القرشيّ، قال: حدَّثنا الزنجيّ بن خالد عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: لمّا خرج عبد المطّلب بعبد الله ليزوِّجه؛ مرّ به على كاهنة من خَثْعم، يقال لها فاطمة بنت مُرّ، متهوّدة من أهل تَبالة، قد قرأت الكتب، فرأت في وجهه نورًا، فقالت له: يا فتى! هل لك أن تقع عليّ الآن وأعطيك مئة من الإبل؟ ! فقال:
أَمَّا الحَرامُ فالممات دُونَه ... والحِلّ لا حِلّ فأستبينَهْ
فكيف بالأَمر الذي تبغينَهْ
ثم قال: أنا مع أبي ولا أقدر أن أفارِقه، فمضى به، فزوّجه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة، فأقام عندها ثلاثًا ثم انصرف، فمرّ بالخثعميّة فدعته نفسه إلى ما دعته إليه، فقال لها: هلْ لك فيما كنتِ أردتِ؟ ! فقالت: يا فتى! إني والله ما أنا بصاحبة ريبة، ولكنّي رأيتُ في وجهك نورًا فأردتُ أن يكون فيَّ، وأبي الله إلَّا أن يجعله حيث أراد، فما صنعتَ بعدي؟ قال: زوّجني أبي آمنة بنت وهب، فأقمت عندها ثلاثًا؛ فأنشأت فاطمة بنت مُرّ تقول:
إني رأيتُ مخيلَةً لَمَعَتْ ... فتلأْلأتْ بحَناتِم القَطْرِ
فَلمَأْتُها نورًا يُضِيءُ له ... ما حَوْلَهُ كإضَاءةِ الْبَدْر
فرَجوتُها فَخْرًا أبوءُ به ... ما كلُّ قادِح زَندِهِ يُورِي
للهِ ما زُهْرِيَّةٌ سَلَبَتْ ... ثَوْبَيكَ مَا اسْتَلَبَتْ وما تَدْرِي!
وقالت أيضًا:
بَنِي هاشِمٍ قد غَادَرَتْ مِنْ أخيكمُ ... أمينةُ إذ لِلباه تَعترِكانِ
كما غَادَرَ المِصْباحُ عند خُموده ... فتَائِلَ قد مِيثت له بِدهانِ
وما كل مَا يَحْوي الفتَى مِن تِلادِهِ ... لعَزْمٍ ولا مَا فاتهُ لِتَوانِ
فأجْمِلْ إذَا طَالبْتَ أَمْرًا فإنه ... سيَكفِيكَهُ جَدَّانِ يَعْتَلِجان
سَيَكِفيكَهُ إِمَّا يدٌ مُقْفَعِلَّةٌ ... وإمَّا يدٌ مَبسُوطَةٌ ببِنانِ
ولمَّا حَوَتْ منْه أمينَةُ ما حَوَتْ ... حَوَتْ منْهُ فَخْرًا ما لذِلِك ثان
حدّثني الحارث بن محمد، قال: حدَّثنا محمَّد بن سعد، قال: حدَّثنا محمَّد بن عمر، قال: حدَّثنا معمر وغيره، عن الزهريّ: أن عبد الله بن عبد المطّلب كان أجملَ رجال قريش، فذكر لآمنة بنت وهب جمالُه وهيئته،
стр. 2382
وقيل لها: هل لك أنْ تزَوَّجيه! فتزوّجَتْه آمنة بنت وهب، فدخل بها، وعلِقت برسول الله ﷺ ، وبعثه أبوه إلى المدينة في مِيرة يحمل لهم تمرًا، فمات بالمدينة، فبعث عبد المطّلب ابنَه الحارث في طلبه حين أبطأ، فوجده قد مات.
قال الواقديّ: هذا غلط، والمجتمع عليه عندنا في نكاح عبد الله بن عبد المطّلب ما حدَّثنا به عبد الله بن جعفر الزهريُّ عن أم بكر بنت المسوّر: أنّ عبد المطّلب جاء بابنه عبد الله، فخطب على نفسه وعلى ابنه، فتزوّجا في مجلس واحد، فتزوّج عبد المطّلب هالةَ بنت أهيب بن عبد مناف بن زهرة، وتزوَّج عبد الله بن عبد المطّلب آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زُهرة.
قال الحارث: قال ابن سعد: قال الواقديّ: والثَّبَتَ عندنا - ليس بين أصحابنا فيه اختلاف -: أنّ عبد الله بن عبد المطّلب أقبل من الشأم في عِير لقريش، فنزل بالمدينة وهو مريض، فأقام بها حتى تُوُفِّي، ودفن في دار النابغة - وقيل: التابعة - في الدّار الصغرى إذا دخلتَ الدار عن يسارك، ليس بين أصحابنا في هذا اختلاف.
