← История

История · id 145435

صحيح وضعيف تاريخ الطبري

محمد بن طاهر البرزنجي

Полный текст (6 167 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

قَتادة، قال: كان ابن عباس يقول في قوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ قال: هي المناسك (١). (١: ٢٨٤). ٤٥٦ - حُدثت عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا ابن أبي جعفر عن أبيه قال: بلَغنا عن ابن عباس أنه قال: إنَّ الكلمات التي ابتلي بهنّ إبراهيمُ هي المناسك (٢). (٢٨٤: ١). ٤٥٧ - حدثني أحمد بن إسحاق الأهوازيّ، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيريّ، قال: حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق، عن التميميّ، عن ابن عباس قوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾، قال: مناسك الحجّ (٣). (١: ٢٨٤). ٤٥٨ - حدثني ابن المثنى، قال: حدثني الحِمَّانيّ، قال: حدثنا شريك عن أبي إسحاق، عن التميميّ، عن ابن عباس مثله (٤). (١: ٢٨٤). ٤٥٩ - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر عن قَتادة، قال: قال ابن عباس: ابتلاه بالمناسك (٥). (١: ٢٨٤). وقال آخرون: بل ابتلاه بأمور، منهنَّ الخِتان. ذكر من قال ذلك: ٤٦٠ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا سلْم بن قتيبة، عن يونس بن أبي إسحاق، عن الشعْبيّ: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾، قال: منهن الختان (٦). (١: ٢٨٤). ٤٦١ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يحيى بن واضح، قال: حدثنا يونس بن أبي إسحاق، قال: سمعتُ الشعبيّ يقول ... فذكر مثله (٧). (١: ٢٨٤).

стр. 2067

٤٦٢ - حدثني أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا يونس بن أبي إسحاق، قال: سمعتُ الشعبي -وسأله أبو إسحاق عن قوله : ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ - قال: منهنّ الختان يا أبا إسحاق (١). (١: ٢٨٥). وقال آخرون: ذلك الخلالُ الستّ: الكوكب، والقمر، والشمس، والنار، والهجرة، والختان، التي ابتلي بهنّ أجمع فصبرَ عليهنّ. ذكر من قال ذلك: ٤٦٣ - حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن عُلَيَّة عن أبي رَجَاء، قال: قلتُ للحسن: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾، قال: ابتلاه بالكوكب فرضي عنه، وابتلاه بالقمر فرضي عنه، وابتلاه بالشمس فرضي عنه، وابتلاه بالنار فرضي عنه، وابتلاه بالهجرة، وابتلاه بالختان (٢). (١: ٢٨٥). ٤٦٤ - حدَّثنا بشر، قال: حدثنا يزيد بن زُرَيْع، قال: حدثنا سَعيد عن قَتادة، قال: كان الحسنُ يقول: إن الله ابتلاه بأمرٍ فصبر عليه؛ ابتلاه بالكوكب والشمس والقمر، فأحسن في ذلك، وعرَف أن ربَّه دائم لا يزول، فوجَّه وجهه للذي فطر السموات والأرض حنيفًا وما كان من المشركين، وابتلاه بالهجرة فخرج من بلاده وقومه حتى لحق بالشام مهاجرًا إلي الله تعالى؛ ثم ابتلاه بالنار قبل الهجرة فصَبر علي ذلك، وابتلاه بذبح ابنه وبالختان، فصَبر علي ذلك (٣). (١: ٢٨٥). ٤٦٥ - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرَّزَّاق، قال: أخبرنا مَعْمَر، عمّن سمع الحسن يقول في قوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾، قال: ابتلاه [بذبح ولده، وبالنار و] بالكوكب، وبالشمس، وبالقمر (٤). (١: ٢٨٥). ٤٦٦ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا سَلْم بن قتيبَةَ، قال: حدثنا أبو هلال عن الحسن: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾، قال: ابتلاه بالكوكب، وبالشمس

стр. 2068

وبالقمر، فوجده صابرًا (١). (١: ٢٨٥). ٤٦٧ - حدثنا أحمد بن إسحاق بن المختار، قال: حدثني غسّان بن الربيع، قال: حدثنا عبد الرحمن -هو ابن ثَوْبَان- عن عبد الله بن الفضل، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هُرَيرة، قال: قال رسول الله: "اختتن إبراهيم بعد ثمانين سنة بالقَدُوم" (٢). (١: ٢٨٦). وقد روي عن النبي في الكلمات التي ابتلي بهنّ إبراهيم خبران: ٤٦٨ - أحدهما: ما حدثنا أبي كريب، قال: حدثنا الحسن بن عطية، قال: حدثنا إسرائيل عن جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ قال: "أتدرون ما وفَّى؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "وفَّى عملَ يومه أربعَ ركعات في النهار" (٣). (١: ٢٨٦). ٤٦٩ - والآخر منهما ما حدَّثنا به أبو كريب، قال: حدثنا رشْدين بن سعد، قال: حدثنا زبان بن فائد عن سَهْل بن مُعاذ بن أنس، عنِ أبيه، قال: كان النبيّ يقول: "ألا أخبرُكم لم سمي الله إبراهيم خليله: ﴿الَّذِي وَفَّى (٣٧)﴾؟ لأنه كان يقول كُلَّما أصبح، وكلّما أمسي: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ... ﴾ حتى ختم الآية (٤). (١: ٢٨٦). أمر نمرود بن كوش بن كنعان ٤٧٠ - ونرجع الآن إلي الخبر عن عدوّ الله وعدو إبراهيم -الذي كذَّب بما جاء به من عند الله، وردَّ عليه النصيحة التي نَصحها له جهلًا منه، واغترارًا بحلم الله تعالى عنه- نمرود بن كوش بن كنعان بن حام بن نوح، وما آل إليه أمره في عاجل دنياه حين تمرَّد علي ربه، مع إملاء الله إياه، وتركه تعجيل العذابَ له علي كفره به، ومحاولته إحراق خليله بالنار حين دعاه إلي توحيد الله والبراءة من

стр. 2069

الآلهة والأوثان، وأنّ نمرودَ لما تطاول عُتُوُه وتمرّده علي ربِّه مع إملاء الله تعالى له -فيما ذكر- أربعمئة عام، لا تزيده حجج الله التي يحتجَّ بها عليه، وعبرُه التي يُريها إياه إلا تماديًا في غيّه، عذبه الله -فيما ذكر- في عاجل دنياه قدر إملائه إياه من المدة بأضعف خلْقه، وذلك بعوضة سلطها عليه [توغلت في خياشيمه فمكث أربعمئة سنة يعذب بها في حياته الدنيا] (١). (١: ٢٨٧). ذكر الأخبار الواردة عنه بما ذكرت من جهله وما أحلّ الله به من نقمته: ٤٧١ - حدثني الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزَّاق، قال: أخبرنا معمر عن زيد بن أسلم: أنّ أولَ جبار كان في الأرض نُمرود، وكان الناس يخرجون فيمتارون من عنده الطعام، فخرج إبراهيم يمتارُ مع من يمتارُ، فإذا مرّ به ناس قال: مَنْ ربُّكم؟ قالوا: أنت، حتى مرّ به إبراهيم، قال: من ربك؟ قال: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَال أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَال إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾. قال: فردَّه بغير طعام، قال: فرجع إبراهيمُ إلي أهله فمرَّ علي كثيب أعفر، فقال: هلّا آخذُ من هذا فآتيَ به أهلي فتطيبَ أنفسهم حين أدخل عليهم! فأخذ منه، فأتي أهلَه. قال: فوضع متاعه ثم نام، فقامت امرأتُه إلي متاعه ففتحته فإذا هي بأجود طعام رآه أحدٌ، فصنعت له منه، فقرّبته إليه -وكان عهد أهله ليس عندهم طعام- فقال: منْ أين هذا؟ قالت: من الطعام الذي جئتَ به، فعلم أن الله قد رزقه، فحمِد الله. ثم بعث الله إلي الجبار مَلَكًا: أن آمنْ بي وأتركك علي ملكك، قال: فهل ربّ غيري؟ فجاءه الثانية فقال له ذلك، فأبي عليه، ثم أتاه الثالثة فأبي عليه، فقال له المَلك: اجمع جموعك إلى ثلاثة أيام، فجمع الجبّار جموعَه، فأمر الله الملك، ففتح عليهم بابا من البَعوض، فطلعت الشمس فلم يروها من كثرتها، فبعثها الله عليهم، فأكلت لحومَهم وشربت دماءهم، فلم يبق إلا العظام، والملك كما هو لم يُصبْه من ذلك شيء، فبعث الله عليه بعوضةً فدخلتْ في منخره، فمكث أربعمئة سنة يُضرب رأسه بالمطارق، وأرحم الناس به مَنْ جمع يديه ثم ضرب

стр. 2070

بهما رأسه. وكان جبَّارًا أربعمئة عام، فعذبه الله أربعمئة سنة كملكه وأماته الله، وهو الذي بنى صرْحًا إلي السماء، فأتي الله بنيانه من القواعد، وهو الذي قال الله: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ (١). (١: ٢٨٧/ ٢٨٨). ٤٧٢ - حدثنا موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط عن السدّي في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس- وعن مرّة عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي، قال: أمر الذي حاجّ إبراهيم في ربه بإبراهيم، فأخرِج -يعني من مدينته- قال: فأخْرِج فلقي لوطًا علي باب المدينة -وهو ابن أخيه- فدعاه فآمن به، وقال: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾، وحلف نمرود أن يطلب إله إبراهيم، فأخذ أربعة أفرُخ من فراخ النسور؛ فربَّاهن باللحم والخمر، حتى إذا كبرن وغلظن واستعجلن، قرنهنّ بتابوت، وقعد في ذلك التابوت، ثم رفع رجلًا من لحم لهنّ، فطرن به، حتى إذا ذهبن في السماء أشرف ينظر إلي الأرض، فرأي الجبال تدبُّ كدبيب النمل، ثم رفع لهنّ اللحم، ثم نظر فرأي الأرض محيطًا يها بحر كأنها فَلْكة في ماء، ثم رفع طويلا فوقع في ظلمة؛ فلم ير ما فوقه ولم ير ما تحته، ففزع فألقى اللحم فاتبعتْه منقضّات، فلما نظرت الجبال إليهنَّ وقد أقبلن منقضَّاتٍ وسمعن حفيفهنّ فزعت الجبال، وكادت أن تزول من أمكنتها ولم يفعلن، وذلك قوله : ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (٤٦)﴾، وهي في قراءة ابن مسعود: (وَإِن كَادَ مَكْرُهُمْ) فكان طيرانهنَّ به من بيت المقدس، ووقوعهنّ في جبل الدخان، فلما رأي أنه لا يطيق شيئًا أخذ في بناء الصرح، فبني حتى إذا أسنده إلي السماء ارتقي فوقه ينظر -بزعمه- إلي إله إبراهيم، فأحدث ولم يُحدِث، وأخذ الله بنيانه من القواعد: ﴿فَخَرَّ عَلَيهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٦)﴾، يقول: من مأمنهم، وأخذهم من أساس الصرح، فتنقض [بهم]، ثم سقَطَ فتبلبلت ألسن الناس من يومئذ من الفزع، فتكلموا بثلاثة وسبعين لسانًا، فلذلك سميت بابل، وإنما كان لسان الناس قبل ذلك السُّريانية (٢). (١: ٢٨٨/ ٢٨٩).

