← История

История · id 145435

صحيح وضعيف تاريخ الطبري

محمد بن طاهر البرزنجي

Полный текст (6 167 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

الزُّهْريّ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيز بن عمران، قال: حدّثني عبدُ الله بن عثمان بن أبي سُلَيمان بن جُبير بن مُطْعِم عن أبيه، عن ابن أبي سُوَيد الثقفيّ، عن عثمان بن أبي العاص، قال: حدّثتني أمّي: أنَّها شهدت ولادة آمنة بنت وهب أمّ رسول الله ﷺ وكان ذلك ليلَ وَلَدَتْه - قالت: فما شيء أنظر إليه من البيت إلَّا نَوَّر، وإني لأنظُر إلى النجوم تَدْنو، حتى إني لأقول: لتقعنَّ عَلَيَّ (١). (٢: ١٥٦/ ١٥٧). ٨٣٩ / أ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، قال: فيَزْعُمُون: أن عبد المطلب أخذَهُ فدخل به على هبَل في جوف الكَعْبة، فقام عنْدَه يدعو الله ويشْكُر ما أعطَاه، ثمَّ خرج به إلى أمّه فدفعه إليها، والْتَمَسَ له الرُّضَعَاء، فاسترضع له امرأةً من بني سعد بن بكر، يقال لها: حليمة ابنة أبي ذُؤَيب، وأبو ذؤيب: عبد الله بن الحارث بن لثِمجْنَة بن جابر بن رِزِام بن ناصرة بن فُصيّة بن سعد بن بكر بن هَوازِن بن منصور بن عِكْرمة بن خَصَفة بن قَيس بن عَيلان بن مُضَر. واسم الذي أرضعه: الحارث بن عبد العزّى بن رفاعة بن مِلَّان بن ناصرة ابن فُصيّة بن سعد بن بكْر بن هَوَازِن بن منصور بن عِكْرِمَة بن خَصَفة بن قيس بن عيلان بن مضر. واسم إخْوَته من الرَّضَاعة: عبد الله بن الحارث، وأنَيسة بنة الحارث، وخِذامة بنة الحارث، وهي الشَّيماء، غلب ذلك على اسمها فلا تعرف في قومِهَا إلَّا به. وهي حليمة بْنةُ عبد الله بن الحارث، أمّ رسول الله ﷺ ؛ ويزعمون: أنّ الشّيماء كانت تَحْضُنُه مع أمّها إذ كان عندهم ﷺ . وأمَّا غير ابن إسحاق، فإنه قال في ذلك ما حدّثني به الحارث، قال: حدَّثنا ابن سعد، قال: حدَّثنا محمد بن عمر، قال: حدَّثني موسى بن شَيبَة عن عميرة ابنة عُبيد الله بن كعب بن مالك، عن بَرَّة ابنة أبي تُجْزَأة، قالت: أوَّلُ من أرضعَ رسول الله ﷺ ثوَيبة بلبنِ ابنٍ لها - يُقال له: مَسْرُوح -أيامًا قبل أن تقدَم حليمة؛ وكانت قد أرْضَعَت قبله حمزَة بن عبد المطلب، وأرْضَعَت بعدَه أبا سلمة بن عبد الأسد المخزوميّ (٢). (٢: ١٥٦/ ١٥٧). ٨٤٠ - حدَّثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدَّثني ابن إسحاق.

стр. 2347

وحدَّثنا هنَّاد بن السَّرِيّ، قال: حدَّثنا يونس بن بُكير، قال: حدَّثنا ابن إسحاق. وحدّثني هارون بن إدريس الأصمّ، قال: حدَّثنا المُحَاربيّ عن ابن إسحاق. وحدَّثنا سعيد بن يحيى الأمويّ، قال: حدَّثني عمِّي محمد بن سعيد، قال: حدَّثنا محمد بن إسحاق عن الجهم بن أبي الجهم مولى عبد الله بن جعفر، عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، قال: كانت حليمة ابنة أبي ذُؤَيب السَّعدية أمّ رسول الله ﷺ التي أرْضَعَتْه تُحدَّث: أنها خرَجَتْ من بلدها معها زوجُها وابنٌ لها ترضعه في نسوةٍ من بني سعْد بن بكر، تَلْتمسُ الرُّضَعاء، قالت: وذلك في سَنَة شهْبَاء لم تُبْقِ شيئًا، فخَرَجْتُ على أتان لي قَمْرَاء، معنا شارفٌ لنا، والله ما تبِضّ بقطرة، وما ننام ليلَنا أجمعَ من صَبيّنا الذي معي من بكائه مِن الجوعِ، وما في ثَدْيي مَا يُغْنيه، وما في شَارِفنا ما يغذُوه، ولكنَّا نرجوا الغيثَ والفرجَ؛ فخرجتُ على أتاني تلك، فلقد أذمّت بالرَّكب حتى شق ذلك عليهم ضعفًا وعَجَفًا، حتى قدمنا مكَّة نلتمِسُ الرُّضعاء، فما منَا امرأة إلَّا وقد عُرضَ عليها رسول الله ﷺ فتَأبَاه إذا قيل لها: إنَّه يتيمٌ، وذلك أنَّا إنَّما نرجو المعروفَ من أبي الصَّبيّ، فكنّا نقولُ: يتيمٌ ما عسى أن تصنع أمّهُ وجدّه؛ فكنا نكرهه لذلك؛ فما بَقِيَتْ امرأةٌ قدِمَتْ مَعي إلَّا أخَذَتْ رضيعًا، غيري فلمَّا أجمَعْنا الانطلاق، قلت لصاحبي: إني لأكْرَه أن أرجعِ من بين صوَاحباتي ولم آخذْ رضيعًا، والله لأذهبنَّ إلى ذلك اليتيم فلآخُذنَّه، قال: لا عليك أن تفعلي، فعسى الله أن يجعل لنا فيه بركة! قالت: فذهبتُ إليه فأخَذْتُه وما حملني على ذلك إلَّا أني لم أجِد غيرَه. قالت: فلما أخذْتُه رجعت به إلى رحْلي، فلمَّا وضعته في حِجْري أقبَل عليه ثدْيَايَ بما شاء من لبن، فشرب حتَّى رويَ، وشربَ معه أخُوه حتى رَويَ، ثم ناما - وما كان ينامُ قبلَ ذلك - وقام زوجي إلى شارِفنا تلك، فنظر إليها فإذا إنّها لحافل، فحلبَ منها حتَّى شرِبَ وشربتُ، حتى انتهينا ريًّا وشَبَعًا، فبتْنَا بخير ليلة. قالت: يقول لي صاحبي حينَ أصبحتُ: أتعلمين والله يا حليمة لقد أخذت نسمةً مباركة! قلت: والله إني لأرجو ذلك. قالت: ثمَّ خرجنَا وركبتُ أتاني تلك، وحملتُه عَليها معي، فوالله لقَطَعَتْ بنا الرَّكْب ما يقدَمُ عليهَا شيءٌ من حُمُرِهم، حتَّى إن صواحبي ليَقُلْنَ لي: يا بنةَ أبي ذُؤَيب، اربَعِي علينا. أليسَ هذه أتانَكَ التي كنت خرجتِ عليها؟ فأقولُ لهنّ: بلى والله، إنها لهي هي! فيقلن: والله إنَّ لها لشأنًا. قالت: ثمَّ قدمنا منازِلنا من بلاد بني سعد، وما أعلم أرضًا من أرضِ الله أجدبَ

стр. 2348

منها، فكانتْ غنمي تروح عليّ حين قدِمْنا به معنا شِباعًا لُبَّنًا، فنحلب، ونشرب، وما يحلب إنسانٌ قطرةً ولا يجدها في ضَرْع، حتى إن كان الحاضر من قومنا يقولون لرعيانهم: ويلَكم، اسرحوا حيثُ يسرَح راعي ابنة أبي ذؤيب! فتَرُوحُ أغنامُهم جياعًا ما تَبِضّ بقطرةِ لبن، وتروح غَنَمي شِبَاعًا لُبَّنًا. فلم نزل نتعرَّف من الله زيادةَ الخير به، حتى مضت سنتان وفصلتُه. وكان يشِبُّ شبابًا لا يشَبُّه الغلمان، فلم يبلغ سَنَتَيهِ حتَّى كان غلامًا جَفْرًا، فقدِمْنا به على أمِّه ونحن أحرص شيء على مكثه فينا، لما كنَّا نرى من بركته، فكلَّمنا أمَّه، وقلنا لها: يا ظِئْر، لو تركْتِ بُنيّ عندي حتى يغلُظ، فإني أخشى عليه وباء مكّة! قالت: فلم نزل بها حتَّى ردَدْناه معنا. قالت: فرجعْنا به، فوالله إنَّه بعد مقدمنا به بأشْهر مع أخيه في بَهْم لنا خلف بيوتنا، إذ أتانا أخُوه يشتدُّ، فقال لي ولأبيه: ذاك أخي القرشيّ قد جاءه رجلان عليهما ثياب بياض، فأضْجَعاه وشقَّا بطنه وهما يسوطانه. قالت: فخرجتُ أنا وأبوه نَشتدّ، فوجدناه قائمًا منتقعًا وجهه، قالت: فالتزمْتُه والتزمَه أبُوه، وقلنا له: ما لك يا بنيّ؟ ! قال: جاءني رجلان عليهما ثيابُ بياض، فأضجعاني فشقَّا بطني فالتمسا فيه شيئًا لا أدري ما هو! قالت: فرجعنا إلى خِبائنا. قالت: وقال لي أبوه: والله يا حليمة لقد خشيتُ أن يكون هذا الغلام قد أصيب، فألْحقيه بأهله قبل أن يظهر به ذلك، قالت: فاحتَمَلْناه، فقدمنا به على أمه، فقالت: ما أقدمَكِ به يا ظِئْر، وقد كنت حريصةً عليه وعلى مُكْثه عندك؟ قالت: قلتُ: قد بلغ الله بابني وقضيتُ الذي عليَّ وتخوّفتُ الأحْداثَ عليه، فأدَّيتُه إليك كما تحبّين. قالت: ما هذا بشأنِك، فاصدقينِي خبَرَك، قالت: فلم تدعني حتَّى أخبرتها الخبر، قالت: فتخوّفت عليه الشيطان؟ قالت: فقلت: نعم، قالت: كلَّا والله ما للشَّيطان عليه سبيل، وإنَّ لِبُنيَّ لشأنًا، أفلا أخبِرُكِ خَبَرَهُ؟ قالت: قلت: بلى، قالت: رأيتُ حين حَمَلْتُ به: أنَّه خرج مني نُورٌ أضاءت له قصور بُصرَى من أرض الشام، ثم حملتُ به، فوالله ما رأيت من حَمْل قطُ كان أخفَّ منه ولا أيسرَ منه، ثم وقع حين ولدته وإنَّه لواضعٌ يديه بالأرض، رافعٌ رأسه إلى السَّماء؛ دعيه عنكِ، وانطلقي راشِدَة (١). (٢: ١٥٨/ ١٥٩ / ١٦٠).

стр. 2349

٨٤١ - حدَّثنا نصرُ بن عبد الرحمن الأزْدي، قال: حدَّثنا محمد بن يَعْلَى عن عمر بن صُبَيح، عن ثَوْر بن يزيد الشَّأميّ، عن مكْحول الشأميّ، عن شدَّاد بن أوْس، قال: بينا نحن جلوسٌ عند رسول الله ﷺ ، إذ أقبل شيخ من بني عامر، وهو مِدْرَهُ قومِه وسيّدهُم؛ من شيخ كبير يتوكأ على عصا، فَمَثَل بين يدي النبيّ ﷺ قائمًا، ونسبَه إلى جدّه، فقال: يا بن عبد المطّلب؛ إنّي أنْبِئتُ: أنّك تزعم: أنّك رسول الله إلى النَّاس، أرسلك بما أرْسَل به إبراهيمَ، وموسى، وعيسى، وغيرهم من الأنبياء، ألا وإنَّك فوّهت بعظيم، وإنَّما كانت الأنبياءُ والخلفاءُ في بيتَين من بني إسرائيل، وأنت ممَّن يَعْبُد هذه الحجارةَ والأوثان، فما لك وللنبوّة؟ ! ولكنّ لكلّ قول حقيقة، فأنبئني بحقيقة قولك، وبدء شأنك؛ قال: فأُعْجِبَ النبيّ ﷺ بمَسْألَتِه، ثم قال: يا أخا بني عامر! إنَّ لهذا الحديث الذي تسألني عنه نبأ ومجلسًا، فاجلسْ، فَثَنَى رجْليه ثم برك كما يبرك البعير، فاستَقْبَله النبيّ بالحديث فقال: يا أخا بني عامر! إن حقيقةَ قولي، وبدءَ شأني: أنّي دَعْوةُ أبي إبراهيم، وبُشْرَى أخي عيسى بن مرْيَم. وإنّي كنْتُ بِكْرَ أمّي، وإنَّها حملت بي كأثْقل ما تحمِلُ، وجعَلَتْ تشتكي إلى صواحِبها ثقلَ ما تَجِدُ. ثم إنّ أمي رأت في المنام: أنّ الَّذي في بطنها نورٌ، قالتْ: فجعلت أتْبع بصري النورَ، والنورُ يسبقُ بصري، حتى أضاءَتْ لي مشارقُ الأرض، ومغاربُها. ثم إنَّها ولَدتْني فنشأتُ، فلمَّا أن نشأتُ بُغِّضَت إليَّ أوْثانُ قريش، وبُغِّض إليَّ الشّعْر، وكنت مسترضَعًا في بني ليث بن بكر، فبينَا أنا ذات يوم منتبِذ من أهلي في بطن واد مع أتْراب لي من الصبيان نتقاذف بيننا بالجَلَّة، إذ أتانا رهْطٌ ثلاثة معهم طَسْتٌ من ذهب مُلئ ثلْجًا، فأخذوني من بين أصحابي، فخرج أصحابي هُرَّابًا حتى انتهوْا إلى شفير الوادي، ثم أقبلُوا على الرَّهط، فقالوا: ما أربُكم إلى هذا الغلام، فإنه ليس منّا، هذا ابن سيّد قريش، وهو مسترضع فينا؛ من غلام يتيم ليس له أب، فماذا يردّ عليكم قتلُه، وماذا تصيبون من ذلك! ولكن إن كنتم لا بدَّ قاتليه، فاختاروا منَّا أيّنا شئتم، فليأتكم مكانَه فاقتلُوُه، ودعُوا هذا الغلام فإنَّه يتيم. فلمَّا رأى الصبيان القومَ لا يُحيرون إليهم جوابًا،

стр. 2350

انطلقوا هُرَّابًا مسرعين إلى الحيّ، يؤذنونهم ويستصرخونهم على القوم؛ فعمَد أحدُهم فأضْجعني على الأرض إضْجَاعًا لطيفًا، ثم شقّ ما بين مفرق صدْري إلى منتهى عانتي، وأنا أنْظرُ إليه، فلم أجد لذلك مَسًّا. ثمّ أخرج أحشاءَ بطني ثمَّ غسلها بذلك الثلج فأنْعَم غسْلَها، ثم أعادها مكانَها، ثم قام الثاني منهم، فقال لصاحبه: تنحّ، فنحَّاه عني، ثم أدْخل يده في جوفي فأخرج قلبي وأنا أنظر إليه فصَدَعَه، ثم أخرج منه مُضْغَة سوداء، فرَمى بها ثم قال بيدِه يمنةً منه؛ كأنَّه يتناول شيئًا، فإذا أنا بخاتم في يده من نور يحار الناظرون دونه، فختم به قلبي، فامتلأ نورًا، وذلك نور النبوّة والحكمة، ثمّ أعادَهُ مكانَه فوجدت برد ذلك الخاتم في قلبي دهرًا، ثم قال الثَّالث لصاحبه: تَنَحَّ عني، فأمَرَّ يَدَه ما بين مفرِق صدْري إلى مُنْتَهى عانتي، فالتأم ذلك الشقّ بإذْن الله. ثم أخذ بيدي فأنهضَني من مكاني إنْهَاضًا لطيفًا، ثم قال للأوَّل الذي شقّ بطني: زِنْه بعشرة من أمَّتِه، فوزنوني بهم فرجحتُهم، ثم قال: زنه بمئة من أمَّتِه، فوزنوني بهم فرجَحْتُهم، ثم قال: زنه بألف من أمَّته، فوَزَنُوني بهم فرجَحْتُهم. فقال: دعوهُ، فلو وزَنْتمُوه بأمَّته كلها لرجحهم. قال: ثمَّ ضمّوني إلى صُدورهم وقبّلوا رأسي وما بينَ عينيَّ، ثم قالوا: يا حبيب! لم تُرَعْ؛ إنَّك لو تدري ما يراد بك من الخير لقَرَّتْ عيناك. قال: فبينَا نحن كذلك؛ إذ أنا بالحيّ قد جاؤوا بحذافيرهم، وإذا أمّي - وهي ظئْري - أمام الحيّ تهتف بأعْلَى صوتها، وتقول: يا ضعيفاه! قال: فانكبُّوا على، فقبَّلوا رأسي وما بين عينيّ، فقالوا: حبّذا أنت من ضعيف! ثم قالت ظِئْري: يا وحيدَاه! فانكَبّوا على فضمّوني إلى صُدُورهم وقَبَّلوا رأسي وما بين عَينَيَّ، ثم قالوا: حَبَّذا أنت من وحيد وما أنتَ بوحيدَ إن الله معك وملائكتَه والمؤمنين من أهل الأرض. ثمَّ قالت ظئري: يايتيماه، اسْتُضْعِفْتَ من بين أصحابك فَقُتِلْتَ لضعْفِك، فانكبّوا عليَّ فضَمّوني إلى صدورهم وقبّلوا رأسي وما بين عَينَيّ، وقالوا: حتذا أنت من يتيم، ما أكْرَمَك على الله! لو تعلم ماذا يراد بك من الخير! قال: فوصلوا بي إلى شَفِير الوادي، فلمّا بصرت بي أمّي - وهي ظئري - قالت: يا بُنيَّ ألا أراك حيًّا بعدُ! فجاءت حتَّى انكبَّتْ على وضمَّتْني إلى صدْرِها؛ فو الذي نفسي بيده، إنّي لفي حِجْرها وقد ضمّتني إليها، وإنَّ يدي في يد بعضهم، فجعلتُ ألتفتُ إليهم وظَننْتُ أنّ القوم يبصرونهم، فإذا هم لا يبصرونهم، يقول بعض القوم: إنَّ هذا الغلامَ قد أصابه لمَم أو طائفٌ من الجنّ، فانطلقوا به إلى كاهِننا حتى ينظر

