← История

История · id 145435

صحيح وضعيف تاريخ الطبري

محمد بن طاهر البرزنجي

Полный текст (6 167 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

الصباح، قالا: سمعنا شريكًا يقول في قوله: ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾، قال: أعمى (١). (١: ٣٢٦). ٥٤١ - حدثني أحمد بن الوليد، قال: حدثنا سعدويه، قال: حدثنا عباد عن شريك، عن سالم، عن سعيد بن جبير، مثله (٢). (١: ٣٢٦). ٥٤٢ - حدثني المثنى، قال: حدثنا الحِمّانيّ، قال: حدثنا عبّاد عن شريك، عن سالم، عن سعيد: ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾، قال: كان ضرير البصر (٣). ٥٤٣ - حدثني العباس بن أبي طالب، قال: حدثنا إبراهيم بن مهدي المِصَيصيّ، قال: حدثنا خلف بن خليفة، عن سفيان، عن سالم، عن سعيد بن جبير: ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾، قال: كان ضعيف البصر (٤). (١: ٣٢٦). ٥٤٤ - حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو نعَيم، قال: حدثنا سفيان، قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾، قال: كان ضعيف البصر. قال سفيان: وكان يقال له: خطيب الأنبياء، وإن الله ﵎ بعثه نبيًّا إلى أهل مدين، وهم أصحاب الأيكة -والأيكة الشجر الملتفّ- وكانوا أهلَ كفر بالله وبخس للناس في المكاييل والموازين وإفساد لأموالهم، وكان الله وسَّع عليهم في الرزق، وبسط لهم في العيش استدراجًا منه لهم مع كفرهم به، فقال لهم شعيب ﵇: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَال وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾. فكان من قول شعيب لقومه وجواب قومه له ما ذكره الله في كتابه (٥). (٣٢٦: ١).

стр. 2102

٥٤٥ - فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: قال ابن إسحاق: فكان رسول الله -فيما ذكر لي يعقوب بن أبي سلمة- إذا ذكره قال: "ذاك خطيب الأنبياء"، لحسْن مراجعته قومَه فيما يرادّهم به (١). (١: ٣٢٧). ٥٤٦ - فلما طال تماديهم في غَيِّهم وضلالهم، ولم يردّهم تذكير شُعيب إياهم، وتحذيرهم عذاب الله [لهم] وأراد الله ﵎ هلاكهم، سلط عليهم -فيما حدثني الحارث- قال: حدثنا الحسن بن موسى الأشيب، قال: حدثني سعيد بن زيد أخو حماد بن زيد، قال: حدثنا حاتم بن أبي صَغيرة، قال: حدثني يزيد الباهليّ، قال: سألتُ عبد الله بن عباس عن هذه الآية: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، فقال عبد الله بن عباس: بعث الله وَبَدةً وحرًّا شديدًا، فأخذ بأنفاسهم فدخلوا أجواف البيوت، فدخل [عليهم] أجواف البيوت فأخذ بأنفاسهم، فخرجوا من البيوت هرّابًا إلى البريّة فبعث الله سحابة، فأظلتهم من الشمس، فوجدوا لها بردًا ولذة، فنادى بعضهم بعضًا، حتى إذا اجتمعوا تحتها أرسل الله عليهم نارًا، قال عبد الله بن عباس: فذاك عذابُ يوم الظلة؛ ﴿إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (٢). (١: ٣٢٧). ٥٤٧ - حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: حدثنا ابن وهب، قال: حدثني جرير بن حازم أنه سمع قتادة يقول: بُعث شعيب إلى أمتين: إلى قومه أهل مدين، وإلى أصحاب الأيكة، وكانت الأيكة من شجر ملتفّ، فلما أراد الله أن يعذّبهم بعث عليهم حرًّا شديدًا، ورفع لهم العذاب كأنه سحابة، فلما دنت منهم خرجوا إليها رجاء بَرْدها، فلما كانوا تحتها أمطرت عليهم نارًا، قال: فذلك قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ (٣). (١: ٣٢٧). ٥٤٨ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني أبو سفيان، عن معمرَ بن راشد، قال: حدثني رجل من أصحابنا عن بعض العلماء، قال: كانوا -يعني قوم شعيب- عطَّلوا حدًّا، فوسع الله عليهم في الرزق، ثم عطَّلوا حدًّا فوسع

стр. 2103

الله عليهم في الرزق، فجعلوا كلما عطلوا حدًّا وسمع الله عليهم في الرزق حتى إذا أراد الله هلاكهم سلَّط عليهم حرًّا لا يستطيعون أن يتقارُّوا، ولا ينفعهم ظل ولا ماء، حتى ذهب ذاهب منهم فاستظلّ تحت ظلة فوجدَ روحًا، فنادى أصحابَه: هلمُّوا إلى الروْح، فذهبوا إليه سراعًا؛ حتى إذا اجتمعوا؛ ألهبها الله عليهم نارًا، فذلك عذاب يوم الظلة (١). (١: ٣٢٨). ٥٤٩ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان عن أبي إسحاق، عن زيد بن معاوية في قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾، قال: أصابهم حرٌّ قلقلهم في بيوتهم، فنشأت سحابة كهيئة الظُّلَّةِ فابتدروها، فلما ناموا تحتها أخذتهم الرّجفة (٢). (١: ٣٢٨). ٥٥٠ - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: حدثنا الحسن، قال: حدثنا ورقاء -جميعًا عن ابن أبي نَجيح- عن مجاهد في قوله: ﴿عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾، قال: ظلال العذاب (٣). (١: ٣٢٨). ٥٥١ - حدثني القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج عن ابن جريج، عن مجاهد في قوله: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾، قال: أظلّ العذابُ قوم شُعيب، قال ابن جريج: لما أنزل الله تعالى عليهم أول العذاب أخذهم منه حرٌّ شديد، فرفع الله لهم غمامة، فخرج إليها طائفة منهم ليستظلوا بها، فأصابهم منها برد وَروْح وريح طيبة، فصبَّ الله عليهم من فوقهم من تلك الغمامة عذابًا، فذلك قوله: ﴿عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (٤). (١: ٣٢٨). ٥٥٢ - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، قال: بعث الله إليهم ظلة من سحاب، وبعث الله إلى الشمس فأحرقت ما على وجه الأرض، فخرجوا كلهم إلى تلك الظلة؛ حتى إذا اجتمعوا كلُّهم كشف الله عنهم الظلة، وأحمَى

стр. 2104

عليهم الشمس، فاحترقوا كما يحترق الجراد في المِقْلَى (١). (١: ٣٢٩). ٥٥٣ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا أبو تُمَيلة عن أبي حمزة، عن جابر، عن عامر، عن ابن عباس، قال: مَنْ حدّثك من العلماء ما عذاب يوم الظلة، فكذّبه (٢). (١: ٣٢٩). ٥٥٤ - حدثني محمود بن خداش، حدثنا حماد بن خالد الخياط، قال: حدثنا داود بن قيس عن زيد بن أسلم في قوله : ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾، قال: كان مما ينهاهم عنه حذف الدراهم -أو قال: قطع الدراهم (الشكّ من حماد) (٣). (١: ٣٢٩). ٥٥٥ - حدثنا سهل بن موسى الرازيّ، قال: حدثنا ابن أبي فُدَيك عن أبيِ مودود قال: سمعت محمد بن كعب القرظيّ يقول: بلغني: أن قومَ شعيب عُذبوا في قطع الدراهم، ثم وجدت ذلك في القرآن: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ (٤). (١: ٣٢٩). ٥٥٦ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا زيد بن حُبَاب، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب القرظيّ؛ قال: عذب قوم شعيب في قطعهم الدراهم، فقالوا: ﴿يَاشُعَيبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ (٥). (١: ٣٢٩). ذكر يعقوب وأولاده ٥٥٦ / أ- ذكروا -والله أعلم- أن إسحاق بن إبراهيم عاش بعدما ولد له العيص ويعقوب مئة سنة، ثم توفي وله مئة وستون سنة فقبرَه ابناه: العيص ويعقوب عند قبر أبيه إبراهيم في مزرعة حَبْرون، وكان عمر يعقوب بن إسحاق كله مئة

стр. 2105

وسبعًا وأربعين سنة، وكان ابنهُ يوسف قد قُسم له ولأمِّه من الحسن ما لم يقسم لكثير من أحد من الناس (١) (١: ٣٣٠). ٥٥٧ - وقد حدثني عبد الله بن محمد وأحمد بن ثابت الرازيان، قالا: حدثنا عفان بن مسلم، قال: أخبرنا حماد بن سلمة، قال: أخبرنا ثابت [البنانيّ] عن أنس، عن النبي، قال: "أعطي يوسف وأمّه شَطْر الحسن" (٢). (١: ٣٣٠). ٥٥٧ / أ- وأن أمه راحيل لما ولدتْه دفعه زوجها يعقوب إلى أخته تحضنه، فكان من شأنه وشأن عمّته التي كانت تحضنه ما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نَجيح، عن مجاهد، قال: كان أول ما دخل على يوسف من البلاء فيما بلغني أن عمته ابنة إسحاق، وكانت أكبر ولد إسحاق، وكانت إليها صارت مِنْطقة إسحاق، وكانوا يتوارثونها بالكِبَر، فكان من أختانها مَن وليها كان له سلَمًا لا ينازَع فيه، يصنع فيه ما شاء، وكان يعقوب حين ولد له يوسف قد كان حضنتْه عمته، فكان معها وإليها، فلم يحبّ أحد شيئًا من الأشياء حبَّها إياه، حتى إذا ترعرع وبلغ سنوات، ووقعت نفس يعقوب عليه، أتاها فقال: يا أخيَّة سلِّمِي إليّ يوسف، فوالله ما أقدر على أن يغيب عني ساعة، قالت: والله ما أنا بتاركته؛ قال: فوالله ما أنا بتاركه. قالت: فدعه عندي أيامًا أنظر إليه وأسكن عنه، لعلّ ذلك يسلّيني عنه -أو كما قالت- فلما خرج من عندها يعقوب عمدت إلى منطقة إسحاق فحزمتها على يوسف من تحت ثيابه، ثم قالت: لقد فقدت منطقة إسحاق، فانظروا مَنْ أخذها ومن أصابها، فالتُمست ثم قالت: كشِّفوا أهل البيت، فكشَّفوهم فوجدوها مع يوسف، فقالت: والله إنه لي لَسَلَم أصنع فيه ما شئت. قال: وأتاها يعقوب فأخبرته الخبر. فقال لها: أنت وذاك، إن كان فعل ذلك فهو سَلَم لك، ما أستطيع غير ذلك فأمسكته، فما قدر عليه يعقوب حتى ماتت، قال: فهو الذي يقول إخوة يوسف حين صنع بأخيه ما صنع حين أخذه: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ (٣). (١: ٣٣٠/ ٣٣١).