стр. 2071

٤٧٣ - حدثنا ابنُ وكيع، قال: حدثنا أبو داود الحفَرِيّ عن يعقوب، عن حفص بن حميد -أو جعفر- عن سعيد بن جُبير: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾، قال: نمرود صاحب النسور، أمر بتابوت فجُعل وجَعَل معه رجلًا. ثم أمر بالنسور فاحتملته، فلمّا صعد قال لصاحبه: أيّ شيء تري؟ قال: أرَي الماء والجزيرة -يعني الدنيا- ثم صعد وقال لصاحبه: أيّ شيء تري؟ قال: ما نزداد من السماء إلا بعدًا، قال: اهبط، وقال غيره: نُودي: أيها الطاغية، أين تريدُ؟ فسمعت الجبال حفيفَ النسور، وكانت تري أنه أمر من السماء فكادت تزول، فهو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ (١). (١: ٢٩٠). ٤٧٤ - حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا محمد بن أبي عديّ عن شُعْبة، عن أبي إسحاق، قال: حدثنا عبد الرحمن بن دانيل، أن عليًّا ﵇ قال في هذه الآية: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾، قال: أخذ ذلك الذي حاجّ إبراهيم في ربه نَسْرين صغيرين، فربَّاهما حتى استغلظا واستعلجا فشبّا، قال: فأوثق رجْلَ كلّ واحد منهما بوتر إلي تابوت، وجوّعهما وقعد هو ورجلُ آخر في التابوت، قال: ورفع في التابوت عصًا علي رأسه اللحم، فطارا، وجعل يقول لصاحبه: انظر ماذا تري؟ قال: أري كذا وكذا، حتى قال: أري الدنيا كأنها ذباب، فقال: صوّبْ، فصوّبها، فهبطا. قال: فهو قوله : ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾، قال أبو إسحاق: ولذلك هي في قراءة عبد الله: (وَإِن كَادَ مَكْرُهُمْ). فهذا ما ذكر من خبر نمرود بن كوش بن كنعان (٢). (١: ٢٩٠). ٤٧٥ - وقد قال جماعة: إن نمرود بن كوش بن كنعان هذا مَلك مشرق الأرض ومغربها، وهذا قول يدفعُه أهل العلم بسيَر الملوك وأخبار الماضين، وذلك أنهم لا يدفعون ولا ينكرون أن مولد إبراهيمَ كان في عهد الضحاك بن أندرماسب الذي قد ذكرنا بعضَ أخباره فيما مضي، وأن ملك شرق الأرض وغربها يومئذ كان

стр. 2072

الضحاك. وقد قال بعض مَنْ أشكل عليه أمر نمرود ممن عرف زمان الضحاك وأسبابه فلم يدر كيف الأمر في ذلك مع سماعه ما انتهي إليه من الأخبار عمن رُوي عنه: أنه قال: ملك الأرض كافران ومؤمنان، فأمّا الكافران فنمرود وبختنصّر، وأما المؤمنان فسليمان بن داود وذو القرنين، وقولَ القائلين من أهل الأخبار: إن الضحاك كان هو ملك شرق الأرض وغربها في عهد إبراهيم نمرود: هو الضحاك، وليس الأمر في ذلك عند أهل العلم بأخبار الأوائل، والمعرفة بالأمور السوالف، كالذي ظَنّ، لأن نسب نمرودَ في النَّبَط معروف، ونسب الضحاك في عَجم الفرس مشهور، ولكنَّ ذوي العلم بأخبار الماضين وأهل المعرفة بأمور السالفين من الأمم ذكروا: أن الضّحاك كان ضمّ إلي نمرود السَّواد وما اتصل به يمنة ويَسرة، وجعله وولده عُمّاله علي ذلك، وكان هو يتنقَّل في البلاد، وكان وطنه الذي هو وطنُه ووطن أجداده دُنْباوند، من جبال طَبرستان، وهنالك رمي به أفريدُون حين ظفر به وقهره موثقًا بالحديد، وكذلك بختنصّر كان أصبهبذ ما بين الأهواز إلي أرض الروم من غربي دجلة من قبل لُهراسب، وذلك أنّ لُهراسب كان مشتغلًا بقتال الترك، مقيمًا بإزائهم ببلْخ، وهو بَناها -فيما قيل- لمَّا تطاول مكثُه هنالك لحرب الترك، فظنّ مَنْ لم يكن عالمًا بأمور القوم بتطاول مدة ولايتهم أمرَ الناحية لمن ولوا له: أنهم كانوا هم الملوك، ولم يدَّع أحدٌ من أهل العلم بأمور الأوائل وأخبار الملوك الماضية وأيام الناس فيما نعلمه أن أحدًا من النَّبط كان ملكًا برأسه علي شِبْرٍ من الأرض، فكيف يملكُ شرق الأرض وغربها! ولكنَّ العلماء من أهل الكتاب وأهل المعرفة بأخبار الماضين ومن قد عاني النظر في كتب التأريخات، يزعمون: أن ولاية نمرود إقليمَ بابل من قبَل الازدهارق بِيوراسب دامت أربعمئة سنة، ثم لرجل من نسله من بعد هلاك نمرود، يقال له نَبطَ بن قعود مئة سنة، ثم لداوص بن نبط من بعد نبط ثمانين سنة، ثم من بعد داوص بن نبط لبالش بن داوص مئة وعشرين سنة، ثم لنمرود بن بالش من بعد بالش سنة وأشهرًا. فذلك سبعمئة سنة وأشهر، وذلك كله في أيام الضحاك، فلما ملك أفريدُون وقهر الازدهاق قتل نمرود بن بالش وشرّد النَّبَطَ وطردهم، وقتل منهم مقتلة عظيمة، لما كان منهم من معاونتهم بِيوراسب علي أموره، وعَمَل نمرود وولده له.

стр. 2073

وقد زعم بعض أهل العلم أن بيوراسب قد كان قبل هلاكه تنكَّر لهم، وتغيَّر عما كان لهم عليه (١). (١: ٢٩٠/ ٢٩١ / ٢٩٢). ذكر لوط بن هاران وقومه ونعود الآن إلى ذكر الخبر عن بقية الأحداث التي كانت في أيام إبراهيم. ٤٧٦ - وكان من الكائن أيام حياته من ذلك ما كان من أمر لوط بن هاران بن تارخ ابن أخي إبراهيم ﵉ وأمر قومه من سَدُوم، وكان من أمره فيما ذكر: أنه شخص من أرض بابل مع عمّه إبراهيم خليل الرحمن، مؤمنًا به، متبعًا له علي دينه، مهاجرًا إلي الشام، ومعهما سارَة بنت ناحور. وبعضهم يقول: هي سارة بنت هيبال بن ناحور، وشخص معهم -فيما قيل- تارخ أبو إبراهيم مخالفًا لإبراهيم في دينه، مقيمًا علي كفره حتى صاروا إلي حرّان، فمات تارخ وهو [آزر] أبو إبراهيم بحرّان علي كفره وشَخَص إبراهيم ولوط وسارة إلي الشام، ثم مضوْا إلي مصر، فوجدوا بها فرعونًا من فراعنتها، ذُكر: أنه كان سنان بن علوان بن عبيد بن عويج بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح. وقد قيل: إن فرعون مصر يومئذ كان أخًا للضحاك، كان الضّحاك وجَّهه إليها عاملًا عليها من قِبَله -وقد ذكرتُ بعض قصته مع إبراهيم فيما مضي قبلُ- ثم رجعوا عَوْدًا علي بدئهم إلي الشأم، وذكر أن إبراهيم نزل فلسطين، وأنزل ابنَ أخيه لوطًا الأردنّ، وأن الله تعالى أرسل لوطًا إلي أهل سَدوم، وكانوا أهل كفرٍ بالله وركوب فاحشة، كما أخبر الله عن قوم لوط: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالمِينَ (٢٨) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَال وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ (٢) (١: ٢٩٢/ ٢٩٣). ٤٧٧ - وأما إتيانهم ما كانوا يأتونه من المنكر في ناديهم، فإن أهلَ العلم اختلفوا فيه، فقال بعضهم: كانوا يحذفون مَن مرّ بهم. وقال بعضهم: كانوا يتضارَطُون في مجالسهم.

стр. 2074

وقال بعضهم: كان بعضهم ينكح بعضًا فيها. ذكر من قال: كانوا يحذفون من مرّ بهم: حدثنا ابنُ حميد، قال: حدثنا يحيى بن واضح، قال: حدثنا عمر بن أبي زائدة قال: سمعتُ عكْرمة يقول في قوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾، قال: كانوا يؤذون أهلَ الطريق، يحذِفون مَنْ مَرّ بهم (١). (١: ٢٩٣). ٤٧٨ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي عن عمر بن أبي زائدة، قال: سمعت عكرمة، قال: الحذف (٢). (١: ٢٩٤). ٤٧٩ - حدثنا موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط عن السديّ في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس -وعن مُرة الهَمدانيّ عن ابن مسعود- وعن ناس من أصحاب رسول الله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾، قال: كانوا كل من مرّ بهم حذفوه، وهو المنكر (٣). (١: ٢٩٤). ذكر من قال: كانوا يتضارطون في مجالسهم: ٤٨٠ - حدثني عبد الرحمن بن الأسود الطفّاويّ، قال: حدثنا محمد بن ربيعة، قال: حدثنا رَوْح بن غُطَيف الثقَفيّ عن عمرو بن مُصعَب، عن عُرْوة بن الزبير، عن عائشة في قوله تعالى: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾، قالت: الضراط (٤). (١: ٢٩٤). ذكر من قال كان يأتي بعضهم بعضًا في مجالسهم: ٤٨١ - حدثنا ابن وكيع، وابنُ حميد، قالا: حدثنا جرير عن منصور، عن

стр. 2075

مجاهد في قوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾، قال: كان بعضُهم يأتي بعضًا في مجالسهم (١). (١: ٢٩٤). ٤٨٢ - حدثنا سليمان بن عبد الجبار، قال: حدثنا ثابت بن محمد الليثي، قال: حدثنا فضَيل بن عياض عن منصور بن المعتمر، عن مجاهد في قوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾، قال: كان يجامع بعضهم بعضًا في المجالس (٢). (١: ٢٩٤). ٤٨٣ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا حكّام عن عمرو، عن منصور، عن مجاهد مثله (٣). (١: ٢٩٤). ٤٨٤ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد، قال: كانوا يجامعون الرجال في مجالسهم (٤). (١: ٢٩٥). ٤٨٥ - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: حدثنا الحسن، قال: حدثنا ورقاء جميعًا عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾، قال: المجالس، والمنكر إتيانهم الرجال (٥). (١: ٢٩٥). ٤٨٦ - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد عن قَتادة، قوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾، قال: كانوا يأتون الفاحشة في ناديهم (٦). (١: ٢٩٥). ٤٨٧ - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ قال: ناديهم: المجالس، والمنكر: عملهُم الخبيث الذي كانوا يعملونه، كانوا يعترضون الراكب فيأخذونه فيركبونه، وقرأ:

стр. 2076

﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ وقرأ: ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالمِينَ﴾ (١). (١: ٢٩٥). ٤٨٨ - وقد حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا إسماعيل بن عُليَّة، عن ابن أبي نَجيج، عن عمرو بن دينار: قوله: ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالمِينَ﴾، ما نزا ذَكرٌ علي ذكر حتى كان قوم لوط (٢). (١: ٢٩٥). ٤٨٩ - قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي قول من قال: عَنَى بالمنكَر الذي كانوا يأتونه في ناديهم في هذا الموضع حذفهم مَنْ مَرّ بهم وسخريتهم منه للخبر الوارد بذلك عن رسول الله؛ الذي حدثناه أبو كريب، وابن وكيع، قالا: حدَّثنا أبو أسامة عن حاتم بن أبي صغيرة، عن سماك بن حَرْب، عن أبي صالح مولى أمّ هانيء، عن أم هانيء عن رسول الله في قوله تعالى: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَر﴾، قال: كانوا يحذِفون أهلَ الطريق ويسخرون منهم، وهو المنكر الذي كانوا يأتونه (٣). (١: ٢٩٥/ ٢٩٦). ٤٩٠ - حدثنا أحمد بن عبدة الضَّبيّ، قال: حدثنا سليمان بن حَيان، قال: أخبرنا أبو يونس القُشَيريّ عن سماك بن حرب، عن أبي صالح، عن أمّ هانيء، قالت: سألت النبي عن قوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَر﴾، قال: كانوا يحذِفون أهلَ الطريق ويسخرون منهم (٤). (١: ٢٩٦). ٤٩١ - حدثنا الربيع بن سليمان، قال: حدثنا أسد بن موسى، قال: حدثنا سعيد بن زيد، قال: حدثنا حاتم بن أبي صغيرة، قال: حدثنا سماك بن حرب عن باذام أبي صالح مولى أم هانيء، عن أم هانيء، قالت: سألت النبي عن هذه الآية: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَر﴾، فقال: كانوا يجلسون بالطريق فيحذفون أبناءَ السبيل ويسخرون منهم، فكان لوط ﵇ يدعوهم إلي عبادة