стр. 2351

إليه ويُدَاويَه. فقلت: يا هذا! ما بي شيء مما تذكر، إن آرائي سليمة وفؤادي صحيح، ليس بي قَلبَة. فقال أبي - وهو زوج ظئري - ألا ترون كلامه كلامَ صحيح! إني لأرجو ألّا يكون بابني بأسٌ، فاتّفقوا على أن يذهبوا بي إلى الكاهن فاحتملوني حتى ذهبوا بي إليه، فلمَّا قَصُّوا عليه قِصَّتي قال: اسكُتُوا حتَّى أسمعَ من الغلام، فإنَّه أعلمُ بأمره منكم، فسألني، فاقتصصت عليه أمري ما بين أوَّله وآخره، فلمَّا سمع قولي وَثَبَ إليَّ فضمَّني إلى صدْره ثم نادى بأعلى صوته: يا لَلْعَرب! يا لَلْعَرب! اقتلوا هذا الغلامَ واقتلوني معه، فو اللّات والعزَى لئن ترَكتْموه وأدرك؛ ليَبُدّلن دينكُم، وليُسفّهَنَّ عقولَكُم وعقولَ آبائكم، وليَخالفنَّ أمْرَكم، وليأتِيَنكُم بدينٍ لم تسمعوا بمثله قطّ! فَعَمَدَتْ ظِئري فانتزعَتْني من حِجْرِه وقالت: لأنْتَ أعْتَهُ وأجَنّ من ابني هذا! فلو علمتُ: أن هذا يكون من قولك ما أتيتُك بِه، فاطلب لِنَفْسِك من يقتُلُك، فإنّا غيرُ قَاتِلي هذا الغلام. ثم احتملوني فأدّوني إلى أهلي فأصبحت مُفْزَّعًا مما فعل بي، وأصبح أثر الشّقّ ما بين صدري إلى مُنْتَهَى عانتي كأنه الشِّراك. فذلك حقيقةُ قولي، وبدءُ شأني يا أخا بني عامر! فقال العامريّ: أشهدُ بالله الذي لا إله غيره: أن أمْرَك حقّ! فأنبئْني بأشياء أسألك عنها؛ قال: سل عنك - وكان النبيّ ﷺ قبل ذلك يقول للسّائل: سل عمّا شئت، وعمَّا بدا لك، فقال للعامريّ يومئذ: "سل عنْك"، لأنَّها لغةُ بني عامر، فكلَّمه بما علِم - فقال له العامريّ: أخبرني يا بنَ عبد المطلب ما يزيدُ في العِلم؟ قال: التعلّم. قال: فأخبرني ما يدلّ على العلْم؟ قال النبيّ ﷺ : السؤال. قال: فأخْبِرْني ماذا يزيدُ في الشرّ؟ قال: التمادي. قال: فأخْبرني هل ينفع البِرُّ بعد الفجور. قال: نعم، التَّوبة تغسِل الحوْبة، والحسناتُ يُذهِبْن السيئات، وإذا ذكر العبدُ ربَّه عند الرَّخاء؛ أغاثهُ عند البَلَاء. قال العامريّ: وكيف ذلك يا بنَ عبد المطلب؟ ! قال: ذلك بأنّ الله يقول: لا وعزَّتي وجلالي، لا أجمع لعبدي أمْنَين، ولا أجمع له أبدًا خوْفَين، إن هو خافَني في الدنيا؛ أمِنَنِي يومَ أجمعُ فيه عِبادي عندي في حظيرة الفردوس، فيدومُ له أمْنُه، ولا أمْحقُه فيمن أمحق، وإن هو أمِنَني في الدُّنيا خَافَني يوم أجْمَعُ فيه عبادي لميقات يوم معلوم، فيدومُ له خوفُه. قال: يا بن عبد المطّلب! أخبرني إلامَ تدعو؟ قال: أدعو إلى عبادة الله

стр. 2352

وحْدهُ لا شريكَ لَهُ، وأن تَخْلَع الأنْدَاد، وتكْفُرَ باللَّات والعزَّى، وتقرَّ بما جاء من الله من كتاب أو رسول، وتصلِّي الصلوات الخمس بحقائقهنّ، وتصوم شهرًا من السنة، وتؤدي زكاةَ مَالِكَ، يطهّرك اللهُ بها، ويُطَيِّب لك مالكَ، وتحجّ البيتَ إذا وجَدْت إليه سبيلًا، وتغتسل من الجنابة، وتؤمن بالموْت، وبالبَعْث بعد الموت، وبالجَنَّة، والنار. قال: يا بن عبد المطّلب! فإذا فعلتُ ذلك فما لي؟ قال النبيّ ﷺ : ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ قال: يا بن عبد المطّلب! هل مع هذا من الدنيا شيء؟ فإنه يُعْجبُني الوَطاءَة من العيش! قال النبي ﷺ : نعم، النَصْرُ، والتَّمكُن في البلاد. قال: فأجابَ، وأنابَ (١). (٢: ١٦١/ ١٦٢ / ١٦٣/ ١٦٤). ٨٤١ / أ - قال ابن إسحاق: هلك عبدُ الله بن عبد المطلب أبو رسول الله ﷺ ، وأمُّ رسولِ الله آمنةُ بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة حاملٌ به. وأمَّا هشام فإنه قال: توفِّيَ عبدُ الله أبو رسول الله بعدَ ما أتَى على رسولِ الله ﷺ ثمانيةٌ وعِشْرون شهرًا (٢). (١٦٥: ٢). ٨٤٢ - حدّثنى الحارث، قال: حدَّثنا ابن سعد، قال: قال محمد بن عمر الواقديّ: الثَّبَت عندنا مِمّا ليس بين أصحابنا فيه اختلاف: أن عبد الله بن عبد المطلب أقبل من الشام في عِير لقريش، فنزل بالمدينة - وهو مريض - فأقام بها حتى توفِّي، ودفن في دار النابغة، في الدَّار الصّغْري إذا دخلت الدَّار على يسارك في البيت (٣). (٢: ١٦٥). ٨٤٣ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سَلَمة عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري: أن أمَّ رسول الله ﷺ آمنة، توُفِّيت - ورسولُ الله ﷺ ابنُ ستّ سنين - بالأبْوَاءِ بين مكة والمدينة، كانت قدمت

стр. 2353

به المدينة على أخْوالِهِ من بني عدِيّ بن النَّجَّار تُزِيرُه إيَّاهم، فماتَتْ وهيَ راجعةٌ به إلى مكة (١). (٢: ١٦٥). ق ٨٤٤ - وقد حدَّثني الحارث، قال: حدَّثنا محمد بن سعد، قال: أخبَرنا محمد بن عمر، قال: حدَّثني ابن جريج عن عثمان بن صفوان: أنّ قبْر آمنة بنت وهب في شِعْبِ أبي ذرٍّ بمكَّة (٢). (٢: ١٦٦). ٨٤٥ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلمة عن ابن إسحاق، عن العباس بن عبد الله بن مَعْبد بن العباس، عن بعض أهله: أن عبد المطلب تُوُفِّيَ ورسول الله ﷺ ابن ثماني سنين؛ كان بعضهم يقول: تُوُفِّيَ عبد المطلب ورسول الله ابْنُ عَشْرِ سنين. (٣) (١٦٦٠٢). ٨٤٦ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سَلَمة، قال: حدَّثنا طلْحَة بن عمرو الحضْرَميّ عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، قال: كان النبي ﷺ حِجْر أبي طالب بعد جدّه عبد المطَّلب، فيُصْبحُ ولد عبد المطلب غُمْصًا رُمْصًا، ويصبح ﷺ صقِيلًا دهينًا (٤). (٢: ١٦٦). ٨٤٧ - رجع الحديث إلى تمام أمْرِ كسرى بن قُباذ أنوشروان. حدثنا علي بن حرب الموصليّ، قال: حدَّثنا أبو أيّوب يَعْلى بن عمران البَجَليّ، قال: حدّثني مَخْزوم بن هانئ المخزوميّ عن أبيه - وأتت له خمسون ومئة سنة - قال: لمَّا كانت ليلة وُلِدَ فيها رسول الله؛ ﷺ ارْتَجَسَ إيوانُ كِسْرى وسقَطَتْ منه أربعَ عشرةَ شرفة، وخَمَدَتْ نار فارس، ولم تخمدْ قبل ذلك بألف عام، وغاضتْ بُحَيرة سَاوَة، ورأى الموبَذَان إبلًا صِعابًا تقود خيلًا عِرابًا، وقد قطعَتْ دِجْلَة، وانتشرتْ في بلادها. فلمَّا أصْبَح كِسْرَى؛ أفْزَعَهُ ما رأى، فصبَرَ تَشَجّعًا، ثم رأى ألا يكتم ذلك عن وزرائه ومَرَازِبَتِهِ، فلبِسَ تاجه وقعد على سريره وجمعهم إليه.

стр. 2354

فلمّا اجتمعوا إليه أخبرهم بالَّذي بَعَثَ إليهم فيه ودعاهم. فبينَاهُم كذلك إذْ وَرَدَ عليه كتابٌ بخمودِ النَّارِ فازداد غمًّا إلى غمّه، فقال الموْبذان: وأنا أصلح الله المَلِكَ؛ قد رأيت في هذه الليلة ... وقصَّ عليه الرُّؤيَا في الإبل. فقال: أيّ شيء يكون هذا يا موْبذان؟ ! - وكان أعلمهم عند نفسه بذلك - فقال: حادثٌ يكون من عندِ العرب، فكتب عند ذلك: من كسْرى مَلك المُلُوك إلى النُّعمان بن المنذر، أمَّا بعد؛ فوجّهْ إليَّ رجلًا عالمًا بما أريدُ أن أسألَه عنه. فوجّه إليه عبدَ المسيح بن عمرو بن حيَّان بن بُقَيلة الغسّانيّ، فلمَّا قدم عليه، قال له: أعندك علم بما أريد أنْ أسألَكَ عنه؟ قال: ليخبرني الملك، فإنْ كان عنْدي منه علم، وإلَّا أخبرتُهُ بمن يعلمه له، فأخبَرَه بما رأى؛ فقال: علم ذلك عند خال لي يسكُن مَشَارِفَ الشأم، يقال له: سَطِيح، قال: فائْيه فاسأله عمّا سألْتك، وائْتِني بجوابه. فركب عبدُ المسيح راحِلَتَهُ حتى قدم على سَطيح - وقد أشفى على الموت - فسلَّم عليه وحيَّاه، فلم يُحِرْ سطيحٌ جوابًا، فأنشأ عبدُ المسيح يقول: أصمَّ أم يَسْمَعُ غِطرِيفُ الْيَمَنْ! ... يا فاصِلَ الْخُطَّةِ أَعْيَتْ مَنْ ومَنْ أَم فَازَ فازْلَمَّ بِهِ شَأْوُ العَنَنْ ... أتاكَ شَيخُ الْحَيّ مِنْ آلِ سَنَنْ وَأُمُّهُ مِن آلِ ذِئْبِ بن حَجَنْ ... أزْرَقُ مُمْهَى النَّابِ صَرَّارُ الأُذُنْ أبْيَضُ فَضْفاضُ الرِّدَاءِ وَالْبَدَنْ ... رسُولُ قَيلِ الْعُجْم يَسْرِي لِلْوَسَنْ يَجُوبُ بي الأرضَ عَلَنْدَاةٌ شَزَن ... ترْفَعُنِي وَجْنٌ وتَهْوي بِي وَجَنْ لَا يَرْهَبُ الرَّعْدَ وَلَا رَيبَ الزَّمَنْ ... حتَّى أتَى عَارِي الجآجِي والقَطَنْ تَلفَّهُ في الرِّيحِ بَوْغَاءُ الدِّمَنْ ... كأَنَّمَا حُثْحِثَ مِنْ حَضْنَي ثَكَنْ فلمّا سمع سطيح شعْرَه، رفع رأسه، وقال: عبدُ المسيح، على جمل يسيح، إلى سطيح، وقد أوْفى على الضَّريح، بَعَثك مَلِكُ بني ساسان، لارتجاس الإيوان، وخُمودِ النيران، ورؤيا الموْبَذان. رأى إبلًا صِعابًا، تقود خيلًا عِرابًا، قد قَطَعَتْ دجْلة وانتشرت في بلادها؛ يا عبدَ المسيح! إذا كَثرُت التلاوَة، وبُعِث صاحبُ الهراوة، وفاض وادي السَّماوة، وغاضَتْ بحيرةُ ساوة، وخَمَدَتْ نارُ فارس؛ فليسَت الشَّأمُ لسَطيح شأمًا؛ يملِكُ منهم ملوكٌ

стр. 2355

ومَلِكَات، على عَدَدِ الشُرفَات، وكلُّ ما هو آت آت. ثمَّ قضى سطيح مكانَه، فقام عبد المسيح إلى رحْلِهِ وهو يقول: شَمِّرْ فإنَّكَ مَاضِي الهَمِّ شِمِّيرُ ... لا يُفزِ عَنَّكَ تَفْرِيقٌ وتَغْييرُ إنْ يَكُ مُلْكُ بَنِي ساسانَ أفْرَطَهُمْ ... فإنَّ ذَا الدَّهْرَ أطْوارٌ دَهَارِيرُ فرُبَّمَا رُبَّمَا أضْحَوْا بمَنْزِلَةٍ ... تهَابُ صَوْلَهُمُ الأُسْدُ المهَاصيرُ مِنْهُمْ أخو الصَّرْح مِهْرَانٌ وإخْوَتُهُ ... والهُرْمُزان وسابورٌ وسابورُ والنَّاسُ أولادُ عَلَّاتٍ فمَن عَلِموا ... أنْ قد أقَلَّ، فمَهْجُورٌ ومَحْقُورُ وهُمْ بَنُو الأمِّ لَمَّا أنْ رَأَوْا نَشَبًا ... فذَاكَ بالْغَيبِ محْفوظٌ ومَنْصُورُ والخَيرُ والشَّرُّ مقرونانِ في قَرَنٍ ... فالخيرُ مُتَّبَعٌ والشَّرُّ مَحْذُورُ فلمَّا قَدِم عبدُ المسيحِ على كِسْرى، أخبره بقول سطيح، فقال: إلى أن يملك منَّا أربعةَ عشر ملِكًا قد كانت أمور. فمَلَكَ منهم عشرةٌ أربعَ سنين، ومَلَك الباقون إلى ملْك عثمان بن عفان. وحُدّثتُ عن هشام بن محمد، قال: بعث وهْرِز بأموال وطُرَف من طُرَف اليمن إلى كسْرى، فلما صارَتْ ببلاد بني تميم، دعا صَعْصَعةُ بن ناجية بن عِقال المجاشعيّ بَني تميم إلى الوثوب عليه، فأَبَوْا ذلك، فلمَّا صارتْ في بِلادِ بني يربوع دعاهم إلى ذلك، فهابوه، فقال: يا بني يَرْبُوع! كأنّي بهذه العير قد مرَّت ببلاد بكْر بن وائِل، فوَثَبُوا عليها فاستعانوا بها على حَرْبِكُمْ! فلمَّا سمعوا ذلك؛ انْتَهَبُوها، وأخذ رجلٌ من بني سَليط يقال له: النَّطِف خُرْجًا فيهِ جوْهر، فكان يقال: "أصاب كنز النَّطِف"؛ فصار مثلًا؛ وأخذ صعْصَعة خَصَفة فيها سبائكُ فِضَّة، وصار أصحاب العير إلى هَوْذَة بن عليّ الحنفيّ باليمامة، فكساهم، وزوَّدهم وحملهم، وسار معهم حتى دخل على كسرى. وكان لَهْوذة جَمَالٌ وبَيَان، فأعجب به كسرى وحَفِظ له ما كان منه، ودعا بعِقد من دُرّ فعقد على رأسِه، وكساه قباء ديباج، مع كسوة كثيرة، فمن ثمَّ سُمّيَ هوذة ذا التاج؛ وقال كسرى لهوذة: أرَأيتَ هؤلاء القوم الذين صنعوا ما صنعوا مِنْ قومِكَ هم؟ قال: لا، قال: أصلحٌ هُم لك؟ قال: بيننا الموتُ، قال: قد أدْرَكْت بعضَ حاجتك [ونلت ثأرك]. وعزم على توجيه الخيل إلى بني تميم، فقيل له: إنَّ بلادَهُمْ بلادُ سوء، إنّما هي مفاوزُ وصحارى لا يهتَدَى لمسالكها، وماؤهُمْ من الآبار،

