أبي إسحاق، عن نوْف، قال: كان طول عوج ثمانمئة ذراع، وكان طول موسى عشرة أذرع، وعصاه عشرة أذرع، ثم وثب في السماء عشرة أذرع، فضرب عوجًا فأصاب كعبه فسقط ميتًا، فكان جِسْرًا للناس يمرّون عليه (١). (١: ٤٣١).
٦٨٣ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن عطية، قال: أخبرنا قيس، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كانت عصا موسى عشرة أذرع، ووثبتُه عشرة أذرع، وطوله عشرة أذرع، فأصاب كعبَ عوج فقتله، فكان جسرًا لأهل النيل، وقيل إن عوج عاش ثلاثة آلاف سنة (٢). (١: ٤٣١).
ذكر وفاة موسى وهارون ابني عمران ﵉
٦٨٤: حدثنا موسى بن هارون الهمْدانيّ، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط عن السُّديّ في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس -وعن مرة الهمْدانيّ عن عبد الله بن مسعود- وعن ناس من أصحاب النبيّ: ثم إن الله ﵎ أوحى إلى موسى، أني مُتَوفٍّ هارون، فائْتِ به جبل كذا وكذا. فانطلق موسى وهارون نحو ذلك الجبل، فإذا هما بشجرة لم يُرَ مثلها، وإذا هما ببيت مبنيّ، وإذا هما فيه بسرير عليه فرش، وإذا فيه ريحٌ طيبة، فلما نظر هارون إلى ذلك الجبل والبيت وما فيه أعجبه، فقال: يا موسى إني لأحبّ أن أنام على هذا السرير، قال له موسى: فنمْ عليه، قال: إني أخاف أن يأتيَ ربُّ هذا البيت فيغضب عليّ، قال له موسى: لا ترهب أنا أكفيك ربَّ هذا البيت فنم، قال: يا موسى بل نم معي، فإن جاء رب البيت غضب عليّ وعليك جميعًا، فلما ناما أخذ هارون الموت، فلما وجد حسه قال: يا موسى خدعتَني، فلما قُبِض رفع ذلك البيت وذهبت تلك الشجرة ورُفع السرير إلى السماء، فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل، وليس معه هارون قالوا: فإن موسى قتلَ هارون وحسده لحبّ بني إسرائيل له، وكان هارون أكفّ عنهم وأليَن لهم من موسى، وكان في موسى بعضُ الغلظ عليهم، فلما بلغه ذلك قال لهم: ويحكم!
стр. 2172
كان أخي، أفتروْنني أقتله! فلما أكثروا عليه قام فصلّى ركعتين ثم دعا الله فنزل بالسرير حتى نظروا إليه بين السماء والأرض فصدّقوه. ثم إن موسى بينما هو يمشي ويوشع فتاه إذ أقبلت ريح سوداء، فلما نظر إليها يوشع ظنّ أنها الساعة والتزم موسى، وقال: تقوم الساعة وأنا ملتزم موسى نبيّ الله، فاستلّ موسى من تحت القميص وترك القميص في يد يوشع، فلما جاء يوشع بالقميص أخذته بنو إسرائيل، وقالوا: قتلت نبي الله! قال: لا والله ما قتلتُه، ولكنه استُلَّ مني، فلم يصدّقوه وأرادوا قتله. قال: فإذا لم تصدقوني فأخِّروني ثلاثة أيام، فدعا الله فأتِي كلّ رجل ممن كان يحرسه في المنام، فأخبر أن يوشع لم يقتل موسى، وأنَّا قد رفعناه إلينا، فتركوه ولم يبق أحد ممن أبى أن يدخل قرية الجبّارين مع موسى إلا مات، ولم يشهد الفتح (١). (١: ٤٣٢/ ٤٣٣).
٦٨٥ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، قال: كان صفيُّ الله قد كره الموت وأعظمه، فلمّا كرهه أراد الله تعالى أن يحبِّب إليه الموت ويكرّه إليه الحياة، فحوّلت النبوّة إلى يوشع بن نون، فكان يغدُو عليه ويروح، فيقول له موسى: يا نبيّ الله! ما أحدث الله إليك؟ فيقول له يوشع بن نون: يا نبيّ الله، ألمْ أصحبْك كذا وكذا سنة، فهل كنتُ أسألُك عن شيء مما أحدث الله إليك حتى تكون أنت الذي تبتدئ به وتذكره؟ فلا يذكر له شيئًا، فلما رأى موسى ذلك كِره الحياة وأحبّ الموت (٢). (١: ٤٣٣).
٦٨٦ - قال ابن حميد: قال سلمة: قال ابن إسحاق: وكان صفيّ الله -فيما ذكر لي وهب بن منبّه- إنما يستظلّ في عريش ويأكل ويشرب في نقير من حَجَر، إذا أراد أن يشرب بعد أن أكل كرع كما تكرع الدابة في ذلك النقير، تواضعًا لله حين أكرمه الله بما أكرمه به من كلامه.
قال وهب: فذكر لي أنه كان من أمر وفاته: أن صفيّ الله خرج يومًا من عريشه ذلك لبعض حاجته لا يعلم به أحدٌ من خلق الله، فمرّ برهط من الملائكة يحفِرون
стр. 2173
قبرًا فعرفهم وأقبل إليهم حتى وقف عليهم فإذا هم يحفرون قبرًا لم ير شيئًا قط أحسنَ منه، ولم ير مثل ما فيه من الخضرة والنضرة والبهجة، فقال لهم: يا ملائكَة الله لمن تحفرون هذا القبر؟ قالوا: نحفره لعبد كريم على ربِّه، قال: إنّ هذا العبد من الله لَبمنزل! ما رأيت كاليوم مضجعًا ولا مدخلًا! وذلك حين حضر من أمر الله ما حضر من قبضه، فقالت له الملائكة: يا صفيّ الله، أتحبّ أن يكون لك؟ قال: وددت. قالوا: فأنزل فاضطجع فيه، وتوجه إلى ربك، ثم تنفس أسهلَ تنفس تنفستَه قطّ.
فنزل فاضطجع فيه، وتوجَّه إلى ربه، ثم تنفس فقبض الله تعالى روحه، ثم سَوَت عليه الملائكة، وكان صفيّ الله زاهدًا في الدنيا راغبًا فيما عند الله (١). (١: ٤٣٣/ ٤٣٤).
٦٨٧ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن أبي سنان الشيبانى، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، قال: مات موسى وهارون جميعًا في التيه، مات هارون قبل موسى، وكانا خرجا جميعًا في التيه إلى بعض الكهوف، فمات هارون، فدفنه موسى، وانصرف موسى إلى بني إسرائيل، فقالوا: ما فعل هارون؟ قال: مات، قالوا: كذبتَ ولكنك قتلته لحبّنا إياه، وكان محبَّبًا في بني إسرائيل، فتضرّع موسى إلى ربِّه، وشكا ما لقيَ من بني إسرائيل، فأوحى الله إليه أن انطلق بهم إلى موضع قبره، فإني باعثه حتى يخبرهم أنه مات موتًا ولم تقتله. قال: فانطلق بهم إلى قبر هارون، فنادى: يا هارون، فخرج من قبره ينفض رأسه، فقال: أنا قتلتك؟ قال: لا والله، ولكني متُّ، قال: فعُدْ إلى مضجعك، وانصرفوا.
فكان جميع مدة عمر موسى ﵇ كلها مئة وعشرين سنة، عشرون من ذلك في ملك أفريدون، ومئة منها في ملك مِنوشهر، وكان ابتداء أمره من لدن
стр. 2174
بعثه الله نبيًّا إلى أن قبضه إليه في ملك مِنُوشِهْر (١). (١: ٤٣٤).
ذكر يوشع بن نون ﵇ -
٦٨٨ - ثم ابتعث الله بعد موسى ﵇ يوشع بن نون بن إفراييم بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم نبيًّا، وأمره بالمسير إلى أريحا لحرب مَنْ فيها من الجبارين. فاختلف السلفُ من أهل العلم في ذلك، وعلى يد مَنْ كان ذلك؟ ومتى سار يوشع إليها؟ في حياة موسى بن عمران كان مسيره إليها أم بعد وفاته (٢)؟ (١: ٤٣٥).
٦٨٨ / أ- حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد بن زُرَيع، قال: حدثنا سعيد عن قتادة. قال: قال الله تعالى: ﴿قَال فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً. . . .﴾ الآية، حرّمت عليهم القرى، فكانوا لا يهبطون قرية، ولا يقدرون على ذلك أربعين سنة.
وذكر لنا: أن موسى مات في الأربعين سنة، ولم يدخل بيتَ المقدس منهم إلا أبناؤهم، والرجلان اللذان قالا ما قالا (٣). (١: ٤٣٦).
٦٨٩ - حدثني موسى بن هارون الهمْدانيّ، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط عن السديّ في الخبر الذي ذكرت إسناده فيما مضى: لم يبق أحدٌ ممن أبى أن يدخلَ مدينة الجبَّارين مع موسى إلا مات، ولم يشهد الفتح. ثم إن الله لما انقضت الأربعون سنة بعث يوشع بن نون نبيًّا فأخبرهم أنه نبيّ وأنّ الله قد أمره أن يقاتل الجبارين، فبايعوه وصدّقوه، فهزم الجبارين، واقتحموا عليهم، فقتلوهم، فكانت العصابة من بني إسرائيل يجتمعون على عنُق الرجل يضربونها لا يقطعونها (٤). (١: ٤٣٦).
стр. 2175
٦٩٠ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا سليمان بن حرْب عن هلال، عن قتادة في قول الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيهِمْ﴾، قال: أبدًا (١). (١: ٤٣٦).
٦٩١ - حدثني المثنى قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم عن هارون النحويّ، عن الزبير بن الخرّيت، عن عكرمة في قوله: ﴿قَال فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾، قال: التحريم التّيه (٢). (١: ٤٣٦).
٦٩١ / أ- وقال آخرون: إنما فتح أرِيحا موسى؛ ولكن يوشع كان على مقدمة موسى حين سار إليهم (٣). (١، ٤٣٦).
ذكر من قال ذلك:
٦٩٢ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، قال: لما نشأت النواشي من ذراريّهم -يعني مِنْ ذراريّ الذينَ أبوْا قتال الجبارين مع موسى- وهلك آباؤهم، وانقضت الأربعون سنة التي تُيّهوا فيها؛ سار بهم موسى ومعه يوشع بن نون، وكلاب بن يوفنّة، وكان فيما يزعمون على مريم ابنة عمران أخت موسى وهارون، فكان لهم صهرًا، فلما انتهوْا إلى أرض كنعان، وبها بلعم بن باعور المعروف، وكان رجلًا قد آتاه الله علمًا، وكان فيما أوتي من العلم اسم الله الأعظم -فيما يذكرون- الذي إذا دعِيَ الله به أجاب، وإذا سُئل به أعطى (٤). (٤٣٧: ١).