стр. 2077

الله، وينهاهم بأمر الله إياه عن الأمور التي كرهها الله تعالى لهم من قطع السبيل وركوب الفواحش وإتيان الذكور في الأدبار، ويتوعَّدهم -على إصرارهم على ما كانوا عليه مقيمين من ذلك وتركهم التوبة منه- العذاب الأليم فلا يزجرهم عن ذلك وعيدُه ولا يزيدهم وعظُه إلا تماديًا وعتوًّا واستعجالًا لعذاب الله، إنكارًا منهم وعيده، ويقولون له: ﴿ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، حتى سأل لوط ربّه النصرة عليهم لما تطاول عليه أمره وأمرهم وتماديهم في غيهم، فبعث الله لما أراد خزيهم وهلاكهم ونصرة رسوله لوط عليهم جَبْرئيل ﵇ ومَلَكَين آخرين معه (١). (١: ٢٩٦). وقد قيل: إن الملَكين الآخرين كان أحدهما ميكائيل والآخر إسرافيل فأقبلوا -فيما ذكر- مُشاةً في صورة رجال شباب. ذكر بعض من قال ذلك (٢): (١: ٢٩٦). ٤٩٢ - وكان جداله إياهم في ذلك -فيما بلغنا- ما حدثنا به ابن حميد، قال: حدثنا يعقوب القميّ، قال: حدثنا جعفر عن سعيد ﴿يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ قال: لما جاءه جبرئيل ومن معه، قالوا لإبراهيم: ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾. قال لهم إبراهيم: أتهْلِكون قريةً فيها أربعمئة مؤمن؟ قالوا: لا، قال: أفتهلكون قريةً فيها ثلاثمئة مؤمن؟ قالوا: لا، قال: أفتهلكون قريةً فيها مئتا مؤمن؟ قالوا: لا، قال: أفتهلكون قرية فيها مئة مؤمن؟ قالوا: لا، قال: أفتهلكون قريةً فيها أربعون مؤمنًا؟ قالوا: لا، قال: أفتهلكون قريةً فيها أربعة عشر مؤمنًا؟ قالوا: لا، وكان إبراهيم يعدّهم أربعة عشر بامرأة لوط، فسكت عنهم، واطمأنَّت نفسُه (٣). (١: ٢٩٧). ٤٩٣ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا الحِمّانيّ عن الأعمش، عن المنهال، عن سَعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قال: قال الملَك لإبراهيم: إن كان فيها

стр. 2078

خمسة يصَلُّون رُفع عنهم العذاب (١). (١: ٢٩٨). ٤٩٤ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا محمد بن ثَور عن معمر، عن قتادة: ﴿يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ قال: بلغنا أنه قال لهم يومئذ: أرأيتم إن كان فيهم خمسون من المسلمين؟ قالوا: إن كان فيهم خمسون لن نعذّبهم، قال: وأربعون؟ قالوا: وأربعون، قال: وثلاثون؟ قالوا: وثلاثون، حتى بلغ عشرة، قالوا: وإن كانوا عشرة؟ قال: مامن قوم لا يكون فيهم عشرة فيهم خير، فلما علم إبراهيمُ حال قوم لوط بخبر الرسل قال للرسل: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا﴾ إشفاقًا منه عليه، فقالت الرسل: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إلا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٣٢)﴾ (٢). (١: ٢٩٨). ثم مضت رسلُ الله نحو أهل لمَعدوم، قرية قوم لوط، فلما انتهوا إليها ذُكر: أنهم لَقُوا لوطًا في أرض له يعمل فيها، وقيل؛ إنهم لَقُوا عند نهرها ابنةَ لوط تستقي الماء. ذكر من قال: لقوا لوطًا: ٤٩٥ - حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد عن قَتادة، عن حُذيفة: أنه لما جاءت الرسل لوطًا أتوه وهو في أرض له يعمل فيها، وقد قيل لهم- والله أعلم: لا تُهلكوهم حتى يشهد عليهم لوط، قال: فأتوه، فقالوا: إنا مُضيفوك الليلة. فانطلق بهم فلما مشي ساعة التفت فقال: أما تعلمون ما يعمل أهل هذه القرية؟ واللهِ ما أعلم علي ظهر الأرض أناسًا أخبثَ منهم. قال: فمضي معهم ثم قال الثانية مثل ما قال، فانطلق بهم، فلما بصرت بهم عجوز السوء امرأته انطلقت فأنذرتهم (٣). (١: ٢٩٨/ ٢٩٩). ٤٩٦ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا الحكم بن بشير، قال: حدثنا عمرو بن قيس الملائيّ عن سعيد بن بشير، عن قَتادة قال: أتت الملائكةُ لوطًا وهو في مزرعة له، وقال الله تعالى للملائكة: إن شهد لوط عليهم أربعَ شهادات، فقد

стр. 2079

أذنت لكم في هَلَكتهم، فقالوا: يا لوط، إنا نريد أن نضيفك الليلة، قال: وما بلغكم أمرهم؟ ! قالوا: وما أمرهم؟ فقال: أشهد بالله أنها لشرُّ قرية في الأرض عملًا، يقول ذلك أربع مرّات، فشهد عليهم لوط أربع شهادات، فدخلوا معه منزله (١). (١: ٢٩٩). ذكر من قال: إنما لقيت الرسل أول ما لقيت حين دنت من سَدُوم ابنة لوط دون لوط ٤٩٧ - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط عن السدّي في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس -وعن مرة الهمْدانيّ عن ابن مسعود- وعن ناس من أصحاب النبي، قال: لما خرجت الملائكة من عند إبراهيم نحو قرية لوط، فأتوْها نصف النهار، فلما بلغوا نهر سَدوم لقُوا ابنةَ لوط تستقي من الماء لأهلها -وكانت له ابنتان: اسم الكبرى ريثا واسم الصغرى رعزيا- فقالوا لها: يا جارية، هل من منزل؟ قالت: نعم، فمكانكم لا تدخلوا حتى آتيَكم -فرِقَتْ عليهم من قومها- فأتتْ أباها، فقالت: يا أبتاه، أرادك فتيان علي باب المدينة، ما رأيت وجوَه قوم هي أحسنُ منهم، لا يأخذهم قومُك فيفضحوهم -وقد كان قومُه نهوْه أن يُضيِّف رجلًا- فقالوا له: خَلِّ عنا فلنضِف الرجال، فجاء بهم فلم يعلمْ أحد إلا أهلَ بيت لوط، فخرجت امرأتُه فأخبرت قومَها فقالت: إنَّ في بيت لوط رجالًا ما رأيت مثلهم ومثل وجوههم حسنًا قطّ، فجاءه قومُه يهرعون إليه (٢). (١: ٢٩٩/ ٣٠٠).

стр. 2080

فأمّا أنَّه كان في أيام ملوك الطوائف؛ فإنّ ذلك مما لا يدفعه دافع من أهل العلم بأخبار الناس القديمة. وكان لهم في ذلك الزمان مَلِكٌ يقال له: دقينوس، يعبد الأصنام -فيما ذكر عنه- فبلغه عن الفتية خلافُهم إيّاه في دينه، فطلبهم، فهربوا منه بدينهم، حتى صاروا إلي جبل لهم يقال له -فيما حدَّثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نَجِيح، عن مجاهد، عن ابن عباس-: نيحلوس (١). (٧: ٢). ٧٩٨ - وكان سببُ إيمانهم وخلافهم به قومهم فيمَا حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: حدَّثنا عبد الرزاق، قال: حدَّثنا معمَر، قال: أخبرني إسماعيل بن سدوس: أنه سمع وهب بن منبّه يقول: جاء حواريّ عيسى بن مريم إلي مدينة أصحاب الكهف، فأراد أن يدخلَها، فقيل له: إن علَي بابها صنمًا لا يدخلها أحد إلا سجدَ له، فكره أن يدخلَها، فأتي حمَّامًا، وكان فيه قريبًا من تلك المدينة، فكان يعمل فيه، يؤاجِر نفسه من صاحب الحمَّام. ورأي صاحب الحمَّام في حمَّامه البركة، ودرّ عليه الرزق، فجعل يعرض عليه [الإسلام] وجعل يسترسل إليه. وعَلِقه فتيةٌ من أهل المدينة وجعل يُخبرهم خبرَ السماء والأرض وخبر الآخرة، حتى آمنوا به وصدّقوه، وكانوا علي مثلِ حاله في حسن الهيئة، وكان يشرُط علي صاحب الحمّام: أن الليل لي، لا تحول بيني وبين الصلاة إذا حضرت. فكان علي ذلك حتى جاء ابنُ الملك بامرأة، فدخل بها الحمَّام، فعيّره الحواريّ، فقال: أنت ابنُ الملك وتدخلُ ومعك هذه الكذا! فاستحيا، فذهب. فرجع مرة أخرى، فقال له مثل ذلك، وسبّه وانتهره، ولم يلتفت حتى دخل، ودخلت معه المرأة فماتا في الحمَّام جميعًا، فأتِي الملك فقيل له: قتل صاحبُ الحمَّام ابنَك. فالتُمِسَ، فلم يُقدرْ عليه فهرب. قال: من كان يصحبه؟ فسمّوا الفتية؛ فالتُمِسوا فخرجوا من المدينة، فمرُّوا بصاحبٍ لهم في زرع له؛ وهو علي مثل أمرهم، فذكروا أنهم التُمسوا، وانطلق معهم ومعه الكلب؛ حتى آواهم الليل إلي الكهف، فدخلوه فقالوا: نبيت ها هنا الليلة ثم نصبح إن شاء الله،