ابن عبد المطّلب
وعبد المطّلب اسمه شيبة، سُمّي بذلك؛ لأنه فيما حدّثت عن هشام بن محمد، عن أبيه: كان في رأسه شيبة.
وقيل له: عبد المطّلب، وذلك أن أباه هاشمًا كان شَخَص في تجارة له إلى الشأم، فسلك طريقَ المدينة إليها، فلما قدم المدينة نزل -فيما حدثنا ابنُ حميد، قال: حدثنا سلمَة عن ابن إسحاق. وفيما حدِّثت عن هشام بن محمّد عن أبيه. وفيما حدثني الحارث عن محمد بن سعد، عن محمد بن عمر، ودخل حديث بعضهم في بعض، وبعضهم يزيد على بعض - على عمرو بن زيد بن لبِيد الخزرجيّ، فرأى ابنته سلْمى بنت عمرو - وأمّا ابن حُميد فقال في حديث عن سلمَة، عن ابن إسحاق: سلمى بنت زيد بن عمرو - ابن لبيد بن حرام بن خداش بن جندب بن عديّ بن النجار فأعجبته، فخطبها إلى أبيها عمرو، فأنكحه إياها، وشَرَط عليه ألا تلد ولدًا إلَّا في أهلها، ثم مضى هاشم لوجهته قَبْل أن يبنيَ بها، ثم انصرف راجعًا من الشأم، فبنى بها في أهلها بيثرب، فحملت
стр. 2383
منه، ثم ارتحل إلى مكّة وحملها معه، فلما أثقلتْ ردّها إلى أهلها، ومضى إلى الشأم فمات بها بغزّة، فولدت له سلمى عبدَ المطّلب، فمكث بيثرب سبع سنين، أو ثماني سنين. ثم إن رجلًا من بني الحارث بن عبد مناة مَرّ بيثرب، فإذا غلمان ينتضلون، فجعل شيبة إذا خَسَق قال: أنا ابن هاشم، أنا ابن سيّد البطحاء، فقال له الحارثيّ: مَنْ أنت؟ قال: أنا شيبة بن هاشم بن عبد مناف. فلما أتى الحارثيّ مكّة، قال للمطّلب وهو جالس في الحِجْر: يا أبا الحارث! تعلّم أنّي وجدت غلمانًا ينتضِلون بيثرب، وفيهم غلام إذا خَسَق قال: أنا ابن هاشم، أنا ابن سيّد البطحاء. فقال المطّلب: والله لا أرجع إلى أهلي حتى آتيَ به، فقال له الحارثيّ: هذه ناقتي بالفِناء فاركبها، فجلس المطّلب عليها، فورد يثرب عِشاء، حتى أتى عديّ بن النجار، فإذا غلمان يضربون كُرة بين ظهري مجلس، فعرف ابنَ أخيه فقال للقوم: أهذا ابن هاشم؟ قالوا: نعم، هذا ابن أخيك، فإن كنتَ تريد أخذه فالساعة قبل أن تعلَم به أمّه، فإنها إن علمت؛ لم تدعْه، وحلْنا بينك وبينه. فدعاه، فقال: يا بن أخي! أنا عَمّك، وقد أردتُ الذهاب بك إلى قومك - وأناخ راحلته - فما كذّب أن جلس على عَجُز الناقة، فانطلق به، ولم تعلمْ به أمُّهُ حتى كان الليلُ، فقامت تدعو بحَربها على ابنها، فأُخبرت أن عمّه ذهب به، وقدِم به المطّلب ضحوة، والناس في مجالسهم، فجعلوا يقولون: من هذا وراءك؟ فيقول: عبد لي، حتى أدخله منزله على امرأته خديجة بنت سعيد بن سهم، فقالت: مَنْ هذا؟ قال: عبد لي، ثم خرج المطّلب حتى أتى الحزْوَرة، فاشترى حُلة فألبَسها شيبة، ثم خرج به حين كان العَشيّ إلى مجلس بني عبد مناف، فجعل بعد ذلك يطوف في سِكك مكّة في تلك الحُلّة، فيقال: هذا عبد المطّلب، لقوله: "هذا عبدي" حين سأله قومه، فقال المطّلِب:
عرَفْتُ شَيبةَ والنَّجَّارُ قد جعلَتْ ... أبناءَها حَوْلَه بِالنَّبْلِ تَنْتَضِلُ (١)
(٢: ٢٤٥ - ٢٤٨).