٦٩٣ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن سالم أبي النَّضْر، أنه حدّث: أنّ موسى لما نزل أرض بني كَنْعان من أرض الشأم، وكان بلعم ببالعة -قرية من قرى البلقاء- فلما نزل موسى ببني إسرائيل ذلك المنزل، أتى قومُ بلعم إلى بلعم، فقالوا له: يا بلعم، هذا موسى بن عمران في بني إسرائيل قد جاء يخرجنا من بلادنا، ويقتلنا ويُحلّها بني إسرائيل، ويسْكنها، وإنّا قومك وليس لنا منزلٌ، وأنت رجلُ مجابُ الدعوة، فاخرج فادعُ
стр. 2176
الله عليهم، فقال: ويلكم! نبي الله معه الملائكة والمؤمنون! كيف أذهب أدعو عليهم، وأنا أعلم من الله ما أعلم! قالوا: ما لنا من منزل، فلم يزالوا به يرقّقونه، ويتضرعون إليه حتى فتنوه، فافتتن فركب حمارة له متوجهًا إلى الجبل الذي يطلعه على عسكر بني إسرائيل، وهو جبل حُسْبان، فما سار عليها غير قليل، حتى ربضت به، فنزل عنها فضربها حتى أذلقها فقامت فركبها، فلم تسِرْ به كثيرًا حتى رَبضت به، ففعل بها مثل ذلك، فقامت فركبها، فلم تسرْ به كثيرًا حتى ربضت به، فضرَبها حتى إذا أذلقها أذن الله لها فكلمتْه حُجّةً عليه، فقالت: ويحك يا بلعم! أين تذهب! ألا ترى الملائكة أمامي تردّني عن وجهي هذا! أتذهب إلى نبيّ الله والمؤمنين تدعو عليهم! فلم ينزع عنها يضربها، فخلّى الله سبيلَها حين فعل بها ذلك، فانطلقت حتى إذا أشرفت به على جبل حُسْبان، على عسكر موسى وبني إسرائيل، جعل يدعو عليهم، فلا يدعو عليهم بشيء إلّا صرف الله لسانه إلى قومه، ولا يدعو لقومه بخير إلا صرف لسانه إلى بني إسرائيل، فقال له قومه: أتدري يا بلعم ما تصنع؟ إنما تدعو لهم، وتدعو علينا، قال: فهذا ما لا أملك، هذا شيء قد غَلب الله عليه، واندلع لسانُه فوقع على صدره، فقال لهم: قد ذهبت الآن مني الدنيا والآخرة، فلم يبق إلا المكر والحيلة، فسأمكر لكم وأحتال، جَمِّلوا النساء وأعطوهنّ السّلع، ثم أرسلوهنّ إلى العسكر يبعنها فيه، ومروهنّ فلا تمنع امرأة نفسَها من رجل أرأدها؛ فإنه إن زنى رجل واحد منهم كُقيتموهم، ففعلوا، فلما دخل النساء العسكر مرّت امرأة من الكنعانين اسمها كستى ابنة صور -رأس أمته وبني أبيه من كان منهم في مدين، هو كان كبيرهم- برجل من عظماء بني إسرائيل، وهو زمري بن شلوم، رأس سِبْط شمعون بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، فقام إليها فأخذ بيدها حين أعجبه جمالُها، ثم أقبل حتى وقف بها على موسى، فقال: إني أظنك ستقول: هذه حرام عليك! قال: أجلْ هي حرام عليك لا تقرَبْها، قال: فوالله لا نُطيعك في هذا، ثم دخل بها قبّته فوقع عليها، فأرسل الله الطاعون في بني إسرائيل. وكان فنحاص بن العيزار بن هارون صاحب أمْر موسى، وكان رجلًا قد أعطِيَ بسطة في الخلق، وقوة في البطش، وكان غائبًا حين صنع زمري بن شلوم ما صنع، فجاء والطاعون يحوس في بني إسرائيل، فأخبِر الخبر، فأخذ حربته -وكانت من حديد كلّها- ثم دخل عليهما القبة وهما متضاجعان فانتظمهما بحربته، ثم خرج
стр. 2177
بهما رافعهما إلى السماء، والحربة قد أخذها بذراعه، واعتمد بمرفقه على خاصرته، وأسند الحربة إلى لحيته -وكان بِكْر العيزار- فجعل يقول: اللهمّ هكذا نفعل بمَنْ يعصيك! ورُفع الطاعون فحُسِب مَنْ هلك من بني إسرائيل في الطاعون -فيما بين أن أصاب زمري المرأة إلى أن قتله فنحاص- فوجدوا قد هلك منهم سبعون ألفًا، والمقلّل لهم يقول: عشرون ألفًا، في ساعة من النهار، فمن هنالك تُعطى بنو إسرائيل ولد فنحاص بن العيزار بن هارون من كلِّ ذبيحة ذبحوها القِبَة والذراع واللَّحْي، لاعتماده بالحربة على خاصرته، وأخذه إياها بذراعه، وإسناده إياها إلى لحيته، والبِكْر من كل أموالهم وأنفسهم، لأنه كان بكر العيزار، ففي بلعم بن باعور، أنزل الله تعالى على محمد: ﴿وَاتْلُ عَلَيهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَينَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ -يعني بلعم بن باعور- ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيطَانُ﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ يعني بني إسرائيل: أني قد جئتهم بخبر ما كان فيهم مما يخفون عليك لعلهم لتفكرون فيعرفون أنه لم يأت بهذا الخبر عمّا مضى فيهم إلا نبي يأتيه خبر من السماء.
ثم إن موسى قدّم يوشع بن نون إلى أرِيحا في بني إسرائيل فدخلها بهم، وقتل بها الجبابرة الذين كانوا فيها، وأصاب من أصاب منهم، وبقيتْ منهم بقية في اليوم الذي أصابهم فيه، وجنح عليهم الليل، وخَشيَ إن لبسهم الليل أن يُعجزوه، فاستوقف الشمس، ودعا الله أن يحبسها، ففعل حتى استأصلهم؛ ثم دخلها موسى ببني إسرائيل، فأقام فيها ما شاء الله أن يقيم، ثمّ قبضه الله إليه، لا يعلم بقبره أحد من الخلائق (١). (١: ٤٣٧/ ٤٣٨ / ٤٣٩).
٦٩٤ - فأما السديّ في الخبر الذي ذكرت عنه إسناده فيما مضى؛ فإنه ذكر في خبره ذلك أن الذي قاتل الجبارين يوشع بن نون بعد موت موسى وهارون، وقصّ من أمره وأمرهم ما أنا ذاكره، وهو أنه ذكر فيه: أن الله بعث يوشع نبيًّا بعد أن انقضت الأربعون سنة، فدعا بني إسرائيل فأخبرهم أنه نبيّ، وأن الله قد أمره أن يقاتل الجبارين، فبايعوه وصدّقوه، وانطلق رجل من بني إسرائيل يقال له: بلعم -وكان عالمًا، يعلم الاسم الأعظم المكتوم- فكفر وأتى الجبارين، فقال:
стр. 2178
لا ترهبوا بني إسرائيل؛ فإني إذا خرجتم تقاتلونهم أدعُو عليهم دعوة فيهلِكون؛ فكان عندهم فيما شاء من الدنيا، غيرَ أنه كان لا يستطيع أن يأتيَ النساء من عظمهنّ، فكان ينكح أتانًا له، وهو الذي يقول الله : ﴿وَاتْلُ عَلَيهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَينَاهُ آيَاتِنَا﴾ أي: فبصر ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوين﴾ إلى قوله: ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾، فكان بلعم يلهث كما يلهث الكلب، فخرج يوشع يقاتل الجبارين في الناس، وخرج بلعم مع الجبارين على أتانه، وهو يريد أن يلعَن بني إسرائيل، فكلّما أراد أن يدعُوَ علي بني إسرائيل جاء على الجبارين، فقال الجبارون: إنك إنما تدعو علينا، فيقول: إنما أردت بني إسرائيل، فلما بلغ بابَ المدينة أخذَ ملَك بذنَب الأتان فأمسكها، وجعل يحرّكها فلا تتحرك، فلما أكثر ضرْبها تكلّمت، فقالت: أنت تنكحني بالليل وتركبني بالنهار! ويلي منك! ولو أنِّي أطقت الخروجَ لخرجت بك؛ ولكن هذا الملك يحبِسني، فقاتلهم يوشع يوم الجمعة قتالًا شديدًا حتى أمسوْا وغربت الشمس، ودخل السبت، فدعا الله فقال للشمس: إنك في طاعة الله وأنا في طاعة الله، اللهمّ اردد عليَّ الشمس، فردت عليه الشمس، فزيد له في النهار يومئذ ساعة، فهزم الجبارين واقتحموا عليهم يقتلونهم، فكانت العصابة من بني إسرائيل يجتمعون على عنق الرجل يضربونها لا يقطعونها. وجمعوا غنائمهم، وأمرهم يوشع أن يقرِّبوا الغنيمة فقرَّبوها، فلم تزل النار تأكلها، فقال يوشع: يا بني إسرائيل إن لله عندكم طِلْبة، هلمّوا فبايعوني، فبايعوه فلصقت يد رجل منهم بيده، فقال: هلمّ ما عندك! فأتاه برأس ثور من ذهب مكلّل بالياقوت والجوهر، كان قد غلّه، فجعله في القربان، وجعل الرجل معه، فجاءت النار فأكلت الرجل والقربان (١). (١: ٤٣٩/ ٤٤٠).
٦٩٥ - وأما أهل التوراة؛ فإنهم يقولون: هلك هارون وموسى في التِّيه، وإن الله أوحى إلى يوشع بعد موسى، وأمره أن يعبر الأردنّ إلى الأرض التي أعطاها بني إسرائيل، ووعدها إياهم، وأن يوشع جَدَّ في ذلك ووجّه إلى أريحا من تعرّف خبرها، ثم سار ومعه تابوت الميثاق، حتى عبَر الأردنّ، وصار له ولأصحابه فيه
стр. 2179
طريق، فأحاط بمدينة أرِيحا ستة أشهر، فلما كان السابع نفخوا في القرون، وضجّ الشعب ضجة واحدة، فسقط سور المدينة فأباحوها وأحرقوها، وما كان فيها ما خلا الذهب والفضة وآنية النحاس والحديد، فإنهم أدخلوه بيت المال. ثم إن رجلًا من بني إسرائيل غلّ شيئًا، فغضب الله عليهم وانهزموا، فجزع يوشع جزعًا شديدًا، فأوحى الله إلى يوشع أن يُقْرع بين الأسباط، ففعل حتى انتهت القُرْعة إلى الرجل الذي غلّ، فاستخرج غُلوله من بيته، فرجَمه يوشع وأحرق كلَّ ما كان له بالنار، وسمّوا الموضع باسم صاحب الغلول، وهو عاجر فالموضع إلى هذا اليوم غَوْر عاجر. ثم نهض بهم يوشع إلى ملك عابي وشعبه، فأرشدهم الله إلى حربه، وأمر يوشع أن يكمن لهم كمينًا ففعل، وغلب على عايي وصلَب ملكها على خشبة، وأحرق المدينة وقتل مِنْ أهلها اثني عشر ألفًا من الرجال والنساء، واحتال أهلُ عماق وجيعون ليوشع حتى جعل لهم أمانًا، فلما ظهر على خديعتهم دعا الله عليهم أن يكونوا حَطّابين وسقائين، فكانوا كذلك، وأن يكون بازق ملك أورشليم يتصدق، ثم أرسل ملوك الأرمانيين، وكانوا خمسة بعضهم إلى بعض، وجمعوا كلمتهم على جيعون، فاستنجد أهل جيعون يوشع، فأنجدهم وهزموا أولئك الملوك حتى حدّروهم إلى هَبْطة حَوْران، ورماهم الله بأحجار البرَد، فكان مَنْ قتله البرد أكثر ممن قتله بنو إسرائيل بالسيف، وسأل يوشع الشمسَ أن تقف والقمر أن يقوم حتى ينتقم من أعدائه قبل دخول السبت، ففعلا ذلك وهرب الخمسة ملوك فاختفوْا في غار، فأمر يوشع فَسُد بابُ الغار حتى فرغ من الانتقام من أعدائه، ثم أمر بهم فأخرجوا، فقتلهم وصلبهم ثم أنزلهم من الخشب، وطرحهم في الغار الذي كانوا فيه، وتتبّع سائر الملوك بالشام؛ فاستباح منهم أحدًا وثلاثين ملكًا، وفرق الأرض التي غلب عليها. ثم مات يوشع، فلما مات دُفن في جبل أفراييم، وقام بعده سِبْطُ يَهوذا وسبط شمعون إحرب الكنعانيين، فاستباحوا حريمهم، وقتلوا منهم عشرة آلاف بازق، وأخذوا ملك بازق فقطعوا إبهامَي يديه ورجليه، فقال عند ذلك ملك بازق: قد كان يلقط الخبز من تحت مائدتي سبعون ملكًا مُقطَّعي الأباهيم، فقد جزاني الله بصنيعي، وأدخلوا ملك بازق أورشليم، فمات بها. وحارب بنو يهوذا سائر الكنعانيين واستولوا على أرضهم، وكان عُمْر يوشع مئة سنة وستًّا وعشرين سنة. وتدبيره أمر بني إسرائيل منذ توفي موسى إلى أن تُوفي
стр. 2180
يوشع بن نون سبعًا وعشرين سنة (١). (١: ٤٤١/ ٤٤٢).
٦٩٥ / أ- وقد قيل إن أوّل مَنْ ملك من ملوك اليمن، ملِك كان لهم في عهد موسى بن عمران من حمير، يقال له: شمير بن الأملول، وهو الذي بني مدينة ظَفار باليمن، وأخرج مَنْ كان بها من العماليق، وإن شمير بن الأملول الحميريّ هذا كان من عُمّال ملك الفرس يومئذ على اليمن ونواحيها (٢). (١: ٤٤٢).
٦٩٦ - وزعم هشام بن محمد الكلبي: أن بقيةً بقيت من الكنعانيين بعد ما قَتلَ يوشع مَنْ قتل منهم، وأن إفريقيس بن قيس بن صيفيّ بن سبأ بن كعب بن زيد بن حمير بن سبأ بن يشجُب بن يعرُب بن قحطان مرّ بهم متوجهًا إلى إفريقيَة، فاحتملهم من سواحل الشام، حتى أتى بهم إفريقيَة، فافتتحها وقتل ملكها جرجيرا، وأسكنَها البقية التي كانت بقيت من الكنعانيين الذين كان احتملهم معه من سواحل الشام. قال: فهم البرابرة، قال: وإنما سُمّوا بربرًا، لأن إفريقيس قال لهم: ما أكثر بربرتكم! فسموا لذلك بربرًا، وذكر أن إفريقيس قال في ذلك من أمرهم شعرًا، وهو قوله:
بَرْبَرَتْ كنعان لمَّا سُقْتُهَا ... مِنْ أراضي الْهُلْكِ للعيشِ العَجَب
قال: وأقام من حمير في البربر صنْهاجَة وكُتامة، فهم فيهم إلى اليوم (٣). (١: ٤٤٢).
ذكر أمر قارون بن يصهر بن قاهث
٦٩٧ - وكان قارون ابنَ عم موسى ﵇. حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج عن ابن جريج، قوله: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾، قال: ابن عمه، أخي أبيه. فإنَّ: قارون بن يصفر - هكذا قال القاسم، [وإنما هو يصهر]- بن قاهث، وموسى بن عرمر بن قاهث، وعرمر بالعربية عمران؛ هكذا قال القاسم، وإنما هو عمرم (٤). (١: ٤٤٣).
стр. 2181
٦٩٨ - وأما ابن إسحاق فإنه قال ما حدثنا به ابن حميد، قال: حدثنا سلَمة عنه: تزوج يصهر بن قاهث شميت ابنة تباويت بن بركيا بن يقسان بن إبراهيم. فولدت له عمران بن يصهر وقارون بن يصهر، فقارون -على ما قال ابن إسحاق- عمّ موسى أخو أبيه لأبيه وأمه (١). (١: ٤٤٣).