стр. 2356

ولا يؤمن أن يُغَوّرُوها فيهلك جندك. وأشيرَ إليه أن يكتبَ إلى عامِله بالبحرين وهو آزاذ فُروز بن جُشْنَس الذي سمّتْه العرب المُكَعْبِر - وإنما سمِّي المكعبر، لأنَّه كان يقطع الأيديَ والأرْجُل وآلى ألا يدع من بني تميم عينًا تطرِفُ - فَفَعَل؛ ووجَّه له رسولًا. ودعا بهوذة فجدَّدَ له كرامة وصلَةً وقال: سِرْ مع رسولي هذا فاشْفِني واشْتَفِ، فأقبل هوذة والرَّسُول معه حتى صار إلى المكعبِر، وذلك قريب من أيَّام اللُّقاط، وكان بَنُو تميم يصيرون في ذلك الوقت إلى هَجَر، للميرَةِ واللُّقاط، فنادى منادي المكَعْبِر: مَن كان ها هنا من بني تميم فلْيَحْضر فإن الملك قد أمر لَهُمْ بميرَةٍ وطعام يُقسّم فيهم؛ فحضروا، فأدخلهم المُشَقَّر - وهو حصنٌ حِيَاله حصنٌ يقال له: الصَّفا، وبينهما نهرٌ يقال له: محلّم - وكان الذي بني المشقَّر رجلًا من أساورَةِ كسرى يقال له: "بَسَك بن ماهبوذ"، كان كسرى وجَّهَهُ لبنائه، فلمَّا ابتدَأه قيل له: إنَّ هؤلاء الفَعَلَة لا يقيمون بهذا الموْضع إلَّا أن تكون معهم نساء، فإن فعلت ذلك بِهمْ تمَّ بناؤُك، وأقاموا عليهِ حتى يَفْرُغوا منه؛ فنقل إليهِم الفواجِرَ من ناحية السَّوَادِ والأهْواز، وحُمِلَتْ إليهم رَوَايا الخمْرِ من أرض فارس في البحر، فتَنَاكَحُوا، وتَوَالدوا، فكانوا جُلَّ أهل مدينة هَجَر، وتكلَّم القومُ بالعرَبيَّة، وكانت دعوَتُهم إلى عبْد القيس، فلما جاء الإسلامُ؛ قالوا لعبد القيس: قد علمتم عَدَدَنا، وعُدَّتنا، وعظيمَ غَنائنا، فأدْخلونا فيكم وزوّجونا، قالُوا: لا، ولكن أقيموا على حالكم، فأنتم إخوانُنَا وموالينا، فقال رجلٌ من عبد القيس: يا معاشر عبد القيس؛ أطيعوني وألحقوهم، فإنَّه ليس عن مثْل هؤلاء مرغَب، فقال رجل من القوم: أما تَسْتَحي! أتأمرنا أن نُدْخِل فينا من قد عَرفْتَ أوَّلَه وأصلَه! قال: إنَّكم إن لم تفعَلُوا؛ ألحقَهُمْ غيركم من العرب، قال: إذًا لا نستوحش لهم؛ فتفرَّق القوْم في العرب، وبقيتْ في عبد القيس منهم بَقيَّةٌ فانتَمَوْا إليهم، فلم يردُّوهم عن ذلك. فلما أدْخَل المكعبِرُ بَني تميم المشقّر قتل رجالهم واستبقى الغلمان، وقُتِل يومئذ قَعْنَب الرِّياحيّ - وكان فارسَ بني يَرْبُوع - قتله رجلان من شَن كانا ينوبان الملوك؛ وجعل الغلمان في السُّفن، فعبر بهم إلى فارس، فَخَصَوْا منهم بشرًا. قال هبيرة بن حُدير العَدويّ: رجع إلينا بعد ما فتحت إصطخر عدَّة منهم، أحدُهم خصِيٌّ والآخر خيَّاط. وشدَّ رجلٌ من بني تميم، يقال له: عبيد بن وَهْبٍ على سلسلة الباب فَقَطَعَها، وخَرَجَ، فقال: تذَكَّرْتُ هنْدًا لاتَ حِين تَذكُّرِ ... تذَكرْتها ودُونَهَا سَيرُ أَشْهُرِ

стр. 2357

حِجَازِيَّةٌ عُلْويَّةٌ خَلَّ أهلها ... مصابَ الخريفِ بَينَ زُورٍ وَمِنْوَرِ ألا هَلْ أتى قَوْمي على النَّأْي أنَّني ... حِمَيتُ ذِماري يَوْمَ بابِ المُشَقَّر ضَرَبْتُ رِتاجَ البابِ بالسَّيفِ ضَرْبَةً ... تفرَّجَ مِنْها كلُّ بَابٍ مُضَبَّرِ وكلَّم هوذة بن عليّ المُكَعْبِر يومئذ في مئةٍ من أسْرَى بني تميمٍ، فوهبهم له يوم الفِصْح، فأعتقهم، ففي ذلك يقول الأعشى: سائِلْ تميمًا به أيَّامَ صَفْقَتِهمْ ... لمَّا أتَوْهُ أُسَارَى كلُّهم ضَرَعا وَسْطَ المُشَقّرِ في غَبْرَاءَ مُظْلِمَةٍ ... لا يَسْتَطيعونَ بَعْدَ الضُّرِّ مُنْتَفعا فقال للمَلْكِ أطْلِقْ مِنْهُمُ مئةً ... رسْلًا مِنَ القَوْلِ مَخْفُوضًا وما رَفَعا فقَكَّ عن مئَةٍ مِنْهُمْ إسارَهُم ... وأصْبَحوا كُلُّهُمْ مِنْ غُلِّهِ خُلِعا بِهِمْ تَقَرَّبَ يَوْمَ الفِصْحِ ضَاحِيَةً ... يرْجُو الإلهَ بِمَا أسْدَى ومَا صَنَعَا فلا يَرَوْنَ بذاكمْ نِعْمَة سَبَقَتْ ... إنْ قال قائِلها حَقًّا بِها وسِعَا يصف بني تميم بالكُفْر لنعمته. قال: فلما حضرت وهْرِزَ الوفاة - وذلكَ في آخر ملْك أنوشِرْوان - دعا بقوسه، ونشَّابته، ثم قال: أجلسوني، فأجلسوه، فرمى، وقال: انظروا حيث وقعت نُشَّابتي فاجعلوا ناؤوسي هناك، فوقعت نشَّابتُه من وراء الدَّير، وهي الكنيسة التي عند نُعْم، وهيَ تسمَّى اليومَ مقبرةَ وهْرِز؛ فلمَّا بلغ كسْرَى موتُ وَهْرِز، بَعَثَ إلى اليمن أسوارًا يقال له: وين، وكان جَبَّارًا مُسْرِفًا، فَعَزَلَهُ هُرْمُز بن كِسْرَى، واستعمل مكانه المَرُوزان، فأقام باليمن حتى وُلدَ له بها، وبَلَغ ولدُه. ثم هلك كِسْرَى أنوشِرْوان، وكان مُلْكُه ثمانِيًا وأربعين سنة. [ذكر ملك هرمز بن كسرى أنوشروان] ثم ملك هُرْمُز بن كِسْرى أنوشروان، وكانت أمّهُ ابنة خاقان الأكْبر، فحُدّثْتُ عن هشام بن محمد، قال: كان هُرْمُز بن كِسْرى هذا كثيرَ الأدب، ذا نِيَّة في الإحسان إلى الضُّعفاء والمساكين، والحمل على الأشراف، فعادَوْه وأبغضوه، وكان في نفْسِه عليهم مثلُ ذلك، ولمَّا عُقِدَ التَاجُ على رأسه، اجْتَمَع إليه أشرافُ أهْلِ مَمْلَكَتِه، واجتهدوا في الدعاء له والشكر لوالده، فوعدهم خيرًا. وكان مُتَحَرِّيًا للسيرةِ في رعيَّتِه بالعدْل، شديدًا على العظماء لاستطالتهم كانت على

стр. 2358

الوُضعاء، وبلغ من عدْله: أنَّه كان يسير إلى ماه ليصيفَ، فأمر فَنُوديَ في مسيره ذلك في جُنْدِه وسائر منْ كان في عسْكره أنْ يتحامَوْا مواضعَ الحُروث ولا يضرّوا بأحَدٍ من الدَّهاقين فيها، ويضبطوا دوابَّهُمْ عن الفساد فيها، ووكَّل بتعاهد ما يكُون في عسكره من ذلك ومعاقبةِ منْ تعدَّى أمْرَه. وكان ابنُه كِسْرَى في عَسْكَرِه، فعار مركب من مراكِبِه ووقِع في مَحْرَثَة من المحارث التي كانت على طريقه فرتع فيها وأفْسَد منها، فأخِذ ذلك المركب، ودُفِع إلى الرَّجُل الذي وكّل هُرْمُز بمعاقبة من أفسد أَوْ دابَّتهُ شيئًا من المحارث وتغريمه. فلم يقدر الرَّجل على إنفاذ أمر هُرْمز في كسرى، ولا في أحد مِضَن كان معه في حَشَمِه، فرفع ما رأى من إفساد ذلك المركب إلى هُرْمز، فأمر أن يجْدَع أذنيه، ويبتَّر ذَنَبُه، ويغرّم كسرى؛ فخرج الرَّجل من عند هُرْمُز لينفِّذ أمرَه في كِسْرى ومركبه ذلك، فدسَّ له كِسْرَى رهْطًا من العُظماء ليسْألوه التَّغْبيبَ في أمْره، فلقوه وكلَّموه في ذلك فلم يجب إليه، فسألوه أن يؤخِّر ما أمر به هُرْمُز في المركب حتى يكلِّموه فيأمر بالكفّ عنه، ففعل. فلقيَ أولئك الرَّهْط هُرْمُز وأعلموه: أن بالمرْكب الذي أفسد ما أفسد زعارَةً، وأنَّه عار فوقع في مَحْرَثَة؛ فأخِذ من ساعة وقع فيها، وسَألوه أن يأمر بالكفّ عن جدْعِه وتَبْتيرِه لما فيها من سوء الطِّيَرَة على كِسْرى. فلم يُجِبْهُم إلى ما سَألوا من ذلك، وأمر بالمركب فجُدِع أذناه، وَبُتِرَ ذنبه، وغرم كِسْرَى مثل ما كان يغزَم غيره في هذا الحدّ، ثمَّ ارتحل من معسكره. وكان هُرْمُز ركب ذات يوم في أوان إيناعِ الكرْم إلى ساباط المدائن، وكانَ مَمرُّهُ على بساتينُ وكرومٍ، وإنَّ رجلًا ممّن ركب معه من أساورَته اطَّلع في كَرْمٍ فرأى فيه حِصرِمًا، فأصاب منه عناقيدَ ودَفَعَها إلى غلامٍ كان معه، وقال له: اذهب بها إلى المنْزِل واطبُخْها بِلَحمٍ واتَّخِذْ منها مَرقة فإنها نافعة في هذا الإبَّان. فأتاه حافظُ ذلك الكرْم فَلَزِمَه وصرخ، فبلغ [من] إشفاق الرَّجل من عقوبة هرمز على تناوُله من ذلك الكرْم أنْ دفع إلى حافظ الكرْم مِنْطَقة محلَّاة بذهب كانت عليه، عوضًا له من الحصْرم الذي رزأ من كرْمه، وافتدى نفسَه بها، ورأى: أن قَبْضَ الحافظ إياها منه وتخْلِيته عنه، مِنَّةٌ منّ بها عليه، ومعروف أسداه إليه. وقيل: إنّ هرمز كان مظفَّرًا منصورًا لا يَمُدُّ يدَه إلى شيء إلَّا ناله، وكان مع ذلك أديبًا أريبًا داهيًا رديء النيَّة، قد نزعه أخوالُه الأتراك، وكان مُقْصِيًا للأشْراف،

стр. 2359

وإنَّه قتل من العلماء وأهل البُيوتات والشَّرف ثلاثَةَ عشر ألف رجل وستمئة رجل، وإنَّه لم يكن له رأيٌ إلَّا في تألِّفِ السَّفلة واستِصْلاحهم، وإنَّه حَبَس ناسًا كثيرًا من العظماء وأسْقطهم وحطَّ مراتبَهم ودرجاتهم، وجهَّزَ الجنودَ وقصَّر بالأساورة فَفسَد عليه كثيرٌ ممَّن كان حوله لِمَا أراد الله من تغيير أمرِهم وتحويل ملكهم - ولكلِّ شيء سبب - وإنَّ الهَرابِذة رفعوا إليه قصَّة يبغون فيها على النَّصارى، فوقع فيها: إنَّه كما لا قِوامَ لسريرِ مُلْكنا بقائمتيه المقدَّمتين دون قائمَتيه المؤخَّرتين، فكذلك لا قِوَام لملْكنا ولا ثباتَ له مع استفسادنا مَنْ في بلادِنا من النَّصارى وأهل سائر المِلَلِ المخالفة لنا؛ فأقصروا عن البغْي على النَّصارى، وواظبوا على أعمال البرّ ليرَى ذلك النصارى وغيرُهم من أهْل الملل [والأديان]، فيحْمَدوكم عليه، وتَتوق أنفسُهم إلى ملَّتِكم. وحُدّثْتُ عن هشام بن محمد، قال: خرج على هرمز التُّرك - وقال غيره: أقْبَل عليه شابة ملك التُّرك الأعظم - في ثلاثمئة ألف مقاتل، في سنة إحْدى عشرة من ملكه، حتَّى صار إلى باذغيس وهَراة. وإنَّ ملكَ الروم صار إلى الضَّواحي في ثمانين ألف مقاتل قاصدًا له، وإنَّ ملك الخَزَرِ صار في جمْع عظيم إلى الباب والأبواب، فعاث وأخْرب، وإنَّ رجلين من العرب يقال لأحدهما: عبّاسُ الأحْول، والآخر: عمرو الأزْرق، نزلا في جمع عظيم من العرب بشاطئ الفرات، وشنُّوا الغارةَ على أهل السَّواد، واجْتَرأ أعداؤُه عليه وغزوا بلاده، وبلغ من اكْتِنَافهم إياها: أنَّها سُمِّيَتْ منخلًا كثير السّمام. وقيل: قد اكتنف بلادَ الفرسِ الأعداءُ من كلّ وجه كاكْتناف الوترَ سِيتَيِ القوْس. وأرْسل شابة ملك التُّرك إلى هرمز وعظماء الفرس يُؤْذنُهم بإقْبَاله في جُنوده، ويقول: رُمُّوا قناطرَ أنهارٍ وأودية أجتازُ عليها إلى بلادكم، واعْقدوا القَناطر على كلّ نهْرٍ من تلك الأنهار لا قنطرةَ له، وافْعلوا ذلك في الأنهارِ والأوْدية التي عليها مسْلكي من بلادكم إلى بلادِ الرُّوم لإجماعي بالمسير إليها من بِلادِكم. فاسْتفظَع هرمز ما وَرَد عليه من ذلك، وشاور فيه، فأجْمِع له على القصْد لملك الترك، فوجَّه إليه رجُلًا من أهل الرَّيّ يقال لَهُ: بَهْرام بن بهْرام جُشْنَس - ويعرف بجُوبين - في اثني عشر ألف رجل، اختاره بهرام على عينيه من الكهول دون الشَّباب. ويقالُ: إنَّ هُرْمز عرض ذلك الوقت من كان بحضرته من الديوانيَّة، فكانت عِدَّتهم سبعين ألف مُقاتل،

