ذكر سبب تحول من تحول من المسلمين من المدائن إلى الكوفة وسبب اختطاطهم الكوفة في رواية سيف
١٨٣ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وأصحابهما، قالوا: كتب عمر إلى سعد: أنبئني ما الذي غيّر ألوان العرب ولحومَهم؟ فكتب إليه: إن العرب خدَّدهم وكفى ألوانهم وخُومة المدائن ودِجلة؛ فكتب إليه: إن العرب لا يوافقها إلَّا ما وافق إبلَها من البلدان، فابعث سلمان رائدًا وحذيفة - وكانا رائدي الجيش - فليرْتادا منزلًا برّيًّا بحريًّا، ليس بيني وبينكم فيه بحر ولا جِسر، ولم يكن بقي من أمر الجيش شيء إلَّا وقد أسنده إلى رجل، فبعث سعد حذيفة وسلمان، فخرج سلمان حتى يأتيَ الأنبار، فسار في غربيّ الفرات لا يرضى شيئًا، حتى أتى الكوفة. وخرج حذيفة في شرقيّ الفُرات لا يرضى شيئًا حتى أتى الكوفة، والكوفة على حَصْباء - وكلّ رملة حمراء يقال لها: سِهْلة، وكلّ حصباء ورمل هكذا مختلطين فهو كوفة - فأتيا عليها، وفيها دِيرات ثلاثة: دير حُرقة، ودير أم عمرو، ودير سِلسلة، وخِصاصٌ خلال ذلك، فأعجبتهما البقعة، فنزلا فصلَّيا، وقال كلّ واحد منهما: اللهمّ ربّ السماء وما أظلَّت، وربّ الأرض وما أقلتْ، والريح وما ذَرَتْ، والنجوم وما هوَتْ، والبحار وما جَرَتْ، والشياطين وما أضلّت، والخِصاص وما أجنّتْ؛ باركْ لنا في هذه الكوفة، واجعله منزل ثبات، وكتب إلى سعد بالخبر (١). (٤: ٤١).
١٨٤ - حدّثني محمد بن عبد الله بن صفوان، قال: حدَّثنا أميّة بن خالد، قال: حدَّثنا أبو عوانة، عن حُصَين بن عبد الرحمن، قال: لما هزِم الناس يوم جَلُولاء؛ رجع سعد بالناس، فلمّا قدم عمار خرج بالناس إلى المدائن فاجتووْها؛
стр. 1017
قال عمَّار: هل تصلح بها الإبل؟ قالوا: لا؛ إنّ بها البعوض، قال: قال عمر: إنّ العرب لا تصلح بأرض لا تصلح بها الإبل .. قال: فخرج عمار بالناس حتى نزل الكوفة (١). (٤: ٤١).
١٨٥ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن مخلَد بن قيس، عن أبيه، عن النُّسَير بن ثور، قال: ولما اجتوى المسلمون المدائن بعد ما نزلناها وآذاهم الغبار والذّباب، وكتِب إلى سعد في بعثه رُوَّادًا يرتادون منزلًا بريًّا بحريًّا، فإن العرب لا يصلحها من البلدان إلَّا ما أصلح البعير والشاة؛ سأل من قِبَله عن هذه الصفة فيما بينهم، فأشار عليه مَن رأى العراق من وجوه العرب باللّسان - وظهْر الكوفة يقال له: اللسان، وهو فيما بين النهرين إلى العين، عين بني الحذاء، كانت العرب تقول: أدلع البرّ لسانَه في الريف، فما كان يلي الفرات منه فهو المِلطاط، وما كان يلي الطين منه فهو النِّجاف - فكتب إلى سعد يأمره به (٢).
فتوح المدائن قبل الكوفة
١٨٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة والمهلّب وعمرو وسعيد، قالوا: فتوح المدائن السّواد وحُلوان وماسَبذان وقَرْقِيسِياء؛ فكانت الثغور ثغور الكوفة أربعةَ: حُلْوان عليها القعقاع بن عمرو، وماسَبَذَان عليها ضِرار بن الخطاب الفِهريّ، وقَرْقِيسياء عليها عمر بن مالك أو عمرو بن عتبة بن نوفل بن عبد مناف، والموصل عليها عبد الله بن المعتمّ، فكانوا بذلك، والناس مقيمون بالمدائن بعدما تحوّل سعد إلى تمصير الكوفة، وانضمام هؤلاء النفر إلى الكوفة واستخلافهم على الثغور مَن يمسك بها ويقوم عليها؟ فكان خليفة القعقاع على حُلوان قُباذ بن عبد الله، وخليفة عبد الله على الموصل مسلم بن عبد الله، وخليفة ضرار رافع بن عبد الله، وخليفة عمر عشنّق بن عبد الله، وكتب إليهم عمر أن يستعينوا بمن احتاجوا إليه من الأساورة، ويرفعوا عنهم
стр. 1018
الجزاء، ففعلوا. فلما اختطّت الكوفة وأذِن للناس بالبناء، نقل الناس أبوابَهُم من المدائن إلى الكوفة فعققوها على ما بينوا وأوطنوا الكوفة. وهذه ثغورهم، وليس في أيديهم من الرّيف إلَّا ذلك (١). (٤: ٤٩).