стр. 2106

٥٥٧ / ب- قال أبو جعفر: فلما رأت إخوة يوسف شدةَ حبّ والدهم يعقوب إياه في صباه وطفولته وقلّة صبره عنه حسدوه على مكانه منه، وقال بعضهم لبعض: ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾، يعنون بالعصبة الجماعة، وكانوا عشرة: ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (١). (١: ٣٣١). ٥٥٨ - ثم كان من أمره وأمر يعقوب ما قد قصَّ الله ﵎ في كتابه من مسألتهم إياه إرساله إلى الصحراء معهم، ليسعى وينشط ويلعب، وضمانِهم له حفظَه، وإعلام يعقوب إياهم حزنَه بمغيبه عنه، وخوفه عليه من الذئب، وخداعهم والدهم بالكذب من القول والزور عن يوسف، ثم إرساله معهم وخروجهم به وعزمهم حين برزوا به إلى الصحراء على إلقائه في غيابة الجب، فكان من أمره حينئذ -فيما ذُكر- ما حدثنا ابنُ وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد العنقزيّ، عن أسباط، عن السديّ قال: أرسله -يعني يعقوبُ يوسفَ- معهم، فأخرجوه وبه عليهم كرامة، فلما برزوا إلى البريّة أظهروا له العداوة، وجعل أخوه يضربه فيستغيث بالآخر فيضربه، فجعل لا يرى منهم رحيمًا، فضربوه حتى كادوا يقتلونه، فجعل يصيح ويقول: يا أبتاه يا يعقوب! لو تعلم ما يصنع بابنك بنو الإماء! فلما كادوا يقتلونه، قال يهوذا: أليس قد أعطيتموني موثقًا ألا تقتلوه! فانطلقوا به إلى الجبّ ليطرحوه، فجعلوا يُدْلونه في البئر فيتعلق بشفيرها، فربطوا يديه، ونزعوا قميصه، فقال: يا إخوتاه، ردُّوا عليّ قميصي أتوارَى به في الجبّ! فقالوا: ادع الشمس والقمر وا لأحد عشر كوكبًا تؤنسك، قال: إني لم أو شيئًا، فدلّوه في البئر حتى إذا بلغ نصفَها ألقوه إرادةَ أن يموت، فكان في البئر ماء، فسقط فيه، ثم أوى إلى صخرة فيها، فقام عليها، فلما ألقَوْه في الجبّ جعل يبكي، فنادوْه، فظنّ أنّها رحمة أدركتهم، فأجابهم، فأرادوا أن يرضخوه بصخرة فيقتلوه، فقام يهوذا، فمنعهم وقال: قد أعطيتموني موثِقًا ألّا تقتلوه، وكان يهوذا يأتيه بالطعام (٢). (١: ٣٣١/ ٣٣٢). ٥٥٩ - ثم خَبَرُه ﵎ عن وحيه إلى يوسف ﵇ وهو في الجب

стр. 2107

ليُنَبِّئَنَّ إخوته الذين فعلوا به ما فعلوا بفعلهم ذلك وهم لا يَشْعُرونَ بالوحي الذي أوحي إلى يوسف، كذلك روي ذلك عن قتادة. حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعانيّ، قال: حدثنا محمد بن ثور عن معمر، عن قتادة: ﴿وَأَوْحَينَا إِلَيهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا﴾، قال: أوحي إلى يوسف وهو في الجبّ أن ينبِّئهم بما صنعوا به ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بذلك الوحي (١). (١: ٣٣٢). ٥٦٠ - حدثني المثنّى، قال: حدثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك عن معمر، عن قتادة بنحوه، إلا أنه قال: أن سينبِّئهم (٢). (١: ٣٣٣). ٥٦١ - وقيل معنى ذلك: وهم لا يشعرون أنه يوسف، وذلك قول يروى عن ابن عباس؛ حدثني بذلك الحارث، قال: حدثنا عبد العزيز، قال: حدثنا صدقة بن عبادة الأسديّ عن أبيه، قال: سمعت ابن عباس يقول ذاك، وهو قول ابن جريج (٣). (١: ٣٣٣). ٥٦٢ - حدثنا بشرْ بن مُعَاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد عن قتادة، قال: ﴿يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ﴾، تباشروا به حين أخرجوه- وهي بئر بأرض بيت المقدس معلوم مكانها (٤). (١: ٣٣٣). ٥٦٣ - وقد قيل: إنما نادى الذي أخرج يوسف من البئر صاحبًا له يسمى بُشْرى، فناداه باسمه الذي هو اسمه، كذلك ذكر عن الشُدِّيّ، حدثنا الحسن بن محمد، حدثنا خلف بن هشام، قال: حدثنا يحيى بن آدم عن قيس بن الربيع، عن السديّ في قوله: ﴿يَابُشْرَى﴾، قال: كان اسم صاحبه بشرى (٥). (١: ٣٣٣). ٥٦٤ - حدثني المثنّى، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي حماد، قال: حدثنا الحكم بن ظهير، عن السّديّ في قوله: ﴿يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ﴾، قال: اسم الغلام

стр. 2108

بشرى، كما تقول: يا زيد (١). (١: ٣٣٤). ٥٦٥ - ثم خبره عن السيارة وواردهم الذي استخرج يوسف من الجبّ إذ اشتروه من إخوته ﴿بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾، على زُهْد فيه وإسرارهم إياه بضاعة، خيفة ممن معهم من التجار مسألتهم الشركة فيه، إن هم علموا: أنهم اشتروه (٢). (١: ٣٣٤). كذلك قال في ذلك أهل التأويل: ٥٦٦ - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى [عن] ابن أبي نَجيح، عن مجاهد: ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾، قال: صاحب الدلو ومن معه قالوا لأصحابهم: إنا استبضعناه خيفة أن يستشركوهم فيه إن علموا بثمنه، وتبعهم إخوته يقولون للمُدلي وأصحابه: استوثقوا منه لا يأبَق، حتى وقفوه بمصر فقال: مَنْ يبتاعني ويبشّر! فاشتراه الملك، والملك مُسلم (٣). (١: ٣٣٤). ٥٦٧ - حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا شبابة، قال: حدثنا ورقاء عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد بنحوه؛ غير أنه قال: خيفة أن يستشركوهم إن علموا به، واتبعهم إخوته، يقولون للمدلي وأصحابه: استوثقوا منه لا يأبق حتى وقفوه بمصر (٤). (١: ٣٣٤). ٥٦٨ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن حماد عن أسباط، عن السديّ: ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾، قال: لما اشتراه الرجلان فرِقوا من الرفقة أن يقولوا: اشتريناه فيسْألُونَهم الشركة فيه فقالوا: إن سألونا: ما هذا؟ قلنا: بضاعة استبضعناه أهل الماء، فذلك قوله: ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾ (٥) (. (١: ٣٣٤).

стр. 2109

٥٦٨ / أ- فكان بيعهم إياه ممن باعوه منه بثمن بخس، وذلك الناقص القليل من الثمن الحرام. وقيل: إنهم باعوه بعشرين درهمًا، ثم اقتسموها -وهم عشرة- درهمين درهمين، وأخذوا العشرين معدودة بغير وزن؛ لأن الدراهم حينئذ -فيما قيل- إذا كانت أقلَّ من أوقية وزنها أربعون درهمًا لم تكن توزن، لأن أقلّ أوزانهم يومئذ كانت أوقية. وقد قيل: إنهم باعوه بأربعين درهمًا. وقيل: باعوه باثنين وعشرين درهمًا (١). (١: ٣٣٥). ٥٦٩ - وذكر: أن باعوة بأربعين الذي باعه بمصر كان مالك بن دعر بن يوبب بن عفقان بن مديان بن إبراهيم الخليل ﵇، حدثنا بذلك ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن السائب، عن أبي صالح، عن ابن عباس (٢). (١: ٣٣٥). ٥٧٠ - وأما الذي اشتراه بها، وقال ﴿لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾، فإن اسمه -فيما ذكر عن ابن عباس- قُطْفير. حدثني محمد بن سعد، قَال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس، قال: كان اسم الذي اشتراه قطفير (٣). (١: ٣٣٥). ٥٧١ - وقيل: إن اسمه أطفير بن رُوحيب، وهو العزيز، وكان على خزائن مصر، والملك يومئذ الرَّيان بن الوليد، رجل من العماليق، كذلك حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق (٤). (١: ٣٣٥). ٥٧٢ - فأما غيره فإنه قال: كان يومئذ الملك بمصر وفرعونها الريَّان بن

стр. 2110

الوليد بن ثروان بن أراشة بن قاران بن عمرو بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح (١). (١: ٣٣٥). ٥٧٣ - وقد قال بعضهم: إن هذا الملك لم يمت حتى آمن واتَّبع يوسف على دينه، ثم مات ويوسف بعدُ حيٌّ، ثم ملك بعده قابوس بن مُصعب بن معاوية بن نمير بن السلواس بن قاران بن عمرو بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح ﵇، وكان كافرًا، فدعاه يوسف إلى الإسلام فأبى أن يقبل (٢). (١: ٣٣٦). ٥٧٤ - وذكر بعضُ أهل التوراة: أن في التوراة: أنّ الذي كان من أمر يوسف وإخوته والمصير به إلى مصر، وهو ابن سبع عشرة سنة يومئذ، وأنه أقام في منزل العزيز الذي اشتراه ثلاث عشرة سنة، وأنه لما تمّتْ له ثلاثون سنة استوزره فرعون مصر؛ الوليد بن الريّان، وأنه مات يوم مات وهو ابن مئة سنة وعشر سنين وأوصى إلى أخيه يهوذا، وأنه كان بين فراقه يعقوب واجتماعه معه بمصر اثنتان وعشرون سنة. وأن مقام يعقوب معه بمصر بعد موافاته بأهله سبع عشرة سنة، وأن يعقوب أوصى إلى يوسف ﵇ (٣). (١: ٣٣٦). ٥٧٥ - وكان دخول يعقوب مصر في سبعين إنسانًا من أهله، فلما اشترى أطفير يوسف، وأتى به منزله، قال لأهله واسمها -فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق- راعيل: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾ فيكفينا إذا هو بلغ وفهم الأمورَ بعضَ ما نحن بسبيله من أمورنا: ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾، وذلك أنه كان -فيما حدثنا به ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق- رجلًا لا يأتي النساء، وكانت امرأته راعيل حسناء ناعمة في مُلك ودنيا، فلما خلا من عمْر يوسف ﵇ ثلاث وثلاثون سنة أعطاه الله الحكم والعلم (٤). (١: ٣٣٦). ٥٧٦ - حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن

стр. 2111

أبي نَجيح، عن مجاهد: ﴿آتَينَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾، قال: العقل والعلم قبل النبوة (١). (١: ٣٣٦). ٥٧٧ - ﴿وَرَاوَدَتْهُ﴾ حين بلغ من السنّ أشدّه ﴿الَّتِي هُوَ فِي بَيتِهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ -وهي راعيل امرأة العزيز أطفير- ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ﴾ عليه وعليها للّذي أرادت منه، وجعلت -فيما ذكر- تذكر ليوسف محاسنه تشوقه بذلك إلى نفسها (٢). (١: ٣٣٧) ذكر من قال ذلك: ٥٧٨ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن السديّ: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾. قال: قالت له يا يوسف: ما أحسن شعرَك! قال: هو أول ما ينتثر من جسدي، قالت: يا يوسف ما أحسن عينيك! قال: هي أولُ ما يسيل إلى الأرض من جَسدي، قالت: يا يوسف ما أحسنَ وجهك! قال: هو للتراب يأكله، فلم تزل حتى أطمعته فهمّت به وهمّ بها، فدخلا البيتَ وغلّقت الأبواب، وذهب ليحلّ سراويله فإذا هو بصورة يعقوب قائمًا في البيت قد عضّ على إصبعه يقول: يا يوسف لا تواقعها، فإنما مثَلُك ما لم تواقعها مثلُ الطير في جوِّ السماء لا يطاق، ومثلك إن واقعتَها مثَله إذا مات وقع في الأرض لا يستطيع أن يدفع عن نفسه. ومثَلك ما لم تواقعها مثلُ الثور الصَّعْب الذي لا يعمل عليه، ومثَلك إن واقعتها مثل الثور حين يموت فيدخل النمل في أصل قرنيه لا يستطيع أن يدفع عن نفسه. فربط سراويله، وذهب ليخرج يشتدّ، فأدركته فأخذت بمؤخر قميصه من خلْفه فخرقته حتى أخرجته منه، وسقط وطرحه يوسف، واشتدّ نحو الباب (٣). (١: ٣٣٧). ٥٧٩ - وقد حدثنا أبو كريب وابن وكيع وسهل بن موسى، قالوا: حدثنا ابن عيينة عن عثمان بن أبي سليمان، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس: سئل عن همّ يوسف ما بلغ؟ قال: حلّ الهميان، وجلس منها مجلس الحائز (٤). (١: ٣٣٧).