стр. 2360

فمضى بهرام بمن ضُمَّ إليه مُغِذًّا حتى جاز هَراة، وباذغيس، ولم يشعُر شابة ببهرام حتى نزل بالقرب منه مُعَسْكِرًا، فجرت بَينَهُما رسائلُ وحروبٌ، وقتَل بهرامُ شابَة برَمْية رماه إيَّاها. وقيل: إن الرّميَ في ملك العجم كان لثلاثة نفر، منها رمية أرششياطين بين مِنُوشهر، وأفراسياب، ومنها رَمْيَة سوخرا في التّرك، ومنها رمية بهرام هذه، واستباح عسكرَه وأقام بموْضعه، فوافاه برموذة بن شابة، وكان يعدل بأبيه، فحارَبَه فهزمه، وحصره في بعض الحصُون، ثم ألحَّ عليه حتَّى استسْلم له، فوخهه إلى هرمز أسيرًا، وغَنِمَ مما كان في الحصْن [وكانت] كنوزًا عظيمة. ويقال: إنَّه حمل إلى هرمز من الأمْوال، والجوْهر، والآنية، والسلاح، وسائرِ الأمْتعة مِمّا غَنمَه وَقْرَ مئتي ألف وخمسين ألف بعير، فشكر هرمز لبهْرام ما كان منه بسبب الغنائم التي صارت إليه، وخاف بهرام سَطْوَة هرمز، وخاف مثْلَ ذلك منْ كان معه من الجنود، فخلعوا هرمز وأقبلوا نَحْوَ المدائن، وأظْهروا الامْتِعاضَ ممَّا كان من هرمز، وأنَّ ابنَه أبَرْويز أصلحُ للمُلْك منه. وساعَدَهم على ذلك بعض من كان بحضرةِ هرمز، فهرب أبَرْويز بهذا السبب إلى آذربيجان خوفًا من هرمز، فاجتمع إليه هناك عدّةٌ من المرازِبة والإصْبَهْبذين، فأعْطوْه بَيعَتَهُم، ووثب العظماءُ والأشرافُ بالمدائن، وفيهم بنْدى وبِسْطام خالا أبَرْويز، فخلعوا هرمز وسملوا عينيه وترَكُوه تَحَرُّجًا من قتله. وبلغ الخبرُ أبَرْويز، فأقبل بمن شايَعَه من آذربيجان إلى دار الملك مُسابقًا لبهرام، فلما صار إليها استولى على المُلْك وتحرَّز من بهرام، والتقى هُو وهُو على شاطئ النَّهْرَوَان، فجرتْ بينهما مناظرةٌ ومواقفة، ودعا أبَرْويزُ بهرامَ إلى أن يؤمِّنَه ويرفع مرتَبَتَهُ ويُسْنِي ولايتَه، فلم يقْبَل ذلك، وجرت بينهما حروبٌ اضطرَّت أبَرْويز إلى الهرب إلى الروم مستغيثًا بملكها بعد حرْب شديدة وبيات كان من بعْضهم لبعض. وقيل: إنَّه كان مع بَهْرام جماعة من الأشدَّاء، وكان فيهم ثلاثةُ نفرٍ من وجوه الأتراك لا يعْدَل بهم في فروسيّتهم وشدَّتهم من الأتْراك أحدٌ، قد جعلوا لبهرام قتل أبرويز. فلمَّا كان الغدُ من ليلة البيات، وقف أبَرْويز ودعا الناسَ إلى حرب بهرام فتثاقَلُوا عليه، قصده النفر الثلاثةُ من الأتراك، فخرج إليهم أبْرويز فقتلهم بيده واحِدًا واحدًا، ثمَّ انصرف من المعْركة وقد أحسَّ من

стр. 2361

أصحابه بالفتور والتغيُّر، فصار إلى أبيه بِطَيسَبون حتى دخل عليه، وأعلمه ما قد تبتنه من أصحابه وشاوره، فأشار عليه بالمصير إلى مَوْريق ملك الروم ليستنجدهُ، فأحْرز حُرَمَه في موضع أمِنَ عليهم بهرامَ، وومضى في عدَّة يسيرةٍ، منهم بِنْدي ونجسطام وكُرْدي أخو بهرام جوبين حتى صار إلى أنْطَاكيَة، وكاتَبَ موريق فقَبِلَه، وزوَّجه ابنةً له كانتْ عزيزةً عليه، يقال لها: مَرْيم. وكان جميع مدَّة مُلْك هرمز بن كسرى في قول بعضهم، إحدى عشرة سنة وتسعة أشهر وعشرة أيام. وأمَّا هشام بن محمد فإنَّه قال: كان ملكه اثنتي عشرة سنة. [ذكر ملك كسرى أبرويز بن هرمز] ثم مَلَك كِسرى أبَرْويز بن هرمز بن كسرى أنوشِروان، وكان من أشدّ ملوكهم بطشًا، وأنْفِذهم رأيًا، وأبْعدهم غوْرًا، وبلغ -فيما ذُكر- من البأس والنَّجْدة والنَّصر والظَّفَر وجمْع الأمْوال والكنوز ومُساعدة القَدَر ومساعفة الدَّهْر إيّاه ما لم يتهيَّأ لملك أكثر منه، ولذلك سُمَّي أبْرويز، وتفسيرُه بالعربية: "المظفّر". وذُكر: أنه لمَّا استوْحش من أبيه هرمز - لِمَا كان من احْتِيال بهرام جوبين في ذلك، حتَّى أوْهم هرمز: أنَّه على أن يقوم بالملْك لنفسه دونه - سار إلى آذربيجان مكتَتِمًا، ثم أظهر أمره بعد ذلك، فلمَّا صار في النَّاحية اجتمعت إليه جماعة ممَّن كان هناك من الإصْبَهْبَذين وغيرهم، فأعْطوْه بيعتَهم على نُصْرته؛ فلم يُحْدث في الأمر شيئًا. وقيل: إنَّه لما قتل آذينْجُشْنَس المُوَجَّه لمحاربة بهرام جوبين، انفَضَّ الجمعْ الذي كان معه حتى وافوا المدائن، واتَّبعهم جوبين، فاضطرب أمر هرمز، وكتَبَتْ أختُ آذينْجُشْنَس إلى أربرْويز - وكانت تِرْبه - تخبره بضعْف هرمز للحادث في آذِينجُشْنَس، وأنَّ العظماءَ قد أجْمعوا على خلعه، وأعْلمته: أن جوبين إن سَبَقَه إلى المدائن قبل مُوَافاته احتوى علَيها. فلمَّا ورد الكتاب على أبَرْويز، جمع من أمْكنه من أرْمينِيَة وآذربيجان، وصار بهم إلى المدائن، واجتمع إليه الوجوهُ والأشراف مسرورين بِمُوَافاته، فتتَوّج بتاج الملْك، وجلس على سريره، وقال: إنَّ من ملّتنا إيثارَ البِرّ، ومن رأينا العمل بالخير، وإنّ جدَّنا كِسْرى بن قُباذ كان لكم بمنزلة الوالد، وإنَّ هرمز أبانَا كان لكم قاضيًا عادلًا، فعليكم بلزوم السَّمع والطاعة. فلما كان في اليوم الثالث؛ أتى أباه فسجد له، وقال: عمَرك الله أيها الملك! إنَّك تعلم أنِّي بريءٌ مما أتى

стр. 2362

إليك المنافقون، وأني إنَّما تواريت ولحقت بآذربيجان خوفًا من إقدامك على القتل، فصدَّقه هرمز، وقال له: إنَّ لي إليك يا بُنيَّ حاجتين، فأسْعِفني بهما؛ إحداهما: أن تنْتقم لي ممَّن عاون على خلْعِي والسَّمْل لعينيَّ، ولا تأخذْك فيهم رأفة؛ والأخرى: أن تُؤْنسنِي كلَّ يوم بثلاثة نفر لهم أصالة رأي، وتأذن لهم في الدخول عليّ. فتواضع له أبَرْويز وقال: عمّرك الله أيُّها الملك! إنَّ المارق بهرام قد أظلَّنا ومعه الشجاعةُ والنَّجدة، ولسْنا نقدر أن نمدَّ يدًا إلى من آتى إليك ما آتى، فإن أدالِني اللهُ على المنافق؛ فأنا خليفتُك وطوْعُ يدك. وبلغ بَهرامَ قدومُ كِسْرى، وتمليك الناس إياه، فأقبل بجنده حثيثًا نحو المدائن، وأذكى أبَرْويزُ العيون عليه، فلمَّا قرُبَ منه رأى أبَرْويز: أن التَّرفُّق به أصْلح، فتسلَّح وأمر بِنْدُويه وبِسْطام وناسًا كان يَثِقُ بهم من العظماءِ وألفَ رجُل من جنْده، فتزيَّنوا وتسلَّحوا، وخرج بهم أبَرْويز من قصْره نحو بهرام، والنَّاس يدعون له، وقد احْتوَشه بِنْدُويه وبِسطام وغيرُهما من الوجوه حتَّى وقف على شاطئ النَّهْرَوان، فلمَّا عرف بهرام مكانَه، ركب بِرْذَوْنًا له أبلقَ كان معجبًا بِه، وأقْبَل حاسِرًا ومعه إيزَدْجُشْنَس وثلاثةُ نفر من قرابة مَلِك الترك كانوا جَعَلوا لبهرام على أنفْسهم أن يأتوه بابَرْويز أسيرًا، وأعْطاهم بهرامُ على ذلك أموالًا عظيمة. ولمَّا رأى بَهْرام بِزَّة كسرى وزينتَه والتاجَ، يُسَايره معه "دِرَفْش كابيان" علَمُهُمِ الأعْظم منشورًا، وأبصر بِنْدُويَه وبِسْطام وسائرَ العُظماء وحسنَ تسلحِهم وفراهة دوابِّهم؛ اكْتأب لذلك، وقال لمن معه: ألا تَروْن ابنَ الفاعلة قد ألْحَمَ وأشْحم، وتحوَّل من الحداثة إلى الحُنْكة، واسْتَوَتْ لِحْيَتهُ وكَملَ شبابهُ، وعظُم بَدَنُه؛ فبينا هو يتكلَّم بهذا وقد وقف على شاطئ النَّهروان؛ إذ قال كِسْرى لبعض منْ كان واقفًا: أيّ هؤلاء بهرام؟ فقال أخ لبهرام يسمَّى كُرْدي لم يزل مُطيعًا لأَبَرْويز مُؤْثرًا له: عمَّرك الله! صاحبُ البِرْذون الأبلق. فبدأ كِسرى فقال: إنَّك يا بهرام رُكنٌ لمملكتنا وسنادٌ لرعيَّتنا، وقد حَسُن بلاؤُك عندنا، وقد رأينا أن نخْتار لك يومًا صالحًا لنُولِّيَكَ فيه إصْبَهْبَذَةَ بلاد الفرس جميعًا؛ فقال له بهرام - وازداد من كِسْرى قربًا -: لكنِّي أختار لك يومًا أصلبك فيه، فامتلأ كِسْرى حُزنًا من غير أن يبدوَ في وجْهه من ذلك شيء، وامتدَّ بينهما الكلام، فقال بهرام لأَبَرْويز: يا بن الزانية المُرَبَّى في خيام الأكراد! هذا ومثله، ولم يقبل شيئًا ممَّا عرضه عليه، وجرى

стр. 2363

ذِكْر إيرش جدّ بهرام، فقرَّعه أبَرْويز بطاعة إيرش كانت لِمنوشِهْر جدّه، وتفرَّقا وكلُّ واحد منهما على غاية الوحْشة لصاحبه. وكانت لبهرامَ أختٌ يقال لها: كُرْدية، من أتمِّ النساء وأكملهنَّ، وكان تزوَّجَها، فعاتبت بهرام على سوء مُلافظته كانت لكِسْرى، وأرَادَتْه على الدُّخول في طاعته، فلم يقبل ذلك، وكانت بين كِسْرى وبهرام مُباينة، فيُقَال: إنَّه لما كان من غدِ الليلة التي كان البيات فيها؛ أبْرز كسرى نفسْه، فلما رآه الأتْراك الثلاثة؛ قصدوه، فقتلهم بيده أبَرْويز، وحرَّض الناسَ على القتال فتبيَّن فشلًا، فأجمع أبَرْويز على إتيان بعض الملوك للاسْتجاشة به، فصار إلى أبيه وشاوره، فرأى له المصير إلى ملك الروم، فأحْرَزَ نساءَه وشَخَص في عذة يسيرة، فيهم: بِنْدُويه، وبِسطام، وكُرْدي أخو بهرام، فلمَّا خرجوا من المدائن خاف القوم من بهرام أن يردّ هرمز إلى الملْك، ويكتُبَ إلى ملك الروم عنه في ردّهم فَيُتْلَفوا، فأعلموا أبَرْويز ذلك، واستأذَنُوهُ في إتلاف هرمز فلم يحِرْ جوابًا، فانصرف بِندُويه وبِسطام وبعض من كان معهم إلى هرمز حتى أتلفوه خَنْقًا، ثم رجعوا إلى كِسْرى وقالوا: سِرْ على خير طائر، فححوا دوائهم وصاروا إلى الفُرَات فقطعوه، وأخذوا طريقَ المفازة بدلالة رجل يقال له: خُرْشيذان، وصاروا إلى بعض الدِّيارات التي في أطراف العمارة، فلما أوطنوا إلى الراحة غشِيَتْهم خيلُ بهرام، يرأسُها رجلٌ يقال له بهرام بن سِياوَش، فلمَّا نذِروا بهم أنبه بنْدُوَيه أبَرْويزَ من نومه وقال له: احتلْ لنفسك، فإنَّ القوم قد أطلّوك؛ قال كسرى: ما عندي حيلة، فأعلمه بِنْدُوَيه: أنَّه يبذل نفسه دونه، وسأله أن يدفع إليه بِزَّته ويخرج ومن معه من الدَّير، ففعلوا ذلك، وبادروا القومَ حتى تَوَارَوْا بالجبل، فلمَّا وافى بهرام بن سياوش، اطَّلع عليه من فوق الدَّير بِنْدويه وعليه بِزَّة أبَرْويز، فَوَهّمه بذلك أنه أبَرْويز، وسأله أن يُنْظِره إلى غده ليصير في يده سلمًا، فأمسك عنه، ثم ظهر بعد ذلك على حيلته، فانصرف به إلى جوبين، فحبسه في يدي بهرام بن سِياوش. ويقال: إنَّ بهرام دخل دُور الملك بالمدائن، وقعد على سريره، واجتمع إليه الوجوه والعظماء فخطبهم ووقع في أبَرْويز، وذمَّه، ودار بينه وبين الوجوه مناظرات [وكلام] كان كقهم منصرفًا عنه، إلَّا أن بهرام جلس على سرير الملك وتتوَّج وانْقادَ له الناس خوفًا - ويقال: إنَّ بهرام بن سِيَاوش واطَأ بِنْدويه على الفتْك

стр. 2364

بجوبين، وإنَّ جوبين ظهر على ذلك فقتله، وأفلت بِنْدويه فلحق بآذربيجان، وسَار أبَرْويز حتى أتى أنطاكيَة، وكاتب مَوْريق ملك الزوم منها، وأرْسل إليه بجماعة ممَّن كان معه وسأله نُصْرَته، فأجابَه إلى ذلك، وقادته الأمور إلى أن زَوّجه مريم ابنتَه وحملها إليها، وبعث إليه بنياذوس أخيه ومعه ستون ألف مقاتل، عليهم رجل يقال له: سرْجِس، يتولّى تدبير أمرهم، ورجلٌ آخر كانت قوّته تعدل بقوّة ألف رجل، واشترط عليه حياطته، وألّا يسْأله الإتاوة التي كان آباؤه يسألونها ملوكَ الروم، فلمَّا ورد القوم على أبَرْويز اغتبط، وأراحهم بعد موافاتهم خمسة أيام، ثمَّ عرضهم وعرَّف عليهم العرفاء، وفي القوْم ثياذوس، وسَرْجِس، والكَمِيّ الذي يعدل بألف رجل؛ وسار بهم حتى صار إلى آذربيجان، ونزل صحراء تدعى الدنق. فوافاه هناك بِنْدُوَيه ورجل مَنْ أصْبهْبَذِي الناحية يقال له: مُوسِيل في أربعين ألف مقاتل، وانقضّ الناس من فارس وأصْبَهان وخُراسان إلى أبَرْويز، وانتهى إلى بهرام مكانه بصحراء الدَّنق، فشخص نحوه من المدائن، فجرت بينهما حرْب شديدة قُتِل فيها الكميُّ الرّوميّ، ويقال: إن أبَرْويز حارب بهرام منفردًا من العسكر بأربعة عشر رجلًا - منهم كُرْدِي أخو بهرام، وبِنْدُويه، وبِسطام، وسَابُور بن أفريان بن فرُّخزاد، وَفرْخْهُرْمُز - حربًا شديدًا وصل فيها بعضُهم إلى بعض. والمجوس تزعم: أن أبَرْويز صار إلى مضيق واتبعه بهرام، فلمَّا ظن: أنه قد تمكّنَ منه؛ رفعه إلى الجبل شيء لا يوقف عليه. وذُكِر: أن المنجّمين أجمعت: أن أبَرْويز يملك ثمانيًا وأربعين سنة. وقد كان أبرَويز بَارَزَ بهْرام فاختطف رُمْحه من يده وضرب به رأسه حتى تقصَّف، فاضطرب على بهرام أمرُه ووجِل، وعلم: أنَّه لا حيلة له في أبَرْويز فانحاز نحوَ خراسان، ثم صار إلى التّرك، وصار أبَرْويز إلى المدائن بعد أن فرَّق في جنود الرُّوم عشرين ألف ألف وصرفهم إلى موريق. ويقال: إنَّ أبَرْويز كتب للنَّصارى كتابًا أطلق لهم فيه عمارة بِيَعِهِم وأنْ يدخل في ملّتِهم منِ أحبَّ الدخولَ فيها من غير المجوس، واحتجَّ في ذلك: أنّ أنُوشِرْوان كان هادَن قيصَر في الإتاوة التي أخذها منه على اسْتِصْلاح من في بلده من أهْل بلده، واتّخاذ بيوت النيران هنالك، وإنَّ قيصر اشترط مثل ذلك في النصارى؛ ولبث بهرام في الترك مكرَّمًا عند الملك، حتى احتال له أبَرْويز بتوْجيه رجل يقال له: هُرْمز، وجَّهه إلى التَرْك بجوْهر نفيس وغيره حتى احتال لخاتون امرأة الملك ولاطَفَها بذلك إدجوهر وغيره، حتَّى