стр. 2081

فتروْن رأيَكم. فضرب علي آذانهم، فخرج المَلك في أصحابه يتبعونهم، حتى وجدوهم قد دخلوا الكهف؛ فكلَّما أراد رجل أن يدخلَ أُرعِب، فلم يطق أحد أن يدخل، فقال قائل: أليس لو كنت قدرت عليهم قتلتَهم؟ قال: بلى! قال: فابنِ عليهم باب الكهف، فدعْهم فيه يموتوا عطشًا وجوعًا. ففعل فغبروا -بعد ما بيني عليهم باب الكهف- زمانًا بعد زمان. ثم إنّ راعيًا أدركه المطر عند الكهف، فقال: لو فتحت هذا الكهف فأدخلته غنمي من المطر! فلم يزل يعالجه حتى فتح ما أدخِل فيه، وردّ الله إليهم أرواحَهم في أجسادهم من الغد حين أصبحوا، فبعثوا أحدَهم بورِق يشتري لهم طعامًا، فكلَّما أتي باب مدينتهم رأي شيئًا ينكره، حتى دخل علي رجل، فقال: بعني بهذه الدراهم طعامًا، قال: ومن أين لك هذه الدراهم! قال: خرجت وأصحابٌ لي أمس، فآوانا الليل حتى أصبحوا، فأرسلوني، فقال: هذه الدراهم كانت علي عهد الملك فلان فأنَّي لك بها! فرفعه إلي الملك -وكان ملكًا صالحًا- فقال: من أينَ لك هذه الورِق؟ قال: خرجت أنا وأصحاب لي أمس حتى أدركَنا الليل في كهف كذا وكذا، ثم أمروني أن أشتريَ لهم طعامًا. قال: وأين أصحابك؟ قال: في الكهف، قال: فانطلَقوا معه حتى أتوْا بابَ الكهف، فقال: دعوني أدخل إلي أصحابي قبلكم، فلما رأوْه ودنا منهم ضُرب علي أذنه وآذانهم، فجعلوا كلّما دخل رجل أُرعِب، فلم يقدروا علي أن يدخلوا إليهم، فبنوْا عندهم كنيسة، واتَّخذوها مسجدًا يصلُّون فيه (١). (٢: ٦/ ٧ / ٨/ ٩). ٧٩٩ - حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: حدَّثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمَر عن قَتادة، عن عِكْرمة، قال: كان أصحابُ الكهف أبناءَ ملوك الروم، رزقهم الله الإسلام، فتفرّدوا بدينهم، واعتزلوا قومَهم، حتى انتهوْا إلي الكهف، فضرب الله على سُمْخَانِهم. فلبثوا دهرًا طويلًا، حتى هلكت أمَّتهم، وجاءتْ أمَّةٌ مسلمة، وكان ملكهم مسلمًا، واختلفوا في الروح والجسد، فقال قائل: تبعث الروح والجسد جميعًا، وقال قائل: تُبْعث الروح، وأما الجسد فتأكله الأرض، فلا يكون شيئًا. فشقّ علي ملكهم اختلافهم، فانطلق فلبس المُسوح، وجلس

стр. 2082

الليلةَ قوم ما رأيت مثلهم قطّ أحسن وجوهًا، ولا أطيب ريحًا. فجاؤوا يهرعون إليه فبادرهم لوط إلى أن يزحمهم علي الباب فقال: ﴿قَال هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٧١)﴾، فقالوا: ﴿قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالمِينَ (٧٠)﴾، فدخلوا علي الملائكة فتناولتهم الملائكة، فطمست أعينهم فقالوا: يا لُوط جئتنَا بقوم سَحَرة؛ سحرونا كما أنت حتى نصبح، قال: فاحتمل جَبْرَئيل قريات لوط الأربع، في كلّ قرية مئة ألف، فرفعهم علي جناحه بين السماء والأرض حتى سمع أهلُ السماء الدنيا أصواتَ ديكتهم ثم قلبهم، فجعل الله عاليَها سافلَها (١). (١: ٣٠٢). ٥٠٣ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا محمد بن ثَور، وحدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرَّزَّاق -جميعًا عن مَعْمَر- عن قتادة، قال: قال حُذيفة: لما دخلوا عليه ذهبت عجوزُه، عجوزُ السوء، فأتت قومها فقالت: قد تضيّفَ لوطأ [الليلة] قوم ما رأيت قومًا قطّ أحسن وجوهًا منهم، قال: فجاؤوا يهرعون إليه، فقام مَلَكٌ فلزّ الباب -يقول: فسدّه- فاستأذن جبرئيل في عقوبتهم، فأذن له، فضربهم جبرئيل بجناحه، فتركهم عميانًا، فباتوا بشرّ ليلة، ثم قالوا: ﴿قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إلا امْرَأَتَكَ﴾، قال: فبلغنا أنها سمعت صوتًا، فالتفتت فأصابها حجر وهي شاذّة من القوم معلوم مكانَها (٢). (١: ٣٠٣). ٥٠٤ - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط عن السّديّ في خبر ذكره، عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس -وعن مُرَّة الهمْدانيّ عن ابن مسعود- وعن ناس من أصحاب النبي: لما قال لوط: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾، بسط حينئذ جبرئيل جناحَه ففقأ أعينهم، وخرجوا يدوس بعضهم في آثار بعض عميانًا، يقولون: النجاء النجاء! فإنَّ في بيت لوط أسحر قوم في الأرض؛ فذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ﴾ وقالوا للوط: ﴿إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾، يقول: سرْ بهم فامضوا حيث تؤمرون، فأخرجهم الله تعالى إلى الشأم. وقال لوط: أهلكوهم الساعة. فقالوا: إنا لم نؤمر إلا بالصبح،

стр. 2083

أليس الصبح بقريب! فلما أن كان السَّحَر خرج لوط وأهله معه إلا امرأته، وذلك قوله تعالى: ﴿إلا آلَ لُوطٍ نَجَّينَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ (١). (١: ٣٠٣). ٥٠٥ - حدثنا المثنّي، قال: أخبرنا إسحاق، قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدثني عبد الصمد: أنه سمع وهب بن مُنَبِّه: كان أهل سَدوم الذين فيهم لوط قومَ سوْء قد استغْنوا عن النساء بالرجال، فلما رأي الله ذلك منهم بعث الملائكة ليعذّبوهم، فأتوا إبراهيم، فكان من أمره وأمرهم ما ذكره الله تعالى في كتابه، فلما بشروا سارة بالولد قاموا، وقام معهم إبراهيم يمشي، فقال: أخبروني لمَ بعثتم؟ وما خَطْبكم؟ قالوا: إنا أرسلنا إلي قوم سَدُوم لندمّرها فإنهم قوم سوء، قد استغنوْا بالرجال عن النساء. قال إبراهيم: أرأيتم إن كان فيهم خمسون رجلًا صالحًا؟ قالوا: إذًا لا نعذبهم، فلم يزل [ينقص] حتى قال أهل البيت، قالوا: فإن كان فيهم بيت صالح، قال: فلوط وأهل بيته، قالوا: إن امرأته هواها معهم، فلما يئس إبراهيم انصرف ومضوْا إلي أهل سَدوم فدخلوا علي لوط، فلما رأتهم امرأته أعجبها حسنُهم وجمالُهم، فأرسلت إلي أهل القرية: أنه قد نزل بنا قومٌ لم نر قومًا قطّ أحسنَ منهم ولا أجمل؛ فتسامعوا بذلك، فغشُوا دارَ لوط من كل ناحية، وتسوّروا عليهم الجدران، فلقيَهم لوط فقال: يا قوم لا تفضحون في ضيفي وأنا أزوِّجكم بناتي فهن أطهرُ لكم، فقالوا: لو كنا يزيد بناتك لقد عرفنا مكانهنّ، فقال: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠)﴾، فوجَد عليه الرسل، فقالوا: إن ركنك لشديد، ﴿وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيرُ مَرْدُودٍ (٧٦)﴾، فمسح أحدهم أعينهم بجناحه، فطمس أبصارهم، فقالوا: سحرنا، انصرفوا بنا حتى نرجع إليه، فكان من أمرهم ما قد قصَّ الله تعالى في القرآن، فأدخل ميكائيل وهو صاحب العذاب جناحَيه حتى بلغ أسفلَ الأرضين، فقلبها فنزلت حجارة من السماء، فتتبعت من لم يكن منهم في القرية حيث كانوا فأهلكهم الله، ونجَّى لوطًا وأهله إلا امرأته (٢). (١: ٢٠٤). ٥٠٦ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا جابر بن نوح، قال: حدثنا الأعمش، عن مجاهد، قال: أخذ جبرئيل قوم لوط من سَرْحهم ودورهم، حملهم

стр. 2084

بمواشيهم وأمتعتهم، حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم ثم كفأها (١). (٢٠٤: ١). ٥٠٧ - وحدثنا أبو كريب مرة أخرى عن مجاهد، فقال: أدخل جبرئيل جناحَيه تحت الأرض السفلى من قوم لوط، ثم أخذهم بالجناح الأيمن، وأخذهم من سرحهم ومواشيهم ثم رفعها (٢). (١: ٢٠٥). ٥٠٨ - حدثني المثني، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبْلٌ، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد، قال: كان يقول: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾، قال: لما أصبحوا غدا جبرئيل علي قريتهم ففتقها من أركانها ثم أدخل جناحيه، ثم حملها على خوافي جناحيه (٣). (١: ٣٠٥). ٥٠٩ - حدثني المثني، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، قال: وحدّثني هذا ابن أبي نجيح عن إبراهيم بن أبي بكر -قال: ولم يسمعه ابن أبي نجيح من مجاهد- قال: فحملها على خوافي جناحيه بما فيها، ثم صعد بها إلى السماء حتى سمع أهلُ السماء نباح كلابهم، ثم قَلبَها، فكان أول ما سقط منها شرافها، فذلك قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ (٤). (١: ٣٠٥). ٥١٠ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا محمد بن ثَوْر عن معمر، عن قتادة، قال: بلغنا أن جبرئيل ﵇ أخذ بعروة القرية الوسطى ثم ألوي بها إلى السماء، حتى سمع أهلُ السماء ضواغيَ كلابهم، ثم دمَّر بعضَها على بعض، فجعل عاليَها سافلها، ثم أتبعتهم الحجارة، قال قتادة: وبلغنا: أنهم كانوا أربعة آلاف ألف (٥). (١: ٣٠٥). ٥١١ - حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد عن قتادة،

стр. 2085

قال: وذكر لنا أن جبرئيل أخذ بعروتها الوسطى، ثم ألوى بها إلى جَوِّ السماء حتى سمعت الملائكة ضواغيَ كلابهم ثم دمر بعضها علي بعض، ثم أتبع شُذَّانَ القوم صخرًا، قال: وهي ثلاث قري يقال لها سَدوم، وهي بين المدينة والشأم، قال: وذكر لنا أنه كان فيها أربعة آلاف ألف، قال: وذكر لنا أن إبراهيم كان يُشرف ثم يقول: سَدُوم يومًا هالك (١). (١: ٣٠٥). ٥١٢ - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط عن السديّ بالإسناد الذي قد ذكرناه: لما أصبحوا -يعني: قوم لوط- نزل جبرئيل ﵇ واقتلع الأرض من سبع أرضين، فحملها حتى بلغ بها السماء الدنيا، حتى سمع أهلُ السماء نباحَ كلابهم وأصواتَ ديوكهم، ثم قلبها فقتلهم، فذلك حين يقول: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾؛ المنقلبة حين أهوى بها جبرئيل ﵇ الأرض فاقتلعها بجناحيه، فمن لم يمت حين أسقط الأرض أمطر الله تعالى عليه وهو تحت الأرض الحجارة، ومن كان منهم شاذًّا في الأرض، وهو قول الله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾، ثم تتبّعهم في القرى، فكان الرجل يتحدث فيأتيه الحجر فيقتله، فذلك قوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ (٢) (١: ٣٠٦). ٥١٣ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق، قال: حدثني محمد بن كعب القرظيّ، قال: حُدِّثت أن الله تعالى بعث جبرئيل إلى المؤتكفة (قرية قوم لوط التي كان لوط فيهم)، فاحتملها بجناحيه ثم أصعد بها حتى إن أهل السماء الدنيا ليسمعون نابحة كلابها وأصوات دجاجها، ثم كفأها على وجهها ثم أتبعها الله بالحجارة، يقول الله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾، فأهلكها الله تعالى وما حولها من المؤتفكات، وكُنَّ خمس قريات: صبعة، وصعرة، وعمرة، ودوما، وسَدوم هي القرية العظمي، ونجّى الله تعالى لوطًا ومَنْ معه من أهله، إلا امرأته كانت فيمن هلك (٣). (١: ٣٠٦/ ٣٠٧).

