← История

История · id 145435

صحيح وضعيف تاريخ الطبري

محمد بن طاهر البرزنجي

Полный текст (6 167 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

٧٨٨ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق: والنصارى يزعمون: أنه توفّاه الله سبع ساعات من النهار؛ ثم أحياه الله، فقال له: اهبط، فأنزل على مريم المجدلانية في جَبلها، فإنه لم يبك عليك أحد بكاءها، ولم يحزن عليك أحد حزنها؛ ثم لتجمعْ لك الحواريين، فبُثَّهم في الأرض دُعاةً إلى الله، فإنك لم تكن فعلت ذلك. فأهبطه الله عليها، فاشتعل الجبل حين هبط نورًا، فجمعتْ له الحواريّين، فبثّهم، وأمرهم أن يبلّغوا الناس عنه ما أمره الله به، ثم رفعه الله إليه، فكساه الريش، وألبسه النور، وقطع عنه لذة المطعم والمشرب، فطار في الملائكة وهو معهم حول العرش، فكان إنسيّا مَلكيًا سمائيًّا أرضيًّا، وتفرق الحواريون حيث أمرهم؛ فتلك الليلة التي أهبِط فيها الليلة التي تدخن فيها النصارى. وكان ممن وجّه من الحواريين والأتباع الذين كانوا في الأرض بعدهم، بطرس الحواريّ ومعه بولس - وكان من الأتباع، ولم يكن من الحواريين - إلى روميّة، وأندراييس، متّى إلى الأرض التي يأكل أهلها الناس - وهي فيما نرى للأساود - وتوماس إلى أرض بابل من أرض المشرق، وفيلبس إلى القيرَوان وقرْطاجنّه؛ وهي إفريقيّة، ويُحنّس إلى دفسوس؛ قرية الفتية أصحاب الكهف، ويعقوبس إلى أورِيشلم، وهي إيليا بيت المقدس، وابن تلما إلى العرابية، وهي أرض الحجاز، وسيمن إلى أرض البربر دون أفريقيَّة، ويهوذا - ولم يكن من الحواريين - إلى أريوبس، جُعل مكان يوذس زكريا يوطا، حين أحدث ما أحديث (١). (١: ٦٠٢/ ٦٠٣). ٧٨٩ - حدثنا ابنُ حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، عن عمر بن عبد الله بن عروة بن الزبير، عن ابن سُليم الأنصاريّ، ثم الزُّرَقيّ، قال: كان على امرأة منَّا نَذْرٌ؛ لَتظهرنّ على رأس الجمَّاء - جبل بالعقيق من ناحية المدينة - قال: فظهرتُ معها: حتى إذا استوينا على رأس الجبل، إذا قبرٌ عظيم، عليه حجران عظيمان؛ حجر عند رأسه، وحجر عند رجليه؛ فيهما كتاب بالمسنَد، لا أدري ما هو! فاحتملتُ الحجَرين معي؛ حتى إذا كنت ببعض الجبل منهبطًا ثقُلا

стр. 2277

عليَّ، فألقيت أحدَهما وهبطت بالآخر، فعرضتُه على أهل السريانية: هل يعرفون كتابَهُ؟ فلم يعرفوه، وعرضتُه على مَنْ يكتب بالزّبور من أهل اليمن، ومن يكتب بالمسنَد فلم يعرفوه. قال: فلما لم أجد أحدًا ممَّن يعرفه ألقيتُه تحت تابوت لنا، فمكث سنين، ثم دخل علينا ناس من أهل ماه من الفرس يبتغون الخَرز، فقلت لهم: هل لكم من كتاب؟ فقالوا: نعم، فأخرجتُ إليهم الحَجَر، فإذا هم يقرؤونه، فإذا هو بكتابهم: هذا قبر رسول الله عيسى بن مريم ﵇ إلى أهل هذه البلاد؛ فإذا هم كانوا أهلها في ذلك الزمان، مات عندهم فدفنوه على رأس الجبل (١). (١: ٦٠٣/ ٦٠٤). ٧٩٠ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلَمة عن ابن إسحاق، قال: ثم عدوا على بقية الحواريِّين يشمّسونهم ويعذبونهم، وطافوا بهم، فسمع بذلك ملك الروم - وكانوا تحت يديه، وكان صاحبَ وثن - فقيل له: إن رجلًا كان في هؤلاء الناس الذين تحت يديك من بني إسرائيل عدوْا عليه فقتلوه، وكان يخبرهم أنه رسول الله، قد أراهم العجائب، وأحيا لهم الموتى، وأبرأ لهم الأسقام، وخَلَق لهم من الطين كهيئة الطير، ونفخ فيه فكان طائرًا بإذن الله، وأخبرهم بالغيوب. قال: ويْحكم! فما منعكم أن تذكروا هذا لي من أمره وأمرهم! فوالله لو علمت ما خلّيتُ بينهم وبينه. ثم بعث إلى الحواريين، فانتزعهم من أيديهم، وسألهم عن دين عيسى وأمْرِه، فأخبروه خبره، فتابعهم على دينهم، واستنزل سرجس فغيّبه، وأخذ خشبته التي صُلِب عليها، فأكرمها وصانها لما مسَّها منه، وعدا علي بني إسرائيل، فقتل منهم قتلى كثيرة؛ فمن هنالك كان أصلُ النصرانية في الروم (٢). (١: ٦٠٤). ٧٩١ - وذكر بعض أهلِ الأخبار: أنّ مولد عيسى ﵇ كان لمضيّ اثنتين وأربعين سنة من مُلْك أغوسطوس، وأنّ أغوسطوس عاش بعد ذلك بقيّة ملكه، وكان جميع ملكه ستًّا وخمسين سنة - قال بعضهم: وأيامًا. قال: ووثبت اليهود بالمسيح، والرياسة ببيت المقدس في ذلك الوقت

стр. 2278

لقيصر، والملك على بيت المقدس من قبَل قيصر هيردوس الكبير الذي دخلت عليه رُسُل ملك فارس الذين وجَّههم الملك إلى المسيح، فصار إلى هيردوس غلطًا، وأخبروه: أن ملك فارس بعث بهم ليقرّبوا إلى المسيح ألطافًا معهم من ذهب، ومرّ ولبان، وأنهم نظروا إلى نجمه قد طلع، فعرفوا ذلك بالحساب، وقرّبوا الألطاف إليه ببيت لحم من فلسطين. فلما عرف هيردوس خبرَهم؛ كاد للمسيح، فطلبه ليقتله، فأمر الله الملَك أن يقول ليوسف الذي كان مع مريم في الكنيسة ما أراد هيردوس من قتله، وأمره أن يهرب بالغلام وأمّه إلى مصر، فلما مات هيردوس قال الملك ليوسف وهو بمصر: إن هيردوس قد مات، وملَك مكانه أركلاوس ابنُه، وذهب مَنْ كان يطلب نفس الغلام، فانصرف به إلى ناصرة من فلسطين ليتمّ قول شعيا النبيّ: من مصر دعوتُك. ومات أركلاوس، وملك مكانه هيردوس الصغير، الذي صُلِب شبهُ المسيح في ولايته، وكانت الرياسة في ذلك الوقت لملوك اليونانية والروم، وكان هيردوس وولده من قِبَلهم؛ إلّا أنهم كانوا يلقّبون باسم الملك، وكان الملوك الكبار يلقّبون بقيصر، وكان ملك بيت المقدس في وقت الصلب لهيردوس الصغير من قبل طيباريوس بن أغوسطوس دون القضاء، وكان القضاء لرجل روميّ يقال له: فيلاطوس من قِبَل قيصر، وكانت رياسة الجالوت ليونن بن بهبوثن. قال: وذكروا: أن الذي شُبّه بعيسى وصُلب مكانه رجل إسرائيليّ، يقال له: أيشوع بن فنديرا. وكان ملكُ طيباريوس ثلاثًا وعشرين سنة وأيامًا منها إلى وقت ارتفاع المسيح ثمانيَ عشرة سنة وأيام؛ ومنها بعد ذلك خمس سنين (١). (١: ٦٠٤/ ٦٠٥). ذكر الخبر عن أصحاب الكهف ٧٩٢ - قال: وكان اسمُ أحدهم - وهو الذي كان يَلي شِرَا الطعام لهم، الذي ذكره الله عنهم: أنهم قالوا إذ هبُّوا من رقدتهم: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ (٢). (٢: ٦).

стр. 2279

٧٩٣ - حدّثني عبد الله بن محمد الزّهريّ، قال: حدَّثنا سفيان، عن مقاتل: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ - اسمه: يمنيخ (١) (٢: ٦). ٧٩٤ - وأما ابنُ إسحاق فإنه قال -فيما حدَّثنا به ابن حُميد- قال: حدَّثنا سلَمة عنه: اسمه: يمليخا. وكان ابن إسحاق يقول: كان عدد الفتية ثمانية، فعلى قوله كان كلبُهم تاسعَهم. وكان -فيما حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة عن ابن إسحاق- يسمِّيهم فيقول: كان أحدهم - وهو أكبرهم والذي كلّم الملِك عن سائرهم -: مكسملينا، والآخر: محسملينا، والثالث: يمليخا، والرابع: مرطوس، والخامس: كسوطونس، والسادس: بيرونس، والسابع: رسمونس، والثامن: بطونس، والتاسع: قالوس، وكانوا أحداثًا (٢) (٢: ٦). ٧٩٥ - وقد حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلمة عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نَجيح، عن مجاهد، قال: لقد حُدِّثت: أنه كان على بعضهم من حداثة أسنانهم وضح الورق. وكانوا من قوم يعبدون الأوثان من الروم، فهداهم الله للإسلام، وكانت شريعتهم شريعةَ عيسى في قول جماعة من سلف علمائنا (٣). (٦: ٢). ٧٩٦ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا الحكَم بن بشير، قال: حدَّثنا عمرو -يعني: ابن قيس الملائيّ- في قوله: ﴿أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ﴾، كانت الفتية على دين عيسى بن مريم ﷺ على الإسلام، وكان ملكهم كافرًا. وكان بعضهم يزعم: أنّ أمرهم ومصيرهم إلى الكهف كان قبل المسيح، وأنّ المسيح أخبر قومه خبرَهم، فإنّ الله ابتعثهم من رقدتهم بعد ما رفع المسيح، في الفترة بينه وبين محمد ﷺ ؛ والله أعلم أيَّ ذلك كان (٤). (٢: ٧). ٧٩٧ - فأمَّا الذي عليه علماء أهل الإسلام فَعَلى أنّ أمرهم كان بعد المسيح.

стр. 2280

فأمّا أنَّه كان في أيام ملوك الطوائف؛ فإنّ ذلك مما لا يدفعه دافع من أهل العلم بأخبار الناس القديمة. وكان لهم في ذلك الزمان مَلِكٌ يقال له: دقينوس، يعبد الأصنام -فيما ذكر عنه- فبلغه عن الفتية خلافُهم إيّاه في دينه، فطلبهم، فهربوا منه بدينهم، حتى صاروا إلى جبل لهم يقال له -فيما حدَّثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نَجِيح، عن مجاهد، عن ابن عباس-: نيحلوس (١). (٧: ٢). ٧٩٨ - وكان سببُ إيمانهم وخلافهم به قومهم فيمَا حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: حدَّثنا عبد الرزاق، قال: حدَّثنا معمَر، قال: أخبرني إسماعيل بن سدوس: أنه سمع وهب بن منبّه يقول: جاء حواريّ عيسى بن مريم إلى مدينة أصحاب الكهف، فأراد أن يدخلَها، فقيل له: إن علَى بابها صنمًا لا يدخلها أحد إلا سجدَ له، فكره أن يدخلَها، فأتى حمَّامًا، وكان فيه قريبًا من تلك المدينة، فكان يعمل فيه، يؤاجِر نفسه من صاحب الحمَّام. ورأى صاحب الحمَّام في حمَّامه البركة، ودرّ عليه الرزق، فجعل يعرض عليه [الإسلام] وجعل يسترسل إليه. وعَلِقه فتيةٌ من أهل المدينة وجعل يُخبرهم خبرَ السماء والأرض وخبر الآخرة، حتى آمنوا به وصدّقوه، وكانوا على مثلِ حاله في حسن الهيئة، وكان يشرُط على صاحب الحمّام: أن الليل لي، لا تحول بيني وبين الصلاة إذا حضرت. فكان على ذلك حتى جاء ابنُ الملك بامرأة، فدخل بها الحمَّام، فعيّره الحواريّ، فقال: أنت ابنُ الملك وتدخلُ ومعك هذه الكذا! فاستحيا، فذهب. فرجع مرة أخرى، فقال له مثل ذلك، وسبّه وانتهره، ولم يلتفت حتى دخل، ودخلت معه المرأة فماتا في الحمَّام جميعًا، فأتِي الملك فقيل له: قتل صاحبُ الحمَّام ابنَك. فالتُمِسَ، فلم يُقدرْ عليه فهرب. قال: من كان يصحبه؟ فسمّوا الفتية؛ فالتُمِسوا فخرجوا من المدينة، فمرُّوا بصاحبٍ لهم في زرع له؛ وهو على مثل أمرهم، فذكروا أنهم التُمسوا، وانطلق معهم ومعه الكلب؛ حتى آواهم الليل إلى الكهف، فدخلوه فقالوا: نبيت ها هنا الليلة ثم نصبح إن شاء الله،

стр. 2281

فتروْن رأيَكم. فضرب على آذانهم، فخرج المَلك في أصحابه يتبعونهم، حتى وجدوهم قد دخلوا الكهف؛ فكلَّما أراد رجل أن يدخلَ أُرعِب، فلم يطق أحد أن يدخل، فقال قائل: أليس لو كنت قدرت عليهم قتلتَهم؟ قال: بلى! قال: فابنِ عليهم باب الكهف، فدعْهم فيه يموتوا عطشًا وجوعًا. ففعل فغبروا - بعد ما بيني عليهم باب الكهف - زمانًا بعد زمان. ثم إنّ راعيًا أدركه المطر عند الكهف، فقال: لو فتحت هذا الكهف فأدخلته غنمي من المطر! فلم يزل يعالجه حتى فتح ما أدخِل فيه، وردّ الله إليهم أرواحَهم في أجسادهم من الغد حين أصبحوا، فبعثوا أحدَهم بورِق يشتري لهم طعامًا، فكلَّما أتى باب مدينتهم رأى شيئًا ينكره، حتى دخل على رجل، فقال: بعني بهذه الدراهم طعامًا، قال: ومن أين لك هذه الدراهم! قال: خرجت وأصحابٌ لي أمس، فآوانا الليل حتى أصبحوا، فأرسلوني، فقال: هذه الدراهم كانت على عهد الملك فلان فأنَّى لك بها! فرفعه إلى الملك - وكان ملكًا صالحًا - فقال: من أينَ لك هذه الورِق؟ قال: خرجت أنا وأصحاب لي أمس حتى أدركَنا الليل في كهف كذا وكذا، ثم أمروني أن أشتريَ لهم طعامًا. قال: وأين أصحابك؟ قال: في الكهف، قال: فانطلَقوا معه حتى أتوْا بابَ الكهف، فقال: دعوني أدخل إلى أصحابي قبلكم، فلما رأوْه ودنا منهم ضُرب على أذنه وآذانهم، فجعلوا كلّما دخل رجل أُرعِب، فلم يقدروا على أن يدخلوا إليهم، فبنوْا عندهم كنيسة، واتَّخذوها مسجدًا يصلُّون فيه (١). (٢: ٦/ ٧ / ٨/ ٩). ٧٩٩ - حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: حدَّثنا عبد الرزَّاق، قال: أخبرنا معمَر عن قَتادة، عن عِكْرمة، قال: كان أصحابُ الكهف أبناءَ ملوك الروم، رزقهم الله الإسلام، فتفرّدوا بدينهم، واعتزلوا قومَهم، حتى انتهوْا إلى الكهف، فضرب الله على سُمْخَانِهم. فلبثوا دهرًا طويلًا، حتى هلكت أمَّتهم، وجاءتْ أمَّةٌ مسلمة، وكان ملكهم مسلمًا، واختلفوا في الروح والجسد، فقال قائل: تبعث الروح والجسد جميعًا، وقال قائل: تُبْعث الروح، وأما الجسد فتأكله الأرض، فلا يكون شيئًا. فشقّ على ملكهم اختلافهم، فانطلق فلبس المُسوح، وجلس