وأما أهلُ العلم من سلف أمتنا ومن أهل الكتابين فعلى ما قال ابن جريج.
ذكر من حضرنا ذكره ممن قال ذلك من علمائنا الماضين:
٦٩٩ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا جابر بن نوح، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن إبراهيم في قوله: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾، قال: كان ابن عمّ موسى (٢). (١: ٤٤٣).
٧٠٠ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا عن سفيان، عن سماك بن حرب، عن إبراهيم، قال: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾، كان قارون ابنَ عمّ موسى (٣). (١: ٤٤٣).
٧٠١ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي عن سفيان، عن سماك، عن إبراهيم: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾، قال: كان ابن عمه فبغى عليه (٤). (٤٤٤: ١).
٧٠٢ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان عن سماك بن حرب، عن إبراهيم، قال: كان قارون ابنَ عم موسى (٥). (١: ٤٤٤).
٧٠٣ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبو معاوية عن ابن أبي خالد، عن إبراهيم، قال: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾، قال: كان ابنَ عمه (٦). (٤٤٤: ١).
стр. 2182
٧٠٤ - حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد عن قتادة قوله: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ كنا نحدث أنه كان ابن عمه أخي أبيه، وكان يسمى المنوّر من حسن صورته في التوارة، ولكن عدو الله نافق كما نافق السامريّ، فأهلكه البغي (١). (١: ٤٤٤).
٧٠٥ - حدثني بشر بن هلال الصواف، قال: حدثنا جعفر بن سليمان الضبعيّ عن مالك بن دينار، قال: بلَغني أنّ موسى بن عمران كان ابنَ عمّ قارون، وكان الله قد آتاه مالًا كثيرًا، كما وصفه الله ، فقال: ﴿وَآتَينَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾، يعني بقوله: ﴿لَتَنُوءُ﴾ تثقل (٢). (١: ٤٤٤).
٧٠٦ - وذكر أن مفاتيح خزائنه كانت كالذي حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير عن منصور، عن خيثمة في قوله: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ قال: نجد مكتوبًا في الإنجيل: مفاتيحُ فارون وَقْرستين بغلًا غرًّا محجّلة، ما يزيد مفتاح منها على إصبع؛ لكل مفتاح منها كنز (٣). (١: ٤٤٤).
٧٠٧ - حدثني أبو كريب، قال: حدثنا هُشَيم، قال: أخبرنا إسماعيل بن سالم، عن أبي صالح: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾، قال: كانت مفاتيح خزائنه تحمّل على أربعين بغلًا (٤). (١: ٤٤٤/ ٤٤٥).
٧٠٨ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا جابر بن نوح، قال: أخبرَنا الأعمش عن خيثمة، قال: كانت مفاتيح قارون تحمل على ستين بغلًا، كلّ مفتاح منها لباب كنزٍ معلوم، مثل الإصبع، من جلود (٥). (١: ٤٤٥).
٧٠٩ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي عن الأعمش، عن خيثمة، قال: كانت مفاتيح قارون من جلود، كلّ مفتاح مثل الإصبع، كلّ مفتاح على خزانة
стр. 2183
على حِدة، فإذا ركب حُمِلت المفاتيح على ستين بغلًا أغز محجّل (١). (١: ٤٤٥).
٧١٠ - فبغَى عدوّ الله لما أراد الله به الشقاء والبلاء على قومه بكثرة ماله. وقيل: إن بغيه عليهم كان بأن زاد عليهم في الثياب شبرًا. كذلك حدثني علي بن سعيد الكنديّ وأبو السائب وابن وكيع، قالوا: حدثنا حفص بن غياث عن ليث، عن شهر بن حَوْشب.
فوعظه قومه على ما كان من بغيه، ونهوه عنه، وأمروه بإنفاق ما أعطاه الله في سبيله والعمل فيه بطاعته، كما أخبر الله عنهم أنهم قالوا له فقال: ﴿إِذْ قَال لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ وعنى بقوله: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾: لا تَنْس في دنياك أن تأخذ نصيبك فيها لآخرتك، فكان جوابُه إياهم جهلًا منه، واغترارًا بحلم الله عنه، ما ذكر الله تعالى في كتابه أن قال لهم: إنما أوتيتُ ما أوتيتُ من هذه الدنيا على علم عندي فقيل: معنى ذلك: على خير عندي، كذلك رُوي ذلك عن قتادة (٢). (١: ٤٤٥).
٧١١ - وقال غيره: عنى بذلك: لولا رضاء الله عني ومعرفته بفضلي ما أعطاني هذا، قال الله مكذبًا قيله: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾ للأموال. ولو كان الله إنما يُعطي الأموال والدنيا مَنْ يعطيه إياها لرضاه عنه، وفضله عنده؛ لم يهلك مَنْ أهلك من أرباب الأموال الكثيرة قبله، مع كثرة ما كان أعطاهم منها. فلم يردْعه عن جهله، وبغيه على قومه بكثرة مالِه عظةُ من وعظه، وتذكير مَنْ ذكَّره بالله ونصيحته إياه؛ ولكنه تمادى في غيه وخسارته، حتى خرج على قومه في زينته راكبًا بِرْذَوْنًا أبيضَ مسرجًا بسرج الأرجُوان، قد لبس ثيابًا معصفرة، قد حمل معه من الجواري بمثل هيئته وزينته على مثل بِرْذَوْنه ثلاثمئة جارية وأربعة آلاف من أصحابه.
стр. 2184
وقال بعضهم: كان الذين حملهم على مثل هيئته وزينته من أصحابه سبعين ألفًا (١). (١: ٤٤٦).
٧١٢ - حدثنا ابن وكِيع، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر عن عثمان بن الأسود، عن مجاهد: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾، قال: على براذين بيض، عليها سروج الأرجوان، عليهم المعصفرة. فتمنى أهل الخسار من الذين خرج عليهم في زينته مثلَ الذي أوتيه، فقالوا: ﴿يَاليتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾، فأنكر ذلك من قوله عليهم أهلُ العلم بالله فقالوا لهم: ويلكم أيها المتمنّون مثلَ ما أوتي قارون! اتقوا الله، واعملوا بما أمركم الله به، وانتهوا عما نهاكم عنه، فإن ثوابَ الله وجزاءه أهل طاعته خيرٌ لمن آمن به وبرسله، وعمِل بما أمره به من صالح الأعمال، يقول الله: ﴿وَلَا يُلَقَّاهَا إلا الصَّابِرُونَ﴾، يقول: لا يلقى مثل هذه الكلمة إلا الذين صبروا عن طلب زينة الحياة الدنيا، وآثروا جزيلَ ثواب الله على صالح الأعمال على لذات الدنيا وشهواتها، فعملوا له بما يوجب لهم ذلك (٢). (١: ٤٤٦).
٧١٢ / أ- فلما عتا الخبيث وتمادى في غيّه، وبطر نعمة ربه؛ ابتلاه الله من الفريضة في ماله والحق الذي ألزمه فيه ما ساق إليه شحّه به أليم عقابه، وصار به عبرة للغابرين وعظة للباقين (٣). (١: ٤٤٧).
٧١٣ - فحدثنا أبو كريب، قال: حدثنا جابر بن نوح، قال: أخبرنا الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس، قال: لما نزلت الزكاة أتى قارونُ موسى فصالحه عن كلّ ألف دينار دينارًا، وعلى كلِّ ألف درهم درهمًا، وعلى كلِّ ألف شيء شيئًا، أو قال: وكلّ ألف شاة شاةً -قال أبو جعفر الطبريّ: أنا أشك- قال: ثم أتى بيته فحسبه فوجده كثيرًا فجمع بني إسرائيل، فقال: يا بني إسرائيل، إن موسى قد أمرَكم بكل شيء فأطعتموه، وهو الآن يريد أن يأخذ أموالكُم. فقالوا له: أنت كبيرُنا وسيدنا، فمرْنا بما
стр. 2185
شئت، فقال: آمركم أن تَجيؤوا بفلانة البغيّ فتجعلوا لها جُعلًا فتقذفه بنفسها. فدعوْها فجعلوا لها جُعلًا على أن تقذفه بنفسها، ثم أتى موسى فقال: إنّ قومك قد اجتمعوا لتأمرهم وتنهاهم، فخرج إليهم وهم في بَراح من الأرض، فقال: يا بني إسرائيل، مَنْ سرق قطْعنا يده، ومن افترى جلَدناه ثمانين، ومن زنى وليس له امرأة جلدناه مئة، ومن زنى وله امرأة جلدناه حتى يموت -أو قال: رجمناه حتى يموت- قال أبو جعفر أنا أشك -فقال له قارون: وإن كنت أنت؟ قال: وإن كنت أنا. قال: وإن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة، فقال: ادعُوها، فإن قالت فهو كما قالت، فلما أن جاءت قال لها موسى: يا فلانة، قالت: لبيك! قال: أنا فعلت بك ما يقول هؤلاء؟ قالت: لا، وكذبوا، ولكن جعلوا إليّ جُعلًا على أن أقذفَك بنفسي، فوثب فسجد وهو بينهم، فأوحى إليه: مُر الأرض بما شئتَ، قال: يا أرض خذِيهم! فأخذتهم إلى أقدامهم، ثم قال: يا أرض خُذيهم! فأخذتهم إلى ركبهم، ثم قال: يا أرض خذيهم! فأخذتهم إلى أعناقهم، قال: فجعلوا يقولون: يا موسى، ويتضرّعون إليه، قال: يا أرض خذيهم! فأطبقت عليهم، فأوحى الله إليه: [يا موسى] يقول لك عبادي: يا موسى يا موسى، فلا ترحمهم، أما لو إياي دعْوا لوجدوني قريبًا مجيبًا، قال: فذلك قوله: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾، وكانت زينته أنه خرج على دوابّ شُقْر عليها سروج أرجوان، عليها ثياب مصبّغة بالبَهرمان، ﴿قَال الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَاليتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾ إلى قوله: لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾. يا محمد! ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١). (١: ٤٤٧/ ٤٤٨).
٧١٤ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا يحيى بن عيسى عن الأعمش، عن المنهال، عن رجل، عن ابن عباس بنحوه، وزادني فيه: قال: فأصاب بني إسرائيل بعد ذلك شدة وجوع شديد، فأتوْا موسى فقالوا: ادع لنا ربك، قال:
стр. 2186
فدعا لهم فأوحي الله إليه: يا موسى! أتكلمني في قوم قد أظلم ما بيني وبينهم من خطاياهم، وقد دعوك فلم تجبهم أما لو إياي دعوا لأجبتهم (١). (١: ٤٤٨).
٧١٥ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا عليّ بن هاشم ابن البريد عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾، قال: كان ابن عمه، وكان موسى يقضي في ناحية بني إسرائيل وقارون في ناحية، قال: فدعا بغيّة كانت في بني إسرائيل، فجعل لها جُعلًا علي أن ترميَ موسى بنفسها، فتركه، حتى إذا كان يوم يجتمع فيه بنو إسرائيل إلي موسى أتاه قارون فقال: يا موسى! ما حدُّ مَنْ سرق؟ قال: أن تقطع يده، قال: فإن كنتَ أنت؟ قال: نعم، قال: فما حدّ من زَني؟ قال: أن يُرجم، قال: وإن كنت أنت؟ قال: نعم، قال: فإنك قد فعلت، قال: ويلك! بمن؟ قال: بفلانة، فدعاها موسى، فقال: أنشدُك بالذي أنزل التوراة، أصدَق قارون؟ قالت: اللهمّ إذْ نشدتني، فإني أشهد أنك بَريء، وأنّك رسولُ الله، وأن عدّو الله قارون جعلَ لي جُعْلًا علي أن أرميَك بنفسي! قال: فَوثب موسى فخرَّ ساجدًا، فأوحي الله إليه أن ارفع رأسك فقد أمرت الأرضَ أن تطيعك، فقال موسى: خذيهم، فأخذتهم حتى بلغوا الحَقْو، قال؛ يا موسى، قال: خذيهم فأخذتْهُم حتى بلغوا الصدور، قال: يا موسى، قال: خذيهم، قال: فذهبوا، قال: فأوحي الله إليه: يا موسى، استغاث بك فلم تُغثه، أما لو استغاثَ بي، لأجبتُه ولأغثته (٢). (١: ٤٤٨/ ٤٤٩).
