← История

История · id 145435

صحيح وضعيف تاريخ الطبري

محمد بن طاهر البرزنجي

Полный текст (6 167 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

قال: ولما اجتمعت بنو إسرائيل علي داود أنزل الله عليه الزَّبور، وعلّمه صنعة الحديد، وألانَهُ له، وأمر الجبال والطير أن يسبِّحن معه إذا سبّح، ولم يعطِ الله -فيما يذكرون- أحدًا من خلقه مثل صوته، كان إذا قرأ الزبور -فيما يذكرون- ترنو له الوحوش حتى يؤخذ بأعناقها، وإنها لَمُصِيخة تسمع لصوته، وما صنعت الشياطينُ المزاميرَ والبرابَط والصنوج إلا علي أصناف صوته، وكان شديدَ الاجتهاد، دائب العبادة، كثير البكاء، وكان كما وصفه الله لنبيه محمد ﵇ فقال: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَال مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾، يعني بذلك ذا القوة (١). (١: ٤٧٨/ ٤٧٩). ٧٣٩ - وقد حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧)﴾، قال: أعطِيَ قوةً في العبادة، وفقهًا في الإسلام. وقد ذُكِر لنا: أن داود ﵇ كان يقوم الليل ويصوم نصف الدهر. وكان يحرسه -فيما ذكر- في كلِّ يوم وليلة أربعةُ آلاف (٢). (١: ٤٧٩). ٧٤٠ - حدثني محمد بن الحسين، قال: حدثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدثنا أسباط عن السديّ، في قوله: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾، قال: كان يحرسُه كلّ يوم وليلة أربعة آلاف (٣). (١: ٤٧٩). ٧٤١ - وذُكر أنه تمنّي يومًا من الأيام علي ربِّه منزلةَ آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وسأله أن يمتحنه بنحو الذي كان امتحنهم، ويعطيَه من الفضل نحوَ الذي كان أعطاهم (٤). (١: ٤٧٩). ٧٤٢ - فحدثني محمد بن الحسين، قال: حدثنا أحمد بن المفضل، قال: حدثنا أسباط، قال: قال السُّدّي: كان داودُ قد قسّم الدهر ثلاثة أيام: يومًا يقضِي فيه بين الناس، ويومًا يخلُو فيه لعبادة ربه، ويومًا يخلُو فيه لنسائه، وكان له تسع وتسعون امرأة، وكان فيما يقْرَأ من الكتب أنه كان يجد فيه فضلَ إبراهيم وإسحاق

стр. 2207

ويعقوب، فلما وجَد ذلك فيما يقرأ من الكتب، قال: يا ربّ أري الخير كلّه قد ذهب به آبائي الذين كانوا قبلي، فأعطني مثلَ ما أعطيتَهم، وافعل بي مثلَ ما فعلت بهم. قال: فأوحي الله إليه أنّ آباءك ابتُلوا ببلايا لم تبتَل بها، ابتِليَ إبراهيمُ بذبح ابنه، وابتليَ إسحاق بذهاب بَصره، وابتُليَ يعقوب بحزنه علي ابنه يوسف، وإنك لم تبتلَ من ذلك بشيء. قال: يا ربّ ابتلِني بمثل ما ابتليتَهم به، وأعطني مثل ما أعطيتَهم. قال: فأوحي إليه إنك مبتلَي فاحترس. قال: فمكث بعد ذلك ما شاء الله أن يمكُث إذ جاءه الشيطان قد تمثّل في صورة حمامة من ذهب، حتى وقع عند رجلَيه وهو قائم يصلّي، قال: فمدّ يده ليأخذه فتنحّي فتبِعه، فتباعَد حتى وقع في كُوّة، فذهب ليأخذه، فطار من الكُوّة، فنظر: أين يقع فيبعث في أثره، قال: فأبصر امرأة تغتسل علي سطح لها، فرأي امرأة من أجمل النساء خلْقًا، فحانت منها التفاتة فأبصرته، فألقَت شعرها فاستترت به، قال: فزاده ذلك فيها رغبة، قال: فسأل عنها فأخبِر أن لها زوجًا، وأن زوجها غائب بمسلَحة كذا وكذا، قال: فبعث إلي صاحب المسلحة يأمره أن يبعث أهريا إلي عدوّ كذا وكذا. قال: فبعثه ففتِح له، قال: وكتب إليه بذلك، فكتب إليه أيضًا: أن ابعثه إلي عدوّ كذا وكذا، أشدّ منهم بأسًا. قال: فبعثه ففتِح له أيضًا، قال: فكتب إلي داود بذلك، قال: فكتب إليه أن ابعثه إلي عدوّ كذا وكذا. قال: فبعثه، قال: فقتل المرّة الثالثة، قال! وتزوّج داود امرأته، فلما دخلتْ عليه لم تلبث عنده إلا يسيرًا حتى بعث الله مَلَكَين في صورة إنسيّين فطلبا أن يدخلا عليه، فوجداه في يوم عبادته، فمنعهما الحرسُ أن يدخُلا عليه، فتسوّرا عليه المِحْراب، قال: فما شَعُر وهو يصلّي إذا هو بهما بين يَديه جالسَين، قال: ففزع منهما، فقالا: لَا تَخفْ، إنما نَحْنُ ﴿خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَينَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ﴾ يقول: لا تحِفْ، ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ إلي عدل القضاء. قال: قُصَّا عليّ قصّتكما، قال: فقال أحدهما: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ فهو يريد أن يأخذ نعجتي، فيكمِّل بها نعاجَه مئة، قال: فقال للآخر: ما تقول؟ فقال: إن لي تسعًا وتسعين نعجة، ولأخي هذا نعجة واحدة، فأنا أريد أن آخذها منه، فأكمّل بها نعاجي مئة، قال: وهو كاره؟ قال: وهو كاره، قال: إذًا لا نَدعك وذاك، قال: ما أنت علي ذلك بقادر! قال: فإن ذهبت تَرُوم ذلك أو تريد ذلك، ضربنا منك هذا وهذا -وفسَّر أسباط طَرف الأنف والجبهة- فقال:

стр. 2208

يا داود، أنت أحقُّ أن يُضرب منك هذا وهذا، حيث لك تسع وتسعون امرأة، ولم يكن لأهريا إلا امرأة واحدة. فلم تزل به تعرّضه للقتل حتى قُتِل، وتزوّجت امرأتَه. قال: فنظر فلم يرَ شيئًا، قال: فعرَف ما قد وقع فيه، وما ابتُلِيَ به، قال: فخرّ ساجدًا فبكي، قال: فمكث يبكي ساجدًا أربعين يومًا لا يرفع رأسه إلا لحاجة لا بدّ منها، ثم يقَع ساجدًا يبكي، ثم يدعو حتى نبت العُشب من دموع عينَيه، قال: فأوحي الله إليه بعد أربعين يومًا: يا داود، ارفعْ رأسْك فقد غفرتُ لك، فقال: يا ربّ، كيف أعلم أنّك قد غفرتَ لي وأنت حَكَمٌ عدل لَا تحِيفُ في القضاء؛ إذا جاء أهريا يومَ القيامة آخذًا رأسه بيمينه أو بشماله تَشخَبُ أوداجه دمًا في قِبَل عرشك: يقول: يا ربّ، سلْ هذا فيمَ قتلني! قال: فأوحي الله إليه: إذا كان ذلك دعوتُ أهريا فأستوهبك منه، فيهبك لي فأثيبه بذلك الجنة. قال: ربّ الآن علمت أنّك قد غفرتَ لي، قال: فما استطاع أن يملأ عينيه من السماء حياءً من ربه حتى قبض (١). (١: ٤٧٩/ ٤٨٠ / ٤٨١). ٧٤٣ - حدثني علي بن سهل، قال: حدثنا الوليد بن مسلم عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال: حدّثني عطاء الخراسانيّ، قال: نقَش داود خطيئته في كفّه لكيلا ينساها؛ فكان إذا رآها خَفقتْ يدهُ واضطربت (٢). (١: ٤٨١). ٧٤٣ / أ- وقد قيل: إن سببَ المحنة بما امتُحن به: أنّ نفسَه حدثتْه أنه يُطيق قطْع يوم من الأيام بغير مُقارفة سوء، فكان اليوم الذي عَرَض له فيه ما عرض، اليوم الذي ظنّ أنه يقطعه بغير اقتراف سوء (٣). (١: ٤٨١). ذكر من قال ذلك: ٧٤٤ - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد عن مطر، عن الحسن: أن داود جَزَّأ الدهر أربعة أجزاء: يومًا لِنسائه، ويومًا لعبادته، ويومًا لقضاء بني إسرائيل، ويومًا لبني إسرائيل؛ يذاكرهم ويذاكرونه، ويُبكيهم ويُبْكونه. فلما كان يوم بني إسرائيل، ذكروا فقالوا: هل يأتي علي الإنسان يومٌ

стр. 2209

لا يصيب فيه ذنبًا! فأضمر داود في نفسه أنه سيُطِيق ذلك، فلما كان يوم عبادته غلّق أبوابه، وأمر ألا يُدخَل عليه أحد، وأكبّ علي التوراة، فبينما هو يقرؤها إذا حمامة من ذهب، فيها من كلّ لون حسن، قد وقعتْ بين يديه، فأهوي إليها ليأخذَها، قال: فطارت فوقعت غيرَ بعيد، من غير أن تُوئِسَه من نفسها، قال: فما زال يتبعها حتى أشرف علي امرأة تغتسل، فأعجبه خَلْقُها وحسنها، فلما رأت ظلَّه في الأرض جلّلت نفسَها بشعرها، فزاده ذلك أيضًا إعجابًا بها، وكان قد بعثَ زوجَها علي بعض جيوشه، فكتب إليه أن يسير إلي مكان كذا وكذا (مكان إذا سار إليه لم يرجع) قال: ففعل فأصيب، فخطبها فتزّوجها -قال: وقال قتادة بلغنا: أنها أمّ سليمان- قال: فبينما هو في المحراب إذ تسوّر الملَكان عليه، وكان الخصمان إذا أتوه يأتونه من باب المحراب، ففزع منهم حين تسوّروا المحراب، فقالوا: ﴿لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ حتى بلغ ﴿وَلَا تُشْطِطْ﴾ أي ولا تملْ ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ أي أعدله وخيره، ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ - وكان لداود تسع وتسعون امرأة - ﴿وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ قال: وإنما كان للرجل امرأةٌ واحدة ﴿فَقَال أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾، أي ظلمِني وقهرني. ﴿قَال لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾ - إلي ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ﴾، فعِلم أنما أضمِر له، أي: عُني بذلك، ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ (١). (١: ٤٨٢). ٧٤٥ - حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن إدريس، قال: سمعت ليثًا يذكر عن مجاهد، قال: لما أصاب داودَ الخطيئة، خَرّ لله ساجدًا أربعين يومًا، حتى نبت من دموع عينيه من البقل ما غطّي رأسَه، ثم نادي: يا ربّ قَرِحَ الجبين، وجَمَدت العين! وداود لم يُرْجَع إليه في خطيئته شيء. فنودي: أجائع فتطعَم؟ أم مريض فتُشفي؟ أم مظلوم فُينتصَر لك! قال: فنحِب نَحْبَةً هاج كلّ شيء كان نبت، فعند ذلك غُفِر له. وكانت خِطيئته مكتوبة بكفِّه يقرؤها، وكان يُوتي بالإناء ليشرب فلا يشرب إلا ثُلْثَه أو نصفه، وكان يذكر خطيئته فينتحب النَّحْبة تكاد مفاصله يزول بعضها عن بعض، ثم ما يتمّ شربه حتى يملأ الإناء من دموعه. وكان يقال: إن دمعةَ داود تعدِل دمعة الخلائق، ودمعةَ آدم تعدل دمعة داود ودمعة الخلائق. قال: وهو يجيء يوم القيامة خطيئته مكتوبة بكفّه فيقول: ربّ

стр. 2210

ذنبي ذنبي قَدِّمْني! قال: فيقَدَّم فلا يأمن، فيقول: رب أخرني، قال: فيؤخّر فلا يأمن (١). (١: ٤٨٣). ٧٤٦ - حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن لَهِيعة عن أبي صخر، عن يزيد الرّقاشيّ، عن أنس بن مالك يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن داودَ النبيّ ﵇ حين نظر إلي المرأة فَهَمَّ، قَطَع علي بني إسرائيل بعثًا، فأوصي صاحب البعث، فقال: إذا حضر العدو فقرّبْ فلانًا بين يدي التابوت، وكان التابوتُ في ذلك الزمان يَسْتنصر به مَنْ قدم بين يدي التابوت لم يرجع حتى يقتَل أو ينهزم عنه الجيش، فقُتِل زوج المرأة، ونزل الملَكان علي داود يقُصّان عليه قصّته، ففطِن داود فسجد، فمكث أربعين ليلة ساجدًا، حتى نبت الزّرْع من دموعه علي رأسه، وأكلت الأرضُ من جبينه، وهو يقول في سجوده -فلم أحص من الرقاشيّ إلا هؤلاء الكلمات-: رَبِّ زلّ داود زلةً أبعد مما بين المشرق والمغرب! ربِّ إن لم ترحم ضُعفَ داود، وتغفر ذنبه جعلتَ ذنبه حديثًا في الخُلوف من بعده. فجاءه جبرئيلُ من بعد أربعين ليلة فقال: يا داود، إنّ الله قد غفر لك الهمّ الذي هممتَ به فقال داود: قد علمت أن الله قادر علي أن يغفر لي الهم الذي هممت به، وقد عرفتُ أن الله عدْلٌ لا يميل، فكيف بفلان إذا جاء يوم القيامة؛ فقال: يا ربّ دمي الذي عند داود! فقال جبرئيل: ما سألتُ ربّك عن ذلك، ولئن شئتَ لأفعلنّ، قال: نعم، قال: فعرج جبرئيل وسجد داود، فمكث ما شاء الله ثم نزل، فقال: قد سألتُ الله يا داود عن الذي أرسلتني فيه فقال: قل له: يا داود، إن الله يجمعكما يوم القيامة فيقول: هب لي دَمك الذي عند داود، فيقول: هو لك يا ربّ، فيقول: فإن لك في الجنة ما شئت وما اشتهيت عِوَضًا (٢). (١: ٤٨٣/ ٤٨٤). ٧٤٧ - ويزعم أهلُ الكتاب أن داود لم لزل قائمًا بالملك بعد طالوت إلي أن كان من أمره وأمر امرأة أوريا ما كان، فلما واقع ما واقع من الخطيئة اشتغل بالتوبة منها -فيما زعموا- واستخفّ به بنو إسرائيل، ووثب عليه ابن له يقال له إيشي، فدعا إلي نفسه فاجتمع إليه أهلُ الزَّيغ من بني إسرائيل، قالوا: فلما تاب