١٨٧ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن مجالد عن عامر، قال: كانت الكوفة وسوادها والفروج: حُلوان، والموصل، وماسَبَذان وقَرْقِيسياء. ثم وافقهم في الحديث عمرو بن الريان عن موسى بن عيسى الهمْدانيّ بمثل حديثهم، ونهاهم عمّا وراء ذلك، وليأذن لهم في الانسياح. وقالوا جميعًا: وَلِيَ سعد بن مالك على الكوفة بعدما اختُطَّت ثلاث سنين ونصفً سَوى ما كان بالمدائن قبلها، وعمالته ما بين الكوفة وحلوان والموصل وماسَبَذان وقَرْقيسياء إلى البصرة، ومات عتبة بن غزوان وهو على البصرة فَظِع بعمله، وسعد على الكوفة فوَلّى عمر أبا سبْرة مكان عتبة بن غزوان، ثم عزل أبا سَبْرة عن البصرة، واستعمل المغيرة، ثم عزل المغيرة، واستعمل أبا موسى الأشعريّ (٢) (٤: ٥٠).
ذكر خبر حمص حين قصد من فيها من المسلمين صاحبُ الروم
١٨٧ / أ - وفي هذه السنة قصدت الرّوم أبا عبيدة بن الجرَّاح ومَن معه من جند المسلمين بحمْص لحربهم؛ فكان من أمرهم وأمر المسلمين ما ذكر أبو عبيدة، وهو فيما كتب به إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، وعمرو، وسعيد - قالوا: أوّلُ ما أذِن عمر للجند بالانسياج: أن الرّوم خرجوا، وقد تكاتبوا هم وأهلُ الجزيرة يريدون أبا عبيدة والمسلمين بحمْص، فضَمّ أبو عبيدة إليه مسالحه، وعسكروا بفناء مدينة حِمْص، وأقبل خالد من قِنَّسرين حتى انضمّ إليهم فيمن انضمّ من أمراء المسالح، فاستشارهم أبو عبيدة في المناجزة أو التحصّن إلى مجيء الغِياث، فكان خالد يأمره أن يناجزَهم، وكان سائرهم يأمرونه بأن يتحصّن، ويكتب إلى عمر، فأطاعهم وعصَى خالدًا، وكتب إلى عمر [يخبره] بخروجهم عليه، وشغلِهم أجنادَ أهل الشأم عنه، وقد كان عمر اتّخذ في كلّ مِصْر على قدره خيولًا مِن فضول أموال المسلمين عُدّة لكون إن كان، فكان بالكوفة من ذلك أربعة آلاف فرس. فلمّا وقع الخبر لعمر كتب إلى سعد بن مالك: أن اندب الناس مع القعقاع بن عمرو وسرّحهم من يومهم الذي يأتيك فيه كتابي إلى حِمْص، فإنّ أبا عبيدة قد أحِيط به، وتقدّمْ إليهم في الجدّ والحثّ.
وكتب أيضًا إليه أن سرّح سُهيل بن عديّ إلى الجزيرة في الجند وليأتِ الرَّقة فإنّ أهل الجزيرة هم الذين استثاروا الرّوم على أهلِ حمص؛ وإن أهل قرقيساء لهم سَلَف، وسرّحْ عبد الله بن عبد الله بن عِتْبان إلى نصِيبين، فإن أهل قَرْقِيسياء لهم
стр. 1021
سلَف، ثم لينفُضا حرّان والرُّهاء. وسرّحْ الوليد بن عُقْبة على عرب الجزيرة من ربيعة وتَنُوخ وسرِّح عياضًا، فإنْ كان قتال فقد جعلت أمرهم جميعًا إلى عياض بن غنْم - وكان عياض من أهل العراق الذين خرجوا مع خالد بن الوليد ممدّين لأهل الشأم، وممّن انصرف أيامَ انصرف أهل العراق ممدّين لأهل القادسيّة، وكان يُرافد أبا عبيدة - فمضى القعقاع في أربعة آلاف من يومهم الذي أتاهم فيه الكتاب نحو حِمْص؛ وخرج عياض بن غَنْم وأمراء الجزيرة فأخذوا طريق الجزيرة على الفِراض وغير الفِراض؛ وتوَجّه كلّ أمير إلى الكُورة التي أمِّر عليها. فأتى الرّقة، وخرج عمر من المدينة مغيثًا لأبي عبيدة يريد حِمْص حتى نزل الجابية. ولما بلغ أهل الجزيرة الذين أعانوا الرّوم على أهل حمص واستثاروهم وهم معهم مقيمون عن حديث من بالجزيرة منهم بأنّ الجنود قد ضربت من الكوفة، ولم يدروا: الجزيرة يريدون أم حمص! فتفرّقوا إلى بلدانهم وإخوانهم، وخلَّوا الرّوم، ورأى أبو عبيدة أمرًا لما انفضوا غير الأوّل، فاستشار خالدًا في الخروج، فأمره بالخروج، ففتح الله عليهم. وقدم القعقاع بن عمرو في أهل الكوفة في ثلاث من يوم الوقعة، وقدم عمر فنزل الجابية، فكتبوا إلى عمر بالفتح وبقدوم المَدد عليهم في ثلاث، وبالحُكْم في ذلك. فكتب إليهم أن أشركوهم، وقال: جزى الله أهلَ الكوفة خيرًا! يكفون حوْزتهم ويُمِدّون أهل الأمصار (١). (٤: ٥٠/ ٥١ / ٥٢).