стр. 2112

٥٨٠ - حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج، قال: أخبرنا عبد الله بن أبي مُلَيكة، قال: قلت لابن عباس: ما بلغ من همّ يوسف؟ قال: استلقتْ له وجلس بين رجليها ينزع ثيابَه، فصرف الله تعالى عنه ما كان همّ به من السوء بما رأى من البرهان الذي أراه الله، فذلك -فيما قال بعضُهم- صورة يعقوب عاضًّا على إصبعه (١). (١: ٣٣٨). ٥٨٠ / أ- وقال بعضهم: بل نودي من جانب البيت: أتزني فتكون كالطير وقع ريشه، فذهب يطير ولا ريش له! وقال بعضهم: رأى في الحائط مكتوبًا: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ فقام حين رأى بُرْهان ربه هاربًا يريد باب البيت فرارًا مما أرادته، واتبعته راعيل فأدركتْه قبل خروجه من الباب، فجذبته بقميصه من قِبَل ظهره، فقدّت قميصَه وألفى يوسف وراعيل سيّدها -وهو زوجها أطفير- جالسًا عند الباب، مع ابن عمّ لراعيل (٢). (١: ٣٣٨). ٥٨١ - كذلك حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن السديّ: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾. قال: كان جالسًا عند الباب وابن عمها معه، فلما رأته قالت: ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إلا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾؛ إنه راودني عن نفسي، فدفعته عن نفسي فأبيت فشققت قميصه. قال يوسف: بل هي رَاوَدتْني عن نَفسي، فأبيت وفررت منها، فأدركتني فشقَّتْ قميصي، فقال ابن عمها: تبيان هذا في القميص، فإن كان القميص، ﴿قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، وإن كان القميص ﴿قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، فأتى بالقميص، فوجده قدّ من دُبر، قال: ﴿إِنَّهُ مِنْ كَيدِكُنَّ إِنَّ كَيدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ (٣). (١: ٣٣٨).

стр. 2113

٥٨٢ - حدثني محمد بن عمارة، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا شيبان، عن أبي إسحاق، عن نوْف الشاميّ، قال: ما كان يوسف يريد أن يذكره حتى قالت: ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إلا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، قال: فغضب وقال: ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ (١). (١: ٣٣٩). وقد اختلف في الشاهد الذي شهد من أهلها ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، فقال بعضهم ما ذكرت عن السديّ. ٥٨٣ - وقال بعضهم: كان صبيًّا في المهد، وقد روى في ذلك عن رسول الله ما حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا عفان بن مسلم، قال: حدثنا حماد، قال: أخبرنا عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي، قال: "تكلم أربعة وهم صغار"، فذكر فيهم شاهد يوسف (٢). (١: ٣٣٩). ٥٨٤ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا العلاء بن عبد الجبار عن حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: تكلم أربعة وهم صغار: ابن ماشطة ابنة فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وعيسى بن مريم (٣). (١: ٣٣٩). ٥٨٥ - وقد قيل إن الشاهد كان هو القميص وقدّه من دبره. ذكر بعض من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد في قول الله : ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ قال: قميصه مشقوق من دُبره فتلك الشهادة، فلما رأى زوجُ المرأة قميص يوسف قُدَّ من دبر قال لراعيل زوجته: ﴿إِنَّهُ مِنْ كَيدِكُنَّ إِنَّ كَيدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾، ثم قال ليوسف: أعرض عن ذكر ما كان منها من مراودتها إياك عن نفسها فلا تذكره لأحد، ثم قال لزوجته: ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ (٤). (١: ٣٣٩).

стр. 2114

٥٨٦ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن السديّ: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾ قال: والشغاف جلْدة على القلب يقال لها: لسان القلب، يقول: دخل الحبّ الجلد حتى أصاب القلب، ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ﴾ امرأة العزيز ﴿بِمَكْرِهِنَّ﴾ وتحدُّثهن بينهنّ بشأنها وشأن يوسف، وبلغها ذلك ﴿أَرْسَلَتْ إِلَيهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأ﴾ يتكّئن عليه إذا حضرنها من وسائد، وحضرنها فقدّمت إليهنّ طعامًا وشرابًا وأترُجًّا، وأعطتْ كُلَّ واحدة منهن سكينًا تقطع به الأترجّ (١). (١: ٣٤٠). ٥٨٧ - حدثنا ابن وكيع، قال حدثنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن السديّ: ﴿قَالتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾، تقول: بعدما حلّ السراويل استعصم، لا أدري ما بدا له! ثم قالت لهنّ: ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ﴾ منْ إتْيانهَا ﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾، فاختار السجن على الزنى ومعصية ربه، فقال: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيهِ﴾ (٢). (١: ٣٤١). ٥٨٨ - وقد قيل: إن السبب الذي من أجله بدا له في ذلك، ما حدثنا به ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد عن أسباط، عن السديّ: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾، قال: قالت المرأة لزوجها: إنّ هذا العبد العبرانيّ قد فضَحني في الناس يعتذر إليهم ويخبرهم أني راودته عن نفسه، ولست أطيق أن أعتذر بعذري، فإما أن تأذن لي فأخرج فاعتذر، وإما أن تحبسه كما حبستني، فذلك قول الله : ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾، فذكر أنهم حبسوه سبع سنين (٣). (١: ٣٤٢). ذكر من قال ذلك: ٥٨٩ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا المحاربي عن داود، عن عكرمة: ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾، قال: سبع سنين، فلما حبس يوسف في السجن صاحبه العزيز، أدخِل معه السجن الذي حبس فيه فتيان للملك صاحب مصر الأكبر؛

стр. 2115

وهو الوليد بن الريّان؛ أحدهما كان صاحبَ طعامه، والآخر كان صاحب شرابه (١). (١: ٣٤٢). ٥٩٠ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السديّ، قال: حبسه الملك، وغضب على خبّازه، بلغه أنه يريد أن يَسُمَّه فحبسه، وحبس صاحب شرَابه، ظن أنه مالأه على ذلك، فحبسهما جميعًا، فذلك قول الله : ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ (٢). (١: ٣٤٢). ٥٩١ - فلما دخل يوسف قال فيما حدثني به ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السديّ، قال: لما دخل يوسف السجن، قال: إني أعبِّر الأحلام، فقال أحدُ الفتيين لصاحبه: هَلُمَّ فلنجرّب هذا العبد العبرانيّ، فتراءيا له، فسألاه من غير أن يكونا رأيا شيئًا. فقال الخباز: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيرُ مِنْهُ﴾، وقال الآخر: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾، ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْويلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣). (١: ٣٤٣). ٥٩٢ - وكان اسم أحد الفتيين اللذين أدخلا السجن محلب -وهو الذي ذكر أنه رأى فوق رأسه خبزًا- واسم الآخر نبو، وهو الذي ذكر أنه رأى كأنه يعصر خمرًا، فلم يَدَعاه والعدول عن الجواب عما سألاه عنه حتى أخبرهما بتأويل ما سألاه عنه فقال: ﴿أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ -وهو الذي ذكر أنه رأى كأنه يعصر خمرًا- ﴿وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيرُ مِنْ رَأْسِهِ﴾. فلما عبّر لهما ما سألاه تعبيره، قالا: ما رأينا شيئًا (٤) (١: ٣٤٣) ٥٩٣ - فحدثني الحارث، قال: حدثنا عبد العزيز، قال: حدثنا جعفر بن سليمان الضبعيّ، عن بسطام بن مسلم، عن مالك بن دينار، قال: قال يوسف للساقي: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾، قال: قيل: يا يوسف، اتخذتَ من دوني وكيلًا! لأطيلنَّ حبسَك، قال: فبكى يوسف وقال: يا ربّ أنسي قلبي كثرة البلوى

стр. 2116

فقلت كلمة، فويل لإخوتي! (١). (١: ٣٤٤). ٥٩٤ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد، عن إبراهيم بن يزيد، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال النبي: "لو لم يقل يوسف -يعني الكلمة التي قال- ما لبث في السجن طول ما لبث حيث يبتغى الفرج من عند غير الله " (٢). (١: ٣٤٤). ٥٩٥ - فلبث في السجن، فيما حدثني الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا عمران أبو الهُذَيل الصنعانيّ، قال: سمعت وهبا يقول: أصاب أيوب البلاء سبعَ سنين، وتُرك يوسف في السجن سبع سنين، وعذب بختنصَّر فحوّل في السباع سبع سنين (٣). (١: ٣٤٤). ثم إن ملك مصر رأى رؤيا هالته ٥٩٦ - فحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن السديّ، قال: إن الله أرى الملك في منامه رؤيا هالتْه، فرأى: ﴿سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾، فجمع السحرة والكهنة والحازة، والقافة، فقصّها عليهم، فقالوا: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْويلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (٤٤) وَقَال الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا﴾ من الفتيين وهو نبو، ﴿وَادَّكَرَ﴾ حاجة يوسف ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾، يعني بعد نسيان: ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْويلِهِ فَأَرْسِلُونِ﴾، يقول: فأطلقون، فأرسلوه فأتى يوسف فقال: ﴿أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾؛ فإن الملكَ رأى ذلك في نومه (٤). (١: ٣٤٥). ٥٩٧ - فحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو عن أسباط، عن السديّ، قال: قال ابن عباس: لم يكن السجنُ في المدينة، فانطلق الساقي إلى يوسف، فقال:

стр. 2117

﴿أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ. . .﴾ الآيات (١). (١: ٣٤٥). ٥٩٨ - فلما قال ذلك يوسف قال له جَبْرَئَيل: ما حدَّثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما جمع الملك النسوة، فسألهنّ! هل راودتُن يوسفَ عن نفسه ﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيهِ مِنْ سُوءٍ قَالتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ قال يوسف: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيدَ الْخَائِنِينَ﴾. قال: فقال له جَبْرَئيل: ولا يوم هممتَ بها؟ فقال: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ (٢). (١: ٣٤٦/ ٣٤٧). ٥٩٩ - حدثنا ابن حميد قال: حدثنا إبراهيم بن المختار، عن شيبة الضبيّ في قوله: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾، قال: على حفظ الطعام. ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ يقول: إني حفيظ لما استودعتني، عليم بسني المجاعة، فولاه الملك ذلك (٣). (١: ٣٤٧). ٦٠٠ - وقد حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، قال: لما قال يوسف للملك: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ قال الملك: قد فعلت، فولاه -فيما يذكرون- عملَ إطفير، وعزَل إطفير عما كان عليه، يقول الله ﵎: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾. قال: فذُكر لي -والله أعلم-: أن إطفير هلك في تلك الليالي، وأن الملك الريّان بن الوليد زوّج يوسفَ امرأة إطفير راعيل، وأنها حين دخلت عليه قال: أليس هذا خيرًا مما كنت تريدين! قال: فيزعمون أنها قالت: أيها الصدّيق لا تلمني، فإني كنت امرأةً -كما ترى- حسناء جميلة ناعمة، في ملك ودنيا، وكان صاحبي لا يأتي النساء، وكنتَ كما جعلك الله في حسنك وهيئتك، فغلبَتْني نفسي على ما رأيت، فيزعمون: أنه وجدها عذراء، وأصابها فولدت له