стр. 2086

ذكر وفاة سارة بنت هاران، وهاجر أم إسماعيل وذكر أزواج إبراهيم ﵇ وولده ٥١٤ - قد ذكرنا فيما مضى قبل ما قيل في مقدار عمر سارة أمّ إسحاق؛ فأما موضع وفاتها فإنه لا يدفع أهلُ العلم من العرب والعجم أنها كانت بالشام (١). (١: ٣٠٨). ٥١٥ - وقيل: إنها ماتت بقرية الجبابرة من أرض كَنْعان في حَبْرون، فدفنت في مزرعة اشتراها إبراهيم، وقيل: إن هاجر عاشت بعد سارة مدة. فأما الخبر فبغير ذلك ورد. حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط عن السديّ بالإسناد الذي قد ذكرناه قبل. ثم إن إبراهيم اشتاق إلى إسماعيل، فقال لسارة: ائذني لي أنطلق إلى ابني فأنظر إليه، فأخذت عليه عهدًا ألّا ينزل حتى يأتيَها، فركب البُراق، ثم أقبل وقد ماتت أمُّ إسماعيل، وتزوج إسماعيلُ امرأة من جُرْهُم (٢). (١: ٣٠٨). ٥١٦ - وإن إبراهيم ﵇ كثر ماله ومواشيه، وكان سبب ذلك فيما حدثنا به موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط عن السديّ بالإسناد الذي قد ذكرناه قبل: أن إبراهيم ﵇ احتاج -وقد كان له صديق يعطيه ويأتيه- فقالت له سارة: لو أتيت خُلَّتك فأصبت لنا منه طعامًا! فركب حمارًا له، ثم أتاه، فلما أتاه تغيّب منه، واستحَيا إبراهيم أن يرجع إلى أهله خائبًا، فمرَّ على بطحاء، فملأ منها خُرْجه، ثم أرسل الحمار إلى أهله، فأقبل الحمار وعليه حنْطة جيدة، ونام إبراهيم ﵇ فاستيقظ، وجاء إلى أهله، فوجد سارة قد جعلت له طعامًا، فقالت: ألا تأكل؟ فقال: وهل من شيء؟ فقالت: نعم من الحنطة التي جئت بها من عند خليلك، فقال: صدقت من

стр. 2087

عند خليلي جئت بها، فزرعها فنبتت له، وزكا زرْعه وهلكت زروع الناس، فكان أصلُ ماله منها، فكان الناس يأتونه فيسألونه فيقول: مَنْ قال: لا إله إلا الله فليدخل فليأخذ، فمنهم من قال فأخذ، ومنهم من أبى فرجع، وذلك قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾. فلما كثر مالُ إبراهيم ومواشيه احتاج إلى السعة في المسكن والمرعى، وكان مسكنه ما بين قرية مدين -فيما قيل- والحجاز إلى أرض الشام، وكان ابن أخيه لوط نازلًا معه، فقاسم ماله لوطًا، فأعطى لوطًا شطره فيما قيل، وخيّره مسكنًا يسكنه ومنزلًا ينزله غير المنزل الذي هو به نازل، فاختار لوط ناحية الأردنّ فصار إليها، وأقام إبراهيم ﵇ بمكانه، فصار ذلك فيما قيل سببًا لآثاره بمكة وإسكانه إياها إسماعيل، وكان ربما دخل أمصار الشام. ولما ماتت سارة بنت هاران زوجة إبراهيم تزوج إبراهيم بعدها -فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق- قطورا بنت يقطن؛ امرأة من الكنعانيين، فولدت له ستة نفر: يقسان بن إبراهيم، وزمران بن إبراهيم؛ ومديان بن إبراهيم، ويسبق بن إبراهيم، وسوح بن إبراهيم، وبسر بن إبراهيم، فكان جميع بني إبراهيم ثمانية بإسماعيل وإسحاق، وكان إسماعيل بكْره أكبر ولده، قال: فنكح يقسان بن إبراهيم رعوة بنت زمر بن يقطن بن لوذان بن جرهم بن يقطن بن عابر، فولدت له البربر ولِفّها، وولد زمران بن إبراهيم المزامير الذين لا يعقلون، وولد لمديان أهل مدين قوم شعيب بن ميكائيل النبي ﷺ ، فهو وقومه من ولده بعثه الله إليهم نبيًّا (١). (١: ٣٠٨/ ٣٠٩). ٥١٧ - حدثني الحارث بن محمد، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: حدثنا هشام بن محمد بن السائب عن أبيه، قال: كان أبو إبراهيم من أهل حران، فأصابته سَنة من السنين، فأتى هُرمز جرد بالأهواز، ومعه امرأته أم إبراهيم، واسمها توتا بنت كرينا بن كوثى، من بني أرفخشد بن سام بن نوح (٢). (٣١٠: ١).

стр. 2088

٥١٨ - وحدثني الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: حدثنا محمد بن عمر الأسلميّ عن غير واحد من أهل العلم قال: اسمها أنموتا من ولد أفراهم بن أرغوا بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح. وكان بعضهم يقول: اسمها انمتلى بنت يكفور (١). (١: ٣١٠). ٥١٩ - حدثني الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا هشام بن محمد، عن أبيه، قال: نهر كُوثَى كَراه كرينا جدّ إبراهيم من قبل أمه، وكان أبوه على أصنام الملك نمرود، فولد إبراهيم بهُرمزجرد، ثم انتقل إلى كُوثَى من أرض بابل، فلما بلغ إبراهيم وخالف قومه، دعاهم إلى عبادة الله، وبلغ ذلك الملك نمرود فحبسه في السجن سبع سنين، ثم بني له الحِير بجصّ، وأوقد له الحطب الجزل، وألقى إبراهيم فيه، فقال: حسبي الله ونعم الوكيل! فخرج منها سليمًا لم يكلَم (٢). (١: ٣١١). ٥٢٠ - حدثني الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: حدثنا هشام بن محمد، عن أبيه، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: لما هرب إبراهيم من كُوثَى، وخرج من النار ولسانه يومئذ سريانيّ، فلما عبرَ الفرات من حَرّان غيَّر الله لسانه فقيل: عبرانيّ، أي حيث عبر الفرات، وبعث نمرود في أثره، وقال: لا تَدَعوا أحدًا يتكلَّم بالسريانية إلا جئتموني به، فلقُوا إبراهيم ﵇ فتكلم بالعبرانية، فتركوه ولم يعرفوا لغته (٣). (١: ٣١٠). ذكر وفاة إبراهيم ﵇ - ٥٢١ - فلما أراد الله ﵎ قبض روح إبراهيم، أرسل إليه ملك الموت في صورة شيخ هرم. فحدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط عن السديّ بالإسناد الذي ذكرته قبل: كان إبراهيم كثير الطعام يطعم الناس،

стр. 2089

ويضيفهم، فبينا هو يطعم الناس إذا هو بشيخ [كبير] يمشي في الحرّة، فبعث إليه بحمار، فركبه حتى إذا أتاه أطعمه، فجعل الشيخ يأخذ اللقمة يريد أن يدخلها فاه، فيدخلها عينَه وأذنَه ثم يدخلها فاه، فإذا دخلت جوفه خرجت من دبره، وكان إبراهيم قد سأل ربه ألّا يقبض روحه حتى يكون هو الذي يسأله الموت، فقال للشيخ حين رأى مِنْ حاله ما رأى: ما بالك يا شيخ تصنع هذا؟ قال: يا إبراهيم، الكِبَر، قال: ابن كم أنت؟ فزاد على عمر إبراهيم سنتين، فقال إبراهيم: إنما بيني وبينك سنتان، فإذا بلغت ذلك صرت مثلك؟ ! قال: نعم، قال إبراهيم: اللهم اقبضني إليك قبل ذلك، فقام الشيخ فقبض روحَه، وكان ملك الموت. ولما مات إبراهيم ﵇ -وكان موته وهو ابن مئتي سنة، وقيل ابن مئة وخمس وسبعين سنة- دفن عند قبر سارة في مزرعة حبْرُون (١). (١: ٣١٢). ٥٢٢ - وكان مما أنزل الله تعالى على إبراهيم ﵇ من الصحف فيما قيل عشر صحائف، كذلك حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: أخبرني عمي عبد الله بن وهب، قال: حدثني الماضي بن محمد عن أبي سليمان، عن القاسم بن محمد، عن أبي إدريس الخولانيّ، عن أبي ذر الغفاريّ، قال: قلت: يا رسول الله، كم كتاب أنزله الله؟ قال: مئة كتاب وأربع كتب: أنزل الله على آدم ﵇ عشر صحائف، وعلى شيث خمسين صحيفة، وأنزل على أخنوخ ثلاثين صحيفة، وأنزل على إبراهيم عشر صحائف، وأنزل جلّ وعزّ التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، قلت: يا رسول الله، فما كانت صحف إبراهيم؟ قال: كانت أمثالًا كلها: أيها الملك المسلّط المبتلَى المغرور، إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها إلى بعض، ولكن بعثتك لتردَّ عني دعوةَ المظلوم؛ فإني لا أردُّها وإن كانت من كافر. وكانت فيها أمثال: وعلى العاقل ما لم يكن مغلوبًا على عقله أن يكون له ساعات؛ ساعة يناجي فيها ربَّه، وساعة يفكر فيها في صنع الله ، وساعة يحاسب فيها نفسها فيما قدم وأخر، وساعة يخلو فيها لحاجته من الحلال في

стр. 2090

المطعم والمشرب، وعلى العاقل ألّا يكون ظاعنًا إلَّا في ثلاث: تزوّد لمعاده، ومرمّة لمعاشه، ولذة في غير محرّم، وعلى العاقل أن يكون بصيرًا بزمانه، مقبلًا عَلى شانه، حافظًا للسانه، ومَنْ حسب كلامه من عمله قل كلامه إلَّا فيما يعنيه (١). (١: ٣١٣/ ٣١٢). ٥٢٣ - وكان لإبراهيم -فيما ذكر- أخَوَان يقال لأحدهما: هاران، وهو أبو لوط، وقيل: إن هاران هو الذي بني مدينة حَرَّان، وإليه نسبت -والآخر منهما ناحورا وهو أبو بتويل وبتويل هو أبو لابان ورفقا ابنة بتويل، ورفقا امرأة إسحاق بن إبراهيم أم يعقوب ابنة بتويل، وليّا وراحيل امرأتا يعقوب ابنتا لابان (٢). (١: ٣١٣). ذكر خبر ولد إسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمن ﵇ - ٥٢٤ - قد مضى ذكْرُنا سبب مصير إبراهيم بابنه إسماعيل، وأمه هاجر إلى مكة وإسكانه إياهما بها. ولما كبر إسماعيل تزوج امرأة من جُرْهم، فكان من أمرها ما قد تقدم ذكره، ثم طلقها بأمر أبيه إبراهيم بذلك، ثم تزوج أخرى يقال لها السيدة بنت مُضاض بن عمرو الجُرْهميّ، وهي التي قال لها إبراهيم إذ قدم مكة، وهي زوجة إسماعيل: قولي لزوجك إذا جاء: قد رضيتُ لك عتبة بابك. فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، قال: ولد لإسماعيل بن إبراهيم اثنا عشر رجلًا، وأمهم السيدة بنت مضاض بن عمرو الجرهميّ: نابت بن إسماعيل، وقيدر بن إسماعيل، وأدبيل بن إسماعيل، ومبشا بن إسماعيل، ومسمع بن إسماعيل، ودما بين إسماعيل، وماس بن إسماعيل، وأدد بن إسماعيل، ووطور بن إسماعيل، ونفيس بن إسماعيل، وطما بين إسماعيل، وقيدمان بن إسماعيل. قال: وكان عمر إسماعيل فيما يزعمون ثلاثين ومئة سنة، ومن نابت وقيدر