стр. 1022
ذكر فتح الجزيرة
١٨٨ - وأما في رواية سيف، فإن الخبر في ذلك، فيما كتب به إلي السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد والمهلب وطلحة وعمرو وسعيد؛ قالوا: خرج عياض بن غَنْم في أثر القَعقاع، وخرج القُوّاد -يعني: حين كتب عمر إلى سعد بتوجيه القعقاع في أربعة آلاف من جنده مددًا لأبي عبيدة حين قصدته الروم وهو بحمص- فسلكوا طريق الجزيرة على الفِراض وغيرها، فسلك سُهيل بن عديّ وجنده طريقَ الفِراض حتى انتهى إلى الرّقة، وقد ارفضّ أهلُ الجزيرة عن حِمْص إلى كُوَرهم حين سمعوا بمُقْبَل أهل الكوفة، فنزل عليهم، فأقام محاصرَهم حتى صالحوه، وذلك أنهم قالوا فيما بينهم: أنتم بين أهل العراق وأهل الشأم؛ فما بقاؤكم على حرب هؤلاء وهؤلاء! فبعثوا في ذلك إلى عياض وهو في منزل واسط من الجزيرة؛ فرأى أن يقبَل منهم؟ فبايعوه وقبل منهم؛ وكان الذي عقد لهم سُهَيل بن عديّ عن أمر عياض، لأنه أمير القتال وأجروْا ما أخذوا عَنْوة، ثم أجابوا مُجرَى أهل الذّمة، وخرج عبد الله بن عبد الله بن عِتْبان، فسلك على دِجْلة حتى انتهى إلى الموصل، فعبر إلى بَلَد حتى أتى نصيبين، فلقوه بالصّلح، وصنعوا كما صنع أهل الرَّقة، وخافوا مثل الذي خافوا؛ فكتبوا إلى عياض، فرأى أن يقبل منهم، فعقد لهم عبد الله بن عبد الله، وأجروْا ما أخذوا عَنْوة، ثم أجابوا مُجرى أهل الذّمة، وخرج الوليد بن عُقْبة حتى قدم على بني تغلِب وعرب الجزيرة، فنهض معه مسلمهم وكافرهم إلَّا إياد بن نزار، فإنهم ارتحلوا بقلِّيّتِهِمْ، فاقتحموا أرض الرّوم، فكتب بذلك الوليد إلى عمر بن الخطاب. ولما أعطى أهل الرّقة ونَصِيبين الطاعة ضمّ عياض سهيلًا وعبد الله إليه فسار بالناس إلى حَرّان، فأخذ ما دونها. فلما انتهى إليهم اتقوه بالإجابة إلى
стр. 1023
الجزية فقبل منهم، وأجرى مَن أجاب بعد غَلْبِه مُجْرى أهل الذّمة، ثم إنّ عياضًا سرّح سُهيلًا وعبد الله إلى الرُّهاء، فاتقوهما بالإجابة إلى الجِزية، وأجرى مَن دونهم مجراهم؛ فكانت الجزيرة أسهلَ البلدان أمرًا، وأيسره فَتْحًا، فكانت تلك السهولة مهجَنة عليهم وعلى من أقام فيهم من المسلمين، وقال عياض بن غَنْم:
مَن مُبْلِغُ الأقوامِ أن جُموعَنا ... حَوَتِ الجَزيرَةَ يوم ذاتِ زِحامِ
جَمعُوا الجَزيرَةَ والغِياثَ فَنَفَّسُوا ... عَمَّنْ بِحِمْصَ غَيابَةَ القُدَّامِ
إنَّ الأعِزَّةَ والأكارِمَ مَعْشَرٌ ... فَضُّوا الجزيرَةَ عن فِراخِ الهامِ
غَلَبُوا المُلوكَ على الجَزيرةِ فانتَهَوْا ... عن غَزْو مَنْ يأوي بلادَ الشامِ
ولما نزل عمر الجابية، وفرغ أهلُ حمص أمدّ عياض بن غَنْم بحبيب بن مسلمة، فقدم على عياض مددًا، وكتب أبو عبيدة إلى عمر بعد انصرافه من الجابية يسأله أن يضمّ إليه عياض بن غَنْم إذ ضمّ خالدًا إلى المدينة، فصرفه إليه، وصرف سهيل بن عديّ وعبد الله بن عبد الله إلى الكوفة ليصرفهما إلى المشرق، واستعمل حبيب بن مَسْلمة على عجم الجزيرة وحربها، والوليد بن عُقْبة على عرب الجزيرة، فأقاما بالجزيرة على أعمالهما.