стр. 2211

الله علي داود ثابتْ إليه ثائبة من الناس، فحارب ابنَه حتى هزمه، ووجَّه في طلبه قائدًا من قواده، وتقَدّم إليه أن يتوقي حَتْفهُ، ويتلطّف لأسره، فطلبه القائد وهو منهزم، فاضطره إلي شجرة فركض فيها -وكان ذا جُمّة- فتعلّق بعض أغصان الشجرة بشعره فحبسه، ولحقه القائد فقتله مخالفًا لأمر داود، فحزِن داود عليه حزنًا شديدًا، وتنكّر للقائد، وأصاب بني إسرائيل في زمانه طاعون جارف، فخرج بهم إلي موضع بيت المقدس يدعون الله ويسألونه كشفَ ذلك البلاء عنهم، فاستجيب لهم، فاتخذوا ذلك الموضع مسجدًا، وكان ذلك -فيما قيل- لإحدي عشرة سنة مضت من ملكه. وتوفي قبل أن يستتِم بناءه، فأوصي إلي سليمان باستتمامه، وقتْلِ القائد الذي قتل أخاه، فلما دفنه سليمانُ نفذ لأمره في القائد وقتله، واستتمّ بناء المسجد (١). (١: ٤٨٤). ٧٤٨ - وقيل في بناء داود ذلك المسجد ما حدثنا محمد بن سهل بن عسكر، قال: حدثني إسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدثني عبد الصمد بن معقل: أنه سمع وهب بن منبِّه يقول: إن داودَ أراد أن يعلَم عدد بني إسرائيل كم هم؟ فبعث لذلك عُرَفاء ونقباء، وأمرهم أن يرفعوا إليه ما بلَغ عددُهم، فعتب الله عليه ذلك، وقال: قد علمت أني وعدتُ إبراهيم أن أبارك فيه وفي ذريته حتى أجعلَهم كعدد نجوم السماء، وأجعلَهم لا يحصَي عددُهم، فأردتَ أن تعلَم عدد ما قلت: إنه لا يحصَي عددُهم، فاختاروا بين أن أبتليَكم بالجوع ثلاث سنين، أو أسلِّط عليكم العدوِّ ثلاثة أشهر، أو الموت ثلاثة أيام! فاستشار داودُ في ذلك بني إسرائيل فقالوا: ما لنا بالجوع ثلاث سنين صَبْر، ولا بالعدوّ ثلاثَة أشهر، فليس لهم بقيّة، فإن كان لا بدَّ فالموت بيده لا بيد غيره. فذكر وهب بن منبّه أنه مات منهم في ساعة من نهار ألوف كبيرة، لا يدرَي ما عددهم، فلما رأي ذلك داود، شَقَّ عليه ما بلَغه من كثرة الموت، فتبتَّل إلي الله ودعاه فقال: يا ربّ، أنا آكلُ الحُمّاض وبنو إسرائيل يَضْرَسون! أنا طلبتُ ذلك فأمرتُ به بني إسرائيل، فما كان من شيء فبي واعفُ عن بني إسرائيل. فاستجاب الله له ورفع عنهم الموت، فرأي داود الملائكة سالِّين سيوفَهم يغمدونها، يرتقون في سلَّم من ذهب من الصخرة إلي السماء، فقال داود: هذا مكان ينبغي أن يُبني فيه مسجد، فأراد

стр. 2212

داود أن يأخذ في بنائه، فأوحي الله إليه أنّ هذا بيت مقدّس، وأنك قد صبغتَ يديك في الدماء، فلست ببانيه، ولكن ابنٌ لك أملِّكه بعدك أسميه سليمان، أسلّمه من الدماء (١). (١: ٤٨٥). ٧٤٩ - وأما بعض أهل الكتب، فإنه زعم أن عمرَه كان سبعًا وسبعين سنة، وأن مُدّة ملكه كانت أربعين سنة (٢). (١: ٤٨٥). ذكر خبر سليمان بن داود ﵉ ٧٥٠ - كان فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبِّه: إذا خرج من بيته إلي مجلسه عكفت عليه الطير، وقام له الإنس والجن، حتى يجلسَ علي سريره، وكان -فيما يزعمون- أبيض جسيمًا وضيئًا، كثيرَ الشعر يلبس من الثياب البياض، وكان أبوه في أيام ملكه بعد أن بلغ سليمان مبلَغ الرجال يشاوره -فيما ذكر- في أموره. وكان من شأنه وشأن أبيه داود الحكْم في الغنم التي نفشت في حرث القوم، الذين قصّ الله في كتابه خبرهم وخبرهما فقال: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيمَانَ وَكُلًّا آتَينَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ (٣). (١: ٤٨٥). ٧٥١ - فحدثنا أبو كريب وهارون بن إدريس الأصمّ، قالا: حدثنا المحاربيّ عن أشعث، عن أبي إسحاق، عنِ مرّة، عن ابن مسعود في قوله: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾، قال: كَرْم قد أنبتت عناقيده فأفسدته، قال: فقضي داودُ بالغنم لصاحب الكرْم، فقال سليمان: غير هذا يا نبيّ الله؟ قال: وما ذاك؟ قال: تدفع الكَرْم إلي صاحب الغنم فيقوم عليه حتى يعودَ كما كان، وتدفع العنم إلي صاحب الكرْم فيصيب منها، حتى إذا كان الكرْم كما كان، دفعت الكرْم إلي صاحبه، ودفعت الغنم إلي صاحبها، فذلك

стр. 2213

قوله: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيمَانَ﴾. وكان رجلًا غَزّاء لا يكاد يقعُد عن الغزو، وكان لا يسمع بملِك في ناحية من الأرض إلا أتاه حتى يُذِلّه. وكان فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق -فيما يزعمون- إذا أراد الغزو أمر بعسكره فضرب له بخشب، ثم نصب له علي الخشب، ثم حمل عليه الناس والدوابّ وآلة الحرب كلها، حتى إذا حمل معه ما يريد، أمر العاصف من الريح فدخلت تحت ذلك الخشب، فاحتملْته حتى إذا استقلّت به أمر الرُّخاء فمرَّ به شهرًا في روْحته، وشهرًا في غدوته إلي حيث أراد. يقول: الله : ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيثُ أَصَابَ (٣٦)﴾، أي حيث أراد، وقال الله: ﴿وَلِسُلَيمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾. قال: وذكر لي: أنّ منزلًا بناحية دجلة مكتوب فيه: كتاب كتبه بعض أصحاب سليمان، إما من الجن، وإما من الإنس: "نحن نزلناه وما بينيناه، ومبنيًا وجدناه، غدوْنا من إصطخر فقلْنَاهُ، ونحن رائحون منه إن شاء الله، فبائتون بالشام". قال: وكان -فيما بلغني- لتمرّ بعسكره الريح، والرُّخاء تهوي به إلي ما أراد، وإنها لَتمرُّ بالمزرعة فما تحرِّكُها (١). (١: ٤٨٦/ ٤٨٧). ٧٥٢ - وقد حدثنا القاسم بن الحسنِ، قال: حدثني الحسين، قال: حدثني حجاج عن أبي معشر، عن محمد بن كعب القرظيّ، قال: بلغنا أن سليمان كان عسكره مئة فرسخ، خمسة وعشرون منها للإنس، وخمسة وعشرون للجنّ، وخمسة وعشرون للوحش، وخمسة وعشرون للطير، وكان له ألف بيت من قوارير علي الخشب، فيها ثلائمئة صريحة، وسبعمئة سريّة، فأمر الريح العاصف فرفعته وأمر الرخاء فسيّرته، فأوحي الله إليه وهو يسير بين السماء والأرض: أني قد زدتُ في ملكك، أنّه لا يتكلم أحدٌ من الخلائق إلا جاءت به الريح وأخبرتك (٢). (١: ٤٩٧/ ٤٨٨) ٧٥٣ - حدثني أبو السائب، قال: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، قال: كان سليمان بن

стр. 2214

داود يوضَع له ستمئة كرسيّ، ثم يجيء أشرافُ الإنس فيجلسون مما يليه، ثم يجيء أشراف الجنّ فيجلسون مما يلي الإنس، قال: ثم يدْعو الطير فتظلّهم، ثم يدعُو الريح فتحملهم، قال: فتسير في الغداة الواحدة مسيرة شهر (١). (١: ٤٨٨). ذكر ما انتهي إلينا من مغازي سليمان ﵇ - ٧٥٣ / أ- فمن ذلك غزوته التي راسل فيها بلقيس -وهي فيما يقول أهل الأنساب- يلمقة ابنة اليشرح -ويقول بعضهم: ابنة أيلي شرح، ويقول بعضهم: ابنة ذي شرح- بن ذي جَدَن بن أبيلي شرح بن الحارث بن قيس بن صيفيّ بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. ثم صارت إليه سِلْمًا بغير حرب ولا قتال. وكان سبب مراسلته إياها -فيما ذكر-: أنه فَقَد الهدهد يومًا في مسيرٍ كان يسيره، واحتاج إلي الماء فلم يَعلم مَنْ حضره بُعْدَه، وقيل له: علْم ذلك عند الهدهد، فسأل عن الهدهد فلم يجده. وقال بعضهم: بل إنما سأل سليمانُ عن الهدهد لإخلاله بالنّوبة (٢). (١: ٤٨٩). ٧٥٤ - فكان من حديثه وحديث مسيره ذلك وحديث بلقيس ما حدثني العباس بن الوليد الآمليّ، قال: حدثنا علي بن عاصم، قال: حدثنا عطاء بن السائب، قال: حدثني مجاهد، عن ابن عباس، قال: كان سليمان بن داود إذا سافر أو أراد سفرًا قَعَد علي سريره، ووضعت الكراسي يمينًا وشمالًا، فيأذن للإنس، ثم يأذن للجنّ عليه بعد الإنس، فيكونون خلْف الإنس، ثم يأذن للشياطين بعد الجنّ فيكونون خلْف الجنّ، ثم يرسل إلي الطير فتظلّهم من فوقهم، ثم يرسل إلي الريح فتحملهم وهو علي سريره، والناس علي الكراسيّ فتسير بهم، غدوُّها شهر ورواحُها شهر، رخاء حيث أصاب، ليس بالعاصف ولا الليّن، وسطًا بين ذلك. فبينما سليمان يسير- وكان سليمان اختار من كلّ طير طيرًا؛ فجعله رأس تلك الطير، فإذا أراد أن يسائل شيئًا من تلك الطير عن

стр. 2215

شيء سأل رأسها- فبينما سليمان يسير إذ نزل مفازةً فسأل عن بُعْد الماء هاهنا، فقال الإنس: لا ندري، فسأل الجنّ فقالوا: لا ندري، فسأل الشياطينَ، فقالوا: لا ندري، فغضب سليمان فقال: لا أبرحُ حتى أعلم كم بُعْد مسافة الماء هاهنا! قال: فقالت له الشياطين: يا رسولَ الله لا تغضب، فإن يك شيئًا يُعلم فالهدهد يعلمه، فقال سليمان: عليّ بالهدهد، فلم يوجدْ، فغضب سليمان فقال: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيرَ فَقَال مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (٢٠) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾، يقول: بعذر مبيّن [لِمَ] غاب عن مسيري هذا؟ وكان عقابُه للطير أن ينتِف ريشه ويشمّسه فلا يستطيع أن يطير، ويكون من هوامّ الأرض إن أراد ذلك، أو يذبحه، فكان ذلك عذابُه. قال: ومرَّ الهدهد علي قصر بلقيس، فرأي بستانًا لها خلْف قصرها، فمال إلي الخضرة فوقع عليها، فإذا هو بهدهدٍ لها في البستان، فقال هدهد سليمان: أينَ أنت عن سليمان؟ وما تصنع هاهنا؟ قال له هدهد بلقيس: ومَنْ سليمان؟ فقال: بعث الله رجلًا يقال له: سليمان رسولًا، وسخّر له الريح والجنّ والإنس والطير. قال: فقال له هدهد بلقيس: أيّ شيء تقول! قال: أقول لك ما تسمع، قال: إن هذا لعَجب، وأعجبُ من ذاك أنّ كثرة هؤلاء القوم تملكهم امرأة، ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾، جعلوا الشكر لله أن يسجدوا للشمس من دون الله. قال: وذكر الهدهد سليمان فنهض عنه، فلما انتهي إلي العسكر تلقَّتْه الطير وقالوا: توعّدك رسول الله، فأخبروه بما قال: قال: وكان عذاب سليمان للطير أن ينتف ريشه ويشمّسه فلا يطير أبدًا، فيصير من هوامّ الأرض، أو يذبحه فلا يكون له نسل أبدًا. قال: فقال الهدهد: أوَ ما استثني رسول الله؟ قالوا: بل قال: أو ليأتينّي بعذر مبين، قال: فلما أتي سليمانَ، قال: ما غيَّبك عن مسيري؟ قال: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإ بِنَبَإ يَقِينٍ (٢٢)﴾ حتى بلغ ﴿فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾. قال: فاعتلّ له بشيء، وأخبره عن بلقيس وقومها ما أخبره الهدهد، فقال له سليمان: قد اعتللت، ﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٧) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيهِمْ﴾، قال: فوافقها وهي في قصرها، فألقي إليها الكتَاب فسقَط في حِجْرها أنه كتاب كريم، وأشفقتْ منه، فأخذته وألقت عليه ثيابَها، وأمرت بسريرها فأخرج، فخرجت فقعدت عليه، ونادت في قومها؛

стр. 2216

فقالت لهم: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ ولم أكن لأقطع أمرًا حتى تشهدون، ﴿قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (٣٣)﴾ - إلي- ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾، فإن قبلَها فهذا ملِك من ملوك الدنيا وأنا أعزّ منه وأقوي، وإن لم يقبلْها فهذا شيء من الله. فلما جاء سليمانَ الهدية قال لهم سليمان: ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيرٌ مِمَّا آتَاكُمْ﴾ إلي قوله: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، يقول: وهم غير محمودين. قال: بعثتْ إليه بخَرَزة غير مثقوبة، فقالت: اثقب هذه، قال: فسأل سليمان الإنس فلم يكن عندهم علم ذاك، ثم سأل الجنّ فلم يكن عندهم علم ذاك، قال: فسأل الشياطين، فقالوا: ترسل إلي الأرَضة، فجاءت الأرَضة فأخذت شعرة في فيها فدخلت فيها فنقبتها بعد حين، فلما رجع إليها رسولها خرجت فزِعة في أول النهار من قومها وتبعها قومها، قال ابن عباس: وكان معها ألفَ قيل -قال ابن عباس: أهل اليمن يسمّون القائد قَيلًا- مع كل قَيل عشرة آلاف. قال العباس: قال عليّ: عشرة آلاف ألف (١). (١: ٤٨٩/ ٤٩٠ / ٤٩١). ٧٥٥ - قال العباس: قال عليّ: فأخبرنا حصين بن عبد الرحمن، قال: حدثني عبد الله بن شداد بن الهاد، قال: فأقبلت بَلقيس إلي سليمان ومعها ثلاثمئة قَيل واثنا عشر قَيلًا، مع كل قيل عشرة آلاف (٢). (١: ٤٩١). ٧٥٦ - قال عطاء، عن مجاهد، عن ابن عباس: وكان سليمان رجلًا مَهيبًا لا يُبتدَأ بشيء حتى يكون هو الذي يَسْألُ عنه، فخرج يومئذ فجلس علي سريره، فرأيَ رهجًا قريبًا منه، فقال: ما هذا؟ قالوا: بلقيس يا رسول الله! قال: وقد نزلت مِنّا بهذا المكان! قال مجاهد: فوصف لنا ذلك ابن عباس فحَزَرْته ما بين الكوفة والحيرة قَدْر فرسخ، قال: فأقبل علي جنوده فقال: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قَال عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ الذي أنت فيه إلي الحين الذي تقوم إلي غدائك. قال: قال سليمان: مَنْ يأتيني به قبل ذلك؟