стр. 2091

نشر الله العرب، ونبّأ الله إسماعيل، فبعثه إلى العماليق -فيما قيل- وقبائل اليمن. وقد يُنطق أسماء أولاد إسماعيل بغير الألفاظ التي ذكرت عن ابن إسحاق، فيقول بعضهم في قيدر: قيدار، وفي أدبيل: أدبال، وفي مبشا: مبشام، وفي دما: ذوما ومسا، وحداد، وتيم، ويطور، ونافس، وقادمن. وقيل: إن إسماعيل لما حضرتْه الوفاة أوصى إلى أخيه إسحاق وزوّج ابنته من العيص بن إسحاق، وعاش إسماعيل فيما ذكر مئة وسبعًا وثلاثين سنة، ودفن في الحِجْر عند قبر أمه هاجر (١). (١: ٢١٤). ٥٢٥ - حدثني عبدة بن عبد الله الصفار، قال: حدثنا خالد بن عبد الرحمن المخزوميّ عن مبارك بن حَسَّان صاحب الأنماط، عن عمر بن عبد العزيز، قال: شكا إسماعيل إلى ربه ﵎ حَرَّ مكة فأوحى الله تعالى إليه: إني فاتح لك بابا من الجنة يجري عليك روْحها إلى يوم القيامة، وفي ذلك المكان تدفن (٢). (١: ٢١٥). ذكر إسحاق بن إبراهيم ﵉ وذكر نسائه وأولاده ٥٢٦ - إذ كان التأريخ غيرَ متصل على سياق معروف لأمة بعد الفرس غيرهم؛ وذلك أن الفرس كان مُلْكهم متصلًا دائمًا من عهد جيومرت الذي قد وصفت شأنه وخبره، إلى أن زال عنهم بخير أمة أخرجت للناس، أمة نبينا محمد. وكانت النبوة والملك متصلين بالشأم ونواحيها لولد إسرائيل بن إسحاق إلى أن زال ذلك عنهم بالفرس والروم بعد يحيى بن زكرياء وبعد عيسى بن مريم ﵉. وسنذكر إذا نحن انتهينا إلى الخبر عن يحيى وعيسى ﵉ سبب زوال ذلك عنهم إن شاء الله (٣). (١: ٣١٦). ٥٢٧ - فأما سائر الأمم غير الفرس، فإنه غير ممكن الوصول إلى علم التأريخ

стр. 2092

بهم؛ إذ لم يكن لهم ملك متَّصل في قديم الأيام وحديثه إلا ما لا يمكن معه سياق التأريخ عليه وعلى أعمار ملوكهم، إلا ما ذكرنا من ولد يعقوب إلى الوقت الذي ذكرت، فإن ذلك وإن كانت مدته انقطعت بزواله عنهم؛ فإن قدر مدة زواله عنهم إلى غايتنا هذه معلوم مبلغه. وقد كان لليمن ملوك لهم ملْك، غير أنه كان غَير متصل، وإنما كان يكون منهم الواحد بعد الواحد، وبين الأول والآخر فترات طويلة، لا يقِف على مبلغها العلماء؛ لقلة عنايتهم كانت بها، ومبلغ عمر الأول منهم والآخر، إذا لم يكن من الأمر الدائم، فإن دام منه شيء فإنما يدوم لمن دام له منهم بأنه عاملٌ لغيره في الموضع الذي هو به لا يملكه بنفسه، وذلك كدوامه لآل نصر بن ربيعة بن الحارث بن مالك بن عمرو بن نمارة بن لخم؛ فإنهم كانوا على فرْج ثغر العرب للفرس من الحيرة إلى حدّ اليمن طولًا وإلى حدود الشأم وما اتصل بذلك عرضًا، فلم يزل ذلك دائمًا لهم من عهد أردشير بابكان إلى أن قتل كسرى أبرويز بن هرمز بن أنوشروان النعمان بن المنذر، فنقل عنهم ما كان إليهم من العمل على ثغر العرب إلى إياس بن قَبيصة الطائيّ (١). (١: ٣١٦). ٥٢٨ - فحدثنا ابن حُميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، قال: نكح إسحاق بن إبراهيم رفقا بنت بتويل بن إلياس، فولدت له عيص بن إسحاق، ويعقوب بن إسحاق، يزعمون: أنهما كانا تَوْءمَين وأن عيصًا كان أكبرهما، ثم نكح عيص بن إسحاق ابنةَ عمه بسمة ابنة إسماعيل بن إبراهيم، فولدت له الروم بن عيص، فكلُّ بني الأصفر من ولده. قال: وبعض الناس يزعم: أن الأشبان من ولده، ولا أدري أمن ابنة إسماعيل أم لا. ونكح يعقوب بن إسحاق -وهو إسرائيل- ابنة خاله ليًا ابنة لبان بن بتويل بن إلياس، فولدت له روبيل بن يعقوب، وكان أكبر ولده، وشمعون بن يعقوب، ولاوي بن يعقوب، ويهوذا بن يعقوب، وزبالون بن يعقوب، ويسحر بن يعقوب، ودينة ابنة يعقوب. وقد قيل في يسحر: إن اسمه "يشحر". ثم توفيت ليا بنت ليان فخلف يعقوب على أختها راحيل بنت ليان بن بتويل بن إلياس، فولدت له يوسف بن يعقوب، وبنيامن بن يعقوب -وهو بالعربية شداد- وولد له

стр. 2093

من سُرِّيَّتيْن؛ اسم إحداهما: زلفة، واسم الأخرى: بلهة، أربعة نفر: دان بن يعقوب، ونفثالي بن يعقوب، وجاد بن يعقوب، وأشر بن يعقوب، فكان بنو يعقوب اثني عشر رجلًا (١). (١: ٣١٧). ٥٢٩ - وقد قال بعض أهل التوراة: إن رفقا زوجة إسحاق هي ابنة ناهر بن آزر عمّ إسحاق، وإنها ولدت له ابنيه عيصًا ويعقوب في بطن واحد، وإن إسحاق أمر ابنه يعقوب ألّا ينكح امرأةً من الكنعانيين، وأمره أن ينكح امرأة من بنات خاله لبان بن ناهر، وأن يعقوب لما أراد النكاح مضى إلى خاله لبان بن ناهر خاطبًا، فأدركه الليل في بعض الطريق، فبات متوسِّدًا حجرًا، فرأى فيما يرى النائم أن سلمًا منصوبًا إلى باب من أبواب السماء عند رأسه، والملائكة تنزل وتعرج فيه، وأن يعقوب صار إلى خاله فخطب إليه ابنته راحيل، وكانت له ابنتان: ليا وهي الكبرى، وراحيل وهي الصغرى، فقال له: هل من مال أزوجك عليه؟ فقال يعقوب: لا، إلا أني أخدُمك أجيرًا حتى تستوفيَ صداق ابنتك، قال: فإن صداقها أن تخدمني سبع حجج، قال يعقوب: فزوجني راحيل وهي شرطي، ولها أخدُمك، فقال له خاله: ذلك بيني وبينك، فرعَى له يعقوب سبع سنين، فلما وفّى له شرطه دفع إليه ابنته الكبرى ليا، وأدخلها عليه ليلًا، فلما أصبح وجد غير ما شرط، فجاءه يعقوب وهو في نادي قومه فقال له: غررتَني وخدعتني واستحللت عملي سبع سنين، ودلّست عليّ غير امرأتي، فقال له خاله: يا بن أختي، أردت أن تُدخِل على خالك العار والسُّبَّة، وهو خالُك ووالدك، ومتى رأيتَ الناسَ يزوّجون الصغرى قبل الكبرى! فهلمَّ فاخدُمني سبع حجج أخرى، فأزوّجك أختَها -وكان الناس يومئذ يجمعون بين الأختين إلى أن بعث موسى ﵇ وأنزل عليه التوراة- فرعى له سبعًا، فدفع إليه راحيل، فولدت له ليا أربعة أسباط: روبيل، ويهوذا، وشمعان، ولاوي، وولدت له راحيل يوسف وأخاه بنيامين وأخوات لهما، وكان لابان دفع إلى ابنتيه حين جهزهما إلى يعقوب أمَتَين فوهبتا الأمتين ليعقوب، فولدت كلُّ واحدة منهما له ثلاثة رهط من الأسباط، وفارق يعقوب خاله، وعاد حتى نازل أخاه عيصًا (٢). (١: ٣١٨).

стр. 2094

٥٣٠ - وقال بعضهم: ولد ليعقوب دان ونفثالي من زلفة جارية راحيل؛ وذلك: أنها وهبتها له وسألته أن يطلب منها الولد حين تأخر الولد عنها، وأن ليا وهبت جاريتها بلهة ليعقوب منافسة لراحيل في جاريتها، وسألْته أن يطلب منها الولد، فولدت له جاد، وأشير، ثم ولد له من راحيل بعد اليأس يوسف وبنيامين، فانصرف يعقوب بولده هؤلاء وامرأتيه المذكورتين إلى منزل أبيه من فلسطين على خوف شديد من أخيه العيص، فلم ير منه إلا خيرًا، وكان العيص فيما ذكر لحق بعمه إسماعيل، فتزوج إليه ابنته بسمة وحملها إلى الشأم، فولدت له عدة أولاد فكثروا حتى غلبوا الكنعانيين بالشأم، وصاروا إلى البحر وناحية الإسكندرية ثم إلى الروم، وكان العيص فيما ذكر يسمَّى آدم لأدْمته، قال: ولذلك سمي ولده ولد الأصفر، وكانت ولادة رفقا بنت بتويل لإسحاق بن إبراهيم ابنيه العيص ويعقوب -بعد أن خلا من عمر إسحاق ستون سنة- توأمين في بطن واحد، والعيص المتقدم منهما خروجًا من بطن أمه، فكان إسحاق فيما ذكر يختص العيص، وكانت رفقا أمهما تميل إلى يعقوب، فزعموا أن يعقوب ختل العيص في قربان قرّباه بأمر أبيهما إسحاق بعد ما كبرت سنُّ إسحاق، وضعف بصره، فصار أكثر دعاء إسحاق ليعقوب، وتوجهت البركة نحوه بدعاء أبيه إسحاق له، فغاظ ذلك العيص وتوعّده بالقتل، فخرج يعقوب هاربًا منه إلى خاله لابان ببابل، فوصله لابان وزوّجه ابنتيه ليا وراحيل، وانصرف بهما وبجاريتيهما وأولاده الأسباط الاثني عشر وأختهم دينا إلى الشأم إلى منزل آبائه، وتألف أخاه العيص حتى نزل له البلاد وتنقل في الشأم، حتى صار إلى السواحل، ثم عبر إلى الروم فأوطنها، وصار الملوك من ولده وهم اليونانية- فيما زعم هذا القائل (١). (١: ٣١٨/ ٣١٩). ٥٣١ - حدثنا الحسين بن عمرو بن محمد العنقزيّ، قال: حدثنا أبي، قال: أخبرنا أسباط عن السديّ، قال: تزوج إسحاق امرأة فحملت بغلامين في بطن، فلما أرادت أن تضعهما اقتتل الغلامان في بطنها، فأراد يعقوب أن يخرج قبل عيص، فقال عيص: والله لئن خرجتَ قبلي لأعترضنّ في بطن أمي ولأقتلنّها،