٧١٦ - حدثنا بشر بن هلال الصّواف، قال: حدثنا جعفر بن سليمان الضبعيّ، قال: حدثنا علي بن زيد بن جُدْعان، قال: خرج عبد الله بن الحارث من الدار، ودخل المقصورة فلما خرج منها جلس وتساند عليها وجلسنا إليه، فذكر سليمان بن داود و ﴿قَال يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ إلي قوله: ﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾. قال: ثم سكت عن حديث سليمان، فقال: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيهِمْ﴾، وكان قد أوتِيَ من الكنوز مما ذكره الله في كتابه: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾. فـ ﴿قَال إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾
стр. 2187
قال: وعاد موسى وكان مؤذيًا له، فكانَ موسى يصفح عنه، ويعفو للقرابة حتى بني دارًا، وجعل بابَ داره منْ ذهب، وضرب علي جدر داره صفائح الذهب، وكان الملأ من بني إسرائيل يغدون عليه ويروحون، فيطعمهم الطعام ويحدثونه ويضحكونه، فلم تدعه شقوته والبلاء حتى أرسل إلي امرأة من بني إسرائيل مشهورة بالخنا مشهورة بالسب، فجاءت قال لها: هل لك أن أموّلك وأعطيَك وأخلِطَك بنسائي، علي أن تأتيني والملأ من بني إسرائيل عندي فتقوله: يا قارون ألا تنهي عنّي موسى! قالت: بلى! فلما جلس قارون، وجاءه الملأ من بني إسرائيل أرسل إليها فجاءت، فقامت بين يديه، فقلب الله قلبها، وأحدَث لها تَوْبة، فقالت في نفسها: لا أجد اليومَ توبةً أفضلَ من ألّا أوذي رسول الله وأعذب عدو الله، فقالت: إن قارون قال لي: هل لكِ أن أمولك وأعطيَك وأخلِطك بنسائي علي أن تأتيني والملأ من بني إسرائيل عندي، فتقوله: يا قارون! ألا تنهي عني موسى! فلم أجد توبةَ أفضلَ من ألّا أوذي رسولَ الله، وأعذب عدوّ الله. فلما تكلمت بهذا الكلام سُقط في يدي قارون، ونكس رأسه، وسكت عن الملإ، وعرف أنه قد وقع في هلَكة، فشاع كلامُها في الناس، حتى بلغ موسى، فلما بلغ موسى اشتدّ غضبهُ فتوضأ من الماء وصلي وبكي، وقال: يا ربّ! عدوك لي مؤذٍ، أراد فضيحتي وشيني، يا ربّ! سلطني عليه. فأوحي الله إليه أن مر الأرض بما شئت تطعك، فجاء موسى إلي قارون، فلما دخل عليه عرف الشر في وجه موسى له، فقال له: يا موسى ارحمني، قال: يا أرض خذيهم! قال: فاضطربت داره، وساخت بقارون وأصحابه إلي الكعبين، وجعل يقول: يا موسى ارحمني! قال: يا أرض خذيهم! فاضطربت دارُه وساخت، وخُسِف بقارون وأصحابه إلي ركبهم وهو يتضرع إلي موسى: يا موسى، ارحمني! قال: يا أرض خذيهم! فاضطربت داره، وساخت وخسف بقارون وأصحابه إلي سررهم، وهو يتضرع إلي موسى: يا موسى، ارحمني! قال: يا أرضُ خُذِيهم! فخسف به وبداره وأصحابه، قال: وقيل لموسي: يا موسى ما أفظك! أما وعزّتي لو إياي نادي؛ لأجبتُه (١). (١: ٤٤٩/ ٤٥٠).
٧١٧ - حدثنا بشر بن هلال، قال: حدثنا جعفر بن سليمان، عن أبي عمران
стр. 2188
الجوْنيّ, قال: بلغني أنه قيل لموسي: لا أعبِّدُ الأرض لأحد بعدك أبدًا (١). (١: ٤٥٠).
٧١٨ - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد عن قتادة، ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾، ذكر لنا أنه يخسف به كلّ يوم قامة، وأنه يتجلجل فيها لا يبلغ قعرها إلي يوم القيامة (٢). (١: ٤٥٠/ ٤٥١).
٧١٩ - وروي عن النبي ﷺ ما حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: حدثنا عمي، قال: حدثني الماضي بن محمد عن أبي سليمان، عن القاسم بن محمد، عن أبي إدريس الخْولانيّ، عن أبي ذّر، قال: قال رسول الله ﷺ : "أول أنبياء بني إسرائيل موسى وآخرهم عيسى".
قال: قلت: يا رسولَ الله! ما كان في صحف موسى؟ قال: كانت عِبرًا كلّها، عجبت لمن أيقَنْ بالنار ثم يضحك، عجبت لمن أيقن بالموت ثم يفرح، عجبت لمن أيقنَ بالحساب غدًا ثم لم يعمل!
وكان تدبير يوشع أمر بني إسرائيل من لدن مات موسى، إلي أن توفي يوشع، كله في زمان منوشهر عشرين سنة، وفي زمان فَراسْياب سبع سنين (٣). (١: ٤٥١/ ٤٥٢).
ذكر أمر بني إسرائيل والقوّام الذين كانوا بأمرهم بعد يوشع بن نون والأحداث التي كانت في عهد زَوّ وكَيقَبَاذ
٧١٩ / أ- ولا خلاف بين أهل العلم بأخبار الماضين وأمور الأمم السالفين من أمتِنا وغيرهم أن القيّم بأمور بني إسرائيل بعد يوشع كان كالب بن يُوفنّا، ثم حِزْقِيل بن بُوذي من بعده، وهو الذي يقال له: ابن العجوز (٤). (١: ٤٥٧).
стр. 2189
٧٢٠ - فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، قال: إنما سمي حِزقيل بن بوزِي ابن العجوز: أنها سألت الله الولد، وقد كبرت وعقِمت، فوهبه الله لها، فبذلك قيل له: ابن العجوز؛ وهو الذي دعا للقوم الذين ذكر الله في الكتاب ﵇ كما بلغنا: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ (١). (١: ٤٥٧).
٧٢١ - حدثني محمد بن سهل بن عسكر، قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم قال: حدثني عبد الصمد بن معقل: أنه سمع وهب بن منبه يقول: أصاب ناسًا من بني إسرائيل بلاءٌ وشدة من الزمان، فشكوْا ما أصابهم فقالوا: يا ليتنا قد مِتْنا فاسترحنا مما نحن فيه! فأوحي الله إلي حِزْقِيل: إنّ قومك صاحوا من البلاء، وزعموا أنهم ودُّوا لو ماتوا فاستراحوا، وأيّ راحة لهم في الموت! أيظنون أني لا أقدر علي أن أبعثَهم بعد الموت! فانطلِقْ إلي جَبّانة كذا وكذا فإن فيها أربعة آلاف -قال وهب: وهم الذين قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ - فقمْ فيهم فنادهم، وكانت عظامهم قد تفرّقت؛ فرّقتها الطير والسباع، فناداها حِزْقيل، فقال: يا أيَّتُها العظامُ النخِرة، إن الله يأمرُك أن تجتمعي. فاجتمع عظام كل إنسان منهم معًا، ثم نادي ثانية حزقيل فقال: أيتها العظام، إن الله يأمرك أن تكتسي اللحم، فاكتست اللحم، وبعد اللحم جلدًا، فكانت أجسادًا، ثم نادي حزقيل الثالثة فقال: أيتها الأرواح، إن الله يأمرك أن تعودي في أجسادك. فقاموا بإذن الله، وكبَّروا تكبيرة واحدة (٢). (١: ٤٥٧/ ٤٥٨).
٧٢٢ - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السديّ في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس -وعن مرة الهمْدَانيّ، عن ابن مسعود- وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَال لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ كانت قرية يقال لها داوَرْدان قبل واسط، فوقع بها الطاعون، فهرب
стр. 2190
عامة أهلها فنزلوا ناحية منها، فهلك أكثرُ مَن بقي في القرية وسلم الآخرون، فلم يمت منهم كثير، فلما ارتفع الطاعون رجعوا سالمين، فقال الذين بقوا: أصحابُنا هؤلاء كانوا أحزَم منا، لو صنعنا كما صنعوا بقينا! ولئن وقع الطاعون ثانية لنخرجنّ معهم. فوقع في قابل فهربوا وهم بضعة وثلاثون ألفًا، حتى نزلوا ذلك المكان، وهو واد أفيَح، فناداهم مَلَك من أسفل الوادي، وآخر من أعلاه: أن موتوا، فماتوا حتى هلكوا، وبليت أجسادهم، فمرّ بهم نبيٌّ يقال له: هِزْقيل، فلما رآهم وقف عليهم فجعل يتفكر فيهم، يَلْوي شِدقه وأصابعه، فأوحي الله إليه: يا هزقيل! أتريد أن أريك كيف أحييهم؟ قال: نعم، وإنما كان تفكُّره أنه تعجَّب من قدرة الله عليهم، فقال: نعم، فقيل له: ناد، فنادي يا أيّتها العظام، إن الله يأمرك أن تجتمعي، فجعلت العظام يطير بعضها إلي بعض؛ حتى كانت أجسادًا من عظام، ثم أوحي الله أن ناد: يا أيتها العظام؛ إن الله يأمرك أن تكتسي لحمًا فاكتست لحمًا ودمًا وثيابَها التي ماتت فيها؛ وهي عليها، ثم قيل له: ناد، فنادي: يا أيتها الأجساد، إن الله يأمرُك أن تقومي، فقاموا (١). (١: ٤٥٨).
٧٢٣ - حدثني موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، قال: فزعم منصور بن المعتمر عن مجاهد أنهم قالوا حين أحْيُوا: سبحانك ربنا وبحمدك لا إله إلا أنت؛ فرجعوا إلي قومهم أحياء يعرفون أنهم كانوا موتي، سحنةُ الموت علي وجوههم، لا يلبسون ثوبًا إلا عاد دسمًا مثل الكفن، حتى ماتوا لآجالهم التي كتبت لهم (٢). (١: ٤٥٩).
٧٢٤ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا حكَّام عن عنبسة، عن أشعث، عن سالم النَصْريّ، قال: بينما عمر بن الخطاب يصلي ويهوديان خلفه، وكان عمر إذا أراد أن يركع خوَّي، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: فلما انفتل عمر قال: أرأيت قولَ أحدكما لصاحبه: أهو هو؟ فقالا: إنا نجد في كتابنا قرنًا من حديد يعطَي ما أعطي حزقيل الذي أحيا الموتي بإذن الله، فقال عمر: ما نجد في كتابنا حزقيل، ولا أحيا الموتي بإذن الله إلا عيسى ابن مريم، فقالا: أما تجد في كتابُ الله ﴿وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيكَ﴾، فقال عمر: بلى، قالا وأما إحياء
стр. 2191
الموتى فسنحدّثك أن بني إسرائيل وقع فيهم الوباء، فخرج منهم قوم حتى إذا كانوا علي رأس ميل أماتهم الله، فبنوْا عليهم حائطًا، حتى إذا بليت عظامهُم بعث الله حِزْقيل فقام عليهم، فقال: ما شاء الله! فبعثهم الله له، فأنزل الله في ذلك: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ ... ﴾، الآية (١). (٤٥٩: ١).
٧٢٥ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنا محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه: أن كالب بن يوفنّا لما قبضه الله بعد يوشع، خلف فيهم -يعني في بني إسرائيل- حزِقيل بن بوذي، وهو ابن العجوز، وهو الذي دعا للقوم الذين ذكر الله في الكتاب لمحمد ﷺ كما بلغنا: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ ..... ﴾ الآية (٢). (١: ٤٦٠).
٧٢٦ - قال ابن حميد: قال سلمة: قال ابن إسحاق: فبلغني أنه كان من حديثهم أنهم خرجوا فرارًا من بعض الأوباء من الطاعون، أو من سُقم كان يصيب الناس حذرًا من الموت وهم ألوف، حتى إذا نزلوا بصعيد من البلاد قال الله لهم: موتوا، فماتوا جميعًا، فعمِد أهلُ تلك البلاد فحظروا عليهم حظيرة دون السباع، ثم تركوهم فيها، وذلك أنهم كثروا عن أن يغيَّبوا، فمرت بهم الأزمان والدهور، حتى صاروا عظامًا نخرة، فمرّ بهم حزقيل بن بوذي، فوقف عليهم، فتعجب لأمرهم، ودخلته رحمة لهم، فقيل له: أتحب أن يحييهم الله؟ فقال: نعم، فقيل له: فقل: أيتها العظام الرميم، التي قد رمَّت وبَليت! لِيرْجعْ كل عظم إلي صاحبه. فناداهم بذلك، فنظر إلي العظام تتواثب يأخذ بعضها بعضًا، ثم قيل له: قل: أيها اللحم والعَصَب والجلد، اكس العظام بإذن ربك، قال فنظر إليها والعصب يأخذ العظام، ثم اللحم والجلد والأشعار، حتى استووا خَلْقًا ليست فيهم الأرواح، ثم دعا لهم بالحياة، فتغشّاه من السماء شيء كَرَبه، حتى غُشِيَ عليه منه، ثم أفاق والقوم جلوس يقولون: سبحان الله! فقد أحياهم الله.
فلم يذكر لنا مدةُ مكْث حِزْقيل في بني إسرائيل (٣). (١: ٤٦٠).
стр. 2192
إلياس واليسع ﵉
٧٢٦ / أ- ولما قبض الله حِزْقيل كثرت الأحداث -فيما ذكر- في بني إسرائيل وتركوا عهد الله الذي عهد إليهم في التوراة، وعبدوا الأوثان، فبعث الله إليهم فيما قيل: إلياس بن ياسين بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران (١). (١: ٤٦١).
