا يرفأ! أعطهِ ستمئة وحُلّة، فأعطاه فلبس الحلّة التي كساه عمر، ورمى بما كان عليه، فقال له عمر: يا بُنيّ، خذ ثيابك هذه فتكون لمهنة أهلك، وهذه لزينتك (١). (٤: ٢٢١/ ٢٢٢). ٢٣٤ - وحدّثنا ابنُ بشار، قال: حدَّثنا عبد الرحمن، قال: حدَّثنا سُفيان عن حبيب، عن أبي وائل، قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: لو استقبلتُ من أمري ما استدبرت؛ لأخذت فضولَ أموالِ الأغنياء، فقسمتها على فقراء المهاجرين (٢). (٤: ٢٢٦). ٢٣٥ - وحدّثنا ابن بشار، قال! حدَّثنا عبدُ الرحمن بن مهديّ، قال: حدَّثنا منصور بن أبي الأسود عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود بن يزيد، قال: كان الوفد إذا قدِموا على عمر ﵁ سألهم عن أميرهم، فيقولون خيرًا، فيقول: هل يعود مرضاكم؟ فيقولون: نعم؛ فيقول: هل يعود العبد؟ فيقولون: نعم، فيقول: كيف صنيعه بالضّعيف؟ هل يجلس على بابه؟ فإن قالوا لِخصلة منها: لا؛ عَزله (٣). (٤: ٢٢٦).

стр. 1086

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1087

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1088

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1089

صحيح تاريخ عثمان بن عفان ﵁ -

стр. 1090

فضائل أمير المؤمنين عثمان ﵁ (١)
следующие страницы →