قالوا: ولما قدم الكتاب من الوليد على عمر كتب عمر إلى ملك الروم: إنه بلغني أنّ حيًّا من أحياء العرب ترك دارنا وأتى دارك؛ فوالله لتُخرجنّه أَو لننبِذنّ إلى النصارى؛ ثم لنخرجنّهم إليك. فأخرجهم ملك الرّوم، فخرجوا فتمّ منهم على الخروج أربعة آلاف مع أبي عديّ بن زياد، وخَنَس بقيّتهم، فتفرقوا فيما يلي الشام والجزيرة من بلاد الروم؛ فكلّ إياديّ في أرض العرب من أولئك الأربعة الآلاف؛ وأبَى الوليد بن عقبة أن يقبل من بني تغلِب إلَّا الإسلام؟ فقالوا له: أمّا من نُقّب على قومه في صلح سعد ومَن كان قِبَله فأنتم وذاك، وأمّا من لم ينقب عليه أحد ولم يُجْرِ ذلك لمن نقب فما سبيلك عليه! فكتب فيهم إلى عمر، فأجابه عمر: إنما ذلك لجزيرة العرب لا يقبل منهم فيها إلَّا الإسلام، فدعْهم على ألا يُنصِّروا وليدًا، واقبل منهم إذا أسلموا، فقبل منهم على ألا يُنَصّروا وليدًا، ولا يمنعوا أحدًا منهم من الإسلام، فأعطَى بعضهم ذلك فأخذوا به، وأبي
стр. 1024
بعضهم إلَّا الجِزاء، فرضيَ منهم بما رضيَ من العِبَاد وتَنُوخ (١). (٤: ٥٣/ ٥٤ / ٥٥).
خروج عمر بن الخطاب إلى الشام
وفي هذه السنة -أعني سنة سبع عشرة- خرج عمر من المدينة يريد الشام حتى بلغ سَرْغ في قول ابن إسحاق، حدثنا بذلك ابن حميد عن سلمة، عنه، وفي قول الواقديّ.
ذكر الخبر عن خروجه إليها:
١٨٩ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلمة عن محمد بن إسحاق، قال: خرج عُمر إلى الشأم غازيًا في سنة سبع عشرة؛ حتى إذا كان بسرْغ لقيَه أمراء الأجناد، فأخبروه: أنّ الأرض سقيمة، فرجع بالناس إلى المدينة. وقد كان عمر (١). (٤: ٥٧).
١٩٠ - كما حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلمة عن محمد بن إسحاق، عن ابن شهاب الزّهريّ، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن عبد الله بن عباس: خرج غازيًا، وخرج معه المهاجرون والأنصار. وأوعب الناسُ معه، حتى إذا نزل بسرْغ، لقيَه أمراء الأجناد: أبو عبيدة بن الجرّاح، ويزيد بن أبي سفيان، وشُرحبيل بن حَسَنة؛ فأخبروه أنّ الأرض سقيمة، فقال عمر: اجمع إليّ المهاجرين الأولين، قال: فجمعتُهم له، فاستشارهم، فاختلفوا عليه، فمنهم القائل: خرجتَ لوجهٍ تريد فيه الله وما عنده، ولا نرى أن يصدّك عنه بلاء عرض لك، ومنهم القائل: إنه لبَلاء وفَناء ما نرى أن تقدم عليه؛ فلما اختلفوا عليه قال: قوموا عني، ثم قال: اجمعْ لي مهاجِرة الأنصار، فجمعتُهم له، فاستشارهم فسلكوا طريق المهاجرين، فكأنما سمعوا ما قالوا: فقالوا مثله. فلما اختلفوا عليه قال: قوموا عني، ثم قال: اجمعْ لِي مهاجِرة الفَتْح من قريش، فجمعتُهم له، فاستشارهم فلم يختلف عليه منهم اثنان، وقالوا: ارجع بالناس، فإنه بلاء، وفناء. قال: فقال لي عمر: يا بنَ عباس، اصرخْ في الناس فقل: إنّ أمير المؤمنين يقول لكم: إني مُصبح على ظَهْر، فأصبِحُوا عليه قال: فأصبح عمر على ظَهْر، وأصبح
стр. 1027
الناس عليه، فلما اجتمعوا عليه قال: أيّها الناس! إني راجع فارجعوا، فقال له أبو عبيدة بن الجراح: أفرارًا من قَدر الله! قال: نعم فرارًا مَن قدَر الله إلى قَدَر الله؛ أرأيت لو أن رجلًا هبط واديًا له عُدْوتان: إحداهما خَصبَة والأخرى جَدْبة، أليس يرعى مَنْ رعَى الجدْبة بقَدر الله، ويرعَى مَن رَعى الخِصبة بقَدر الله! ثم قال: لو غيرك يقول هذا يا أبا عبيدة! ثم خلا به بناحية دون الناس؛ فبينا الناس على ذلك؛ إذْ أتى عبدُ الرحمن بن عوف - وكان متخلّفًا عن الناس لم يشهدهم بالأمس - فقال: ما شأن الناس؟ فأخبر الخبر، فقال: عندي من هذا علم، فقال عمر: فأنت عندنا الأمين المصدّق، فماذا عندك؟ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "إذا سمعتم بهذا الوباء ببلد فلا تقدِموا عليه، وإذا وقع وأنتم به فلا تخرجوا فِرارًا منه"؛ ولا يخرجنَّكم إلَّا ذلك، فقال عمر: فللَّهِ الحمد! انصرفوا أيها الناس! فانصرف عنهم (١). (٤: ٥٧/ ٥٨).