стр. 2282

على الرّماد، ثم دعا الله ، فقال: يا ربّ! قد ترى اختلاف هؤلاء، فابعث لهم ما يبيّن لهم، فبعث الله أصحابَ الكهف، فبعثوا أحدَهم يشتري لهم طعامًا، فدخل السوق، فجعل يُنكر الوجوه ويعرف الطرق، ويرى الإيمان بالمدينة ظاهرًا، فانطلق وهو مستخفٍ، حتى أتى رجلًا يشتري منه طعامًا، فلما نظر الرجل إلى الورِق أنكرها - قال: حسبت أنه قال: كأنها أخفاف الرُّبَع -يعني الإبل الصغار - قال له الفتى: أليس ملِككم فلان؟ قال: بل ملكنا فلان، فلم يزل ذلك بينهما حتى رفعه إلى الملك، فسأله فأخبره الفتى خبرَ أصحابه، فبعث الملك في الناس، فجمعهم فقال: إنَّكم قد اختلفتم في الروح والجسد، وإنّ الله قد بعث لكم آية، فهذا رجل من قوم فلان -يعني ملكهم الذي مضى- فقال الفتى: انطلقوا بي إلى أصحابي، فركب الملك، وركب معه النَّاس، حتى انتهى إلى الكهف، فقال الفتى: دعوني أدخلْ إلى أصحابي، فلما أبصرهم ضرب الله على أذنه وعلى آذانهم، فلمَّا استبطؤوه دخل الملك ودخل الناس معه، فإذا أجساد لا ينكرون منها شيئًا غير أنها لا أرواحَ فيها. فقال الملك: هذه آية بعثها الله لكم (١). (٢: ٩/ ١٠). قال قَتادة: وغزا ابن عباس مع حبيب بن مسلمة، فمرُّوا بالكهف؛ فإذا فيه عظام، فقال رجل: هذه عظام أصحاب الكهف، فقال ابن عباس: لقد ذهبتْ عظامهم منذ أكثر من ثلاثمئة سنة. قال أبو جعفر: فكان منهم (٢). (٢: ١٠). يونس بن متّى ٧٩٩ / أ- وقد اختلف السّلَف من علماء أمة نبيّنا محمد ﷺ في ذهابه لربّه مغاضبًا وظنّه أن لن يُقدَر عليه، وفي حين ذلك. فقال بعضهم: كان ذلك منه قبل دعائه القوم الذين أرسل إليهم، وقبل إبلاغه إياهم رسالة ربِّه؛ وذلك أنّ القوم الذين أرسل إليهم لمّا حضرهم عذاب الله أمر

стр. 2283

بالمصير إليهم؛ ليعلمهم ما قد أظلّهم من ذلك، لينيبوا ممَّا هم عليه مقيمون مما يسخَطه الله، فاستنظر ربَّه المصيرَ إليهم، فلم يُنظِرْه، فغضب لاستعجال الله إياه للنفوذ لأمره وترك إنظاره (١). (٢: ١١). ذكر من قال ذلك: ٨٠٠ - حدَّثني الحارث، قال: حدَّثنا الحسن الأشيب، قال: سمعت أبا هلال محمد بن سُلَيم، قال: حدَّثنا شهر بن حَوْشب، قال: أتاه جبريل ﵇ -يعني: يونس- وقال: انطلق إلى أهل نينَوى، فأنذِرْهم: أنّ العذاب قد حضرهم. قال: ألتمسُ دابَّة، قال: الأمر أعجل من ذلك، قال: ألتمسُ حذاء، قال: الأمر أعجل من ذلك، قال: فغضب، فانطلق إلى السفينة فركب، فلما ركب احتبست السفينة لا تَقدّمُ ولا تأخَّرُ. قال: فساهموا. قال: فَسُهِم، فجاء الحوت يبصبص بذنبه، فنودي الحوت: أيا حوت! إنا لم نجعل يونس لك رزقًا، إنّما جعلناك له حِرْزًا ومسجدًا، فالتقمه الحوت، فانطلق به من ذلك المكان حتى مرّ به على الأَبُلَّة، ثم انطلق حتَّى مرَّ به على دِجلة، ثم انطلق به حتى ألقاه في نينَوى (٢). (٢: ١٢). ٨٠١ - حدَّثني الحارث، قال: حدَّثنا الحسن، قال: حدَّثنا أبو هلال، قال: حدَّثنا شهر بن حَوْشب، عن ابن عباس، قال: إنّما كانت رسالة يونس بعد ما نبذه الحوت (٣). (٢: ١٢). ٨٠١ / أ- وقال آخرون: كان ذلك منه بعد دعائه مَنْ أرسل إليهم إلى ما أمره الله بدعائهم إليه، وتبليغه إياهم رسالة ربِّه، ولكنّه وعدهم نزول ما كان حذَّرهم من بأس الله في وقت وقّتَه لهم، ففارقهم إذ لم يتوبوا ولم يراجعوا طاعة الله والإيمان، فلما أظلّ القومَ عذابُ الله، فغشيَهم -كما وصف الله في تنزيله- تابوا إلى الله، فرفع الله عنهم العذاب، وبلغ يونس سلامتهم وارتفاع العذاب الذي كان وعدَهموه، فغضب من ذلك، وقال: وعدتهم وعدًا، فكذِّب وعدِي!

стр. 2284

فذهب مغاضبًا ربَّه، وكره الرجوع إليهم وقد جرَّبوا عليه الكذب (١). (٢: ١٢). ذكر بعض من قال ذلك: ٨٠١ / ب - حدَّثنا ابن حُمَيد، قال: حدَّثنا سلمَة عن ابن إسحاق، عن يزيد بن زياد، عن عبد الله بن أبي سلَمة، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عبّاس، قال: بعثه الله تعالى -يعني: يونس- إلى أهل قريته، فردُّوا عليه ما جاءهم به، وامتنعوا منه، فلما فعلوا ذلك أوْحَى الله إليه: إنِّي مرسل عليهم العذاب في يوم كذا وكذا، فاخرُجْ من بين أظهرهم. فأعلَم قومَه الذي وعدهم الله من عذابه إياهم، فقالوا: ارمُقوه، فإن هو خرج من بين أظهركم فهو والله كائن ما وعدكم. فلما كانت الليلة التي وُعِدوا العذاب في صبيحتها أدلج وراءه القوم، فحذروا. فخرجوا من القرية إلى بَراز من أرضهم، وفرّقوا بين كلّ دابَّة وولدها، ثم عجّوا إلى الله واستقالوه، فأقالهم. وتنظّر يونس الخبر عن القرية وأهلها حتى مرّ به مارٌّ، فقال: ما فعل أهل القرية؟ فقال: فعلوا أن نبيهم لما خرج من بين أظهرهم عرفوا: أنه صدقهم ما وعدهم من العذاب، فخرجوا من قريتهم إلى براز من الأرض، وفرّقوا بين كل ذات ولد وولدها، ثم عجّوا إلى الله وتابوا إليه، فقبِل منهم، وأخّر عنهم العذاب. قال: فقال يونس عند ذلك وغضب: والله لا أرجع إليهم كذَّابًا أبدًا، وعدتُهم العذاب في يوم، ثم رُدّ عنهم! ومضى على وجهه مغاضبًا لربّه فاستزلّه الشيطان (٢). (٢: ١٣). ٨٠٢ - حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدَّثنا إسحاق بن الحجاج، قال: حدَّثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع [بن أنس]، قال: حدَّثنا رجل قد قرأ القرآن في صدره في إمارة عمر بن الخطاب، فحدّث عن قوم يونس حيث أنذر قومَه فكذّبوه، فأخبرهم: أنه مصيبهم العذاب، وفارَقهم، فلما رأوْا ذلك وغشيَهم العذاب؛ لكنّهم خرجوا من مساكنهم، وصعدوا في مكان رفيع، وأنهم جأروا إلى ربّهم، ودعوْه مخلصين له الدين أن يكشف عنهم العذاب، وأن يرجع إليهم رسولهم، قال: ففي ذلك أنزل الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا

стр. 2285

إِيمَانُهَا إلا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾. فلم يكن قرية غشيَها العذابُ ثم أمسك عنها إلّا قوم يونس خاصّة، فلما رأى ذلك يونس، لكنّه ذهب عاتبًا على ربه، وانطلق مغاضبًا، وظنّ أنْ لن يُقْدَر عليه، حتى ركب سفينة، فأصاب أهلها عاصف من الريح. فقالوا: هذه بخطيئة أحدكم. وقال يونس - وقد عرف أنه هو صاحب الذنب: هذه بخطيئتي، فألقُوني في البحر. وإنّهم أبوْا عليه حتى أفاضوا بسهامهم، ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾، فقال لهم: قد أخبرتكم: أنّ هذا الأمرَ بذنبي. وإنّهم أبوْا عليه أن يُلقوه في البحر، حتى أفاضوا بسهامهم الثانية؛ ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾. فقال لهم: قد أخبرتكم: أنّ هذا الأمر بذنبي، وإنّهم أبوْا عليه أن يُلقوه في البحر حتى أفاضوا بسهامهم الثالثة، ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾. فلما رأى ذلك ألقى نفسه في البحر، وذلك تحت الليل، فابتلعه الحوت ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾ - وعرف الخطيئة - ﴿أَنْ لَا إِلَهَ إلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. وكان قد سبق له من العمل الصالح، فأنزل الله فيه فقال: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾؛ وذلك: أنّ العمل الصالح يرفع صاحبه إذا عثَر؛ ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ﴾. وألقي على ساحل البحر، وأنبت الله عليه شجرة من يَقْطين - وهي فيما ذكر - شجرة القرع يتقطّر عليه من اللبن؛ حتى رجعت إليه قُوَّته. ثم رجع ذاتَ يوم إلى الشجرة فوجدها قد يبِست، فحزِن وبكى عليها، فعوتب فقيل له: أحزِنْتَ على شجرة، وبكيت عليها ولم تحزن على مئة ألف أو زيادة أردت هلاكَهم جميعًا! ثم إنّ الله اجتباه من الضّلالة، فجعله من الصالحين، ثم أمر أن يأتيَ قَومَه ويُخبِرَهم: أن الله قد تاب عليهم. فعمَد إليهم، حتى لقيَ راعيًا، فسأله عن قوم يونس وعن حالهم، وكيف هم؟ فأخبره أنهم بخير، وأنهمْ على رجاء أن يرجع إليهم رسُولُهم، فقال له: فأخبِرْهم أنّي قد لقيت يونس. فقال: لا أستطيع إلا بشاهد، فسمّى له عنزًا من غنمه، فقال: هذه تشهد لك أنّك قد لقيت يونس. قال: وماذا؟ قال وهذه البقعة التي أنت فيها تشهد لك أنك قد لقيت يونس. قال: وماذا؟ قال: وهذه الشجرة تشهد لك أنّك قد لقيت يونس. وإنه رجع الراعي إلى قومه فأخبرهم: أنه لقيَ يونس فكذّبوه وهَمُّوا به شرًّا، فقال: لا تعجلوا عليّ حتى أصبح، فلما أصبح غَدَا بهم إلى البقعة التي لقيَ فيها يونس فاستنطقها،

стр. 2286

فأخبرتهم أنه لقي يونس، وسأل العنز، فأخبرتْهم أنه لقيَ يونس، واستنطقوا الشجرة، فأخبرتهم أنّه قد لقيَ يونس. ثم إن يونس أتاهم بعد ذلك. قال: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ (١). (٢: ١٤/ ١٥). ٨٠٣ - حدّثني الحسين بن عمرو بن محمد العَنْقزيّ، قال: حدَّثنا أبي عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون الأوديّ، قال: حدَّثنا ابن مسعود في بيت المال، قال: إن يونس كان وعد قومه العذاب؛ وأخبرهم: أنه يأتيهم إلى ثلاثة أيام، ففرّقوا بين كلّ والدة وولدها، ثم خرجوا فجأروا إلى الله، واستغفروه، فكفّ الله عنهم العذاب، وغدا يونس ينتظر العذاب، فلم ير شيئًا، وكان مَنْ كذب ولم يكن له بيّنة قتِل فانطلق مغاضبًا ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾، قال: ظلْمة بطن الحوت، وظلمة الليل، وظلْمة البحر (٢). (٢: ١٥/ ١٦). ٨٠٤ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، عمّن حدّثه عن عبد الله بن رافع، مولى أم سلَمة زوج النبي ﷺ ، قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : لما أراد الله حبس يونس في بطن الحوتِ؛ أوحى الله إلى الحوت أنْ خُذْه ولا تخدِش له لحمًا، ولا تكسر عظمًا، فأخذه، ثم هَوَى به إلى مسكنه من البحر. فلما انتهى به إلى أسفل البحر، سمِع يونس حسًّا، فقال في نفسه: ما هذا؟ فأوحى الله إليه وهو في بطن الحوت: إن هذا تسبيح دوابّ البحر. قال: فسبّح وهو في بطن الحوت، قال: فسمعت الملائكة تسبيحَه، فقالوا: يا ربنا! إنا لنسمع صوتًا ضعيفًا بأرض غريبة. قال: ذلك عبدي يونس، عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر، قالوا: العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه في كلّ يوم وليلة عمل صالح! قال: نعم، قال: فشفعوا له عند ذلك. فأمر الحوت، فقذفه في الساحل كما قال الله: ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ وكان سقمه الذي وصفه الله به: أنّه ألقاه الحوت على الساحل كالصبيّ المنفوس، قد بُشِر اللحم والعظم (٣). (٢/ ١٦). ٨٠٤ / أ- قال: أخبرني ابن قُسَيط: أنه سمع أبا هريرة يقول: طُرح بالعراء، فأنبت الله عليه يقْطينةً، فقلنا: يا أبا هريرة! وما اليقطينة؟ قال: شجرة الدُّباء،

