ليلة واحدة مئة ألف وخمسة وثمانين ألف رجل. وكان ملكه إلى أن تُوُفيّ تسعًا وعشرين سنة.
ثم ملك بعده -فيما قيل- أمرَهم مِنَشا بن حزقيا إلى أن توفي خمسًا وخمسين سنه.
ثم ملك بعده أمون بن مِنَشَّا إلى أن قتله أصحابُه اثنتي عشرة سنة.
ثم ملك بعده يوشيا بن أمون إلى أن قتله فرعون الأجدع المقعد ملك مصر إحدى وثلاثين سنة.
ثم ياهواحاز بن يُوشِيا، وكان فرعون الأجدع قد غزاه وأسره وأشخصه إلى مصر، وملّك فرعون الأجدع يُوياقيم بن ياهواحاز على ما كان عليه أبوه، ووظّف عليه خراجًا يؤديه إليه، فكان يوياقيم يجبِي ذلك -فيما زعموا- من بني إسرائيل، ويحمله -فيما زعموا- اثنتي عشرة سنة.
ثم ملك أمرَهم من بعده يوياحين بن يوياقيم، فغزاه بختنصّر، فأسره وأشخصه إلى بابل بعد ثلاثة أشهر من ملكه. وملّك مكانَه مَتَّنيا عمه وسماه صديقيا فخالفه، فغزاه فظفر به، فأوثقه وحمله إلى بابل بعد أن ذبح ولده بين يديه، وسَمَل عينيه وخرَّب المدينة والهيكل، وسبَى بني إسرائيل، وحَمَلهم إلى بابل، فمكثوا بها إلى أن ردّهم إلى بيت المقدس كيرش بن جاماسب بن أسب، من أجل القرابة التي كانت بينه وبينهم؛ وذلك أن أمّه أشتر ابنة جاويل - وقيل: حاويل - الإسرائيليّ، فكان جميع ما ملك صديقيا مع الثلاثة الأشهر التي ملك فيها يوياحين -فيما قيل - إحدى عشرة سنة وثلاثة أشهر.
ثم صار ملْك بيت المقدس والشام لأشتاسب بن لهراسب، وعامله على ذلك كلّه بختنصّر (١). (٥٣٥: ١/ ٥٣٦).
٧٦٦ - وذكر محمد بن إسحاق -فيما حدثنا ابن حميد- قال: حدثنا سلمة عنه: أن صديقة ملك بني إسرائيل الذي قد ذكرنا خبرَه، لمّا قبضه اللهَ مرِج أمرُ بني إسرائيل، وتنافسوا الملك، حتى قتل بعضُهم بعضًا عليه، ونبيُّهم شعيا
стр. 2242
معهم، لا يرجعون إليه ولا يقبلون منه. فلما فعلوا ذلك قال الله -فيما بلغنا- لشعيا: قم في قومك؛ أوح على لسانك؛ فلما قام أنطق الله لسانه بالوحي، فوعظهم وذكّرهم وخوَّفهم الغِيَر بعد أن عدّد عليهم نعم الله عليهم، وتعرَّضهم للغِيَر.
قال: فلما فرغ شعيا إليهم من مقالته عدَوا عليه -فيما بلغني- لِيقتلوه، فهرب منهم، فلقيته شجرة، فانفلقت له، فدخل فيها وأدركه الشيطان، فأخذ بُهدْبة من ثوبه فأراهم إياها، فوضعوا المنشار في وسطها، فنشروها حتى قطعوها وقطعوه في وسطها.
وقد حدّثني بقصة شعيا وقومه من بني إسرائيل وقتلهم إياه محمد بن سهل البخاريّ، قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدَّثنا عبد الصمد بن معقل، عن وهب بن منبِّه (١). (١: ٥٣٦/ ٥٣٧).
ذكر خبر لهراسب وابنه بشتاسب وغزو بختنصر بني إسرائيل وتخريبه بيت المقدس
٧٦٨ - ثم ملك بعد كيخسرو من الفرس لهراسب بن كيوجي بن كيمنوش بن كيفاشين، باختيار كيخسرو إياه، فلما عقد التاج على رأسه قال: نحن مؤثِرون البِرّ على غيره. واتّخذ سريرًا من ذهب مكلَّلًا بأنواع الجواهر للجلوس عليه، وأمر فبينت له بأرض خراسان مدينةَ بلْخ، وسماها الحسناء، ودوَّن الدواوين، وقوّى ملكه بانتخابه لنفسه الجنود، وعمر الأرض، واجتبى الخراج لأرزاق الجنود، ووجه بختنصَّر، وكان اسمه بالفارسية -فيما قيل- بخترشه.
فحُدثت عن هشام بن محمد قال: مَلك لهراسب - وهو ابن أخي قبوس - فبنى مدينةَ بلْخ، فاشتدت شَوْكة الترك في زمانه، وكان منزله ببلْخ يقاتل الترك. قال: وكان بختنصّر في زمانه، وكان أصبَهبذ ما بين الأهواز إلى أرض الروم من غربيّ دجلة، فشخص حتى أتى دمشق، فصالحه أهلها ووجّه قائدًا له، فأتى بيتَ القدس فصالح ملك بني إسرائيل، وهو رجل من ولد داود، وأخذ منه رهائن وانصرف. فلما بلغ طبريّة؛ وثبت بنو إسرائيل على ملكهم فقتلوه، وقالوا: راهنت أهل بابل
стр. 2243
وخذلتنا! واستعدوا للقتال، فكتب قائد بختنصّر إليه بما كان، فكتب إليه يأمره أن يقيم بموضعه حتى يوافيَه، وأن يضرب أعناق الرهائن الذين معه، فسار بختنصّر حتى أتى بيت المقدس، فأخذ المدينة عَنْوة، فقتل المقاتِلة، وسبى الذرّيَّة.
قال: وبلغنا: أنه وجد في سجن بني إسرائيل إرميا النبيّ، وكان الله تعالى بعثه نبيًّا -فيما بلغنا- إلى بني إسرائيل، يحذّرهم ما حلّ بهم من بختنصّر، ويُعْلِمهم: أن الله مسلّط عليهم مَنْ يقتل مقاتِلتهم، ويَسْبي ذراريّهم، إن لم يتوبوا، وينزعوا عن سيّئ أعمالهم. فقال له بختنصّر: ما خطبُك؟ فأخبره: أن الله بعثه إلى قومه ليحذّرَهم الذي حلّ بهم، فكذبوه وحبسوه، فقال بختنصّر: بئس القوم قومٌ عصوْا رسولَ ربّهم! وخلّى سبيله، وأحسنَ إليه. فاجتمع إليه مَنْ بقي من ضعفاء بني إسرائيل، فقالوا: إنا قد أسأنا وظلمنا، ونحن نتوب إلى الله ممَا صنعنا، فادع الله أن يقبل توبتنا. فدعى ربّه فأوحى إليه أنهم غيرُ فاعلين، فإن كانوا صادقين فليقيموا معك بهذه البلدة، فأخبرَهم بما أمرهم الله به، فقالوا: كيف نقيم ببلدة قد خُرّبت وغضب الله على أهلها! فأبوا أن يقيموا، فكتب بختنصّر إلى ملك مصر: إنّ عبيدًا لي هربوا مني إليك، فسرِّحهم إليّ، وإلا غزوتُك وأوطأت بلادَك الخيل. فكتب إليه ملك مصر: ما هم بعبيدك؛ ولكنهم الأحرار أبناء الأحرار؛ فغزاه بختنصّر فقتله، وسبى أهل مصر، ثم سار في أرض المغرب، حتى بلغ أقصى تلك الناحية، ثم انطلق بسبي كثير من أهل فِلَسطين والأردنّ، فيهم دانيال وغيره من الأنبياء.
قال: وفي ذلك الزمان تفرّقت بنو إسرائيل، ونزل بعضهم أرض الحجاز بيثرب، ووادي القرى، وغيرها.
قال: ثم أوحى الله إلى إرميا فيما بلغنا: إنّي عامر بيت المقدس فاخرج إليها، فانزْلها. فخرج إليها حتى قدمها وهي خراب، فقال في نفسه: سبحان الله! أمرني الله أن أنزل هذه البلدة، وأخبرني أنه عامرُها، فمتى يعمر هذه، ومتى يحييها الله بعد موتها! ثم وضع رأسه فنام ومعه حماره وسلّة فيها طعام، فمكث في نومه سبعين سنة، حتى هلك بختنصّر والملك الذي فوقه، وهو لهراسب الملك الأعظم وكان ملْك لهراسب مئة وعشرين سنة. ومَلَك بعده بشتاسب ابنه، فبلغه عن بلاد الشام أنها خراب، وأن السباع قد كثرت في أرض فلسطين، فلم يبق بها
стр. 2244
من الإنس أحَد، فنادى في أرض بابل في بني إسرائيل: إنّ من شاء أن يرجع إلى الشام فليرجع. وملّك عليهم رجلًا من آل داود، وأمره أن يعمر بيت المقدس ويبنيَ مسجدها، فرجعوا فعمروها، وفتح الله لإرميا عينيه، فنظر إلى المدينة كيف تعمر وتبنى، ومكث في نومه ذلك، حتى تمّت له مئة سنة، ثم بعثه الله وهو لا يظنّ: أنه نام أكثر من ساعة، وقد عهد المدينة خرابًا يبابًا، فلما نظر إليها قال: أعلمُ أنّ الله على كلّ شيء قدير.
قال: وأقام بنو إسرائيل ببيت المقدس، ورُدّ إليهم أمرُهم، وكثروا بها حتى غلبت عليهم الروم في زمان ملوك الطوائف، فلم يكن لهم بعد ذلك جماعة.
قال هشام: وفي زمان بشتاسب ظهر زَرَادُشت، الذي تزعم المجوس أنه نبيُّهم، وكان زَرَادُشت -فيما زعم قوم من علماء أهل الكتاب- من أهل فلسطين خادمًا لبعض تلامذة إرميا النبيّ خاصًّا به، أثيرًا عنده، فخانه فكذَب عليه، فدعا الله عليه، فبرص فلحق ببلاد أذربيجان، فشرع بها دين المجوسية، ثم خرج منها متوجهًا نحو بشتاسب، وهو ببلْخ، فلما قدم عليه وشرح له دينه أعجبه فقسر الناس على الدخول فيه، وقتل في ذلك مِنْ رعيّته مقتلة عظيمة، ودانوا به، فكان ملك بشتاسب مئة سنة واثنتي عشرة سنة (١). (١: ٥٣٨/ ٥٣٩ / ٥٤٠).
٧٧٠ - وأما غيره من أهل الأخبار والعلم بأمور الأوائل فإنه ذكر أن كي لهراسب كان محمودًا في أهل مملكته، شديد القمع للملوك المحيطة بإيران شَهْر، شديد التفقد لأصحابه، بعيد الهمة كثير الفكر في تشييد البنيان، وشقّ الأنهار، وعمارة البلاد، فكانمت ملوك الروم والمغرب والهند وغيرهم يحملون إليه في كلّ سنة وظيفة معروفة وإتاوة معلومة، ويكاتبونه بالتعظيم ويقرّون له أنه مَلِك الملوك هيبة له وحذرًا.
قال: ويقال: إن بختنصّر حمل إليه من أورِيشَلِم خزائن وأموالًا، فلما أحسّ بالضعف من قوته ملّك ابنه بشتاسب، واعتزل الملك وفوّضه إليه، وكان ملك لهراسب -فيما ذكر- مئة سنة وعشرين سنة.
وزعم: أن بختنصّر هذا الذي غزا بني إسرائيل اسمه "بخترشه"، وأنه رجل
стр. 2245
من العجم، من ولد جوذرز، وأنه عاش دهرًا طويلًا جاوزتْ مدته ثلاثمئة سنة، وأنه كان في خدمة لهراسب الملك، أبي بشتاسب، وأن لهراسب وجّهه إلى الشام وبيت المقدس ليجلِيَ عنها اليهود، فسار إليها ثم انصرف، وأنه لم يزل من بعد لهراسب في خدمة ابنه بشتاسب، ثم في خدمة بهمن من بعده، وأن بهمن كان مقيمًا بمدينة بلخ - وهي التي كانت تسمى الحسناء - وأنه أمر بخترشه بالتوجُّه إلى بيت المقدس ليُجلي اليهود عنها، وأنّ السبب في ذلك وثوبُ صاحب بيت المقدس على رسُلٍ كان بهمن وجَّههم إليه، وقتله بعضهم. فلما ورد الخبر على بهمن دعا بخترشة فملَّكه على بابل، وأمره بالمسير إليها، والنفوذ منها إلى الشام وبيت المقدس، والقصد إلى اليهود حتى يقتُل مقاتلتهم، ويَسبِيَ ذراريّهم، وبسط يده فيمن يختار من الأشراف والقواد، فاختار من أهل بيت المملكة داريوش بن مهري، من ولد ماذي بن يافث بن نوح، وكان ابن أخت بخترشه. واختار كيرش كيكوان من ولد غيلم بن سام، وكان خازنًا على بيت مال بهمن، وأخشويرش بن كيرش بن جاماسب الملقَّب بالعالم، وبهرام بن كيرش بن بشتاسب. فضمّ بهمن إليه من أهله وخاصته هؤلاء الأربعة، وضمّ إليه من وجوه الأساورة ورؤسائهم ثلاثمئة رجل، ومن الجند خمسين ألف رجل، وأذن له في أن يفرض ما احتاج إليه، وفي إثباتهم. ثم أقبل بهم حتى صار إلى بابل، فأقام بها للتجهّز والاستعداد سنة، والتفّت إليه جماعة عظيمة، وكان فيمن سار إليه رجل من ولد سنحاريب، الملك الذي كان غزا حزقيا بن أحاز الملك، الذي كان بالشام وببيت المقدس من ولد سليمان بن داود صاحب شعيا، يقال له: بختنصر بن نبوزرادان بن سنحاريب - صاحب الموصل وناحيتها - ابن داريوش بن عبيري بن تيري بن روبابن رابيا بن سلامون بن داود بن طامي بن هامل بن هرمان بن فودى بن همول بن درمي بن قمائل بن صاما بين رغما بين نمروذ بن كوش بن حام بن نوح ﵇.
وكان مسيره إليه بسبب ما كان آتى حزقيا وبنو إسرائيل إلى جدّه سنحاريب عند غزوه إياهم، وتوسّل إليه بذلك، فقدّمه في جماعة كثيرة، ثم اتَّبعه، فلما توافت العساكر ببيت المقدس، نُصِر بخترشه علي بني إسرائيل لما أراد الله بهم من العقوبة، فسباهم، وهدّم البيت وانصرف إلى بابل، ومعه يوياحن بن
стр. 2246
يوياقيم ملك بني إسرائيل في ذلك الوقت، من ولد سليمان بعد أن ملّك متَّنيا عمّ يوحينا، وسماه صدقيا.