стр. 2217

﴿قَال الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيكَ طَرْفُكَ﴾، فنظر إليه سليمان، فلما قطع كلامه ردّ سليمان بصَره علي العرش، فرأي سريرَها قد خرج ونبع من تحت كرسيه، ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَال هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ﴾ إذ أتاني به قبل أن يرتدّ إليّ طرفي ﴿أَمْ أَكْفُرُ﴾ إذ جعل مَنْ تحت يدِي أقدَرَ علي المجيء به مِنِّي. قال: فوضعوا لها عرشها، قال: فلما جِاءت قعدتْ إلي سليمان، قيل لها: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾؛ فنظرت إليه فقالت: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾! ثم قالت: لقد تركتُه في حصوني، وتركت الجنود محيطة به، فكيف جيء بهذا يا سليمان! إني أريد أن أسألك عن شيء فأخبرنيه، قال: سَلي، قالت: أخبرْني عن ماء رَوَاء، لا من سماء ولا من أرض- قال: وكان إذا جاء سليمان شيء لا يعلمه بدأ فسأل الإنس عنه، فإن كان عند الإنس فيه علم وإلّا سأل الجنّ، فإن لم يكن عند الجن علم به سأل الشياطين- قال: فقالت له الشياطين: ما أهونَ هذا يا رسول الله! مُرِ الخيل فلتجْر ثم تملأ الآنية من عَرَقها، فقال لها سليمان: عَرَقُ الخيل، قالت: صَدقت. قالت: أخبرْني عن لون الربّ. قال: قال ابن عباس: فوثب سليمان عن سريره فخرّ ساجدًا. قال العباس: قال عليّ: فأخبرني عمرو بن عبيد عن الحسن، قال: صعِق فغُشِيَ عليه، فخرّ عن سريره (١). (١: ٤٩٢/ ٤٩١). ٧٥٧ - ثم رجع، إلي حديثه قال: فقامت عنه، وتفرّقت عنه جنوده، وجاءه الرسول فقال: يا سليمان، يقول لك ربك: ما شأنُك؟ قال: سألتَني عن أمر يكابرني -أو يكابدني- أن أعيدَه، قال: فإنَّ الله يأمرك أن تعودَ إلي سريرك فتقعد عليه، وترسل إليها وإلي مَنْ حضرها من جنودها، وترسِل إلي جميع جنودك الذين حضروا فيدخلوا عليك فتسألها وتسألهم عما سألتك عنه. قال: ففعل، فلما دخلوا عليه جميعًا، قال لها: عمَّ سألتِني؟ قالت: سألتك عن ماء رَوَاء، لا من سماء ولا من أرض، قال: قلت لكِ: عرَق الخيل، قالت: صدقت، قال: وعن أبيّ شيء سألتِني؟ قالت: ما سألتك عن شيء غير هذا. قال: قال لها سليمان، فلأيّ شيء خررتُ عن سريري؟ قالت: قد كان ذاك لشيء لا أدري ما هو -قال العباس: قال عليّ: نسيتْه- قال: فسأل جنودَها فقالوا مثل ما قالت،

стр. 2218

قال: فسأل جنودَه من الإنس والجنّ والطير وكلّ شيء كان حضره من جنوده، فقالوا: ما سألْتك يا رسول الله إلا عن ماء رَوَاء، قال: - وقد كان قال له الرسول: يقول الله لك: عُدْ إلي مكانك فإني قد كفيتُكهم- قال: وقال سليمان: للشياطين: ابنُوا لي صَرْحًا تدخل عليّ فيه بلقيس، قال: فرجع الشياطين بعضُهم إلي بعض، فقالوا: سليمان رسول الله قد سخّر الله له ما سخّر، وبلقيس ملكة سبأ ينكِحها فتلد له غلامًا، فلا ننفكّ من العبوديّة أبدًا. قال: وكانت امرأة شَعْراء الساقين، فقالت الشياطين: ابنوا له بنيانًا ليري ذلك منها، فلا يتزوجها، فبنوْا له صرحًا من قوارير أخضر، وجعلوا له طوابيق من قوارير كأنه الماء، وجعلوا في باطن الطوابيق كلَّ شيء يكون من الدوابّ في البحر من السمك وغيره، ثم أطبقوه، ثم قالوا لسليمان: ادخل الصّرح، قال: فألقِي لسليمان كرسيّ في أقصي الصّرح، فلما دخله ورأي ما رأي أتي الكرسيّ، فقعد عليه، ثم قال: أدخلوا عليّ بلقيس، فقيل لها: ادخلي الصّرح، فلما ذهبت تدخله رأت صورةَ السمك وما يكون في الماء من الدوابّ، فحسبته لُجّة (حسبته ماء) وكشفت عن ساقْيها لتدخل، وكان شعرُ ساقيها ملتويًا علي ساقيها، فلما رآها سليمان، ناداها وصرف بصرَه عنها: إنه صَرْح ممرّد من قوارير، فألقت ثوبَها فقالت: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (٤٤)﴾ قال: فدعا سليمان الإنس فقال: ما أقبح هذا! ما يُذْهِب هذا؟ قالوا: يا رسول الله الموسي. قال: المواسي تقطع ساقَي المرأة. قال: ثم دعا الجن فسألهم فقالوا: لا ندري ثم دعا الشياطين فقال: ما يذهب هذا؟ قالوا مثل ذلك: الموس فقال: المواس تقطع ساقي المرأة قال: فتلكّؤوا عليه، ثم جعلوا له النُّورَة- قال ابن عباس: فإنه لأولُ يوم رُئِيت فيه النُّورة- فاستنكحها سليمان (١). (١: ٤٩٣/ ٤٩٤). ٧٥٨ - حدثنا ابن حميد: قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب ابن منبّه، قال: لما رجعتِ الرسل إلي بلقيس بما قال سليمان، قالت: قد والله عرفتُ ما هذا بملك، وما لنا به من طاقة، وما نصنعُ

стр. 2219

بمكاثرته شيئًا، وبعثت إليه أنّي قادمة عليك بملوك قومي حتى أنظرَ ما أمرك، وما تدعو إليه من دينك، ثم أمرت بسرير مُلْكها الذي كانت تجلس عليه- وكانَ من ذهب مفصّص بالياقوت والزبرجَد واللؤلؤ- فجُعل في سبعة أبيات بعضها في بعض، ثم أقفلت علي الأبواب، وكانت إنما تَخدُمها النساء، معها ستمئة امرأة تخدُمها. ثم قالت لمن خلّفت علي سلطانها: احتفظ بما قبَلك، وسرير ملكي فلا يخلص إليه أحد، ولا يرينَّه حتى آتيك. ثم شخصت إلي سليمان في اثني عشر ألف قَيل معها من ملوك اليمن، تحت يد كل قَيل منهم ألوف كثيرة، فجعل سليمان يبعث الجنّ فيأتونه بمسيرها ومنتَهاها كلَّ يوم وليلة، حتى إذا دنت جَمَع من عنده من الجنّ والإنس ممن تحت يديه، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨)﴾. قال: وأسلمتْ فحسُن إسلامها. قال: فزُعم: أنّ سليمان قال لها حين أسلمت وفرغ من أمرها: اختاري رجلًا من قومك أزوّجكه، قالت: ومثلي يا نبيّ الله ينكح الرجال، وقد كان لي في قومي من الملك والسلطان ما كان لي! قال: نعم، إنّه لا يكون في الإسلام إلا ذلك، ولا ينبغي لك أن تُحرِّمي ما أحلَّ الله لك، فقالت: زوّجني إن كان لا بد ذا تُبَّع مَلك هَمْدان، فزوجه إياها، ثم ردَّها إلي اليمن، وسلّط زوجها ذا تُبَّع علي اليمن، ودعي زوبعة أمير جنّ اليمن فقال: اعمل لذي تبَّع ما استعملك لقومه. قال: فصنع لذي تبَّع الصنائع باليمن، ثم لم يزل بها ملكًا يُعمل له فيها ما أراد؛ حتى مات سليمان ابن داود ﵇. فلما حال الحول وتبينت الجنّ موتَ سليمان أقبل رجل منهم، فسلك تهامة حتى إذا كان في جوف اليمن صرخ بأعلي صوته: يا معشرَ الجِنّ! إن الملك سليمان قد مات فارفعوا أيديَكم قال: فعمدت الشياطين إلي حجرين عظيمين، فكتبوا فيهما كتابًا بالمسنَد: نحن بنينا سَلْحين، سبعة وسبعين خريفًا دائبِين، وبنينا صِرْوَاح ومراح وبَينُون برحاضة أيدين، وهندة وهنيدة، وسبعة أمجِلة بقاعة، وتلثوم برَيدة، ولولا صارخ بتهامة، لتركنا بالبون إمارة. قال: وسَلْحِين [وصِرْواح] ومَراح وبَينُون وهندة وهنيدة وتلثوم حصون كانت باليمن، عملتها الشياطين لذي تُبّع، ثم رفعوا أيديهم، ثم انطلقوا، وانقضي

стр. 2220

ملك ذي تُبّع وملك بلقيس مع ملك سليمان بن داود ﵉ (١) (١: ٤٩٤/ ٤٩٥). ذكر غزوته أبا زوجته جرادة وخبر الشيطان الذي أخذ خاتمه ٧٥٩ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، عن بعض العلماء، قال: قال وهب بن منبّه: سمع سليمان بمدينة في جزيرة من جزائر البحر، يقال لها: صيدون، بها ملك عظيم السلطان لم يكن للناس إليه سبيل، لمكانه في البحر، وكان الله قد آتي سليمان في ملكه سلطانًا لا يمتنع منه شيء في برّ ولا بحر، إنما يركب إليه إذا ركب علي الريح، فخرج إلي تلك المدينة تحمِله الريح علي ظهر الماء، حتى نزل بها بجنوده من الجنّ والإنس، فقتل ملكَها واستفاء ما فيها، وأصاب فيما أصاب ابنةً لذلك الملك لم يُر مثلُها حسنًا وجمالًا، فاصطفاها لنفسه، ودعاها إلي الإسلام فأسلمت علي جفاء منها وقلة ثقة، وأحبّها حبًّا لم يحبّه شيئًا من نسائه، ووقعت نفسُه عليها، فكانت علي منزلتها عنده لا يذهب حزنُها، ولا يرقأ دمعها، فقال لها لما رأي ما بها وهو يشقّ عليه [من ذلك] ما يري: ويحكِ، ما هذا الحزن الذي لا يذهب، والدمعُ الذي لا يرقأ! قالت: إن أبي أذكُره وأذكر ملكَه وما كان فيه وما أصابه، فيحزنني ذلك، قال: فقد أبدَلك الله [به] ملكًا هو أعظم من ملكه، وسلطانًا هو أعظم من سلطانه، وهداك للإسلام وهو خير من ذلك كلِّه، قالت: إنّ ذلك لكذلك؛ ولكنّي إذا ذكرتُه أصابني ما [قد] تري من الحزن، فلو أنّك أمرت الشياطين، فصوّروا صورة أبي في داري التي أنا فيها، أراها بكرة وعشيًّا لرجوتُ أن يُذهب ذلك حزني، وأن يسلِّيَ عني بعض ما أجد في نفسي، فأمر سليمان الشياطين، فقال: مثِّلوا لها صورة أبيها في دارها حتى ما تنكر منه شيئًا، فمثّلوه لها حتى نظرت إلي أبيها في نفسه، إلا أنه لاروح فيه، فعمِدت إليه حين صنعوه لها فأزّرته وقمّصتْه وعَمّمته وردّته بمثل ثيابه التي كان يلبس، مثل ما كان يكون فيه من هيئة، ثم كانت إذا خرج سليمان من دارها تغدُو عليه في ولائدها حتى تسجد له، ويسجدْنَ له، كما كانت تصنع به في ملكه، وتروح كلَّ عشية بمثل ذلك،

стр. 2221

لا يعلم سليمانُ بشيء من ذلك أربعين صَباحًا، وبلغ ذلك آصف بن برخيا -وكان صدِّيقًا، وكان لا يُرَدّ عن أبواب سليمان أيّ ساعة أراد دخولَ شيء من بيوته دخل، حاضرًا كان سليمان أو غائبًا- فأتاه فقال: يا نبيّ الله! كبِرت سِني، ودقّ عظمي، ونفِد عمري، وقد حان مني ذهاب! وقد أحببت أن أقوم مقامًا قبل الموت أذكر فيه مَنْ مضي من أنبياء الله، وأثني عليهم بعلمي فيهم، وأعلم الناسَ بعضَ ما كانوا يجهلون من كثير من أمورهم، فقال: افعل، فجمع له سليمان الناس، فقام فيهم خطيبًا، فذكر مَنْ مضي من أنبياء الله، فأثني علي كلّ نبيّ بما فيه، وذكر ما فضّله الله به، حتى انتهي إلي سليمان وذكَره، فقال: ما كان أحلمَك في صغرك، وأورعَك في صغرك، وأفضلك في صغرك، وأحكم أمرك في صغرك، وأبعدك من كلّ ما يُكْرَه في صغرك! ثم انصرف فوجَد سليمان في نفسه حتى ملأه غضبًا، فلما دخل سليمان دارَه أرسل إليه، فقال: يا آصف! ذكرت مَنْ مضي من أنبياء الله فأثنيت عليهم خيرًا في كلِّ زمانهم، وعلي كلِّ حال من أمرهم، فلما ذكرتَني جعلت تُثني عليّ بخيرٍ في صغري، وسكتّ عما سِوي ذلك من أمري في كِبَري، فما الذي أحدثتُ في آخر أمري؟ قال: إن غيرَ الله ليُعبَد في دارك منذ أربعين صباحًا في هوي امرأة، فقال: في داري! فقال: في دارك، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون! لقد عرفتُ أنك ما قلتَ إلّا عن شيء بلغك، ثم رجع سليمان إلي داره فكسَّر ذلك الصنم، وعاقب تلك المرأة وولائدها، ثم أمر بثياب الطهرة فأتِيَ بها، وهي ثياب لا يغزلها إلا الأبكار، ولا ينسجها إلا الأبكار، ولا يغسلها إلا الأبكار، ولا تمسّها امرأة قد رأت الدم، فلبسها ثم خرج إلي فلاة من الأرض وحدَه، فأمر برماد ففرش له، ثم أقبل تائبًا إلي الله حتى جلس علي ذلك الرماد، فتمعّك فيه بثيابه تذللًا لله جلّ وعزّ وتضرّعًا إليه، يبكي ويدعو ويستغفر مما كان في داره، ويقول فيما يقول: -فيما ذكر لي والله أعلم-: رَبِّ ماذا ببلائك عند آل داود أن يعبدوا غيرك، وأن يُقِرّوا في دورهم وأهاليهم عبادةَ غيرك! فلم يزلْ كذلك يومه حتى أمسي، يبكي إلي الله ويتضرّع إليه ويستغفره، ثم رجع إلي داره- وكانت أمّ ولد له يقال لها: الأمينة، كان إذا دخل مذهبَه، أو أراد إصابة امرأة من نسائه وضع خاتمَه عندها حتى يتطهّر، وكان لا يمسّ خاتَمه إلا وهو طاهر، وكان ملكُه في خاتمه، فوضعه يومًا من تلك الأيام عندها كما كان يضعه. ثم دخل مذهبه، وأتاها الشيطانُ صاحب البحر