стр. 2095

فتأخرّ يعقوب، وخرج عيص قبله، وأخذ يعقوب بعقب عيص، فخرج فسمى عيصًا لأنه عصى، فخرج قبل يعقوب، وسمي يعقوب لأنه خرج آخذًا بعقِب عيص، وكان يعقوب أكبرهما في البطن، ولكنَّ عيصًا خرج قبله، وكبر الغلامان، فكان عيص أحبَّهما إلى أبيه، وكان يعقوب أحبهما إلى أمه، وكان عيص صاحب صيد، فلما كبر إسحاق وعميَ، قال لعيص: يا بنيّ أطْعمني لحم صيد واقترب مني أدع لك بدعاء دعا لي به أبي، وكان عيص رجلًا أشعر، وكان يعقوب رجلًا أجْرَد، فخرج عيص يطلب الصيد، وسمعت أمه الكلام فقالت ليعقوب: يا بنيّ، اذهب إلى الغنم فاذبح منها شاة ثم اشوه، والبس جلده وقدِّمه إلى أبيك، وقل له: أنا ابنك عيص، ففعل ذلك يعقوب، فلما جاء قال: يا أبتاه كُلْ، قال: مَنْ أنت؟ قال: أنا ابنك عيص، قال: فمسَّه، فقال: المسُّ مسُّ عيص، والريحُ ريح يعقوب، قالت أمه: هو ابنك عيص فادع له، قال: قدّم طعامك، فقدّمه فأكل منه، ثم قال: ادن مني، فدنا منه، فدعا له أن يجعل في ذريته الأنبياء والملوك، وقام يعقوب، وجاء عيص فقال: قد جئتك بالصيد الذي أمرتَني به، فقال: يا بني قد سبقك أخوك يعقوب، فغضب عيص وقال: والله لأقتلنّه! قال: يا بني قد بقيت لك دعوة فهلمّ أدع لك بها، فدعا له فقال: تكونَ ذريتُك عددًا كثيرًا كالتراب ولا يملكهم أحدٌ غيرهم، وقالت أم يعقوب ليعقوب: الحق بخالك فكن عنده خشية أن يقتلك عيص، فانطلق إلى خاله، فكان يسرى بالليل ويكمن بالنهار، ولذلك سمي إسرائيل، وهو سريّ الله، فأتى خاله وقال عيص: أما إذْ غلبتني على الدعوى فلا تغلبني على القبر، أن أدفَن عند آبائي: إبراهيم وإسحاق، فقال: لئن فعلتَ لتُدفننّ معه. ثم إن يعقوب ﵇ هوى ابنَة خاله -وكانت له ابنتان- فخطب إلى أبيهما الصغرى منهما، فأنكحها إياه على أن يرعَى غنَمه إلى أجل مسمّى، فلما انقضى الأجل زفّ إليه أختها ليا، قال يعقوب: إنما أردت راحيل، فقال له خاله: إنا لا ينكح فينا الصغير قبل الكبير، ولكن ارعَ لنا أيضًا وانكحها، ففعل، فلما انقضى الأجل زوّجه راحيل أيضًا، فجمع يعقوب بينهما، فذلك قول الله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَينَ الْأُخْتَينِ إلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾. يقول: جمع يعقوب بين ليا وراحيل، فحملت ليا فولدت يهوذا، وروبيل،

стр. 2096

وشمعون، وولدت راحيل يوسف، وبنيامين، وماتت راحيل في نفاسها ببنيامين، يقول: من وجع النفاس [الذي ماتت فيه]. وقطع خال يعقوب ليعقوب قطيعًا من الغنم، فأراد الرجوع إلى بيت المقدس، فلما ارتحلوا لم يكن له نفقة، فقالت امرأة يعقوب ليوسف: خذ من أصنام أبي لعلنا نستنفق منه فأخذ، وكان الغلامان في حجْر يعقوب، فأحبهما وعطف عليهما ليُتْمهما من أمهما، وكان أحبَّ الخلق إليه يوسف ﵇، فلما قدموا أرض الشأم، قال يعقوب لراع من الرعاة: إن أتاكم أحدٌ يسألكم: مَنْ أنتم؟ فقولوا: نحن ليعقوب عبد عيص، فلقيهم عيص فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن ليعقوب عبد عيص، فكفّ عيص عن يعقوب، ونزل يعقوب بالشام، فكان همّه يوسف وأخوه فحسده إخوته لما رأوا من حب أبيه له، ورأى يوسف في المنام كأنّ أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر رآهم ساجدين له، فحدث أباه بها فقال: ﴿يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيدًا إِنَّ الشَّيطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (١). (١: ٣١٩/ ٣٢٠ / ٣٢١). ذكر أيوب ﵇ - ٥٣٢ - ومن ولده -فيما قيل- أيوب نبي الله؛ وهو فيما حدثنا ابن حُميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، عمّن لا يُتّهم، عن وهب بن منبّه: أن أيوب كان رجلًا من الروم، وهو أيوب بن موص بن رازح بن عيص بن إسحاق بن إبراهيم (٢). (١: ٣٢٢). ٥٣٣ - وأما غير ابن إسحاق فإنه يقول: هو أيوب بن موص بن رعويل بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم. وكان بعضهم يقول: هو أيوب بن موص بن رعويل، ويقول: كان أبوه ممن آمن بإبراهيم ﵇ يوم أحرقه نمرود، وكانت زوجته التي أمر بضربها

стр. 2097

بالضِّغْث ابنةً ليعقوب بن إسحاق، يقال: لها ليا؛ كان يعقوب زوّجها منه (١). (١: ٣٢٢). ٥٣٤ - وحدثني الحسين بن عمرو بن محمد، قال: حدثنا أبي، قال: أخبرنا غياث بن إبراهيم، قال: ذكر -والله أعلم- أن عدوّ الله إبليس لقِيَ امرأة أيوب -وذكر أنها كانت ليا بنت يعقوب- فقال: يا ليا ابنة الصدّيق وأخت الصدّيق. وكانت أم أيوب ابنة للوط بن هاران (٢). (١: ٣٢٢). ٥٣٥ - وقيل: إن زوجته التي أمِر بضربها بالضِّغْث هي رحمة بنت أفرائيم بن يوسف بن يعقوب، وكانت لها البَثَنيَّة من الشام كلها بما فيها، وكان -فيما ذكر- عن وهب بن منبه في الخبر الذي حدثنيه محمد بن سهل بن عسكر البخاريّ، قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم أبو هشام، قال: حدثني عبد الصمد بن معقل، قال: سمعت وهب بن منبّه يقول: إن إبليس لعنه الله سمع تجاوب الملائكة بالصلاة على أيوب، وذلك حين ذكره الله تعالى وأثنى عليه، فأدركه البغيُ والحسد، فسأل الله أن يسلِّطه عليه ليفتنه عن دينه، فسلَّطه الله على ماله دون جسده وعقله، وجمع إبليس عفاريت الشياطين وعظماءهم، وكان لأيوب البثَنِيَّة من الشام كلّها بما فيها بين شرقها وغربها، وكان بها ألف شاة برعاتها، وخمسمئة فَدّان يتبعها خمسمئة عبد، لكل عبد امرأة وولد ومال، ويحمل آلة كل فَدّان أتان، لكل أتان ولد؛ بين اثنين وثلاثة وأربعة وخمسة وفوق ذلك. فلما جمعهم إبليس، قال: ماذا عندكم من القوة والمعرفة؟ فإني قد سُلِّطت على مال أيوب؛ فهي المصيبة الفادحة والفتنة التي لا يصبر عليها الرجال، فقال كلُّ مَنْ عنده قوة على إهلاك شيء ما عنده. فأرسلهم فأهلَكوا ماله كلّه، وأيوب في كلّ ذلك يحمد الله ولا يثنيه شيء أصيب به من ماله عن الجدّ في عبادة الله تعالى والشكر له على ما أعطاه، والصبر على ما ابتلاه به. فلما رأى ذلك من أمره إبليس لعنه الله سأل الله تعالى أن يسلطه على ولده فسقطه عليهم، ولم يجعل له سلطانًا على جسده وقلبه وعقله، فأهلك ولده كلّهم، ثم جاء إليه متمثلًا بمعلّمهم الذي كان يعلمهم الحكمة جريحًا مشدوخًا يُرقِّقه حتى رقّ أيوب فبكى،

стр. 2098

فقبض قبضة من تراب فوضعها على رأسه، فسُرّ بذلك إبليس، واغتنمه من أيوب ﵇. ثم إنّ أيوب تاب واستغفر، فصعدت قرناؤه من الملائكة بتوبته فبدروا إبليس إلى الله ، فلما لم يثن أيوب ﵇ ما حلّ به من المصيبة في ماله وولده عن عبادة ربه، والجدّ في طاعته، والصبر على ما ناله، سأل الله إبليسُ أن يسلِّطه على جسده، فسلطه على جسده خلا لسانَه وقلبه وعقله؛ فإنه لم يجعل له على ذلك منه سلطانًا، فجاءه وهو ساجد، فنفخ في منخره نفخة اشتعل منها جسده، فصارَ من جملة أمره إلى أن أنتن جسده، فأخرجه أهلُ القرية من القرية إلى كُناسة خارج القرية لا يقرَبه أحد إلا زوجته، وقد ذكرت اختلاف الناس في اسمها ونسبها قبل. ثم رجع الحديث إلى حديث وهب بن منبّه: وكانت زوجته تختلف إليه بما يصلحه وتلزمه، وكان قد اتبعه ثلاثة نفر على دينه، فلما رأوا ما نزل به من البلاء رفضوه واتهموه من غير أن يتركوا دينه؛ يقال لأحدهم بلدد، وللآخر اليفز وللثالث صافر. فانطلقوا إليه وهو في بلائه فبكّتوه، فلما سمع أيوب ﵇ كلامَهم أقبل على ربِّه يستغيثه ويتضرّع إليه، فرحمه ربُّه ورفع عنه البلاء، وردَّ عليه أهله ومَاله ومثلهم معهم، وقال له: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾؛ فاغتسل به فعاد كهيئته قبل البلاء في الحسن والجمال (١). (١: ٣٢٢/ ٣٢٣ / ٣٢٤). ٥٣٦ - فحدثني يحيى بن طلحة اليربوعيّ، قال: حدثنا فُضيل بن عياض عن هشام، عن الحسن، قال: مكث أيوب ﵇ مطروحًا على كُناسة لبني إسرائيل سبعَ سنين وأشهرًا، ما يسأل الله أن يكشف ما به، قال: فما على وجه الأرض أكرم على الله من أيوب، فيزعمون أن بعض الناس قال: لو كان لربِّ هذا فيه حاجة ما صنع به هذا! فعند ذلك دعا (٢). (١: ٣٢٤). ٥٣٧ - حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن عُلَيَّة عن يونس، عن

стр. 2099

الحسن، قال: بقيَ أيوب ﵇ على كُناسة لبني إسرائيل سبع سنين وأشهرًا اختلف فيها الرواة (١). (١: ٣٢٤). فهذه جملة من خبر أيوب، وإنما قدمنا ذكر خبره وقصته قبل خبر يوسف وقصته لما ذكر من أمره، وأنه كان نبيًّا في عهد يعقوب أبي يوسف ﵈. وذُكر: أن عُمْر أيوب كان ثلاثًا وتسعين سنة، وأنه أوصى عند موته إلى ابنه حومل، وأن الله بعث بعده ابنه بشر بن أيوب نبيًّا، وسماه ذا الكِفْل وأمره بالدعاء إلى توحيده، وأنه كان مقيمًا بالشام عُمْرَه حتى مات، وكان عمرُه خمسًا وسبعين سنة، وأن بشرًا أوصى إلى ابنه عبدان، وأن الله بعث بعده شُعَيبَ بن صيفون بن عيفا بن نابت بن مدين بن إبراهيم إلى أهل مدين. وقد اختُلف في نسب شُعَيب فنسبه أهل التوراة النسب الذي ذكرت، وكان ابن إسحاق يقول: هو شعيب بن ميكائيل من ولد مدين، حدثني بذلك ابن حُميد، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق. وقال بعضهم: لم يكن شعيب من ولد إبراهيم، وإنما هو من ولد بعض مَنْ كان آمن بإبراهيم واتبعه على دينه، وهاجر معه إلى الشام، ولكنه ابن بنت لوط؛ فجدة شعيب ابنة لوط (٢). (١: ٣٢٤/ ٣٢٥).