فلما صار بختنصر ببابل خالفه صدقيا، فغزاه بختنصّر ثانية فظفر به، وأخرب المدينة والهيكل، وأوثق صدقيا، وحمله إلى بابل بعد أن ذبح ولده، وسَمل عينيه. فمكث بنو إسرائيل ببابل إلى أن رجعوا إلى بيت المقدس، فكان غلبة بختنصّر - المسمى بخترشه - على بيت المقدلص إلى أن مات - في قول هذا الذي حكينا قوله - أربعين سنة.
ثم قام من بعده ابن يقال له: أولمرودخ، فملكَ الناحية ثلاثًا وعشرين سنة، ثم هلك، وملك مكانه ابن يقال: له بلتشصر بن أولمرودخ سنة، فلما ملك بلتشصر؛ خلط في أمره، فعزله بهمن وملَّك مكانه على بابل، وما يتصل بها من الشأم وغيرها داريوش الماذويّ، المنسوب إلى ماذي بن يافث بن نوح ﵇ حين صار إلى المشرق، فقتل بلتشصر، ومَلك بابل وناحية الشام ثلاث سنين، ثم عزله بهمن وولَّى مكانه كيرشَ الغيلميّ، من ولد غيلم بن سام بن نوح، الذي كان نزع إلى جامر مع ماذي عندما مضى جامر إلى المشرق؛ فلما صار الأمر إلى كيرش كتب بهمن أن يرفق ببني إسرائيل، ويُطلق لهم النزولَ حيث أحبُّوا، والرجوع إلى أرضهم، وأن يولِّيَ عليهم مَنْ يختارونه، فاختاروا دانيال النبيّ ﵇، فوليَ أمرَهم، وكان مُلْك كيرش على بابل وما يتصل بها ثلاث سنين، فصارت هذه السنون - من وقت غلبة بختنصّر إلى انقضاء أمره وأمرِ ولده ومُلْك كيرش الغيلميّ - معدودة من خراب بيت المقدس، منسوبة إلى بختنصر، ومبلغها سبعون سنة.
ثم ملك بابل وناحيتها من قِبَل بهمن رجل من قَرابته، يقال له: أخشوارش بن كيرش بن جاماسب - الملقَّب بالعالم - من الأربعة الوجوه الذين اختارهم بخترشه عند توجهه إلى الشأم من قِبَل بهمن؛ وذلك أن أخشوارش انصرف إلى بهمن من عند بختنصّر محمودًا، فولّاه ذلك الوقت بابل وناحيتها؛ وكان السبب في ولايته -فيما زعم-: أنّ رجلًا كان يتولى لبهمن ناحية السّند والهند يقال له: كراردشير بن دشكال خالفه، ومعه من الأتباع ستمئة ألف، فولّى بهمن أخشويرش الناحيَة، وأمره بالمسير إلى كراردشير، ففعل ذلك وحاربه، فقتله
стр. 2247
وقتل أكثر أصحابه، فتابع له بهمن الزيادة في العمل، وجَمَع له طوائف من البلاد، فلزم السُّوس، وجمع الأشراف، وأطعم الناس اللحم، وسقاهم الخمر، وملك بابل إلى ناحية الهند والحبشة وما يلي البحر، وعقد لمئة وعشرين قائدًا في يوم واحد الألْويَة، وصيَّر تحت يد كل قائد ألف رجل من أبطال الجند الذين يَعْدل الواحد منهم في الحرب بمئة رجل، وأوطنَ بابل، وأكثر المقام بالسُّوس، وتزوج من سَبْي بني إسرائيل امرأة يقال لها: أشتر ابنة أبي جاويل، كان ربّاها ابن عمّ لها يقال له: مردخي، وكان أخاها من الرضاعة؛ لأن أمّ مردخي أرضعت أشتر، وكان السبب في تزوُّجه إياها قتله امرأة كانت له جليلة جميلة خطيرة، يقال لها: وشتا، فأمرها بالبروز ليراها الناس، ليعرفوا جلالتها وجمالها، فامتنعت من ذلك فقتلها، فلما قتلها جَزِع لقتلها جزعًا شديدًا، فأشير عليه باعتراض نساء العالم، ففعل ذلك، وحبّبت إليه أشتر صنعًا لبني إسرائيل؛ فتزعمُ النصارى: أنها ولدت له عند مسيره إلى بابل ابنًا فسماه كيرش، وأن مُلْك أخشويرش كان أربع عشرة سنة، وقد علَّمه مردخي التوراة، ودخل في دين بني إسرائيل، وفهم عن دانيال النبي ﵇ ومن كان معه حينئذ، مثل حننيا وميشايل وعازريا؛ فسألوه بأن يأذن لهم في الخروج إلى بيت المقدس فأبى وقال: لو كان معي منكم ألف نبيّ ما فارقني منكم واحد ما دمت حيًّا. وولّى دانيال القضاء، وجعل إليه جميعَ أمره، وأمرَه أن يُخِرج كلَّ شيء في الخزائن مما كان بختنصر أخذه من بيت المقدس ويردّه، وتقدم في بناء بيت المقدس، فبُني وعمّر في أيام كيرش بن أخشويرش. وكان ملك كيرش، مما دخل في ملك بهمن وخماني اثنتين وعشرين سنة.
ومات بهمن لثلاث عشرة سنة مضت من ملك كيرش، وكان موت كيرش لأربع سنين مضين من ملك خُماني، فكان جميع ملك كيرش بن أخشويرش اثنتين وعشرين سنة.
فهذا ما ذكر أهل السير والأخبار في أمر بختنصّر وما كان من أمره وأمر بني إسرائيل (١). (١: ٥٤١/ ٥٤٢ / ٥٤٣/ ٥٤٤ / ٥٤٥).
стр. 2248
٧٧١ - وأمّا السلف من أهل العلم فإنهم قالوا في أمرهم أقوالًا مختلفة؛ فمن ذلك ما حدثني القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج عن ابن جُريج، قال: حدّثني يعلى بن مسلم عن سعيد بن جُبَير: أنه سمعه يقول: كان رجل من بني إسرائيل يقرأ، حتى إذا بلغ: ﴿بَعَثْنَا عَلَيكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ بكى، وفاضت عيناه، ثم أطبق المصحف، فقال: ذلك ما شاء الله من الزمان! ثم قال: أي ربّ! أرِني هذا الرجلَ الذي جعلتَ هلاك بني إسرائيل على يديه. فأرِيَ في المنام مسكينًا ببابل يقال له: بختنصَّر، فانطلق بمال وأعبُد له - وكان رجلًا موسرًا - فقيل له: أين تريد؟ فقال: أريد التجارة؛ حتى نزل في ارًا ببابل فاستكراها، ليس فيها أحد غيرُه، فجعل يدعو المساكين ويلطُف بهم حتى لا يأتيَه أحد إلا أعطاه، فقال: هل بقيَ مسكين غيركم؟ فقالوا: نعم مسكين بفجّ آل فلان مريض، يقال له: بختنصّر، فقال لغلمته: انطلقوا بنا فانطلق حتى أتاه فقال: ما اسمك؟ قال: بختنصر فقال لغلمته احتملوه فنقله إليه فمرّضه حتى برئ، وكساه وأعطاه نفقة، ثم أذّن الإسرائيليّ بالرحيل، فبكى بختنصَّر، فقال الإسرائيليّ: ما يبكيك؟ قال: أبكي أنك فعلت بي ما فعلت، ولا أجد شيئًا أجزيك! قال: بلى شيئًا يسيرًا، إن ملكتَ أطعتَني. فجعل الآخر يتبعه ويقول: تستهزئ بي! ولايمنعه أن يعطيه ما سأله إلّا أنه يرى أنه يستهزئ به. فبكى الإسرائيليّ وقال: لقد علمتُ ما يمنعك أن تعطيَني ما سألتُك؛ إلا أن الله يُريد أن يُنفذ ما قضى وكتب في كتابه.
وضرب الدهر من ضربه، فقال صيحون، وهو ملك فارس ببابل: لو أنَّا بعثنا طليعة إلى الشام! قالوا: وما ضرّك لو فعلت! قال: فمن تروْن؟ قالوا: فلان، فبعث رجلًا، وأعطاه مئة ألف، وخرج بختنصّر في مطبخه لا يخرج إلا ليأكل في مطبخه، فلما قدم الشام رأى صاحبُ الطليعة أكثرَ أرض الله فرسًا ورجلًا جلدًا، فكسره ذلك في ذرعه، فلم يسأل؛ فجعل بختنصّر يجلس مجالس أهل الشام فيقول: ما يمنعكم أن تغزوا بابل؟ فلو غزوتموها، فما دون بيت مالِها شيء. قالوا: لا نحسِن القتال ولا نقاتل حتى تنفد مجالس أهل الشام، ثم رجعوا، فأخبَر متقدِّم الطليعة ملكهم بما رأى، وجعل بختنصّر يقول لفوارس الملك: لو دعاني الملك لأخبرته غير ما أخبَره فلان. فرفع ذلك إليه، فدعاه فأخبره الخبر،
стр. 2249
وقال: إن فلانًا لمَّا رأى أكثرَ أرض الله كُراعًا ورجلًا جلدًا، كسر ذلك في ذَرْعه، ولم يسألهم عن شيء، وإني لم أدع مجلسًا بالشام إلا جالست أهله، فقلت لهم كذا وكذا، فقالوا لي كذا وكذا - للذي ذكر سعيد بن جبير: أنه قال لهم - فقال متقدم الطليعة لبختنصَّر: فضحتني! لك مئة ألف وتنزع عما قلت. قال: لو أعطيتَني بيت مال بابل ما نزعتُ. وضرب الدهر من ضربه، فقال الملك: لو بعثنا جريدةَ خيل إلى الشام، فإن وجدوا مساغًا ساغوا، وإلا امتشّوا ما قدروا عليه. قالوا: ما ضرّك لو فعلت! قال: فمنْ ترون؟ قالوا: فلان، قال: بل الرجل الذي أخبرني بما أخبرني، فدعا بختنصّر، فأرسله وانتخب معه أربعة آلاف من فرسانهم، فانطلقوا فجاسوا خلال الديار، فسبوْا ما شاء الله ولم يخرّبوا ولم يقتلوا، ورُمي في جنازة صيحون، قالوا: استخلفوا رجلًا، قالوا: عَلَى رِسْلِكم حتى يأتي أصحابُكم، فإنهم فرسانُكم؛ أن ينغّصوا عليكم شيئًا! فأمهَلوا حتى جاء بختنصّر بالسَّبْي وما معه، فقسمه في الناس فقالوا: ما رأينا أحدًا أحقَّ بالملك من هذا! فملّكوه (١). (١: ٥٤٥/ ٥٤٦ / ٥٤٧).
وقال آخرون منهم: إنما كان خروج بختنصَّر إلى بني إسرائيل لحربهم حين قتلت بنو إسرائيل يحيى بن زكرياء.
ذكر بعض من قال ذلك منهم:
٧٧٢ - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السُّديّ في الحديث الذي ذكرنا إسناده قبل: أن بختنصَّر بعثه صيحائين لحرب بني إسرائيل حين قتَل ملكُهم يحيى بن زكرياء ﵇، وبلغ صيحائين قتله (٢). (١: ٥٤٧).
٧٧٣ - حدثنا ابن حُمَيد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، قال -فيما بلغني-: استخلف الله علي بني إسرائيل بعد شعيا رجلًا منهم يقال له: ياشية بن أموص، فبعث الله لهم الخضر نبيًّا، واسم الخضر -فيما كان وهب بن
стр. 2250
منبّه يزعم عن بني إسرائيل - إرميا بن حلقيا، وكان من سِبْط هارون (١). (١: ٥٤٧).
٧٧٤ - وأما وهب بن منبّه فإنه قال فيه ما حدثني محمد بن سهل بن عسكر البخاريّ، قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدثني عبد الصمد بن معقل، قال: سمعت وهب بن منبه يقول (٢) (١: ٥٤٧).
٧٧٥ - وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عمن لا يتهم عن وهب بن منبِّه اليمانيّ أنه كان يقول: قال الله لإرميا حين بعثه نبيًّا إلى بني إسرائيل: "يا إرميا، مِن قبل أن أخلقك اخترتُك، ومن قبل أن أصوِّرك في بطن أمك قدّستُك، ومِن قبْل أن أخرِجك من بطن أمك طهّرتك، ومن قبل أن تبلغ السَّعْي نبَّيتك، ومن قبل أن تبلغ الأشدّ اختبرتك، ولأمر عظيم اجتبيتك". فبعث الله إرميا إلى ذلك الملك من بني إسرائيل يسدّده ويرشده، ويأتيه بالخبر من قِبَل الله فيما بينه وبين الله .
قال: ثم عظُمت الأحداث في بني إسرائيل، وركبوا المعاصِي، واستحلُّوا المحارم، ونسُوا ما كان الله صنع بهم، وما نجَّاهم من عدوّهم سنحاريب وجنوده، فأوحى الله إلى إرميا: أن ائت قومَك من بني إسرائيل، فاقصُصْ عليهم ما آمرك به، وذكّرهم نِعَمِي عليهم، وعرِّفهم إحداثهم. فقال إرميا: إني ضعيف إن لم تقوّني، عاجز إن لم تبلِّغْني، مُخْطئ إن لم تسدِّدني، مخذولٌ إن لم تنصرني، ذليلٌ إن لم تعزّني. قال الله : أليم تعلم أن الأمور كلَّها تصدُر عن مشيئتي، وأن القلوبَ كلَّها والألسن بيدي، أقلِّبها كيف شئت فتطيعني! وأني أنا الله الذي لا شيء مثلي، قامت السموات والأرض وما فيهنّ بكلمتي، وأنا كلَّمت البحار ففهمتْ قولي، وأمرتُها فعَقلتْ أمري، وحدّدْتُ عليها بالبطحاء فلا تَعدَّى حَدّي، تأتي بأمواج كالجبال؛ حتى إذا بلغت حدِّي ألبَستها مذلَّة طاعتي خوفًا واعترافًا لأمري، إني معك ولن يصل إليك شيءٌ معي؛ وإني بعثتُك إلى خلق عظيم من خَلْقي لتبلِّغهم رسالاتي، وتستحِقّ بذلك مثل أجر مَن اتَّبعك منهم، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، وإن تقصّر به عنها تستحقُّ
стр. 2251
بذلك مثل وزْرِ من تركت في عماه؛ لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئًا. انطلق إلى قومك فقل: إن الله ذَكَر بكم صلاح آبائكم، فحمَله ذلك على أن يستتيبَكم يا معشر الأبناء! وسلْهم كيف وجد آباءهم مغبَّة طاعتي، وكيف وجدوا هم مغبّة معصيتي! وهل علموا أن أحدًا قبلهم أطاعني فشقِيَ بطاعتي، أو عصاني فسعد بمعصيتي! وأن الدوابّ مما تذكر أوطانها الصالحة تنتابها، وأن هؤلاء القوم رتَعوا في مروج الهلكة أما أحبارُهم ورهبانهم فاتّخذوا عبادي خوَلًا يتعبَّدونهم دوني، ويحكمون فيهم بغير كتابي، حتى أجهلوهم أمري، وأنسوْهم ذكري، وغرّوهم مني. وأما أمراؤهم وقادتهم فبطروا نعمتي، وأمِنوا مكري، ونَبَذوا كتابي، ونسُوا عهدي، وغيَّروا سُنّتي، وادّان لهم عبادي بالطاعة التي لا تنبغي إلا لي؛ فهم يطيعونهم في معصيتي، ويتابعونهم على البدِع التي يبتدعون في ديني، جُرأةً عليّ وغِرّة، وفِرْية عليّ وعلى رُسُلي، فسبحان جلالي وعلوّ مكاني وعظمة شأني! وهل ينبغي لبشر أن يُطاع في معصيتي! وهل ينبغي أن أخلق عبادًا أجعلهم أربابًا من دوني! وأما قرّاؤهم وفقهاؤهم فيتعبَّدون في المساجد، ويتزيَّنون بعمارتها لغيري، لطلب الدنيا بالدين، ويتفقهون فيها لغير العلم، ويتعلَّمون فيها لغير العمل. وأما أولاد الأنبياء فمكثورون مقهورون مغترّون، يخوضون مع الخائضين، فيتمنَّون عليّ مثل نصرة آبائِهِم، والكرامة التي أكرمتهم بها، ويزعمون أنا لا أحدَ أوْلى بذلك منهم مني بغير صدق ولا تفكّر ولا تدبّر ولا يذكرون كيف نصر آبائهم لي، وكيف كان جدّهم في أمري، حين غَيَّر المغيّرون، وكيف بذلوا أنفسهم ودماءهم، فصبروا وصدقوا حتى عزّ أمري، وظهر ديني، فتأنَّيت بهؤلاء القوم لعلَّهم يستجيبون، فأطولتُ لهم، وصفحت عنهم لعلهم يرجعون، وأكثرت ومددت لهم في العمر لعلهم يتفكرون، فأعذرت. وفي كلّ ذلك أمطر عليهم السماء، وأنبت لهم الأرض، وألبسهم العافية، وأظهرهم على العدوّ؛ فلا يزدادون إلا طغيانًا وبعدًا مني. فحتى متى هذا! أبي يتمرّسون! أم إياي يخادعون! فإني أحلف بعزّتي لأقيِّضنّ لهم فتنة يتحيَّر فيها الحليم، ويضِلّ فيها رأيُ ذي الرأي وحكمة الحكيم، ثم لأسلِّطنّ عليهم جبارًا قاسيًا عاتيًا، ألبسه الهيبة، وأنزع مِن صدره الرأفة والرحمة والليان، يتبعه عدد مثل سواد الليل المظلم، له عساكر مثل قِطَع السحاب، ومراكب أمثال العجاج؛ كأن خفيق راياته طيَرانُ النسور، وكأن حمْلة فرسانه كرير العِقبان.