стр. 2222

-وكان اسمه صخرًا- في صورة سليمان لا تنكر منه شيئًا، فقال: خاتَمي يا أمينة! فناولته إياه، فجعله في يده، ثم خرج حتى جلس علي سرير سليمان، وعكَفت عليه الطير والجنّ والإنس، وخرج سليمان فأتي الأمينة، وقد غُيّرت حالته وهيئته عند كلِّ من رآه، فقال: يا أمينة، خاتَمي! فقالت: ومن أنت؟ قال: أنا سليمان بن داود، فقالت: كذبتَ، لست بسليمان بن داود، وقد جاء سليمان فأخذ خاتَمه، وهو ذاك جالس علي سريره في ملكه. فعرف سليمانُ: أن خطيئته قد أدركته، فخرج فجعل يقِف علي الدار من دور بني إسرائيل، فيقول: أنا سليمان بن داود، فيحثُون عليه الترابَ ويسبُّونه، ويقولون: انظروا إلي هذا المجنون، أيّ شيء يقول! يزعم أنه سليمان بن داود، فلما رأي سليمان ذلك عمِد إلي البحر، فكان ينقل الحيتان لأصحاب البحر إلي السوق، فيُعطونه كلّ يوم سمكتين، فإذا أمسي باع إحدي سمكتيه بأرغفة وشوي الأخرى، فأكلَها، فمكث بذلك أربعين صباحًا، عِدّة ما عُبِد ذلك الوثن في داره، فأنكر آصف [بن برخيا] وعظماء بني إسرائيل حُكْم عدوّ الله الشيطان في تلك الأربعين صباحًا، فقال آصف: يا معشر بني إسرائيل! هل رأيتم من اختلاف حكم ابن داود ما رأيت؟ قالوا: نعم، قال: امهلوني حتى أدخل علي نسائه فأسألهنّ: هل أنكرنَ منه في خاصة أمره ما أنكرنا في عامة أمر الناس وعلانيته؟ فدخل علي نسائه فقال: ويحكنّ! هل أنكرتنّ من أمر ابن داود ما أنكرنا؟ فقلن: أشدُّه ما يدع امرأة منّا في دمها، ولا يغتسل من جنابة، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون! إن هذا لَهو البلاء المبين، ثم خرج إلي بني إسرائيل، فقال: ما في الخاصّة أعظم مما في العامّة، فلما مضي أربعون صباحًا طار الشيطان عن مجلسه، ثم مرّ بالبحر، فقذف الخاتم فيه، فبلعته سمكة، وبصر بعض الصيادين فأخذها وقد عمل له سليمان صدر يومه ذلك، حتى إذا كان العشيّ أعطاه سمكتيه، فأعطي السمكة التي أخذت الخاتم، ثم خرج سليمان بسمكتيه فيبيع التي ليس في بطنها الخاتم بالأرغفة، ثم عمد إلي السمكة الأخرى فبقَرها ليشويَها فاستقبله خاتمه في جوفها، فأخذه فجعله في يده ووقع ساجدًا لله، وعكَفَ عليه الطير والجنّ، وأقبل عليه الناس وعرف أن الذي دخل عليه لما كان أحدث في داره، فرجع إلي ملكه، وأظهر التوبةَ من ذنبه، وأمر الشياطين فقال: ائتوني به، فطلبتْه له الشياطين حتى أخذوه، فأتي به، فجاب له صخرة، فأدخله فيها، ثم سدّ عليه

стр. 2223

بأخري، ثم أوثقها بالحديد والرصاص، ثم أمر به فقذف في البحر (١). (١: ٤٩٦/ ٤٩٧ / ٤٩٨/ ٤٩٩). ٧٦٠ - حدثنا محمد بن الحسين، قال: حدثنا أحمد بن المفضل، قال: حدثنا أسباط، عن السديّ في قوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيمَانَ وَأَلْقَينَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾، قال: الشيطان حين جلس علي كرسيه أربعين يومًا، قال: كان لسليمان مئة امرأة، وكانت امرأة منهنّ يقال لها: جرادة، وهي آثر نسائه عنده، وآمنهنّ عنده، وكان إذا أجنب أو أتي حاجة نزع خاتمه، ولا يأتمن عليه أحدًا من الناس غيرَها، فجاءته يومًا من الأيام فقالت [له]: إن أخي بينه وبين فلان خصومة، وأنا أحبّ أن تقضيَ له إذا جاءك، فقال: نعم، ولم يفعل، فابتُلي فأعطاها خاتمه، ودخل المخرج فخرج الشيطان في صورته، فقال: هاتي الخاتم، فأعطته، فجاء حتى جلس علي مجلس سليمان، وخرج سليمان بعد فسألها أن تعطيَه خاتمه، فقالت: ألم تأخذه قبل؟ قال: لا، وخرج من مكانه تائهًا، قال: ومكث الشيطان يحكم بين الناس أربعين يومًا. قال: فأنكر الناس أحكَامه، فاجتمع قراء بني إسرائيل وعلماؤهم، وجاؤوا حتى دخلوا علي نسائه فقالوا: إنا قد أنكرنا هذا، فإن كان سليمان، فقد ذهب عقله، وأنكرنا أحكامه! قال: فبكي النساء عند ذلك، قال: فأقبلوا يمشون حتى أتوْه، فأحدقوا به ثم نشروا فقرؤوا التوراة، قال: فطار من بين أيديهم حتى وقع علي شرفة والخاتم معه، ثم طار حتى ذهب إلي البحر، فوقع الخاتم منه في البحر، فابتلعه حوت من حيتان البحر، قال: وأقبل سليمان في حاله التي كان فيها حتى انتهي إلي صياد من صيادي البحر وهو جائع، وقد اشتدّ جوعه، فاستطعمه من صيدهم، وقال: إني أنا سليمان، فقام إليه بعضُهم فضربه بعصًا فشجّه، قال: فجعل يغسل دمه وهو علي شاطيء البحر، فلام الصيادون صاحبَهم الذي ضربه، وقالوا: بئس ما صنعت حيث ضربته! قال: إنه زعم أنه سليمان، قال: فأعطوْه سمكتين مما قد ضُرب عندهم، فلم يشغله ما كان به من الضرب، حتى قام علي شط البحر، فشقّ بطونهما، وجعل يغسلهما، فوجد خاتَمه في بطن إحداهما، فأخذه فلبسه، فردّ الله عليه بهاءه ومُلْكَه، وجاءت الطير حتى حامتْ عليه، فعرف القومُ أنه

стр. 2224

سليمان، فقام القوم يعتذرون مما صنعوا؛ فقال: ما أحمدكم علي عُذْركم، ولا ألومكم علي ما كان منكم، كان هذا الأمر لا بدّ منه. قال: فجاء حتى أتي مُلْكَه، فأرسل إلي الشيطان فجيء به، وسُخّرتْ له الريحِ والشياطين يومئذ، ولم تكن سُخِّرت له قبل ذلك، وهو قوله: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾. وبعث إلي الشيطان فأتي به، فأمر به فجعل في صندوق من حديد، ثم أطبق عليه، وأقفل عليه بقُفْل، وختم عليه بخاتَمه، ثم أمر به فألقِيَ في البحر، فهو فيه حتى تقوم الساعة، وكان اسمه حبقيق (١). (١: ٤٩٩/ ٥٠٠ / ٥٠١). ٧٦١ - قال أبو جعفر: ثم لبث سليمان بن داود في ملكه بعد أن ردّه الله إليه، تعمل له الجنّ ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات، وغير ذلك من أعماله، ويعذّب من الشياطين من شاء، ويطلق من أحبّ منهم إطلاقه، حتى إذا دنا أجله، وأراد الله قبضه إليه، كان من أمره -فيما بلغني- ما حدثني به أحمد بن منصور، قال حدثنا موسى بن مسعود أبو حذيفة، قال: حدثنا إبراهيم بن طهمان عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: كان سليمان نبيّ الله إذا صلّي رأي شجرة نابتة بين يديه، فيقول لها: ما اسمك؟ فتقول: كذا وكذا، فيقول: لأيّ شيء أنت؟ فإن كانت لغرس غُرِست، إن كانت لدواء كتبت، فبينما هو يصلّي ذات يوم إذ رأي شجرة بين يديه، فقال لها: ما اسمُك؟ قالت: الخرُّوب، قال: لأيّ شيء أنت؟ قالت: لخراب هذا البيت، فقال سليمان: اللهم عَمّ علي الجنّ موتي حتى يعلم الإنس: أن الجنّ لا يعلمون الغيب، فنحتها عصًا، فتوكأ عليها حولًا ميتًا، والجنّ تعمل، فأكلتها الأرضة فسقط، فتبينت الإنس: أن الجنّ لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين. قال: وكان ابن عباس يقرؤها: (حولًا في العذاب المهين). قال: فشكرت الجنّ الأرَضة، فكانت تأتيها بالماء (٢). (١: ٥٠١).

стр. 2225

٧٦٢ - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد عن أسباط، عن السدّيّ في حديث ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس -وعن مرة الهمْدَانِيّ، عن ابن مسعود- وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ قال: كان سليمان يتجرّد في بيت المقدس السنة والسنتين، والشهْرَ والشهرين، وأقلّ من ذلك وأكثر، يدخل طعامه وشرابه، فأدخله في المرّة التي مات فيها، فكان بدء ذلك: أنه لم يكن يومٌ يصبح فيه إلا نبتت في بيت المقدس شجرة، فيأتيها، فيسألها: ما اسمك؟ فتقول الشجرة: اسمي كذا وكذا، فيقول لها: لأيّ شيء نبتّ؟ فتقول: نبتّ لكذا وكذا فيأمر بها فتقطع، فإن كانت نبتتْ لغرس غرسها، وإن كانت نبتت دواء قالت: نبتّ دواء لكذا وكذا، فيجعلها لذلك، حتى نبتت شجرة يقال لها: الخروبة فسألها: ما اسمك؟ قالت: أنا الخروبة، قال ولأي شيءٍ نبتِ قالت نبت لخراب هذا المسجد قال سليمان: ما كان الله ليخربه وأنا حيّ، أنت التي علي وجهك هلاكي وخرابُ بيت المقدس، فنزعها وغرسها في حائط له، ثم دخل المحراب فقام يصلي متكئًا علي عصاه فمات، ولا تعلم به الشياطين، وهم في ذلك يعملون له يخافون أن يخرج فيعاقبهم، وكانت الشياطين تجتمع حولَ المحراب، وكان المحراب له كُويً بين يديه وخلفه، فكان الشيطان الذي يريد أن يخلع يقول: ألست جليدًا إن دخلت فخرجت من ذلك الجانب؟ فيدخل حتى يخرج من الجانب الآخر، فدخل شيطان من أولئك، فمرّ- ولم يكن شيطان ينظر إلي سليمان في المحراب إلا احترق- ولم يسمع صوت سليمان، ثم رجع فلم يسمع، [ثم رجع فلم يسمع] ثم رجع فوقف في البيت فلم يحترق، ونظر إلي سليمان قد سقط ميتًا، فخرج فأخبر الناس أن سليمان قد مات، ففتحوا عنه فأخرجوه، ووجدوا مِنْسأته- وهي العصا بلسان الحبشة- قد أكلتها الأرَضة، ولم يعلموا منذ كم مات، فوضعوا الأرَضةَ علي العصا، فأكلت منها يومًا وليلة، ثم حسبوا علي ذلك النحو فوجدوه قد مات منذ سنة، وهي في قراءة ابن مسعود: (فمكثوا يدينون له من بعد موته حولًا كاملًا)، فأيقن الناس عند ذلك: أن الجنّ كانوا يكذبونهم، ولو أنهم علموا الغيب لعلموا موت سليمان، ولم يلبثوا في العذاب سنة يعملون له، وذاك قول الله : ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إلا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾ -إلى قوله- ﴿فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ يقول: بيَّن

стр. 2226

أمرهم للناس: أنهم كانوا يكذبونهم. ثم إن الشياطين قالوا للأرضة: لو كنتِ تأكلين الطعام أتيناك بأطيب الطعام، ولو كنتِ تشربين الشراب سقيناك أطيب الشراب، ولكنا سننقل [إليك] الماء والطين. قاله: فهم ينقلون إليها ذلك حيث كانت. قال: ألم تر إلي الطين الذي يكون في جوف الخشب فهو ما يأتيها به الشياطين شكرًا لها! وكان جميع عمر سليمان بن داود فيما ذكر نيفًا وخمسين سنة، وفي سنة أربع من ملكه ابتدأ ببناء بيت المقدس فيما ذكر (١). (١: ٥٠٢/ ٥٠٣). أمر إسرائيل بعد سليمان بن داود ﵉ ٧٦٢ / أ- رجع الحديث إلي الخبر عن أمر بني إسرائيل بعد سليمان بن داود ﵉. ثم ملك بعد سليمان بن داود علي جميع بني إسرائيل ابنه رُحُبْعُم بن سليمان، وكان ملكه -فيما قيل- سبع عشرة سنة. ثم افترقت ممالكُ بني إسرائيل فيما ذكر بعد رُحُبْعُم، فكان أبيَّا بن رُحُبْعُم ملك سبط يهوذا وبنيامين، دون سائر الأسباط؛ وذلك: أنّ سائر الأسباط ملّكوا عليهم يوربعم بن نابط عبد سليمان، لسبب القربان الذي كانت زوجة سليمان قرّبته في داره، وكانت قرّبت فيها جرادةُ لصنم، فتوعّده الله بإزالة بعضِ الملْك عن ولده، فكان ملك رُحُبْعُم إلي أن تُوُفّيَ -فيما ذكر- ثلاث سننين. ثم ملك أسَا بن أبيَّا أمر السِّبْطين اللذين كان أبوه يملك أمرهما -وهما سبط يهوذا وسبط بنيامين- إلي أن توفِّي، إحدي وأربعين سنة (٢). (١: ٥١٧). ذكر خبر أسَا بن أبِيَّا وزرح الهنديّ ٧٦٣ - حدثني محمد بن سهل بن عسكر، قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدثني عبد الصمد بن معقل: أنه سمع وهب بن منبِّه يقول:

стр. 2227

إن ملكًا من ملوك بني إسرائيل يقال له: أسا بن أبيَّا، كان رجلًا صالحًا، وكان أعرَج، وكان ملك من ملوك الهند يقال له: زرح، وكان ملكًا جبارًا فاسقًا يدعو الناس إلي عبادته، وكان أبيَّا عابدَ أصنام؛ له صنمان يعبدهما من دون الله، ويدعو الناسَ إلي عبادتهما؛ حتى أضلّ عامة بني إسرائيل، وكان يعبدُ الأصنام حتى توفِّي. ثم ملك ابنه أسَا من بعدِه، فلما ملكهم بعث فيهم مناديًا ينادي: ألَا إنَّ الكفر قد مات وأهلُه، وعالش الإيمان وأهلُه، وانتكست الأصنام وعبادتُها، وظهرت طاعة الله وأعمالُها، فليس كافر من بني إسرائيل يُطلع رأسه بعد اليوم بكُفْر في ولايتي ودهري، إلا أنّي قاتله. فإن الطوفان لم يُغرِق الدنيا وأهلها، ولم يخسف بالقري، ولم تمطر الحجارة والنار من السماء إلا بترك طاعة الله، وإظهار معصيته؛ فمن أجل ذلك ينبغي لنا ألّا نقرّ لله معصيةً يُعمَل بها، ولا نترك طاعة لله إلا أظهرناها جهدَنا، حتى نطهِّر الأرض من نَجَسها، ونُنقِّيها من دنسها، ونجاهد مَنْ خالفَنا في ذلك بالحرب والنفي من بلادنا. فلما سمع ذلك قومُه ضجُّوا وكرهوا، فأتوْا أمَّ أسا الملك فشكوْا إليها فعل ابنها بهم وبآلهتهم، ودعاءه إياهم إلي مفارقة دينهم، والدخول في عبادة ربِّهم، فتحمّلتْ لهم أمه أن تكلِّمَه وتصرفَه إلي عبادة أصنام والده؛ فبينا الملك قاعد وعنده أشراف قومه ورؤوسهم وذوو طاعتهم؛ إذ أقبلتْ أمّ الملك فقام لها الملك من مجلِسه، وأمرَها أن تجلس فيه، معرفةً بحقها، وتوقيرًا لها. فأبت عليه وقالت: لستَ ابني إن لم تجبني إلي ما أدعوك إليه، وتضع طاعتك في يدي حتى تفعل ما آمرك به، وتجيبَني إلي أمر؛ إن أطعتَني فيه؛ رَشَدت وأخذت بحظّك، وإن عصيتَني؛ فحطَّك بخَست، ونفسَك ظلمت. إنه بلغَني يا بنيّ أنك بدأت قومك بالعظيم؛ دعوتَهم إلي مخالفة دينهم، والكفرِ بآلهتهم، والتحوّل عَمَّا كان عليه آباؤهم، وأحدثت فيهم سنّة، وأظهرت فيهم بدعة؛ أردت بذلك -فيما زعمتَ- تعظيمًا لوقارك، ومعرفَةً بمكانك، وتشديدًا لسلطانك؛ وفي التقصير يا بني دخلت، وبالشَّين أخذت، ودعوت جميعَ الناس إلي حربك، وانتدبت لقتالهم وحدك؛ أردت بذلك أن تُعيد الأحرار لك عبيدًا، والضعيف لك شديدًا؛ سفَّهت بذلك رأيَ العلماء، وخالفتَ الحكماء، واتبّعت رأي السفهاء، ولعمرِي ما حملك علي ذلك يا بنيّ إلا كثرةُ طيشك، وحداثةُ سنِّك، وقلّةُ علمك؛ فإن

стр. 2228

أنت رددتَ عليّ كلامي، ولم تعرفْ حقي، فلستَ من نسل والدك، ولا ينبغي الملْك لمثلك، يا بنيّ بأيّ شيء تُدِلُّ علي قومك؟ لعلك أوتيت من الحروف مثل ما أتي موسى إلي فرعون؛ أن غرّقه وأنجي قومه من الظَّلمة. أو لعلك أوتيت من القوة ما أوتي داود؛ أن قتلَ الأسد لقومه، ولحِق الذئب فشقّ شِدْقه، وقتل جالوت الجبّار وحده. أو لعلك أوتيتَ من الملك والحكمة أفضلَ ممَّا أوتي سليمان بن داود رأس الحكماء؛ إذ صارت حكمتُه مثلًا للباقين بعده! يا بنيّ إنه ما يأتِك من حسنة فأنا أحظَي الناس بها، وإن تكن الأخرى فأنا أشقاهم بشقوتك. فلما سمعها الملك اشتدّ غضبُه، وضاق صدره، فقال لها: يا أمّه! إنه لا ينبغي أن آكلَ علي مائدة واحدة مع حبيبي وعدوي، كذلك لا ينبغي أن أعبدَ غيرَ ربِّي. هلمِّي إلي أمر إن أطَعْتني فيه، رَشدت، وإن تركتِه؛ غويت؛ أن تعبدي الله وتكفرِي بكلّ آلهة دونه، فإنه ليس أحد يردُّ هذا عليّ إلا هو لله عدوّ، وأنا ناصره لأني عبدُه. قالت له: ما كنت لأفارقَ أصنامي، ولا دينَ آبائي وقومي. ولا أترك ذلك لقولك، ولا أعبد الربّ الذي تدعوني إليه. فقال لها الملك: حينئذ يا أمّه! إنّ قولَك هذا قد قطع فيما بيني وبينك رحِمي. وأمر بها الملك عند ذلك فأخرَجوها وغرّبوها، ثم أوصي إلي صاحب شُرْطته وبابه أن يقتلَها إن هي ألمّت بمكانه. فلما سمع ذلك منه الأسباط الذين كانوا حوله وقعت في قلوبهم المهابة، فأذعنوا له بالطاعة، وانقطعت فيما بينهم وبينه كلّ حيلة، وقالوا: قد فعل هذا بأمّه، فأين نقع نحن منه إذا خالفنا في أمره، ولم نجبه إلي دينه! فاحتالوا له كلّ حيلة، فحفظه الله وأباد مكرَهم. فلما لم يكن لهم عن ذلك صبر، ولا علي فراق دينهم قوام؛ ائتمورا بأن يهربُوا من بلاده، ويسكنوا بلادًا غيرها؛ فخرجوا متوجِّهين إلي زَرْح ملك الهند يطلبون أن يستحملوه علي أسَا ومن اتبعه؛ فلما دخلوا علي زرْح سجدوا له، فقال لهم: مَنْ أنتم؟ قالوا: نحن عبيدك، قال: وأيّ عبيدي أنتم؟ قالوا: نحن من أرضك أرضِ الشام، وإنّا كنا نعتزّ بملكك، حتى ظهر فينا ملك صبيّ حديث السنّ سفيه، فغيّر ديننا، وسفّه رأينا، وكفّر آباءنا، وهان عليه سخطُنا، فأتيناك لنُعلمك ذلك، فتكون أنت أولي بملكنا؛

стр. 2229

ونحن رؤوسهم، وهي أرض كثير مالها، ضعيف أهلها، طيّبة معيشتها، كثيرة أنضارها، وفيهم الكنوز وملْك ثلاثين ملكًا، وهم الذين كان يوشع بن نون خليفة موسى سار بهم في البحر هو وقومه؛ فنحن وأرضنا لك، وبلادنا بلادك، وليس أحدٌ فيها يناصبك، هم دافعون أيديَهم إليك بغير قتال، بأموالهم وأنفسهم مسالمة. قال لهم زرح: لَعَمْري، ما كنت لأجيبَكم إلي ما دعوتموني إليه، ولا أستجيب إلي مقاتلة قوم لعلّهم أطوعُ لي منكم، حتى أبعثَ إليهم من قومي أمناء، فإن وقع الأمرُ علي ما تكلّمتم به قدّامي؛ نفعكم ذلك عندي، وجعلتُكم عليها ملوكًا، وإن كان كلامكم كذبًا؛ فإني منزِل بكم العقوبة التي تنبغي لمن كذَبني. قال القوم: تكلّمتَ بالعدل، وحكمتَ بالقسط، ونحن به راضون. فأمر عند ذلك بالأرزاق فأجريَت عليهم، واختار من قومه أمناء ليبعثهم جواسيس، فأوصاهم بوصيته، وخوَّفهم وحذَّرهم بطشه إن هم كذَبوه، ووعدهم المعروف إن هم صدَقوه، وقال زرح: إنّي مرسلكم لأمانتكم، وشحّكم علي دينكم، وحسن رأيكم في قومكم، لتطالعوا لي أرضًا من أرضي، وتبحثوا لي عن شأنها، وتُعلموني عِلْم أهلها وملِكها وجنودها وعددها وعدد مياهها، وفِجاجها وطرقها، ومداخلها ومخارجها، وسهولتها وصعوبتها؛ حتى كأني شاهد ذلك وعالمه، وحاضر ذلك وخابره. وخذوا معَكم من الخزائن من الياقوت والمرجان والكسوة ما يفرغون إليه إذا رأوْه، ويشترون منكم إذا نظروا إليه. فأمكنهم من خزائنه حتى أخذوا منها، فجهّزهم لبَرّهم وبحرهم، ووصف لهم القوم الذين أتوهم الطرقَ، ودلّوهم علي مقاصدها، فساروا كالتجار؛ حتى نزلوا ساحِلَ البحر، ثم ركبوا منه حتى أرسوْا علي ساحل إيلِيَاء، ثم ساروا حتى دخلوها، فخلّفوا أثقالهم فيها، وأظهروا أمتعتهم وبضاعتهم، ودعوا الناس إلي أن يشتروا منهم؛ فلم يفرُغوا لبضاعتهم، وكسدت تجارتُهم، فجعلوا يُعطون بالشيء القليل الشيءَ الكثير؛ لكيلا يخرجوهم من قريتهم، حتى يعلموا أخبارَهم، ويحقُّوا شأنهم ويستخرجوا ما أمرهم به ملكهم من أخبارهم. وكان أسا الملك قد تقدّم إلي نساء بني إسرائيل ألّا يُقْدَر علي امرأة لا زوج لها

стр. 2230

بهيئة امرأة لها زوج إلّا قتلها أو نفاها من بلاده إلي جزائر البحار؛ فإنّ إبليس لم يدخل علي أهل الدِّين في دينهم بمكيدة هي أشدّ من النساء؛ فكانت المرأة التي لا زوج لها لا تخرج إلّا منتقبة في رِثّة الثياب لئلّا تعرف، فلما بذل هؤلاء الأمناء بضاعتهم ما ثمنُه مئة درهم بدرهم، جعل نساء بني إسرائيل يشترِين خُفْية بالليل سرًّا، لا يعلم بهنّ أحد من أهل دينهن؛ حتى أنفقوا بضاعَتهم واشتروْا بها حاجتَهم، واستوعبوا خَبَر مدينتهم وحصونهم، وعددَ مياههم، وكانوا قد كتموا رؤوس بضاعتهم ومحاسنها من اللؤلؤ والمرجان والياقوت هديّة للملك، وجعل الأمناء يسألون منْ رأوا من أهل القرية عن خبر الملك وشأنه؛ إذ لم يشتر منهم شيئًا، وقالوا: ما شأن الملك لا يشتري منا شيئًا! إن كان غنيًّا فإنّ عندنا من طرائف البضاعات فنعطيه ما شاء مما لم يدخل مثله في خزائنه، وإن كان محتاجًا فما يمنعه أن يشهدَنا فنعطَيه ما شاء بغير ثمن! قال لهم مَنْ حضرهم من أهل القرية: إنّ له من الغني والخزائن وفنون المتاع ما لم يُقْدَر علي مثله؛ إنه استفرغ الخزائن التي كان موسى سار بها من مصر، والحليّ الذي كان بنو إسرائيل أخذوا، وما جمع يوشع بن نون خليفةُ موسى، وما جمع سليمانُ رأس الحكماء والملوك من الغني الكثير والآنية التي لا يقدَر علي مثلها. قال الأمناء: فما قتاله؟ وبأيّ شيء عظمته؟ وما جنوده؟ أرأيتم لو أنّ ملكًا انحرف عليه ففتق ملكه ما كان إذًا قتالُه إياه؟ وما عدَّتُه وعدد جنوده؟ أم بأيّ الخيل والفرسان غلبته؟ أم من أجل كثرة جمعه وخزائنه وقعت في قلوب الرجال هيبته! فأجابهم القوم وقالوا: إن أسا الملك قليلةٌ عدّته، ضعيفة قوته، غيرَ أنّ له صديقًا لو دعاه واستعان به علي أن يزيل الجبال أزالها؛ فإذا كان معه صديقه فليس شيء من الخلْق يطيقه. قال لهم الأمناء: ومَنْ صديق أسَا؟ وكم عدد جنوده؟ وكيف مواجهته وقتالُه؟ وكمْ عدد عساكره ومراكبه؟ وأين قَراره ومسكنه؟ فأجابهم القوم: أمّا مسكنُه ففوق السموات العلا، مستوٍ علي عرشه، لا يُحصي عدد جهوده، وكلّ شيء من الخلق له عبد، لو أمر البحر لطمّ علي

стр. 2231

البرّ، ولو أمر الأنهار لغارت في عنصرها، لا يُري ولا يعرف قراره، وهو صديق أسَا وناصره. فجعل الأمناء يكتبون كلّ شيء أخبِروا به من أمر أسَا وقضية أمره، فدخل بعض هؤلاء الأمناء عليه، فقالوا: يا أيها الملك، إن معنا هدية نريد أن نهديها لك من طرائف بلادنا، أو تشتري منا فنُرخصه عليك. قال لهم: ائتوني بذلك حتى أنظر إليه، فلما أتوْه به قال لهم: هل يبقي هذا لأهله، ويبقون له؟ قالوا: بل يفني هذا ويفنَي أهله. قال لهم أسَا: لا حاجةَ لي فيه، إنما طَلِبتي ما تبقي بهجتُه لأهله، لا تزول ولا يزولون عنه. فخرجوا من عنده، وردّ عليهم هديّتهم، فساروا من بيت المقدس متوجهين إلي زرح الهنديّ ملكهم. فلما أتوه نشروا له كتاب خبرهم وأنبؤوه بما انتهي إليهم من أمر ملكهم، وأخبروه بصديق أسا. فلما سمع زرح كلامَهم استحلفهم بعزّته، وبالشمس والقمر اللذين يعبدونهما ولهما يصلُّون ألّا يكتموه من خبر ما رأوا في بني إسرائيل شيئًا. فصدقوه. فلما فرغوا من خبرهم وخبر أسَا ملكهم وصديقه؛ قال لهم زرح: إن بني إسرائيل لما علِموا أنكم جواسيس، وأنكم قد اطلعتم علي عوراتهم ذكروا لكم صديق أسَا وهم كاذبون؛ أرادوا بذلك ترهيبَكم. إن صديق أسا لا يطيق أن يأتيَ بأكثر من جندي، ولا بأكمل من عدّتي، ولا بأقسي قلوبًا ولا أجرأ علي القتال من قومِي؛ إن لقيَني بألف لقيته بأكثر من ذلك. ثم عمد زرح عند ذلك فكتب إلي كلّ من في طاعته أن يجهّزوا من كل مخلاف جندًا بعدتهم حتى استمد يأجوج ومأجوج والترك وفارس مع مَنْ سواهم من الأمم ممن جرت عليه لزرح طاعة؛ كتب: من زرح الجبار الهنديّ ملك الأرضين إلي مَنْ بلغته كتبي: أما بعد فإن لي أرضًا قد دنا حصادُها وأينع ثمرُها؛ وأردت أن تبعثوا إليّ بعمّال أغنّمهم ما حصدوا منها، وهم قوم قصَوْا عني، وغلَبوا علي أطراف من أرضي وقهروا مَنْ تحت أيديهم من رقيقي، وقد منحتهم مَنْ نهض إليهم معي، فإن قصّرتْ بكم قوّة فعندي قوّتكم، فإنه لا تتعطل خزائني.