стр. 2100

ذكر خبر شعيب ﷺ - وقيل: إن اسم شعيب يزون، وقد ذكرت نسبه واختلاف أهل الأنساب في نسبه، وكان -فيما ذكر- ضرير البصر (١). (١: ٣٢٥). ٥٣٨ - حدثني عبد الأعلى بن واصل الأسديّ، قال: حدثنا أسيد بن زيد الجصاص، قال: أخبرنا شريك عن سالم، عن سعيد بن جُبَير في قوله: ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾، قال: كان أعمى (٢). (١: ٣٢٥). ٥٣٩ - حدثنا أحمد بن الوليد الرَّمْليّ، قال: حدثنا إبراهيم بن زياد وإسحاق بن المنذر وعبد الملك بن يزيد، قالوا: حدثنا شريك عن سالم، عن سعيد، مثله (٣). (١: ٣٢٦). ٥٤٠ - حدثني أحمد بن الوليد، قال: حدثنا عمرو بن عون ومحمد بن

стр. 2101

الصباح، قالا: سمعنا شريكًا يقول في قوله: ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾، قال: أعمى (١). (١: ٣٢٦). ٥٤١ - حدثني أحمد بن الوليد، قال: حدثنا سعدويه، قال: حدثنا عباد عن شريك، عن سالم، عن سعيد بن جبير، مثله (٢). (١: ٣٢٦). ٥٤٢ - حدثني المثنى، قال: حدثنا الحِمّانيّ، قال: حدثنا عبّاد عن شريك، عن سالم، عن سعيد: ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾، قال: كان ضرير البصر (٣). ٥٤٣ - حدثني العباس بن أبي طالب، قال: حدثنا إبراهيم بن مهدي المِصَيصيّ، قال: حدثنا خلف بن خليفة، عن سفيان، عن سالم، عن سعيد بن جبير: ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾، قال: كان ضعيف البصر (٤). (١: ٣٢٦). ٥٤٤ - حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو نعَيم، قال: حدثنا سفيان، قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾، قال: كان ضعيف البصر. قال سفيان: وكان يقال له: خطيب الأنبياء، وإن الله ﵎ بعثه نبيًّا إلى أهل مدين، وهم أصحاب الأيكة -والأيكة الشجر الملتفّ- وكانوا أهلَ كفر بالله وبخس للناس في المكاييل والموازين وإفساد لأموالهم، وكان الله وسَّع عليهم في الرزق، وبسط لهم في العيش استدراجًا منه لهم مع كفرهم به، فقال لهم شعيب ﵇: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَال وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾. فكان من قول شعيب لقومه وجواب قومه له ما ذكره الله في كتابه (٥). (٣٢٦: ١).

стр. 2102

٥٤٥ - فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: قال ابن إسحاق: فكان رسول الله -فيما ذكر لي يعقوب بن أبي سلمة- إذا ذكره قال: "ذاك خطيب الأنبياء"، لحسْن مراجعته قومَه فيما يرادّهم به (١). (١: ٣٢٧). ٥٤٦ - فلما طال تماديهم في غَيِّهم وضلالهم، ولم يردّهم تذكير شُعيب إياهم، وتحذيرهم عذاب الله [لهم] وأراد الله ﵎ هلاكهم، سلط عليهم -فيما حدثني الحارث- قال: حدثنا الحسن بن موسى الأشيب، قال: حدثني سعيد بن زيد أخو حماد بن زيد، قال: حدثنا حاتم بن أبي صَغيرة، قال: حدثني يزيد الباهليّ، قال: سألتُ عبد الله بن عباس عن هذه الآية: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، فقال عبد الله بن عباس: بعث الله وَبَدةً وحرًّا شديدًا، فأخذ بأنفاسهم فدخلوا أجواف البيوت، فدخل [عليهم] أجواف البيوت فأخذ بأنفاسهم، فخرجوا من البيوت هرّابًا إلى البريّة فبعث الله سحابة، فأظلتهم من الشمس، فوجدوا لها بردًا ولذة، فنادى بعضهم بعضًا، حتى إذا اجتمعوا تحتها أرسل الله عليهم نارًا، قال عبد الله بن عباس: فذاك عذابُ يوم الظلة؛ ﴿إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (٢). (١: ٣٢٧). ٥٤٧ - حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: حدثنا ابن وهب، قال: حدثني جرير بن حازم أنه سمع قتادة يقول: بُعث شعيب إلى أمتين: إلى قومه أهل مدين، وإلى أصحاب الأيكة، وكانت الأيكة من شجر ملتفّ، فلما أراد الله أن يعذّبهم بعث عليهم حرًّا شديدًا، ورفع لهم العذاب كأنه سحابة، فلما دنت منهم خرجوا إليها رجاء بَرْدها، فلما كانوا تحتها أمطرت عليهم نارًا، قال: فذلك قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ (٣). (١: ٣٢٧). ٥٤٨ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني أبو سفيان، عن معمرَ بن راشد، قال: حدثني رجل من أصحابنا عن بعض العلماء، قال: كانوا -يعني قوم شعيب- عطَّلوا حدًّا، فوسع الله عليهم في الرزق، ثم عطَّلوا حدًّا فوسع

стр. 2103

الله عليهم في الرزق، فجعلوا كلما عطلوا حدًّا وسمع الله عليهم في الرزق حتى إذا أراد الله هلاكهم سلَّط عليهم حرًّا لا يستطيعون أن يتقارُّوا، ولا ينفعهم ظل ولا ماء، حتى ذهب ذاهب منهم فاستظلّ تحت ظلة فوجدَ روحًا، فنادى أصحابَه: هلمُّوا إلى الروْح، فذهبوا إليه سراعًا؛ حتى إذا اجتمعوا؛ ألهبها الله عليهم نارًا، فذلك عذاب يوم الظلة (١). (١: ٣٢٨). ٥٤٩ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان عن أبي إسحاق، عن زيد بن معاوية في قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾، قال: أصابهم حرٌّ قلقلهم في بيوتهم، فنشأت سحابة كهيئة الظُّلَّةِ فابتدروها، فلما ناموا تحتها أخذتهم الرّجفة (٢). (١: ٣٢٨). ٥٥٠ - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: حدثنا الحسن، قال: حدثنا ورقاء -جميعًا عن ابن أبي نَجيح- عن مجاهد في قوله: ﴿عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾، قال: ظلال العذاب (٣). (١: ٣٢٨). ٥٥١ - حدثني القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج عن ابن جريج، عن مجاهد في قوله: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾، قال: أظلّ العذابُ قوم شُعيب، قال ابن جريج: لما أنزل الله تعالى عليهم أول العذاب أخذهم منه حرٌّ شديد، فرفع الله لهم غمامة، فخرج إليها طائفة منهم ليستظلوا بها، فأصابهم منها برد وَروْح وريح طيبة، فصبَّ الله عليهم من فوقهم من تلك الغمامة عذابًا، فذلك قوله: ﴿عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (٤). (١: ٣٢٨). ٥٥٢ - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، قال: بعث الله إليهم ظلة من سحاب، وبعث الله إلى الشمس فأحرقت ما على وجه الأرض، فخرجوا كلهم إلى تلك الظلة؛ حتى إذا اجتمعوا كلُّهم كشف الله عنهم الظلة، وأحمَى

стр. 2104

عليهم الشمس، فاحترقوا كما يحترق الجراد في المِقْلَى (١). (١: ٣٢٩). ٥٥٣ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا أبو تُمَيلة عن أبي حمزة، عن جابر، عن عامر، عن ابن عباس، قال: مَنْ حدّثك من العلماء ما عذاب يوم الظلة، فكذّبه (٢). (١: ٣٢٩). ٥٥٤ - حدثني محمود بن خداش، حدثنا حماد بن خالد الخياط، قال: حدثنا داود بن قيس عن زيد بن أسلم في قوله : ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾، قال: كان مما ينهاهم عنه حذف الدراهم -أو قال: قطع الدراهم (الشكّ من حماد) (٣). (١: ٣٢٩). ٥٥٥ - حدثنا سهل بن موسى الرازيّ، قال: حدثنا ابن أبي فُدَيك عن أبيِ مودود قال: سمعت محمد بن كعب القرظيّ يقول: بلغني: أن قومَ شعيب عُذبوا في قطع الدراهم، ثم وجدت ذلك في القرآن: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ (٤). (١: ٣٢٩). ٥٥٦ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا زيد بن حُبَاب، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب القرظيّ؛ قال: عذب قوم شعيب في قطعهم الدراهم، فقالوا: ﴿يَاشُعَيبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ (٥). (١: ٣٢٩). ذكر يعقوب وأولاده ٥٥٦ / أ- ذكروا -والله أعلم- أن إسحاق بن إبراهيم عاش بعدما ولد له العيص ويعقوب مئة سنة، ثم توفي وله مئة وستون سنة فقبرَه ابناه: العيص ويعقوب عند قبر أبيه إبراهيم في مزرعة حَبْرون، وكان عمر يعقوب بن إسحاق كله مئة

стр. 2105

وسبعًا وأربعين سنة، وكان ابنهُ يوسف قد قُسم له ولأمِّه من الحسن ما لم يقسم لكثير من أحد من الناس (١) (١: ٣٣٠). ٥٥٧ - وقد حدثني عبد الله بن محمد وأحمد بن ثابت الرازيان، قالا: حدثنا عفان بن مسلم، قال: أخبرنا حماد بن سلمة، قال: أخبرنا ثابت [البنانيّ] عن أنس، عن النبي، قال: "أعطي يوسف وأمّه شَطْر الحسن" (٢). (١: ٣٣٠). ٥٥٧ / أ- وأن أمه راحيل لما ولدتْه دفعه زوجها يعقوب إلى أخته تحضنه، فكان من شأنه وشأن عمّته التي كانت تحضنه ما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نَجيح، عن مجاهد، قال: كان أول ما دخل على يوسف من البلاء فيما بلغني أن عمته ابنة إسحاق، وكانت أكبر ولد إسحاق، وكانت إليها صارت مِنْطقة إسحاق، وكانوا يتوارثونها بالكِبَر، فكان من أختانها مَن وليها كان له سلَمًا لا ينازَع فيه، يصنع فيه ما شاء، وكان يعقوب حين ولد له يوسف قد كان حضنتْه عمته، فكان معها وإليها، فلم يحبّ أحد شيئًا من الأشياء حبَّها إياه، حتى إذا ترعرع وبلغ سنوات، ووقعت نفس يعقوب عليه، أتاها فقال: يا أخيَّة سلِّمِي إليّ يوسف، فوالله ما أقدر على أن يغيب عني ساعة، قالت: والله ما أنا بتاركته؛ قال: فوالله ما أنا بتاركه. قالت: فدعه عندي أيامًا أنظر إليه وأسكن عنه، لعلّ ذلك يسلّيني عنه -أو كما قالت- فلما خرج من عندها يعقوب عمدت إلى منطقة إسحاق فحزمتها على يوسف من تحت ثيابه، ثم قالت: لقد فقدت منطقة إسحاق، فانظروا مَنْ أخذها ومن أصابها، فالتُمست ثم قالت: كشِّفوا أهل البيت، فكشَّفوهم فوجدوها مع يوسف، فقالت: والله إنه لي لَسَلَم أصنع فيه ما شئت. قال: وأتاها يعقوب فأخبرته الخبر. فقال لها: أنت وذاك، إن كان فعل ذلك فهو سَلَم لك، ما أستطيع غير ذلك فأمسكته، فما قدر عليه يعقوب حتى ماتت، قال: فهو الذي يقول إخوة يوسف حين صنع بأخيه ما صنع حين أخذه: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ (٣). (١: ٣٣٠/ ٣٣١).
следующие страницы →