стр. 2252
ثم أوحى الله إلى إرميا أنّي مهلك بني إسرائيل بيافث - ويافث أهلُ بابل، فهم من ولد يافث بن نوح ﵇ فلما سمع إرميا وحْي ربّه صاح وبكى وشقّ ثيابه، ونبذَ الرماد على رأسه، فقال: ملعون يوم ولدت فيه، ويوم لقِّنت فيه التوراة، ومن شرّ أيامي يوم ولدت فيه، فما أبقِيتُ آخر الأنبياء إلا لما هو شرّ عليّ، لو أراد بي خيرًا ما جعلني آخر الأنبياء من بني إسرائيل؛ فمن أجلي تصيبُهم الشقوة والهلاك!
فلما سمع الله تضرّع الخضر وبكاءه، وكيف يقول، ناداه: يا إرميا، أشقّ عليك ما أوحيت لك! قال: نعم يا ربّ؛ أهلِكني قبل أن أرى في بني إسرائيل ما لا أسرّ به، فقال الله تعالى: وعزّتي وجلالي لا أهلِك بيت المقدس وبني إسرائيل حتى يكونَ الأمر من قِبَلك في ذلك. ففرح عند ذلك إرميا لما قال له ربّه، وطابت نفسه وقال: لا، والذي بعث موسى وأنبياءه بالحقّ، لا آمر ربيّ بهلاك بني إسرائيل أبدًا.
ثم أتى ملِكَ بني إسرائيل فأخبره بما أوْحى الله إليه فاستبشر وفرح؛ وقال: إن يعذّبنا ربنا فبذنوب كثيرة قدَّمناها لأنفسنا، وإن عفا عنّا فبقدرته.
ثم إنهم لبثوا بعد هذا الوحي ثلاث سنين لم يزدادوا إلا معصية وتماديًا في الشرّ، وذلك حين اقترب هلاكُهم، فقلّ الوحيّ حين لم يكونوا يتذكّرون الآخرة، وأمسك عنهم حين ألهتهم الدنيا وشأنها، فقال لهم ملكُهم: يا بني إسرائيل، انتهوا عمّا أنتم عليه قبل أن يمسَّكم بأسُ الله، وقبل أن يبعث الله عليكم قومًا لا رحمةَ لهم بكم، فإنّ ربّكم قريب التوبة مبسوط اليدين بالخير، رحيم بمن تاب إليه. فأبوْا عليه أن ينزعوا عن شيء مما هم عليه. وإنّ الله ألقى في قلب بختنصّر بن نبوزراذان بن سنحاريب بن دارياس بن نمروذ بن فالغ بن عابر - ونمروذ صاحب إبراهيم ﵇، الذي حاجه في ربه - أن يسير إلى بيت المقدس، ثم يفعل فيه ما كان جدّه سنحاريب أراد أن يفعل. فخرج في ستمئة ألف راية يريد أهلَ بيت المقدس، فلما فَصَل سائرًا أتى ملِكَ بني إسرائيل الخبر أن بختنصّر قد أقبل هو وجنوده يريدكم، فأرسل الملك إلى إرميا، فجاءه فقال: يا إرميا، أين ما زعمْتَ لنا أنّ ربك أوحى إليك ألّا يهلك أهل بيت المقدس حتى يكون منك الأمر في ذلك! فقال إرميا للملك: إن ربّي لا يخلف الميعاد، وأنا به واثق.
стр. 2253
فلما اقترب الأجل ودنا انقطاع ملكهم، وعزم الله تعالى على هلاكهم، بعث الله مَلَكًا من عنده، فقال له: اذهب إلى إرميا واستفته. وأمره بالذي يستفتيه فيه. فأقبل الملَكُ إلى إرميا، وقد تمثّل له رجلًا من بني إسرائيل. فقال له إرميا: مَنْ أنت؟ قال: أنا رجل من بني إسرائيل أستفتيك في بعض أمري، فأذِن له، فقال له الملَك: يا نبيّ الله! أتيتك أستفتيك في أهل رحمِي؛ وصلتُ أرحامهم بما أمرني الله به، لم آت إليهم إلا حُسْنًا، ولم آلهُم كرامة، فلا تزيدهم كرامتي إياهم إلا إسخاطًا لي، فأفتِني فيهم يا نبيّ الله! فقال له: أحسن فيما بينك وبين الله، وصِلْ ما أمرك الله أن تصلَ، وأبشر بخير. قال: فانصرف عنه الملك، فمكث أيامًا ثم أقبل إليه في صورة ذلك الرجل الذي كان جاءه، فقعد بين يديه، فقال له إرميا: مَنْ أنت؟ قال: أنا الرجل الذي أتيتك أستفتيك في شأن أهلي، فقال له نبيّ الله: أو ما طهُرت لك أخلاقُهم بعد، ولم تر منهم الذي تحبّ! قال: يا نبيّ الله! والذي بعثك بالحقّ ما أعلم كرامةً يأتيها أحد من الناس إلى أهل رحمهِ إلا وقد أتيتها إليهم وأفضل من ذلك فقال النبيّ: ارجع إلى أهلك فأحسن إليهم، واسأل الله الذي يُصلح عبادَه الصالحين أن يصلح ذات بينِكم، وأن يجمعَكم على مرضاته، ويجنّبكم سَخَطه. فقام الملك من عنده فلبث أيامًا وقد نزل بختنصّر وجنوده حول بيت المقدس بأكثر من الجراد، ففزع منهم بنو إسرائيل فزعًا شديدًا، وشقّ ذلك على ملِك بني إسرائيل فدعى إرميا فقال: يا نبيّ الله، أين ما وعدك الله؟ فقال: إني بربّي واثق. ثم إن الملك أقبل إلى إرميا وهو قاعد على جدار بيت المقدس يضحك ويستبشر بنصر ربّه الذي وعده، فقعد بين يديه، فقال له إرميا: مَنْ أنت؟ قال: أنا الذي كنت أتيتك في شأن أهلي مرتين، فقال له النبيّ: أو لم يَأنِ لهم أن يُفيقوا من الذي هم فيه! فقال الملك: يا نبيّ الله، كُلُّ شيء كان يصيبني منهم قبل اليوم كنت أصبر عليه، وأعلم أنّ مآلهم في ذلك سُخْطي، فلمّا أتيتُهم اليوم رأيتُهم في عملٍ لا يرضاه الله ولا يحبّه، قال له النبيّ: على أيّ عمل رأيتهم؟ قال: يا نبيّ الله، رأيتُهم على عمل عظيم من سَخَط الله، فلو كانوا على مثل ما كانوا عليه قبل اليوم، لم يشتدّ غضبي عليهم، وصبرت لهم ورجوتهم، ولكني غضبت اليوم لله ولك، فأتيتك لأخبرك خبرَهم، وإني أسألُك بالله الذي هو بعثك بالحقّ إلا ما دعوتَ عليهم أن يُهلِكَهم
стр. 2254
الله. قال إرميا: يا ملِك السموات والأرض؛ إن كانوا على حقٍّ وصواب فأبقهم، وإن كانوا على سخطك وعمل لا ترضاه فأهلِكْهم.
فلمّا خرجت الكلمة من فِي إرميا أرسل الله صاعقةً من السماء في بيت المقدس فالتهب مكان القربان، وخُسِف بسبعة أبواب من أبوابها. فلما رأى ذلك إرميا صاح وشقّ ثيابه، ونبذ التراب على رأسه، وقال: يا ملِك السماء ويا أرحم الراحمين، أين ميعادُك الذي وعدتني! فُنودي: يا إرميا؛ إنه لم يصبْهم الذي أصابهم إلا بفُتياك التي أفتيت بها رسولَنا. فاستيقن النبيّ أنها فُتياه التي أفتى بها ثلاث مرات، وأنه رسولُ ربّه.
وطار إرميا حتى خالط الوحوش، ودخل بُختنصّر وجنودُه بيت المقدس، فوطئ الشأم، وقتل بني إسرائيل حتى أفناهم، وخرّب بيت المقدس؛ ثم أمر جنودَه أن يملأ كلُّ رجل منهم تُرسه ترابًا ثم يقذفه في بيت المقدس، فقذفوا فيه التراب حتى ملؤوه. ثم انصرف راجعًا إلى أرض بابل، واحتمل معه سَبايا بني إسرائيل، وأمرهم أن يجمعوا مَنْ كان في بيت المقدس كلّهم، فاجتمع عنده كلُّ صغير وكبير من بني إسرائيل، فاختار منهم مئة ألف صبيّ، فلما خرجت غنائم جنده، وأراد أن يقسمها فيهم، قالت له الملوك الذين كانوا معه: أيها الملك، لك غنائمنا كلُّها واقسِم بيننا هؤلاء الصبيان الذين اخترتهم من بني إسرائيل. ففعل فأصاب كلَّ رجل منهم أربعة غلمة - وكان من أولئك الغلمان: دانيال، وحنانيا، وعزاريا، وميشايل - وسبعة آلاف من أهل بيت داود، وأحد عشر ألفًا من سِبْط يوسف بن يعقوب وأخيه بنيامين، وثمانية آلاف من سِبط أشر بن يعقوب، وأربعة عشر ألفًا من سبط زبالون بن يعقوب، ونفثالي بن يعقوب وأربعة آلاف من سبط روبيل ولاوى ابني يعقوب، وأربعة آلاف من سبط يهوذا بن يعقوب ومن بقيَ من بني إسرائيل. وجعلهم بختنصّر ثلاث فرق؛ فثلثًا أقرّ بالشام، وثلثًا سبي، وثلثًا قتل. وذهب بآنية بيت المقدس حتى أقدَمها بابل، وذهب بالصبيان السبعين الألف حتى أقدمهم بابل؛ وكانت هذه الوقعة الأولى التي أنزلها الله ببني إسرائيل بإحداثهم وظلمهم.
فلما ولى بختنصّر عنهم راجعًا إلى بابل بمن معه من سبايا بني إسرائيل أقبل إرميا على حمار له معه عصير من عنب في رَكْوة وسلّة تين، حتى غشي إيلياء فلما
стр. 2255
وقف عليها ورأى ما بها من الخراب دخَله شكّ، فقال: أنَّى يحيي هذه الله بعد موتها! فأماته الله مئة عام، وحماره وعصيره وسلّة تينه عنده حيث أماته الله وأمات حماره معه، وأعمى الله عنه العيون فلم يره أحد. ثم بعثه الله فقال له: ﴿كَمْ لَبِثْتَ قَال لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَال بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ -يقول لم يتغيّر- ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾. فنظر إلى حماره يتّصل بعضٌ إلى بعض - وقد كان مات معه - بالعروق والعَصَب، ثم كيف كسى ذلك منه اللحم حتى استوى، ثم جرى فيه الروح، فقام ينهق؛ ثم نظر إلى عصيره وتينه، فإذا هو على هيئته حين وضعه لم يتغيّر. فلما عاين من قدرة الله ما عاين، قال: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾. ثم عمّر الله إرميا بعد ذلك، فهو الذي يُرى بفلوات الأرض والبلدان.
ثم إنّ بختنصّر أقام في سلطانه ما شاء الله أن يقيم، ثم رأى رؤيا، فبينما هو قد أعجبه ما رأى إذ رأى شيئًا أصابه فأنساه الذي كان رأى، فدعى دانيال، وحنانيا، وعزاريا، وميشايل من ذراريّ الأنبياء، فقال: أخبروني عن رؤيا رأيتُها، ثم أصابني شيء فأنسانيها، وقد كانت أعجبتني ما هي؟ قالوا له: أخبرنا بها نخبرك بتأويلها، قال: ما أذكرها، وإن لم تخبروني بتأويلها لأنزعنّ أكتافكم. فخرجوا من عنده، فدعَوُا الله، واستغاثوا، وتضرّعوا إليه، وسألوه أن يعلِمهم إياها، فأعلمهم الذي سألهم عنه، فجاؤوه، فقالوا له: رأيتَ تمثالًا؟ قال: صدقتم، قالوا: قدماه وساقاه من فَخّار، وركبتاه وفخذاه من نحاس، وبطنه من فضّة، وصدره من ذهب، ورأسه وعنقه من حديد. قال: صدقتم. قالوا: فبينما أنت تنظر إليه قد أعجبك، فأرسل الله عليه صخرة من السماء فدقَّته، فهي التي أنستكها. قال: صدقتم، فما تأويلها؟ قالوا: تأويلها: أنك أريتَ مُلْك الملوك، فكان بعضُهم ألينَ مُلْكًا من بعض، وبعضهم كان أحسن مُلْكًا من بعض، وبعضهم كان أشدَّ مُلْكًا من بعض، فكان أول الملْكِ الفخّارِ وهو أضعفه، وألينه. ثم كان فوقه النحاس، وهو أفضل منه، وأشدّ، ثم كان فوق النحاس الفضّة، وهي أفضل من ذلك وأحسن، ثم كان فوق الفضة الذهب، فهو أحسن من الفضة وأفضل، ثم كان الحديد مُلْكك؛ فهو كان أشدّ
стр. 2256
الملوك، وأعزّ مما كان قبله، وكانت الصخرة التي رأيت أرسل الله عليه من السماء فدقّته نبيًّا يبعثه الله من السماء فيدقّ ذلك أجمع، ويصير الأمر إليه.