стр. 2232

فاجتمعوا إليه من كلّ ناحية، وأمدّوه بالخيل والفرسان والرّجالة والعدّة؛ فلما اجتمعوا عنده أمكنهم من السلاح والجهاز من خزائنه، ثم أمر بإحصاء عددهم وتعبيتهم، فبلغ عددُهم ألف ألف ومئة ألف سوى أهل بلادهم. وأمر بمئة مركب، فقِرن له البغال، كلّ أربعة أبغُل جميعًا عليها سرير وقبَّة، وفي كلّ قبَّة منها جارية، ومع كلّ مركب عشرة من الخدم، وخمسة أفيال من فيَلته، فبلغ في كلّ عسكر من عساكره مئة ألف، وجعل خاصّته الذين يركبون معه مئة من رؤوسهم، وجعل في كلّ عسكر عُرَفاء، وخطبهم وحرّضهم علي القتال، فلما نظر إليهم وسار فيهم تعزّز وتعظَّم شأنُه في قلوب مَنْ حضره، ثم قال زرح: أين صديق أسَا؟ هل يستطيع أن يعصمَه منّي؟ أو مَنْ يطيق غلبتي؟ فلو أن أسا وصديقَه ينظران إليّ وإلي جندي ما اجترآ علي قتالي؛ لأن عندي بكلّ واحد من جنده ألفًا من جنودي، لَيدخُلنّ أسَا أرضي أسيرًا، ولأقدمنّ بقومه سبيًا في جنودي. فجعل زرح ينتقص أسَا ويقول فيه ما لا ينبغي، فبلغ أسَا صنيعُ زرح وجمعُه عليه، فدعا ربّه فقال: اللهمّ أنت الذي بقوّتك خلقت السموات والأرض ومَنْ فيهنّ حتى صار جميعُ ذلك في قبضتك، أنتَ ذو الأناة الرفيقة والغضب الشديد، أسألك ألّا تذكرنا بخطايانا فيما بيننا وبينك، ولا تعمدنا ولا تجزينا علي معصيتك؛ ولكن تذكرنا برحمتك التي جعلَتها للخلائق، فانظر إلي ضَعْفنا وقوة عدونا، وانظر إلي قلّتنا وكثرة عدونا، وانظر إلي ما نحن فيه من الضيق والغمّ، وانظر إلي ما فيه عدّونا من الفرح والراحة، فغرّق زرحًا وجنوده في اليمّ بالقدرة التي غرّقتَ بها فرعون وجنوده، وأنجيت موسى وقومه، وأسألك أن تُحِلّ علي زرح وقومه عذابك بغتة! فأرِيَ أسَا في المنام -والله أعلم- أني قد سمعت كلامَك، وصل إليّ جُؤارُك، وأني علي عرشي، وأني إن غرّقت زرحا الهندي وقَومه، لم يعلم بنو إسرائيل ولا مَنْ كان بحضرتهم كيف صنعت بهم، ولكن سأظهِرُ في زرح وقومِه لك ولمن اتبعك قدرةً من قدرتي، حتى أكفيَك مؤنتهم، وأهبَ لك غنيمتهم، وأضعَ في أيديكم عساكرَهم؛ حتى يعلم أعداؤك: أن صديقَ أسا لا يطاق وليُّه ولا يهزَم جنده، ولا يخيب مُطيعُه، فأنا أتمهل له حتى يفرغ من حاجته، ثم أسوقه إليك عبدًا، وعساكره لك ولقومك خَوَلًا.

стр. 2233

فسار زرح ومن معه حتى حلّوا علي ساحل ترشيش، فلم يكن إلا محلَّة يوم حتى دفنوا أنهارها، ومَحوْا مروجَها؛ حتى كان الطير ينقصف عليهم، والوحش لا تستطيع الهرب منهم، فساروا حتى كانوا علي مرحلتين من إيلِياء، ففرّق زرح عساكره منها إلي إيلياء، وامتلأت منهم تلك الأرضُ جبالها وسهولها، وامتلأت قلوبُ أهل الشام منهم رُعبًا، وعاينوا هلَكتهم. فسمع بهم أسا الملك؛ فبعث إليهم طليعة من قومه، وأمرهم أن يخبروه بعددهم وهيئتهم. فسار القوم الذين بعثهم أسَا حتى نظروا إليهم من رأس تلّ، ثم رجعوا إلي أسا فأخبروه أنه لم تر عُيونُ بني آدم، ولا سمعت آذانهم مثلَهم ومثلَ أفيالهم وخيولهم وفرسانهم؛ وما ظننَّا أنّ في الناس مثلَهم كثرة وعدة، فُلَّت من إحصائهم عقولُنا، وفُلَّت من قتالهم حيلتنا، وانقطع فيما بيننا وبينهم رجاؤنا. فسمع بذلك أهلُ القرية فشقُّوا ثيابهم، وذرُّوا التراب علي رؤوسهم، وعَجّوا بالعويل في أزقّتهم وأسواقهم، وجعل بعضُهم يودّع بعضًا. ثم ساروا حتى أتوا الملكَ فقالوا: نحن خارجون بأجمعنا إلي هؤلاء القوم فرافعون إليهم أيديَنا، لعلهم أن يرحمونا فيقرّونا في بلادنا. قال لهم أسا الملك: معاذ الله أن نُلقيَ بأيدينا في أيدي الكفرة، وأن نُخلِّيَ بيت الله وكتابه للفجرة! قالوا: فاحتَلْ لنا حيلة، واطلب إلي صديقك وربك الذي كنت تعدُنا بنصره، وتدعونا إلي الإيمان به، فإن هو كشَف عنّا هذا البلاء؛ وإلّا وضعنا أيديَنا في أيدي عدونا لعلنا نتخلّص بذلك من القتل. قال لهم أسا: إنّ ربي لا يطاق إلا بالتضرُّع والتبتل والاستكانة. قالوا: فابرز له لعلّه أن يجيبك فيرحم ضعفنا، فإن الصديق لا يسلِم صديقه علي مثل هذا. فدخل أسا المصَلَّي، ووضع تاجه من رأسه، وخلّي ثيابه، ولبس المُسوح وافترش الرماد، ثم مدّ يده يدعو ربه بقلب حزين، وتضرّع كثير، ودموع سِجال، وهو يقول: اللهمّ ربّ السموات السبع وربّ العرش العظيم، إله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط؛ أنت المستخفي من خلْقك حيث شئت، لا يدرَك قرارك، ولا يطاق كنْهُ عظمتك، أنت اليقظان الذي لا تنام، والجديد الذي لا تبليك الليالي والأيام؛ أسألك بالمسألة التي سألك بها إبراهيم خليلك، فأطفأتَ بها عنه النار، وألحقته بها بالأبرار، وبالدعاء الذي دعاك به

стр. 2234

نجيُّك موسى، فأنجيت بني إسرائيل من الظلَمة، وأعتقتَهم به من العبودية، وسيّرتهم في البرّ والبحر، وغَرّقت فرعون ومن اتبعه. وبالتضرُّع الذي تضرَّع لك عبدُك داود فرفعتَه، ووهبتَ له من بعد الضعف القوة، ونصرتَه علي جالوت الجبَّار، وهزمتَه، وبالمسألة التي سألك بها سليمان نبيّك فمنحتَه الحكمة، ووهبت له الرفعة، وملَّكته علي كلّ دابّة. أنت محيي الموتي، ومُفني الدنيا، وتبْقَي وحدك خالدًا لا تفني، وجديدًا لا تبلَي، أسألك يا إلهي أن ترحَمني بإجابة دعوتي؛ فإني أعرجُ مسكين من أضعف عبادك، وأقلّهم حيلة، وقد حلَّ بنا كرب عظيم؛ وحَزْبٌ شديد، لا يطيق كشفَه غيرُك، ولا حول ولا قوة لنا إلّا بك، فارحم ضعفنا بما شئت؛ فإنك ترحم من تشاء بما تشاء. وجعل علماء بني إسرائيل يدعون الله خارجًا وهم يقولون: اللهمّ أجب اليوم عبدك؛ فإنه قد اعتصم بك وحدَك، ولا تخلّ بينه وبين عدوّك، واذكر حبَّه إياك، وفراقَه أمَّه وجميع الخلائق إلا من أطاعك. فألقي الله علي أسَا النوم وهو في مصلَّاه ساجدًا، ثم أتاه من الله آت -والله أعلم- فقال: يا أسا، إن الحبيب لا يُسلِم حبيبه، وإن الله يقول: إني قد ألقيت عليك محبّتي، ووجَب لك نصري، فأنا الذي أكفيك عدوَّك، فإنه لا يهون مَنْ توكّل عليّ، ولا يضعف مَنْ تقوَّي بي. كنت تذكرني في الرخاء، وأسلمك عند الشدائد! وكنتَ تدعوني آمنًا، وأنا أسلِمك خائفًا! إن الله القويُّ يقول: أنا أقسم أنْ لو كايَدتْك السموات والأرض بمنْ فيهنّ لجعلت لك مِنْ جميع ذلك مخرجًا! فأنا الذي أبعث طرفًا من زبانيَتي يقتلون أعدائي، فإني معك، ولن يخلُص إليك ولا إلي من معك أحد. فخرج أسا من مصلّاه وهو يحمد الله، مسفرًا وجهُه، فأخبرهم بما قيل له، فأمّا المؤمنون فصدّقوه، وأمّا المنافقون فكذّبوه، وقال بعضهم لبعض: إنّ أسا دخل أعرج وخرج أعرج، ولو كان صادقًا أن الله قد أجابه إذًا لأصلح رجْلَه، ولكن يغرّنا ويمنّينا، حتى تقَع الحرب فينا فيهلِكنا! فبينا الملك يخبرهم عن صنع الله بهم؛ إذ قدم رسل من زرح فدخلوا إيلياء ومعهم كتب من زرح إلي أسَا، فيها شتمٌ له ولقومه، وتكذيب بالله، وكتَب فيها: أن ادعُ صديقك الذي أضللت به قومَك فليبارزني بجنوده، وليظهرْ لي مع

стр. 2235

ما أنّي أعلم أنه لن يطيقني هو ولا غيره؛ لأني أنا زرح الهنديّ الملك. فلما قرأ أسا الكتب التي قدم بها عليه هَمَلت عيناه بالبكاء، ثم دخل مصلَّاه، ونشر تلك الكتب بين يدي الله، ثم قال: اللهمّ ليس لي شيء من الأشياء أحبّ إلّي مِنْ لقائك؛ غير أني أتخوّف أن يُطفأ هذا النور الذي أظهرتَهُ في أيامي هذه، وقد حضرتْ هذه الصحائف وعلمت ما فيها، ولو كنت المراد بها كان ذلك يسيرًا؛ غيرَ أن عبدك زرحًا يكايدك ويتناولك؛ فَخَر بغير فخر، وتكلَّم بغير صدق، وأنت حاضر ذلك وشاهده. فأوحي الله إلي أسَا -والله أعلم-: أنه لا تبديلَ لكلماتي، ولا خُلْفَ لموعدي، ولا تحويل لأمري، فاخرج من مصلّاك، ثم مُرْ خيلك أن تجتمع، ثم اخرج بهم وبمن اتّبعك حتى تقفوا علي نَشَز من الأرض. فخرج أسا فأخبرهم بما قيل له، فخرج اثنا عشر رجلًا من رؤسائهم، مع كلِّ رجل منهم رهط من قومه؛ فلما أن خرجوا، ودّعوا أهاليهم بألّا يرجعوا إلي الدنيا. فوقفوا لزرح علي رابية من الأرض، فأبصروا منها زرحًا وقومَه، فلما أبصرهم زرح نفض رأسه ليسخر منهم، وقال: إنما نَهضت من بلادي، وأنفقت أموالي لمثل هؤلاء! ودعي عند ذلك بالنفر الذين كانوا نَعَتوا عنده أسا وقومه، فقال: كذبتموني وزعمتم أن قومكم كثير عددهم! فأمر بهم وبالأمناء الذين كان بعثهم ليخبروه خبرهم، فقُتِلوا جميعًا، وأسا في ذلك كثير تضرّعه، معتصم بربه، فقال زرح: ما أدري ما أفعل بهؤلاء القوم؟ وما أدري ما قدْرُ قِلَّتهم في كثرتنا؟ إني لأستقِلّهم عن المحاربة؛ وأري ألّا أقاتلَهم. فأرسل زرح إلي أسا فقال له: أين صديقُك الذي كنت تعدُنا به، وتزعم أنه يخلّصك مما يحلّ بكم من سَطَواتي! أفتضعون أيديَكم في يدِي فأمضِي فيكم حكمي، أو تلتمسون قتالي! فأجابه أسا، فقال: يا شقيّ، إنك لست تعلم ما تقول: ولستَ تدري! أتريد أن تغالب ربّك بضعفك، أم تريد أن تكاثره بقلّتك؟ هو أعزّ شيء وأعظمه، وأغلَبُ شيء وأقهره، وعبادُه أذلُّ وأضعف عنده من أن ينظروا إليه معايَنة. هو معي في موقفي هذا، ولن يغلَب أحدٌ كان الله معه. فاجتهد يا سقيّ بجهدك حتى تعلم ماذا يحلُّ بك.