١٩١ - حدثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، عن ابن شهاب الزهريّ، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة وسالم بن عبد الله بن عمر: أنهما حدّثاه: أن عمر رجع بالناس عن حديث عبد الرحمن بن عوف، فلما رجع عمر، رجع عمّال الأجناد إلى أعمالهم (٢). (٤: ٥٨).
стр. 1028
١٩٢ - واختُلف في خبر طاعون عَمَواس وفي أيّ سنة كان، فقال ابن إسحاق ما حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلمة عنه، قال: ثم دخلت سنة ثماني عشرة؛ ففيها كان طاعون عَمَواس، فتفانى فيها الناس، فتوفيَ أبو عبيدة بن الجراح؛ وهو أمير الناس، ومُعاذ بن جبل، ويزيد بن أبي سفيان، والحارث بن هشام، وسُهَيل بن عمرو، وعُتْبة بن سهيل، وأشرافُ الناس (١). (٤: ٦٠).
١٩٣ - وحدّثني أحمد بن ثابت الرازيّ، قال: حُدِّثنا عن إسحاق بن عيسى، عن أبي مَعْشر، قال: كان طاعون عَمَواس والجابية في سنة ثمانيَ عشرة (٢) (٤: ٦٠).
стр. 1029
١٩٤ - حدَّثنا أبنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، عن شعبة بن الحجاج، عن المخارق بن عبد الله البَجَليّ، عن طارق بن شهاب البَجَليّ، قال: أتينا أبا موسى وهو في داره بالكوفة لنتحدّث عنده، فلما جلسنا قال: لا عليكم أن تخفُّوا، فقد أصيب في الدار إنسان بهذا السقم، ولا عليكم أن تَنَزَّهوا عن هذه القرية، فتخرجوا في فسيح بلادكم ونَزِهها حتى يُرفع هذا الوباء؛ سأخبركم بما يكرَه مما يتَّقى، من ذلك أن يظن مَنْ خرج أنه لو أقام مات، ويظنّ مَن أقام فأصابه ذلك أنه لو خرج لم يصبه، فإذا لم يظنّ هذا المرء المسلم فلا عليه أن يخرج، وأن يتنزّه عنه؛ إني كنت مع أبي عبيدة بن الجرَّاح بالشأم عام طاعون عَمَواس، فلما اشتعل الوجع، وبلغ ذلك عمرَ، كتب إلى أبي عبيدة ليستخرجه منه: أن سلام عليك، أمّا بعد، فإنه قد عرضتْ لي إليك حاجة أريد أن أشافهك فيها، فعزمت عليك إذا نظرت في كتابي هذا ألا تضَعه من يدك حتى تقبل إليّ. قال: فعرف أبو عبيدة أنه إنما أراد أن يستخرجه من الوباء، قال: يغفر الله لأمير المؤمنين! ثمَّ كتب إليه: يا أمير المؤمنين! إني قد عرفت حاجتك إليّ، وإني في جند من المسلمين لا أجد بنفسي رغبة عنهم، فلست أريد فراقهم حتى يقضيَ الله فيّ وفيهم أمره وقضاءه، فحلِّلني من عزمتك يا أمير المؤمنين! ودَعْني في جندي. فلما قرأ عمر الكتاب بكَى، فقال الناس: يا أمير المؤمنين، أمات أبو عبيدة؟ قال: لا، وكأنْ قدْ. قال: ثم كتب إليه: سلام عليك، أما بعد، فإنك أنزلتَ الناس أرضًا غَمِقة، فارفعهم إلى أرض مرتفعة نَزِهة. فلما أتاه كتابه دعاني، فقال: يا أبَا موسى! إنّ كتاب أمير المؤمنين قد جاءني بما ترى، فاخرج فارتدْ للناس منزلًا حتى أتبعك بهم، فرجعتُ إلى منزلي لأرتحل، فوجدت صاحبتي قد أصيبت، فرجعت إليه، فقلت له: والله لقد كان في أهلي حَدَث، فقال: لعلَّ صاحبتك أصيبت! قلت: نعم، قال: فأمر ببعيره فرحِّل له، فلما وضع رجلَه في غَززه طُعِن، فقال: والله لقد أصِبْت. ثم سار بالناس حتى نزل الجابية، ورُفِع عن الناس الوباء (١). (٤: ٦٠/ ٦١).
стр. 1030
١٩٥ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح، عن شهر بن حوشب الأشعريّ، عن رابة - رجل من قومه، وكان قد خلَف على أمه بعد أبيه، كان شهد طاعون عَمَواس - قال: لما اشتعل الوجع قام أبو عبيدة في الناس خطيبًا، فقال: أيّها الناس! إنّ هذا الوجَع رحمة بكم ودعوة نبيكم محمد ﷺ ، وموت الصالحين قبلَكم، وإنّ أبا عبيدة يسأل الله أن يقسم له منه حظَّه. فطُعِن فمات، واستُخلِف على الناس مُعاذ بن جبَل. قال: فقام خطيبًا بعده، فقال: أيها الناس، إنّ هذا الوجع رحمة رَبكم، ودعوة نبيكم وموْت الصالحين قبلكم، وإن مُعاذًا يسأل الله أن يقسم لآل مُعاذ منه حظهم، فطُعِن ابنه عبد الرحمن بن مُعاذ، فمات. ثمّ قام فدعا به لنفسه، فطعِن في راحته؛ فلقد رأيتُه ينظر إليها ثم يقبِّل ظهرَ كفه، ثم يقول: ما أحبّ أنّ لي بما فيك شيئًا من الدنيا، فلما مات استُخلف على الناس عمرو بن العاص، فقام خطيبًا في الناس؛ فقال: أيها الناس، إنّ هذا الوجَع إذا وقع فإنما يشتعل اشتعال النار، فتجبَّلوا منه في الجبال. فقال أبو وائلة الهُذَليّ: كذبت والله! لقد صحبتُ رسولَ الله ﷺ وأنت شرّ من حماري هذا! قال: والله ما أردّ عليك ما تقول، وايمُ الله لا نقيم عليه! ثم خرج وخرج الناس فتفرّقوا، ورفعه الله عنهم. قال:
стр. 1031
فبلغ ذلك عمرَ بن الخطاب من رأي عمرو بن العاص، فوالله ما كرهه (١). (٤: ٦١/ ٦٢).