ثم إن أهل بابل قالوا لبختنصّر: أرأيتَ هؤلاء الغلمان من بني إسرائيل الذين كنا سألناك أن تعطيناهم ففعلت! فإنّا والله لقد أنكرنا نساءنا منذ كانوا معنا، لقد رأينا نساءنا عَلِقْنَ بهم، وصرفنَ وجوههنّ إليهم، فأخرجْهم من بين أظهرنا، أو اقتلْهم، قال: شأنَكم بهم، فمن أحبّ منكم أن يقتل من كان في يده؛ فليفعل. فأخرجوهم، فلمّا قربوهم للقتل تضرّعوا إلى الله فقالوا: يا ربّنا، أصابنا البلاء بذنوب غيرنا، فتحنّن الله عليهم برحمته، فوعدهم أن يحييهم بعد قتلهم، فقتلوا إلا من استبقى بختنصّر منهم، وكان ممن استبقى منهم: دانيال، وحنانيا، وعزاريا، وميشايل.
ثم إن الله ﵎ حين أراد هلاك بختنصّر، انبعث فقال لمن كان في يديه من بي إسرائيل: أرأيتم هذا البيت الذي أخربت، وهؤلاء الناس الذين قتلت، من هم؟ وما هذا البيت؟ قالوا: هذا بيت الله، ومسجد من مساجده، وهؤلاء أهلُه كانوا من ذراريّ الأنبياء، فظلموا، وتعدّوا، وعصوْا، فسلّطتَ عليهم بذنوبهم، وكان ربُّهم ربّ السموات والأرض، وربّ الخلق كلّهم يكرمهم، ويمنعهم، ويعزّهم، فلما فعلوا ما فعلوا؛ أهلكهم الله، وسلّط عليهم غيرهم.
قال: فأخبروني ما الذي يطلع بي إلى السماء العليا، لعلِّي أطّلع إليها فأقتلُ منْ فيها وأتخذها مُلْكًا، فإنِّي قد فرغت من الأرض ومَنْ فيها، قالوا له: ما تقدر على ذلك، وما يقدر على ذلك أحد من الخلائق، قال: لتفعلُنّ، أو لأقتلنَّكم عن آخركم، فبكوا إلى الله وتضرّعوا إليه، فبعث الله بقدرته - ليرَيه ضعفه وهوانه عليه - بعوضةً فدخلت في منخره؛ ثم ساخت في دماغه؛ حتى عضّت بأمّ دماغه؛ فما كان يَقَرّ ولا يسكن حتى يوجأ له رأسه على أمّ دماغه؛ فلما عرف الموت قال لخاصّته من أهله: إذا مت فشقُّوا رأسي، فانظروا ما هذا الذي قتلني؟ فلما مات شقّوا رأسه، فوجدوا البعوضة عاضّة بأمّ دماغه؛ ليُرِيَ الله العباد قدرته وسلطانه؛ ونجّى الله مَنْ كان بقي في يديه من بني إسرائيل، وترحّم عليهم، وردهم إلى الشأم وإلى إيلياء المسجد المقدّس، فبنوا فيه، ورَبلُوا وكثروا؛ حتى كانوا على أحسن ما كانوا عليه.
стр. 2257
فيزعمون - والله أعلم -: أنّ الله أحيا أولئك الموتى الذين قتِلوا، فلحقوا بهم.
ثم إنهم لما دخلوا الشأم دخلوها وليس معهم عهد من الله؛ كانت التوراة قد استُبِيتْ منهم فحرقت وهلكت، وكان عُزَير من السبايا الذين كانوا ببابل فرجع إلى الشأم يبكي عليها ليله ونهاره، قد خرج من الناس فتوحّد منهم؛ وإنما هو ببطون الأودية وبالفلوات يبكي؛ فبينما هو كذلك في حزنه على التوراة وبكائه عليها، إذ أقبل إليه رجل وهو جالس، فقال: يا عُزَير! ما يبكيك؟ قال: أبكي على كتاب الله وعهده، كان بين أظهرِنا فبلغتْ بنا خطايانا، وغضب ربنا علينا أن سلّط علينا عدوَّنا، فقتل رجالنا، وأخرب بلادنا، وأحرق كتاب الله الذي بين أظهرنا؛ الذي لا يصلح دنيانا وآخرتنا غيره -أو كما قال- فعلامَ أبكي إذا لم أبك على هذا! قال: أفتحبّ أن يُرَدَّ ذلك عليك؟ قال: وهل إلى ذلك من سبيل؟ قال: نعم ارجع فصُمْ وتطهّر وطهّر ثيابك، ثم موعدك هذا المكان غدًا. فرجع عُزَير فصام وتطهّر وطهّر ثيابه، ثم عمِد إلى المكان الذي وُعِده، فجلس فيه، فأتاه ذلك الرجل بإناء فيه ماء - وكان مَلَكًا بعثه الله إليه - فسقاه من ذلك الإناء، فمثلت التوراة في صدره، فرجع إلى بني إسرائيل، فوضع لهم التوارة يعرفونها بحلالها، وحرامها، وسننها، وفرائضها، وحدودها، فأحبّوه حبًّا لم يحبوه شيئًا قطّ، وقامت التوراة بين أظهرهم، وصلَح بها أمرهم، وأقام بين أظهرهم عُزَير مؤديًا لحقّ الله، ثم قبضه الله على ذلك، ثم حدثت فيهم الأحداث حتى قالوا لعزير: هو ابن الله، وعاد الله عليهم فبَعث فيهم نبيًّا كما كان يصنع بهم، يسدّد أمرهم، ويعلّمهم، ويأمرهم بإقامة التوراة وما فيها.
وقال جماعة أخر عن وهب بن منبّه في أمر بختنصَّر وبني إسرائيل وغزوه إياهم أقوالًا غير ذلك، تركنا ذكرها كراهة إطالة الكتاب بذكرها (١). (١: ٥٤٨ - ٥٥٧).
ذكر خبر غزو بختنصر للعرب
٧٧٦ - حُدّثت عن هشام بن محمد، قال: كان بدء نزول العرب أرضَ العراق، وثبوتهم فيها، واتخاذهم الحيرة والأنبار منزلًا -فيما ذكر لنا والله
стр. 2258
أعلم-: أنّ الله أوحى إلى برخيا بن أحنيا بن زربابل بن شلتيل من ولد يهوذا - قال هشام: قال الشرقيّ: وشلتيل أوَّل من اتخذ الطفشيل - أن ائت بختنصَّر وأمره أن يغزُوَ العرب الذين لا أغلاق لبيوتهم ولا أبواب، ويطأ بلادهم بالجنود، فيقتُل مقاتلتهم، ويستبيح أموالهم، وأعلِمْه كفرَهم بي، واتخاذهم الآلهة دوني، وتكذيبهم أنبيائي ورسلي.
قال: فأقبل برخيا من نَجْران حتى قدم على بختنصَّر ببابل - وهو "نبوخذ نصر" فعرّبته العرب - وأخبرَه بما أوحى الله إليه، وقصّ عليه ما أمره به؛ وذلك في زمان مَعَدّ بن عدنان. قال: فوثب بختنصّر على مَنْ كان في بلاده من تجار العرب، وكانوا يقدُمون عليهم بالتجارات والبِياعات، ويمتارون من عندهم الحبَّ، والتمر، والثياب، وغيرها.
فجمع مَنْ ظفر به منهم، فبنى لهم حَيرًا على النَّجَف وحصَّنه، ثم ضمَّهم فيه ووكَّل بهم حرسًا وحفَظة، ثم نادى في الناس بالغزو، فتأهَّبوا لذلك وانتشر الخبر فيمن يليهم من العرب، فخرجت إليه طوائف منهم مسالمين مستأمنين، فاستشار بختنصّر فيهم برخيا، فقال: إن خروجَهم إليك من بلادهم قبل نهوضك إليهم رجوع منهم عمّا كانوا عليه، فاقبلْ منهم، فأحسنْ إليهم.
قال: فأنزلهم بختنصَّر السواد على شاطئ الفرات، فابتنوْا موضع عسكرهم بعد، فسمَّوْه الأنبار. قال: وخلَّى عن أهل الحَير، فاتَّخذوها منزلًا حياة بختنصّر، فلما مات انضموا إلى أهل الأنبار، وبقيَ ذلك الحَير خرابًا (١). (١: ٥٥٨/ ٥٥٩).
٧٧٧ - وأما غير هشام من أهل العلم بأخبار الماضين فإنه ذكر: أن معدّ بن عدنان لما ولِد؛ ابتدأت بنو إسرائيل بأنبيائهم فقتلوهم، فكان آخر من قتلوا يحيى بن زكرياء، وعدا أهلُ الرّسّ على نبيهم فقتلوه، وعدا أهل حضور على نبيّهم فقتلوه، فلما اجترؤوا على أنبياء الله أذن الله في فناء ذلك القرن الذين معدّ بن عبدنان من أنبيائهم، فبعث الله بختنصّر علي بني إسرائيل، فلما فرغ من إخراب المسجد الأقصى والمدائن وانتسف بني إسرائيل نسفًا، فأوردهم أرض بابل أرِيَ فيما يرى النائم -أو أمِر بعض الأنبياء أن يأمره- أن يدخل بلاد العرب فلا
стр. 2259
يستحيي فيها إنسيًّا ولا بهيمة، وأن يتنسف ذلك نسفًا، حتى لا يُبقي لهم أثرًا. فنظم بختنصّر ما بين إيلة والأبُلَّة خيلًا ورجلًا، ثم دخلوا على العرب فاستعرضوا كلّ ذي روح أتوْا عليه وقدروا علَيه. وأن الله تعالى أوحى إلى إرميا وبرخيا: أنّ الله قد أنذر قومكما، فلم ينتهوا، فعادوا بعد المُلْك عبيدًا، وبعد نعيم العيش عالة يسألون الناس، وقد تقدّمت إلى أهل عربة بمثل ذلك فأبوْا إلا لجاجةً، وقد سلّطت بختنصر عليهم لأنتقم منهم، فعليكما بمعدّ بن عبدنان، الذي من ولده محمد الذي أخرجه في آخر الزمان، أختِمُ به النبوّة، وأرفع به من الضّعة.
فخرجا تُطوى لهما الأرض حتى سبقا بختنصّر، فلقيا عدنان قد تلقّاهما، فطوياه إلى معدّ، ولمعدّ يومئذ اثنتا عشرة سنة، فحمله برخيا على البُراق، وردِف خلفه، فانتهيا إلى حَرّان من ساعتهما، وطُويت الأرض لإرميا فأصبح بحرّان، فالتقى عدنان، وبختنصّر بذات عِرْق، فهزم بختنصّر عدنان، وسار في بلاد العرب، حتى قدم إلى حَضُور، واتّبع عدنان، فانتهى بختنصّر إليها، وقد اجتمع أكثر العرب من أقطار من عربة إلى حَضُور، فخندق الفريقان، وضرب بختنصّر كمينًا - وذلك أول كمين كان فيما زعم - ثم نادى منادٍ من جوّ السماء: يا لثارات الأنبياء! فأخذتهم السيوفُ مِنْ خلفهم ومن بين أيديهم، فندموا على ذنوبهم، فنادوْا بالويل، ونُهِي عدنان عن بختنصّر ونُهِي بختنصّر عن عدنان، وافترق مَن لم يشهد حَضُور، ومن أفلت قبل الهزيمة فرقتين: فرقة أخذت إلى ريسوب وعليهم عَكّ، وفرقهَ قصدت لوبار وفرقة حَضْر العرب، قال: وإياهم عنى الله بقوله: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾، كافرة الأهل؛ فإن العذاب لما نزل بالقرى وأحاط بهم في آخر وقعة ذهبوا ليهربُوا فلم يطيقوا الهرب، ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا﴾ انتقامنا منهم ﴿إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ﴾ يهربون، قد أخذتهم السيوف من بين أيديهم ومن خلفهم. ﴿لَا تَرْكُضُوا﴾ لا تهرُبوا ﴿وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ﴾ إلى العيشة على النعم المكفورة ﴿وَمَسَاكِنِكُمْ﴾ مصيركم ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾. فلما عرفوا: أنه واقع بهم أقروا بالذنوب، فقالوا: ﴿قَالُوا يَاوَيلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (١٤) فَمَا زَالتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾، موتى وقتلى بالسيف فرجع بختنصَّر إلى بابل بما جمع من سبايا عَربَة فألقاهم بالأنبار، فقيل: أنبار العرب، وبذلك سميت الأنبار، وخالطهم بعد ذلك النَّبَط فلما رجع بختنصّر؛ مات عدنان وبقيت
стр. 2260
بلاد العرب خرابًا حياة بختنصّر، فلما مات بختنصّر خرج معد بن عبدنان معه الأنبياء، أنبياء بني إسرائيل صلوات الله عليهم حتى أتى مكة فأقام أعلامها، فحجّ وحجّ الأنبياء معه، ثم خرج معدّ حتى أتى ريسوب، فاستخرج أهلها، وسأل عَمّن بقي من ولد الحارث بن مُضاضِ الجرهميّ، وهو الذي قاتل دوس العتق، فأفنى أكثرهم جرهم على يديه، فقيلً له: بقي جوشم بن جلهمة، فتزوج معدّ ابنتَه معانة، فولدت له نزار بن معدّ (١). (١: ٥٥٩/ ٥٦٠).
٧٧٨ - حدثني عبد الله بن أحمد المروزيّ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني سليمان، قال: قرأت على عبد الله عن إسحاق بن يحيى، عن موسى بن طلحة: أن تُبّعًا خرج في العرب يسير، حتى تحيَّروا بظاهر الكوفة، وكان منزلًا من منازله، فبقيَ فيها من ضعفة الناس، فسمِّيت الحيرة لتحيّرهم، وخرج تُبّع سائرًا، فرجع إليهم وقَد بنوْا وأقاموا، وأقبل تُبّع إلى اليمن وأقاموا هم، ففيهم من قبائل العرب كلّها من بني لِحيان، وهذيل، وتميم، وجُعفيّ، وطيئ، وكلب (٢). (١: ٥٦٧).
ذكر الأحداث التي كانت في أيام ملوك الطوائف
٧٧٩ - فكان من ذلك -فيما زعمته الفرس- لمضيّ خمس وستين سنة من غلَبة الإسكندر على أرض بابل، ولإحدى وخمسين سنة من ملك الأشكانيّين ولادةُ مريم بنت عمران عيسى بن مريم ﵇.