стр. 2236

فلما اصطف قوم زرح وأخذوا مراتبهم، أمر زرح الرماة من قومه أن يرموهم بنُشَّابهم فبعث الله ملائكة من كلّ سماء - والله أعلم - عونًا لأسا وقومِه، ومادة له، فوقفهم أسا في مواقفهم، فلما رموْا نشَّابهم، حال المشركون بين ضوء الشمس وبين الأرض؛ كأنها سحابة طلَعت فنحّتها الملائكة عن أسا وقومه، ثم رمت بها الملائكة قومَ زرح، فأصابت كلّ رجل منهم نُشّابته التي رمى بها، فقتِل رماتهم بها كلها وأسا وقومه في كلّ ذلك يحمَدون الله كثيرًا، ويعجُّون إليه بالتسبيح، وتراءت الملائكة لهم - والله أعلم - فلما رآهم الشقيّ زرح وقع الرعب في قلبه، وسُقِط في يده، وقال: إن أسا لعظيم كيده، ماضٍ سحره، وكذلك بنو إسرائيل، حيث كانوا لا يغلب سحرَهم ساحر، ولا يُطيق مكرهم عالم؛ وإنما تعلّموه من مصر، وبه ساروا في البحر، ثم نادى الهنديّ في قومه: أن سُلُّوا سيوفكم، ثم احملوا عليهم حملة واحدة، فدُقّوهم! فسلُّوا سيوفَهم، ثم حملوا على الملائكة، فقتلتهم الملائكة، فلم يبق منهم غير زرح ونسائه ورقيقه. فلما رأى ذلك زرح ولّى مدبرًا فارًّا هو ومن معه، وهو يقول: إن أسا ظهر علانية، وأهلكني صديقُه سرًّا، وإني كنتُ انظر إلى أسا ومَنْ معه واقفين لا يقاتلون والحرب واقعة في قومي. فلما رأى أسا أن زرحًا قد ولّى مدبرًا قال: اللهمّ إن زرحًا قد ولّى مدبرًا وإنك إنْ لم تَحُلْ بيني وبينه استنفر علينا قومه ثانية. فأوحى الله إلى أسا: إنك لم تقتل مَنْ قتل منهم ولكني قتلتُهم، فقِفْ مكانك، فإني لو خلّيت بينك وبينهم أهلكوكم جميعًا؛ إنما يتقلّب زرح في قبضتي، ولن ينصرَه أحد مني، وأنا لزرح بالمكان الذي لا يستطيع صدودًا عنه ولا تحويلًا؛ وإني قد وهبت لك ولقومك عساكرَه وما فيها من فضة ومتاع ودابة، فهذا أجرك، إذ اعتصمت بي، ولا ألتمس منك أجرًا على نُصرتك! فسار زرح حتى أتى البحر يريد بذلك الهَرب، ومعه مئة ألف، فهيّؤوا سفنهم ثم ركبوا فيها، فلما ساروا في البحر بعث الله الرياح من أطراف الأرضين والبحار إلى ذلك البحر واضطربت من كلّ ناحية أمواجُه، وضربت السفن بعضُها بعضًا حتى تكسّرت؛ فغرق زرح ومن كان معه، واضطربت بهم الأمواج حتى فزع

стр. 2237

لذلك أهلُ القرى حولهم، ورجفت الأرض، فبعث أسا مَنْ يعلمه علم ذلك، فأوحى الله إليه - والله أعلم - أن اهبط أنت وقومك أهل قراكم، فخذوا ما غنَّمكم الله بقوة، وكونوا فيه من الشاكرين؛ فإني قد سوغت كلَّ من أخذ من هذه العساكر شيئًا ما أخذه. فهبطوا يحمدون الله ويقدّسونه، فنقلوا تلك العساكر إلى قراهم ثلاثة أشهر. والله أعلم. ثم ملك بعده يهوشافاظ بن أسا إلى أن هلك خمسًا وعشرين سنة. ثم ملكت عتليا وتسمى غزليا ابنة عمرم أم أخزيا، وكانت قتلت أولاد ملوك بني إسرائيل، فلم يبق منهم إلا يواش بن أخزيا، فإنه سُتِر عنها، ثم قتلها يواش وأصحابه، وكان ملكُها سبع سنين. ثم ملك يواش بن أخزيا إلى أن قتله أصحابه، وهو الذي قتل جدّته، فكان ملكُه أربعين سنة. ثم ملك أموصيا بن يواش إلى أن قتله أصحابه تسعًا وعشرين سنة، ثم ملك عوزيا بن أموصيا - وقد يقال لعوزيا: غوزيا - إلى أن توفي، اثنتين وخمسين سنه. ثم ملك يوتام بن عوزيا إلى أن توفي ست عشرة سنة. ثم ملك أحاز بن يوتام إلى أن توفي ست عشرة سنة. ثم ملك حزقيا بن أحاز إلى أن توفي. وقيل: إنه صاحب شعيا الذي أعلمه شعيا انقضاء عمره، فتضرع إلى ربه فزاده وأمهله، وأمر شعيا بإعلامه ذلك. وأما محمد بن إسحاق فإنه قال: صاحب شعيا الذي هذه القصة قصته اسمه صديقة (١). (١: ٥١٧/ ٥٣١). ذكر صاحب قصة شعيا من ملوك بني إسرائيل، وسنحاريب ٧٦٤ - حدثنا ابن حُميَد، قال: حدثنا سلَمة بن الفضل، قال: حدثني ابن إسحاق، قال: كان فيما أنزل الله على موسى في خبره عن بني إسرائيل وأحداثهم

стр. 2238

وما هم فاعلون بعده، قال: ﴿وَقَضَينَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَينِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ - إلى - ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾، فكانت بنو إسرائيل وفيهم الأحداث والذنوب، وكان الله في ذلك متجاوزًا عنهم، متعطّفًا عليهم، محسنًا إليهم، وكان مما أنزل الله بهم في ذنوبهم ما كان قدّم إليهم في الخبر عنهم على لسان موسى، فكان أول ما أنزَل بهم من تلك الوقائع: أن ملكًا منهم كان يدعى صديقة، وكان الله إذا ملّك الملك عليهم؛ بعث نبيًّا يسدّده ويرشده، فيكون فيما بينه وبين الله، يحدّث إليه في أمرهم. لا يُنزل عليهم الكتب، إنما يؤمرون باتّباع التوراة والأحكام التي فيها، وينهوْنهم عن المعصية، ويدعونهم إلى ما تركوا من الطاعة. فلما ملك ذلك الملك؛ بعث الله معه شعيا بن أمصيا، وذلك قبل مبعث عيسى وزكرياء ويحيى. وشعيا الذي بشّر بعيسى ومحمد، فملَك ذلك الملكُ بني إسرائيل وبيت المقدس زمانًا، فلما انقضى ملكُه، وعظُمت فيهم الأحداث، وشعيا معه، بعث الله عليهم سنحاريب ملك بابل معه ستمئة ألف راية، فأقبل سائرًا حتى نزل حول بيت المقدس والملك مريض، في ساقه قُرْحة، فجاءه النبيّ شعيا، فقال له: يا ملكَ بني إسرائيل! إنّ سنحاريب ملك بابل قد نزل بك هو وجنوده في ستمئة ألف راية، وقد هابَهم الناس وفرِقوا منهم. فكبُر ذلك على الملك، فقال: يا نبيّ الله! هل أتاك وحيٌ من الله فيما حدَث فتخبرنا به كيف يفعل الله بنا وبسنحاريب وجنوده؟ فقال له النبيّ ﵇: لم يأتني وحي حَدّث إليّ في شأنك. فبينما هم على ذلك أوحى الله إلى شعيا النَّبيّ: أن ائت ملِك بني إسرائيل فاؤْمره أن يوصيَ بوصيّته، ويستخلِف على ملكه مَنْ يشاء من أهل بيته. فأتى النبيّ شعيا ملك بني إسرائيل صديقة، فقال له: إن ربَّك قد أوحى إليّ أن آمرك توصي وصيّتك، وتستخلف مَن شئت على الملْك من أهل بيتك؛ فإنك ميت. فلما قال ذلك شعيا لصديقة: اقبل على القِبْلة، فصلّى وسبّح، ودعى وبكى، وقال وهو يبكي ويتضرّع إلى الله بقلب مخلص، وتوكّل وصبر، وظنّ صادق: اللهم ربَّ الأرباب، وإلهَ الآلهة، القُدُّوس المتقدّس، يا رحمن يا رحيم، المترحّم، الرؤوف الذي لا تأخذه سنة ولا نوم. اذكرني بعملي وفعلي

стр. 2239

وحسن قضائي علي بني إسرائيل، وذلك كلُّه كان منك، فأنت أعلم به من نفسي وسرّي وعلانيَتي لك. هان الرحمن استجاب له وكان عبدًا صالحًا. فأوحى الله إلى شعيا، فأمره أن يخبر صديقة الملك: أن ربَّه قد استجاب له وقَبِل منه ورحمه، وقد رأى بكاءه، وقد أخّر أجله خمس عشرة سنة، وأنجاه مِنْ عدوّه سنحاريب ملك بابل وجنوده، فلما قال له ذلك؛ ذهب عنه الوجع، وانقطع عنه الشرّ والحزن، وخرّ ساجدًا؛ وقال: يا إلهي وإله آبائي! لك سجَدت وسبَّحت، وكرّمت وعظمت. أنت الذي تُعطي الملك مَنْ تشاء، وتنزعه ممن تشاء، وتعزّ مَنْ تشاء، وتذِلّ مَنْ تشاء، عالم الغيب والشهادة؛ أنت الأوّلُ والآخر، والظاهر والباطن، وأنت ترحم وتستجيب دعوةَ المضطرين، أنت الذي أجبتَ دعوتي، ورحِمت تضرُّعي. فلما رفع رأسه أوحى الله إلى شعيا: أن قل للملك صديقة، فيأمر عبدًا من عبيده، فيأتيَه بماء التين فيجعله على قرحته فيشفى ويصبح وقد برئ. ففعل ذلك، فشفي. وقال الملك لشعيا النبيّ: سل ربك أن يجعل لنا علمًا بما هو صانع بعدونا هذا. فقال الله لشعيا النبي: قل له إني قد كفيتُك عدوَّك، وأنجيتُك منهم، وإنهم سيصبحون موتى كلهم إلا سنحاريب وخمسة من كتّابه. فلما أصبحوا جاءه صارخ فصرخ على باب المدينة: يا ملكَ بني إسرائيل! إنّ الله قد كفاك عدوَّك فاخرج، فإنّ سنحاريب ومَنْ معه قد هلكوا. فلما خرج الملك التمس سنحاريب فلم يوجد في الموتى، فبعث الملك في طلبه، فأدركه الطلب في مغارة وخمسة من كتّابه أحدهم بختنصّر، فجعلوهم في الجوامع ثم أتوْا بهم ملِكَ بني إسرائيل، فلما رآهم؛ خرّ ساجدًا من حين طلعت الشمس حتى كانت العصر، ثم قال لسنحاريب: كيف ترى فعل ربِّنا بكم؟ ألم يقتلكم بحوله وقوّته ونحن وأنتم غافلون! فقال سنحاريب له: قد أتاني خبرُ ربّكم ونصره إياكم، ورحمتُه التي رحمكم بها قبل أن أخرُج من بلادي، فلم أطع مرشدًا ولم يُلقنِي في الشقوة إلا قلّة عقلي؛ ولو سمعت أو عقلت ما غزوتكم، ولكنّ الشقوة غلبت عليّ وعلَى مَنْ معي. فقال ملك بني إسرائيل: الحمد لله ربّ العزّة الذي كفاناكم بما شاء، إن ربّنا لم يبقك ومَنْ معك لكرامة لك عليه؛ ولكنه إنما أبقاك ومَنْ معك إلى ما هو شرّ لك ولمن معك، لتزدادوا شقوة في الدنيا، وعذابًا في

стр. 2240

الآخرة، ولتُخبروا مَنْ وراءكم بما رأيتم من فعل ربنا، ولتنذروا مَنْ بعدكم، ولولا ذلك ما أبقاكم. ولَدمُك ودمُ مَنْ معك أهونُ على الله من دم قُراد لو قتلته! . ثم إن ملك بني إسرائيل أمر أميرَ حرسه فقذف في رقابهم الجوامع، وطاف بهم سبعين يومًا حولَ بيت المقدس، وكان يرزقهم كلّ يوم خبزتَين من شعير، لكلّ رجل منهم، فقال سنحاريب لملك بني إسرائيل: القتلُ خير مما تفعل بنا، فافعل ما أمِرت. فأمر بهم الملك إلى سجن القتل، فأوحى الله إلى شعيا النبيّ: أن قل لملك بني إسرائيل يرسل سنحاريب ومَنْ معه لينذروا مَنْ وراءهم، وليكرِمْهم وليحملْهم حتى يبلغوا بلادهم. فبلغ النبيّ شعيا الملك ذلك، ففعل، فخرج سنحاريب ومَنْ معه حتى قدِموا بابل؛ فلما قدموا جمع الناس فأخبرهم كيف فعل الله بجنوده. فقال له كُهّانه وسحرته: يا ملك بابل! قد كنا نقصُّ عليك خبر ربّهم، وخبر نبيِّهم، ووحي الله إلى نبيِّهم، فلم تطعنا؛ وهي أمّة لا يستطيعها أحد من ربهم. فكان أمر سنحاريب مما خوّفوا به، ثم كفاهم الله إياه تذكرة وعبرة، ثم لبث سنحاريب بعد ذلك سبع سنين ثم مات (١). (١: ٥٣٢/ ٥٣٣ / ٥٣٤). ٧٦٥ - وقد زعم بعضُ أهلِ الكتاب: أن هذا الملك من بني إسرائيل الذي سار إليه سنحاريب كان أعرجَ، وكان عَرَجُه من عِرْق النَّسا، وأن سنحاريب إنما طمع في مملكته لَزمانته وضعفه، وأنه قد كان سار إليه قبل سنحاريب ملك من ملوك بابل؛ يقال له: ليفر، وكان بختنصّر ابنَ عمّه كاتبه، وأن الله أرسل عليه ريحًا أهلكت جيشه، وأفلتَ هو وكاتبه، وأن هذا البابليَّ قتله ابن له، وأن بختنصَّر غضب لصاحبه، فقتل ابنَه الذي قتل أباه، وأنّ سنحاريب سار بعد ذلك إليه، وكان مسكنه بِنينَوى مع ملك أذرَبيجان يومئذ؛ وكان يُدعى: سلمان الأعسر، وأن سنحاريب وسلمان اختلفا، فتحاربا حتى تفانَى جنداهما، وصار ما كان معهما غنيمة لبني إسرائيل. وقال بعضهم: بل الذي غزا حزقيا صاحبَ شعيا سنحاريبُ ملك الموصل؛ وزعم: أنه لما أحاط ببيت المقدس بجنوده؛ بعث الله ملَكًا، فقتلَ من أصحابه في