стр. 2118

رجلين: أفراييم بن يوسف ومنشا بن يوسف (١). (١: ٣٤٧). ٦٠١ - فحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو عن أسباط، عن السديّ، قال: أصاب الناس الجوع حتى أصاب بلاد يعقوب التي هو بها، فبعث بنيه إلى مصر، وأمسك أخا يوسف بنيامين، فلما دخلوا على يوسف عرفهم وهم له منكرون، فلما نظر إليهم قال: أخبروني: ما أمرُكم؟ فإني أنكر شأنكم! قالوا: نحن قوم من أرض الشأم، قال: فما جاء بكم؟ قالوا: جئنا نمتار طعامًا، قال: كذبتم، أنتم عيون! كم أنتم؟ قالوا: عشرة، قال: أنتم عشرة آلاف، كل رجل منكم [أمير] ألف. فأخبروني خبركم، قالوا: إنا إخوة، بنو رجل صدِّيق، وإنا كنا اثني عشر، وكان أبونا يحب أخًا لنا، وإنه ذهب معنا إلى البرّية فهلك فيها، وكان أحبَّنا إلى أبينا، قال: فإلى مَنْ سكن أبوكم بعده؟ قالوا: إلى أخ لنا أصغر منه. قال: فكيف تخبرونني أن أباكم صدَّيق وهو يحب الصغير منكم دون الكبير! ائتوني بأخيكم هذا حتى أنظرَ إليه: ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ (٦٠) قَالُوا سَنُرَاودُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾ (٢). (١: ٣٤٨). ٦٠١ / أ- قال: فضعوا بعضَكم رهينة حتى ترجعوا، فوضعوا شمعون. (١: ٣٤٩). ٦٠٢ - فلما رجع بنو يعقوب إلى أبيهم، قالوا: ما حدثنا به ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو عن أسباط، عن السديّ: فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا: يا أبانا، إن ملكَ مصر أكرمنا كرامةً؛ لو كان رجلًا من ولد يعقوب ما أكرمنا كرامته، وإنه ارتهن شمعون وقال: ائتوني بأخيكم هذا الذي عطف عليه أبوكم بعد أخيكم الذي هلك، ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيلَ لَكُمْ عِنْدِي﴾ ولا تقربوا بلادي أبدًا. قال يعقوب: ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيهِ إلا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾. قال: فقال لهم يعقوب: إذا أتيتم ملِك مصر فأقرئوه مني السلام وقولوا له: إن أبانا يصلِّي عليك، ويدعو لك بما أوليتَنا (٣). (١: ٣٤٩/ ٣٥٠).

стр. 2119

٦٠٣ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، قال: خرجوا حتى إذا قدموا على أبيهم، وكان منزلهم -فيما ذكر لي بعضُ أهل العلم- بالعربات من أرض فلسطين بغَوْر الشأم. وبعضهم يقول: بالأولاج من ناحية الشِّعب أسفل من حِسْمى فلسطين، وكان صاحب بادية، له إبل وشاء. فلما رجع إخوة يوسف إلى والدهم يعقوب ﴿قَالُوا﴾ له: ﴿يَاأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيلُ﴾ فوق حمل أباعرنا، ولم يكل لكلِّ واحد منا إلا كيل بعير، ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا﴾ بنيامين يكتَلْ لنفس ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ وإنا له لحافظون، فقال لهم يعقوب: ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيهِ إلا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾. ولما فتح ولد يعقوب الذين كانوا خرجوا إلى مصر للميرة متاعَهم الذي قدموا به من مصر، وجدوا ثمن طعامهم الذي اشتروه به رُدَّ إليهم، فقالوا لوالدهم: ﴿يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَينَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيلَ بَعِيرٍ﴾ آخرَ على أحمال إبلنا (١). (١: ٣٥٠). ٦٠٤ - وقد حدثني الحارث، قال: حدثنا القاسم، قال: حدثنا حجاج عن ابن جريج، ﴿وَنَزْدَادُ كَيلَ بَعِيرٍ﴾، قال: كان لكل رجل منهم حمل بعير، فقالوا: أرسل معنا أخانا نزدد حمل بعير، قال ابن جريج: قال مجاهد: ﴿كَيلَ بَعِيرٍ﴾: حمل حمار، قال: وهي لغة؛ قال الحارث: قال القاسم: يعني مجاهد أن الحمار يقال له في بعض اللغات: "بعير" (٢). (١: ٣٥٠/ ٣٥١). ٦٠٥ - ولما دخل إخوة يوسف على يوسف ضمّ إليه أخاه لأبيه وأمه، فحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو عن أسباط، عن السديّ: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيهِ أَخَاهُ﴾ ـ، قال: عرف أخاه، وأنزلهم منزلًا، وأجرى عليهم الطعام والشراب، فلما كان الليل جاءهم بمثُل فَقال: ليَنَمْ كلّ أخوين منكم على مِثال، فلما بقي الغلام وحده قال يوسف: هذا ينام معي على فراشي، فبات معه، فجعل يوسفَ يَشُمُّ ريحه، ويضمّه إليه حتى أصبح؛ وجعل روبيل يقول: ما رأينا

стр. 2120

مثل هذا إن نجونا منه (١). (١: ٣٥١/ ٣٥٢). ٦٠٦ - وأما ابن إسحاق فإنه قال ما حدثنا به ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: لما دخلوا -يعني ولد يعقوب- على يوسف قالوا: هذا أخونا الذي أمرتَنا أن نأتيَك به، قد جئناك به، فذكر لي: أنه قال لهم: قد أحسنتم وأصبتم، وستجدون جزاء ذلك عندي، أو كما قال. ثم قال: إني أراكم رجالًا، وقد أردت أن أكرمكم، فدعا صاحب ضيافته فقال: أنزل كلَّ رجلين على حدة، ثم أكرمْهما وأحسنْ ضيافتَهما. ثم قال: إني أرى هذا الرجل الذي جئتم به ليس معه ثان، فسأضمه إليّ فيكون منزله معي، فأنزلهم رجلين رجلين في منازل شتى، وأنزل أخاه معه فآواه إليه، فلما خلا به قال: إني أنا أخوك أنا يوسف فلا تبتئس بشيء فعلوه بنا فيما مضى؛ فإن الله قد أحسن إلينا فلا تعلمهم مما أعلمتك؛ يقول الله : ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيهِ أَخَاهُ قَال إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، يقول له: ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ﴾، فلا تحزن. فلما حمّل يوسف إبل إخوته ما حمَّلها من الميرة وقضى حاجتهم ووفّاهم كيلهم، جعل الإناءَ الذي كان يكيل به الطعام -وهو الصُّواع- في رحل أخيه بنيامين (٢). (٣٥٢: ١). ٦٠٧ - حدثنا ابنُ حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: حمّل لهم بعيرًا بعيرًا، وحمل لأخيه بنيامين بعيرًا باسمه كما حمل لهم، ثم أمر بسقاية الملك -وهو الصُّوَاع- وزعموا أنها كانت من فضة، فجُعلت في رحل أخيه بنيامين، ثم أمهلهم حتى إذا انطلقوا فأمعنوا من القرية، أمر بهم فأدرِكوا واحتُبِسوا، ثم نادى منادٍ: أيتها العير إنكم لسارقون، [قفوا]. وانتهى إليهم رسوله فقال لهم -فيما يذكرون-: ألم نكرم ضيافَتكم، ونوفّكم كيلَكم، ونحسن منزلَكم، ونفعل بكم ما لم نفعل بغيركم، وأدخلناكم علينا في بيوتنا، وصار لنا عليكم حرمة! أو كما قال لهم. قالوا: بلى، وما ذاك؟ قال: سقاية الملك

стр. 2121

فقدناها، ولا يتهم عليها غيركم. قالوا: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾. وكان مجاهد يقول: كانت العير حميرًا (١). (١: ٣٥٢). ٦٠٨ - حدثني بذلك الحارث، قال: حدثنا عبد العزيز، قال: حدثنا سفيان، قال: أخبرَني رجل عن مجاهد: وكان فيما نادى به منادي يوسف: مَنْ جاء بصُواع الملك فله حمْلُ بعير من الطعام، وأنا بإيفائه ذلك زعيم -يعني "كفيل"- وإنما قال القوم: ﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾، لأنهم ردوا ثمن الطعام الذي كان كيل لهم المرة الأولى في رحالهم، فردوه إلى يوسف، فقالوا: لو كنا سارقين لم نردد ذلك إليكم -وقيل: إنهم كانوا معروفين بأنهم لا يتناولون ما ليس لهم، فلذلك قالوا ذلك- فقيل لهم: فما جزاء من كان سرق ذلك؟ فقالوا: جزاؤه في حكمنا بأن يسلَّم لفعله ذلك إلى مَنْ سرقه حتى يسترقّه (٢). (٣٥٣: ١). ٦٠٩ - حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زُريع، قال: حدثنا سعيد عن قتادة، قال: ذكر لنا: أنه كان لا ينظر في وعاء إلا استغفر الله تأثمًا مما قَرفَهم به، حتى بقيَ أخوه -وكان أصغر القوم- قال: ما أرى هذا أخذ شيئًا. قالوا ة بلى فاستبرئه، ألا وقد علموا حيث وضعوا سقايتهم. ﴿ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾، يعني في حكم الملك، ملك مصر، وقضائه لأنه لمن يكن من حكم ذلك الملك وقضائه أن يُسْترَقّ السارق بما سرق، ولكنّه أخذه بكيد الله له حتى أسلمه رفقاؤه وإخوته بحكمهم عليه وطيب أنفسهم بالتسليم (٣). (١: ٣٥٤). ٦١٠ - وقد قيل: إن يوسف كان سرق صنمًا لجده أبِي أمّه، فكسره، فعيّروه بذلك. ذكر من قال ذلك: حدثني أحمد بن عمرو البصريّ، قال: حدثنا الفيض بن الفضل، قال:

стр. 2122

حدثنا مسْعَر عن أبي حُصَين، عن سعيد بن جبير: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾، قال: سرق يوسف صنمًا لجده أبي أمه فكسره وألقاه في الطريق، فكان إخوته يعيبونه بذلك (١). (١: ٣٥٤). ٦١١ - وقد حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن إدريس، قال: سمعت أبي قال: كان بنو يعقوب على طعام، إذ نظر يوسف إلى عَرْق فخبأه فعيّروه بذلك ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾، فأسرّها في نفسه يوسف حين سمع ذلك منهم، فقال: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ به أخا بنيامين من الكذب، ولم يُبْدِ ذلك لهم قولًا (٢). (١: ٣٥٥). ٦١٢ - فحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو عن أسباط، عن السديّ، قال: لما استخرِجت السرِقة من رحْل الغلام انقطعت ظهورُهم، وقالوا: يا بَني راحيل، ما يزال لنا منكم بلاء! متى أخذتَ هذا الصواع؟ فقال بنيامين: بل بنو راحيل الذين لا يزال لهم منكم بلاء، ذهبتم بأخي فأهلكتموه في البرّية، وَضَع هذا الصُّواع في رَحْلي الذي وضح الدراهم في رحالكم، فقالوا: لا تذكر الدراهم فتؤخذ بها. فلما دخلوا على يوسف دعا بالصُّواع، فنقر فيه ثم أدناه من أذنه، ثم قال: إن صُواعي هذا ليخبرني أنكم كنتم اثني عشر رجلًا، وأنكم انطلقتم بأخ لكم فبعتموه. فلما سمعها بنيامين قام فسجد ليوسف ثم قال: أيها الملك، سل صُواعك هذا عن أخي أين هو؟ فنقره، ثم قال: هو حيّ، وسوف تراه. قال: فاصنع بي ما شئت، فإنه إن علم بي فسوف يستنقِذني. قال: فدخل يوسف فبكى ثم توضأ، ثم خرج فقال بنيامين: أيها الملك، إني أريد أن تضرب صواعك هذا فيخبرك بالحقِّ الذي سرقه فجعله في رحلي. فنقره، فقال: إن صواعي هذا غضبان، وهو يقول: كيف تسألني: مَنْ صاحبي؟ فقد رأيتَ مع من كنت! قالوا: وكان بنو يعقوب إذا غضبوا لم يُطاقوا، فغضب روبيل وقال: أيها الملك، والله لتتركنا أو لأصيحنَّ صيحة لا تبقى بمصر حامل إلا ألقتْ ما في بطنها، وقامت كلُّ شعرة في جسد روبيل، فخرجت من ثيابه، فقال يوسف لابنه: قم إلى جنب روبيل فمسّه -وكان بنو يعقوب إذا غضب أحدهم فمسَّه الآخر ذهب غضبه- فقال

стр. 2123

روبيل: مَنْ هذا؟ إن في هذا البلد لَبَزْرا من بزْر يعقوب، فقال يوسف: من يعقوب؟ فغضب روبيل وقال: أيها الملك، لا تذكر يعقوب فإنه إسرائيل الله بن ذبيح الله بن خليل الله، قال يوسف: أنت إذًا كنت صادقًا. قال: ولما احتبس يوسف أخاه بنيامين، فصار بحكم إخوته أولى به منهم، ورأوا: أنه لا سبيلَ لهم إلى تخليصه صاروا إلى مسألته تخليتَه ببدل منه يعطونه إياه، فقالوا: ﴿يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ في أفعالك، فقال لهم يوسف: ﴿قَال مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إلا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ إن نأخذ بريئًا بسقيم! فلما يئس إخوة يوسف من إجابة يوسف إياهم إلى ما سألوا من إطلاق أخيه بنيامين وأخذ بعضهم مكانه، ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ لا يفترق منهم أحد، ولا يختلط بهم غيرهم. فقال كبيرهم: -وهو روبيل، وقد قيل إنه شمعون-: ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ أن نأتيَه بأخينا بنيامين إلّا أن يحاط بنا أجمعين! ومن قبل هذه المرة ما فرطتم في يوسف ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾ التي أنا بها ﴿حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ في الخروج منها وترك أخي بنيامين بها ﴿أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيرُ الْحَاكِمِينَ﴾ -وقد قيل معنى ذلك: أو يحكم الله لي بحرب مَنْ منعني من الإنصراف بأخي- ﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ فأسلمناه بجريرته ﴿وَمَا شَهِدْنَا إلا بِمَا عَلِمْنَا﴾ لأن صواع الملك لم يوجد إلا في رحله، ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيبِ حَافِظِينَ﴾، يعنون بذلك أنا إنما ضمنَّا لك أن نحفظه مما لنا إلى حفظه سبيل، ولم نكن نعلم أن يسرق فيُستَرقّ بسرقته، ﴿وَاسْأَلِ﴾ أهل ﴿الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ فسرق ابنك فيها، والقافلة التي كنا فيها مقبلة من مصر معنا عن خبر ابنك، فإنك تخبر بحقيقة ذلك (١). (١: ٣٥٥/ ٣٥٦ / ٣٥٧). ٦١٣ - وقد حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا حَكّام عن عيسى بن يزيد، عن الحسن، قال: قيل: ما بلغ وَجْد يعقوب على ابنه؟ قال: وجْد سبعين ثَكْلى،

стр. 2124

قال: فما كان له من الأجر؟ قال: أجر مئة شهيد، قال: وما ساء ظنّه بالله ساعة قطّ من ليل ولا نهار (١). (١: ٣٥٧). ٦١٤ - وحدثنا ابن حميد مرّة أخرى، قال: حدثنا حَكّام عن أبي معاذ، عن يونس، عن الحسن، عن النبي مثله (٢). (١: ٣٥٧). ٦١٥ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن المبارك بن مجاهد، عن رجل من الأزد، عن طلحة بن مُصرَّف الياميّ، قال: أنبئت أن يعقوبَ بن إسحاق دخل عليه جار له فقال: يا يعقوب، ما لي أراك قد انهشمت وفنيت ولم تبلغ من السنّ ما بلغ أبوك؟ قال: هشمني وأفناني ما ابتلاني الله به من همّ يوسف وذكره، فأوحى الله إليه: يا يعقوب أتشكوني إلى خلقي! قال: يا رب خطيئة أخطأتها فاغفرها لي. قال: فإني قد غفرت لك، فكان بعد ذلك إذا سئل قال: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. ثم أمر يعقوب بنيه الذين قدموا عليه من مصر بالرجوع إليها وتحسّس الخبر عن يوسف وأخيه، فقال لهم: ﴿اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾، يفرج به عنا وعنكم الغمَّ الذي نحن فيه. فرجعوا إلى مصر فدخلوا على يوسف فقالوا له حين دخلوا عليه: ﴿يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيلَ وَتَصَدَّقْ عَلَينَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾. وكانت بضاعتهم المزجاة التي جاؤوا بها معهم -فيما ذكر- دراهم رديّة زُيوفًا لا تؤخذ إلا بوضيعة. وكان بعضهم يقول: كانت حلَق الغرارة والحبل ونحو ذلك. وقال بعضهم: كانت سمنًا وصوفًا. وقال بعضهم: كانت صنوبرًا وحبة الخضراء، وقال بعضهم: كانت قليلة دون ما كانوا يشترون به قبل، فسألوا يوسف أن يتجاوز لهم ويُوفِيَهم بذلك من كيل الطعام مثل الذي كان يعطيهم في المرتين قبل ذلك، ولا ينقصهم، فقالوا له: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيلَ وَتَصَدَّقْ عَلَينَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ (٣). (١: ٣٥٧/ ٣٥٨).

стр. 2125

٦١٦ - حدثنا عمرو بن عبد الحميد الآمُلِي، قال: حدثنا أبو أسامة عن هشام عن الحسن، قال: كان منذ خرج يوسف من عند يعقوب إلى أن رجع ثمانون سنة لم يفارق الحزن قلبه، ولم يزل يبكي حتى ذهب بصره، قال الحسن: والله ما علَى الأرض خليفةٌ أكرم على الله من يعقوب (١). (١: ٣٥٨). ٦١٧ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السديّ: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَينَا﴾، قال: بفضل ما بين الجياد والرديّة. وقد قيل: إن معنى ذلك: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَينَا﴾ برد أخينا إلينا ﴿إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ (٢). (١: ٣٥٩). ٦١٨ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ذكر أنهم لما كلّموه بهذا الكلام، غلبتْه نفسه فارفضّ دمعُه باكيًا، ثم باح لهم بالذي كان يكتم منهم، فقال: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾. ولم يعن بذكر أخيه ما صنعه هو فيه حين أخذه، ولكن التفريق بينه وبين أخيه إذ صنعوا بيوسف ما صنعوا. فلما قال لهم يوسف ذلك قالوا له: ها أنت يوسف! قال: ﴿أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَينَا﴾ بأن جمع بيننا بعد تفريقكم بيننا، ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣). (١: ٣٥٩). ٦١٩ - فحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثني ابن شريح عن أبي أيوب الهوزنيّ، حدّثه، قال: استأذنت الريح بأن تأتيَ يعقوب بريح يوسف حين بعث بالقميص إلى أبيه قبل أن يأتيه البشير، ففعلت، فقال يعقوب: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ (٤). (١: ٣٦٠). ٦٢٠ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع عن إسرائيل، عن ابن سنان، عن ابن أبي الهذيل، عن ابن عباس في ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَال أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ قال: هاجت ريحٌ فجاءت بريح يوسف من مسيرة ثمان ليال،

стр. 2126

فقال: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ (١). (١: ٣٦٠). ٦٢١ - حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زُرَيع، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، قال: ذُكِر لنا أنه كان بينهما يومئذ ثمانون فرسخًا، يوسف بأرض مصر ويعقوب بأرض كنعان، وقد أتى لذلك زمان طويل (٢). (١: ٣٦٠). ٦٢٢ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا حجاج، عن ابن جريج، قوله: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾، قال: بلغنا أنه كان بينهم يومئذ ثمانون فرسخًا، وقال: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ وقد كان فارقه قبل ذلك سبعًا وسبعين سنة. ويعني بقوله: ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾: لولا أن تسفّهوني فتنسبوني إلى الهرم وذهاب العقل، فقال له مَنْ حضره من ولده حينئذ: تالله إنك من ذكر يوسف وحبّه ﴿لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ - يعنون: في خطئك القديم. ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾ -يعني: البريد الذي أبرده يوسف إلى يعقوب- يبشر بحياة يوسف وخبره، وذكر أن البشير كان يهوذا بن يعقوب (٣). (١: ٣٦٠). ٦٢٣ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عِمرو، عن أسباط، عن السُّديّ، قال: قال يوسف: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. قال يهوذا: أنا ذهبت بالقميص ملطخًا بالدم إلى يعقوب فأخبرته أن يوسف أكله الذئب، وأنا أذهب اليوم بالقميص فأخبره بأنه حيّ، فأقرّ عينه كما أحزنته؛ فهو كان البشير. فلما أن جاء البشيرُ يعقوبَ بقميص يوسف ألقاه على وجهه، فعاد بصيرًا بعد العمى، فقال لأولاده: ﴿قَال أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. وذلك أنه كان قد علم -من صدق تأويل رؤيا يوسف التي رآها: أنّ الأحد عشر كوكبًا والشمس والقمر ساجدون- ما لم يكونوا يعلمون. فقالوا ليعقوب: ﴿يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾. فقال لهم يعقوب: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾.