стр. 2365

دَسَّت لبهرام مَنْ قتله. فيقال: إنَّ خاقان اغتمَّ لقتْله وأرسل إلى كردية أخته وامْرَأتِه يُعْلمها بلوغ الحادث ببهرام منه، ويسألُها أن تُزوّج نفْسها نطرًا أخاه، وطلَّق خاتون بهذا السَّبب، فيقال: إن كردية أجابت خاقان جوابًا ليّنًا وصرفت نطرًا، وإنَّها ضمَّت إليها من كان جمع أخيها من المُقَاتلة وخرجت بهم من بلاد التّرك إلى حدود مَمْلكة فارس، وإنَّ نطرًا التركي اتَبَعها في اثنيْ عشر ألف مقاتل، وإنَّ كردية قتلت نطرًا بِيَدِها ومضت لوجْهِها، وكَتَبتْ إلى أخيها كردي فأخذ لها أمانًا من أبَرْويز، فلمَّا قدمت عليه تزوَّجَهَا أبَرْويز واغْتَبَط بها وشكر لها ما كان من عِتابها لبهرام، وأقبل أبَرْويزُ على بِرّ مورِيق وإلطافه. وإنَّ الروم خَلَعُوا - بعْد أن ملك كسرى أربع عشرة سنة - موريقَ وقتلوه وأبادوا وَرَثَتَهُ - خلا ابن له هرب إلى كسرى - وملَّكوا عليهم رجلًا يقال له: قُوفا. فلمَّا بلغ كِسْرى نكثُ الروم عهدَ موريق وقَتْلُهم إيَّاه؛ امتعض من ذلك وأنِفَ منه، وأخذته الحفيظة، فآوى ابنَ موريق اللّاجئَ إليه، وتوّجَه وملَّكه على الروم، ووجَّه معه ثلاثة نفر من قُوَّاده في جنود كثيفة. أمَّا أحدهم فكان يقال له: رُميوزان، وجَّهه إلى بلاد الشامِ فدوَّخها حتى انتهى إلى أرض فِلَسْطين، وورد مدينة بيت المَقْدس فأخذ أسْقُفها ومن كان فيها من القِسِّيسين وسائر النصارى بخشبة الصَّليب، وكانت وُضعت في تابوت من ذهب، وطُمِر في بُسْتان وزُرعَ فَوْقه مبقلة، وألحَّ عليهم حتى دلُّوه على موضعها، فاحتفر عنها بيده واستَخْرجها، وبعث بها إلى كِسْرى في أربع وعشرين من ملكه. وأمَّا القائدُ الآخر - وكان يقال له: شاهين، وكان فاذوسبان المغرب - فإنّه سار حتى احتوى على مصر والإسكندرية وبلادِ نُوبة، وبعث إلى كِسْرى بمفاتيح مدينة إسكندرتة في سنة ثمان وعشرين من ملكه. وأما القائد الثالث فكان يقال له: فَرُّهان، وتدعى مرتبته شَهْربَراز. وإنَّه قصد القُسْطنْطِينيَّة حتى أناخ على ضَفَّة الخليج القريب منها، وخيَّم هنالك، فأمره كِسْرى فخرَّب بلاد الرُّوم غضبًا ممَّا انتهكوا من موريق، وانتقامًا له منهم، ولم يخضع لابن موريق من الرّوم أحد ولم يمنحه الطاعة، غير أنَّهم قتلوا قوفا الملكَ الذي كانوا ملّكوه عليهم لِمَا ظَهَرَ لهم من فجوره وجرْأته على الله وسوء تدبيره، وملَّكوا عليهم رجلًا يقال له: هِرَقْل. فلمَّا رأى هرقل عظيم ما فيه بلادُ الروم من تخْريب جنود فارس إيَّاها وقَتْلِها

стр. 2366

مُقَاتِلتهم وسبيهم ذرارِيّهم واسْتِباحَتِهم أموالهم وانْتِهاكِهم ما بحضْرتهم؛ بكى إلى الله وتضرَّع إليه وسأله أن يُنْقِذه وأهلَ ممْلكته من جنود فارس، فرأى في منامه رجلًا ضخْمَ الجثَّة رفيعَ المجلس، عليه بِزّة، قائمًا في ناحية عنه، فدخل عليهما داخل، فألقى ذلك الرَّجل عن مجلسه، وقال لهرقل: إني قدْ أسلمته في يدك، فلم يقصُصْ رؤْياه تلكَ في يقظته على أحد، ورأى الليلة الثانية في منامه: أن الرَّجل الذي رآه في حلمه جالس في مجْلس رفيع، وأنَّ الرَّجل الدَّاخلَ عليهما أتاهُ وبيَدِه سلْسِلة طويلة، فألقاها في عُنُق صاحب المجلس وأمكنه منْه، وقال له: هأَنذا قد دفعتُ إليك كِسْرى بِرُمَّته، فاغْزُه فإنَّ الظفر لك، وإنَّك مدالٌ عليه ونائلٌ أمْنيتك في غَزَاتك. فلمَّا تتابعت عليه هذه الأحلام، قصَّها على عظماء الروم وذوي الرأي منهم. فأخبروه: أنَّه مدالٌ عليه، وأشاروا عليه أن يغزوَه، فاستعدّ هِرَقل واستخلف ابنًا له على مدينة قسطنطينِيَّة، وأخذ غير الطريق الذي فيه شَهْرَبراز، وسار حتَّى أوغل في بلاد أرمينيَة، ونزل نَصيبين بعد سنة، وكان شاهين - فاذوسبانُ المغرب - بباب كِسْرى حين ورد هِرَقْل نَصيبين لموْجدة كانت من كسرى عليه، وعزله إيَّاه عن ذلك الثَّغْر، وكان شهربراز مُرابطًا للموضع الذي كان فيه لتقدّم كسرى كان إليه في الجثوم فيه، وترك البراح منه، فبلغ كسْرَى خبرُ تساقط هِرَقْل في جنوده إلى نَصيبين، فوجَّه لمحاربة هرقْل رجلًا من قُوَّاده يقال له: راهزار، في اثني عشر ألف مقاتل، وأمره أن يقيم بنِينَوَى من مدينة الموْصِل على شاطئ دجلة، ويمنع الرومِ أن يجوزوها - وكان كِسْرَى حين بَلَغه خبرُ هِرَقْل مقيمًا بدَسْكَرة الملك - فنفذ راهزار لأمرْ كسرى، وعسْكر حيث أمره، فقطع هِرقْلِ دِجْلة في موضع آخر إلى الناحية التي كان فيها جندٌ فارس، فأذْكى راهزار العيونْ عليه، فانْصَرَفُوا إليه وأخبروه: أنَّه في سبعين ألف مقاتل، وأيقنَ راهزار: أنَّه ومَنْ معه من الجنود عاجُزون عن مناهضة سبعين ألف مُقَاتل، فكتب إلى كِسْرَى غيرَ مرَّة دَهْم هرقْلٍ إيَّاه بمن لا طاقة له ولمن معه بهم، لكثرتهم وحسنِ عدّتهم، كلُّ ذلك يجيبه كسرى في كتابه: أنَّه إن عجز عن أولئك الرُّوم فلنْ يعجز عن اسْتِقْتَالهم وبذْل دمائهم في طاعته، فلمَّا تتابعت على راهزار جواباتُ كُتُبِه إلى كِسْرى بذلك؛ عبَّى جندَه وناهض الرُّوم، فقتلت الرُّوم راهزار وستَّة آلاف رجُل،

стр. 2367

وانهَزَم بَقيَّتُهُم وهَرَبُوا على وجوههم، وبلغ كِسْرى قتلُ الرُّوم راهزار وما نَال هرقل من الظَّفر، فهدّه ذلك وانحاز من دَسْكَرة الملك إلى المدائن، وتحصَّن فيها لعجْزه عن محاربة هرقل. وسَار هِرَقل حتَّى كان قريبًا من المدائن، فلمَّا تساقط إلى كِسْرى خبرُه واستعدَّ لقتاله؛ انصَرَف إلى أرض الرُّوم وكتب كِسْرى إلى قُوَّاد الجُنْد الذين انهزموا يأمرهم أن يدُلّوه على كلّ رجل منهم ومن أصحابهم، ممّن فشل في تلك الحرب ولم يرابِطْ مركزه فيها، فيأمر أن يعاقب بقدر ما اسْتَوجَب، فأحْرجهم بهذا الكتاب إلى الخلاف عليه، وطلب الحِيَل لنجاة أنفسهم منه، وكتب إلى شهر براز يأمره بالقدوم عليه ويستعجله في ذلك، ويصفُ ما كان من أمْر الرُّوم في عمله. وقد قيل: إنّ قول الله: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥) وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ إنما نزل في أمر أبَرْويز ملك فارس وملك الرُّوم هِرَقل، وما كان بينهما ممَّا قد ذكرت من هذه الأخبار (١). (٢: ١٦٨/ ١٨٤). ٨٤٨ - حدثنا القاسم، قال: حدَّثنا الحسين، قال: حدَّثنا حجَّاج عن أبي بكْر، عن عِكْرمة، قال: كانت في فارس امرأة لا تَلِدُ إلَّا الملوك الأبطال، فدعاها كِسْرى، فقال: إنّي أريدُ أن أبْعَثَ إلى الرُّوم جيشًا وأستعْمِل عليهم رجلًا من بنيك، فأشِيري عليَّ أيّهم أستعمل، قالت: هذا فلانٌ وهو أروغ من ثعْلب، وأحذر من صقْر؛ وهذا فَرُّخان وهو أنفذُ من سِنان، وهذا شَهْربراز وهو أحْلم من كذا؛ فاستعملْ أيَّهم شئت، قال: فإنيّ قد استعملت الحلِيم، فاستعمل شَهْربَراز، فسار إلى الرُّوم بأهلِ فارس وظهر عليهم، فقتَّلَهم وخرَّب مدائِنَهم، وقطع زيتونهم. قال أبو بكر: فحَدَّثْتُ هذا الحديثَ عَطاء الخراسانيّ فقال: أما رأيت بلاد الشام؛ قلت: لا، قال: أما إنَّك لو أتيتَها لرأيتَ المدائنَ التي خُرّبت والزَّيتون الذي قُطع؛ فأتيتُ الشَّام بعد ذلكَ فرأيته. قال عَطاءُ الخراسانيّ: حدَّثني يحيى بن يَعْمَر: أن قَيصَر بعث رجلًا يُدْعى

стр. 2368

قطمة بجيش من الرُّوم، وبعث كِسْرى بشَهْربَراز، فالتقيا بأذْرِعَات وبُصرى - وهي أدْنَى الشَّأم إليكم - فلقيت فارسُ الرومَ فغلبتهْم فارس، ففرح بذلك كُفَّار قريش وكرهه المُسْلِمُون، فأنْزَل الله: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢). . .﴾ الآيات. ثم ذي مثل حديث عِكْرمة، وزاد: فلم يبرح شَهْربَراز يطَؤهم ويخرِّب مدائنهم حتَّى بلغ الخليج، ثمَّ مات كسرى فبلغهم موتُه، فانهزم شَهْرَبَراز وأصحابُه، وأدِيلت عليهم الرُّوم عند ذلك، فاتّبعوهم يُقَتِّلونهم. قال: وقال عِكرمة في حديثه: لمّا ظهرت فارِس على الرُّوم؛ جلس فَرُّخان يشرب، فقال لأصحابه: لقد رأيتُ كأني جالس على سرير كسرى؛ فبلغت كِسْرى، فكتب إلى شَهْربَراز: إذا أتاك كتابي؛ فابعث إليٍّ برأس فَرُّخان. فكتب إليه: أيّها الملك؛ إنَّك لن تجد مثل فَرُّخان؛ إنَّ له نكاية وصوْتًا في العدِوّ فلا تفعل. فكتب إليه: إنَّ في رجال فارس خَلفًا منه، فعجِّل علي برأسه. فراجعه، فغضب كِسْرى فلم يجِبْه، وبعث بريدًا إلى أهْل فارس: إني قد نزعتُ عنكم شَهْربَراز، واستعملتُ عليكم فَرُّخان. ثمَّ دفع إلى البريد صحيفةً صغيرة. وقال: إذا وليَ فَرُّخان الملْك وانقادَ له أخوه؛ فأعطِه هذه الصحيفةَ، فلمَّا قرأ شَهْربَراز الكتاب، قال: سمعًا وطاعةً، ونزل عن سريره وجلس فَرُّخان، ودفع الصَّحيفةَ إليه فقال: ائتوني بِشَهْربَراز، فقدَّمه؛ ليضرب عُنُقَه، فقال: لا تعجل حتَّى أكتب وصِيَّتي، قال: نعم، فدعا بالسَّفَط فأعطاه ثلاث صحائف، وقال: كل هذا راجعتُ فيكَ كِسْرى، وأنت أردتَ أن تقتلني بكتاب واحد! فردَّ المُلْكَ إلى أخيه، وكتب شَهْربَراز إلى قَيصَر ملك الرُّوم: إنَّ لي إليك حاجةً لا تحملها البُرُد ولا تبلّغها الصُّحف، فالقَنِي، ولا تلقني إلَّا في خمسين روميًّا، فإني ألقاك في خمسين فارسيًّا، فأقبل قيصَرُ في خمسمئة ألف روميّ، وجعل يَضعُ العُيُون بين يديه في الطريق، وخاف أن يكون قد مكر به، حتَّى أتاه عيُونُه: أنَّه ليس معه إلَّا خمسون رجلًا، ثم بُسِط لهما والتقيا في قُبَّة ديباج ضُربت لهما، مع كلِّ واحد منهما سكِّين، فدَعَوْا تُرْجمانًا بينهما، فقال شَهْرِبراز: إن الذين خرَّبوا مدائِنَك أنا وأخي بكيدنا وشجاعتنا، وإنَّ كِسْرى حسدنا فأراد أنْ أقتلَ أخي، فأبَيتُ، ثمَّ أمر أخِي أن يقتلني؛ فقد خَلَعْناه جميعًا فنحنُ نقاتله معك. قال: قد أصَبتُما، ثمَّ أشارَ أحدُهما إلى صاحبه: أن السرَّ بين اثنين، فإذا جاوز اثنين فَشَا، قال: أجَلْ،