стр. 2241

ليلة واحدة مئة ألف وخمسة وثمانين ألف رجل. وكان ملكه إلى أن تُوُفيّ تسعًا وعشرين سنة. ثم ملك بعده -فيما قيل- أمرَهم مِنَشا بن حزقيا إلى أن توفي خمسًا وخمسين سنه. ثم ملك بعده أمون بن مِنَشَّا إلى أن قتله أصحابُه اثنتي عشرة سنة. ثم ملك بعده يوشيا بن أمون إلى أن قتله فرعون الأجدع المقعد ملك مصر إحدى وثلاثين سنة. ثم ياهواحاز بن يُوشِيا، وكان فرعون الأجدع قد غزاه وأسره وأشخصه إلى مصر، وملّك فرعون الأجدع يُوياقيم بن ياهواحاز على ما كان عليه أبوه، ووظّف عليه خراجًا يؤديه إليه، فكان يوياقيم يجبِي ذلك -فيما زعموا- من بني إسرائيل، ويحمله -فيما زعموا- اثنتي عشرة سنة. ثم ملك أمرَهم من بعده يوياحين بن يوياقيم، فغزاه بختنصّر، فأسره وأشخصه إلى بابل بعد ثلاثة أشهر من ملكه. وملّك مكانَه مَتَّنيا عمه وسماه صديقيا فخالفه، فغزاه فظفر به، فأوثقه وحمله إلى بابل بعد أن ذبح ولده بين يديه، وسَمَل عينيه وخرَّب المدينة والهيكل، وسبَى بني إسرائيل، وحَمَلهم إلى بابل، فمكثوا بها إلى أن ردّهم إلى بيت المقدس كيرش بن جاماسب بن أسب، من أجل القرابة التي كانت بينه وبينهم؛ وذلك أن أمّه أشتر ابنة جاويل - وقيل: حاويل - الإسرائيليّ، فكان جميع ما ملك صديقيا مع الثلاثة الأشهر التي ملك فيها يوياحين -فيما قيل - إحدى عشرة سنة وثلاثة أشهر. ثم صار ملْك بيت المقدس والشام لأشتاسب بن لهراسب، وعامله على ذلك كلّه بختنصّر (١). (٥٣٥: ١/ ٥٣٦). ٧٦٦ - وذكر محمد بن إسحاق -فيما حدثنا ابن حميد- قال: حدثنا سلمة عنه: أن صديقة ملك بني إسرائيل الذي قد ذكرنا خبرَه، لمّا قبضه اللهَ مرِج أمرُ بني إسرائيل، وتنافسوا الملك، حتى قتل بعضُهم بعضًا عليه، ونبيُّهم شعيا

стр. 2242

معهم، لا يرجعون إليه ولا يقبلون منه. فلما فعلوا ذلك قال الله -فيما بلغنا- لشعيا: قم في قومك؛ أوح على لسانك؛ فلما قام أنطق الله لسانه بالوحي، فوعظهم وذكّرهم وخوَّفهم الغِيَر بعد أن عدّد عليهم نعم الله عليهم، وتعرَّضهم للغِيَر. قال: فلما فرغ شعيا إليهم من مقالته عدَوا عليه -فيما بلغني- لِيقتلوه، فهرب منهم، فلقيته شجرة، فانفلقت له، فدخل فيها وأدركه الشيطان، فأخذ بُهدْبة من ثوبه فأراهم إياها، فوضعوا المنشار في وسطها، فنشروها حتى قطعوها وقطعوه في وسطها. وقد حدّثني بقصة شعيا وقومه من بني إسرائيل وقتلهم إياه محمد بن سهل البخاريّ، قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدَّثنا عبد الصمد بن معقل، عن وهب بن منبِّه (١). (١: ٥٣٦/ ٥٣٧). ذكر خبر لهراسب وابنه بشتاسب وغزو بختنصر بني إسرائيل وتخريبه بيت المقدس ٧٦٨ - ثم ملك بعد كيخسرو من الفرس لهراسب بن كيوجي بن كيمنوش بن كيفاشين، باختيار كيخسرو إياه، فلما عقد التاج على رأسه قال: نحن مؤثِرون البِرّ على غيره. واتّخذ سريرًا من ذهب مكلَّلًا بأنواع الجواهر للجلوس عليه، وأمر فبينت له بأرض خراسان مدينةَ بلْخ، وسماها الحسناء، ودوَّن الدواوين، وقوّى ملكه بانتخابه لنفسه الجنود، وعمر الأرض، واجتبى الخراج لأرزاق الجنود، ووجه بختنصَّر، وكان اسمه بالفارسية -فيما قيل- بخترشه. فحُدثت عن هشام بن محمد قال: مَلك لهراسب - وهو ابن أخي قبوس - فبنى مدينةَ بلْخ، فاشتدت شَوْكة الترك في زمانه، وكان منزله ببلْخ يقاتل الترك. قال: وكان بختنصّر في زمانه، وكان أصبَهبذ ما بين الأهواز إلى أرض الروم من غربيّ دجلة، فشخص حتى أتى دمشق، فصالحه أهلها ووجّه قائدًا له، فأتى بيتَ القدس فصالح ملك بني إسرائيل، وهو رجل من ولد داود، وأخذ منه رهائن وانصرف. فلما بلغ طبريّة؛ وثبت بنو إسرائيل على ملكهم فقتلوه، وقالوا: راهنت أهل بابل

стр. 2243

وخذلتنا! واستعدوا للقتال، فكتب قائد بختنصّر إليه بما كان، فكتب إليه يأمره أن يقيم بموضعه حتى يوافيَه، وأن يضرب أعناق الرهائن الذين معه، فسار بختنصّر حتى أتى بيت المقدس، فأخذ المدينة عَنْوة، فقتل المقاتِلة، وسبى الذرّيَّة. قال: وبلغنا: أنه وجد في سجن بني إسرائيل إرميا النبيّ، وكان الله تعالى بعثه نبيًّا -فيما بلغنا- إلى بني إسرائيل، يحذّرهم ما حلّ بهم من بختنصّر، ويُعْلِمهم: أن الله مسلّط عليهم مَنْ يقتل مقاتِلتهم، ويَسْبي ذراريّهم، إن لم يتوبوا، وينزعوا عن سيّئ أعمالهم. فقال له بختنصّر: ما خطبُك؟ فأخبره: أن الله بعثه إلى قومه ليحذّرَهم الذي حلّ بهم، فكذبوه وحبسوه، فقال بختنصّر: بئس القوم قومٌ عصوْا رسولَ ربّهم! وخلّى سبيله، وأحسنَ إليه. فاجتمع إليه مَنْ بقي من ضعفاء بني إسرائيل، فقالوا: إنا قد أسأنا وظلمنا، ونحن نتوب إلى الله ممَا صنعنا، فادع الله أن يقبل توبتنا. فدعى ربّه فأوحى إليه أنهم غيرُ فاعلين، فإن كانوا صادقين فليقيموا معك بهذه البلدة، فأخبرَهم بما أمرهم الله به، فقالوا: كيف نقيم ببلدة قد خُرّبت وغضب الله على أهلها! فأبوا أن يقيموا، فكتب بختنصّر إلى ملك مصر: إنّ عبيدًا لي هربوا مني إليك، فسرِّحهم إليّ، وإلا غزوتُك وأوطأت بلادَك الخيل. فكتب إليه ملك مصر: ما هم بعبيدك؛ ولكنهم الأحرار أبناء الأحرار؛ فغزاه بختنصّر فقتله، وسبى أهل مصر، ثم سار في أرض المغرب، حتى بلغ أقصى تلك الناحية، ثم انطلق بسبي كثير من أهل فِلَسطين والأردنّ، فيهم دانيال وغيره من الأنبياء. قال: وفي ذلك الزمان تفرّقت بنو إسرائيل، ونزل بعضهم أرض الحجاز بيثرب، ووادي القرى، وغيرها. قال: ثم أوحى الله إلى إرميا فيما بلغنا: إنّي عامر بيت المقدس فاخرج إليها، فانزْلها. فخرج إليها حتى قدمها وهي خراب، فقال في نفسه: سبحان الله! أمرني الله أن أنزل هذه البلدة، وأخبرني أنه عامرُها، فمتى يعمر هذه، ومتى يحييها الله بعد موتها! ثم وضع رأسه فنام ومعه حماره وسلّة فيها طعام، فمكث في نومه سبعين سنة، حتى هلك بختنصّر والملك الذي فوقه، وهو لهراسب الملك الأعظم وكان ملْك لهراسب مئة وعشرين سنة. ومَلَك بعده بشتاسب ابنه، فبلغه عن بلاد الشام أنها خراب، وأن السباع قد كثرت في أرض فلسطين، فلم يبق بها

стр. 2244

من الإنس أحَد، فنادى في أرض بابل في بني إسرائيل: إنّ من شاء أن يرجع إلى الشام فليرجع. وملّك عليهم رجلًا من آل داود، وأمره أن يعمر بيت المقدس ويبنيَ مسجدها، فرجعوا فعمروها، وفتح الله لإرميا عينيه، فنظر إلى المدينة كيف تعمر وتبنى، ومكث في نومه ذلك، حتى تمّت له مئة سنة، ثم بعثه الله وهو لا يظنّ: أنه نام أكثر من ساعة، وقد عهد المدينة خرابًا يبابًا، فلما نظر إليها قال: أعلمُ أنّ الله على كلّ شيء قدير. قال: وأقام بنو إسرائيل ببيت المقدس، ورُدّ إليهم أمرُهم، وكثروا بها حتى غلبت عليهم الروم في زمان ملوك الطوائف، فلم يكن لهم بعد ذلك جماعة. قال هشام: وفي زمان بشتاسب ظهر زَرَادُشت، الذي تزعم المجوس أنه نبيُّهم، وكان زَرَادُشت -فيما زعم قوم من علماء أهل الكتاب- من أهل فلسطين خادمًا لبعض تلامذة إرميا النبيّ خاصًّا به، أثيرًا عنده، فخانه فكذَب عليه، فدعا الله عليه، فبرص فلحق ببلاد أذربيجان، فشرع بها دين المجوسية، ثم خرج منها متوجهًا نحو بشتاسب، وهو ببلْخ، فلما قدم عليه وشرح له دينه أعجبه فقسر الناس على الدخول فيه، وقتل في ذلك مِنْ رعيّته مقتلة عظيمة، ودانوا به، فكان ملك بشتاسب مئة سنة واثنتي عشرة سنة (١). (١: ٥٣٨/ ٥٣٩ / ٥٤٠). ٧٧٠ - وأما غيره من أهل الأخبار والعلم بأمور الأوائل فإنه ذكر أن كي لهراسب كان محمودًا في أهل مملكته، شديد القمع للملوك المحيطة بإيران شَهْر، شديد التفقد لأصحابه، بعيد الهمة كثير الفكر في تشييد البنيان، وشقّ الأنهار، وعمارة البلاد، فكانمت ملوك الروم والمغرب والهند وغيرهم يحملون إليه في كلّ سنة وظيفة معروفة وإتاوة معلومة، ويكاتبونه بالتعظيم ويقرّون له أنه مَلِك الملوك هيبة له وحذرًا. قال: ويقال: إن بختنصّر حمل إليه من أورِيشَلِم خزائن وأموالًا، فلما أحسّ بالضعف من قوته ملّك ابنه بشتاسب، واعتزل الملك وفوّضه إليه، وكان ملك لهراسب -فيما ذكر- مئة سنة وعشرين سنة. وزعم: أن بختنصّر هذا الذي غزا بني إسرائيل اسمه "بخترشه"، وأنه رجل

стр. 2245

من العجم، من ولد جوذرز، وأنه عاش دهرًا طويلًا جاوزتْ مدته ثلاثمئة سنة، وأنه كان في خدمة لهراسب الملك، أبي بشتاسب، وأن لهراسب وجّهه إلى الشام وبيت المقدس ليجلِيَ عنها اليهود، فسار إليها ثم انصرف، وأنه لم يزل من بعد لهراسب في خدمة ابنه بشتاسب، ثم في خدمة بهمن من بعده، وأن بهمن كان مقيمًا بمدينة بلخ - وهي التي كانت تسمى الحسناء - وأنه أمر بخترشه بالتوجُّه إلى بيت المقدس ليُجلي اليهود عنها، وأنّ السبب في ذلك وثوبُ صاحب بيت المقدس على رسُلٍ كان بهمن وجَّههم إليه، وقتله بعضهم. فلما ورد الخبر على بهمن دعا بخترشة فملَّكه على بابل، وأمره بالمسير إليها، والنفوذ منها إلى الشام وبيت المقدس، والقصد إلى اليهود حتى يقتُل مقاتلتهم، ويَسبِيَ ذراريّهم، وبسط يده فيمن يختار من الأشراف والقواد، فاختار من أهل بيت المملكة داريوش بن مهري، من ولد ماذي بن يافث بن نوح، وكان ابن أخت بخترشه. واختار كيرش كيكوان من ولد غيلم بن سام، وكان خازنًا على بيت مال بهمن، وأخشويرش بن كيرش بن جاماسب الملقَّب بالعالم، وبهرام بن كيرش بن بشتاسب. فضمّ بهمن إليه من أهله وخاصته هؤلاء الأربعة، وضمّ إليه من وجوه الأساورة ورؤسائهم ثلاثمئة رجل، ومن الجند خمسين ألف رجل، وأذن له في أن يفرض ما احتاج إليه، وفي إثباتهم. ثم أقبل بهم حتى صار إلى بابل، فأقام بها للتجهّز والاستعداد سنة، والتفّت إليه جماعة عظيمة، وكان فيمن سار إليه رجل من ولد سنحاريب، الملك الذي كان غزا حزقيا بن أحاز الملك، الذي كان بالشام وببيت المقدس من ولد سليمان بن داود صاحب شعيا، يقال له: بختنصر بن نبوزرادان بن سنحاريب - صاحب الموصل وناحيتها - ابن داريوش بن عبيري بن تيري بن روبابن رابيا بن سلامون بن داود بن طامي بن هامل بن هرمان بن فودى بن همول بن درمي بن قمائل بن صاما بين رغما بين نمروذ بن كوش بن حام بن نوح ﵇. وكان مسيره إليه بسبب ما كان آتى حزقيا وبنو إسرائيل إلى جدّه سنحاريب عند غزوه إياهم، وتوسّل إليه بذلك، فقدّمه في جماعة كثيرة، ثم اتَّبعه، فلما توافت العساكر ببيت المقدس، نُصِر بخترشه علي بني إسرائيل لما أراد الله بهم من العقوبة، فسباهم، وهدّم البيت وانصرف إلى بابل، ومعه يوياحن بن
следующие страницы →