стр. 2127

قيل: إنه أخّر الدعاء لهم إلى السَّحَر. وقيل إنه أخّر ذلك إلى ليلة الجمعة (١). (٣٦١: ١). ٦٢٤ - حدثنا أحمد بن الحسن الترمذيّ، قال: حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقيّ، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثنا ابن جريج عن عطاء وعكرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله: "قال يعقوب: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾، يقول: حتى تأتيَ ليلة الجمعة" (٢). (٣٦١: ١). ٦٢٥ - فلما دخل يعقوب وولده وأهاليهم على يوسف آوى إليه أبويه، وكان دخولهم عليه قبل دخولهم مصر -فيما قيل- لأن يوسف تلقاهم. حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السديّ، قال: حملوا إليه أهليهم وعيالهم، فلما بلغوا مصر كلّم يوسف الملك الذي فوقه فخرج هو والملك يتلقونهم، فلما بلغوا مصر قال: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾. ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيهِ أَبَوَيهِ﴾ (٣). (١: ٣٦١). ٦٢٦ - حدثني الحارث، قال: حدثنا عبد العزيز، قال: حدثنا جعفر بن سليمان عن فرقد السبَخيّ، قال: لما ألقِيَ القميص على وجهه ارتدَّ بصيرًا، وقال: ائتوني بأهلكم أجمعين، فحمِل يعقوب وإخوة يوسف، فلما دنا يعقوب أخبرَ يوسف أنه قد دنا منه، فخرج يتلقاه، قال: وركب معه أهلُ مصر -وكانوا يعظِّمونه- فلما دنا أحدهما من صاحبه -وكان يعقوب يمشي وهو يتوكأ على رجل من وَلده، يقال له: يهوذا- قال: فنظر يعقوب إلى الخيل والناس، فقال: يا يهوذا، هذا فرعون مصر، فقال: لا، هذا ابنك يوسف، قال: فلما دنا كلُّ واحد منهما من صاحبه ذهب يوسف يبدؤه بالسلام، فمنع ذلك، وكان يعقوب أحقَّ بذلك منه وأفضل. فقال: السلام عليك يا مذهب الأحزان، فلما أن دخلوا

стр. 2128

مصر رفع أبويه على السرير وأجلسهما عليه (١). (١: ٣٦٢). ٦٢٦ / أ- وقد اختلف في اللذين رفعهما يوسف على العرش، وأجلسهما عليه، فقال بعضهم: كان أحدهما أبوه يعقوب، والآخر أمه راحيل، وقال آخرونَ: بلْ كان الآخر خالته ليا وكانت أمه راحيل قد كانت ماتت قبل ذلك. وخرّ له يعقوب وأمه وولد يعقوب سجَّدًا (٢). (١: ٣٦٢). ٦٢٧ - وقيل: كان بين أن أرِيَ يوسف رؤياه هذه ومجيء تأويله أربعون سنة. ذكر بعض من قال ذلك (٣): (١: ٣٦٢). ٦٢٨ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا معتَمر عن أبيه، قال: حدثنا أبو عثمان عن سلمان الفارسيّ، قال: كان بين رؤيا يوسف إلى أن رأى تأويلها أربعون سنة (٤). (١: ٣٦٣). وقال بعضهم: كان بين ذلك ثمانون سنة. ذكر بعض من قال ذلك: ٦٢٩ - حدثنا عمرو بن علي، قال: حدثنا عبد الوهاب الثقفيّ، قال: حدثنا هشام عن الحسن، قال: كان منذ فارق يوسف يعقوب إلى أن التقيا ثمانون سنة، لم يفارق الحزنُ قلبَه ودموعُه تجري على خدَّيه، وما على الأرض يومئذ أحبُّ إلى الله من يعقوب (٥). (١: ٣٦٣). ٦٣٠ - حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا داود بن مِهْران، قال: حدثنا عبد الواحد بن زياد عن يونس، عن الحسن، قال: أُلْقِيَ يوسف في الجبّ وهو ابن سبع عشرة سنة، وكان بين ذلك وبين لقائه يعقوب ثمانون سنة، وعاش بعد ذلك ثلاثًا وعشرين سنة، ومات وهو ابن عشرين ومئة سنة (٦). (١: ٣٦٣).

стр. 2129

٦٣١: حدثني الحارث، قال: حدثنا عبد العزيز، قال: حدثنا مبارك بن فَضَالة عن الحسن، قال: ألْقِيَ يوسف في الجبّ، وهو ابن سبع عشرة سنة، فغاب عن أبيه ثمانين سنة، ثم عاش بعد ما جمع الله شمله، ورأى تأويل رؤياه ثلاثًا وعشرين سنة، فمات وهو ابن عشرين ومئة سنة (١). (١: ٣٦٣). ٦٣٢ - وقال بعض أهل الكتاب: دخل يوسف مصر وله سبع عشرة سنة، فأقام في منزل العزيز ثلاث عشرة سنة، فلما تمت له ثلاثون سنة استوزره فرعون ملك مصر، واسمه الريان بن الوليد بن ثروان بن أراشة بن قاران بن عمرو بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح، وأنّ هذا الملك آمن، ثم مات، ثم ملك بعده قابوس بن مصعب بن معاوية بن نمير بن السلواس بن قاران بن عمرو بن عملاق ابن لاوذ بن سام بن نوح. وكان كافرًا، فدعاه يوسف إلى الإيمان بالله فلم يستجب إليه، وإن يوسف أوصَى إلى أخيه يهوذا، ومات وقد أتت له مئة وعشرون سنة، وأنّ فِراق يعقوب إياه كان اثنتين وعشرين سنة، وأن مقام يعقوب معه بمصر كان بعد موافاته بأهله سبع عشر سنة، وأن يعقوب لما حضرتْه الوفاة أوصى إلى يوسف -وكان دخول يعقوب مصر في سبعين إنسانًا من أهله. وتقدم إلى يوسف عند وفاته أن يحمَل جسده حتى يدفنه بجنب أبيه إسحاق، ففعل يوسف ذلك به ومضى به حتى دفنه بالشام، ثم انصرف إلى مصر، وأوصى يوسف أن يُحمل جسده حتى يدفَن إلى جنب آبائه، فحمل موسى تابوت جسده عند خروجه من مصر معه (٢). (١: ٣٦٣/ ٣٦٤). ٦٣٣ - وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ذُكر لي -والله أعلم-: أن غيبة يوسف عن يعقوب كانت ثمانيَ عشرة سنة. قال: وأهلُ الكتاب يزعمون: أنها كانت أربعين سنة أو نحوها، وأنّ يعقوب بقيَ مع يوسف بعد أن قدم عليه مصر سبع عشرة سنة، ثم قبضه الله إليه. قال:

стр. 2130

وقبر يوسف -كما ذكر لي في- صندوق من مرمر في ناحية من النيل في جوف الماء (١). (١: ٣٦٤). ٦٣٤ - وقال بعضهم: عاش يوسف بعد موت أبيه ثلاثًا وعشرين سنة، ومات وهو ابن مئة وعشرين سنة. قال: وفي التوراة: أنه عاش مئة سنة وعشر سنين. وولد ليوسف أفراييم بن يوسف ومنشا بن يوسف، فولد لإفراييم نون، فولد لنون بن إفراييم يوشع بن نون وهو فتى موسى، وولد لمنشا موسى بن منشا. وقيل: إن موسى بن منشا نبّئ قبل موسى بن عمران. ويزعم أهل التوراة: أنه الذي طلب الخضر (٢). (١: ٣٦٤). قصة الخضر وخبره وخبر موسى وفتاه يوشع ﵈ ٦٣٥ - قال أبو جعفر: كان الخضِر ممن كان في أيام أفريدون الملك بن أثفيان في قول عامّة أهل الكتاب الأوّل، وقبل موسى بن عمران. وقيل: إنه كان على مقدمة ذي القَرْنين الأكبر، الذي كان أيام إبراهيم خليل الرحمن، وهو الذي قضى له ببئر السبع -وهي بئر كان إبراهيم احتفرها لماشيته في صحراء الأردنّ- وإنّ قومًا من أهل الأردنّ ادّعوا الأرض التي كان احتفر بها إبراهيم بئره، فحاكمهم إبراهيم إلى ذي القرنين الذي ذكر أن الخَضِر كان على مقدمته أيامَ سَيره في البلاد، وإنه بلغ مع ذي القرنين نهرَ الحياة، فشرب من مائه وهو لا يعلم، ولا يعلم به ذو القرنين ومن معه، فخلِّد، فهو حيّ عندهم إلى الآن. وزعم بعضهم: أنه من ولد مَن كان آمن بإبراهيم خليل الرحمن، واتبعه على دينه، وهاجر معه من أرض بابل حين هاجر إبراهيم منها. وقال: اسمه بليا بن ملكان بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح، قال: وكان أبوه ملكًا عظيمًا. وقال آخرون: ذو القرنين الذي كان على عهد إبراهيم هو أفريدون بن

стр. 2131

أثفيان، قال: وعلى مقدمته كان الخضر (١). (١: ٣٦٥). ٦٣٦ - وقال عبد الله بن شَوْذب فيه، ما حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم المصريّ قال: حدثنا محمد بن المتوكل، قال: حدثنا ضمْرة بن ربيعة، عن عبد الله بن شَوْذب، قال: الخضر من ولد فارس، وإلياس من بني إسرائيل، يلتقيان في كلّ عام بالموسم (٢). (١: ٣٦٥). ٦٣٧ - وقال ابن إسحاق فيه ما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق، قال: بلغني أنه استخلف الله في بني إسرائيل رجلًا منهم، يقال له ناشية بن أموص، فبعث الله لهم الخضر نبيًّا. قال: واسم الخضر -فيما كان وهب بن منبّه يزعم عن بني إسرائيل- أورميا بن خلقيا، وكان من سِبْط هارون بن عمران. وبين هذا الملك الذي ذكره ابن إسحاق وبين أفريدون أكثر من ألف عام (٣). (١: ٣٦٦). ٦٣٧ / أ- وقول الذي قال: إن الخضر كان في أيام أفريدون وذي القرنين الأكبر وقبل موسى بن عمران أشبه بالحق إلا أن يكون الأمر كما قاله مَنْ قال: إنه كان على مقدمة ذي القرنين صاحب إبراهيم، فشرب ماء الحياة، فلم يبعث في أيام إبراهيم نبيًّا، وبعث أيام ناشية بن أموص؛ وذلك أنّ ناشية بن أموص الذي ذكر ابن إسحاق أنه كان ملكًا علي بني إسرائيل، كان في عهد بشتاسب بن لهراسب، وبين بشتاسب وبين أفريدون من الدهور والأزمان ما لا يجهله ذو علم بأيام الناس وأخبارهم، وسأذكر مبلغَ ذلك إذا انتهينا إلى خبر بشتاسب إن شاء الله تعالى. وإنما قلنا: قول من قال: كان الخضر قبل موسى بن عمران أشبهُ بالحق من القول الذي قاله ابن إسحاق وحكاه عن وهب بن منبّه، للخبر الذي رَوَى عن رسول الله أبيّ بن كعب: أنّ صاحب موسى بن عمران -وهو العالم الذي أمره الله ﵎ بطلبه؛ إذ ظن أنه لا أحدَ في الأرض أعلم منه- هو الخضر،