стр. 2287

هيَّأ الله له أرويّة وحشيّة، تأكل من حَشَاش الأرض -أو هشاش الأرض- فتفشَح عليه، فتُرْويه من لبنها كلَّ عشيَّة وبُكْرة، حتى نبت (١) (٢: ١٧). ومما كان أيضًا في أيام ملوك الطوائف: إرسال الله رسله الثلاثة ٤٠٨ / ب- واختلف السلف في أمرهم، فقال بعضهم: كان هؤلاء الثلاثة -الذين ذكرهم الله في هذه الآيات، وقصَّ فيها خبرهم- أنبياء ورسلًا أرسلهم إلى بعض ملوك الرّوم، وهو أنطيخس، والقرية التي كان فيها هذا الملك الذي أرسل الله إليه فيها هؤلاء الرسل أنطاكيَة (٢). (٢: ١٨). ذكر من قال ذلك: ٨٠٥ - حدَّثنا ابن حُمَيد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: كان من حديث صاحب "يس" -فيما حدثنا محمد بن إسحاق- قال: ممّا بلغه عن كعب الأحبار، وعن وهب بن منبّه اليمانيّ: أنه كان رجلًا من أهل أنطاكيَة، وكان اسمه حبيبًا وكان يعمل الحرير، وكان رجلًا سقيمًا قد أسرع فيه الجُذام، وكان منزله عند باب من أبواب المدينة قاصيًا، وكان مؤمنًا ذا صدَقة، يجمع كسبه إذا أمسى -فيما يذكرون- فيَقسمه نصفين، فيُطْعِم نصفًا عياله، ويتصدّق بنصف، فلم يهمَّه سُقْمه ولا عمله ولا ضعفه حين طَهر قلبه، واستقامت فطرته، وكان بالمدينة التي هو بها؛ مدينة أنطاكيَةَ، فرعون من الفراعنة يقال له: أنطيخس بن أنطيخس بن أنطيخس، يعبد الأصنام، صاحبُ شِرْك فبعث الله المرسَلين، وهم ثلاثة: صادق وصدوق وشلوم، فقدّم الله إليه وإلى أهل مدينته منهم اثنين، فكذبوهما، ثم عزّز الله بثالث (٣). (٢: ١٨/ ١٩). ٨٠٥ - وقال آخرون: بل كانوا من حواريّي عيسى بن مريم، ولم يكونوا رسلًا لله، وإنما كانوا رسل عيسى بن مريم، ولكن إرسال عيسى بن مريم إياهم

стр. 2288

لمّا كان عن أمر الله تعالى؛ ذكره إياه بذلك، أضيف إرساله إياهم إلى الله، فقيل: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيهِمُ اثْنَينِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾. ذكر من قال ذلك: (١) (٢: ١٩). ٨٠٦ - حدَّثنا بِشْر بن معاذ، قال: حدَّثنا يزيد بن زُرَيع، قال: حدَّثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيهِمُ اثْنَينِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ قال: ذكر لنا: أنّ عيسى ابن مريم بعث رجلين من الحواريّين إلى أنطاكيَةَ، مدينة بالروم، فكذّبوهما، فأعزّهما بثالث، ﴿فَقَالُوا إِنَّا إِلَيكُمْ مُرْسَلُونَ ... ﴾ الآية (٢). (٢: ١٩). ٨٠٧ - رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق: فلما دعتْه الرسل، ونادته بأمر الله، وصدَعت بالذي أمرت به، وعابت دينَهم وما هم عليه، قال [أصحاب القرية] لهم: ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. قالت لهم الرسل: ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ أي: أعمالكم، ﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾. فلما أجمع هو وقومه على قتل الرسل بلغ ذلك حبيبًا، وهو على باب المدينة الأقصى، فجاء يسعى إليهم يذكّرهم الله، ويدعوهم إلى اتِّباع المرسلين، فقال: ﴿يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ أي: لا يسألونكم أموالكم على ما جاؤوكم به من الهدى، وهم لكم ناصحون، فاتبعوهم تهتدوا بهداهم (٣). (٢: ٢٠). ٨٠٨ - حدَّثنا بشر بن معاذ، قال: حدَّثنا يزيد: قال: حدَّثنا سعيد عن قتادة، قال: لما انتهى -يعني: حبيبًا- إلى الرسل، قال: هل تسألون على هذا من أجر؟ قالوا: لا، فقال عند ذلك: ﴿يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٤). (٢٥: ٣). ٨٠٩ - رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق: ثم ناداهم بخلاف ما هم عليه

стр. 2289

من عبادة الأصنام، وأظهر لهم دينه وعبادة ربه، وأخبرهم: أنه لا يملك نفعه ولا ضرّه غيره، فقال: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيهِ تُرْجَعُونَ (٢٢) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ إلى قوله: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾. أي: آمنت بربكم، الذي كفرتم به، فاسمعوا قولي. فلما قال لهم ذلك وثبوا عليه وثبة رجل واحد فقتلوه، واستضعفوه لضعفه وسقمه، ولم يكن أحد يدفع عنه (١). (٢: ٢٠). ٨١٠ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدّثني ابن إسحاق عن بعض أصحابه: أنّ عبد الله بن مسعود كان يقول: وطؤوه بأرجلهم، حتى خرج قُصْبُه من دبُره (٢) (٢٠: ٢) ٨١١ - وقال الله له: ادْخلِ الجنّة، فدخلها حيًّا يرزق فيها، قد أذهب الله عنه سَقَم الدنيا وحزنها ونَصبَها، فلما أفضى إلى رحمة الله وجنَّته وكرامته؛ قال: ﴿يَاليتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ وغضب الله له لاستضعافهم إياه غضبة لم يبقِ [معها] من القوم شيئًا فعجَّل لهم النقمة بما استحلُّوا منه وقال: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾، يقول: ما كابدناهم بالجموع، أي الأمر أيسر علينا من ذلك ﴿إِنْ كَانَتْ إلا صَيحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ فأهلك الله ذلك الملك وأهل أنطاكيَة، فبادوا عن وجه الأرض، فلم يبق منهم باقية (٣). (٢: ١٠/ ٢١). ٨١٢ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدثَّنا سلمة عن ابن إسحاق، عن الحسن بن عُمَارة، عن الحكَم بن عتيبة، عن مِقْسَم أبي القاسم، مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن مجاهد، عن عبد الله بن عبّاس: أنه كان يقول: كان اسم صاحب "يس" حبيبًا، وكان الجُذام قد أسرع فيه (٤). (٢: ٢٢). ٨١٣ - حدَّثنا ابن بشَّار، قال: حدَّثنا مؤمَّل، قال: حدَّثنا سفيان عن عاصم

стр. 2290

الأحول، عن أبي مخلَد، قال: كان اسم صاحب "يس" حبيب بن مري. وكان فيهم (١): (٢١: ٢). شمسون ٨١٤ - وكان من أهل قرية من قرى الرّوم؛ قد هداه الله لرشده، وكان قومه أهل أوثان يعبدونها فكان من خبره وخبرهم -فيما ذكر- ما حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، عن المغيرة بن أبي لَبيد، عن وهب بن منبّه اليمانيّ: أن شمسون كان فيهم رجلًا مسلمًا، وكانت أمّه قد جعلته نذيرةً، وكان من أهل قرية من قراهم، كانوا كفّارًا يعبدون الأصنام، وكان منزله منها على أميال غير كثيرة، وكان يغزوهم وحده ويجاهدهم في الله، فيصيب منهم وفيهم حاجته، فيقتل ويَسْبي، ويصيب المال، وكان إذا لقيَهم لقيهم بلَحْي بعير لا يلقاهم بغيره، فإذا قاتلوه وقاتلهم، وتعب وعطش انفجَر له من الحجر الذي مع اللّحْي ماء عذب فيشرب منه حتى يروَى، وكان قد أعطِيَ قوّةً في البطش، وكان لا يوثقه حديد ولا غيره، وكان على ذلك يجاهدهم في الله ويغزوهم، ويصيب منهم حاجتَه، لا يقدون منه على شيء؛ حتى قالوا: لن تأتوه إلا من قبَل امرأته، فدخلوا على امرأته، فجعلوا لها جُعْلًا، فقالت: نعم أنا أوثقه لكم، فأعطوْها حَبْلا وثيقًا، وقالوا: إذا نام فأوثقِي يَده إلى عنقه حتى نأتيه فنأخذه. فلما نام أوثقتْ يده إلى عنقه بذلك الحبل، فلما هبّ جذبه بيده، فوقع من عنقه، فقال لها: لمَ فعلتِ؟ فقالت: أجرّب به قوّتَك، ما رأيتُ مثلَك قطّ! فأرسلْت إليهم أني قد ربطتُه بالحبل فلم أغْنِ عنه شيئًا، فأرسلوا إليها بجامعة من حديد، فقالوا: إذا نام فاجعليها في عنقه، فلما نام جعلتْها في عنقه، ثم أحكمتْها، فلما هبّ جذبها، فوقعتْ من يده ومن عنقه، فقال لها: لم فعلتِ هذا؟ قالت: أجرّب به قوّتَك؛ ما رأيتُ مثلَك في الدنيا يا شمسون! أمَّا في الأرض شيء يغلبك؟ قال: لا، إلّا شيء واحد، قالت: وما هو؟ قال: ما أنا بمخبِرك به، فلم تزل به تسأله عن ذلك -وكان ذا شعر كثير- فقال لها: ويحك! إنَّ أمّي جعلتْني نذيرة، فلا يغلبني شيء أبدًا، ولا يضبِطني إلا شعري فلما نام أوثقت يده إلى عنقه بشعر

стр. 2291

رأسه، فأوثقه ذلك، وبعثت إلى القوم، فجاؤوا فأخذوه، فجدعوا أنفه وأذنيه، وفقؤوا عينيه، ووقفوه للناس بين ظهراني المئذنة -وكانت مئذنةً ذات أساطين، وكان ملكهم قد أشرف عليها بالناس لينظروا إلى شمسون، وما يصنع به- فدعا الله شمسون حين مثّلوا به ووقفوه أن يسلّطه عليهم، فأمر أن يأخذ بعمودين من عُمُد المئذنة التي عليها الملك والناس الذين معه فيجذبها، فجذبهما فردّ الله عليه بصرَه وما أصابوا من جسده، ووقعت المئذنة بالملك ومَنْ عليها من الناس؛ فهلكوا فيها هدْمًا (١) (٢: ٢٢/ ٢٣). ذكر خبر جرجيس ٨١٥ - وكان جرجيس -فيما ذكر- عبدًا لله صالحًا من أهل فلسطين، ممَّن أدرك بقايا من حواريّي عيسى بن مريم، وكان تاجرًا يكسب بتجارته ما يستغني به عن الناس، ويعود بالفضل على أهل المسكنة. وإنّه تجهّز مرّة إلى ملك بالموْصل، كما حدَّثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلَمة عن ابن إسحاق، عن وهب بن منبّه وغيره من أهل العلم: أنه كان بالموصل داذانه، وكان قد ملك الأم كلّه، وكان جبّارَّا عَاتيًا لا يُطيقه إلا الله تعالى. وكان جرجيس رجلًا صالحًا من أهل فِلَسْطين، وكان مؤمنًا يكتم إيمانه في عصبة معه صالحين، يستخفّون بإيمانهم، وكانوا قد أدركوا بَقايا من الحواريِّين فسمعوا منهم، وأخذوا عنهم. وكان جرجيس كثيرَ المال، عظيم التجارة، عظيم الصَّدَقة، فكان يأتي عليه الزمان يُتْلِف ماله في الصَّدَقة حتى لايبقى منه شيء؛ حتى يصير فقيرًا، ثم يضرب الضَّرْبة فيصيب مثل ماله أضعافًا مضاعفة؛ فكانت هذه حاله في المال. وكان إنما يرغب في المال، ويعمّره ويكسبه من أجل الصَّدقة؛ لولا ذلك كان الفقرُ أحبَّ إليه من الغنى. وكان لا يأمن ولايةَ المشركين عليه مخافةَ أن يُؤْذوه في دينه، أو يَفْتِنوه عنه، فخرج يؤمّ ملكَ الموصل، ومعه مالٌ يريد أن يُهديه له؛ لئلّا يجعل لأحد من تلك الملوك عليه سلطانًا دونه؛ فجاءه حين جاءه، وقد برز في مجلس له، وعنده عظماء قومه وملوكهم؛ وقد أوْقَد نارًا، وقرّب أصنافًا من أصناف العذاب الذي

стр. 2292

كان يعذّب به مَنْ خالفه، وقد أمر بصنم يقال له: "أفلّون" فنُصب؛ فالناس يُعْرَضون عليه، فمن لم يسجدْ له ألقيَ في تلك النار، وعذِّب بأصناف ذلك العذاب، فلما رأى جرجيس ما يصنع؛ فَظِع به وأعظمه، وحدّث نفسه بجهاده، وألقى الله في نفسه بُغْضَه ومحاربتَه، فعمَد إلى المال الذي أراد أن يهديه له فقسَّمه في أهل مِلّته حتى لم يبق منه شيئًا؛ وكرِه أن يجاهده بالمال، وأحبَّ أن يَلِيَ ذلك بنفسه؛ فأقبل عليه عند ما كان أشدّ غضبًا وأسفًا، فقال له: اعلم أنّك عبد مملوك لا تملك لنفسك شيئًا ولا لغيرك، وأنّ فوقك ربًّا هو الذي يَملِكك وغيرَك، وهو الذي خلَقك ورزقك، وهو الذي يُحييك ويميتك، ويضرّك وينفعك، وأنت قد عمَدت إلى خلْق من خلقه قال له: كن فكان أصم أبكم، لا ينطق ولا يبصر ولا يسمع، ولا يضرّ ولا ينفع، ولا يغني عنك من الله شيئًا، فزيّنتَه بالذهب والفضة لتجعله فتنة للناس، ثم عبَدْته دون الله، وأجبرت عليه عباد الله، ودعوته ربًّا. فكلّم الملكَ جرجيسُ بنحو هذا، في تعظيم الله وتمجيده، وتعريفه أمرَ الصنم، وأنّه لا تصلح عبادته. فكان من جواب الملك إياه مسألته إياه عنه، ومَنْ هو؟ ومن أين هو؟ فأجابه جرجيس أن قال: أنا عبد الله وابن عبده وابن أمَتِه، أذلُّ عباده وأفقرُهم إليه، من التراب خُلِقْت، وفيه أصير. وأخبره ما الذي جاء به وحاله. وإنّه دعا ذلك الملكَ جرجيسُ إلى عبادة الله ورفْض عبادة الأوثان. وإنّ الملك دعا جرجيسَ إلى عبادة الصنم الذي يعبده، وقال: لو كان ربُّك الذي تزعم أنه ملك الملوك كما تقول، لرُئيَ عليك أثره كما ترى أثرِي على من حولي من ملوك قومي. فأجابه جرجيس بتمجيد الله وتعظيم أمره. وقال له -فيما قال: أين تجعل طرقبلينا، وما نال بولايتك؛ فإنه عظيم قومك، من إلياس، وما نال إلياس بولاية الله! فإنّ إلياس كان بدؤه آدميًّا يأكل الطعام، ويمشي في الأسواق، فلم تَتنَاه به كرامة الله حتى أنبت له الريش، وألبسه النّور، فصار إنسيًّا ملكيًّا، سمائيًّا أرضيًّا؛ يطير مع الملائكة. وحدِّثْني؛ أين تجعل مجليطيس، وما نال بولايتك: فإنه عظيم قومك، من المسيح بن مريم وما نال بولاية الله! فإنّ الله فضّله على رجال العالمين، وجعله وأمّه آية للمعتبرين. ثم ذكر من أمرِ المسيح ما كان الله