٧٢٧ - فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق: ثم إن الله قبض حزقيل، وعظمت في بني إسرائيل الأحداث، ونَسُوا ما كان من عهدِ الله إليهم، حتى نصبوا الأوثان وعبدوها من دون الله، فبعث الله إليهم إلياس بن ياسيِن بن فِنْحاص بن العيزار بن هارون بن عمران نبيًّا؛ وإنما كانت الأنبياء من بني إسرائيل بعد موسى يُبعَثون إليهم بتجديد ما نسُوا من التوراة. فكان إلياسُ مع ملِك من ملوك بني إسرائيل يقال له: أحاب، وكان اسم امرأته: أزبل، وكان يسمع منه ويصدّقه، وكان إلياس يقيم له أمرَه، وكان سائر بني إسرائيل قد اتخذوا صنمًا يعبدونه من دون الله، يقال له: بَعْلِ. قال ابن إسحاق: وقد سمعت بعض أهل العلم يقول: ما كان بعْل إلا امرأة يعبدونها من دون الله يقول الله لمحمد ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قَال لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ﴾ - إلي قوله: ﴿اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ - فجعل إلياس يدعوهم إلي الله، وجعلوا لا يسمعون منه شيئًا إلا ما كان من ذلك الملك، والملوك متفرقة بالشأم؛ كل ملك له ناحية منها يأكلها، فقال ذلك الملِك، الذي كان إلياس معه، يقوم له بأمره، ويراه علي هدي من بين أصحابه يومًا يا إلياس، والله ما أري ما تدعو إليه إلا باطلًا، والله ما أري فلانًا وفلانًا فعدّ ملوكًا من ملوك بني إسرائيل قد عبدوا الأوثان من دون الله إلّا علي مثل ما نحن عليه، يأكلون ويشربون ويتنعمون، مملَّكين، ما ينقص دنياهم أمرهم الذي تزعم أنه باطل، وما نري لنا عليهم من فضل.
فيزعمون -والله أعلم-: أن إلياس استرجع وقام شعرُ رأسه وجلده، ثم رفضه وخرج عنه ففعل ذلك الملك فعل أصحابه؛ عَبَدَ الأوثان، وصنع ما يصنعون.
стр. 2193
فقال إلياس: اللهمّ إن بني إسرائيل قد أبوْا إلا الكفر بك، والعبادة لغيرك، فغيِّر ما بهم من نعمتك. أو كما قال (١). (١: ٤٦١/ ٤٦٢).
٧٢٨ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: ذكر لي: أنه أوحي إليه: إنّا قد جعلنا أمر أرزاقهم بيدك وإليك؛ حتى تكون أنت الذي تأمر في ذلك. فقال إلياس: اللهمّ فأمسِكْ عنهم المطر! فحبس عنهم ثلاث سنين حتى هلَكت الماشية والدوابّ والهوامّ والشجر، وجَهِد الناس جهدًا شديدًا.
وكان إلياس -فيما يذكرون- حين دعا بذلك علي بني إسرائيل قد استخفي شفقًا علي نفسهِ منهم، وكان حيث ما كان وضع له رزق، فكانوا إذا وجدوا ريح الخبز في دار أو بيت قالوا: لقد دخل إلياس هذا المكان، فطلبوه، ولقي أهل ذلك المنزل منهم شرًّا. ثم إنه أوي ليلة إلي امرأة من بني إسرائيل، لها ابن يقال له: اليسع بن أخطوب، به ضُرٌّ، فآوته وأخفت أمرَه، فدعا إلياس لابنها فعوفي من الضُّرِّ الذي كان به، واتبعه اليسع فآمن به وصدّقه ولزمه، فكان يذهب معه حيثما ذهب، وكان إلياس قد أسنّ وكِبر، وكان اليسع غلامًا شابًّا. فيزعمون -والله أعلم-: أن الله أوحي إلي إلياس: إنك قد أهلكت كثيرًا من الخلق ممن لم يعصِ، سوى بني إسرائيل ممن لم أكن أريد هلاكه بخطايا بني إسرائيل من البهائم والدوابّ والطير والهوامّ والشجر، بحبس المطر عن بني إسرائيل. فيزعمون -والله أعلم-: أن إلياس قال: أي ربّ! دعني أكن أنا الذي أدعو لهم به، وأكن أنا الذي آتيهم بالفرج مما هم فيه من البلاء الذي أصابهم، لعلهم أن يرجعوا وينزعوا عما هم عليه من عبادة غيرك. قيل له: نعم، فجاء إلياس إلي بني إسرائيل، فقال لهم: إنكم قد هلكتم جهدًا، وهلكت البهائم والدوابّ والطير والهوام والشجر بخطاياكم، وأنكيم علي باطل وغرور -أو كما قال لهم- فإنْ كنتم تحبُّون أن تعلموا ذلك وتعلموا أن الله عليكم ساخط فيما أنتم عليه، وأن الذي أدعوكم إليه الحق، فاخرجوا بأصنامكم هذه التي تعبدون وتزعمون أنها خير مما أدعوكم إليه، فإن استجابت لكم؛ فذلك كما تقولون، وإن هي لم تفعل؛ علمتم أنكم علي باطل فنزعتم، ودعوت الله ففرّج عنكم ما أنتم فيه من البلاء. قالوا:
стр. 2194
أنصفت، فخرجوا بأوثانهم وما يتقربون به إلي الله من أحداثهم التي لا يرضي، فدعوْها فلم تستجب لهم، ولم تفرّج عنهم ما كانوا فيه من البلاء، حتى عرفوا ما هم فيه من الضلالة والباطل، ثم قالوا لإلياس: يا إلياس! إنا قد هلكنا، فادع الله لنا، فدعا لهم إلياس بالفرج مما هم فيه، وأن يُسْقَوْا، فخرجت سحابة مثل الترس بإذن الله علي ظهر البحر، وهم ينظرون، ثم ترامي إليه السحاب، ثم أدجنت، ثم أرسل الله المطر فأغاثهم، فحييت بلادُهم، وفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء، فلم ينزعوا ولم يرجعوا وأقاموا علي أخبث ما كانوا عليه. فلما رأي ذلك إلياس من كفرهم؛ دعا ربَّه أن يقبِضه إليه فيريحَه منهم، فقيل له -فيما يزعمون: انظر يوم كذا وكذا فاخرج فيه إلي بلد كذا وكذا، فما جاءك من شيء فاركبه ولا تهبه، فخرج إلياس، وخرج معه اليسع بن أخطوب حتى إذا كان بالبلد الذي ذكر له في المكان الذي أمر به أقبل فرسٌ من نار، حتى وقف بين يديه فوثب عليه، فانطلق به فناداه اليسع: يا إلياس! يا إلياس! ما تأمرني؟ فكان آخر عهدهم به، فكساه الله الريش وألبسه النور، وقطع عنه لذة المطعم، والمشرب، وطار في الملائكة، فكان إنسيّا مَلكيًّا أرضيًّا سمائيًّا (١). (١: ٤٦٢/ ٤٦٣).
٧٢٩ - ثم قام بعد إلياس بأمر بني إسرائيل -فيما حدثنا ابن حُميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، قال: كما ذكر لي عن وهب بن منبّه قال: ثم نبِّيء فيهم -يعني: في بني إسرائيل- بعده يعني [بعد] إلياس- اليسع، فكان فيهم ما شاء الله أن يكون، ثم قبضه الله إليه، وخلفت فيهم الخُلوف، وعظمت فيهم الخطايا، وعندهم التابوت يتوارثونه كابرًا عن كابر، فيه السكينة وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون، فكانوا لا يلقاهم عدوٌّ فيقدّمون التابوت ويزحفون به معهم إلا هزم الله ذلك العدو.
والسكينة فيما ذكر ابن إسحاق عن وهب بن منبه، عن بعض أهل العلم من بني إسرائيل رأسُ هرة ميتة، فإذا صَرَخت في التابوت بصراخ هرّ أيقنوا بالنصر، وجاءهم الفتح.
ثم خلف فيهم ملِك يقال له: إيلاف، وكان الله قد بارك لهم في جبلهم من
стр. 2195
إيليا، لا يدخله عليهم عدو، ولا يحتاجون معه إلي غيره، فكان أحدهم -فيما يذكرون- يجمع التراب علي الصخرة، ثم ينبذ فيه الحبّ، فيخرج الله له ما يأكل [منه] سنة وهو وعياله، ويكون لأحدهم الزيتونة فيعتصر منها ما يأكل؛ هو وعيالُه سنة، فلما عظمت أحداثهم، وتركوا عهَد الله إليهم؛ نزل بهم عدوّ فخرجوا إليه وأخرجوا التابوت كما كانوا يخرجونه، ثم زحفوا به فقوتلوا حتى اسْتُلِب من أيديهم، فأتي ملكهم إيلاف، فأخبر أن التابوت قد أخذ واستلب، فمالت عنقه فمات كمدًا عليه، فمرج أمرهم بينهم واختلف ووطئهم عدوهم حتى أصيب من أبنائهم ونسائهم، فمكثوا علي اضطراب من أمرِهم، واختلاف من أحوالهم يتمادوْن أحيانًا في غيهم وضلالهم، فسلط الله عليهم مَنْ ينتقم به منهم، ويراجعون التوبة أحيانًا فيكفيهم الله [عند ذلك] شر مَنْ بَغَاهم سوءًا؛ حتى بعث الله فيهم طالوت ملكًا، وردَّ عليهم تابوت الميثاق (١). (١: ٤٦٤).
٧٢٩ / أ- وكانت مدة ما بين وفاة يوشع بن نون- التي كان أمْر بني إسرائيل في بعضها إلي القضاة منهم والساسة، وفي بعضها إلي غيرهم ممن يقْهرهم فيتملّك عليهم من غيرهم إلي أن ثبت الملك فيهم، ورجعت النبوة إليهم بشمويل بن بالي أربعمئة سنة وستين سنة. فكان أولَ من سُلِّط عليهم فيما قيل رجل من نسل لوط، يقال له: كوشان، فقهرهم وأذلهم ثمانيَ سنين، ثم تنقّذهم من يده أخ لكالب الأصغر يقال له: عتنيل بن قيس -فقام بأمرهم فيما قيل- أربعين سنة، سُلّط عليهم ملك يقال له: جعلون فملكهم ثمانيَ عشرة سنة، ثم تنقّذهم منه -فيما قيل- رجل من سبط بنيامين يقال له: أهود بن جيرا الأشلّ اليمنى، فقام بأمرهم ثمانين سنة، ثم سلط عليهم ملك من الكنعانيين يقال له: يافين، فملكهم عشرين سنة، ثم تنقّذهم -فيما قيل- امرأة نبية من أنبيائهم يقال لها: دبورا فدبر أمرهم -فيما قيل- رجل من قِبلها يقال له: باراق أربعين سنة، ثم سُلط عليهم قوم من نسل لوط كانت منازلهم في تخوم الحجاز فملكوهم سبع سنين، ثم تنقّذهم منهم رجل من ولد نفثالي بن يعقوب يقال له: جدعون بن يواش، فدبر أمرهم أربعين سنة، ثم دبر أمرهم من بعد جدعون ابنه أبيملك بن جدعون ثلاث سنين، ثم دبرهم من بعد أبيملك تولغ بن فوا بن خال أبيملك. وقيل: إنه ابن
стр. 2196
عمه ثلاثًا وعشرين سنة، ثم دبر أمرهم بعد تولغ رجل من بني إسرائيل يقال له: يائير اثنتين وعشرين سنة، ثم ملكهم بنو عمون، وهم قوم من أهل فلسطين ثمانيَ عشرة سنة، ثم قام بأمرهم رجل منهم يقال له: يفتح ست سنين، ثم دبرهم من بعده يجشون، وهو رجل من بني إسرائيل سبعَ سنين، ثم دبرهم بعده ألون عشر سنين، ثم من بعده كيرون -ويسميه بعضهم: عكرون- ثماني سنين، ثم قهرهم أهل فلسطين وملوكهم أربعين سنة، ثم وليهم شمسون وهو من بني إسرائيل عشرين سنة، ثم بقُوا بغير رئيس ولا مدبّر لأمرهم بعد شمسون -فيما قيل- عشر سنين، ثم دبر أمرهم بعد ذلك عالي الكاهن، وفي أيامه غلب أهل غزّة وعسقلان علي تابوت الميثاق، فلما مضي من وقت قيامه بأمرهم أربعين سنة؛ بعث شمويل نبيًّا فدبر شمويل أمرهم -فيما ذكر- عشر سنين. ثم سألوا شمويل حين نالهم بالذل والهوان بمعصيتهم ربهم أعداؤهم أن يبعث لهم ملِكًا يجاهدون معه في سبيل الله، فقال لهم شمويل ما قد قصّ الله في كتابه العزيز (١). (١: ٤٦٥/ ٤٦٦).
ذكر خبر شمويل بن بالي بن علقمة بن يرخام بن اليهو بن تهو بن صوف، وطالوت وجالوت
٧٣٠ - كان من خبر شمويل بن بالي: أن بني إسرائيل لما طال عليهم البلاء، وأذلتْهم الملوك من غيرهم، ووطئت بلادهم، وقتلوا رجالهم، وسبوْا ذراريّهم، وغلبوهم علي التابوت الذي فيه السكينة والبقية مما ترك آل موسى وآل هارون، وبه كانوا ينصرون إذا لقوا العدو، ورغبوا إلي الله في أن يبعث لهم نبيًّا يقيم أمرهم (٢). (١: ٤٦٧).