стр. 2132

ورسول الله كان أعلمَ خلق الله بالكائن من الأمور الماضية، والكائن منها، والذي لم يكن بعد (١). (١: ٣٦٦). ٦٣٨ - حدثنا محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس؛ قوله: ميو ﴿وَإِذْ قَال مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَينِ. . .﴾ الآية، قال: لما ظهر موسى وقومه على مصر نزل قومه مصر، فلما استقرّت بهم الدار، أنزل الله عليه: أن ذكِّرهم بأيام الله. فخطب قومه، فذكَر ما آتاهم الله من الخير والنعمة، وذكَرهم إذ أنجاهم الله من آل فرعون، وذكّرهم هلاك عدوهم، وما استخلفهم [الله] في الأرض، فقال: وكلم الله موسى نبيكم تكليمًا، واصطفاني لنفسه، وأنزل عليّ محبة منه، وآتاكم الله من كلّ ما سألتموه، فنبيكم أفضلُ أهل الأرض وأنتم تقرؤون التوراة. فلم يترك نعمةً أنعمها الله عليهم إلا ذكرها وعرَّفها إياهم، فقال له رجل من بني إسرائيل: هو كذلك يا نبيّ الله، وقد عرفْنا الذي تقول، فهل على الأرض أحدٌ أعلم منك يا نبيّ الله؟ قال: لا، فبعث الله جبرئيل ﵇ إلى موسى ﵇ فقال: إن الله تعالى يقول: وما يدريك أين أضع علمي؟ بلى إن على شطّ البحر رجلًا أعلم منك -قال ابن عباس: هو الخضر- فسأل موسى ربه أن يريَه إياه، فأوحى الله إليه أن ائت البحر، فإنك تجد على شطّ البحر حوتًا فخذه فادفعه إلى فتاك ثم الزم شطّ البحر، فإذا نسيت الحوت وهلك منك؛ فَثمّ تجد العبد الصالح الذي تطلب. فلما طال سفر موسى نبي الله ونصب فيه، سأل فتاه عن الحوت، فقال له فتاه وهو غلامه: ﴿قَال أَرَأَيتَ إِذْ أَوَينَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إلا الشَّيطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ لك. قال الفتى: لقد رأيت الحوت حين اتخذ سبيله في البحر سربًا. فأعجب ذلك موسى فرجع حتى أتى الصخرة فوجد الحوت، فجعل الحوت يضرب في البحر ويتبعه موسى، وجعل موسى يقدّم عصاه يفرج بها عنه الماء، يتبع الحوت، وجعل الحوت لا يمس شيئًا من الماء إلا يبس حتى يكون صخرة، فجعل نبي الله يعجب من ذلك حتى انتهى به الحوت إلى جزيرة من جزائر

стр. 2133

البحر، فلقي الخضر بها، فسلَّم عليه، فقال الخضر: وعليك السلام، وأنى يكون هذا السلام بهذه الأرض! ومن أنت؟ قال: أنا موسى، فقال له: الخضر صاحبُ بني إسرائيل؟ قال: نعم، فرحَّب به وقال: ما جاء بك؟ قال: جئت على أن تعلِّمني مما علمت رشدًا، قال: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾، يقول: لا تطيق ذلك، قال موسى: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾. قال: فانطلق به، وقال له: لا تسألني عن شيء أصنعُه حتى أبين لك شأنه، فذلك قوله: ﴿حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾. فركبا في السَّفينه يريدان أن يتعديا إلى البرّ، فقام الخضر، فخرق السفينة فقال له موسى: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيئًا إِمْرًا﴾ ... ثم ذكر بقية القصّة (١). (١: ٣٦٩/ ٣٧٠ / ٣٧١). ٦٣٩ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يعقوب القمي، عن هارون بن عنترة عن أبيه، عن ابن عباس قال: سأل موسى ﵇ ربه فقال: أي ربّ! أيُّ عبادك أحبّ إليك؟ قال: الذي يذكرني ولا ينساني، قال: فأيّ عبادك أقضى؟ قال: الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى، قال: أيّ رب! أيُّ عبادك أعلم؟ قال: الذي يبتغي علْم الناس إلى علمه، عسى أن يُصيب كلمة تهديه إلى هدى، أو تردَّه عن ردىً، قال: ربّ فهل في الأرض أحد -قال أبو جعفر: أظنه قال: - أعلم مني؟ قال: نعم، قال: ربّ، فمن هو؟ قال: الخضر، قال: وأين أطلبه؟ قال: على الساحل، عند الصخرة التي ينفلت عندها الحوت، قال: فخرج موسى يطلبه حتى كان ما ذكره الله وانتهى موسى إليه عند الصخرة، فسلَّم كلُّ واحد منهما على صاحبه، فقال له موسى: إني أريد أن تستصحبني، قال: لن تطيق صحبتي، قال: بلى، قال: فإن صحبتني: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (٧٠) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَال أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيئًا إِمْرًا (٧١) قَال أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢) قَال لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (٧٣) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَال أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيئًا نُكْرًا﴾، إلى قوله: ﴿لَاتَّخَذْتَ عَلَيهِ أَجْرًا﴾. قال: فكان قول موسى في الجدار لنفسه، ولطلب شيء من الدنيا، وكان قوله

стр. 2134

في السفينة وفي الغلام لله . ﴿قَال هَذَا فِرَاقُ بَينِي وَبَينِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْويلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيهِ صَبْرًا﴾، فأخبره بما قال الله: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ. . .﴾ الآية، ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ. . .﴾ الآية، ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ. .﴾ الآية. قال: فسار به في البحر حتى انتهى به إلى مجمع البحرين، وليس في الأرض مكان أكثر ماءً منه، قال: وبعث ربك الخُطّاف، فجعل يستقي منه بمنقاره، فقال لموسى: كم ترى هذا الخُطّاف رزأ من هذا الماء؟ قال: ما أقلَّ ما رزأ! قال: يا موسى فإنّ علمي وعلمك في علم الله كقدر ما استقى هذا الخُطّاف من هذا الماء. وكان موسى ﵇ قد حدّث نفسه أنه ليس أحدٌ أعلمَ منه، أو تكلم به؛ فمن ثَمّ أمِر أن يأتي الخضر (١). (١: ٣٧١/ ٣٧٢). ٦٤٠ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق عن الحسن بن عُمارة، عن الحكم بن عتيبة، عن سعيد بن جبير، قال: جلست عند ابن عباس وعنده نفرٌ من أهل الكتاب، فقال بعضهم: يا أبا العباس! إن نَوْفا ابن امرأة كعب، ذكر عن كعب: أن موسى النبي ﵇ الذي طلب العالم إنما هو موسى بن منشا. قال سعيد: فقال ابن عباس: أنوْفٌ يقول هذا؟ قال سعيد: فقلت له: نعم، أنا سمعت نوْفًا يقول ذلك، قال: أنت سمعته يا سعيد؟ قال: قلت: نعم، قال: كذب نوْف. ثم قال ابن عباس: حدثني أبيّ بن كعب عن رسول الله: أن موسى نبيّ إسرائيل سأل ربه ﵎ فقال: أيّ رب، إن كان في عبادك أحدٌ هو أعلم مني فادللني عليه، فقال له: نعم في عبادي مَنْ هو أعلم منك، ثم نعَت له مكانه، وأذن له في لقائه، فخرج موسى ﵇ ومعه فتاه، ومعه حوت مليح قد قيل له: إذا حَيِيَ هذا الحوت في مكان فصاحبك هنالك، وقد أدركتَ حاجتك. فخرج موسى ومعه فتاه، ومعه ذلك الحوت يحملانه، فسار حتى جهده السير، وانتهى إلى الصخرة وإلى ذلك الماء، وذلك الماء ماء الحياة، مَنْ شرب منه خُلِّد، ولا يقاربه شيء ميت إلا أدركته الحياة وحيي، فلما نزلا منزلًا ومسّ الحوتُ الماءَ حيي، فاتخذ سبيله في البحر سربًا، فانطلق فلما جاوزا بمنقلة قال

стр. 2135

موسى لفتاه: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾. قال الفتى وذكر: ﴿قَال أَرَأَيتَ إِذْ أَوَينَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إلا الشَّيطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾. قال ابن عباس: وظهر موسى على الصخرة حتى انتهيا إليه، فإذا رجل متلفِّف في كساء له، فسلم عليه موسى، فرد ﵇، ثم قال له: ومَنْ أنت؟ قال: أنا موسى بن عمران، قال: صاحب بني إسرائيل؟ قال: نعم أنا ذلك، قال: وما جاء بك إلى هذه الأرض؛ إنَّ لك في قومك لَشُغْل! قال له موسى: جئتك لتعلّمني مما عُلّمتَ رشدًا، قال: إنك لن تستطيع معي صبرًا، وكان رجلًا يعمل على الغيب قد علم ذلك، فقال موسى: بلى، قال: ﴿وَكَيفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾، أي إنما تعرف ظاهر ما ترى من العدل ولم تُحِطْ من علم الغيب بما أعلم. ﴿قَال سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ وإن رأيتُ ما يخالفني. قال: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ أي فلا تسألني عن شيء وإن أنكرتَه حتى أحدث لك منه ذكرًا، أي: خبرًا. فانطلقا يمشيان على ساحل البحر يتعرّضان الناس، يلتمسان مَنْ يحملهما حتى مرّت بهما سفينة جديدة وثيقة، لم يمرّ بهما شيء من السفن أحسن ولا أجمل ولا أوثق منها، فسألا أهلَها أن يحملوهما، فحملوهما، فلما اطمأنَّا فيها، ولجَّجت بهما مع أهلها، أخرج منقارًا له ومطْرقة، ثم عمد إلى ناحية منها فضرب فيها بالمنقار حتى خرقها، ثم أخذ لوحًا فطبَّقه عليها، ثم جلس عليها يرقعها، قال له موسى: فأيّ أمر أفظعُ من هذا! ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيئًا إِمْرًا﴾! حملونا وآوونا إلى سفينتهم، وليس في البحر سفينة مثلها، فلم خرقتها! قال: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢) قَال لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾، أي بما تركت من عهدك ﴿وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾. ثم خرجا من السفينة، فانطلقا حتى أتيا أهلَ قرية، فإذا غلمان يلعبون، فيهم غلامٌ ليس في الغلمان غلام أظرفُ ولا أترفُ ولا أوضأ منه، فأخذ بيده، وأخذ حجرًا فضرب به رأسه حتى دمغه فقتله. قال: فرأى موسى أمرًا فظيعًا لا صبرَ عليه، صبيّ صغير قتله بغير جناية ولا ذنب له! فقال: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾، أي صغيرة ﴿بِغَيرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيئًا نُكْرًا (٧٤) قَال أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥) قَال إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ أي: قد أعذرت في شأني. ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُ وهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾: فهدمه ثم

стр. 2136

قعد يبنيه، فضجر موسى مما رآه يصنع من التكلف لما ليس عليه صبر، فقال: ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيهِ أَجْرًا﴾ أي: قد استطعمناهم فلم يُطعمونا، واستضفناهم فلم يُضيفونا، ثم قعدتَ تعمل في غير صنيعة، ولو شئت لأعطيت عليه أجرًا [في عمله] ﴿قَال هَذَا فِرَاقُ بَينِي وَبَينِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْويلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيهِ صَبْرًا (٧٨) أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ﴾ - وفي قراءة أبيّ بن كعب: (كل سفينةٍ صالحةٍ) ﴿غَصْبًا﴾، وإنما عِبتها لأردّه عنها، فسلمتْ منه حين رأى العيبَ الذي صنعتُ بها. ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَينِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (٨٠) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (٨١) وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَينِ يَتِيمَينِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ -إلى- ﴿مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيهِ صَبْرًا﴾. فكان ابن عباس يقول: ما كان الكنز إلا علمًا (١). (١: ٣٧٣/ ٣٧٤ / ٣٧٥). ٦٤١ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلَمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن الحسن بن عُمارة، عن أبيه، عن عكرمة، قال: قيل لابن عباس: لم نسمع لفتى موسى بذكر من حديث وقد كان معه! فقال ابن عباس فيما يذكر من حديث الفتى، قال شرب الفتى من ماء الخلد فخلِّد، فأخذه العالم فطابق به سفينة، ثم أرسله في البحر، فإنها لتموج به إلى يوم القيامة، وذلك أنه لم يكن له أن يشرب منه فشرب (٢). (١: ٣٧٥). ٦٤٢ - حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، عن شعبة، عن قتادة قوله: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَينِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾، ذُكر لنا: أن نبيَّ الله موسى لما قطع البحر وأنجاه الله من آل فرعون، جمع بني إسرائيل فخطبهم فقال: أنتم خيرُ أهل الأرض وأعلمُهم قد أهلك الله عدوكم، وأقطعكم البحر وأنزل عليكم التوراة، قال: فقيل له: إن هاهنا رجلًا هو أعلم منك قال: فانطلق هو وفتاه يوشع بن نون يطلبانه، فتزودا مملوحة في مكتل لهما، وقيل لهما: إذا نسيتما ما معكما لقيتما