стр. 2293

خصّه به من الكرامة. وقال أيضًا: وحدّثني: أين تجعل أمّ هذا الروح الطيّب التي اختارها الله لكلمته، وطهَّر جوفَها لروحه، وسوّدها على إمائه؟ فأين تجعلها وما نالت بولاية الله. من أزبيل وما نالت بولايتك؟ فإنها إذْ كانت من شيعتك وملّتك أسلمها الله عند عظيمِ ملكها إلى نفسها، حتى اقتحمت عليها الكلاب في بيتها، فانتهشَتْ لحمها وولغت دمها، وجرّت الثعالب والضباع أوصَالها! فأين تجعلُها وما نالت بولايتك من مريم ابنة عمران وما نالت بولاية الله! فقال له الملك: إنك لتحدّثنا عن أشياء ليس لنا بها علْم، فائْتني بالرجلين اللذين ذكرت أمرهما؛ حتى أنظرَ إليهما، وأعتبرَ بهما؛ فإني أنكر أن يكون هذا في البَشَر. فقال له جرجيس: إنّما جاءك الإنكار من قبَل الغِرَّة بالله، وأمّا الرّجلان فلن تراهما ولن يرياك؛ إلّا أن تعمل بعملهما، فتنزل منازلهما. فقال له الملك: أمّا نحن فقد أعذرْنا إليك، وقد تبيّن لنا كِذبُك، لأنك فخرت بأمور عجزتَ عنها، ولم تأت بتصديقها. ثم خيَّر الملك جرجيس بين العذاب وبين السجود لأفلّون، فيثيبَه. فقال له جرجيس: إن كان أفلّون هو الذي رفع السماء -وعدّد عليه أشياء من قدرة الله- فقد أصبْتَ ونصحت [لي]، وإلّا فاخسَأ أيّها النجس الملعون! فلما سمعه الملك يسبّه، ويسبّ آلهته؛ غضب من قوله غضبًا شديدًا، وأمر بخشبة فنصبت له للعذاب، وجعلت عليه أمشاطُ الحديد، فخُدِش بها جسده حتى تقطّع لحمه وجلدُه وعروقه، ينضح خلال ذلك بالخلّ والخردل. فلما رأى ذلك لم يقتلْه؛ أمر بستّة مسامير من حديد فأحميتْ حتى إذا جعلت نارًا، أمر بها فسمّر بها رأسه حتى سال منه دماغه. فلما رأى ذلك لم يقتلْه؛ أمرَ بحوض من نحاس، فأوقد عليه حتى إذا جعله نارًا أمر به فادخل في جوفه، وأطبق عليه، فلم يزل فيه حتى بَرَد حرُّه. فلما رأى ذلك لم يقتله؛ دعا به فقال: ألم تجد ألمَ هذا العذاب الذي تعذّب به! فقال له جرجيس: أمَّا أخبرتُك أنّ لك ربًّا هو أوْلَى بك من نفسك! قال: بلَى قد أخبرتني، قال: فهو الذي حَمَلَ عنِّي عذابكَ، وصبَّرني ليحتجّ عليك. فلما

стр. 2294

قال له ذلك أيقن بالشرّ، وخافه على نفسه ومُلْكه، وأجمع رأيه على أن يخلّده في السجن، فقال الملأ من قومه: إنّك إن تركته طليقًا يكلّم الناس؛ أوشك أن يميل بهم عليك، ولكن مُرْ له بعذاب في السجن يشغَله عن كلام الناس. فأمر فبُطح في السجن على وجهه، ثم أوْتد في يديه ورجليه أربعةَ أوتاد من حديد، في كل ركن منها وتد، ثم أمر بأسطوان من رخام، فوُضع على ظهره. حمل ذلك الأسطوان سبعة رجال فلم يقلّوه، ثم أربعة عشر رجلًا فلم يقلّوه، ثم ثمانية عشر رجلًا فأقلُّوه؛ فظلّ يومَه ذلك مُوتَدًا تحت الحجر. فلما أدركه الليل أرسلَ الله إليه ملَكًا -وذلك أوّلَ ما أيِّدَ بالملائكة، وأول ما جاءه الوحي- فقلع عنه الحجر، ونزع الأوتاد من يديه ورجليه، وأطعمه وسقاه، وبشَّره وعزَاه، فلما أصبح أخرجه من السجن، وقال له: الحقْ بعدوّك فجاهده في الله حقَّ جهاده؛ فإنّ الله يقول لك: أبشِرْ واصبر؛ فإنّي أبتليك بعدوِّي هذا سبع سنين، يعذّبك ويقتلك فيهن أربع مِرار، في كلّ ذلك أردّ إليك روحك؛ فإذا كانت القتْلة الرابعة تقبّلت روحك وأوفيتك أجرك. فلم يشعر الآخرون إلّا وقد وقف جرجيس على رؤوسهم يدعوهم إلى الله. فقال له الملك: أجرجيس! قال: نعم، قال: مَنْ أخرجك من السجن؟ قال: أخرجَني الذي سلطانُه فوق سلطانك. فلما قال له ذلك ملئ غيظًا، فدعا بأصناف العذاب حتى لم يخلّف منها شيئًا، فلما رآها جرجيس تُصنَّف له، أوجس في نفسه خيفة وجزعًا، ثم أقبل على نفسه يعاتبها بأعلَى صوته، وهم يسمعون. فلما فرغ من عتابة نفسَه مدُّوه بين خَشبَتين، ووضعوا عليه سيفًا على مفرِق رأسه، فوَشَرُوه حتى سقط بين رجليه، وصار جزْلتين، ثم عمدوا إلى جزْلتيه، فقطعوهما قِطَعًا. وله سبعة أسْد ضارية في جُبّ، وكانت صنفًا من أصناف عذابه، ثم رموْا بجسده إليها، فلما هَوَى نحوها أمر الله الأسْد فخضعت برؤوسها وأعناقها، وقامت على براثِنها، لا تألوا أن تقيَه الأذى، فظلَّ يومه ذلك ميّتًا، فكانت أول ميتة ذاقها. فلما أدركه اللَّيل جمع الله له جسده الذي قطَّعوه بعضه على بعض، حتى سوّاه. ثم ردّ فيه روحه وأرسل ملَكًا فأخرجه من قَعْر الجبّ، وأطعمه وسقاه، وبشّره وعزّاه. فلما أصبحوا قال له الملك: يا جرجيس، قال: لبّيك! قال: أعْلَمُ: أن القدرة التي خُلِق آدم بها من تراب هي التي أخرجتْك من قعر الجُبّ، فالحق

стр. 2295

بعدوّك، ثم جاهده في الله حقّ جهاده، ومت موت الصابرين. فلم يشعر الآخرون إلّا وقد أقبل جرجيس، وهم عكوف على عيد لهم قد صنعوه فرحًا -زعموا بموت جرجيس- فلما نظروا إلى جرجيس مقبلًا، قالوا: ما أشبه هذا بجرجيس! قالوا: كأنّه هو؟ قال الملك: ما بجرجيس من خفاء، إنّه لهو! ألا تروْن إلى سكون ريحه، وقلّة هيبته. قال جرجيس: بلى، أنا هو حقًّا! بئس القوم أنتم! قتلتم ومثّلتم، فكان الله -وحُقّ له- خيرًا وأرحم منكم. أحياني وردّ عليّ روحي. هلمّ إلى هذا الربّ العظيم الذي أراكم ما أراكم. فلما قال لهم ذلك؛ أقبل بعضُهم على بعض، فقالوا: ساحر سَحَر أيديَكم وأعينكم عنه. فجمعوا له مَنْ كان ببلادهم من السَّحَرة، فلما جاء السحرة، قال الملك لكبيرهم: اعرض عليّ من كبير سحرك ما تُسرّي به عنّي، قال له: ادع لي بثوْر من البقر، فلما أتِيَ به نفثَ في إحدى أذنيه فانشقّت باثنتين، ثم نفث في الأخرى؛ فإذا هو ثوران، ثم أمر ببذْر فحرث وبذر، ونبت الزرع، وأينع وحصد، ثم داس وذرّى، وطحن وعجن، وخبز وأكل ذلك في ساعة واحدة كما تروْن! قال له الملك: هل تقدر على أن تمسخه لي دابّة؟ قال الساحر: أي دابّة أمسخه لك؟ قال: كلبًا، قال: ادعُ لي بقَدح من ماء، فلما أتِيَ بالقدح نفث فيه الساحر، ثم قال للملك: اعزم عليه أن يشرَبه، فشربه جرجيس حتى أتى على آخره، فلما فرغ منه قال له الساحر: ماذا تجد؟ قال: ما أجد إلّا خيرًا، قد كنت عطشت فلطف الله لي بهذا الشراب، فقوّاني به عليكم. فلما قال له ذلك أقبل الساحر على الملك فقال: اعلم أيّها الملك، أنّك لو كنت تقاسي رجُلًا مثلك إذًا كنت غلبتَه، ولكنّك تقاسي جبّار السموات، وهو الملك الذي لا يُرام! وقد كانت امرأة مسكينة، سمعت بجرجيس وما يَصنع من الأعاجيب، فأتته وهو في أشدّ ما هو فيه من البلاء، فقالت له: يا جرجيس! إنّي امرأة مسكينة، لم يكن لي مال ولا عيش إلا ثور كنت أحرث عليه فمات، وجئتك لترحمَني وتدعوَ الله أن يُحْيَي لي ثوري. فذرفت عيناه. ثم دعا الله أن يحيي لها ثورها، وأعطاها عصا، فقال: اذهبي إلى ثورك، فاقرَعيه بهذه العصا، وقولي له: احْيَ بإذن الله. فقالت: يا جرجيس مات ثوري منذ أيام، وتفرّقته السباع، وبيني وبينك أيام، فقال: لو لم تجدي منه إلا سنًّا واحدة ثم قرعتِها بالعصا لقام بإذن

стр. 2296

الله. فانطلقت حتى أتت مصرع ثورها، فكان أوّل شيء بدا لها من ثورها أحد رَوْقَيه، وشَعر ذَنَبه، فجمعت أحدَهما إلى الآخر، ثم قرعتهما بالعصا التي أعطاها، وقالت كما أمرها، فعاش ثورها، وعملت عليه حتى جاءهم الخبر بذلك. فلما قال الساحر للملك ما قال؛ قال رجل من أصحاب الملك -وكان أعظمَهم بعد الملك: اسمعوا منّي أيّها القوم أحدّثكم، قالوا: نعم، فتكلّم، قال: إنكم قد وضعتم أمرَ هذا الرجل على السّحر، وزعمتم: أنه سحرَ أيديَكم عنه وأعينكم. فأراكم أنّكم تعذبونه، ولم يصل إليه عذابكم! وأراكم أنكم قد قتلتموه فلم يمتْ، فهل رأيتم ساحرًا قطّ قَدَر أن يدرأ عن نفسه الموت، أو أحْيَا ميتًا قطّ! ثم قصّ عليهم فعل جرجيس، وفعلهم به، وفعلَه بالثور وصاحبته، واحتجّ عليهم بذلك كلّه، فقالوا له: إنّ كلامك لكلام رجل قد أصغَى إليه، قال: ما زال أمرُه لي معجبًا منذ رأيت منه ما رأيت، قالوا له: فلعلّه استهواك! قال: بل آمنت وأشهِدُ الله أنّي بريء مما تعبدون. فقام إليه الملك وصحابتُه بالخناجر، فقطعوا لسانه، فلم يلبث أن مات، وقالوا: أصابه الطاعون، فأعجله الله قبل أن يتكلّم. فلما سمع الناس بموته، أفزعهم، وكتموا شأنه، فلما رآهم جرجيس يكتمونه برز للناس، فكشف لهم أمرَه، وقصّ عليهم كلامه، فاتّبعه على كلامه أربعة آلاف وهو ميّت، فقالوا: صدق، ونِعْم ما قال! يرحمه الله! فعمَد إليهم الملك فأوثقهم، ثم لم يزل يلوِّن لهم العذاب؛ ويقتلهم بالمَثُلات. حتى أفناهم. فلما فرغ منهم؛ أقبل على جرجيس، فقال له: هلّا دعوت ربّك، فأحيا لك أصحابَك؛ هؤلاء الذين قُتِلوا بجريرتك! فقال له جرجيس: ما خلّى بينك وبينهم حتى خارَ لهم. فقال رجل من عظمائهم يقال له: مجليطيس: إنّك زعمت يا جرجيس أنّ إلهك هو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده، وإنّي سائلك أمرًا إن فعله إلهك آمنت بك وصدّقتك، وكفيتُك قومي هؤلاء؛ هذه تحتنا أربعة عشر منبرًا حيث ترى، ومائدةٌ بيننا عليها أقداح وصحاف، وكلّ صنع من الخشب اليابس، ثم هو من أشجار شتى؛ فادْع ربّك ينشئ هذه الآنية وهذه المنابر، وهذه المائدة، كما بدأها أوّلَ مرّة؛ حتى تعود خضرًا نعرف كلَّ عود منها بلونه وورقه وزهره وثمره.