فأما النصارى فإنها تزعم: أنّ ولادتها إياه كانت لمضيّ ثلاثمئة سنة وثلاث سنين من وقت غَلبة الإسكندر على أرض بابل. وزعموا: أن مولد يحيى بن زكرياء كان قبل مولد عيسى ﵇ بستة أشهر. وذكروا: أن مريم حملت بعيسى ولها ثلاث عشرة سنة، وأن عيسى عاش إلى أن رُفع اثنتين وثلاثين سنة وأيامًا، وأنّ مريم بقيت بعد رفعه ست سنين، وكان جميع عمرها نيّفًا وخمسين سنة.
стр. 2261
قال: وزعموا: أن يحيى اجتمع هو وعيسى بنهر الأردنّ وله ثلاثون سنة، وأن يحيى قتل قبل أن يرفع عيسى. وكان زكرياء بن برخيا أبو يحيى بن زكرياء، وعمران بن ماثان أبو مريم متزَوّجين بأختين؛ إحداهما عند زكرياء وهي أمّ يحيى، والأخرى منهما عند عمران بن ماثان، وهي أمّ مريم، فمات عمران بن ماثان؛ وأمّ مريم حامل بمريم، فلما ولدت مريم؛ كَفَلَها زكرياء بعد موت أمّها، لأنّ خالتها أخت أمّها كانت عنده. واسم أمّ مريم: حنة بنت فاقود بن قبيل، واسم أختها: أم يحيى الأشباع ابنة فاقود. وكفلها زكرياء، وكانت مسمّاة بيوسف بن يعقوب بن ماثان بن اليعازاربن اليوذ بن أحين بن صادوق بن عازور بن الياقيم بن أبيوذ بن زربابل بن شلتيل بن يوحنيا بن يوشيا بن أمون بن منشا بن حزقيا بن أحاز بن يوثام بن عوزيا بن يورام بن يهوشافاظ بن أسا بن أبيا بن رحبعم بن سليمان بن داود، ابن عمّ مريم (١). (١: ٥٨٥).
٧٨٠ - وأما ابن حميد، فإنه حدثنا عن سلَمة، عن ابن إسحاق: أنه قال: مريم -فيما بلغني عن نسبها- ابنة عمران بن ياشهم بن أمون بن منشا بن حزقيا بن أحزيق بن يوثام بن عزريا بن أمصيا بن ياوش بن أحزيهو بن يارم بن يهشافاظ بن أُسا بن أبيا بن رُحُبْعُم بن سليمان، فولِد لزكرياء يحيى ابن خالة عيسى بن مريم، فنبّئ صغيرًا، فساح، ثم دخل الشأم يدعو الناس، ثم اجتمع يحيى، وعيسى، ثم افترقا بعد أن عمّد يحيى عيسى (٢). (١: ٥٨٥/ ٥٨٦).
٧٨١ - وقيل: إن عيسى بعث يحيى بن زكرياء في اثني عشر من الحواريين يعلّمون الناس: قال: وكان فيما نهوْهم عنه نكاحُ بنات الأخ، فحدثني أبو السائب، قال: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قال: بَعث عيسى بن مريم يحيى بن زكرياء، في اثني عشر من الحواريين يعلّمون الناس، قال: فكان فيما نهوْهم عنه نكاحُ ابنة الأخ. قال: وكان لملكهم ابنة أخٍ تُعجبه، يريد أن يتزوّجها، وكانت لها كلّ يوم حاجة يقضيها، فلما بلغ ذلك أمَّها؛ قالت لها: إذا دخلتِ على الملك، فسألك
стр. 2262
حاجتك فقوله: حاجتي أن تذبح لي يحيى بن زكرياء. فلما دخلت عليه سألها حاجتَها، قالت: حاجتي أن تذبَح لي يحيى بن زكرياء، فقال: سلِيني غير هذا، قالت: ما أسألُك إلّا هذا، قال: فلما أبتْ عليه؛ دعا يحيى، ودعى بطست فذبحه، فندَرت قطرة من دمه على الأرض، فلم تَزَلْ تغلِي حتى بعث الله بختنصّر عليهم، فجاءته عجوز من بني إسرائيل، فدلّته على ذلك الدم، قال: فألقى الله في قلبه أن يقتُلَ على ذلك الدم منهم حتى يسكن، فقتَل سبعين ألفًا منهم من سنّ واحدة، فسكَن (١). (١: ٥٨٦).
٧٨٢ - حدثنا موسى بن هارون الهمْدانيّ، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط عن السديّ، في خبرٍ ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرّة الهمْدَانيّ، عن ابن مسعود - وعن ناسٍ من أصحاب النبي ﷺ : أنّ رجلًا من بني إسرائيل، رأى في النوم: أنّ خرابَ بيت المقدس وهلاكَ بني إسرائيل على يدي غلام يتيم ابن أرملة من أهل بابل، يُدْعَى بختنصّر، وكانوا يصدّقون فتصدّق رؤياهم، فأقبل يسأل عنه، حتى نزل على أمّه وهو يحتطب، فلما جاء وعلى رأسه حُزمة حطب ألقاها، ثم قعد في جانب البيت، فكلّمه، ثم أعطاه ثلاثة دراهم، فقال: اشترِ بهذه طعامًا وشرابًا، فاشترى بدرْهم لحمًا، وبدرهم خبزًا، وبدرهم خمرأ، فأكلوا وشربوا؛ حتى إذا كان اليوم الثاني فعل به ذلك، حتى إذا كان اليوم الثالث فعل ذلك، ثم قال: إني أحبّ أن تكتب لي أمانًا، إنْ أنتَ مُلِّكْتَ يومًا من الدهر. قال: تسخر بي! قال: إني لا أسخرُ بك، ولكن ما عليك أن تتّخذ بها عندي يدًا! فكلّمتْه أمه، فقالت: وما عليك إن كان؛ وإلا لم ينقصْك شيئًا! فكتب له أمانَّا، فقال: أرأيتَ إن جئت والناسُ حولك، قد حالوا بيني وبينك! فاجعل لي آيةً تعرفني بها، قال: ترفع صحيفتَك على قَصَبة فأعْرِفُك بها. فكساه، وأعطاه.
ثم إن ملِك بني إسرائيل كان يكرِم يحيى بن زكرياء، ويُدنِي مجلسه، ويستشيره في أمره، ولا يقطع أمرًا دونه، وإنه هويَ أن يتزوّج ابنةَ امرأة له، فسأل يحيى عن ذلك، فنهاه عن نكاحها، وقال: لست أرضاها لك، فبلغ ذلك
стр. 2263
أمَّها فحقدتْ على يحيى حين نهاه أن يتزوّج ابنتها، فعمِدت إلى الجارية حين جلس الملك على شرابه، فألبستْها ثيابًا رِقاقًا حمرًا، وطيّبتْها، وألبستها من الحُلِيّ، وألبستها فوق ذلك كساء أسود، فأرسلْتها إلى الملك، وأمرتْها أن تسقيَه، وأن تعرض له، فإن أرادها على نفسها أبتْ عليه، حتى يعطيَها ما سألته، فإذا أعطاها ذلك؛ سألتْه أن تؤتى برأس يحيى بن زكرياء في طَسْت، ففعلت فجعلت تَسقيه وتعرض له، فلما أخذ فيه الشراب أرادها على نفسها، فقالت: لا أفعل؛ حتى تعطيَني ما أسألك، قال: ما تسأليني؟ قالت: أسألك أن تبعثَ إلى يحيى بن زكرياء، فأوتَى برأسه في هذا الطَّسْت، فقال: ويحك! سلِيني غيرَ هذا! قالت: ما أريد أن أسألَك إلا هذا. قال: فلما أبتْ عليه، بعث إليه فأتِيَ برأسه، والرأسُ يتكلّم، حتى وضع بين يديه، وهو يقول: لا تحلُّ لك، فلما أصبحَ إذا دمُه يغلي، فأمر بتراب فألقِيَ عليه، فرقَى الدمُ فوق التراب يغلي، فألقِي عليه التراب أيضًا، فارتفع الدمُ فوقه، فلم يزلْ يُلْقي عليه الترابَ حتى بلغ سورَ المدينة، وهو في ذلك يغلِي، وبلغ صيحائين فنادى في الناس، وأراد أن يبعث إليهم جيشًا، ويؤمِّر عليهم رجلًا، فأتاه بختنصَّر، فكلّمه، وقال: إنّ الذي كنتَ أرسلتَ تلك المرّة ضعيف، فإني قد دخلتُ المدينة، وسمعت كلامَ أهلِها، فابعثني، فبعثه فسار بختنصَّر؛ حتى إذا بلغوا ذلك المكانَ تحصّنوا منه في مدائنهم، فلم يُطِقْهم، فلما اشتدّ عليه المقام، وجاع أصحابُه؛ أراد الرجوعَ، فخرجت إليه عجوز من عجائز بني إسرائيل، فقالت: أين أمير الجند؟ فأتي به إليها، فقالت: إنه بلغني أنك تريد أن ترجعَ بجندك قبل أن تفتح هذه المدينة. قال: نعم، قد طال مقامي، وجاع أصحابي، فلستُ أستطيع المقام فوقال في كان منّي، فقالت: أرأيتَك إن فتحتُ لك المدينة، أتعطِيني ما أسألك، فتقتل مَنْ أمرتك بقتله، وتكفَّ إذا أمرتُك أن تكفّ؟ قال لها: نعم، قالت: إذا أصبحتَ فاقسم جندك أربعة أرباع، ثم أقِمْ علَى كلِّ زاوية ربعًا، ثم ارفعوا بأيديكم إلى السماء، فنادوا: إنّا نستفتحك يا الله بدم يحيى بن زكرياء؛ فإنها سوف تتساقط. ففعلوا، فتساقطت المدينة، ودخلُوا من جوانبها، فقالت له: كفّ يدك، اقتل على هذا الدم حتى يسكن، فانطلقت به إلى دم يحيى وهو على تراب كثير، فقتل عليه حتى سكن، فقتل سبعين ألف رجل وامرأة، فلما سكن الدم، قالت له: كفّ يدك، فإنّ الله إذا قُتِلَ نبيّ لم يرضَ حتى
стр. 2264
يقتل من قتله ومَنْ رضيَ قتلَه. فأتاه صاحبُ الصحيفة بصحيفته، فكفّ عنه وعن أهل بيته، وخرَّب بيت المقدس، وأمر به أن تطرح فيه الجِيف، وقال: مَنْ طرح فيه جيفة؛ فله جزْيتُه تلك السنة، وأعانه على خرابه الروم من أجل أنّ بني إسرائيل قتلوا يحيى بن زكرياء، فلما خرّبه بختنصّر ذهب معه بوجوه بني إسرائيل وسَراتهم، وذهب بدانيال وحنانيا وعزريا وميشائيل؛ هؤلاء كلُّهم من أولاد الأنبياء، وذهب معه برأس الجالوت، فلما قدِم أرضَ بابل وجد صيحائين قد مات، فملَك مكانه، وكان أكرَم الناس عليه دانيال وأصحابه، فحسدهم المجوس، فوشُوا بهم إليه، فقالوا: إنّ دانيال وأصحابه لا يعبدون إلهك، ولا يأكلون من ذبيحتك، فدعاهم فسألهم فقالوا: أجلْ إنّ لنا ربًّا نعبده، ولسنا نأكل من ذبيحتكم، وأمر بخَدّ فخُدّ، فألقُوا فيه وهم ستة، وألقِيَ معهم سَبُعٌ ضارٍ ليأكلهم، فقا لو ا: انطلقوا فلْنأكل ولنشرب، فذهبوا، فأكلوا وشربوا، ثم راحوا فوجدوهم جلوسًا، والسبُع مفترش ذراعَيه بينهم لم يخدِش منهم أحدًا، ولم ينكأه شيئًا، فوجَدوا معهم رجلًا، فعدّوهم فوجدوهم سبعة، فقال: ما بال هذا السابع؟ إنما كانوا ستة! فخرج إليه السابع - وكان مَلَكًا من الملائكة - فلَطمه لطمة فصار في الوحش، فكان فيهم سبع سنين (١). (١: ٥٨٦/ ٥٨٨ / ٥٨٧/ ٥٨٩).
٧٨٢ / أ- قال أبو جعفر: وهذا القول الذي رُويَ عَمنّ ذكرت في هذه الأخبار التي رويت وعمّن لم يذكر في هذا الكتاب من أنّ بختنصّر، هو الذي غزا بني إسرائيل عند قتلهم يحيى بن زكرياء - عند أهل السير والأخبار والعلم بأمور الماضين في الجاهلية، وعند غيرهم من أهل الملل غَلَط؛ وذلك أنهم بأجمعهم مجمعون عَلى أن بختنصّر إنما غزا بني إسرائيل عند قتلهم نبيَّهم شعيا في عهد إرميا بن حلقيا، وبين عهد إرميا وتخريب بختنصّر بيتَ المقدس إلى مولد يحيى بن زكرياء أربعمئة سنة وإحدى وستون سنة في قول اليهود والنصارى. ويذكرون أن ذلك عندهم في كتبهم وأسفارهم مُبَيَّن، وذلك أنهم يَعُدّون من لدن تخريب بختنصّر بيت المقدس إلى حين عمرانها في عهد كيرش بن أخشويرش أصبهبذ بابل من قِبَل أردشير بهمن بن إسفنديار بن بشتاسب، ثم من قِبَل ابنته
стр. 2265
خماني سبعين سنة، ثم من بعد عمرانها إلى ظهور الإسكندر عليها وحيازَة مملَكتها إلى مملكته ثمانيًا وثمانين سنة، ثم من بعد مملكة الإسكندر لها إلى مولد يحيى بن زكرياء ثلاثمئة سنة وثلاث سنين، فذلك على قولهم أربعمئة سنة وإحدى وستون سنة.
وأما المجوس فإنها توافق النصارى واليهود في مدّة خراب بيت المقدس، وأمر بختنصّر، وما كان من أمره وأمر بني إسرائيل إلى غَلَبة الإسكندر على بيت المقدس والشام وهلاك دارا، وتخالفهم في مدة ما بين ملك الإسكندر ومولد يحيى، فتزعُم: أنّ مدة ذلك إحدى وخمسون سنة. فبين المجوس والنصارى من الاختلاف في مدّة ما بين ملك الإسكندر ومولد يحيى وعيسى ما ذكرت.
والنصارى تزعم: أنّ يحيى ولد قبل عيسى بستة أشهر، وأنّ الذي قتله ملك لبني إسرائيل يقال له: هيردوس، بسبب امرأة يقال لها: هيروذيا، كانت امرأةَ أخ له، يقال له: فيلفوس، عَشِقَها فوافقته على الفُجور، وكان لها ابنة يقال لها: دمنى فأراد هيردوس أن يطأ امرأة أخيه المسماة هيروذيا، فنهاه يحيى وأعلمه: أنه لا تحلّ له، فكان هيردوس معجبًا بالابنة، فألهتْه يومًا، ثم سألته حاجة، فأجابها إليها، وأمر صاحبًا له بالنفوذ لما تأمره به، فأمرتْه أن يأتيَها برأس يحيى، ففعل، فلما عرف هيردوس الخبر؛ أسْقِط في يده، وجزع جزعًا شديدًا.