стр. 2369

فقتلا التّرْجمان جميعًا بسِكِّينَهما؛ فأهلك الله كِسْرى، وجاء الخبرُ إلى رسول الله ﷺ يومَ الحُدَيبِيَة، ففرح ومن معه. وحُدِّثت عن هشام بن محمد: أنه قال: في سنة عشرين من مُلْك كِسْرى أَبَرْويز، بعث الله محمدًا ﷺ ، فأقام بمكة ثلاث عشرة سنة، وهاجر في سنة ثلاث وثلاثين من مُلْكِه إلى المدينة (١). (٢: ١٨٥/ ١٨٦ / ١٨٧). ذكر الخبر عن الأسباب التي حدثت عند إرادة الله إزالة ملْك فارس عن أهل فارس وَوَطِئتْها العربُ بما أكْرَمَهُم به بنبيّه محمد ﷺ من النبوّة والخلافة والمُلْك والسلطان في أيام كِسْرى أبَرْويز. ٨٤٩ - فمن ذلك ما روي عن وَهْب بن منبّه، وهو ما حدَّثنا به ابن حُمَيد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، قال: كان من حديث كِسْرى كما حدَّثني بعضُ أصحابي عن وهب بن منبِّه: أنه كان سَكَر دِجلة العَوْراء، وأنْفقَ عليها في الأموال ما لا يُدْرَى ما هو، وكان طاقُ مَجْلسه قد بُنِيَ بنيانًا لم يُرَ مثله، وكان يعلَق تاجَه، فيجلس فيه إذا جلس للناس، وكان عنده ستون وثلاثمئة رجل من الحُزَاة - والحُزَاة: العلماء - من بين كاهِنٍ وساحرٍ ومنجِّم؛ قال: وكان فيهم رجل من العرب يقال له: السَّائب، يعتاف اعِتيَافَ العرب قلَّما يخطئ - بعث به إليه باذَانُ من اليمن - فكان كِسْرَى إذا حَزَبه أمر؛ جمع كهَّانه وسحَّاره ومنجِّميه، فقال: انظروا في هذا الأمر ما هو؟ فلمَّا أن بعث الله نبيَّه محمدًا ﷺ ؛ أصبح كِسْرى ذات غَداةٍ وقد انقصَصَتْ طاقُ مُلْكه من وسَطها من غير ثقْل، وانخرفت عليه دِجْلة العوْراء، فلمَّا رأى ذلك؛ حزنه، وقال: انقصمت طاقُ ملْكي من ومحطها من غير ثقْل، وانخرقت عليَّ دجلة العوراء، "شاهْ بِشْكَسْت": يقول: المِلك انكسرَ، ثم دعا كُهّانه وسحّاره ومنجّميه، ودعا السَّائب معهم، فقال لهم: انقصَمَتْ طاقُ ملْكي من غير ثقل، وانخرقت عليَّ دجلة العوراء، "شاهْ بِشْكسْتْ" انظُرُوا في هذا الأمر ما هو؟ ! فخرجوا من عنْده فنظروا في أمْره، فأخِذ عليهم بأقطار السماء، وأظلمت عليهم

стр. 2370

الأرض، وتسكّعوا في علمهم، فلا يمضي لساحر سحره، ولا لكاهن كهانته، ولا يستقِيم لمنجّم عِلْمُ نجومه. وبات السائب في ليلة ظلماء على ربوة من الأرض يرمُق برقًا نشأ من قبَل الحجاز، ثم استطار حتى بلغ المشرق، فلما أصبح ذهب ينظر إلى ما تحت قدميه؛ فإذا روضة خضراء، فقال فيما يعتاف: لئن صدق ما أرى، ليخرجَنّ من الحجاز سلطان يبلغ المشرق؛ تُخصِب عنه الأرض كأفضل ما أخصبت عن ملِكٍ كان قبله. فلما خَلَص الكهّان والمنجّمون بعضهم إلى بعض، ورأوْا ما قد أصابهم، ورأى السائب ما رأى، قال بعضهم لبعض: تعلمون والله ما حِيل بينكم وبين علمكم إلَّا لأمر جاء من السّماء، وإنه لَنبيّ قد بُعث -أو هو مبعوث - يسلب هذا الملك ويكسره. ولئن نعيتم لكسرى مُلْكه ليقتلنكم، فأقيموا بينكم أمرًا تقولونه له، تؤخّرونه عنكم إلى أمرٍ ما ساعة. فجاؤوا كسرى، فقالوا له: إنّا قد نظرنا في هذا الأمر فوجدْنا حُسّابك الذين وضعت على حسابهم طاق ملكك، وسكرتَ دجْلة العوراء - وضعوه على النُّحوس، فلما اختلف عليهما الليل والنهار وقعت النحوس على مواقعها، فزال كلّ ما وضع عليهما؛ وإنّا سنحسب لك حسابًا تضع عليه بنيانك فلا يزول. قال: فاحسبوا، فحسبوا له، ثم قالوا له: ابنه، فبنى، فعمل في دجلة ثمانية أشهر وأنفق فيها من الأموال ما لا يدرى ما هو، حتى إذا فرغ أمنها، قال لهم: أجلس على سورها؟ قالوا: نعم، فأمر بالبُسط والفرش والرياحين فوضعت عليها، وأمر بالمرازبة فجمِعوا له، واجتمع إليه اللعّابون، ثم خرج حتى جلس عليها، فبينا هو هنالك انتسفت دجلة البنيان من تحته، فلم يستخرج إلَّا بآخر رَمَق. فلما أخرجوه، جَمع كُهّانه وسُحّاره ومنجّميه، فقتل منهم قريبًا من مئة، وقال: سمّنتكم وأدنيتُكم دون الناس، وأجريت عليكم أرزاقي، ثم تلعبون بي؛ فقالوا: أيها الملك! أخطأنا كما أخطأ مَنْ كان قبلنا، ولكنّا سنحسِب لك حسابًا فتثبّتْ حتى تضعها على الوثاق من السعود. قال: انظروا ما تقولون؛ قالوا: فإنا نفعل؛ قال: فاحسبوا، فحسبوا له، ثم قالوا له: ابنِه، فبنى وأنفق من الأموال ما لا يُدرى ما هو، ثمانية أشهر من ذي قِحل. ثم قالوا: قد فرغنا، قال: أفأخرج فأقعد عليها؛ قالوا: نعم، فهاب الجلوس عليها، وركب بِرْذوْنًا له، وخرج

стр. 2371

يسير عليها؛ فبينا هو يسير فوقها إذ انتسفته دِجْلة بالبنيان، فلم يدرَك إلَّا بآخر رَمَق، فدعاهم فقال: والله لأمرّن على آخركم ولأنزعنّ أكتافكم، ولأطرحنَّكم تحت أيدي الفِيلَة أو لتصدُقُني ما هذا الأمر الذي تلفّقون عليّ! قالوا: لا نكذِبك أيّها الملك، أمرتَنا حين انخرقت عليك دِجلة، وانقصصت عليك طاق مجلسك من غير ثقل أن ننظر في علمنا لِمَ ذلك! فنظرنا، فأظلمت علينا الأرض وأخِذ علينا بأقطار السماء، فتردد علينا علمنا في أيدينا، فلا يستقيم لساحر سحره، ولا لكاهن كهانته، ولا لمنجّم علم نجومه؛ فعرفنا: أن هذا الأمر حَدث من السّماء، وأنه قد بُعِث نبيّ، أو هو مبعوث؛ فلذلك حِيل بيننا وبين علمنا، فخشينا إن نَعْينا لك ملكك أن تقتلنا، وكرهنا من الموت ما يكره الناس، فعلّلناك عن أنفسنا بما رأيت. قال: ويحكم! فهلًا تكونون بيّنتم لي هذا فأرى فيه رأيي! قالوا: منَعنا من ذلك ما تخوّفنا منك، فتركهم ولها عن دِجلة حين غلبته (١). (٢: ١٨٨/ ١٨٩ / ١٩٠). ٨٥٠ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سَلَمة عن ابن إسحاق، عن الفضل بن عيسى الرّقاشيّ، عن الحسن البصريّ: أنّ أصحابَ رسول الله ﷺ قالوا: يا رسول الله! ما حجّة الله على كِسرى فيك! قال: بعث إليه مَلَكًا فأخرج يده من سُور جدار بيته الذي هو فيه يتلألأ نورًا، فلما رآها فزعِ، فقال: لَمْ تُرَعْ يا كسرى! إن الله قد بعث رسولًا وأنزل عليه كتابًا فاتبعْه؛ تَسلمْ دنياك وآخرتك، قال: سأنظر (٢). (٢: ١٩٠/ ١٩١). ٨٥١ - حدثنا ابن حُميد، قال: حدثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن الزهريّ، عن أبي سلَمة بن عبد الرحمن بن عوف، قال: بَعَث الله إلى كسرى ملَكًا وهو في بيت إيوانه الذي لا يُدْخل عليه فيه، فلم يرعه إلَّا به قائمًا على رأسه في يده عصا بالهاجرة في ساعته التي كان يَقيل فيها، فقال: يا كسرى! أتُسْلِم أو أكسر هذه العصا! فقال: بِهِلْ بِهِلْ، فانصرف عنه ثم دعا أحراسه وحجّابه فتغيّظ عليهم، وقال: من أدخل هذا الرجل عليّ؟ فقالوا: ما دخل عليك أحد ولا رأيناه؛ حتى إذا كان العام القابل أتاه في الساعة التي أتاه

стр. 2372

فيها، فقال له كما قال له، ثم قال له: أتُسلِم أو أكسر هذه العصا؟ فقال: بِهِلْ بهِلْ بِهِلْ؛ ثلاثًا؛ فخرج عنه فدعا كسرى حجّابه وحرّاسه وبوّابيه فتغيّظ عليهم وقال لهم كما قال أول مرة، فقالوا: ما رأينا أحدًا دخل عليك. حتى إذا كان في العام الثالث أتاه في الساعة التي جاءه فيها، فقال له كما قال: أتُسلِم أو أكسر هذه العصا؟ فقال: بِهِلْ بِهِلْ، قال: فكسر العصا، ثم خرج فلم يكن إلَّا تهوُّرُ ملكه؛ وانبعاثُ ابنه والفرْس حتى قتلوه (١). (٢: ١٩١). ٨٥٢ - قال عبد الله بن أبي بكر: فقال الزهريّ: حدّثت عمر بن عبد العزيز هذا الحديث عن أبي سلمة بن عبد الرحمن فقال: ذُكِر لي: أن الملَك إنما في خل عليه بقارورتين في يديه، ثم قال له: أسلم، فلم يفعل، فضرب إحداهما على الأخرى فرضّهما، ثم خرج فكان من [أمر] هلاكه ما كان (٢). (١: ١٩١). ٨٥٤ - حدثني يحيى بن جعفر، قال: أخبرنا عليّ بن عاصم، قال: أخبرَنا خالد الحذّاء، قال: سمعت عبد الرحمن بن أبي بَكْرة، يقول: بينما كسرى بن هرمز نائم ليلة في هذا الإيوان، إيوان المدائن، والأساورة محدِقون بقصره؛ إذ أقبل رجل يمشي معه عصا، حتى قام على رأسه، فقال: يا كسرى بن هرمز؛ إنّي رسول الله إليك أن تُسلم، قالها ثلاث مرات - وكسرى مستلقٍ ينظر إليه لا يجيبه؛ ثم انصرف عنه - قال: فأرسل كسرى إلى صاحب حَرَسه، فقال: أنت أدخلت عليّ هذا الرجل؟ قال: لم أفعل ولم يدخل من قِبَلنا أحد. قال: فلما كان العام المقبل، خاف كسرى تلك الليلة. فأرسل إليه أن أحِدقْ بقصري، ولا يدخل عليّ أحد، قال: ففعل، فلما كان تلك الساعة إذا هو قائم على رأسه، ومعه عصًا، وهو يقول له: يا كسرى بن هرمز! إنّي رسولُ الله إليك أن تُسلم، فأسِلم خير لك - قال: وكسرى ينظر إليه لا يجيبه - فانصرف عنه، قال: فأرسل كسرى إلى صاحب الحرس: ألم آمرك ألا يدخلَ عليّ أحد! قال: أيّها الملك؛ إنّه والله ما دخل عليك مِنْ قِبَلنا أحد، فانظرْ من أين دخل عليك؟ قال: فلما كان العام المقبل؛ فكأنّه خاف تلك الليلة، فأرسل إلى صاحب الحرَس والحرس: أن أحدِقوا بي الليلة، ولا تدخل امرأة ولا رجل، ففعلوا، فلما كان تلك الساعة؛

стр. 2373

إذا هو قائم على رأسه، وهو يقول: يا كسرى بن هرمز! إني رسول الله إليك أن تُسْلِم؛ فأسلِم خير لك، قالها ثلاث مرات وكسرى ينظر إليه لا يجيبه. قال: يا كسرى! إنك قد أبيتَ علي، والله ليكسرنّك الله كما أكْسِرُ عصايَ هذه! ثم كسرها وخرج؛ فأرسل كسرى إلى الحرس، فقال: ألم آمركم ألا يدخل عليّ الليلة أحد، أهل ولا ولد؛ قالوا: ما دخل عليك من قِبَلنا أحد! قال: فلم يلبث أن وَثب عليه ابنُه فقتله (١). (٢: ١٩٢/ ١٩٣). وأمّا علماء الإسلام فقد ذكرت قبلُ ما قال فيه بعضهم، وأذكر بعض مَنْ لم يمض ذكره منهم الآن؛ فإنهم قالوا: كان بين آدم ونوح عشرة قرون؛ والقرن مئة سنة. وبين نوح وإبراهيم عشرة قرون والقرن مئة سنة. وبين إبراهيم وموسى بن عمران عشرة قرون. والقرن مئة سنة. ٨٥٥ - ذكر من قال ذلك: حدَّثنا ابن بشار، قال: حدَّثنا أبو داود، قال: حدَّثنا همّام عن قتادة، عن عِكْرمة، عن ابن عباس، قال: كان بين آدم ونوح عشرة قرون، كلّهم على شريعة من الحق (٢). (٢: ٢٣٥). ٨٥٦ - حدّثني الحارث بن محمّد، قال: حدَّثنا محمد بن سعد، قال: حدَّثنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمي عن غير واحد من أهل العلم، قالوا: كان بين آدم ونوح عشرة قرون، والقرن مئة سنة، وبين نوح وإبراهيم عشرة قرون، والقرن مئة سنة، وبين إبراهيم وموسى بن عمران عشرة قرون، والقرن مئة سنة (٣). (٢: ٢٣٥). ٨٥٧ - وروي عن عبد الرحمن بن مهدّي عن أبي عَوانة، عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان، عن سلمان، قال: الفترة بين محمّد وعيسى ﵉ ستّمئة سنة. وروي عن فُضَيل بن عبد الوهاب عن جعفر بن سليمان، عن عوف، قال:

стр. 2374

كان بين عيسى وموسى ستمئة سنة (١). (٢: ٢٣٥). ٨٥٨ - حدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن عُلَيَّة، عن سعيد بن أبي صدقة، عن محمد بن سيرين، قال: نبِّئت: أن كعبًا قال: إن قوله: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ ليس بهارون أخي موسى، قال: فقالت له عائشة: كذبت، قال: يا أمّ المؤمنين! إن كان النبي ﷺ قال فهو أعلم وأخبر؛ وإلّا فإني أجد بينهما ستمئة سنة. قال: فسكتَتْ (٢). (٢: ٢٣٦). ٨٥٩ - حدّثني الحارث، قال: حدَّثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا هشام عن أبيه، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: كان بين موسى بن عمران وعيسى بن مريم ألف سنة وتسعمئة سنة، ولم يكن بينهما فتْرة، وإنه أرسِل بينهما ألف نبيّ من بني إسرائيل، سوى مَنْ أرسل من غيرهم، وكان بين ميلاد عيسى والنبيّ خمسمئة وتسع وستون سنة، بعث في أولها ثلاثة أنبياء، وهو قوله: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيهِمُ اثْنَينِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ والذي عُزّز به شمعون، وكان من الحواريّين، وكانت الفترة التي لم يبعث الله فيها رسولًا أربعمئة وأربعًا وثلاثين سنة، وإن عيسى حين رفع كان ابن اثنتين وثلاثين سنة وستة أشهر، وكانت نبوّته ثلاثين شهرًا، وإن الله رفعه بجسده، وإنه حيٌّ الآن (٣). (٢: ٢٣٦). ٨٦٠ - حدّثني محمد بن سهل بن عسكر، قال: حدَّثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدَّثني عبد الصمد بن معقل: أنّه سمع وهبًا يقول: قد خلا من الدنيا خمسة آلاف سنة وستمئة سنة (٤). (٢: ٢٣٦). ٨٦٠ / أ - فهذا ما روي عن علماء الإسلام في ذلك، وفي ذلك من قولهم تفاوت شديد، وذلك: أن الواقديّ حكَى عن جماعة من أهل العلم أنهم قالوا ما ذكرت عنه أنه رواه عنهم. وعلى ذلك من قوله ينبغي أن يكون جميع سنِي الدنيا إلى مولد نبينا ﷺ أربعة آلاف سنة وستمئة سنة، وعلى قول ابن عبّاس الذي رواه