وفي هذه السنة -أعني سنة سبع عشرة- كان خروج عمر إلى الشأم الخرْجة الأخيرة فلم يعد إليها بعد ذلك في قول سيف؛ وأما قول ابن إسحاق فقد مضى ذكره. (٤: ٦٣).
ذكر الخبر عن سيف في ذلد، والخبر عمَّا ذكره عن عمر في خرجته تلك أنه أحدث في مصالح المسلمين
١٩٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي عثمان وأبي حارثة والرّبيع، قالوا: وخرج عمر وخلف عليًّا على المدينة، وخرج معه بالصحابة
стр. 1032
وأغذوا السير واتّخذَ أيلة طريقًا؛ حتى إذا دنا منها تنحَّى عن الطريق، واتَّبعه غلامه، فنزل فبال، ثم عاد فركب بعير غلامه، وعلى رَحْله فرْو مقلوب، وأعطى غلامه مركبه، فلمّا تلقّاه أوائلُ الناس؛ قالوا: أين أمير المؤمنين؟ قال: أمامكم -يعني نفسه- وذهبوا هم إلى أمامهم، فجازوه حتى انتهى هو إلى أيلَة فنزلها وقيل للمتلقِّين: قد دخل أميرُ المؤمنين أيلة ونزلها. فرجعوا إليه (١). (٤: ٦٣/ ٦٤).
١٩٧ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: لما قدم عمر بن الخطاب أيلة، ومعه المهاجرون والأنصار دفع قميصًا له كرابيس قد انجابَ مؤخّره عن قَعْدته من طول السير إلى الأُسقف، وقال: اغسل هذا وارقعه، فانطلق الأسقف بالقميص، ورقعه، وخاط له آخر مثلَه، فراح به إلى عمر، فقال: ما هذا؟ قال الأسقف: أمّا هذا فقميصك قد غسلتُه ورقعته، وأما هذا فكسوة لك منّي. فنظر إليه عمر ومسحه، ثم لبس قميصه، وردّ عليه ذلك القميص، وقال: هذا أنشفُهما للعرَق (٢). (٤: ٦٤).
ذكر خبر عزل خالد بن الوليد
١٩٨ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عبد الله بن المستورِد، عن أبيه، عن عديّ بن سهيل، قال: كتب عمر إلى الأمصار: إني لم أعزل خالدًا
стр. 1033
عن سُخْطة ولا خيانة، ولكنّ الناس فتِنوا به، فخفت أن يُوكِّلوا إليه ويبتَلوا به، فأحببت أن يعلموا: أنّ الله هو الصانع، وألَّا يكونوا بعرَض فتنة (١). (٤: ٦٨).
стр. 1034
١٩٩ - قال: وفيها تزوّج عمر بن الخطاب أمّ كلثوم ابنة عليّ بن أبي طالب، وهي ابنة فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، ودخل بها في ذي القعدة (١). (٤: ٦٩).
ذكر فتح رامهرمز وتستر
١٩٩ / أ - وفي هذه السنة -أعني: سنة سبع عشرة - كان فتح رَامُهْرمُز والسّوس وتُسْتَر. وفيها أسر الهُرْمزان في رواية سيف (١). (٤: ٨٣).
ذكر مصالحة المسلمين أهل جندي سابور
١٩٩ / ب- وحجّ بالناس في هذه السنة -أعني: سنة سبع عشرة- عمر بن الخطاب؛ وكان عامله على مكة عتّاب بن أسِيد، وعلى اليمن يعلَى بن أميّة، وعلى اليمامة والبحرين عثمان بن أبي العاص، وعلى عُمان حذيفة بن مِحْصَن، وعلى الشام مَنْ قد ذكرت أسماءهم قبل، وعلى الكوفة وأرضها سعد بن أبي وقّاص، وعلى قضائها أبو قُرّة، وعلى البصرة وأرضها أبو موسى الأشعريّ- وقد ذكرت فيما مضى الوقتَ الذي عزل فيه عنها، والوقت الذي ردّ فيه إليها أميرًا، وعلى القضاء -فيما قيل- أبو مريم الحنفيّ، وقد ذكرت مَنْ كان على الجزيرة والموصل قبلُ. (٤: ٩٤/ ٩٥).