стр. 2297

فقال له جرجيس: قد سألتَ أمرًا عزيزًا عليّ وعليك؛ وإنّه عَلى الله لهيّن. فدعا ربه، فما برحوا مكانهم حتى اخضرّت تلك المنابر، وتلك الآنية كلّها، فساختْ عروقها، وألبِسَت اللِّحاء، وتشعّبت، ونبت ورقها وزهرها وثمرها، حتى عرفوا كلَّ عود منها باسمه ولونه وزهره وثمره. فلما نظروا إلى ذلك؛ انتدبَ له مجليطيس، الذي تمنّى عليه ما تمنّى، فقال: أنا أعذّب لكم هذا الساحر عذابًا يضلّ عنه كيده. فعمَد إلى نحاس فصنع منه صورة ثور جوفاء واسعة، ثم حشاها نِفْطًا ورصاصًا وكبريتًا وزرنيخًا، ثم أدخل جرجيس مع الحشْو في جوفها، ثم أوقد تَحْتَ الصورة، فلم يزل يُوقد حتى التهبت الصورة، وذابَ كلّ شيء فيها واختلط، ومات جرجيس في جوفها. فلما مات أرسل الله ريحًا عاصفًا، فملأت السماء سحابًا أسودَ مظلمأ، فيه رعدٌ لا يفتر، وبرقٌ وصواعقُ متداركات، وأرسل الله إعْصارًا فملأت بلادهم عجاجًا وقَتامًا، حتى اسودّ ما بين السماء والأرض وأظلم، ومكثوا أيامًا متحيّرين في تلك الظلمة، لا يفصلون بين الليل والنهار. وأرسل الله ميكائيل فاحتمَلَ الصورة التي فيها جرجيس، حتى إذا أقلَّها ضرب بها الأرض ضربًا، فزع من رَوعته أهل الشأم أجمعون، وكلُّهم يسمعه في ساعة واحدة؛ فخزُوا لوجوههم صَعِقين من شدة الهول، وانكسرت الصورة، فخرج منها جرجيس حيًّا، فلما وقف يكلّمهم انكشفت الظلمة، وأسْفَر ما بين السماء والأرض، ورجعتْ إليهم أنفسهم. فقال له رجل منهم يقال له طرقبلينا: لا ندري يا جرجيس أنت تصنع هذه العجائب، أم ربّك؟ فإنْ كان هو الذي يصنعها، فادعه يُحْيِ لنا موتانا، فإن في هذه القبور التي ترى أمواتًا من أمواتنا، منهم مَنْ نعرف ومنهم مَنْ مات قبل زماننا، فادعه يُحيِهِمْ حتى يعودُوا كما كانوا ونكلّمهم، ونعرف مَنْ عرفنا منهم، ومَنْ لا نعرف أخْبِرْنا خبره. فقال له جرجيس: لقد علمتُ ما يصفح الله عنكم هذا الصفح، ويُريكم هذه العجائب إلّا ليتمّ عليكم حججه، فتستوجبوا بذلك غضبه. ثم أمر بالقبور فنبشت وهي عظام ورُفات ورميم. ثم أقبل على الدعاء فما برحوا مكانهم؛ حتى نظروا إلى سبعة عشر إنسانًا: تسعة رهط وخمس نسوة وثلاثة صبية؛ فإذا شيخ منهم كبير، فقال له جرجيس: أيها الشيخ، ما اسمك؟ فقال: اسمي يوبيل،

стр. 2298

فقال: متى مِتّ؟ قال: في زمان كذا وكذا، فحسبوا فإذا هو قد مات منذ أربعمئة عام. فلما نظر إلى ذلك الملك وصحابته، قالوا: لم يبق من أصناف عذابكم شيء إلّا قد عذّبتموه، إلّا الجوع والعطش، فعذِّبوه بهما. فعمدوا إلى بيت عجوز كبيرة فقيرة، كان حريزًا، وكان لها ابن أعمى أبكم مقعد، فحصروه في بيتها فلا يصلُ إليه من عند أحدٍ طعام ولا شراب. فلما بلغه الجوع، قال للعجوز: هل عندك طعام أو شراب؟ قالت: لا والذي يُحلَف به، ما عهدنا بالطعام منذ كذا وكذا، وسأخرج وألتمس لك شيئًا. قال لها جرجيس: هل تعرفين الله؟ قالت له: نعم، قال: فإياه تعبدين؟ قالت: لا، قال: فدَعاها إلى الله فصدّقته، وانطلقت تطلب له شيئًا، وفي بيتها دعامة من خشبة يابسة تحمل خشب البيت، فأقبل على الدعاء، فما كان كشيء حتى اخضرّت تلك الدّعامة، فأنبتت كلَّ فاكهة تؤكل أو تعرف، أو تسمّى حتى كان فيما أنبتت اللّيَاء، واللوبياء. قال أبو جعفر: اللِّيَاء نبت بالشأم له حبّ يؤكل. وظهر للدِّعامة فرع من فوق البيت أظلّه وما حوله وأقبلت العجوز، وهو فيما شاء يأكل رَغَدا؛ فلما رأت الذي حدث في بيتها من بعدها، قالت: آمنت بالذي أطعمك في بيت الجوع، فادعُ هذا الربّ العظيم ليشفيَ ابني، قال: أدنيه مني، فأدنته منه، فبصَق في عينيه فأبصر، فنفثَ في أذنيه فسمع، قالت له: أطلق لسانه ورجليه، رحمك الله! قال: أخّريه؛ فإن له يومًا عظيمًا. وخرج الملك يسير في مدينته، فلما نظر إلى الشجرة، قال لأصحابه: إني أرى شجرة بمكانٍ ما كنت أعرفها به، قالوا له: تلك الشجرة نبتت لذلك الساحر الذي أردت أن تعذّبه بالجوع، فهو فيما شاء قد شبع منها، وشبعت الفقيرة وشفى لها ابنَها. فأمر بالبيت فهدم، وبالشجرة لتقطع، فلما همّوا بقطعها أيبسها الله تعالى كما كانت أوّل مرة، فتركوها، وأمر بجرجيس فبُطح على وجهه وأوتد له أربعة أوتاد، وأمر بعجَل فأوقر أسطوانًا ما حمل، وجعل في أسفل العجَل خناجر وشفارًا، ثم دعا بأربعين ثورًا، فنهضت بالعجَل نهضة واحدة، وجرجيس تحتها، فتقطّع ثلاث قطع، ثم أمر بقطعة فأحرقت بالنار؛ حتى إذا عادت رمادًا بعث بذلك الرماد رجالًا فذرّوه في البحر، فلم يبرحوا مكانهم حتى

стр. 2299

سمعوا صوتًا من السماء يقول: يا بحر! إنّ الله يأمرك أن تحفظ ما فيك من هذا الجسد الطيّب، فإنّي أريد أن أعيده كما كان. ثم أرسل الله الرياح فأخرجته من البحر، ثم جمعته حتى عاد الرماد صبْرة كهيئته قبل أن يذروه، والذين ذرّوه قيام لم يبرحوا. ثم نظروا إلى الرّماد يثور كما كان، حتى خرج منه جرجيس مغبرًّا ينفض رأسه، فرجعوا، ورجَع جرجيس معهم، فلما انتهوا إلى الملك أخبروه خبر الصوت الذي أحياه، والريح التي جمعته. فقال له الملك: هل لك يا جرجيس فيما هو خير لي ولك! فلولا أن يقولَ الناس: إنك قهرتني وغلبتني؛ لاتّبعتُك وآمنت بك؛ ولكن اسجد لأفلّون سجدة واحدة، أو اذْبح له شاة واحدة، ثم أنا أفعل ما يسرّك. فلما سمع جرجيس هذا من قوله طمع أن يُهلِك الصنم حين يدخله عليه، رجاء أن يؤمن له الملك حين يهلك صنمه، وييئس منه، فخدعه جرجيس، فقال: نعم؛ إذا شئت فأدخلْني على صنمك أسجد له، وأذبح له، ففرح الملك بقوله، فقام إليه فقَبّل يديه ورجليه ورأسه، وقال: إني أعزم عليك ألّا تظلّ هذا اليوم، ولا تبيت هذه الليلة إلّا في بيتي وعلى فراشي، ومع أهلي حتى تستريح ويذهب عنك وصبُ العذاب، فيرى الناس كرامتَك عليّ. فأخلى له بيته، وأخرج منه مَنْ كان فيه. فظلّ فيه جرجيس؛ حتى إذا أدركه الليل، قام يصلّي، ويقرأ الزّبور -وكان أحسنَ الناس صوتًا- فلمّا سمعتْه امرأة الملك استجابت له، ولم يشعر إلا وهي خلْفه تبكي معه، فدعاها جرجيس إلى الإيمان فآمنت، وأمرها فكتمت إيمانها. فلما أصبح غدا به إلى بيت الأصنام ليسجدَ لها، وقيل للعجوز التي كان سجن في بيتها: هل علصتِ أنّ جرجيس قد فتن بعدك، وأصغى إلى الدنيا، وأطمعه الملك في ملكه، وقد خرج به إلى بيت أصنامه ليسجد لها! فخرجت العجوز في أعراضهم، تحمل ابنَها على عاتقها، وتوبّخ جرجيس، والناس مشتغلون عنها. فلما دخل جرجيس بيتَ الأصنام، ودخل الناس معه، نظر فإذا العجوز وابنها على عاتقها أقربُ الناس منه مقامًا، فدعا ابن العجوز باسمه، فنطق بإجابته، وما تكلّم قبل ذلك قط، ثم اقتحم عن عاتق أمّه يمشي على رجليه سويّتين، وما وطئ الأرض قبل ذلك قطّ بقدميه، فلما وقف بين يدي جرجيس

стр. 2300

قال: اذهب، فادعُ لي هذه الأصنام، وهي حينئذ على منابرَ من ذهب، واحد وسبعون صنمًا. وهم يعبدون الشمس والقمر معها، فقال له الغلام: كيف أقول للأصنام؟ قال: تقول لها: إن جرجيس يسألك ويعزم عليك بالذي خَلَقك إلّا ما جئته. فلما قال لها الغلام ذلك، أقبلت تدحرج إلى جرجيس، فلما انتهتْ إليه؛ ركض الأرضَ برجله، فخسف بها وبمنابرها، وخرج إبليس من جوف صنم منها هاربًا فرَقًا من الخسف، فلما مرّ بجرجيس، أخذ بناصيته، فخضع له برأسه وعنقه، وكلّمه جرجيس فقال له: أخبرني أيتها الروح النجسة، والخلق الملعون، ما الذي يحملك على أن تهلك نفسَك، وتهلك الناس معك، وأنت تعلم أنك وجندك تصيرون إلى جهنم! فقال له إبليس: لو خيّرت بين ما أشرقت عليه الشمس، وأظلم عليه الليل، وبين هلكة بني آدم وضلالتهم أو واحد منهم طَرْفة عين، لاخترت طرفة العين على ذلك كلّه؛ وإنه ليقع لي من الشهوة في ذلك واللّذة مثل جميع ما يتلذّذ به جميع الخلق. ألم تعلم يا جرجيس: أن الله أسجد لأبيك آدمَ جميعَ الملائكة، فسجد له: جبريل وميكائيل، وإسرافيل؛ وجميع الملائكة المقرَّبين، وأهلُ السموات كلّهم، وامتنعت من السجود، فقلت: لا أسجد لهذا الخلْق وأنا خير منه! فلما قال هذا خلّاه جرجيس؛ فما دخل إبليس منذ يومئذ جوف صنم، مخافة الخسف، ولا يدخلُه بعدها -فيما يذكرون- أبدًا. وقال الملك: يا جرجيس خدعتني وغررتني، وأهلكت آلهتي، فقال له جرجيس: إنّما فعلت ذلك عَمْدًا لتعتبر ولتعلم أنها لو كانت آلهة كما تقول إذًا لامتنعتْ منّي، فكيف ثقتك ويلك بآلهة لم تمنع أنفسها مني! وإنّما أنا مخلوق ضعيف لا أملك إلا ما ملّكني ربِّي. قال: فلما قال هذا جرجيس؛ كلّمتْهم امرأة الملك، وذلك حين كشفت لهم إيمانها، وباينتْهم بدينها، وعدّدت عليهم أفعال جرجيس، والعَبَر التي أراهم. وقالت لهم: ما تنتظرون من هذا الرجل إلّا دعوة فتُخسف بكم الأرض فتهلكوا، كما هلكت أصنامكم. اللهَ اللهَ أيّها القوم في أنفسكم! فقال لها الملك: ويحًا لك إسكندرة! ما أسرع ما أضلّك هذا الساحر في ليلة واحدة! وأنا أقاسيه منذ سبع سنين؛ فلم يُطق منّي شيئًا. قالت له: أفما رأيت الله كيف يظفره بك، ويسلّطه عليك، فيكون له الفلَجُ والحجّة عليك في كلِّ موطن! فأمر بها عند ذلك فحملت على خشبة جرجيس التي كان علّق عليها، فعلِّقت بها، وجعلت عليها الأمشاط التي جعلت على جرجيس. فلما ألمت من

стр. 2301

وجع العذاب قالت: ادعُ ربك يا جرجيس يخفِّفْ عني، فإني قد ألمت [من] العذاب فقال: انظري فوقك. فلما نظرت ضحكت. فقال لها: ما الذي يضحكك؟ قالت: أرى ملَكين فوقي، معهما تاج من حَلي الجنّة ينتظران به روحي أن تخرج، فإذا خرجت زيّناها بذلك التاج، ثم صعدا بها إلى الجنة، فلما قَبضَ الله روحها؛ أقبل جرجيس على الدعاء؛ فقال: اللهمّ أنت الذي أكرمتني بهذا البلاء، لتعطيَني به فضائل الشهداء! اللهمّ فهذا آخرُ أيامي الذي وعدتني فيه الراحة من بلاء الدنيا، اللهمّ فإني أسألك ألَّا تقبض روحي، ولا أزولَ من مكاني هذا حتى تنزل بهذا القوم المتكبّرين من سطواتك ونقمتك ما لا قبَل لهم به، وما تشفى به صدري، وتقرّ به عيني؛ فإنهم ظلموني وعذبوني. اللهمّ وأسألك ألّا يدعو بعدي داعٍ في بلاء ولا كرب فيذكرني، ويسألك باسمي إلا فرّجت عنه ورحمته وأجبته، وشفعتني فيه. فلمّا فرَغ من هذا الدّعاء، أمطر الله عليهم النار، فلما احترقوا؛ عمَدوا إليه فضربوه بالسيوف غيظًا من شدّة الحريق، ليعطيَه الله تعالى بالقتلة الرابعة ما وعده. فلما احترقت المدينة بجميع ما فيها، وصارت رمادًا، حملها الله من وجه الأرض حتى أقلّها، ثم جعل عاليَها سافلها، فلبثت زمانًا من الدهر يخرج من تحتها دخان منتن، لا يشمّه أحد إلا سقم سقمًا شديدًا، إلّا أنها أسقام مختلفة، لا يشبه بعضها بعضًا، فكان جميع من آمن بجرجيس، وقتل معه أربعة وثلاثين ألفًا، وامرأة الملك. رحمها الله! (١) (٢: ٢٤/ ٣٦). ونرجع الآن إلى: ذكر بقيّة خبر تُبّع أيام قُباذ وزمن أنوشروان وتوجيه الفرس الجيش إلى اليمن لقتال الحبشة وسبب توجيهه إياهم إليها ٨١٦ - حدثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: كان تُبّع الآخر وهو تُبّان أسعد أبو كَرِب حين أقبل من المشرق، جعل طريقه على المدينة، وقد كان حين مرّ بها في بدءته لم يُهِج أهلها، وخلّف