стр. 2375

هشام بن محمد عن أبيه، عن أبي صالح، عنه، ينبغي أن يكون إلى مولد النبي ﷺ خمسة آلاف سنة وخمسمئة سنة. وأمَّا وهب بن منبّه فقد ذكر جملة من قوله من غير تفصيل، وأنّ ذلك إلى زمنه خمسة آلاف سنة وستمئة سنة، وجميع مدّة الدنيا عند وهب ستة آلاف سنة، وقد كان مضى عنده من ذلك إلى زمانه خمسة آلاف سنة وستمئة سنة. وكانت وفاة وهب بن منبّه سنة أربع عشرة ومئة من الهجرة، فكأنّ الباقيَ من الدنيا على قول وهب من وقتنا الذي نحن فيه، مئتا سنة وخمس عشرة سنة. وهذا القول الذي قاله وهب بن منّبه موافق لما رواه أبو صالح، عن ابن عباس. وقال بعضهم: من وقت هبوط آدم ﵇ إلى أن بعث نبينا ﷺ ستة آلاف سنة ومئة وثلاث عشرة سنة، وذلك: أنّ عنده من مَهْبِط آدم إلى الأرض إلى الطوفان ألفي سنة ومئتي سنة وستًّا وخمسين سنة، ومن الطّوفان إلى مولد إبراهيم خليل الرحمن ألف سنة وتسعًا وسبعين سنة، ومن مولد إبراهيم إلى خروج موسى ببني إسرائيل من مصر خمسمئة سنة وخمسًا وستين سنة ومن خروج موسى إلى بني إسرائيل من مصر إلى بناء بيت المقدس - وذلك لأربع سنين من مُلْك سليمان بن داود - ستّمئة سنة وستًّا وثلاثين سنة، ومن بناء بيت المقدس إلى مُلْك الإسكندر سبعمئة سنة وسبع عشرة سنة، ومن ملك الإسكندر إلى مولد عيسى بن مريم ﵇ ثلاثمئة سنة وتسعًا وستين سنة، ومن مولد عيسى إلى مبعث محمّد ﷺ خمسمئة سنة وإحدى وخمسين سنة، ومن مبعثه إلى هجرته من مكة إلى المدينة ثلاث عشرة سنة. وقد حدّث بعضهم عن هشام بن محمد الكلبيّ عن أبيه، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس: أنه قال: كان من آدم إلى نوح ألفا سنة ومئتا سنة، ومن نوح إلى إبراهيم ألف سنة ومئة سنة وثلاث وأربعون سنة، ومن إبراهيم إلى موسى خمسمئة سنة وخمس وسبعون سنة، ومن موسى إلى داود مئة سنة وتسع وسبعون سنة، ومن داود إلى عيسى ألف سنة وثلاث وخمسون سنة، ومن عيسى إلى محمد ستّمئة سنة. وحدّث الهيثم بن عديّ عن بعض أهل الكتب: أنه قال: من آدم إلى الطُّوفان

стр. 2376

ألفا سنة ومئتا سنة وستّ وخمسون سنة، ومن الطوفان إلى وفاة إبراهيم ألف سنة وعشرون سنة، ومن وفاة إبراهيم إلى دخول بني إسرائيل مصر خمس وسبعون سنة، ومن دخول يعقوب مصر إلى خروج موسى منها أربعمئة سنة وثلاثون سنة، ومن خروج موسى من مصر إلى بناء بيت المقدس خمسمئة سنة وخمسون سنة، ومن بناء بيت المقدس إلى ملك بختنصّر وخراب بيت المقدس أربعمئة سنة وست وأربعون سنة، ومن ملك بختنصّر إلى ملك الإسكندر أربعمئة سنة وستّ وثلاثون سنة، ومن ملك الإسكندر إلى سنة ستٍّ ومئتين من الهجرة ألف سنة ومئتان وخمس وأربعون سنة (١). (٢: ٢٣٨). ذكر نسب رسول الله ﷺ وذكر بعض أَخبار آبائه وأَجداده اسم رسول الله ﷺ محمَّد، وهو ابن عبد الله بن عبد المطّلب، وكان عبد الله أبو رسول الله أصغرَ ولد أبيه، وكان عبد الله، والزبير، وعبد مناف - وهو أبو طالب - بنو عبد المطّلب لأمّ واحدة، وأمّهم جميعًا فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم؛ حدَّثنا بذلك ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة بن الفضل عن ابن إسحاق. وحدِّثت عن هشام بن محمّد عن أبيه: أنه قال: عبد الله بن عبد المطّلب أبو رسول الله، وأبو طالب -واسمه: عبد مناف- والزبير، وعبد الكعبة، وعاتكة، وبرّة، وأمَيمة ولَدُ عبد المطلب إخوة؛ أتم جميعهم فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم بن يَقَظة. وكان عبد المطّلب -فيما حدّثني يونس بن عبد الأعلى- قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا يونس بن يزيد عن ابن شهاب، عن قبيصة بن ذؤيب: أنه أخبره أن امرأة نَذَرت أن تنحر ابنها عند الكعبة في أمر إن فعلته، ففعلت ذلك الأمر، فقدمت المدينة لتستفتيَ عن نَذْرها، فجاءت عبدَ الله بن عمر، فقال لها عبد الله بن عمر: لا أعلم الله أمَر في النذر إلَّا الوفاء به، فقالت المرأة: أفأنحَرُ

стр. 2377

ابني؟ ! قال ابن عمر: قد نهاكم الله أن تقتلوا أنفسكم؛ فلم يزدها عبد الله بن عمر على ذلك، فجاءت عبدَ الله بن عبّاس فاستفتته، فقال: أمر الله بوفاء النذر [والنذر دين]، ونهاكم أن تقتلوا أنفسكم - وقد كان عبد المطلب بن هاشم نَذرَ إن توافَى له عشرة رهط؛ أن ينحرَ أحدهم، فلما توافَى له عشرة؛ أقْرع بينهم: أيّهم ينحر؟ فطارت القرعة على عبد الله بن عبد المطّلب، وكان أحبَّ الناس إلى عبد المطلب، فقال عبد المطّلب: اللهمّ هو أو مئة من الإبل، ثم أقرع بينه وبين الإبل، فطارت القُرعة على المئة من الإبل - فقال ابن عبّاس للمرأة: فأرى أن تنحري مئة من الإبل مكان ابنك، فبلغ الحديث مرْوان، وهو أمير المدينة، فقال: ما أرى ابن عمر ولا ابن عباس أصابا الفُتْيا: إنه لا نذر في معصية الله، استغفري الله وتوبي إلى الله، وتصدّقي واعملي ما استطعت من الخير؛ فأمّا أن تنحري ابنك فقد نهاك الله عن ذلك. فسُرّ الناس بذلك، وأعجبهم قولُ مرْوان، ورأوا: أنه قد أصاب الفتيَا، فلم يزالوا يفتون بألّا نَذْرَ في معصية الله (١). (٢٤٠: ٢). ٨٦١ - وأمّا ابن إسحاق؛ فإنه قصّ من أمر نذر عبد المطلب هذا قصّة، هي أشيع مما في هذا الخبر الذي ذكرناه عن ابن شهاب عن قبيصة بن ذؤيب، وذلك ما حدَّثنا به ابن حُمَيد، قال: حدَّثنا سلمَة بن الفضل عن محمد بن إسحاق، قال: كان عبدُ المطلب بن هاشم -فيما يذكرون والله أعلم- قد نَذرَ حين لقِيَ من قريش في حفر زمزم ما لَقِيَ: لئن وُلد له عشرة نفر ثم بلغوا معه حتّى يمنعوه؛ لينحرنّ أحدَهم لله عند الكعبة، فلما توافى له بنوه عشرة، وعرف: أنهم سيمنعونه، جمعهم ثم أخبرهم بنذْرِه الذي نذر، ودعاهم إلى الوفاء لله بذلك، فأطاعوه، وقالوا: كيف نصنع؟ قال: يأخذ كلّ رجل منكم قِدْحًا، ثم ليكتب فيه اسمه، ثم ائتوني به، ففعلوا، ثم أتوْه، فدخل على هُبَل في جوف الكعبة، وكانت هُبَل أعظمَ أصنام قريش بمكّة، وكانت على بئر في جوف الكعبة، وكانت تلك البئر هي التي يُجمع فيها ما يُهدى للكعبة، وكان عند هُبَل سبعةُ أقْدح، كلّ قِدْح منها فيه كتاب: قِدْح فيه العقل، إذا اختلفوا في العَقْل مَنْ يحمله منهم ضربوا بالقِداح السبعة، [فإن خرج العقل فعلى من خرج حمله]، وقِدْح فيه:

стр. 2378

"نعَمْ" للأمر إذا أرادوه يضرب به" فإن خرج قِدْحْ "نعم" عملوا به، وقدْح فيه "لا"، فإذا أرادوا أمرًا ضربوا به في القداح، فإذا خرج ذلك القِدْح لم يفعلوا ذلك الأمر، وقدْح فيه "منكم"، وقِدْح فيه "مُلْصَق"، وقِدْح فيه "من غيركم"، وقِدْح فيه "المياه"إذا أرادوا أن يحفروا للماء ضربوا بالقِداح، وفيها ذلك القِدْح، فحيثما خرج عملوا به، وكانوا إذا أرادوا أن يختنوا غلامًا، أو يُنكِحوا مَنكحًا، أو يدفنوا ميّتًا، أَوْ شكُوا في نسب أحد منهم ذهبوا به إلى هُبَل وبمئة درهم وجَزور، فأعطوْها صاحب القِداح الذي يضربها، ثم قربوا صاحبهم الذي يريدون به ما يريدون، ثم قالوا: يا إلهنا! هذا ابن فلان، قد أردنا به كذا وكذا، فأخرج الحقَّ فيه؛ ثم يذقولون لصاحب القِداح: اضرب، فيضرب فإن خرج عليه "منكم" كان وسيطًا هذان خرج عليه "من غيركم" كان حليفًا، وإن خرج عليه "ملصَق" كان على منزلته منهم، لا نسب له ولا حِلْف، وإن خرج في شيء سوى هذا مما يعملون به "نعَمْ" عملوا به، وإن خرج "لا" أخّروه عامَهم ذلك حتى يأتوا به مرة أخرى، ينتهون في أمورهم إلى ذلك مما خرجت به القِدَاح - فقال عبد المطلب لصاحب القِداح: اضرب على بَنِيّ هؤلاء بقِداحهم هذه، وأخبره بنذره الذي نَذَر، فأعطَى كلّ رجل منهم قِدْحه الذي فيه اسمه - وكان عبدُ الله بن عبد المطلب أصغرَ بني أبيه، وكان فيما يزعمون أحبّ ولد عبد المطّلب إليه، وكان عبد المطلب يرى أن السهم إذا أخطأه؛ فقد أشْوَى، وهو أبو رسول الله ﷺ فلمّا أخذ صاحبُ القِداح القِداح ليضربَ بها، قام عبد المطّلب عند هُبَل في جوف الكعبة يدعو الله، ثم ضرب صاحبُ القداح، فخرج القِدْح على عبد الله، فأخذ عبد المطلب بيده، وأخذ الشَّفْرة، ثم أقبل إلى إساف، ونائلة - وهما وثنا قريش اللذان تنحر عندهما ذبائحها - ليذبحه، فقامت إليه قريش من أنديتها، فقالوا: ماذا تريد يا عبد المطلب؟ قال: أذبحه فقالت له قريش وبنوه: والله لا تذبحه أبدًا حتى تُعْذِر فيه؟ لئن فعلتَ هذا، لا يزال الرجل يأتي بابنه حتى يذبحه، فما بقاءُ الناس على هذا! فقال له المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم - وكان عبد الله ابن أخت القوم -: والله لا تذبحه أبدًا حتى تعذِر فيه؛ فإن كان فداؤه بأموالنا فديناه. وقالت له قريش وبنوه: لا تفعل، وانطلِقْ به إلى الحجاز، فإنّ به عَرَّافة لها تابع، فسلْها، ثم أنت على رأس أمرك؛ إن أمَرَتْك أن تذبحه؛ ذبحتَه، وإن أمرتْك بأمر لك وله فيه فرج، قَبِلْته.

стр. 2379

فانطلقوا حتى قدموا المدينة، فوجدوها -فيما يزعمون- بخيبر، فركبوا إليها حتى جاؤوها، فسألوها، وقَصّ عليها عبد المطّلب خبره، وخبر ابنه، وما أراد به، ونذرَه فيه. فقالت لهم: ارجعوا عَنّي اليوم حتى يأتيَني تابعي فأسأله. فرجعوا عنها، فلمَّا خرجوا من عندها؛ قام عبد المطّلب يدعو الله، ثم غدوْا عليها، فقالت: نعم، قد جاءني الخبر، كم الدِّيةُ فيكم؟ قالوا: عشر من الإبل - وكانت كذلك - قالت: فارجعوا إلى بلادكم، ثم قرّبوا صاحبكم، وقربوا عَشْرًا من الإبل، ثم اضربوا عليها وعليه بالقِداح، فإن خرجت على صاحبكم؛ فزيدوا في الإبل حتى يرضى ربُّكم، وإن خرجت على الإبل؛ فانحروها، فقد رضيَ ربُّكم، ونجا صاحبكم. فخرجوا حتى قدموا مكّة، فلما أجمعوا لذلك من الأمر؛ قام عبد المطّلب يدعو الله، ثم قَرّبوا عبد الله وعشرًا من الإبل - وعبد المطّلب في جوف الكعبة عند هُبَل يدعو الله - فخرج القِدْح على عبد الله، فزادوا عشرًا، فكانت الإبل عشرين، وقام عبد المطّلب في مكانه ذلك يدعو الله، ثم ضربوا فخرج السَّهم على عبد الله، فزادوا عشرًا من الإبل، فكانت ثلاثين، ثم لم يزالوا يضربون بالقِداح، ويخرج القِدْح على عبد الله، فكلّما خَرج عليه زادوا من الإبل عشرًا؛ حتى ضربوا عشر مرات، وبلغت الإبل مئة، وعبد المطّلب قائم يدعو، ثم ضربوا فخرج القِدْح على الإبل، فقالت قريش ومَنْ حضر: قد انتهى رضا ربّك يا عبد المطّلب! فزعموا: أن عبد المطّلب قال: لا والله حتَّى أضرب عليها ثلاث مرات! فضربوا على الإبل وعلى عبد الله، وقام عبد المطّلب يدعو، فخرج القِدْح على الإبل، ثم عادوا الثانية وعبد المطّلب قائم يدعو، ثم عادوا الثالثة فضربوا، فخرج القِدْح على الإبل فنُحِرت، ثم ترِكتْ لا يُصدُّ عنها إنسان ولا سَبُع (١). (٢: ٢٤١/ ٢٤٢ / ٢٤٣). ٨٦٢ - ثم انصرف عبدُ المطّلب آخذًا بيد ابنه عبد الله، فمرّ -فيما يزعمون- على امرأة من بني أسد [بن عبد العزّى بن قصيّ بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤيّ بن غالب بن فهر] يقال لها: أمّ قِتَال بنت نوفل بن أسد بن عبد العزَّى، وهي

стр. 2380

أخت ورقة بن نوفل بن أسد، وهي عند الكعبة، فقالت له حين نظرت إلى وجهه: أين تذهب يا عبد الله؟ قال: مع أبي، قالتْ: لك عندي مثل الإبل التي نحِرَتْ عنك، وقعْ على الآن، قال: إن معي أبي ولا أستطيع خلافه، ولا فراقه، فخرج به عبد المطّلب حتى أتى به وَهْبَ بن عبد مناف بن زهرة - ووهب يومئذ سيّد بني زُهرة سنًّا وشرفًا - فزوّجه آمنة بنت وهب، وهي يومئذ أفضلُ امرأة في قريش نسبًا وموضعًا، وهي لبرّة بنت عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصيّ، وبرّة لأم حبيب بنت أسد بن عبد العزّى بن قصيّ، وأم حبيب بنت أسد لبرّة بنت عوف بن عبيد بن عويج بن عديّ بن كعب بن لؤيّ. فزعموا: أنه دخل عليها حين ملكها مكانه فوقَع عليها، فحملت بمحمد ﷺ ، ثم خرج من عندها، حتى أتى المرأة التي عرضت عليه ما عَرَضت، فقال لها: ما لك لا تعرضين عليّ اليومَ ما كنتِ عرضتِ عليّ بالأمس؟ ! فقالت له: فارقك النور الذي كان معك بالأمس، فليس لي بك اليوم حاجة، وقد كانت تسمع من أخيها ورقة بن نوفل - وكان قد تنصّر واتّبع الكتب، حتى أدرك - فكان فيما طلب من ذلك: أنه كائن لهذه الأمة نبيّ من بني إسماعيل (١). (٢: ٢٤٤). ٨٦٣ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمَة، قال: حدثني محمد بن إسحاق عن أبيه إسحاق بن يسار: أنه حدّث أن عبد الله إنما دخلَ على امرأة كانت له مع آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة، وقد عمل في طين له، وبه آثار من الطين، فدعاها إلى نفسه، فأبطأتْ عليه لِمَا رأت به من آثار الطين، فخرج من عندها، فتوضّأ وغسل عنه ما كان به من ذلك، وعمَد إلى آمنة فدخل عليها فأصابها، فحملت بمحمَّد ﷺ ، ثمَّ مرّ بامرأته تلك، فقال: هل لك؟ فقالت: لا، مررتَ بي وبين عينيك غُرّة، فدعوتَني فأبيت، ودخلتَ على آمنة فذهبت بها، فزعموا: أنّ امرأته تلك كانت تحدِّث أنّه مرّ بها وبين عينيه مثل غُرّة الفرس، قالت: فدعوته رجاء أن يكون بي، فأبى عليّ، ودخل على آمنة بنت وهب فأصابها، فحملت برسول الله ﷺ " (٢). (٢: ٢٤٤). ٨٦٤ - حدّثني علي بن حرب الموصليّ، قال: حدَّثنا محمد بن عُمارة