- ثم دخلت سنة ثماني عشرة- ذكر الأحداث التي كانت في سنة ثَماني عشرة
١٩٩ / جـ - قال أبو جعفر: وفي هذه السنة -أعني: سنة ثماني عشرة- أصابت الناسَ مجاعةٌ شديدة ولَزْبة، وجُدوب وقحوط؛ وذلك هو العام الذي يسمَّى عام الرّمَادة. (٩٦: ٤).
стр. 1044
ذكر القحط وعام الرمادة
١٩٩ / د- حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، قال: دخل سنة ثماني عشرة، وفيها كان عام الرّمادة وطاعون عَمَواس، فتفانَى فيها الناس (١). (٤: ٩٦).
٢٠٠ - وحدّثني أحمد بن ثابت الرازيّ، قال: حُدّثت عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، قال: كانت الرّمادة سنة ثماني عشرة، قال: وكان في ذلك العام طاعون عَمَواس (٢). (٤: ٩٦).
٢٠١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن الرّبيع بن النعمان وأبي المجالد جراد بن عمرو وأبي عثمان يزيد بن أسيد الغَسّانيّ، وأبي حارثة مُحْرِز العَبْشميّ بإسنادهم، ومحمد بن عبد الله عن كُريب، قالوا: أصابت الناس في إمارة عمر ﵁ سَنَةٌ بالمدينة وما حولها، فكانت تَسْفي إذا رِيحَت ترابًا كالرماد، فسمّيَ ذلك العامُ عامَ الرّمادة، فآلى عمر ألّا يذوقَ سمنًا ولا لبنًا ولا لحمًا حتى يحيا الناس من أوّل الحيا، فكان بذلك حتى أحيا الناسُ من أوّل الحيا، فقدمت السوقَ عُكّة من سمن ووطْب من لبن؛ فاشتراهما غلام لعمر بأربعين، ثم أتى عمر، فقال: يا أميرَ المؤمنين! قد أبرَّ الله يمينك، وعظّم أجرك، قدم السوق وطْب من لبن وعُكة من سمن، فابتعتها بأربعين، فقال عمر: أغليتَ بهما، فتصدّقْ بهما، فإنّي أكره أن آكل إسرافًا، وقال عمر: كيف يعنيني شأن الرعيّة؛ إذا لم يمسَسْنِي ما مسّهم! (٣) (٤: ٩٨).
стр. 1045
قال أبو جعفر. وقال بعضهم: وفي هذه السنة استقضى عمر شُرَيح بن الحارث الكِنديّ على الكوفة، وعلى البصرة كعب بن سُور الأزديّ.
قال: وحجّ بالناس في هذه السنة عمر بن الخطّاب ﵁.
وكانت وُلاته في هذه السنة على الأمصار الوُلاةَ الذين كانوا عليها في سنة سبع عشرة (١) (٤: ١٠١).
стр. 1046
ثم دخلت سنة تسع عشرة ذكر الأحدات التي كانت في سنة تسع عشرة
وحجّ بالناس في هذه السنة عمر بن الخطّاب ﵁.
وكان عمّاله على الأمصار وقضاته فيها الولاة والقضاة الذين كانوا عليها في سنة ثماني عشرة. (٤: ١٠٣).
ثم دخلت سنة عشرين (١) ذكر الخبر عن فتحها وفتح الإسكندرية
٢٠٢ - قال أبو جعفر: قد ذكرنا اختلافَ أهل السِّيَر في السنة التي كان فيها فتح مصر والإسكندرية، ونذكر الآن سبب فتحهما، وعلى يدي مَن كان؛ على ما في ذلك من اختلاف بينهم أيضًا؛ فأما ابنُ إسحاق فإنه قال في ذلك ما حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة عنه: أنّ عمر ﵁ حين فرغ من الشام كلّها كتب إلى عمر بن العاص أن يسير إلى مصر في جُنده، فخرج حتى فتح باب اليون في سنة عشرين (٢). (٤: ١٠٤).
٢٠٣ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمد بن إسحاق، قال: وحدّثني القاسم بن قُزْمان -رجل من أهل مصر- عن زياد بن جَزْء الزُّبيديّ: أنه حدّثه أنه كان في جند عمرو بن العاص. حين افتتح مصر والإسكندرية، قال: افتتحنا الإسكندرية في خلافة عمر بن الخطاب في سنة إحدى وعشرين -أو سنة اثنتين وعشرين- قال: لما افتتحنا باب اليُون تدنّينا قُرى الرّيف فيما بيننا وبين
стр. 1047
الإسكندرية قريةً فقريةً؛ حتى انتهينا إلى بَلْهيب -قرية من قرى الريف، يقال لها: قرية الريش- وقد بلغت سبايانا المدينة ومكّة واليمن.
قال: فلما انتهينا إلى بَلْهيب؛ أرسل صاحب الإسكندرية إلى عمرو بن العاص: إني قد كنت أخرِج الجزية إلى من هو أبغض إليّ منكم معشر العرب لفارس والروم، فإن أحببتَ أن أعطيَك الجزية على أن تردّ عليّ ما أصبتم مِن سَبايا أرضِي؛ فعلتُ.