стр. 2302

بين أظهرهم ابنًا له، فقتل غِيلة، فقدمها وهو مُجْمع لإخرابها، واستئصال أهلها وقطع نخلها؛ فجمع له هذا الحيّ من الأنصار حين سمعوا بذلك من أمره ليمتنعوا منه، ورئيسهم يومئذ عمرو بن الطلّة، أحد بني النجّار، ثم أحد بني عمرو بن مبذول؛ فخرجوا لقتاله. وكان تُبّع حين نزل بهم، قد قتل رجل منهم -من بني عديّ بن النجار يقال له: أحمر- رجلًا من أصحاب تُبّع، وجده في عَذْق له يجُدّه، فضربه بِمنْجله فقتله، وقال: إنما الثمرُ لمن أبَرّه، ثم ألقاه حين قتله في بئر من آبارهم معروفة يقال لها: ذات تومان. فزاد ذلك تُبّعًا عليهم حَنَقًا. فبينا تُبّع على ذلك من حربه وحربهم يقاتلهم ويقاتلونه -قال: فتزعُمُ الأنصار: أنهم كانوا يقاتلونه بالنهار، ويَقْرُونه بالليل فيُعجِبه ذلك منهم؛ ويقول: والله إنّ قومَنا هؤلاء لكرام- إذ جاءه حَبْران من أحبار يهود من بني قريظة، عالمان راسخان حين سمعا منه ما يريد من إهلاك المدينة وأهلها، فقالا له: أيها الملك لا تفعل؛ فإنّك إن أبيت إلّا ما تريد حِيلَ بينك وبينها، ولم نأمنْ عليك عاجل العقوبة، فقال لهما: ولم ذاك؟ فقالا: هي مهاجَر نبيّ يخرج من هذا الحيّ من قريش في آخر الزمان، تكون داره وقراره. فتناهَى عند ذلك من قولهما عمّا كان يريد بالمدينة، ورأى أنّ لهما علْمًا، وأعجبه ما سمع منهما. فانصرف عن المدينة، وخرج بهما معه إلى اليمن واتّبعهما على دينهما. وكان اسم الحبْرَين كعبًا وأسدًا، وكانا من بني قريظة، وكانا ابني عم، وكانا أعلم أهل زمانهما كما ذكر لي ابن حميد عن سَلمة، عن ابن إسحاق، عن يزيد بن عمرو، عن أبان بن أبي عيّاش، عن أنس بن مالك، عن أشياخ من قومه ممن أدرك الجاهلية؛ فقال شاعر من الأنصار وهو خال ابن عبد العُزّى بن غزيّة بن عمرو بن عَبْد بن عوف بن غَنْم بن مالك بن النجّار، في حربهم وحرب تُبّع، يفتخر بعمرو بن طَلّة ويذكر فضله وامتناعه: أصَحا أم انْتَهَى ذُكَرَهْ ... أمْ قَضَى مِنْ لَذَّةٍ وَطَرَهْ أمْ تَذَكَّرْتَ الشَّبَابَ وَمَا ... ذكْرُكَ الشَّبَابَ أَوْ عُصُرَهْ! إنَّها حَرْبٌ ربَاعِيَةٌ ... مثْلُهَا آتى الْفَتَى عِبَرَهْ فَسَلا عِمْرَانَ أَوْ فَسَلا ... أسْدًا إذْ يَغْدُو مَعَ الزُّهَرَهْ فيلَقٌ فيهَا أَبو كَرِبٍ ... سابِغًا أَبْدَانُهَا ذَفِرَهْ

стр. 2303

ثمَّ قالُوا مَنْ يؤمُّ بهَا ... أبَنِي عَوْفٍ أَم النَّجَرَهْ يا بَني النَّجَّارِ إنّ لَنَا ... فيهِمُ قَبْلَ الأَوَانِ تِرَهْ فتَلَقَّتْهُمْ عَشَنَّقَةٌ ... مَدُّهَا كَالْغَبْيَةِ النَّثِرَهْ سَيّدٌ سَامَى المُلُوكَ ومَنْ ... يَغْزُ عَمْرًا لَا يَجِدْ قَدَرَه وقال رجل من الأنصار، يذكر امتناعهم من تُبّع: تُكلِّفُني مِنْ تَكَالِيفَها ... نَخِيلَ الأسَاويفِ والمَنْصَعَهْ نَخِيلًا حَمتْهَا بَنُو مَالِكٍ ... خُيُولَ أَبي كَرِبَ المُفْظَعَهْ قال: وكانَ تُبّع وقومه أصحابَ أوثان يعبدونها، فوجّه إلى مكّة -وهي طريقه إلى اليمن- حتى إذا كان بالدُّفّ من جُمْدان بين عُسْفان وأمَجِ، في طريقه بين مكّة والمدينة؛ أتاه نفر من هُذيل، فقالوا له: أيُّها الملك! ألا ندلّك على بيت مال داثر، قد أغفلته الملوك قبلك، فيه اللؤلؤ والزبرجَد والياقوت والذهب والفضة؟ قال: بلى! قالوا: بيت بمكّة يعبده أهله، ويصلّون عندَه. وإنما يُريد الهُذليُّون بذلك هلاكَه لما قد عرفوا من هلاك مَنْ أراده من الملوك، وبغَى عنده. فلما أجمع لما قالوا، أرسل إلى الحَبْرين، فسألهما عن ذلك، فقالا له: ما أراد القومُ إلّا هلاكك وهلاك جُنْدِك؛ ولئن فعلت ما دعوْك إليه لتهلِكنّ وليهلكنّ مَنْ معك جميعًا، قال: فماذا تأمرانني أن أصنغ إذا قدمت عليه؟ قالا: تصنع عنده ما يصنع أهلُه، تطوف به وتعظّمه وتكرّمه، وتحلق عنده رأسك وتتذلّل له حتى تخرج من عنده. قال: فما يمنعكما أنتما من ذلك؟ قالا: أمَّا والله إنه لَبيت أبينا إبراهيم، وإنّه لَكما أخبرناك؛ ولكنّ أهلَه حالوا بيننا وبينه بالأوثان التي نصَبوا حوله، وبالدّماء التي يُهريقون عنده، وهم نجس أهل شِرْك. أو كما قالا له. فعرف نصحَهما وصِدْق حديثهما، فقرّب النفَر من هُذَيل، فقطّع أيديَهم وأرجلهم. ثم مضى حتى قدم مكّة، وأري في المنام أن يكسوَ البيت، فكساه الخَصَف ثم أرِيَ أن يكسوَه أحسن من ذلك، فكساه المَعَافر، ثم أرِيَ أن يكسوَه أحسن من ذلك، فكساه المُلاء والوصائل؛ فكان تُبّع -فيما يزعمون- أوّلَ من كساه وأوصى به ولاتَه من جُرْهم، وأمرهم بتطهيره، وألّا يقربوه دمًا ولا ميتة ولا مئلاثًا وهي المحائض، وجعل له بابا ومفتاحًا، ثم خرج متوجّهًا إلى اليمن بمن معه من جنوده، وبالحَبْرين، حتى إذا دخل اليمن دعا قومَه إلى الدخول فيما

стр. 2304

دخل فيه، فأبوْا عليه حتى يحاكموه إلى النّار التي كانت باليمن (١). ٨١٧ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدثنا سَلمة عن ابن إسحاق، عن بعض أصحابه: أنّ الحَبْرين ومَنْ خرج معهما من حِمْير؛ إنما اتّبعوا النار ليردّوها، وقالوا: مَنْ ردّها فهو أوْلى بالحقّ، فدنا منها رجالٌ من حِمْير بأوثانهم ليردُّوها، فدنت منهم لتأكلَهم، فحادوا عنها فلم يستطيعوا ردّها، ودنا منها الحَبْران بعد ذلك، وجَعلا يتلُوَان التوراة وتنكُص، حتى ردّاها إلى مخرجها الذي خرجت منه؛ فأصفقت عند ذلك حميَر على دينهما، وكان رئام بيتًا لهم يعظّمونه، وينحرون عنده، ويُكلَّمون منه إذْ كانوا على شِرْكهم، فقال الحَبْران لتبّع: إنما هو شيطان يَفْتِنهُم ويلدب بهم، فخلّ بيننا وبينه، قال: فشأنكما به؛ فاستخرجا منه -فيما يزعم أهل اليمن- كلبًا أسود، فذبحاه وهدما ذلك البيت؛ فبقاياه اليوم باليمن -كما ذكر لي- وهو رئام به آثار الدّماء التي كانت تُهراق عليه. فقال تبّع في مسيره ذلك وما كان هتم به من أمر المدينة وشأن البيت وما صنع برجال هذيل الذين قالوا له ما قالوا، وما صنع بالبيت حين قدم مكّة من كسوته وتطهيره، وما ذكر له الحبْران من أمر رسول الله ﷺ : مَا بَالُ نَوْمِكَ مِثْلَ نَوْمِ الأَرْمَدِ ... أرِقًا كَأَنَكَ لَا تَزَالُ تُسَهَّدُ حنَقًا على سِبْطَينِ حَلَّا يَثْرِبًا ... أوْلَى لهُمْ بعِقَابِ يَوْمٍ مُفْسِدِ! ولَقَدْ نَزَلْتُ مِنَ الْمَدِينَةِ مَنْزِلًا ... طابَ الْمَبيتُ به وَطَابَ المَرْقَدُ وَجَعَلْتُ عَرْصَةَ مَنْزِلٍ بِرُباوةٍ ... بينَ الْعَقِيقِ إلى بقيعِ الْغَرْقَدِ ولقدْ تَرَكْنَا لابَهَا وَقَرَارَهَا ... وسِبَاخَهَا فُرِشَتْ بِقَاعٍ أجْرَدِ ولقد هَبَطْنَا يَثْرِبًا وَصدُورُنَا ... تغْلِي بَلابِلُهَا بقَتْلٍ مُحْصِدِ ولقدْ حَلَفْتُ يَمِينَ صَبْرٍ مُؤْليًا ... قسَمًا لَعَمْرُكَ لَيسَ بالمُتَرَدِّدِ إنْ جِئْتُ يَثْربَ لا أُغَادرُ وَسْطَهَا ... عذْقًا ولا بُسْرًا بيَثْرِبَ يَخْلُدُ حتى أَتاني منْ قُرَيظَةَ عالِمٌ ... حبْرٌ لَعَمْرُكَ في الْيهُودِ مُسَوَّدُ قال ازْدَجِرْ عَنْ قَرْيَةٍ مَحْفُوظَةٍ ... لنَبيّ مَكَّةَ مِنْ قُرَيشٍ مُهْتَدِ فَعَفوْتُ عَنْهُمْ عَفْوَ غَيرِ مُثَرِّبٍ ... وتركْتُهُمْ لِعقابِ يوْمٍ سَرْمَدِ

стр. 2305

وتركْتُهُمْ للهِ أرْجُو عَفْوَهُ ... يومَ الْحِسَابِ مِنَ الْجَحِيمِ الْمُوقَدِ ولقدْ تَرَكْتُ بِهَا لَهُ مِنْ قَوْمِنا ... نفرًا أُولي حَسَبٍ وبأسٍ يُحْمَدُ نَفَرًا يكونُ النَّصْرُ في أَعْقابهمْ. أرْجُو بِذاكَ ثوابَ رَبِّ مُحَمَّدِ ما كنْتُ أحْسِبُ أَنَّ بَيتًا طاهِرًا ... لله في بَطْحاءِ مَكَّةَ يُعْبَدُ حتى أتاني منْ هُذَيل أعْبُدٌ ... بالدُّفِّ منْ جُمْدان فَوْقَ الْمسْندِ قالوا بمَكَّةَ بيتُ مَالٍ داثِرٍ ... وكنوزُهُ منْ لُؤْلؤٍ وزَبَرْجَدِ فأرَدْتُ أمرًا حال رَبِّي دُونَه ... واللهُ يَدْفَعُ عَنْ خَرَابِ الْمَسْجِدِ فَرَدَدتُ ما أمَّلْتُ فيه وفيهمُ ... وتَرَكْتُهم مَثَلًا لأهْلِ الْمشْهَدِ قد كانَ ذُو القَرْنَينِ قَبْلي مُسْلِمًا ... ملِكًا تَدينُ له الْملُوكُ وتُحْشَدُ ملَكَ الْمَشارِقَ والْمَغاربَ يبْتَغِي ... أسْبَابَ علْم منْ حَكيمٍ مُرْشدِ فرأى مغيبَ الشَّمْسِ عِنْدَ غُروبها ... في عَينِ ذي خُلْبٍ وثأْطٍ حَرْمَدِ مِن قَبْلِهِ بلْقيسُ كانَتْ عَمّتِي ... ملَكَتْهُمُ حتى أتاها الهُدْهُدُ (١) (٢: ١٠٩/ ١١٠). ٨١٨ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدثنا سَلمة، قال: حدّثني ابن إسحاق، قال: هذا الحيّ من الأنصار يزعمون: أنّه إنما كان حنَق تُبّع على هذا الحيّ من يهود الذين كانوا بين أظهرهم، وأنّه أراد هلاكهم حين قدم عليهم المدينة، فمنعوه منهم، حتى انصرف عنهم ولذلك قال في شعره: حنَقًا على سِبْطين حلَّا يثربًا ... أوْلَى لهم بِعقابِ يوم مُفْسِدِ (٢) (٢: ١١٠/ ١١١). ٨١٩ - حدَّثنا ابن حُمَيد، قال: حدثنا سَلمة عن ابن إسحاق، قال: وقد كان قدِم على تُبّع قبل ذلك شافع بن كُلَيب الصَّدَفيّ، وكان كاهنًا، فأقام عنده، فلما أراد توديعَه قال تُبّع: ما بَقيَ مِنْ علمك؟ قال: بقيَ خبر ناطق، وعلم صادق، قال: فهل تجِدُ لقوم مُلْكًا يوازي ملكي؟ قال: لا إلا لملك غسان نَجْل، قال: فهل تجد ملكًا يزيد عليه؟ قال: نعم، قال: ولمن؟ قال أجده لبارّ مبرور، أيِّد بالقَهور، ووُصف في الزّبور، وفُضّلَتْ أمّته في السّفور، يفرّج الظلم بالنور،

стр. 2306

أحمد النبيّ، طوبى لأمته حين يجى، أحد بني لؤيّ، ثم أحد بني قصيّ. فبعث تُبّع إلى الزَّبُور فنظر فيها، فإذا هو يجد صفة النبيّ ﷺ (١). (٢: ١١١). ٨٢٠ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، عمنّ حدّثه، عن سَعيد بن جُبير، عن ابن عباس وغيره من علماء أهل اليمن ممّن يروي الأحاديث، فحدّث بعضهم بعض الحديث، وكلّ ذلك قد اجتمع في هذا الحديث: أنّ مَلِكًا من لَخْم، كان باليمن فيما بين التبابعة من حِمير، يقال له: ربيعة بن نَصْر، وقد كان قبْل ملكه باليمن مَلَك تبّع الأوَل، وهو زيد بن عمرو ذي الأذعار بن أبرهة ذي المنار بن الرائش بن قيس بن صيفيّ بن سبأ الأصغر بن كهف الظلم بن زيد بن سَهْل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جُشَم بن وائل بن الغوث بن قطَن بن عَريب بن زُهير بن أيمن بن هَمَيسع بن العرَنجج حِمْير بن سبأ الأكبر بن يعْرُب بن يَشْجُب بن قَحطان. وكان اسم سبأ عَبْد شمْس؛ وإنما سُمّيَ سبأ -فيما يزعمون- لأنه كان أول من سبَى في العرب. فهذا بيت مملكة حمير الذي فيه كانت التّبابعة، ثم كان بعد تُبّع الأول زيد بن عمرو، وشَمِر يُرْعش بن ياسر يُنعم بن عمرو ذي الأذعار، ابنُ عمّه. وشمِر يُرْعش الذي غزا الصين وبنى سَمَرْقَنْد وحَيَّرَ الحيرة، وهو الذي يقول: أنا شَمِرٌ أبو كَرِبَ الْيَماني ... جلَبْتُ الْخَيلَ من يَمَنٍ وشامٍ لآتيَ أَعْبُدًا مَرَدُوا عَلَينَا ... ورَاءَ الصِّينِ في عَثْمِ ويامِ فَنحْكُم في بلادِهمُ بحُكْمٍ ... سواءً لا يُجاوزه غُلام القصيدة كلُّها (٢). (٢: ١١١/ ١١٢). ٨٢٠ / أ- قال: ثم كان بعد شمِر يُرعش بن ياسر يُنعم تُبّع الأصغر، وهو تُبَّان أسعد أبو كرب بن مَلِكيكرب بن زيد بن تُبّع الأول بن عمرو ذي الأذعار، وهو الذي قدم المدينة، وساق الحبْرين من يهود إلى اليمن، وعمر البيت الحرام