стр. 2137

رجلًا عالمًا يقال له الخضر، فلما أتيا ذلك المكان، رد الله إلى الحوت روحَه فسرَّب له من الجُدّ حتى أفضى إلى البحر، ثم سلك فجعل لا يسلك فيه طريقًا إلا صار ماء جامدًا، قال: ومضى موسى وفتاه، يقول الله : ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَال لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ -إلى قوله-: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾، فلقيا رجلًا عالمًا يقال له: الخِضر، فذُكر لنا أن نبيّ الله قال: إنما سمي الخِضر خضرًا لأنه قعد على فروة بيضاء فاهتزّت به خضراء (١). (١: ٣٧٥/ ٣٧٦). ٦٤٢ / أ- فهذه الأخبار التي ذكرناها عن رسول الله وعن السلف من أهل العلم تنبيء عن أن الخِضرَ كان قبل موسى وفي أيامه، ويدلّ على خطأ قول من قال: إنه أورميا بن خلقيا، لأن أورميا كان في أيام بختنصَّر، وبين عهدي موسى وبختنصّر من المدة ما لا يشكل قدرها على أهل العلم بأيام الناس وأخبارهم؛ وإنما قدمنا ذكره وذكر خبره لأنه كان في عهد أفريدون فيما قيل؛ وإن كان قد أدرك على هذه الأخبار التي ذكرت من أمره وأمر موسى وفتاه أيام منوشهر وملكه، وذلك: أن موسى [إنما] نُبّئ في عهد منوشهر، وكان ملك منوشهر بعد ما ملك جده أفريدون، فكلّ ما ذكرنا من أخبار مَنْ ذكرنا أخباره من عهد إبراهيم إلى الخبر عن الخضر ﵉، فإن ذلك كله -فيما ذكر- كان في ملك بِيُوَراسب وأفريدون، وقد ذكرنا فيما مضى قبل أخبارَ أعمارهما ومبلغهما ومدة كل واحد منهما (٢). (١: ٣٧٦). ذكر نسب موسى بن عمران وأخباره وما كان في عهده وعهد منوشهر بن منشخورنر الملك من الأحداث ٦٤٣ - قد ذكرنا أولاد يعقوب إسرائيل الله وعددهم وموالدهم. فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق، قال: ثم إن لاوى بن يعقوب نكح نابتة ابنة ماري بن يشخر، فولدت له عَرشون بن لاوى ومرزى بن لاوى [ومردى بن لاوى] وقاهث بن لاوى. فنكح قاهث بن لاوى فاهى ابنة مسين بن بتويل بن إلياس. فولدت له يصهر بن قاهث، فتزوج يصهر

стр. 2138

شميث ابنة بتاديت بن بركيا بن يقسان بن إبراهيم. فولدت له عمران بن يصهر، وقارون بن يصهر، فنكح عمران يحيب ابنة شمويل بن بركيا بن يقسان بن إبراهيم. فولدت له هارون بن عمران وموسى بن عمران (١). (١: ٣٨٥). ٦٤٤ - وقال غير ابن إسحاق: كان عمرُ يعقوب بن إسحاق مئة وسبعًا وأربعين سنة، وولد لاوى له، وقد مضى من عمره تسع وثمانون سنة، وولد للاوى قاهث بعد أن مضى من عمر لاوى ست وأربعون سنة، ثم ولد لقاهث يصهر، ثم ولد ليصهر عمرم -وهو عمران- وكان عمر يصهر مئة وسبعًا وأربعين سنة، وولد له عمران بعد أن مضى من عمره ستون سنة. ثم ولد لعمران موسى، وكانت أمه يوخابد -وقيل: كان اسمها باختة- وامرأته صفورا ابنة يترون، وهو شعيب النّبي. وولد موسى جرشون وإيليعازر، وخرج إلى مدين خائفًا وله إحدى وأربعون سنة، وكان يدعو إلى دين إبراهيم، وتراءى الله بطور سيناء، وله ثمانون سنة. وكان فرعون مصر في أيامه قابوس بن مصعب بن معاوية صاحب يوسف الثاني، وكانت امرأته آسية ابنة مزاحم بن عبيد بن الريان بن الوليد، فرعون يوسف الأول. فلما نودي موسى أُعلم أن قابوس بن لمصعب قد مات، وقام أخوه الوليد بن مصعب مكانه، وكان أعتى من قابوس وأكفر وأفجر، وأمِر بأن يأتيَه هو وأخوه هارون بالرسالة. قال: ويقال: إن الوليد تزوج آسية ابنة مزاحم بعد أخيه وكان عمر عمران مئة سنة وسبعًا وثلاثين سنة، وولد موسى وقد مضى من عمر عمران سبعون سنة، ثم صار موسى إلى فرعون رسولًا مع هارون، وكان من مولد موسى إلى أن خرج ببني إسرائيل عن مصر ثمانون سنة، ثم صار إلى التيه بعد أن عبَر البحر، فكان مقامهم هنالك إلى أن خرجوا مع يوشع بن نون أربعين سنة، فكان ما بين مولد موسى إلى وفاته في التيه مئة وعشرين سنة (٢). (١: ٣٨٥/ ٣٨٦). ٦٤٥ - وأما ابن إسحاق فإنه قال فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن

стр. 2139

ابن إسحاق، قال: قبض الله يوسف، وهلَك الملك الذي كان معه الريان بن الوليد، وتوارثت الفراعنة من العماليق ملْك مصر، فنشر الله بها بني إسرائيل، وقبر يوسف حين قبض -كما ذكر لي- في صندوق من مرمر في ناحية من النيل في جوف الماء، فلم يزل بنو إسرائيل تحت أيدي الفراعنة وهم على بقايا من دينهم مما كان يوسف ويعقوب وإسحاق وإبراهيم شرعوا فيهم من الإسلام، متمسِّكين به؛ حتى كان فرعون موسى الذي بعثه الله إليه، ولم يكن منهم فرعون أعتى منه على الله ولا أعظم قولًا ولا أطول عمرًا في ملكه منه. وكان اسمه -فيما ذكروا لي- الوليد بن مصعب، ولم يكن من الفراعنة فرعون أشدّ غلظة، ولا أقسى قلبًا، ولا أسوأ ملكة لبني إسرائيل منه، يعذّبهم فيجعلهم خدَمًا وخوَلًا، وصنَّفهم في أعماله، فصنف يبنون، وصنف يحرثون، وصنف يزرعون له، فهم في أعماله، ومَنْ لم يكن منهم في صنعة له من عمله فعليه الجزية، فسامهم كما قال الله: ﴿سُوءُ الْعَذَابِ﴾، وفيهم مع ذلك بقايا من أمر دينهم لا يريدون فراقه، وقد استنكح منهم امرأة يقال لها آسية ابنة مزاحم، من خيار النساء المعدودات، فعمِّر فيهم وهم تحت يديه عمرًا طويلًا يسومهم سوء العذاب، فلما أراد الله أن يفرج عنهم وبلغ موسى الأشُدّ أعطي الرسالة. قال: وذكر لي: أنه لما تقارب زمان موسى أتى منجمو فرعون وحُزاته إليه، فقالوا: تعلَّم أنا نجد في علمنا: أن مولودًا من بني إسرائيل قد أظلَّك زمانه الذي يُولد فيه، يسلبك ملكك، ويغلبك على سلطانك، ويخرجك من أرضك، ويبدِّل دينك. فلما قالوا له ذلك أمر بقتل كلِّ مولود يولد من بني إسرائيل من الغِلمان، وأمر بالنساء يُسْتَحيَين، فجمع القوابل من نساء أهل مملكته فقال لهن: لا يسقطنَّ على أيديكنّ غلام من بني إسرائيل إلا قتلتموه، فكنّ يفعلن ذلك، وكان يذبح من فوق ذلك من الغلمان، ويأمر بالحبالى فيعذَّبن حتى يطرحن ما في بطونهنّ (١). (١: ٣٨٦/ ٣٩٧). ٦٤٦ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نَجيح، عن مجاهد، قال: لقد ذُكر لي: أنه كان يأمر بالقصب

стр. 2140

فيُشَقّ حتى يجعل أمثال الشفار، ثم يصفّ بعضه إلى بعض، ثم يأتي بالحبالى من بني إسرائيل فيوقفهنّ عليه فيحزّ أقدامهنّ، حتى إن المرأة منهن لتمصع بولدها فيقع بين رجليها، فتظلُّ تطؤُه تَتَّقِي به حزّ القصب عن رجليها، لما بلغ من جهدها، حتى أسرف في ذلك، وكاد يُفنيهم، فقيل له: أفنيتَ الناس، وقطعتَ النَّسْل، وإنهم خَولك وعُمَّالك، فأمر أن يقتَل الغلمان عامًا ويستحيوْا عامًا، فولد هارون في السنة التي يُسْتَحيا فيها الغلمان، وولد موسى في السنة التي فيها يُقتلون، فكان هارون أكبرَ منه بسنة (١). (١: ٣٨٧/ ٣٨٨). ٦٤٧ - وأما السديّ فإنه قال ما حدثنا موسى بن هارون، قال: حدثنا أسباط عن السديّ في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس -وعن مرة الهمدانيّ عن ابن مسعود- وعن ناس من أصحاب رسول الله [أنه] كان من شأن فرعون: أنه رأى رؤيا في منامه أن نارًا أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر، فأحرقت القِبْط وتركت بني إسرائيل، وأخربت بيوت مصر، فدعا السحرة والكهنة والقافة والحازة، فسألهم عن رؤياه فقالوا له: يخرج من هذا البلد الذي جاء بنو إسرائيل منه -يعنون بيت المقدس- رجل يكون على وجهه هلاكُ مصر. فأمر يني إسرائيل ألّا يولد لهم غلام إلا ذبحوه، ولا يولد لهم جارية إلا تركت. وقال للقبط: انظروا مملوكيكم الذين يعملون خارجًا فأدخلوهم واجعلوا بني إسرائيل يلون تلك الأعمال القذرة. فجعل بني إسرائيل في أعمال غلمانهم وأدخلوا غلمانهم، فذلك حين يقول الله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ يقول: تجبَّر في الأرض، ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ -يعني بني إسرائيل حين جعلهم في الأعمال القذرة- ﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ﴾، فجعل لا يولد لبني إسرائيل مولود إلا ذبح، فلا يكبر الصغير، وقذف الله في مشيخة بني إسرائيل الموتَ، فأسرع فيهم، فدخل رؤوس القبط على فرْعون فكلَّموه، فقالوا: إن هؤلاء القوم قد وقع فيهم الموت، فيوشِك أن يقع العمل على غلماننا نذبح أبناءهم فلا يبلغ الصغار، ويَفنى الكبار، فلو أنك تبقي من أولادهم! فأمر أن يذبحوا سنة ويتركوا سنة؛ فلما كان في السنة التي لا يذبحون فيها ولد هارون فترك، فلما كان في السنة التي يذبحون فيها حملت أم موسى بموسى فلما أرادت
следующие страницы →