وأما ما قال في ذلك أهلُ العلم بالأخبار وأمور أهل الجاهلية فقد حكيتُ منه ما قاله هشام بن محمد الكلبّي (١). (١: ٥٨٩/ ٥٩٠).
٧٨٣ - وأما ما قال ابن إسحاق فيه، فهو ما حدثنا به ابنُ حميد، قال: حدثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، قال: عمرت بنو إسرائيل بعد ذلك -يعني بعد مرجعهم من أرض بابل إلى بيت المقدس- يُحدِثون الأحداثَ، ويعود الله عليهم، ويبعث فيهم الرسل، ففريقًا يكذّبون وفريقًا يقتلون؛ حتى كان آخر مَنْ بعث فيهم من أنبيائهم زكرياء ويحيى بن زكرياء وعيسى بن مريم، وكانوا من بيت آل داود ﵇. وهو يحيى بن زكرياء بن أدى بن مسلم بن صدوق بن نحشان بن داود بن سليمان بن مسلم بن صديقة بن برخية بن شفاطية بن
стр. 2266
فاحور بن شلوم بن يهفاشاط بن أُسا بن أبيا بن رُحُبْعُم بن سليمان بن داود.
قال: فلما رَفع الله عيسى ﵇ من بين أظهرهم، وقتلوا يحيى بن زكرياء ﵇ وبعض الناس يقول: وقتلوا زكرياء - ابتعث الله عليهم ملكًا من ملوك بابل يقال له: خردوس، فسار إليهم بأهل بابل؛ حتى دخل عليهم الشام، فلما ظهر عليهم أمر رأسًا من رؤوس جنوده يدعى: نبوزراذان، صاحب القتل، فقال له: إني كنت حلفت بإلهي: لئن أنا ظهرت على أهل بيت المقدس لأقتلّنهم حتى تسيل دماؤهم في وسط عسكري؛ إلى ألّا أجد أحدًا أقتله، فأمره أن يقتلهم، حتى يبلغ ذلك منهم. وإنّ نبوزراذان دخل بيت المقدس، فقام في البقعة التي كانوا يقرّبون فيها قربانهم، فوجد فيها دمًا يغلي، وسألهم، فقال: يا بني إسرائيل! ما شأن هذا الدم يغلي؟ أخبروني خبرَه ولا تكتموني شيئًا من أمره، فقالوا: هذا دم قربان كان لنا كنا قرّبناه فلم يقبَل مِنا، فلذلك هو يغلي كما تراه، ولقد قرّبنا منذ ثمانمئة سنة القربان، فيُقبل منا إلا هذا القربان. قال: ما صدقتموني الخبر، قالوا له: لو كان كأوّل زماننا لقبِل منّا؛ ولكنه قد انقطع منّا الملك والنبوّة والوحي؛ فلذلك لم يقبَل منا. فذبح منهم نبوزراذان على ذلك الدم سبعمئة وسبعين روحًا من رؤوسهم فلم يهدأ، فأمر فأتيَ بسبعمئة غلام من غلمانهم، فذبحوا على الدم فلم يهدأ، فأمر بسبعة آلاف من بينهم وأزواجهم فذبحهم على الدم فلم يبرد، فلما رأى نبوزراذان الدم لا يهدأ قال لهم: يا بني إسرائيل! ويلكم! أصدقُوني واصبروا على أمر ربكم؛ فقد طالما ملكتم في الأرض تفعلون فيها ما شئتم قبل ألّا أترك منكم نافخ نار؛ أنثى ولا ذكرًا إلا قتلته! فلما رأوا الجهد وشدّة القتل صدَقوه الخبر، فقالوا: إن هذا دم نبيّ منّا كان ينهانا عن أمور كثيرة من سخط الله، فلو أطعناه فيها لكان أرشدَ لنا، وكان يخبرنا بأمركم فلم نصدّقه، فقتلناه، فهذا دمه. فقال لهم نبوزراذان: ما كان اسمُه؟ قالوا: يحيى بن زكرياء، قال: الآن صدقتموني، لمثل هذا ينتقم ربّكم منكم. فلما رأى نبوزراذان أنهم قد صدقوه خَرّ ساجدًا، وقال لمن حوله: أغلقوا أبواب المدينة، وأخرجوا مَنْ كان ها هنا من جيش خردوس وخلا في بني إسرائيل. ثم قال: يا يحيى بن زكريَّاء، قد علم ربّي وربّك ما قد أصاب قومَك من أجلك، وما قتل منهم من أجلك، فاهدأ بإذن الله قبل ألّا أبقيَ من قومك أحدًا، فهدأ دم يحيى
стр. 2267
بإذن الله، ورفع نبوزراذان عنهم القتل، وقال: آمنتُ بما آمنت به بنو إسرائيل، وصدّقتُ به، وأيقنتُ أنه لا ربّ غيره، ولو كان معه آخر لم يصلح، لو كان معه شريك لم تستمسك السموات والأرض، ولو كان له ولد لم يصلح، فتباركَ وتقدَّس وتسبحَ وتكبّر وتعظَّم! ملك الملوك الذي يملك السموات السبع بعلم وحُكْم وجبروت وعزّة، الذي بسط الأرض وألقَى فيها رواسيَ لا تزول؛ فكذلك ينبغي لربّي أنْ يكون ويكون مُلْكه. فأوحي إلى رأسٍ من رؤوس بقية الأنبياء: أنّ نبوزراذان حبور صدوق - والحبور بالعبرانية: حديث الإيمان - وأنّ نبوزراذان قال لبني إسرائيل: إنّ عدو الله خردوس أمرَني أن أقتلَ منكم حتى تسيل دماؤكم وسط عسكره. وإني فاعل، لستُ أستطيع أن أعصيَه. قالوا له: افعل ما أمرت به، فأمرهم، فحفروا خندقًا، وأمر بأموالهم من الخيل والبغال والحمير والبقر والغنم والإبل فذبحها، حتى سال الدم في العسكر، وأمر بالقتلى الذين كانوا قُتِلوا قبل ذلك فطُرِحوا على ما قتل من مواشيهم؛ حتى كانوا فوقهم؛ فلم يظنّ خردوس إلا أنّ ما كان في الخندق من بني إسرائيل.
فلما بلغ الدم عسكره أرسل إلى نبوزراذان: ارفعْ عنهم، فقد بلغني دماؤهم، وقد انتقمت منهم بما فعلوا. ثم انصرف عنهم إلى أرض بابل، وقد أفنى بني إسرائيل، أو كاد؛ وهي الوقعة الأخيرة التي أنزل الله ببني إسرائيل؛ يقول الله تعالى لنبيه محمد ﷺ : ﴿وَقَضَينَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ إلى قوله: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾. و"عسى" من الله حقّ، فكانت الوقعة الأولى بختنصّر وجنوده، ثم ردّ الله لهم الكرّة عليهم، ثم كانت الوقعة الأخيرة خردوس وجنوده، وهي كانت أعظم الوقعتين، فيها كان خراب بلادهم وقتل رجالهم وسبيُ ذراريهم ونسائهم؛ يقول الله : ﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ (١). (١: ٥٩٠/ ٥٩١ / ٥٩٢/ ٥٩٣).
رجع الحديث إلى حديث عيسى ابن مريم وأمه ﵉. قال: وكانت مريم، ويوسف بن يعقوب ابن عمّها يليَانِ خدمة الكنيسة، فكانت مريم إذا نفد ماؤها -فيما ذكر- وماء يوسف أخذ كلّ واحد منهما قلّته، فانطلق إلى المغارة
стр. 2268
التي فيها الماء الذي يستعذبانه، فيملأ قُلّته، ثم يرجعان إلى الكنيسة. فلما كان اليوم الذي لقيَها فيه جبرئيل - وكان أطولَ يوم في السنة وأشدّه حرًّا - نفد ماؤها، فقالت: يا يوسف! ألا تذهب بنا نستقي! قال: إن عندي لفضْلًا من ماء أكتفي به يومي هذا إلى غد، قالت: لكنيّ والله ما عندي ماء، فأخذت قُلَّتَها، ثم انطلقت وحدها، حتى دخلت المغارة، فتجد عندها جبرئيل، قد مثّله الله لها بشرًا سويًّا: فقال لها: يا مريم! إن الله قد بعثني إلَيك لأهب لك غلامًا زكيًا، قالت: ﴿قَالتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾، وهي تحسبه رجلًا من بني آدم فقال: إنما أنا رسولُ ربّك، قالت: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) قَال كَذَلِكِ قَال رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾، أي: أن الله قد قضى: أنّ ذلك كائن. فلما قال ذلك؛ استسلمتْ لقضاء الله، فنفخ في جيبها، ثم انصرف عنها، وملأت قلّتها (١). (١: ٥٩٣).
٧٨٤ - قال: فحدثني محمد بن سهل بن عسكر البخاريّ، قال حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدّثني عبد الصمد بن معقل - ابن أخي وهب - قال: سمعت وهبًا قال: لما أرسل الله جبرئيل إلى مريم، تمثّل لها بشرًا سويًّا. فقالت: ﴿قَالتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾، ثم نفخ في جيب درعها حتى وصلت النفخة إلى الرَّحِم، واشتملت على عيسى.
قال: وكان معها ذو قرابة لها يقال له: يوسف النجَّار، وكانا منطلقَين إلى المسجد الذي عند جبل صهيون؛ وكان ذلك المسجد يومئذ من أعظم مساجدهم، وكانت مريم ويوسف يخدمان في ذلك المسجد في ذلك الزمان، وكان لخدمته فضل عظيم، فرغبا في ذلك، فكانا يَلِيَان معالجته بأنفسهما وتجميرَه وكناسته وطهوره، وكلّ عمل يعمل فيه، فكان لا يُعلم من أهل زمانهما أحدٌ أشدّ اجتهادًا وعبادة منهما، وكان أول مَنْ أنكر حَمْل مريم صاحبُها يوسف، فلما رأى الذي بها استعظمه، وعظم عليه، وفظع به، ولم يدر على ماذا يضع أمرها! فإذا أراد يوسف أن يتَّهمها ذكر صلاحَها، وبراءتها، وأنها لم تغِبْ عنه ساعة قطُّ، وإذا أراد أن يبرِّئها رأى الذي ظهر بها، فلمّا اشتدّ عليه ذلك؛ كلَّمها، فكان أولُ كلامه إياها أن قال لها: إنه قد وقع في نفسي من أمرك أمر قد حرَصت
стр. 2269
على أن أميتَه، وأكتمه في نفسي، فغلبَني ذلك، فرأيتُ: أنّ الكلام فيه أشفى لصدري، قالت: فقل قولًا جميلًا، قال: ما كنت لأقول إلا ذلك، فحدّثيني: هل ينبت زرع بغير بَذر؟ قالت: نعم، قال: فهل تنبت شجرة من غير غيث يصيبها؟ قالت: نعم، قال: فهل يكون ولد من غير ذكر؟ قالت: نعم، ألم تعلم أن الله أنبت الزرع يوم خلَقه من غير بذر، والبذر إنّما كان من الزرع الذي أنبته الله من غير بذر؟ ! أو لم تعلم: أنّ الله أنبت الشجر من غير غيث، وأنه جعل بتلك القدرة الغيث حياة للشجر بعد ما خلَق كلَّ واحد منهما وحده؟ ! أو تقول لم يقدر الله على أن ينبت الشجر، حتى استعان عليه بالماء، ولولا ذلك لم يقدِرْ على إنباته! قال لها يوسف: لا أقول ذلك، ولكنيّ أعلم: أن الله بقدرته على ما يشاء يقول لذلك: كن، فيكون. قالت له مريم: أوَ لم تعلم أنّ الله خلَق آدم وامرأته من غير ذكَرٍ ولا أنثى؟ قال: بلى! فلما قالت له ذلك وقع في نفسه أنّ الذي بها شيء من الله ، وأنه لا يسعه أن يسألها عنه؛ وذلك لمَا رأى من كتمانها لذلك. ثم تولّى يوسف خدمة المسجد، وكَفاها كلَّ عمل كانت تعمل فيه؛ وذلك لما رأى من رِقّة جسمها، واصفرار لونها، وكلَفَ وجهها، ونتوء بطنها، وضعف قوّتها، ودأب نظرها؛ ولم تكن مريم قبل ذلك كذلك؛ فلما دنا نفاسها؛ أوحى الله إليها أن اخرجي من أرض قومك، فإنهم إن ظفروا بك عيَّرُوك، وقتلوا ولدك. فأفضت عند ذلك إلى أختها - وأختُها حينئذ حُبْلى، وقد بُشرت بيحيى - فلما التقيا وجدت أمّ يحيى ما في بطنها خرّ لوجهه ساجدًا معترفًا بعيسى؛ فاحتملها يوسفُ إلى أرض مصر على حمار له، ليس بينها حين ركبت الحمار وبين الإكاف شيء، فانطلق يوسف بها؛ حتى إذا كان مُتاخمًا لأرض مصر في مُنقطَع بلاد قومها أدرك مريم النفاس، وألجأها إلى آريّ حمار -يعني: مِزْود الحمار- في أصل نخلة؛ وذلك في زمان الشتاء، فاشتدّ على مريم المخاض؛ فلما وجدت منه شدّة التجأت إلى النخلة، فاحتضنتْها واحتوشتْها الملائكة، قاموا صفوفًا محدقين بها.
فلما وضعت وهي محزونة، قيل لها: ﴿أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ إلى ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾، فكان الرُّطبُ يتساقط عليها، وذلك في الشتاء.
стр. 2270
فأصبحت الأصنام التي كانت تُعبَد من دون الله حين ولدت بكلّ أرض مقلوبة منكوسة على رؤوسها، ففزِعت الشياطين وراعها، فلم يدرُوا ما سبب ذلك، فساروا عند ذلك مسرعين، حتى جاؤوا إبليس، وهو على عرش له، في لُجّة خضراء، يتمثّل بالعرش يوم كان على الماء ويحتجب، يتمثّل بحجب النور التي من دون الرحمن، فأتوْه وقد خلا ست ساعات من النهار، فلما رأى إبليس جماعَتهم، فزع من ذلك، ولم يرهم جميعًا منذ فرّقهم قبل تلك الساعة، إنما كان يراهم أشتاتًا، فسألهم فأخبروه: أنه قد حدث في الأرض حدث أصبَحَتْ الأصنام منكوسة على رؤوسها، ولم يكن شيء أعونُ على هلاك بني آدم منها؛ كنا ندخلُ في أجوافها فنكلِّمهم، وندبّر أمرهم فيظنون أنها التي تكلِّمهم، فلما أصابها هذا الحدث صغّرَها في أعين بني آدم، وأذلَّها وأدناها، ذلك وقد خشينا ألّا يعبدوها بعد هذا أبدًا. واعلم أنّا لم نأتك حتى أحصينا الأرض، وقلبنا البحار وكلّ شيء قوينا عليه؛ فلم نزدد بما أردنا إلا جهلًا. قال لهم إبليس: إنّ هذا لأمر عظيم، لقد علمت بأني كُتِمتُه، وكونوا على مكانكم هذا. فطار إبليس عند ذلك، فلبث عنهم ثلاث ساعات، فمرّ فيهنّ بالمكان الذي وُلد فيه عيسى؛ فلما رأى الملائكة محدقين بذلك المكان، علم: أن ذلك الحَدث فيه، فأراد إبليس أن يأتيه من فوقه؛ فإذا فوقه رؤوس الملائكة ومناكبهم عند السماء. ثم أراد أن يأتيَه من تحت الأرض؛ فإذا أقدام الملائكة راسية أسفل مما أراد إبليس. ثم أراد أن يدخل من بينهم فنحَّوْه عن ذلك.