٧٣٠ / أ- فحدثني موسى بن هارون الهمداني، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط عن السدّي في خبر ذكره عن أبي مالك وأبي صالح عن ابن عباس -وعن مرة عن ابن مسعود- وعن ناس من أصحاب رسول الله ﷺ : كانت بنو إسرائيل يقاتلون العمالقة، وكان ملك العمالقة جالوت، وأنهم ظهروا علي
стр. 2197
بني إسرائيل فضربوا عليهم الجزية، وأخذوا توراتَهم، فكانت بنو إسرائيل يسألون الله أن يبعث لهم نبيًّا يقاتلون معه، وكان سِبْط النبوّة قد هلكوا، فلم يبق منهم إلا امرأة حُبْلي فأخذوها فحبسوها في بيت، رهبة أن تلد جارية فتبدِله بغلام، لما تري من رغبة بني إسرائيل في ولدها، فجعلت المرأة تدعو الله أن يرزقَها غلامًا، فولدت غلامًا فسمته سمعون، تقول: الله سمع دعائي. فكبر الغلام، فأسلمته يتعلّم التوراة في بيت المقدس، وكفَله شيخ من علمائهم، وتبنّاه، فلما بلغ الغلام أن يبعثه الله نبيًّا، أتاه جبريل والغلام نائم إلي جنب الشيخ، وكان لا يأمن عليه أحدًا غَيره فدعاه بلحن الشيخ: يا شمويل، فقام الغلام فزعًا إلي الشيخ، فقال: يا أبتاه! دعوتني؟ فكره الشيخ أن يقول: لا فيفزع الغلام، فقال: يا بنيّ، ارجع فنم، فرجع الغلام فنام. ثم دعاه الثانية فلباه الغلام أيضًا، فقال: دعوتني؟ فقال: ارجع فنم، فإن دعوتك الثالثة فلا تجبني، فلما كانت الثالثة ظهر له جبرئيل ﵇ فقال: اذهب إلي قومك فبلّغهم رسالة ربك، فإن الله قد بعثك فيهم نبيًّا. فلما أتاهم، كذبوه وقالوا: استعجلت بالنبوّة، ولم يألك، وقالوا: إن كنت صادقًا فـ ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، آية من نبوتك، قال لهم سمعون: ﴿إِنْ كُتِبَ عَلَيكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾.
﴿قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ بأداء الجزية، فدعا الله فأتي بعصًا، تكون مقدارًا علي طول الرجل الذي يُبعث فيهم ملكًا، فقال: إن صاحبكم يكون طوله طولَ هذه العصا، فقاسوا أنفسَهم بها، فلم يكونوا مثلَها، وكان طالوت رجلًا سقَّاء يستقِي علي حمار له، فضلَّ حمارُه، فانطلق يطلبه في الطريق، فلما رأوه دعوه فقاسوه بها فكان مثلها؛ وقال لهم نبيهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ قال القوم: ما كنتَ قطّ أكذبَ منك الساعة، ونحن من سِبْط المملكة، وليس هو من سِبْط المملكة، ولم يؤتَ أيضًا سعةً من المال فنتبعه لذلك، فقال النبي: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾، فقالوا: فإن كنت صادقًا فأتنا بآية أنّ هذا ملِك، قال: ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾.
والسكينة: طِسْت من ذهب يُغسل فيها قلوب الأنبياء، أعطاها الله موسى،
стр. 2198
وفيها وضع الألواح، وكانت الألواح -فيما بلغنا- من درّ وياقوت وزبرجد، وأما البقية فإنها عصا موسى ورَضاضة الألواح، فأصبح التابوت وما فيه في دار طالوت، فآمنوا بنبوّة سمعون، وسلّموا الملك لطالوت (١). (١: ٤٦٧/ ٤٦٨).
٧٣١ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: جاءت الملائكة بالتابوت تحمله بين السماء والأرض، وهم ينظرون إليه حتى وضعتْه عند طالوت (٢). (١: ٤٦٩).
٧٣٢ - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: نزلت الملائكة بالتابوت نهارًا ينظرون إليه عيانًا، حتى وضعوه بين أظهرهم، قال: فأقرُّوا غيرَ راضين، وخرجوا ساخطين (٣). (١: ٤٦٩).
٧٣٣ - رجع الحديث إلي حديث السدّي: فخرجوا معه وهم ثمانون ألفًا، وكان جَالوت مِن أعظم الناس وأشدِّهم بأسًا، يخرج يسير بين يدي الجند، ولا يجتمع إليه أصحابه حتى يهزم هو مَنْ لقي، فلما خرجوا قال لهم طالوت: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ وهو نهر فلسطين، فشربوا منه هيبةً من جالوت، فعَبر معه منهم أربعة آلاف ورجَع ستة وسبعون ألفًا، فمن شرب منه عطِش، ومن لم يشرب منه إلا غرفة روي، ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾، فنظروا إلي جالوت رجعوا أيضًا و ﴿قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَال الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ﴾ قالوا: ﴿قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَال الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ﴾، الذين يستيقنون ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. فرجع عنه أيضًا ثلاثة آلاف وستمئة وبضعة وثمانون، وخلص في ثلاثمئة وتسعة عشرة عدة أهل بدر (٤). (١: ٤٦٩).
٧٣٤ - حدثني المثني، قال: حدثنا إسحاق بن الحجاج، قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدثني عبد الصمد بن معقل: أنه سمع وهب بن
стр. 2199
منبه يقول: كان لعيلي الذي ربي شمويل ابنان شابان، أحدثا في القُرْبان شيئًا لم يكن فيه كان مِسْوَط القُربان الذي كانوا يسوطونه به كلّابَين، فما أخرجا كان للكاهن الذي يَسُوطه، فجعله ابناه كلاليب، وكانا إذا جاءت النساء يصلِّين في القدس يتشبثان بهنّ. فبينما أشمويل نائم قبل البيت الذي كان ينام فيه عيلي إذ سمع صوتًا يقول: أشمويل! فوثب إلي عيلي فقال: لبيك، فقال: ما لك دعوتني؟ قال: لا! ارجع، فنم. فنام، ثم سمع صوتًا آخر يقول: أشمويل! فوثب إلي عيلي أيضًا، فقال: لبيك؛ ما لك دعوتني؟ ! فقال: لم أفعل، ارجع فنم، فإن سمعت شيئًا فقل: "لبيك" مكانك "مرْني فأفعل"، فرجع فنام فسمع صوتًا أيضًا يقول: أشمويل، فقال: لبيك، أنا هذا فمرني أفعل، قال: انطلق إلي عيلي، فقل له: منعه حُبّ الولد من أن يزجُر ابنيه أن يُحدثا في قدسي وقُرباني، وأن يَعصياني، فلأنزعنّ منه الكهانة ومن ولده، ولأهلكنّه وإياهما، فلما أصبح سأله عيلي فأخبره، ففِزع لذلك فزعًا شديدًا، فسار إليهم عدوّ ممن حوله فأمر ابنيه أن يخرجا بالناس، ويقاتلا ذلك العدو، فخرجا وأخرجا معهم التابوت الذي فيه الألواح وعصا موسى لينتصروا به. فلما تهيؤوا للقتال هم وعدوهم جعل عيلي يتوقع الخبر: ماذا صنعوا؟ فجاءه رجل يخبره وهو قاعد علي كرسيه: أنّ ابنْيك قد قتلا، وأن الناس قد انهزموا، قال: فما فعل التابوت؟ قال: ذهب به العدو قال فشهق ووقع علي قفاه من كرسيه فمات، وذهب الذين سَبَوُا التابوت حتى وضعوه في بيت آلهتهم، ولهم صنم يعبدونه، فوضعوه تحت الصنم والصنم من فوقه، فأصبح من الغد الصنم تحته، وهو فوق الصنم، ثم أخذوه فوضعوه فوقه، وسمَّروا قدميه في التابوت، فأصبح من الغد قد قطعِت يد الصنم ورجلاه، وأصبح ملقيً تحت التابوت، فقال بعضهم لبعض: أليس قد علمتم أن إله بني إسرائيل لا يقوم له شيء! فأخرجوه من بيت آلهتكم. فأخرجوا التابوت فوضعوه في ناحية من قريتهم، فأخذ أهل تلك الناحيةَ التي وضعوا فيها التابوتَ وَجعٌ في أعناقهم، فقالوا: ما هذا؟ فقالت لهم جارية كانت عندهم من سني بني إسرائيل: لا تزالون تروْن ما تكرهون! ما كان هذا التابوت فيكم، فأخرجوه من قريتكم. قالوا: كذبت، قالت: إن آية ذلك أن تأتوا ببقرتين، لهما أولاد لم يوضع عليهما نِيرٌ قطّ، ثم تضعوا وراءهما العجل، ثم تضعوا التابوت علي العجل وتسيّروهما وتحبسوا أولادهما، فإنهما تنطلقان به مذعنتين، حتى إذا خرجتا من أرضكم
стр. 2200
ووقعتا في أدني أرض بني إسرائيل كسرتا نِيَرهما، وأقبلتا إلي أولادهما، ففعلوا ذلك، فلما خرجتا من أرضهم، ووقعتا في أدني أرض بني إسرائيل، كسرتا نِيرهما وأقبلتا إلي أولادهما، ووضعتاه في خربة فيها حصاد من بني إسرائيل، ففزع إليه بنو إسرائيل، وأقبلوا إليه فجعل لا يدنو منه أحد إلا مات، فقال لهم نبيهم أشمويل اعترضوا، فمن آنس من نفسه قوة فليدنُ منه، فعرضوا عليه الناس، فلم يقدرْ أحد علي أنْ يدنوَ منه؛ إلا رجلان من بني إسرائيل، أذن لهما بأنْ يحملاه إلي بيت أمهما، وهي أرملة، فكان في بيت أمهما، حتى مَلك طالوت، فصلُح أمر بني إسرائيل مع أشمويل. فقالت بنو إسرائيل لأشمويل: ابعث لنا ملكًا نقاتل في سبيل الله، قال: قد كفاكم الله القتال، قالوا إنا نتخوّفُ مَنْ حولنا، فيكون لنا ملك نفزع إليه، فأوحي الله إلي أشمويل: أن ابعثْ لهم طالوت ملكًا وادهُنه بدهن القدس، فضلت حمر لأبي طالوت، فأرسله وغلامًا له يطلبانها فجاءا إلي أشمويل يسألانه عنها، فقال: إنّ الله قد بعثكَ ملكًا علي بني إسرائيل، قال: أنا! قال: نعم، قال: أو ما علمت أن سبطي أدني أسباط بني إسرائيل؟ قال: بلى! قال: أفما علمت أنّ قبيلتي أدني قبائل سِبْطي؟ قال: بلى! قال: أما علمت أن بيتي أدني بيوت قبيلتي؟ قال: بلى! قال: فبأية آية؟ قال: بآية أنك ترجع وقد وجد أبوك حُمرَه، وإذا كنت في مكان كذا وكذا نزل عليك الوحي. فدهنَه بدُهْن القدس، وقال لبني إسرائيل: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَينَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَال إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ (١). (١: ٤٦٩/ ٤٧٠ / ٤٧١/ ٤٧٢).
٧٣٥ - رجع الحديث إلي حديث السديّ: ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَينَا صَبْرًا﴾ فعبَر يومئذ أبو داود فيمنْ عَبر في ثلاثة عشر ابنًا له، وكان داود أصغَر بنيه وإنه أتاه ذات يوم فقال: يا أبتاه! ما أرمي بقذّافتي شيئًا إلا صرعته، قال: أبشرْ يا بني! إن الله قد جعل رزقك في قَذّافتك، ثم أتاه مرة أخرى فقال: يا أبتاه لقد دخلت بين الجبال فوجدت أسدًا رابضًا فركبت عليه وأخذت بأذنيه فلم يهجني، فقال: أبشر يا بني! فإن هذا خيرٌ يعطيكه الله، ثم
стр. 2201
أتاه يومًا آخر، فقال: يا أبتاه إني لأمشي بين الجبال فأسبِّح فلا يبقي جبل إلا سبّح معي، فقال: أبشِرْ يا بني! فإن هذا خيرٌ أعطاكه الله -وكان داود راعيًا، وكان أبوه خلّفه يأتي إلي أبيه وإلي إخوته بالطعام- فأتي النبي ﵇ بقرن فيه دُهن وتَنّور من حديد، فبعث به إلي طالوت، قال: إنّ صاحبكم الذي يقتل جالوت يوضع هذا القرن علي رأسه، فيغلي حتى يدّهن منه ولا يسيل علي وجهه، ويكون علي رأسه كهيئة الإكليل، ويدخل في هذا التنور فيملأه. فدعا طالوت بني إسرائيل، فجرَّبهم به فلم يوافقه منهم أحد، فلما فَرَغوا؛ قال طالوت لأبي داود: هَلْ بقي لك ولد لم يشهدنا؟ قال: نعم، بقي ابني داود، وهو يأتينا بطعام، فلما أتاه داود مرَّ في الطريق بثلاثة أحجار فكلّمنه وقلن له: خذنا يا داود تقتل بنا جالوت، قال: فأخذهنّ وجعلهن في مخلاته، وكان طالوت قد قال: مَنْ قتل جالوت زوّجته ابنتي، وأجريت خاتمه في ملكي، فلما جاء داود وضعوا القرن علي رأسه، فغلَي حتى ادّهن منه ولبس التنور فملأه، وكان رجلًا مسقامًا مصفارًّا، ولم يلبسه أحد إلا تقلقل فيه، فلما لبِسه داود تضايق التنّور عليه حتى تنقّض، ثم مشي إلي جالوت، وكان جالوت من أجْسَم الناس وأشدَّهم، فلمّا نظر إلي داود قُذِفَ في قلبه الرعب منه، فقال له: يا فتي! ارجع فإني أرحمك أن أقتلَك، فقال داود: لا بل أنا أقتلك. فأخرج الحجارة فوضعها في القَذَّافة، كلّما رفع منها حجرًا سمّاه، فقال: هذا باسم أبي إبراهيم، والثاني باسم أبي إسحاق، والثالث باسم أبي إسرائيل، ثم أدار القذّافة فعادت الأحجار حجرًا واحدًا، ثم أرسلَه فصكَّ به بين عيني جالوت فَنَقبَتْ رأسه، ثم قتلته؛ فلم تزل تقتل كلّ إنسان تصيبه تنفذ فيه، حتى لم يكن بحيالها أحد، فهزموهم عند ذلك، وقتل داود جالوت، ورجع طالوت فأنكح داود ابنته، وأجري خاتَمه في ملكه، فمال الناس إلي داود، وأحبُّوه.