стр. 2381

القرشيّ، قال: حدَّثنا الزنجيّ بن خالد عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: لمّا خرج عبد المطّلب بعبد الله ليزوِّجه؛ مرّ به على كاهنة من خَثْعم، يقال لها فاطمة بنت مُرّ، متهوّدة من أهل تَبالة، قد قرأت الكتب، فرأت في وجهه نورًا، فقالت له: يا فتى! هل لك أن تقع عليّ الآن وأعطيك مئة من الإبل؟ ! فقال: أَمَّا الحَرامُ فالممات دُونَه ... والحِلّ لا حِلّ فأستبينَهْ فكيف بالأَمر الذي تبغينَهْ ثم قال: أنا مع أبي ولا أقدر أن أفارِقه، فمضى به، فزوّجه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة، فأقام عندها ثلاثًا ثم انصرف، فمرّ بالخثعميّة فدعته نفسه إلى ما دعته إليه، فقال لها: هلْ لك فيما كنتِ أردتِ؟ ! فقالت: يا فتى! إني والله ما أنا بصاحبة ريبة، ولكنّي رأيتُ في وجهك نورًا فأردتُ أن يكون فيَّ، وأبي الله إلَّا أن يجعله حيث أراد، فما صنعتَ بعدي؟ قال: زوّجني أبي آمنة بنت وهب، فأقمت عندها ثلاثًا؛ فأنشأت فاطمة بنت مُرّ تقول: إني رأيتُ مخيلَةً لَمَعَتْ ... فتلأْلأتْ بحَناتِم القَطْرِ فَلمَأْتُها نورًا يُضِيءُ له ... ما حَوْلَهُ كإضَاءةِ الْبَدْر فرَجوتُها فَخْرًا أبوءُ به ... ما كلُّ قادِح زَندِهِ يُورِي للهِ ما زُهْرِيَّةٌ سَلَبَتْ ... ثَوْبَيكَ مَا اسْتَلَبَتْ وما تَدْرِي! وقالت أيضًا: بَنِي هاشِمٍ قد غَادَرَتْ مِنْ أخيكمُ ... أمينةُ إذ لِلباه تَعترِكانِ كما غَادَرَ المِصْباحُ عند خُموده ... فتَائِلَ قد مِيثت له بِدهانِ وما كل مَا يَحْوي الفتَى مِن تِلادِهِ ... لعَزْمٍ ولا مَا فاتهُ لِتَوانِ فأجْمِلْ إذَا طَالبْتَ أَمْرًا فإنه ... سيَكفِيكَهُ جَدَّانِ يَعْتَلِجان سَيَكِفيكَهُ إِمَّا يدٌ مُقْفَعِلَّةٌ ... وإمَّا يدٌ مَبسُوطَةٌ ببِنانِ ولمَّا حَوَتْ منْه أمينَةُ ما حَوَتْ ... حَوَتْ منْهُ فَخْرًا ما لذِلِك ثان حدّثني الحارث بن محمد، قال: حدَّثنا محمَّد بن سعد، قال: حدَّثنا محمَّد بن عمر، قال: حدَّثنا معمر وغيره، عن الزهريّ: أن عبد الله بن عبد المطّلب كان أجملَ رجال قريش، فذكر لآمنة بنت وهب جمالُه وهيئته،

стр. 2382

وقيل لها: هل لك أنْ تزَوَّجيه! فتزوّجَتْه آمنة بنت وهب، فدخل بها، وعلِقت برسول الله ﷺ ، وبعثه أبوه إلى المدينة في مِيرة يحمل لهم تمرًا، فمات بالمدينة، فبعث عبد المطّلب ابنَه الحارث في طلبه حين أبطأ، فوجده قد مات. قال الواقديّ: هذا غلط، والمجتمع عليه عندنا في نكاح عبد الله بن عبد المطّلب ما حدَّثنا به عبد الله بن جعفر الزهريُّ عن أم بكر بنت المسوّر: أنّ عبد المطّلب جاء بابنه عبد الله، فخطب على نفسه وعلى ابنه، فتزوّجا في مجلس واحد، فتزوّج عبد المطّلب هالةَ بنت أهيب بن عبد مناف بن زهرة، وتزوَّج عبد الله بن عبد المطّلب آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زُهرة. قال الحارث: قال ابن سعد: قال الواقديّ: والثَّبَتَ عندنا - ليس بين أصحابنا فيه اختلاف -: أنّ عبد الله بن عبد المطّلب أقبل من الشأم في عِير لقريش، فنزل بالمدينة وهو مريض، فأقام بها حتى تُوُفِّي، ودفن في دار النابغة - وقيل: التابعة - في الدّار الصغرى إذا دخلتَ الدار عن يسارك، ليس بين أصحابنا في هذا اختلاف. ابن عبد المطّلب وعبد المطّلب اسمه شيبة، سُمّي بذلك؛ لأنه فيما حدّثت عن هشام بن محمد، عن أبيه: كان في رأسه شيبة. وقيل له: عبد المطّلب، وذلك أن أباه هاشمًا كان شَخَص في تجارة له إلى الشأم، فسلك طريقَ المدينة إليها، فلما قدم المدينة نزل -فيما حدثنا ابنُ حميد، قال: حدثنا سلمَة عن ابن إسحاق. وفيما حدِّثت عن هشام بن محمّد عن أبيه. وفيما حدثني الحارث عن محمد بن سعد، عن محمد بن عمر، ودخل حديث بعضهم في بعض، وبعضهم يزيد على بعض - على عمرو بن زيد بن لبِيد الخزرجيّ، فرأى ابنته سلْمى بنت عمرو - وأمّا ابن حُميد فقال في حديث عن سلمَة، عن ابن إسحاق: سلمى بنت زيد بن عمرو - ابن لبيد بن حرام بن خداش بن جندب بن عديّ بن النجار فأعجبته، فخطبها إلى أبيها عمرو، فأنكحه إياها، وشَرَط عليه ألا تلد ولدًا إلَّا في أهلها، ثم مضى هاشم لوجهته قَبْل أن يبنيَ بها، ثم انصرف راجعًا من الشأم، فبنى بها في أهلها بيثرب، فحملت

стр. 2383

منه، ثم ارتحل إلى مكّة وحملها معه، فلما أثقلتْ ردّها إلى أهلها، ومضى إلى الشأم فمات بها بغزّة، فولدت له سلمى عبدَ المطّلب، فمكث بيثرب سبع سنين، أو ثماني سنين. ثم إن رجلًا من بني الحارث بن عبد مناة مَرّ بيثرب، فإذا غلمان ينتضلون، فجعل شيبة إذا خَسَق قال: أنا ابن هاشم، أنا ابن سيّد البطحاء، فقال له الحارثيّ: مَنْ أنت؟ قال: أنا شيبة بن هاشم بن عبد مناف. فلما أتى الحارثيّ مكّة، قال للمطّلب وهو جالس في الحِجْر: يا أبا الحارث! تعلّم أنّي وجدت غلمانًا ينتضِلون بيثرب، وفيهم غلام إذا خَسَق قال: أنا ابن هاشم، أنا ابن سيّد البطحاء. فقال المطّلب: والله لا أرجع إلى أهلي حتى آتيَ به، فقال له الحارثيّ: هذه ناقتي بالفِناء فاركبها، فجلس المطّلب عليها، فورد يثرب عِشاء، حتى أتى عديّ بن النجار، فإذا غلمان يضربون كُرة بين ظهري مجلس، فعرف ابنَ أخيه فقال للقوم: أهذا ابن هاشم؟ قالوا: نعم، هذا ابن أخيك، فإن كنتَ تريد أخذه فالساعة قبل أن تعلَم به أمّه، فإنها إن علمت؛ لم تدعْه، وحلْنا بينك وبينه. فدعاه، فقال: يا بن أخي! أنا عَمّك، وقد أردتُ الذهاب بك إلى قومك - وأناخ راحلته - فما كذّب أن جلس على عَجُز الناقة، فانطلق به، ولم تعلمْ به أمُّهُ حتى كان الليلُ، فقامت تدعو بحَربها على ابنها، فأُخبرت أن عمّه ذهب به، وقدِم به المطّلب ضحوة، والناس في مجالسهم، فجعلوا يقولون: من هذا وراءك؟ فيقول: عبد لي، حتى أدخله منزله على امرأته خديجة بنت سعيد بن سهم، فقالت: مَنْ هذا؟ قال: عبد لي، ثم خرج المطّلب حتى أتى الحزْوَرة، فاشترى حُلة فألبَسها شيبة، ثم خرج به حين كان العَشيّ إلى مجلس بني عبد مناف، فجعل بعد ذلك يطوف في سِكك مكّة في تلك الحُلّة، فيقال: هذا عبد المطّلب، لقوله: "هذا عبدي" حين سأله قومه، فقال المطّلِب: عرَفْتُ شَيبةَ والنَّجَّارُ قد جعلَتْ ... أبناءَها حَوْلَه بِالنَّبْلِ تَنْتَضِلُ (١) (٢: ٢٤٥ - ٢٤٨). ٨٦٥ - وقد حدَّثني هذا الحديث عليّ بن حرب الموصليّ، قال: حدّثني أبو معن عيسى - من ولد كعب بن مالك - عن محمد بن أبي بكر الأنصاريّ، عن مشايخ الأنصار، قالوا: تزوّج هاشم بن عبد مناف امرأةً من بني عديّ بن

стр. 2384

النجَّار، ذات شرف، تشرُط على من خطبها المقامَ بدار قومها، فتزوّجت بهاشم، فولدت له شيبة الحمد، فرُبِّيَ في أخواله مكرّمًا، فبينا هو يُناضل فتيان الأنصار إذ أصاب خَصْله، فقال: أنا ابن هاشم، وسمعه رجل مجتاز، فلما قدم مكة، قال لعمّه المطّلب بن عبد مناف: قد مررت بدار بني قيلة، فرأيت فتىً من صفته ومن صفته ... يناضل فتيانهم، فاعتزى إلى أخيك، وما ينبغي تركُ مثله في الغربة، فرحل المطّلب حتَّى ورد المدينة، فأراده على الرِّحلة، فقال: ذاك إلى الوالدة، فلم يزل بها حتى أذِنَتْ له، وأقبل به قد أرْدفه، فإذا لَقِيَه اللاقي وقال: مَنْ هذا يا مطّلِب؟ قال: عبد لي، فسميَ عبد المطّلب. فلما قدم مكة وَقَفه على ملك أبيه، وسلّمه إليه، فعرض له نوفل بن عبد مناف في رُكْح له، فاغتصبه إياه، فمشى عبد المطّلب إلى رجالات قومه، فسألهم النّصرة على عمّه، فقالوا: لسنا بداخلين بينك وبين عمّك، فلما رأى ذلك كتب إلى أخواله يصف لهم حال نوفل، وكتب في كتابه: أبلغْ بَني النَّجَّارِ إنْ جِئْتَهُمْ ... أنِّيَ منهُمْ وابنهُمْ والْخَمِيسْ رَأَيتُهمْ قَوْمًا إذا جِئْتُهمْ ... هوُوا لقائي وأحَبُّوا حَسِيس فإِنَّ عَمّي نَوْفَلًا قد أبَى ... إلَّا التي يُغْضي عَلَيهَا الخَسِيسْ قال: فخرج أبو أسعد بن عبدس النَّجاريّ في ثمانين راكبًا؛ حتى أتى الأبطَح، وبلغ عبد المطّلب، فخرج يتلقّاه، فقال: المنزل يا خال؛ فقال: أما حتّى ألقى نوفلًا؛ فلا. قال: تركته جِالسًا في الحِجْر في مشايخ قريش، فأقبل حتى وقف على رأسه، ثم استلّ سيفه، ثم قال: وربّ هذه البنيّة؛ لتردّن عليَّ ابن أختنا رُكْحه أو لأملأنَّ منك السيف، قال: فإنّي وربّ هذه البنيّة أردُّ رُكحه، فأشهد عليه مَنْ حضر، ثم قال: المنزل يابن أختي! فأقام عنده ثلاثًا واعتمر، وأنشأ عبد المطّلب يقول: تأبى مَازِنٌ وبَنو عَدِيٍّ ... ودِينارُ بْنُ تَيم الَّلاتِ ضَيمِي وسادَةُ مَالِك حتَّى تَنَاهَى ... ونَكَّبَ بَعدُ نَوْفَلُ عن حَريمي بِهِمْ رَدَّ الإلهُ عَليَّ رُكْحِي ... وكَانوا في التَّنَسُّبِ دونَ قَوْمِي وقال في ذلك سمُرة بن عُمير، أبو عمرو الكنانيّ: لَعَمْرِي لأخْوَالٌ لِشَيبةَ قَصْرةً ... منَ أعْمَامِهِ دِنْيَا أَبَرُّ وأوْصَلُ

стр. 2385

أجَابُوا على بُعْدٍ دُعَاءَ ابْنِ أُخْتِهِم ... ولَمْ يَثْنِهِمْ إذْ جَاوَزَ الْحَقَّ نَوْفَلُ جَزَى اللهُ خَيرًا عُصبَةً خَزْرَجِيَّةً ... تواصَوْا على بِرٍّ، وذو البِرّ أَفْضلُ قال: فلمّا رأى ذلك نوفل؛ حالف بني عبد شمس كلّها علي بني هاشم، قال محمّد بن أبي بكر: فحدّثت بهذا الحديث موسى بن عيسى، فقال: يا بن أبي بكر! هذا شيء تَرويه الأنصار تقرّبًا إلينا؛ إذ صيَّر الله الدولة فينا! عبد المطّلب كان أعزّ في قومه من أن يحتاج إلى أن تركب بنو النّجار من المدينة إليه. قلت: أصلح الله الأمير! قد احتاج إلى نصرهم مَنْ كان خيرًا من عبد المطّلب، قال: وكان متكئًا فجلس مغضبًا، وقال: مَنْ خير من عبد المطّلب! قلت: محمّد رسول الله ﷺ ، قال: صدقت، وعاد إلى مكانه، وقال لبنيه: اكتبوا هذا الحديث من ابن أبي بكر. وقد حُدِّثت هذا الحديث في أمرِ عبد المطّلب وعمّه نوفل بن عبد مناف عن هشام بن محمد، عن أبيه، قال: حدَّثنا زياد بن عِلاقة التغلَبيّ - وكان قد أدرك الجاهليّة - قال: كان سبب بدء الحِلْف الذي كان بين بني هاشم وخُزاعة الذي افتتح رسول الله ﷺ بسببه مكة، وقال: لتنصبّ هذه السحابة بنصر بني كعب: أنّ نوفل بن عبد مناف - وكان آخر من بقي من بني عبد مناف - ظلم عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف على أركاح له - وهي الساحات - وكانت أمّ عبد المطّلب سلمى بنت عمرو النجارية من الخزرج، قال: فتنصَّفَ عبد المطّلب عَمّه، فلم ينصِفه، فكتب إلى أخواله: يا طُولَ لَيلِي لأَحْزانِي وأَشْغالِي ... هلْ مِن رَسول إلى النَّجَّارِ أَخْوَالِي! يُنْبِي عَدِيًّا ودِينارًا ومَازِنَها ... ومالِكًا عِصْمَةَ الجِيرَانِ عن حالِي قد كُنْتُ فيكُمْ ولا أخْشَى ظُلامةَ ذِي ... ظلْمٍ عزيزًا مَنيعًا ناعِمَ البَالِ حتَّى ارْتحَلْتُ إلى قَوْمِي وَأَزعَجَنِي ... عن ذَاكَ مُطلِبٌ عَمِّي بِتَرْحَالِ وكُنْتُ مَاح كان حَيًّا نَاعِمًا جَذِلًا ... أمْشِي العِرَضْنَةَ سَحَّابًا لأذْيالِي فغابَ مُطَّلِبٌ في قَعْرِ مُظْلِمَةٍ ... وقام نَوْفَلُ كي يَعدُو على مَالِي أَأَنْ رَأى رَجُلًا غَابَتْ عُمومَتُهُ ... وغَابَ أخْوَالُهُ عنه بِلا والِي أنْحَى عليه ولَمْ يَحَفَظْ له رَحِمًا ... ما أمْنَعَ المَرْءَ بَينَ العَمِّ والخَالِ!
следующие страницы →