стр. 2307

وكساه، وقال ما قال من الشِّعر فكلّ هؤلاء ملْكه قبل ملك ربيعة بن نصر اللخميّ؛ فلما هلَك ربيعة بن نصر، رجع مُلْك اليمن كلّه إلى حسان بن تُبَّان أسعد أبي كرب بن مَلِكيكَرب بن زيد بن عمرو ذي الأذعار (١). (٢: ١١٢). ٨٢١ - حدَّثنا ابن حُمَيد، قال: حدَّثنا سَلَمة، قال: حدّثني ابن إسحاق عن بعض أهل العلم: أنّ ربيعة بن نَصْر رأى رؤيا هالته، وفَظِعَ بها، فلما رآها بعث في أهل مملكته، فلم يدع كاهنًا ولا ساحرًا ولا عائفًا ولا منجّمًا إلّا جَمَعه إليه، ثم قال لهم: إنّي قد رأيت رؤيا هالتْني، وفظعت بها، فأخبروني بتأويلها، قالوا له: اقصصها علينا لنخبرك بتأويلها، قال: إني إن أخبرتكم بها لم أطمئنّ إلى خبركم عن تأويلها، إنَّه لا يعرف تأويلَها إلّا من يعرفها قبل أن أخبِره بها. فلما قال لهم ذلك قال رجل من القوم الذين جمعوا لذلك: فإن كان الملك يريد هذا فليبعثْ إلى سَطيح وشِقّ، فإنّه ليس أحدٌ أعلم منهما، فهما يخبرانك بما سألت - واسم سَطِيح ربيع بن ربيعة بن مسعود بن مازن بن ذئب بن عديّ بن مازن بن غسّان، وكان يقال لسطيح: الذّئبيّ، لنسبته إلى ذئب بن عبدّي، وشِقّ بن صعب بن يشكر بن رُهْم بن أفرك بن نذير بن قيس بن عَبْقر بن أنمار. فلما قالوا له ذلك؛ بعث إليهما، فقدِم عليه قبل شِقّ سَطِيح، ولم يكن في زمانهما مثلهما من الكُهّان، فلما قدم عليه سطيح دعاه فقال له: يا سطيح! إني قد رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها، فأخبرني بها فإنّك إن أصبتَها أصبت تأويلها، قال- أفعل، رأيتَ جُمْجُمة- قال أبو جعفر: وقد وجدته في مواضع أخر، رأيت حُمَمة- خرجت من ظُلُمَة، فوقعت بأرض ثهْمَة، فأكلتْ منها كلّ ذات جُمْجُمة، فقال له الملك: ما أخطأتَ منها شيئًا يا سَطِيح، فما عندك في تأويلها؟ فقال: أحلف بما بين الحرّتين من حَنَش، ليهبِطَنّ أرضَكم الحَبَش، فليملكُنَّ ما بين أبْينَ إلى جُرَش. قال له الملك: وأبيكَ يا سطيح؛ إنّ هذا لغائظ مُوجِع، فمتى هو كائن يا سطيح؟ أفي زماني أم بعده؟ قال: لا بل بعده بحين، أكثر من ستّين أو سبعين، يمضين من السنين. قال: فهل يدوم ذلك من مُلكهم أو ينقطع؟ قال: بل ينقطع لبضع وسبعين، يمضين من السنين، ثم يقتلون بها أجمعون، ويخرجون منها

стр. 2308

هاربين. قال الملك: ومَنْ ذا الذي يلي ذلك مِنْ قتلهم وإخراجهم؟ قال: يليه إرم ذي يَزَن، يخرج عليهم من عَدَن، فلا يترك منهم أحدًا باليمن. قال: أفيدوم ذلك من سلطانه أو ينقطع؟ قال: بل ينقطع. قال: ومَنْ يقطعه؟ قال: نبيّ زكيّ، يأتيه الوحي من العليّ. قال: وممّن هذا النبيّ؟ قال: رجل من ولد غالب بن فهر بن مالك بن النضر، يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر، قال: وهل للدّهر يا سطيح من آخر؟ قال: نعم، يوم يُجمع فيه الأولون والآخرون، ويسعد فيه المحسنون، ويشقى فيه المسيئون. قال: أحقُّ ما تخبرنا يا سطيح؟ قال: نعم، والشفق والغسق، والفلق إذا اتّسق، إنّ ما أنبأتك به لحقّ. فلمّا فرغ قدِم عليه شِقّ، فدعاه، فقال له: يا شِقّ! إني قد رأيت رؤيا هالتني وفظِعْتُ بها، فأخبرني عنها، فإنك إن أصبتَها أصبت تأويلها -كما قال لسطيح؛ وقد كتمه ما قال سطيح لينظر: أيتفِقان، أم يختلفان- قال: نعم، رأيتَ جُمجمة، خرجت من ظلمة، فوقعت بين روضة وأكمة، فأكلت منها كلُّ ذات نَسَمة. فلما رأى ذلك الملك من قولهما شيئًا واحدًا، قال له: ما أخطأت يا شِقّ منها شيئًا، فما عندك في تأويلها؟ قال: أحلِف بما بين الحرّتين من إنسان، لينزلنّ أرضَكم السودان، فليغلبُنّ على كلّ طَفْلة البنان، وليَملِكُنّ ما بين أبْينَ إلى نجران. فقال له الملك: وأبيك يا شِقّ إن هذا لنا لغائظ مُوجع، فمتى هو كائن؟ أفي زماني أم بعده؟ قال: بل بعدك بزمان، ثم يستنقذُكم منه عظيم ذو شان، ويذيقهم أشدّ الهوان. قال: ومَنْ هذا العظيم الشأن؟ قال: غلام ليس بدنيّ ولا مُدَنّ، يخرج من بيت ذي يَزن، قال: فهل يدوم سلطانه أو ينقطع؟ قال: بل ينقطع برسول مرسَل، يأتي بالحقّ والعدل بين أهل الدين والفضل؛ يكون المُلْك في قومه إلى يوم الفَصْل، قال: وما يوم الفصل؟ قال: يوم يجْزي فيه الولاة، يُدْعى من السماء بدعوات، يَسمع منها الأحياء والأموات، ويُجمع فيه الناس للميقات، يكون فيه لمن اتَّقى الفوز والخيرات. قال: أحقّ ما تقول يا شِقّ؟ ! قال: إي وربّ السماء والأرض، وما بينهما من رفع وخَفْض: إنّ ما نبّأتك لحقّ ما فيه أمْض. فلما فرغ من مسألتهما، وقع في نفسه: أنّ الذي قالا له كائن من أمر الحبشة، فجهّزَ بنِيه وأهلَ بيته إلى العراق بما يُصْلِحهم، وكتب لهم إلى مَلِك من ملوك فارس يقال له: سابور بن خرّزاذ، فأسكنهم الحيرة، فمن بقيّة ربيعة بن نصر كان

стр. 2309

النعمان بن المنذر ملك الحيرة، وهو النّعمان بن المنذر بن النعمان بن المنذر بن عمرو بن عدي بن ربيعة بن نصر. ذلك الملك في نسب أهل اليمن وعلمهم (١). ٨٢٢ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، قال: ولما قال سَطِيح، وشِقّ لربيعة بن نصر ذلك، وصنع ربيعة بولده وأهل بيته ما صنع، ذهب ذكر ذلك في العرب، وتحدّثوا حتى فشا ذكره وعلمه فيهم، فلما نزلت الحبشة اليمن، ووقع الأمر الذي كانوا يتحدّثون به من أمر الكاهنين، قال الأعشى، أعشى بني قيس بن ثعلبة البكريّ، في بعض ما يقول، وهو يذكر ما وقع من أمر ذينك الكاهنين: سطيح، وشِقّ: ما نَظَرَتْ ذاتُ أشْفارٍ كنظْرتِها ... حقًّا كما نَطَقَ الذِّئبيُّ إذْ سَجَعا وكان سَطِيح إنما يدعوه العرب الذئبيّ، لأنّه من ولد ذئب بن عديّ. فلما هلك ربيعة بن نصر، واجتمع مُلك اليمن إلى حسّان بن تُبّان أسعد أبي كرب بن مَلِكْيكَرِب بن زيد بن عمرو ذي الأذعار، كان ممّا هاج أمر الحبشة وتحوّل الملك عن حِمْير وانقطاع مدّة سلطانهم -ولكلّ أمر سبب-: أنّ حسان بن تُبّان أسعد أبي كرب، سار بأهل اليمن يريد أن يطأ بهم أرضَ العرب وأرض العجم، كما كانت التبابعة قبْله تفعل؛ حتى إذا كان ببعض أرض العراق، كرِهت حِمْير وقبائل اليمن السير معه، وأرادوا الرّجعة إلى بلادهم وأهليهم؛ فكلّموا أخًا له كان معه في جيشه، يقال له: عمرو، فقالوا له: اقتل أخاك حسان؛ نملّكك علينا مكانه، وترجع بنا إلى بلادنا. فتابعهم على ذلك، فأجمع أخوه ومن معه من حِمْير وقبائل اليمن على قَتْل حَسّان، إلّا ما كان من ذي رُعَين الحميَريّ، فإنّه نهاه عن ذلك، وقال له: إنكم أهل بيت مملكتنا، لا تقتل أخاك ولا تشتِّت أمر أهل بيتك -أو كما قال له- فلما لم يقبل منه قوله -وكان ذو رُعَين شريفًا من حميَر- عَمَد إلى صحيفة فكتب فيها: ألا مَن يشتَري سَهرًا بِنَوْمٍ ... سعيدٌ مَن يَبيتُ قَريرَ عَينِ فإمَّا حِمْيَرٌ غَدَرتْ وخَانَتْ ... فمعْذِرَةُ الإلهِ لذِي رُعَينِ

стр. 2310

ثم ختم عليها. ثم أتى بها عمرًا، فقال له: ضع لي عندك هذا الكتاب؛ فإنّ لي فيه بغيةً وحاجة، ففعل. فلما بلغ حسّان ما أجمع عليه أخوه عمرو وحمْير وقبائل اليمن من قتله؛ قال لعمرو: يا عَمْرُو لا تُعْجِلْ عَلَيَّ مَنِيَّتي ... فالمُلْكُ تأخُذُه بغَيرِ حُشودِ فأبى إلا قتلَه، فقَتله ثم رجع بمن معه من جنده إلى اليمن. فقال قائل من حمير: إنّ للهِ مَن رأَى مِثْل حَسَّا ... نَ قَتيلًا في سَالِفِ الأحقَابِ قَتَلَتْه الأقْيالُ مِن خَشيةِ الْجيـ ... ـش وقالُوا له لَبابِ لَبَابِ مَيتُكم خَيرُنا وحَيُّكُمُ ... رَبٌّ عَلَينا وكُلُّكُمْ أرْبابي فلمّا نزل عمرو بن تُبّان أسعد أبي كرب اليمن مُنع منه النّوم، وسلّط عليه السهر -فيما يزعمون- فجعل لا ينام، فلما جَهده ذلك؛ جعل يسأل الأطبّاء والحُزاة من الكهّان والعرّافين عمّا به، ويقول: منع منيّ النوم فلا أقدر عليه، وقد جَهدني السهر، فقال له قائل منهم: والله ما قتلَ رجل أخاه قطّ أو ذا رحِم بغيًا على مثل ما قتلت عليه أخاك إلّا ذهب نومُه، وسلّط عليه السّهر، فلما قيل له ذلك؛ جعل يقتُل كلَّ مَنْ كان أمرَه بقتل أخيه حسّان من أشراف حمير وقبائل اليمن؛ حتى خلص إلى ذي رُعين، فلما أراد قتله؛ قال: إنّ لي عندك براءة ممّا تريد أن تصنع بي، قال له: وما براءتك عندي؟ قال: أخرِج الكتاب الذي كنت استودعتكه ووضعته عندك، فأخرج له الكتاب، فإذا فيه ذانك البيتان من الشعر: أَلا مَنْ يشتَرِي سَهَرًا بنومٍ ... سعيدٌ مَنْ يبيتُ قريرَ عَينِ فإمَّا حِمْيَرٌ غدرتْ وخانت ... فمعذرة الإله لذي رُعَينِ فلمّا قرأهما عمرو قال له ذو رُعين: قد كنت نهيتُك عن قتل أخيك فعصيتَني، فلما أبيت عليّ وضعتُ هذا الكتاب عندك حجّة لي عليك، وعذرا لي عندك، وتخوّفت أن يصيبك إن أنت قتلتَه الذي أصابك، فإن أردت بي ما أراك تصنع بمن كان أمرك بقتل أخيك، كان هذا الكتاب نجاةً لي عندك، فتركه عمرو بن تُبّان أسعد فلم يقتله من بين أشراف حمير، ورأى أن قد نصحه لو قبل منه نصيحته. وقال عمرو بن تُبّان أسعد حين قتل من قتل من حمْيَر وأهل اليمن ممّن كان أمره بقتل أخيه حسان، فقال:

стр. 2311

شَرَيْنا النَّوْمَ إذْ عُصِبَتْ عَلابِ ... بتَسهِيدٍ وعَقْدٍ غَيرِ مَينِ تَنَادَوْا عِنْدَ غَدْرِهِمُ: لَبابِ ... وقدْ بَرَزَتْ مَعَاذِرُ ذِي رُعَينِ قَتَلْنا مَنْ تولَّى المكْرَ منهمْ ... بَواءً بابْنِ رُهْمٍ غيرَ دَينِ قتَلْناهُمْ بحَسّانَ بن رُهْمٍ ... وحسّان قَتيل الثَّائرَينِ قتَلْناهُم فلا بُقْيَا عليهمْ ... وقرَّتْ عِنْدَ ذاكُمْ كلُّ عَينِ عُيونُ نَوَادبٍ يَبْكِينَ شَجْوًا ... حرائرَ من نسَاءِ الفيلَقَينِ أوانِسَ بالعِشَاءِ وهُنَّ حُور ... إذَا طلَعَتْ فُروعُ الشِّعْرَيَينِ فنُعْرَفُ بالوَفاءِ إذا انْتَمَينا ... ومَنْ يَغْدرْ نُبايِنْهُ ببينِ فَضلْنا الناسَ كلَّهُمُ جميعًا ... كفَضْلِ الإبْرِزيّ على اللُّجَينِ مَلَكْنَا النَّاسَ كلّهُم جَمِيعًا ... لنا الأسْبَابُ بعدَ التُّبَّعينِ مَلَكْنا بعدَ داوُدٍ زمانًا ... وعَبَّدْنا ملُوكَ المشْرقَينِ زَبَرْنا في ظَفارِ زبورَ مَجْدٍ ... ليقرَأَه قُرومُ الْقريتَينِ فنحن الطَّالبونَ لكلِّ وَتْرٍ ... إذا قال المقَاولُ أينَ أينِ! سَأشْفي مِنْ وُلاةِ المكرِ نَفْسي ... وكَانَ المكرُ حَينَهُمُ وحَيني أطَعْتُهُمُ فلم أرْشُدْ وَكَانوا ... غواةً أهلَكوا حَسَبي وزَيني قال: ثم لم يلبث عمرو بن تُبّان أسعد أن هلك. قال هشام بن محمد: عمرو بن تبّع هذا يدعى موثَبان؛ لأنه وثب على أخيه حَسّان بفُرْضة نُعْم فقتله- قال: وفُرضة نُعْم رَحَبة طوق بن مالك، وكانت نُعْم سريّة تبّع حسان بن أسعد (١). (٢: ١١٤/ ١١٦ / ١١٥/ ١١٧). ٨٢٣ - رجع الحديث إلى حديث ابن إسحادتى. قال: فمرِج أمرُ حميَر عند ذلك، وتفرّقوا، فوثب عليهم رجل من حمير لم يكن من بيوت المملكة منهم، يقال له: لخنيعة ينوف ذوشناتر، فملَكهم فقتل خيارهم، وعبث ببيوت أهل المملكة منهم، فقال قائل من حمْير، يذكر ما ضيّعت حمْير من أمرها، وفرّقت جماعتها، ونفت من خيارها: تقتِّلُ أبْناها وتَنفِي سَرَاتَها ... وتَبنِي بأيديهمْ لَهَا الذلَّ حمْيَرُ

стр. 2312

تُدمِّرُ دُنْياها بطَيش حُلُومِهَا ... ومَا ضَيَّعَتْ مِنْ دِينَها فَهُوَ أْكْثَرُ كذَاكَ القُرونُ قَبْلَ ذَاكَ بظلْمِها ... وإسرَافِها تأتِي الشُّرورَ فتَخْسَرُ وكان لخنيعة يحْوف ذو شناتر يصنع ذلك بهم -وكان امرأً فاسقًا يزعمون: أنه كان يعمل عمل قوم لوط، ثم كان -مع الذي بلغ منهم من القتل والبغْي- إذا سمع بالغلام من أبناء الملوك قد بلغ أرسل إليه فوقع عليه في مَشْرَبة له قد صنعها لذلك، لئلّا يملك بعد ذلك أبدًا، ثم يطلع من مَشْرَبته تلك إلى حَرسه ومَن حضر من جنده، وهم أسفل منه، قد أخذ سواكًا، فجعله في فيه -أي ليعلمهم أنه قد فرغ منه ثم يخلّي سبيله، فيخرج على حَرَسه وعلى الناس وقد فضحه؛ حتى إذا كان آخر أبناء تلك الملوك زُرْعة ذو نواس بن تُبّان أسعد أبي كرب بن مَلِكيكَرب بن زيد بن عمرو ذي الأذعار أخو حسّان -وزُرْعة كان صبيًّا صغيرًا حين أصيب أخوه، فشبّ غلامًا جميلًا وسيمًا ذا هيئة وعَقْل- فبعث إليه لخنيعة ينوف ذوشُناتر؛ ليفعل به كما كان يفعل بأبناء الملوك قبْله، فلما أتاه رسوله عرف الذي يريد به، فأخذ سِكّينًا حديدًا لطيفًا، فجعله بين نعله وقدمه، ثم انطلق إليه مع رسوله، فلمّا خلا به في مشربته تلك أغلقَها عليه وعليه، ثم وثب عليه وواثبه ذو نواس بالسكِّين فطعنه به حتى قتله، ثم احتزّ رأسَه، فجعله في كُوّة مشربته تلك التي يطلع منها إلى حرسه وجنده، ثم أخذ سِواكه ذلك، فجعله في فيه ثم خرج على الناس، فقالوا له: ذو نواس، أرطبٌ أم يَباس؟ فقال: سل تحماس استرطبان ذو نواس، استرطبان؛ لا باس. فذهبوا ينظرون حين قال لهم ما قال، فإذا رأس لخنيعة ينوف ذي شناتر في الكُوّة مقطوع في فيه سواكه، قد وضعه ذو نواس فيها. فخرجت حمير والأحراس في أثر ذي نواس حتى أدركوه، فقالوا له: ما ينبغي لنا أن يملكنا إلّا أنت؛ إذ أرحتَنا من هذا الخبيث. فملّكوه واستجمعت عليه حمْير وقبائل اليمن، فكان آخر ملوك حمير. وتهوّد وتهوّدت معه حِمْير، وتسمّى "يوسف"، فأقام في ملكه زمانًا. وبنجْران بقايا من أهل دين عيسى على الإنجيل؛ أهل فضل واستقامة، لهم من أهل دينهم رأس يقال له عبد الله بن الثّامر؛ وكان موقع أصل ذلك الدين بنَجْران، وهي بأوسط أرض العرب في ذلك الزمان، وأهلها وسائر العرب كلّها أهل أوثان يعبدونها. ثم إنّ

стр. 2313

رجلًا من بقايا أهل ذلك الدّين وقع بين أظهرهم يقال له: فيميون، فحملهم عليه فدانوا به. قال هشام: زرعة ذو نواس؛ فلما تهوّد سمي يوسف، وهو الذي خدّ الخدود بنجران، وقتل النصارى (١). (٢: ١١٧/ ١١٨ / ١١٩). ٨٢٤ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدثنا محمد بن إسحاق عن المغيرة بن أبي لبيد مولى الأخنس، عن وهب بن منبّه اليمانيّ: أنه حدّثهم أن موقع ذلك الدّين بنجْران كان أنّ رجلًا من بقايا أهل دين عيسى بن مريم يقال له: فيمِيُون، وكان رجلًا صالحًا مجتهدًا زاهدًا في الدنيا، مجاب الدّعوة، وكان سائحًا ينزل القرى، لا يُعرف بقرية إلّا خرج منها إلى قرية لا يُعرَف فيها وكان لا يأكل إلّا من كَسْب يده، وكان بنّاءً يعمل الطّين، وكان يعظّم الأحد، فإذا كان الأحد لم يعمل فيه شيئًا، وخرج إلى فلاة من الأرض فصلّى بها حتى يُمسي، وكان في قرية من قرى الشّأم يعمل عمله ذلك مستخفيًا؛ إذ فطِن لشأنه رجل من أهلها، يقال له: صالح، فأحبّه صالح حبًّا لم يحبّه شيئًا كان قبله، فكان يتّبعه حيث ذهب، ولا يفطن له فيميون حتى خرج مرّة في يوم الأحد إلى فلاة من الأرض كما كان يصنع، وقد اتّبعه صالح، وفيميون لا يدري، فجلس صالح منه منظر العين، مستخفيًا منه لا يحبّ أن يعلم مكانه، وقام فيميون يصلّي، فبينا هو يصلّي إذ أقبل نحوه التنّين -الحية ذات الرؤوس السبعة- فلما رآها فيميُون دعا عليها فماتت، ورآها صالح، ولم يدرِ ما أصابها، فخافها عليه فعيل عَوْلُه، فصرخ: يا فيميون، التنين قد أقبل نحوك! فلم يلتفت إليه، وأقبل عَلى صلاته حتى فرغ وأمسى، وانصرف وعرف أنه قد عرِف، وعرف صالح أنه قد رأى مكانه، فكلّمه، فقال: يا فيميون، يعلم الله ما أحببت شيئًا حبّك قطّ، وقد أردت صُحبَتك والكينونة معك حيثما كنت. قال: ما شئت، أمري كما ترى؛ فإن ظننت أنك تقوى عليه؛ فنعم. فلزمه صالح، وقد كاد أهل القَرية أن يفطَنوا لشأنه، وكان إذا فاجأه العبدُ به ضرّ؛ دعا له فشُفِي، وإذا دُعِي إلى أحد به الضرّ؛ لم يأته. وكان لرجل من أهل القرية ابن ضرير، فسأل عن شأن فيميون، فقيل له: إنّه لا يأتي أحدًا إذا دعاه، ولكنّه رجل يعمل للناس البنيان بالأجر، فعمد

стр. 2314

الرجل إلى ابنه ذلك فوضعه في حجرته، وألقى عليه ثوبًا، ثم جاءه فقال له: يا فيميون! إنّي قد أردت أن أعمل في بيتي عملًا، فانطلق معي حتى تنظر إليه فأشارطك عليه، فانطلق معه حتى دخل حُجرته، ثم قال: ما تريد أن تعمل في بيتك؟ قال: كذا وكذا. ثم انتشط الرجل الثوبَ عن الصبيّ، ثم قال: يا فيميون! عبد من عباد الله أصابه ما ترى، فادع الله له، فقال فيميون حين رأى الصبيّ: اللهم عبد من عبادك دخل عليه عدوّك في نعمتك ليفسدها عليه فاشفِه وعافه، وامنعه منه، فقام الصبيّ ليس به بأس. وعرف فيميون: أنه قد عُرِف، فخرج من القرية، واتّبعه صالح، فبينما هو يمشي في بعض الشأم مرّ بشجرة عظيمة، فناداه منها رجل، فقال: أفيميون! قال: نعم، قال: ما زلت أنتظرك وأقول: متى هوجاء؟ حتى سمعت صوتك، فعرفت: أنك هو، لا تبرح حتى تقوم عليّ، فإني ميّت الآن. قال: فمات، وقام عليه حتى واراه ثم انصرف ومعه صالح، حتى وطئا بعضَ أرض العرب، فعدِي عليهما فاختطفتهما سيّارة من بعض العرب، فخرجوا بهما حتى باعوهما بينجران - وأهل نجران يومئذ على دين العرب، تعبد نخلة طويلة بين أظهرهم، لهم عيد كلّ سنة؛ إذا كان ذلك العيدُ علّقوا عليها كلَّ ثوب حسن وجدوه، وحليّ النساء. ثم خرجوا، فعكفوا عليها يومًا -فابتاع رجل من أشرافهم فيميون، وابتاع رجل آخر صالحًا، فكان فيمجون إذا قام من الليل- في بيت له أسكنه إياه سيّده الذي ابتاعه- يصلّي، استسرج له البيت نورًا، حتى يصبح من غير مصباح، فرأى ذلك سيّده، فأعجبه ما رأى، فسأله عن دينه فأخبره به، فقال له فيميون: إنّما أنتم في باطل؛ وإنّ هذه النخلة لا تضرّ ولا تنفع؛ لو دعوت عليها الذي أعبد أهلَكها، وهو الله وحدَه لا شريك له. قال: فقال له سيّده: فافعل؛ فإنك إن فعلت دخلنا في دينك، وتركنا ما كنّا عليه، قال: فقام فيميون، فتطهّر ثم صلّى ركعتين، ثم دعا الله عليها، فأرسل الله ريحًا فجعفتْها من أصلها فألقتها، فاتّبعه عند ذلك أهل نجران على دينه، فحملهم على الشريعة من دين عيسى بن مريم. ثم دخل عليهم بعد ذلك الأحداث التي دخلت على أهل دينهم بكلّ أرض. فمن هنالك كانت النصرانيّة بنجران في أرضِ العرب.

стр. 2315

فهذا حديث وهب بن منبّه في خبر أهل نجران (١). (٢: ١١٩/ ١٢٠ / ١٢١). ٨٢٥ - حدَّثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سَلمة، قال: حدّثني محمد بن إسحاق عن يزيد بن زياد -مولى لبني هاشم- عن محمد بن كعب القرَظيّ. قال: وحدّثني محمد بن إسحاق أيضًا عن بعض أهل نَجْران: أنّ أهلَ نجران كانوا أهلَ شرك يعبدون الأوثان، وكان في قرية من قُراها قريبًا من نجران -ونجْران القرية العظمى التي إليها جماع أهل تلك البلاد -ساحر يعلّم غلمانَ أهل نجران السّحر، فلما أن نزلها فيميون- قال: ولم يسمّوه باسمه الذي سمّاه به وهبُ بن منبِّه، قالوا: رجل نزلها- ابتنى خيمة بين نَجْران وبين تلك القرية التي بها الساحر، فجعل أهل نَجْران يرسلون غلمانهم إلى ذلك الساحر يعلّمهم السحر، فبعث الثامر ابنَه عبد الله بن الثّامر مع غلمان أهل نَجْران، فكان إذا مرّ بصاحب الخيمة أعجبه ما يرى من صلاته وعبادته، فجعل يجلس إليه، ويسمع منه حتى أسلم، فوحّد الله وعَبَده وجعل يسأله عن الاسم الأعظم -وكان يعلمه- فكتمه إيّاه، وقال: يا بن أخي، إنك لن تحتمله؛ أخشى ضعفَك عنه. فلما أبى عليه -والثامر أبو عبد الله لا يظنّ إلّا أنّ ابنه عبد الله يختلف إلى الساحر كما يختلف الغلمان- فلما رأى عبد الله أنّ صاحبه قد ضنّ به عنه، وتخوّف ضعفه فيه عَمَد إلى قِدَاح فجمعها، ثم لم يُبْقِ لله اسمًا يعلمه إلا كتبه في قِدْح؛ لكل اسم قِدْح، حتى إذا أحصاها أوقد لها نارًا، ثم جعل يقْذفُها فيها قِدْحًا قِدْحًا؛ حتى إذا مرّ بالإسم الأعظم قذف فيها بقِدْحه، فوثب القِدْح حمَى خرج منها، لم يضرّه شيء، فقام إليه فأخذه، ثم أتى صاحبه، فأخبره أنه قد علم الإسم الذي كتمه، فقال له: ما هو؟ قال: كذا وكذا، قال: وكيف علمتَه؟ فأخبره كيف صنع، قال: فقال: يا بن أخي! قد أصبته فأمسك على نفسك، وما أظنّ أن تفعل. فجعل عبد الله بن الثامر إذا أتى نَجْران لم يلق أحدًا به ضرّ إلّا قال له: يا عبد الله، أتوحّد الله وتدخل في ديني فأدعو الله فيعافيك مما أنت فيه من البلاء؟ فيقول: نعم، فيوحّد الله ويسلم، ويدعو له، فيشفى، حتى لم يبق أحدٌ بنجْران به ضُرّ إلّا أتاه فاتّبعه على أمره، ودعا له، فعُوفي، حتى رُفع شأنه إلى ملك نجْران، فدعاه فقال له: أفسدت عليّ أهل قريتي، وخالفتَ ديني ودين آبائي، لأمثِّلنّ بك! قال: لا تقدر
следующие страницы →