قال: فبعث إليه عمرو بن العاص: إنّ ورائي أميرًا لا أستطيع أن أصنع أمرًا دونه، فإن شئت أن أمسِك عنك وتُمسِك عنِّي حتى أكتب إليه بالذي عرضتَ عليّ، فإن هو قبِل ذلك منك قبلتُ، وإن أمرني بغير ذلك مضيتُ لأمره. قال: فقال: نعم. قال: فكتب عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب -قال: وكانوا لا يُخفون علينا كتابًا كتبوا به- يذكر له الذي عرض عليه صاحب الإسكندرية. قال: وفي أيدينا بقايَا من سَبْيهم. ثم وقفنا ببَلْهيب؛ وأقمنا ننتظر كتاب عمر حتى جاءنا" فقرأه علينا عمرو وفيه: أما بعد: فإنه جاءني كتابك تذكر: أنّ صاحب الإسكندرية عرض أن يعطيَك الجزية على أن تردّ عليه ما أصيب من سبايا أرضه؛ ولعمري لجزية قائمة تكون لنا ولمن بعدنا من المسلمين أحبُّ إليّ من فيء يقسَم، ثم كأنّه لم يكن؛ فاعرض على صاحب الإسكندرية أن يعطيَك الجِزْية، على أن تُخيّروا مَنْ في أيديكم من سَبْيهم بين الإسلام وبين دين قومه؛ فمن اختار منهم الإسلام فهو من المسلمين؛ له ما لهم وعليه ما عليهم، ومَن اختار دين قومه، وُضع عليه من الجزية ما يوضَع على أهل دينه، فأما مَن تفرّق من سبيِهم بأرض العرب فبلغ مكّة والمدينة واليمن فإنا لا نقدر على ردّهم، ولا نحبّ أن نصالحه على أمر لا نَفِي له به. قال: فبعث عمرو إلى صاحب الإسكندرية يعلمه الذي كتب به أمير المؤمنين. قال: فقال: قد فعلتُ. قال: فجمعنا ما في أيدينا من السبَايا، واجتمعت النصارى، فجعلنا نأتي بالرّجل ممن في أيدينا، ثمّ نخيّره بين الإسلام وبين النصرانيّة؛ فإذا اختار الإسلام كبّرنا تكبيرة هي أشدّ من تكبيرنا حين تُفتح القرية؛ قال: ثم نحوزه إلينا، وإذا اختار النصرانيّة نخرت النصارى، ثم حازوه إليهم، ووضعنا عليه الجِزْية، وجزعنا من ذلك جزعًا شديدًا؛ حتى كأنّه رجل خرج منا إليهم. قال: فكان ذلك الدَّأب حتى فرغنا
стр. 1048
منهم، وقد أتِي فيمن أتينا به بأبي مريم عبد الله بن عبد الرحمن -قال القاسم: وقد أدركته وهو عَرِيف بني زُبَيد- قال: فوقفناه، فعرضنا عليه الإسلام والنصرانيّة -وأبوه وأمه وإخوته في النصارى- فاختار الإسلام، فحزناه إلينا، ووثب عليه أبوه وأمه وإخوته يجاذبوننا، حتى شققوا عليه ثيابه، ثم هو اليومَ عريفنا كما ترى. ثم فتحت لنا الإسكندرية فدخلناها، وإنّ هذه الكُناسة التي ترى يا بن أبي القاسم لَكُناسة بناحية الإسكندرية حولها أحجار كما ترى، ما زادت ولا نقصت، فمن زعم غير ذلك: أنّ الإسكندرية وما حولها من القرى لم يكن لها جزية ولا لأهلها عهد؛ فقد والله كذب! قال القاسم: وإنما هاج هذا الحديثَ أن ملوك بني أميّة كانوا يكتبون إلى أمراء مصر: أنّ مصر إنما دخلت عَنْوة؛ وإنما هم عبيدنا نزيد عليهم كيف شئنا، ونضع ما شئنا (١). (٤: ١٠٥/ ١٠٦).
٢٠٣ / أ- قال: وقال الواقديّ: وفي هذه السنة عَزَل قدامةَ بن مظعون عن البحرين، وحَدّه في شرب الخمر.
وفيها استعمل عُمر أبا هريرة على البحرين واليمامة (١). (١١٢: ٤).
٢٠٣ / ب- وفيها قسم عمر خيبرَ بين المسلمين، وأجلَى اليهود منها؛ وبعث أبا حبِيبة إلى فَدَك فأقام لهم نصف ... ، فأعطاهم؛ ومضى إلى وادي القرى فقسمها.
وفيها أجْلى يهودَ نَجْران إلى الكُوفة فيما زعم الواقديّ (٢). (١١٢: ٤).
стр. 1051
٢٠٣ / جـ- قال الواقديّ: وفيها مات أسَيد بن الحُضَير في شعبان.
وفيها ماتت زينب بنت جحش (١). (٤: ١١٣).
ثم دخلت سنة إحدى وعشرين
٢٠٣ / د- قال أبو جعفر: وفيها كانت وقعة نِهاوَنْد في قول ابن إسحاق؛ حدَّثنا بذلك ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة عنه.
وكذلك قال أبو معشر؛ حدّثني بذلك أحمدُ بن ثابت عمّن ذكره، عن
стр. 1052
إسحاق بن عيسى، عنه.
وكذلك قال الواقديّ. (٤: ١١٤) (١).