ثم رجع إبليس إلى أصحابه فقال لهم: ما جئتكم حتى أحصيت الأرض كلَّها مشرقها ومغربها، وبرّها وبحرها، والخافقين، والجوّ الأعلى؛ وكلّ هذا بلغتُ في ثلاث ساعات؛ وأخبرهم بمولد المسيح، وقال لهم: لقد كتِمتُ شأنه، وما اشتملت قبله رحم أنثى على ولد إلا بعلمي، ولا وضعتْه قطّ، إلّا وأنا حاضرها؛ وإني لأرجو أن أضلَّ به أكثر مما يهتدِي به، وما كان نبيّ قبلَه أشدّ عليّ وعليكم منه.
وخرج في تلك الليلة قوم يؤمُّونه من أجل نجم طلع أنكروه، وكان قبل ذلك يتحدّثون: أن مطلع ذلك النجم من علامات مولود في كتاب دانيال. فخرجوا يريدونه، ومعهم الذهب والمُرّ واللّبان، فمرّوا بملك من ملوك الشأم،
стр. 2271
فسألهم: أين يريدون؟ فأخبروه بذلك، قال: فما بالُ الذهب والمرّ واللبان أهديتموه له من بين الأشياء كلّها؟ قالوا: تلك أمثاله: لأنّ الذهب هو سيّد المتاع كلِّه، وكذلك هذا النبيّ هو سيّدُ أهل زمانه، ولأنّ المرّ يُجبَرُ به الجرح والكسر، وكذلك هذا النبيّ يشفي به الله كل سقيم ومريض؛ ولأن اللبان ينال دخانه السماء ولا ينالها دخان غيره، كذلك هذا النبيّ يرفعه الله إلى السماء لا يرفع في زمانه أحد غيره.
فلما قالوا ذلك لذلك الملك؛ حدّث نفسه بقتله، فقال: اذهبوا، فإذا علمتم مكانه، فأعلموني ذلك، فإني أرغب في مثل ما رغبتم فيه من أمره. فانطلقوا حتى دفعوا ما كان معهم من تلك الهدية إلى مريم، وأرادوا أن يرجعوا إلى هذا الملك ليعلموه مكان عيسى، فلقيَهم ملك فقال لهم: لا ترجعوا إليه، ولا تُعلموه بمكانه، فإنه إنما أراد بذلك ليقتله؛ فانصرفوا في طريق آخر، واحتملته مريم على ذلك الحمار ومعها يوسف، حتى وردا أرض مصر، فهي الربوة التي قال الله: ﴿وَآوَينَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾.
فمكثت مريم اثنتي عشرة سنة تكتمه من الناس، لا يطّلع عليه أحد، وكانت مريم لا تأمن عليه ولا على معيشته أحدًا، كانت تلتقط السنبل من حيث ما سمعت بالحصاد، والمهد في منكبها والوعاء الذي تجعل فيه السنبل في منكبها الآخر، حتى تمّ لعيسى ﵇ اثنتا عشرة سنة؛ فكان أوّل آية رآها الناس منه أنّ أمّه كانت نازلةً في دار دهقان من أهل لمصر، فكان ذلك الدّهقان قد سُرقت له خزانة، وكان لا يسكن في داره إلا المساكين، فلم يتّهمهم، فحزنت مريم لمصيبة ذلك الدّهقان، فلما أنْ رأى عيسى حُزْنَ أمّه بمصيبة صاحب ضيافتها، قال لها: يا أمّه! أتحبّين أن أدلّه على ماله؟ قالت: نعم يا بُنيّ، قال: قولي له يجمع لي مساكين داره، فقالت مريم للدهقان ذلك، فجمع له مساكين داره، فلما اجتمعوا عمد إلى رجلين منهم: أحدهما أعمى والآخر مُقعَد، فحمل المقعد على عاتق الأعمى، ثم قال له: قم به، قال الأعمى: أنا أضعف من ذلك، قال عيسى ﵇: فكيف قويت على ذلك البارحة؟ فلما سمعوه يقول ذلك؛ بعثوا الأعمى، حتى قام به، فلما استقلّ قائمًا حاملًا هَويَ المقعد إلى كوّة الخزانة. قال عيسى: هكذا احتالا لمالِك البارحة، لأنه استعان الأعمى
стр. 2272
بقوّته، والمقعد بعينيه، فقال المقعد والأعمى: صدق، فردّا على الدهقان ماله ذلك، فوضعه الدّهقان في خزانته، وقال: يا مريم خذي نصفه، قالت: إني لم أخْلَقْ لذلك، قال الدّهقان: فأعطيه ابنَك، قالت: هو أعظم مني شأنًا، ثم لم يلبث الدهقان أن أعرس ابنٌ له، فصنع له عيدًا، فجمع عليه أهل مصر كُلّهم، فلما انقضى ذلك؛ زاره قوم من أهل الشأم لم يحذرهم الدهقان، حتى نزلوا به، وليس عنده يومئذ شراب، فلما رأى عيسى اهتمامه بذلك دخل بيتًا من بيوت الدّهقان، فيه صفَّان من جرار، فأمرّ عيسى يده على أفواهها، وهو يمشي، فكلَّما أمرّ يده على جَرّة امتلأت شرابًا، حتى أتى عيسى على آخرها، وهو يومئذ ابن اثنتي عشرة سنة، فلما فعل ذلك عيسى؛ فزع الناس لشأنه، وما أعطاه الله من ذلك؛ فأوحى الله إلى أمّه مريم، أن اطلعي به إلى الشأم، ففعلت الذي أمرت به، فلم تزل بالشأم حتى كان ابن ثلاثين سنة، فجاءه الوحيُ على ثلاثين سنة، وكانت نبوّته ثلاث سنين. ثم رفعه الله إليه، فلما رآه إبليس يوم لقيه على العقبة لم يُطِقْ منه شيئًا، فتمثَّل له برجل ذي سنّ وهيئة، وخرج معه شيطانان ماردان متمثّلين كما تمثّل إبليس، حتى خالطوا جماعة الناس.
وزعم وهب: أنه ربما اجتمع على عيسى من المرضى في الجماعة الواحدة خمسون ألفًا، فمن أطاق منهم أن يَبلُغه بلغه، ومن لم يطِقْ ذلك منهم أتاه عيسى ﵇ يمشي إليه؛ وإنما كان يُداويهم بالدعاء إلى الله ، فجاءه إبليس في هيئةٍ يَبْهَرُ الناس حسنُها وجمالها، فلما رآه الناس؛ فرغوا له، ومالوا نحوه، فجعل يخبرهم بالأعاجيب؛ فكان في قوله: إنّ شأن هذا الرجل لعَجَب؛ تكلم في المهد، وأحيا الموتى، وأنبأ عن الغيب، وشَفى المريض؛ فهذا الله. قال أحد صاحبيه: جهِلتَ أيها الشيخ، وبئس ما قلت! لا ينبغي لله أن يتجلَّى للعباد، ولا يسكن الأرحام، ولا تسعه أجواف النساء؛ ولكنه ابن الله. وقال الثالث: بئس ما قلتما، كلاكما قد أخطأ وجهل؛ ليس ينبغي لله أن يتخذ ولدًا؛ ولكنه إله معه؛ ثم غابوا حين فَرَغوا من قولهم، فكان ذلك آخر العهد منهم (١). (١: ٥٩٤/ ٥٩٥ / ٥٩٦/ ٥٩٧ / ٥٩٨).
٧٨٥ - حدثنا موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدَّثنا
стр. 2273
أسباط عن السديّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرّة الهمدانيّ عن ابن مسعود - وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ ، قال: خرجت مريم إلى جانب المحراب لحيض أصابها فاتّخذت من دونهم حجابًا من الجدران، وهو قوله: ﴿إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا﴾ في شرق المحراب، فلما طَهُرت إذا هي برجل معها، وهو قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيهَا رُوحَنَا﴾ فهو جبرئيل ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَويًّا﴾. فلما رأته؛ فزعت منه وقالت: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قَال إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩) قَالتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ - تقول: زانية - ﴿قَال كَذَلِكِ قَال رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ فخرجت، عليها جلبابُها، فأخذ بكمّيها، فنفخ في جيب درعها - وكان مشقوقًا من قُدّامها - فدخلت النفخة في صدرها، فحملمت، فأتتها أختها امرأة زكرياء ليلةً تزورها، فلما فتحت لها الباب التزمتْها، فقالت امرأة زكرياء: يا مريمُ! أشعرت أني حبلى؟ قالت مريم: أشعرت أني أيضًا حبلى؟ ! قالت امرأة زكرياء: فإني وجدتُ ما في بطني يسجد لما في بطنك، فذلك قوله: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾. فولدت امرأةُ زكرياء يحيى، ولما بلغ أن تضع مريم، خرجتْ إلى جانب المحراب الشرقيّ منه، فأتت أقصاه: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ يقول: ألجأها المخاض إلى جذعِ النخلة، ﴿قَالتْ﴾: وهي تطلق من الحبل استحياء من الناس: ﴿يَاليتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾. تقول: نسيًا: نُسيَ ذكري، ومنسيًا، تقول: نُسي أثري، فلا يرى لي أثر، ولا عين. ﴿فَنَادَاهَا﴾ جبرئيل: ﴿مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ والسريّ هو النهر. ﴿وَهُزِّي إِلَيكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾، وكان جذعًا منها مقطوعًا فهزته، فإذا هو نخلة، وأجرى لها في المحراب نهرًا فتساقطت النخلة رطبًا جنيًّا، فقال لها: ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَينًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾، فكان من صام في ذلك الزمان لم يتكلّم حتى يمسي، فقيل لها: لا تزيدي على هذا، فلما ولدتْه؛ ذهب الشيطان فأخبر بنو إسرائيل: أنّ مريم قد ولدت، فأقبلوا يشتدون، فدعوها ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيئًا فَرِيًّا﴾ - يقول: عظيمًا - ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾، فما بالك أنت يا أخت هارون! وكانت من بني هارون أخي موسى؛ وهو
стр. 2274
كما تقول: يا أخا بني فلان؛ إنما تَعني قرابتَه. فقالت لهم ما أمرها الله، فلما أرادوها بعد ذلك على الكلام؛ أشارت إليه - إلى عيسى - فغضبوا وقالوا: لَسُخريتُها بِنَا حين تأمرنا أن نكلّم هذا الصبي أشدُّ علينا من زناها! ﴿قَالُوا كَيفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ فتكلّم عيسى، فقال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَينَ مَا كُنْتُ﴾ فقالت بنو إسرائيل: ما أحبلها أحد غير زكرياء، هو كان يدخل إليها، فطلبوه ففرّ منهم فتشبّه له الشيطان في صورة راع، فقال: يا زكرياء! قد أدركوك، فادعُ الله حتى تنفتح لك هذه الشجرة فتدخل فيها، فدعا الله فانفتحت له الشجرة، فدخل فيها وبقي من ردائه هُدَبٌ، فمرت بنو إسرائيل بالشيطان، فقالوا: يا راعي! هل رأيتَ رجلًا من ها هنا قال: نعم سحر هذه الشجرة، فانفتحت له، فدخل فيها، وهذا هُدب ردائه، فعمِدوا فقطعوا الشجرة، وهو فيها بالمناشير، وليس تجد يهوديًّا إلا تلك الهدبة في ردائه؛ فلما ولد عيسى؛ لم يبق في الأرض صنم يعبَد من دون الله إلا أصبح ساقطًا لوجهه (١). (١: ٥٩٩/ ٦٠٠ / ٦٠١).
٧٨٦ - حدثني المثنَّى، قال: حدثنا إسحاق بن الحجاج، قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدثني عبد الصمد بن معقل: أنه سمع وهبًا يقول: إن عيسى بن مريم ﵇ لما أعلمه الله أنه خارج من الدنيا جزع من الموت، وشَقّ عليه، فدعا الحواريين، فصنع لهم طعامًا، فقال: احضروني الليلة، فإن لي إليكم حاجة، فلما اجتمعوا إليه من الليل، عشّاهم، وقام يخدمُهم، فلما فرغوا من الطعام أخذ يغسِل أيديهم ويوضئهم بيده، ويمسحُ أيديَهم بثيابه، فتعاظموا ذلك وتكارهوه، فقال: ألا من ردّ عليّ شيئًا الليلة مما أصنع فليس مني ولا أنا منه! فأقرّوه حتى إذا فرغ من ذلك قال: أمّا ما صنعت بكم الليلة مما خدمتكم على الطعام، وغسلت أيديكم بيديّ، فليكن لكم بي أسوة؛ فإنكم ترون أني خيركم، ولا يتعظمْ بعضكم على بعض، وليبذُلْ بعضكم نفسَه لبعض؛ كما بذلت نفسي لكم. وأما حاجتي التي أستعينكم عليها، فتدعون الله لي، وتجتهدون في الدعاء أن يؤخر أجَلِي، فلمّا نصبوا أنفسهم للدعاء، وأرادوا أن يجتهدوا؛ أخذهم النوم؛ حتى لم يستطيعوا دعاء، فجعل يُوقظهم، ويقول:
стр. 2275
سبحان الله! ما تصبرون لي ليلة واحدة تعينوني فيها! قالوا: والله ما ندري ما لنا! لقد كنا نسمُر فنكثِر السَّمَر، وما نطيق الليلة سَمَرًا، وما نريد دعاءً إلا حيلَ بيننا وبينه! فقال: يُذْهَب بالراعي وتتفرق الغنم. وجعل يأتي بكلام نحو هذا، ينعَى به نفسه، ثم قال: الحقُّ ليكفرنّ بي أحدكم، قبل أن يصيحَ الديكُ ثلاث مرات؛ وليبيعنّني أحدكم بدراهم يسيرة، وليأكلنّ ثمني. فخرجوا فتفرّقوا؛ وكانت اليهود تطلبه، فأخذوا شمعون - أحد الحواريين - فقالوا: هذا من أصحابه، فجحد وقال: ما أنا بصاحبه، فتركوه، ثم أخذه آخرَ فجحد كذلك، ثم سمع صوت ديك، فبكَى، فلما أصبح أتى أحدُ الحواريين إلى اليهود، فقال: ما تجعلون لي إن دللتُكم على المسيح؟ فجعلوا له ثلاثين درهمًا، فأخذها ودلَّهم عليه - وكان شُبِّه عليهم قبل ذلك - فأخذوه، فاستوثقوا منه، وربطوه بالحبل، فجعلوا يقودونه، ويقولون: أنت كنتَ تحيي الموتى، وتنتهر الشيطان، وتبرئ المجنون، أفلا تفتح نفسك من هذا الحبل! ويبصقون عليه، ويُلقُون عليه الشوكَ، حتى أتوْا به الخشبة التي أرادوا أن يصلبوه عليها، فرفعه الله إليه، وصلَبوا ما شُبِّه لهم، فمكث سبعًا. ثم إن أمه والمرأة - التي كان عيسى يداويها فأبرأها الله من الجنون - جاءتا تبكيان عند المصلوب، فجاءهما عيسى ﵇، فقال: على مَنْ تبكيان؟ فقالتا: عليك، فقال: إني قد رفعني الله إليه، ولم يُصبني إلّا خير، وإنّ هذا شيء شُبِّه لهم، فاؤْمُرَا الحواريين أن يَلقوْني إلى مكان كذا وكذا، فلقوه إلى ذلك المكان أحدَ عشر، وفقد الذي كان باعه، ودلّ عليه اليهود، فسأل عنه أصحابه، فقالوا: إنه ندم على ما صنع، فاختنق وقتل نفسه، فقال: لو تاب تاب الله عليه! ثم سألوه عن غلام يتبعهم يقال له: يحيى، فقال: هو معكم، فانطلِقوا فإنه سيصبح كلّ إنسان منكم يحدّث بلغة قوم فلينذرهم وليدعهم (١). (١: ٦٠١/ ٦٠٢).