فلما رأي ذلك طالوت وجَد في نفسه وحسده، وأراد قتلَه، فعلم داود أنه يريده بذلك، فسجَّي له زِقَّ خمر في مضجعه، فدخل طالوت إلي منام داود وقد هرب داود، فضرب الزقّ ضربة فخرقه، فسالت الخمر منه، فوقدت قطرة من خمرٍ في فيه، فقال: يرحم الله داود، ما كان أكثر شربه للخمر! ثم إن داود أتاه من القابلة في بيته وهو نائم، فوضع سهمين عند رأسه، وعند رجليه وعن يمينه وعن شماله سهمين سهمين، ثم نزل. فلما استيقظ طالوت بصُر بالسهام فعرفها
стр. 2202
فقال: يرحم الله داود، هو خيرٌ منّي، ظفرت به فقتلته وظَفِر بي فكفّ عني! ثم إنه ركب يومًا فوجدهُ يمشي في البريّة، وطالوت علي فرس، فقال طالوت: اليوم أقتلُ داود -وكان داود إذا فزع لم يدرَك- فركَض علي أثره طالوت، ففزع داود، فاشتدّ فدخل غارًا، فأوحي الله إلي العنكبوت فضربت عليه بيتًا، فلما انتهي طالوتُ إلي الغار نظر إلي بناء العنكبوت، فقال: لو كان دخل هاهنا لخرَق بيت العنكبوت، فخيِّل إليه فتركه.
وطعن العلماءُ علي طالوت في شأن داود، فجعل طالوت لا ينهاه أحدٌ عن داود إلا قتله، وأغراه الله بالعلماء يقتلهم، فلم يكن يقدر في بني إسرائيل علي عالم يُطيق قتله إلا قتله، حتى أُتِيَ بامرأة تعلم اسم الله الأعظم، فأمر الخبَّاز أن يقتلها، فرحمها الخباز، وقال: لعلنا نحتاج إلي عالم. فتركها، فوقع في قلب طالوت التوبة وندم، وأقبل علي البكاء حتى رحمه الناس، وكان كلّ ليلة يخرج إلي القبور فيبكي، وينادي: أنشد الله عبدًا علم أن لي توبةً إلّا أخبرني بها! فلما أكثر عليهم [ليالِيَ] ناداه مناد من القبور: أن يا طالوت، أما ترضي أن قتلتَنا أحياء حتى تؤذينا أمواتًا! فازداد بكاء وحزنًا، فرحمه الخباز فكلمه فقال: ما لك؟ فقال: هل تعلم لي في الأرض عالمًا أسأله: هل لي من توبة؟ فقال له الخباز: هل تدري ما مثلُك؟ إنما مثلُك مثلُ ملِك نزل قرية عشاء فصاح الديك، فتطيّر منه، فقال: لا تتركوا في القرية ديكًا إلا ذبحتموه، فلما أراد أن ينام قال: إذا صاح الديك فأيقظونا حتى نُدْلِج، فقالوا له: وهل تركتَ ديكًا يُسمع صوته! ولكن هل تركتَ عالمًا في الأرض! فازداد حزنًا وبكاء، فلما رأي الخباز منه الجدّ، قال: أرأيتُك إن دللتك علي عالم لعلك أن تقتله! قال: لا، فتوثق عليه الخباز، فأخبره أن المرأة العالمة عنده، قال: انطلِق بي إليها أسألها هل لي من توبة؟ وكان إنما يعلم ذلك الاسم أهل بيت؛ إذا فنيَت رجالهم علمت النساء، فقال: إنها إن رأتك غُشِيَ عليها، وفزعتْ منك، فلما بلغ الباب خلّفه خلفه، ثم دخل عليها الخباز، فقال لها: ألستُ أعظم الناس منّة عليك؟ أنجيتكِ من القتل، وآويتك عندي. قالت: بلى! قال: فإنّ لي إليك حاجة، هذا طالوت يسألكِ: هل له من توبة؟ فغشي عليها من الفَرَق، فقال لها: إنه لا يريد قتلك، ولكن يسألك: هل له من توبة؟ قالت: لا، والله ما أعلم لطالوت توبةً، ولكنْ هل تعلمون مكان قبر نبيّ؟ قالوا: نعم، هذا قبر يوشع بن نون، فانطلقتْ وهما معها
стр. 2203
إليه، فدعتْ، فخرج يوشع بن نون ينفضُ رأسَه من التراب، فلما نظر إليهم ثلاثتِهم قال: ما لكم؟ أقامت القيامة؟ قالت: لا، ولكن طالوت يسألك: هل له من توبة؟ قال يوشع: ما أعلم لطالوت من توبة إلا أن يتخلّي من ملكه، ويخرج هو وولده فيقاتلون بين يديه في سبيل الله، حتى إذا قُتِلوا شدَّ هو فقُتل؛ فعسي أن يكون ذلك له توبة، ثم سقط ميتًا في القبر.
ورجع طالوت أحزنَ ما كان؛ رهبة ألّا يتابعه ولده، فبكي حتى سقطت أشفار عينيه، ونحَلَ جسمُه، فدخل عليه بنوه وهم ثلاثة عشرة رجلًا فكلّموه وسألوه عن حاله، فأخبرهم خبره، وما قيل له في توبته، فسألهم أن يغزوا معه، فجهزهم فخرجوا معه، فشدُّوا بين يديه حتى قتلوا، ثم شدَّ بعدهم هو فقتل، وملك داود بعد ذلك، وجعله الله نبيًّا، فذلك قوله : ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾ قيل: هي النبوّة؛ آتاه نبوّة شمعون وملك طالوت (١). (١: ٤٧٢/ ٤٧٣ / ٤٧٤/ ٤٧٥).
٧٣٥ / أ- واسم طالوت بالسريانية شاول بن قيس بن أبيال بن ضرار بن بحرت بن أفيح بن أبيش بن بنيامين بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم.
وقال ابن إسحاق: كان النبيّ الذي بعث لطالوت من قبره حتى أخبره بتوبته اليسع بن أخطوب؛ حدثنا بذلك ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق.
وزعم أهل التوراة: أنّ مدة ملك طالوت من أولها إلي أن قتل في الحرب مع ولده كانت أربعين سنة (٢). (١: ٤٧٥).
ذكر خبر داود بن إيشي بن عويد بن باعز بن سلمون بن نحشون بن عمي نادب بن رام بن حصرون بن فارص بن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم
٧٣٥ / ب- وكان داود ﵇ فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة
стр. 2204
عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبّه- قصيرًا أزرق قليلَ الشعر، طاهر القلب نقيَّه (١). (١: ٤٧٦).
٧٣٦ - حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثني ابن زيد في قول الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ إلي قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ قال: أوحي الله إلي نبيِّهم أن في وَلَد فلان رجلًا يقتل الله به جالوت، ومن علامته هذا القرن يضعه علي رأسه فيفيض ماء، فأتاه فقال: إن الله أوحي إليّ أنّ في وَلَدك رجلًا يقتلُ الله به جالوت. فقال: نعم يا نبي الله! قال: فأخرجَ له اثني عشر رجلًا أمثال السَّواري، وفيهم رجل بارع [عليهم]، فجعل يعرِضهم علي القَرْن فلا يري شيئًا، فيقول لذلك الجسيم: ارجع، فيردّده عليه، فأوحي الله إليه: إنا لا نأخذ الرجال علي صُورهم، ولكنا نأخذهم علي صلاح قلوبهم، قال: يا ربّ، قد زعم أنه ليس له ولد غيره، فقال: كذب، فقال: إن ربي قد كذّبك، وقال: إن لك ولدًا غيرهم. قال: قد صدق يا نبيّ الله! إن لي ولدًا قصيرًا استحييت أن يراه الناس فجعلته في الغنم، قال: فأين هو؟ قال: في شِعْب كذا وكذا، من جبل كذا وكذا، فخرج إليه فوجد الواديَ قد سال بينه وبين البقعة التي كان يريح إليها. قال: ووجده يحمل شاتين شاتين، يُجيزُ بهما السَّيل ولا يخوض بهما السيل. فلما رآه قال: هذا هو، لا شكّ فيه، هذا يرحم البهائم، فهو بالناس أرحم! قال: فوضع القرن علي رأسه ففاض (٢). (١: ٤٧٦).
٧٣٧ - حدثني المثنَّي، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدثني عبد الصمد بن معقِل عن وهب بن منبّه قال: لما سلّمت بنو إسرائيل المُلكَ لطالوت؛ أوحي الله إلي نبيّ بني إسرائيل: أن قل لطالوت: فلْيغزُ أهلَ مديَن، فلا يترك فيها حيًّا إلا قتله، فإني سأظهرُه عليهم، فخرج بالناس حتى أتي مدينَ، فقتل مَنْ كان فيها، إلا ملِكَهم فإنه أسَره، وساق مواشيَهم، فأوحي الله إلي أشمويل: ألَا تعجبُ من طالوت إذ أمرتُه بأمري فاختلّ فيه، فجاء بملكهم أسيرًا، وساق مواشيَهم! فالقه فقل له: لأنزعنّ الملك من
стр. 2205
بيته، ثم لا يعود فيه إلي يوم القيامة، فإني إنما أكرِمُ مَنْ أطاعني، وأهينُ مَنْ هان عليه أمري. فلقيَه فقال له: ما صنعت! لمَ جئتَ بملكهم أسيرًا، ولم سقت مواشيهم؟ قال: إنما سقت المواشيَ لأقرّبها، قال له أشمويل: إن الله قد نزع من بيتك المُلك ثم لا يعود فيه إلي يوم القيامة، فأوحي الله إلي أشمويل: انطلق إلي إيشي فيعرِض عليك بنيه، فادهُن الذي آمرك بدُهْن القدس، يكُنْ ملكًا علي بني إسرائيل. فانطلق حتى أتي إيشي، فقال: اعرِضْ عليّ بنيك، فدعي إيشي أكبرَ ولده، فأقبل رجل جسيم حسَنُ المنظر، فلما نظر إليه أشمويل أعجبه، فقال: الحمد لله، إن الله بصير بالعباد! فأوحي الله إليه: إنّ عينيك تُبصران ما ظهر، وإني أطّلع علي ما في القلوب، ليس بهذا! فقال: ليس بهذا، اعرض عليّ غيرَه. فعرض عليه ستة، في كلِّ ذلك يقول: ليس بهذا، اعرِض عليّ غيرَه، فقال: هل لك من ولدٍ غيرهم؟ فقال: بلى، لي غلام أمغر وهو راع في الغنم. قال: أرسِل إليه، فلما أن جاء داود، جاء غلام أمغَر؛ فدهنه بدُهن القدس، وقال لأبيه: اكتم هذا، فإنّ طالوت لو يطّلع عليه قتله. فسار جالوت في قومه إلي بني إسرائيل فعسكر، وسار طالوت ببني إسرائيل وعسكر، وتَهيّؤوا للقتال، فأرسل جالوت إلي طالوت: لِمَ يُقتَل قومي وقومُك؟ ابرز لي، أو أبْرِز لي مَنْ شئت، فإن قتلتُك كان الملك لي، وإن قتلتَني كان الملك لك. فأرسل طالوت في عسكره صائحًا: مَنْ يبرز لجالوت! ثم ذكر قصة طالوت وجالوت وقتل داود إياه، وما كان من طالوت إلي داود.
قال أبو جعفر: وفي هذا الخبر بيان: أنّ داود قد كان الله حوّل الملك له قبل قتله جالوت، وقبل أن يكون من طالوت إليه ما كان من محاولته قتله، وأما سائر مَنْ روينا عنه قولًا في ذلك، فإنهم قالوا: إنما مَلك داود بعد ما قتِل طالوت وولده (١). (١: ٤٧٧/ ٤٧٨).
٧٣٨ - وقد حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق -فيما ذكر لي بعض أهل العلم- عن وهب بن منبّه قال: لما قتَل داودُ جالوت، وانهزم جندُه قال الناس: قتَل داود جالوت وخلع طالوتَ، وأقبل الناس علي داود مكانه حتى لم يسمع لطالوت بذكْر.
стр. 2206
قال: ولما اجتمعت بنو إسرائيل علي داود أنزل الله عليه الزَّبور، وعلّمه صنعة الحديد، وألانَهُ له، وأمر الجبال والطير أن يسبِّحن معه إذا سبّح، ولم يعطِ الله -فيما يذكرون- أحدًا من خلقه مثل صوته، كان إذا قرأ الزبور -فيما يذكرون- ترنو له الوحوش حتى يؤخذ بأعناقها، وإنها لَمُصِيخة تسمع لصوته، وما صنعت الشياطينُ المزاميرَ والبرابَط والصنوج إلا علي أصناف صوته، وكان شديدَ الاجتهاد، دائب العبادة، كثير البكاء، وكان كما وصفه الله لنبيه محمد ﵇ فقال: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَال مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾، يعني بذلك ذا القوة (١). (١: ٤٧٨/ ٤٧٩).
٧٣٩ - وقد حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧)﴾، قال: أعطِيَ قوةً في العبادة، وفقهًا في الإسلام. وقد ذُكِر لنا: أن داود ﵇ كان يقوم الليل ويصوم نصف الدهر. وكان يحرسه -فيما ذكر- في كلِّ يوم وليلة أربعةُ آلاف (٢). (١: ٤٧٩).