٧٨٧ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، عمنّ لا يتّهم، عن وَهْب بن منبّه اليمانيِّ، قال: توفّى الله عيسى ابن مريم ثلاثَ ساعات من النهار، حتى رفعه الله إليه (٢). (١: ٦٠٢).
стр. 2276
٧٨٨ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق: والنصارى يزعمون: أنه توفّاه الله سبع ساعات من النهار؛ ثم أحياه الله، فقال له: اهبط، فأنزل على مريم المجدلانية في جَبلها، فإنه لم يبك عليك أحد بكاءها، ولم يحزن عليك أحد حزنها؛ ثم لتجمعْ لك الحواريين، فبُثَّهم في الأرض دُعاةً إلى الله، فإنك لم تكن فعلت ذلك. فأهبطه الله عليها، فاشتعل الجبل حين هبط نورًا، فجمعتْ له الحواريّين، فبثّهم، وأمرهم أن يبلّغوا الناس عنه ما أمره الله به، ثم رفعه الله إليه، فكساه الريش، وألبسه النور، وقطع عنه لذة المطعم والمشرب، فطار في الملائكة وهو معهم حول العرش، فكان إنسيّا مَلكيًا سمائيًّا أرضيًّا، وتفرق الحواريون حيث أمرهم؛ فتلك الليلة التي أهبِط فيها الليلة التي تدخن فيها النصارى.
وكان ممن وجّه من الحواريين والأتباع الذين كانوا في الأرض بعدهم، بطرس الحواريّ ومعه بولس - وكان من الأتباع، ولم يكن من الحواريين - إلى روميّة، وأندراييس، متّى إلى الأرض التي يأكل أهلها الناس - وهي فيما نرى للأساود - وتوماس إلى أرض بابل من أرض المشرق، وفيلبس إلى القيرَوان وقرْطاجنّه؛ وهي إفريقيّة، ويُحنّس إلى دفسوس؛ قرية الفتية أصحاب الكهف، ويعقوبس إلى أورِيشلم، وهي إيليا بيت المقدس، وابن تلما إلى العرابية، وهي أرض الحجاز، وسيمن إلى أرض البربر دون أفريقيَّة، ويهوذا - ولم يكن من الحواريين - إلى أريوبس، جُعل مكان يوذس زكريا يوطا، حين أحدث ما أحديث (١). (١: ٦٠٢/ ٦٠٣).
٧٨٩ - حدثنا ابنُ حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، عن عمر بن عبد الله بن عروة بن الزبير، عن ابن سُليم الأنصاريّ، ثم الزُّرَقيّ، قال: كان على امرأة منَّا نَذْرٌ؛ لَتظهرنّ على رأس الجمَّاء - جبل بالعقيق من ناحية المدينة - قال: فظهرتُ معها: حتى إذا استوينا على رأس الجبل، إذا قبرٌ عظيم، عليه حجران عظيمان؛ حجر عند رأسه، وحجر عند رجليه؛ فيهما كتاب بالمسنَد، لا أدري ما هو! فاحتملتُ الحجَرين معي؛ حتى إذا كنت ببعض الجبل منهبطًا ثقُلا
стр. 2277
عليَّ، فألقيت أحدَهما وهبطت بالآخر، فعرضتُه على أهل السريانية: هل يعرفون كتابَهُ؟ فلم يعرفوه، وعرضتُه على مَنْ يكتب بالزّبور من أهل اليمن، ومن يكتب بالمسنَد فلم يعرفوه. قال: فلما لم أجد أحدًا ممَّن يعرفه ألقيتُه تحت تابوت لنا، فمكث سنين، ثم دخل علينا ناس من أهل ماه من الفرس يبتغون الخَرز، فقلت لهم: هل لكم من كتاب؟ فقالوا: نعم، فأخرجتُ إليهم الحَجَر، فإذا هم يقرؤونه، فإذا هو بكتابهم: هذا قبر رسول الله عيسى بن مريم ﵇ إلى أهل هذه البلاد؛ فإذا هم كانوا أهلها في ذلك الزمان، مات عندهم فدفنوه على رأس الجبل (١). (١: ٦٠٣/ ٦٠٤).
٧٩٠ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلَمة عن ابن إسحاق، قال: ثم عدوا على بقية الحواريِّين يشمّسونهم ويعذبونهم، وطافوا بهم، فسمع بذلك ملك الروم - وكانوا تحت يديه، وكان صاحبَ وثن - فقيل له: إن رجلًا كان في هؤلاء الناس الذين تحت يديك من بني إسرائيل عدوْا عليه فقتلوه، وكان يخبرهم أنه رسول الله، قد أراهم العجائب، وأحيا لهم الموتى، وأبرأ لهم الأسقام، وخَلَق لهم من الطين كهيئة الطير، ونفخ فيه فكان طائرًا بإذن الله، وأخبرهم بالغيوب. قال: ويْحكم! فما منعكم أن تذكروا هذا لي من أمره وأمرهم! فوالله لو علمت ما خلّيتُ بينهم وبينه. ثم بعث إلى الحواريين، فانتزعهم من أيديهم، وسألهم عن دين عيسى وأمْرِه، فأخبروه خبره، فتابعهم على دينهم، واستنزل سرجس فغيّبه، وأخذ خشبته التي صُلِب عليها، فأكرمها وصانها لما مسَّها منه، وعدا علي بني إسرائيل، فقتل منهم قتلى كثيرة؛ فمن هنالك كان أصلُ النصرانية في الروم (٢). (١: ٦٠٤).
٧٩١ - وذكر بعض أهلِ الأخبار: أنّ مولد عيسى ﵇ كان لمضيّ اثنتين وأربعين سنة من مُلْك أغوسطوس، وأنّ أغوسطوس عاش بعد ذلك بقيّة ملكه، وكان جميع ملكه ستًّا وخمسين سنة - قال بعضهم: وأيامًا.
قال: ووثبت اليهود بالمسيح، والرياسة ببيت المقدس في ذلك الوقت
стр. 2278
لقيصر، والملك على بيت المقدس من قبَل قيصر هيردوس الكبير الذي دخلت عليه رُسُل ملك فارس الذين وجَّههم الملك إلى المسيح، فصار إلى هيردوس غلطًا، وأخبروه: أن ملك فارس بعث بهم ليقرّبوا إلى المسيح ألطافًا معهم من ذهب، ومرّ ولبان، وأنهم نظروا إلى نجمه قد طلع، فعرفوا ذلك بالحساب، وقرّبوا الألطاف إليه ببيت لحم من فلسطين. فلما عرف هيردوس خبرَهم؛ كاد للمسيح، فطلبه ليقتله، فأمر الله الملَك أن يقول ليوسف الذي كان مع مريم في الكنيسة ما أراد هيردوس من قتله، وأمره أن يهرب بالغلام وأمّه إلى مصر، فلما مات هيردوس قال الملك ليوسف وهو بمصر: إن هيردوس قد مات، وملَك مكانه أركلاوس ابنُه، وذهب مَنْ كان يطلب نفس الغلام، فانصرف به إلى ناصرة من فلسطين ليتمّ قول شعيا النبيّ: من مصر دعوتُك. ومات أركلاوس، وملك مكانه هيردوس الصغير، الذي صُلِب شبهُ المسيح في ولايته، وكانت الرياسة في ذلك الوقت لملوك اليونانية والروم، وكان هيردوس وولده من قِبَلهم؛ إلّا أنهم كانوا يلقّبون باسم الملك، وكان الملوك الكبار يلقّبون بقيصر، وكان ملك بيت المقدس في وقت الصلب لهيردوس الصغير من قبل طيباريوس بن أغوسطوس دون القضاء، وكان القضاء لرجل روميّ يقال له: فيلاطوس من قِبَل قيصر، وكانت رياسة الجالوت ليونن بن بهبوثن.
قال: وذكروا: أن الذي شُبّه بعيسى وصُلب مكانه رجل إسرائيليّ، يقال له: أيشوع بن فنديرا. وكان ملكُ طيباريوس ثلاثًا وعشرين سنة وأيامًا منها إلى وقت ارتفاع المسيح ثمانيَ عشرة سنة وأيام؛ ومنها بعد ذلك خمس سنين (١). (١: ٦٠٤/ ٦٠٥).
ذكر الخبر عن أصحاب الكهف
٧٩٢ - قال: وكان اسمُ أحدهم - وهو الذي كان يَلي شِرَا الطعام لهم، الذي ذكره الله عنهم: أنهم قالوا إذ هبُّوا من رقدتهم: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ (٢). (٢: ٦).
стр. 2279
٧٩٣ - حدّثني عبد الله بن محمد الزّهريّ، قال: حدَّثنا سفيان، عن مقاتل: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ - اسمه: يمنيخ (١) (٢: ٦).
٧٩٤ - وأما ابنُ إسحاق فإنه قال -فيما حدَّثنا به ابن حُميد- قال: حدَّثنا سلَمة عنه: اسمه: يمليخا.
وكان ابن إسحاق يقول: كان عدد الفتية ثمانية، فعلى قوله كان كلبُهم تاسعَهم. وكان -فيما حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة عن ابن إسحاق- يسمِّيهم فيقول: كان أحدهم - وهو أكبرهم والذي كلّم الملِك عن سائرهم -: مكسملينا، والآخر: محسملينا، والثالث: يمليخا، والرابع: مرطوس، والخامس: كسوطونس، والسادس: بيرونس، والسابع: رسمونس، والثامن: بطونس، والتاسع: قالوس، وكانوا أحداثًا (٢) (٢: ٦).
٧٩٥ - وقد حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلمة عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نَجيح، عن مجاهد، قال: لقد حُدِّثت: أنه كان على بعضهم من حداثة أسنانهم وضح الورق. وكانوا من قوم يعبدون الأوثان من الروم، فهداهم الله للإسلام، وكانت شريعتهم شريعةَ عيسى في قول جماعة من سلف علمائنا (٣). (٦: ٢).
٧٩٦ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا الحكَم بن بشير، قال: حدَّثنا عمرو -يعني: ابن قيس الملائيّ- في قوله: ﴿أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ﴾، كانت الفتية على دين عيسى بن مريم ﷺ على الإسلام، وكان ملكهم كافرًا. وكان بعضهم يزعم: أنّ أمرهم ومصيرهم إلى الكهف كان قبل المسيح، وأنّ المسيح أخبر قومه خبرَهم، فإنّ الله ابتعثهم من رقدتهم بعد ما رفع المسيح، في الفترة بينه وبين محمد ﷺ ؛ والله أعلم أيَّ ذلك كان (٤). (٢: ٧).
٧٩٧ - فأمَّا الذي عليه علماء أهل الإسلام فَعَلى أنّ أمرهم كان بعد المسيح.
стр. 2280
فأمّا أنَّه كان في أيام ملوك الطوائف؛ فإنّ ذلك مما لا يدفعه دافع من أهل العلم بأخبار الناس القديمة.
وكان لهم في ذلك الزمان مَلِكٌ يقال له: دقينوس، يعبد الأصنام -فيما ذكر عنه- فبلغه عن الفتية خلافُهم إيّاه في دينه، فطلبهم، فهربوا منه بدينهم، حتى صاروا إلى جبل لهم يقال له -فيما حدَّثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نَجِيح، عن مجاهد، عن ابن عباس-: نيحلوس (١). (٧: ٢).
٧٩٨ - وكان سببُ إيمانهم وخلافهم به قومهم فيمَا حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: حدَّثنا عبد الرزاق، قال: حدَّثنا معمَر، قال: أخبرني إسماعيل بن سدوس: أنه سمع وهب بن منبّه يقول: جاء حواريّ عيسى بن مريم إلى مدينة أصحاب الكهف، فأراد أن يدخلَها، فقيل له: إن علَى بابها صنمًا لا يدخلها أحد إلا سجدَ له، فكره أن يدخلَها، فأتى حمَّامًا، وكان فيه قريبًا من تلك المدينة، فكان يعمل فيه، يؤاجِر نفسه من صاحب الحمَّام. ورأى صاحب الحمَّام في حمَّامه البركة، ودرّ عليه الرزق، فجعل يعرض عليه [الإسلام] وجعل يسترسل إليه. وعَلِقه فتيةٌ من أهل المدينة وجعل يُخبرهم خبرَ السماء والأرض وخبر الآخرة، حتى آمنوا به وصدّقوه، وكانوا على مثلِ حاله في حسن الهيئة، وكان يشرُط على صاحب الحمّام: أن الليل لي، لا تحول بيني وبين الصلاة إذا حضرت. فكان على ذلك حتى جاء ابنُ الملك بامرأة، فدخل بها الحمَّام، فعيّره الحواريّ، فقال: أنت ابنُ الملك وتدخلُ ومعك هذه الكذا! فاستحيا، فذهب. فرجع مرة أخرى، فقال له مثل ذلك، وسبّه وانتهره، ولم يلتفت حتى دخل، ودخلت معه المرأة فماتا في الحمَّام جميعًا، فأتِي الملك فقيل له: قتل صاحبُ الحمَّام ابنَك. فالتُمِسَ، فلم يُقدرْ عليه فهرب. قال: من كان يصحبه؟ فسمّوا الفتية؛ فالتُمِسوا فخرجوا من المدينة، فمرُّوا بصاحبٍ لهم في زرع له؛ وهو على مثل أمرهم، فذكروا أنهم التُمسوا، وانطلق معهم ومعه الكلب؛ حتى آواهم الليل إلى الكهف، فدخلوه فقالوا: نبيت ها هنا الليلة ثم نصبح إن شاء الله،