٧٤٠ - حدثني محمد بن الحسين، قال: حدثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدثنا أسباط عن السديّ، في قوله: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾، قال: كان يحرسُه كلّ يوم وليلة أربعة آلاف (٣). (١: ٤٧٩).
٧٤١ - وذُكر أنه تمنّي يومًا من الأيام علي ربِّه منزلةَ آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وسأله أن يمتحنه بنحو الذي كان امتحنهم، ويعطيَه من الفضل نحوَ الذي كان أعطاهم (٤). (١: ٤٧٩).
٧٤٢ - فحدثني محمد بن الحسين، قال: حدثنا أحمد بن المفضل، قال: حدثنا أسباط، قال: قال السُّدّي: كان داودُ قد قسّم الدهر ثلاثة أيام: يومًا يقضِي فيه بين الناس، ويومًا يخلُو فيه لعبادة ربه، ويومًا يخلُو فيه لنسائه، وكان له تسع وتسعون امرأة، وكان فيما يقْرَأ من الكتب أنه كان يجد فيه فضلَ إبراهيم وإسحاق
стр. 2207
ويعقوب، فلما وجَد ذلك فيما يقرأ من الكتب، قال: يا ربّ أري الخير كلّه قد ذهب به آبائي الذين كانوا قبلي، فأعطني مثلَ ما أعطيتَهم، وافعل بي مثلَ ما فعلت بهم. قال: فأوحي الله إليه أنّ آباءك ابتُلوا ببلايا لم تبتَل بها، ابتِليَ إبراهيمُ بذبح ابنه، وابتليَ إسحاق بذهاب بَصره، وابتُليَ يعقوب بحزنه علي ابنه يوسف، وإنك لم تبتلَ من ذلك بشيء. قال: يا ربّ ابتلِني بمثل ما ابتليتَهم به، وأعطني مثل ما أعطيتَهم. قال: فأوحي إليه إنك مبتلَي فاحترس. قال: فمكث بعد ذلك ما شاء الله أن يمكُث إذ جاءه الشيطان قد تمثّل في صورة حمامة من ذهب، حتى وقع عند رجلَيه وهو قائم يصلّي، قال: فمدّ يده ليأخذه فتنحّي فتبِعه، فتباعَد حتى وقع في كُوّة، فذهب ليأخذه، فطار من الكُوّة، فنظر: أين يقع فيبعث في أثره، قال: فأبصر امرأة تغتسل علي سطح لها، فرأي امرأة من أجمل النساء خلْقًا، فحانت منها التفاتة فأبصرته، فألقَت شعرها فاستترت به، قال: فزاده ذلك فيها رغبة، قال: فسأل عنها فأخبِر أن لها زوجًا، وأن زوجها غائب بمسلَحة كذا وكذا، قال: فبعث إلي صاحب المسلحة يأمره أن يبعث أهريا إلي عدوّ كذا وكذا. قال: فبعثه ففتِح له، قال: وكتب إليه بذلك، فكتب إليه أيضًا: أن ابعثه إلي عدوّ كذا وكذا، أشدّ منهم بأسًا. قال: فبعثه ففتِح له أيضًا، قال: فكتب إلي داود بذلك، قال: فكتب إليه أن ابعثه إلي عدوّ كذا وكذا. قال: فبعثه، قال: فقتل المرّة الثالثة، قال! وتزوّج داود امرأته، فلما دخلتْ عليه لم تلبث عنده إلا يسيرًا حتى بعث الله مَلَكَين في صورة إنسيّين فطلبا أن يدخلا عليه، فوجداه في يوم عبادته، فمنعهما الحرسُ أن يدخُلا عليه، فتسوّرا عليه المِحْراب، قال: فما شَعُر وهو يصلّي إذا هو بهما بين يَديه جالسَين، قال: ففزع منهما، فقالا: لَا تَخفْ، إنما نَحْنُ ﴿خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَينَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ﴾ يقول: لا تحِفْ، ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ إلي عدل القضاء. قال: قُصَّا عليّ قصّتكما، قال: فقال أحدهما: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ فهو يريد أن يأخذ نعجتي، فيكمِّل بها نعاجَه مئة، قال: فقال للآخر: ما تقول؟ فقال: إن لي تسعًا وتسعين نعجة، ولأخي هذا نعجة واحدة، فأنا أريد أن آخذها منه، فأكمّل بها نعاجي مئة، قال: وهو كاره؟ قال: وهو كاره، قال: إذًا لا نَدعك وذاك، قال: ما أنت علي ذلك بقادر! قال: فإن ذهبت تَرُوم ذلك أو تريد ذلك، ضربنا منك هذا وهذا -وفسَّر أسباط طَرف الأنف والجبهة- فقال:
стр. 2208
يا داود، أنت أحقُّ أن يُضرب منك هذا وهذا، حيث لك تسع وتسعون امرأة، ولم يكن لأهريا إلا امرأة واحدة. فلم تزل به تعرّضه للقتل حتى قُتِل، وتزوّجت امرأتَه. قال: فنظر فلم يرَ شيئًا، قال: فعرَف ما قد وقع فيه، وما ابتُلِيَ به، قال: فخرّ ساجدًا فبكي، قال: فمكث يبكي ساجدًا أربعين يومًا لا يرفع رأسه إلا لحاجة لا بدّ منها، ثم يقَع ساجدًا يبكي، ثم يدعو حتى نبت العُشب من دموع عينَيه، قال: فأوحي الله إليه بعد أربعين يومًا: يا داود، ارفعْ رأسْك فقد غفرتُ لك، فقال: يا ربّ، كيف أعلم أنّك قد غفرتَ لي وأنت حَكَمٌ عدل لَا تحِيفُ في القضاء؛ إذا جاء أهريا يومَ القيامة آخذًا رأسه بيمينه أو بشماله تَشخَبُ أوداجه دمًا في قِبَل عرشك: يقول: يا ربّ، سلْ هذا فيمَ قتلني! قال: فأوحي الله إليه: إذا كان ذلك دعوتُ أهريا فأستوهبك منه، فيهبك لي فأثيبه بذلك الجنة. قال: ربّ الآن علمت أنّك قد غفرتَ لي، قال: فما استطاع أن يملأ عينيه من السماء حياءً من ربه حتى قبض (١). (١: ٤٧٩/ ٤٨٠ / ٤٨١).
٧٤٣ - حدثني علي بن سهل، قال: حدثنا الوليد بن مسلم عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال: حدّثني عطاء الخراسانيّ، قال: نقَش داود خطيئته في كفّه لكيلا ينساها؛ فكان إذا رآها خَفقتْ يدهُ واضطربت (٢). (١: ٤٨١).
٧٤٣ / أ- وقد قيل: إن سببَ المحنة بما امتُحن به: أنّ نفسَه حدثتْه أنه يُطيق قطْع يوم من الأيام بغير مُقارفة سوء، فكان اليوم الذي عَرَض له فيه ما عرض، اليوم الذي ظنّ أنه يقطعه بغير اقتراف سوء (٣). (١: ٤٨١).
ذكر من قال ذلك:
٧٤٤ - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد عن مطر، عن الحسن: أن داود جَزَّأ الدهر أربعة أجزاء: يومًا لِنسائه، ويومًا لعبادته، ويومًا لقضاء بني إسرائيل، ويومًا لبني إسرائيل؛ يذاكرهم ويذاكرونه، ويُبكيهم ويُبْكونه. فلما كان يوم بني إسرائيل، ذكروا فقالوا: هل يأتي علي الإنسان يومٌ
стр. 2209
لا يصيب فيه ذنبًا! فأضمر داود في نفسه أنه سيُطِيق ذلك، فلما كان يوم عبادته غلّق أبوابه، وأمر ألا يُدخَل عليه أحد، وأكبّ علي التوراة، فبينما هو يقرؤها إذا حمامة من ذهب، فيها من كلّ لون حسن، قد وقعتْ بين يديه، فأهوي إليها ليأخذَها، قال: فطارت فوقعت غيرَ بعيد، من غير أن تُوئِسَه من نفسها، قال: فما زال يتبعها حتى أشرف علي امرأة تغتسل، فأعجبه خَلْقُها وحسنها، فلما رأت ظلَّه في الأرض جلّلت نفسَها بشعرها، فزاده ذلك أيضًا إعجابًا بها، وكان قد بعثَ زوجَها علي بعض جيوشه، فكتب إليه أن يسير إلي مكان كذا وكذا (مكان إذا سار إليه لم يرجع) قال: ففعل فأصيب، فخطبها فتزّوجها -قال: وقال قتادة بلغنا: أنها أمّ سليمان- قال: فبينما هو في المحراب إذ تسوّر الملَكان عليه، وكان الخصمان إذا أتوه يأتونه من باب المحراب، ففزع منهم حين تسوّروا المحراب، فقالوا: ﴿لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ حتى بلغ ﴿وَلَا تُشْطِطْ﴾ أي ولا تملْ ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ أي أعدله وخيره، ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ - وكان لداود تسع وتسعون امرأة - ﴿وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ قال: وإنما كان للرجل امرأةٌ واحدة ﴿فَقَال أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾، أي ظلمِني وقهرني. ﴿قَال لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾ - إلي ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ﴾، فعِلم أنما أضمِر له، أي: عُني بذلك، ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ (١). (١: ٤٨٢).
٧٤٥ - حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن إدريس، قال: سمعت ليثًا يذكر عن مجاهد، قال: لما أصاب داودَ الخطيئة، خَرّ لله ساجدًا أربعين يومًا، حتى نبت من دموع عينيه من البقل ما غطّي رأسَه، ثم نادي: يا ربّ قَرِحَ الجبين، وجَمَدت العين! وداود لم يُرْجَع إليه في خطيئته شيء. فنودي: أجائع فتطعَم؟ أم مريض فتُشفي؟ أم مظلوم فُينتصَر لك! قال: فنحِب نَحْبَةً هاج كلّ شيء كان نبت، فعند ذلك غُفِر له. وكانت خِطيئته مكتوبة بكفِّه يقرؤها، وكان يُوتي بالإناء ليشرب فلا يشرب إلا ثُلْثَه أو نصفه، وكان يذكر خطيئته فينتحب النَّحْبة تكاد مفاصله يزول بعضها عن بعض، ثم ما يتمّ شربه حتى يملأ الإناء من دموعه. وكان يقال: إن دمعةَ داود تعدِل دمعة الخلائق، ودمعةَ آدم تعدل دمعة داود ودمعة الخلائق. قال: وهو يجيء يوم القيامة خطيئته مكتوبة بكفّه فيقول: ربّ
стр. 2210
ذنبي ذنبي قَدِّمْني! قال: فيقَدَّم فلا يأمن، فيقول: رب أخرني، قال: فيؤخّر فلا يأمن (١). (١: ٤٨٣).
٧٤٦ - حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن لَهِيعة عن أبي صخر، عن يزيد الرّقاشيّ، عن أنس بن مالك يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن داودَ النبيّ ﵇ حين نظر إلي المرأة فَهَمَّ، قَطَع علي بني إسرائيل بعثًا، فأوصي صاحب البعث، فقال: إذا حضر العدو فقرّبْ فلانًا بين يدي التابوت، وكان التابوتُ في ذلك الزمان يَسْتنصر به مَنْ قدم بين يدي التابوت لم يرجع حتى يقتَل أو ينهزم عنه الجيش، فقُتِل زوج المرأة، ونزل الملَكان علي داود يقُصّان عليه قصّته، ففطِن داود فسجد، فمكث أربعين ليلة ساجدًا، حتى نبت الزّرْع من دموعه علي رأسه، وأكلت الأرضُ من جبينه، وهو يقول في سجوده -فلم أحص من الرقاشيّ إلا هؤلاء الكلمات-: رَبِّ زلّ داود زلةً أبعد مما بين المشرق والمغرب! ربِّ إن لم ترحم ضُعفَ داود، وتغفر ذنبه جعلتَ ذنبه حديثًا في الخُلوف من بعده. فجاءه جبرئيلُ من بعد أربعين ليلة فقال: يا داود، إنّ الله قد غفر لك الهمّ الذي هممتَ به فقال داود: قد علمت أن الله قادر علي أن يغفر لي الهم الذي هممت به، وقد عرفتُ أن الله عدْلٌ لا يميل، فكيف بفلان إذا جاء يوم القيامة؛ فقال: يا ربّ دمي الذي عند داود! فقال جبرئيل: ما سألتُ ربّك عن ذلك، ولئن شئتَ لأفعلنّ، قال: نعم، قال: فعرج جبرئيل وسجد داود، فمكث ما شاء الله ثم نزل، فقال: قد سألتُ الله يا داود عن الذي أرسلتني فيه فقال: قل له: يا داود، إن الله يجمعكما يوم القيامة فيقول: هب لي دَمك الذي عند داود، فيقول: هو لك يا ربّ، فيقول: فإن لك في الجنة ما شئت وما اشتهيت عِوَضًا (٢). (١: ٤٨٣/ ٤٨٤).
٧٤٧ - ويزعم أهلُ الكتاب أن داود لم لزل قائمًا بالملك بعد طالوت إلي أن كان من أمره وأمر امرأة أوريا ما كان، فلما واقع ما واقع من الخطيئة اشتغل بالتوبة منها -فيما زعموا- واستخفّ به بنو إسرائيل، ووثب عليه ابن له يقال له إيشي، فدعا إلي نفسه فاجتمع إليه أهلُ الزَّيغ من بني إسرائيل، قالوا: فلما تاب