٨٦٥ - وقد حدَّثني هذا الحديث عليّ بن حرب الموصليّ، قال: حدّثني أبو معن عيسى - من ولد كعب بن مالك - عن محمد بن أبي بكر الأنصاريّ، عن مشايخ الأنصار، قالوا: تزوّج هاشم بن عبد مناف امرأةً من بني عديّ بن
стр. 2384
النجَّار، ذات شرف، تشرُط على من خطبها المقامَ بدار قومها، فتزوّجت بهاشم، فولدت له شيبة الحمد، فرُبِّيَ في أخواله مكرّمًا، فبينا هو يُناضل فتيان الأنصار إذ أصاب خَصْله، فقال: أنا ابن هاشم، وسمعه رجل مجتاز، فلما قدم مكة، قال لعمّه المطّلب بن عبد مناف: قد مررت بدار بني قيلة، فرأيت فتىً من صفته ومن صفته ... يناضل فتيانهم، فاعتزى إلى أخيك، وما ينبغي تركُ مثله في الغربة، فرحل المطّلب حتَّى ورد المدينة، فأراده على الرِّحلة، فقال: ذاك إلى الوالدة، فلم يزل بها حتى أذِنَتْ له، وأقبل به قد أرْدفه، فإذا لَقِيَه اللاقي وقال: مَنْ هذا يا مطّلِب؟ قال: عبد لي، فسميَ عبد المطّلب. فلما قدم مكة وَقَفه على ملك أبيه، وسلّمه إليه، فعرض له نوفل بن عبد مناف في رُكْح له، فاغتصبه إياه، فمشى عبد المطّلب إلى رجالات قومه، فسألهم النّصرة على عمّه، فقالوا: لسنا بداخلين بينك وبين عمّك، فلما رأى ذلك كتب إلى أخواله يصف لهم حال نوفل، وكتب في كتابه:
أبلغْ بَني النَّجَّارِ إنْ جِئْتَهُمْ ... أنِّيَ منهُمْ وابنهُمْ والْخَمِيسْ
رَأَيتُهمْ قَوْمًا إذا جِئْتُهمْ ... هوُوا لقائي وأحَبُّوا حَسِيس
فإِنَّ عَمّي نَوْفَلًا قد أبَى ... إلَّا التي يُغْضي عَلَيهَا الخَسِيسْ
قال: فخرج أبو أسعد بن عبدس النَّجاريّ في ثمانين راكبًا؛ حتى أتى الأبطَح، وبلغ عبد المطّلب، فخرج يتلقّاه، فقال: المنزل يا خال؛ فقال: أما حتّى ألقى نوفلًا؛ فلا. قال: تركته جِالسًا في الحِجْر في مشايخ قريش، فأقبل حتى وقف على رأسه، ثم استلّ سيفه، ثم قال: وربّ هذه البنيّة؛ لتردّن عليَّ ابن أختنا رُكْحه أو لأملأنَّ منك السيف، قال: فإنّي وربّ هذه البنيّة أردُّ رُكحه، فأشهد عليه مَنْ حضر، ثم قال: المنزل يابن أختي! فأقام عنده ثلاثًا واعتمر، وأنشأ عبد المطّلب يقول:
تأبى مَازِنٌ وبَنو عَدِيٍّ ... ودِينارُ بْنُ تَيم الَّلاتِ ضَيمِي
وسادَةُ مَالِك حتَّى تَنَاهَى ... ونَكَّبَ بَعدُ نَوْفَلُ عن حَريمي
بِهِمْ رَدَّ الإلهُ عَليَّ رُكْحِي ... وكَانوا في التَّنَسُّبِ دونَ قَوْمِي
وقال في ذلك سمُرة بن عُمير، أبو عمرو الكنانيّ:
لَعَمْرِي لأخْوَالٌ لِشَيبةَ قَصْرةً ... منَ أعْمَامِهِ دِنْيَا أَبَرُّ وأوْصَلُ
стр. 2385
أجَابُوا على بُعْدٍ دُعَاءَ ابْنِ أُخْتِهِم ... ولَمْ يَثْنِهِمْ إذْ جَاوَزَ الْحَقَّ نَوْفَلُ
جَزَى اللهُ خَيرًا عُصبَةً خَزْرَجِيَّةً ... تواصَوْا على بِرٍّ، وذو البِرّ أَفْضلُ
قال: فلمّا رأى ذلك نوفل؛ حالف بني عبد شمس كلّها علي بني هاشم، قال محمّد بن أبي بكر: فحدّثت بهذا الحديث موسى بن عيسى، فقال: يا بن أبي بكر! هذا شيء تَرويه الأنصار تقرّبًا إلينا؛ إذ صيَّر الله الدولة فينا! عبد المطّلب كان أعزّ في قومه من أن يحتاج إلى أن تركب بنو النّجار من المدينة إليه. قلت: أصلح الله الأمير! قد احتاج إلى نصرهم مَنْ كان خيرًا من عبد المطّلب، قال: وكان متكئًا فجلس مغضبًا، وقال: مَنْ خير من عبد المطّلب! قلت: محمّد رسول الله ﷺ ، قال: صدقت، وعاد إلى مكانه، وقال لبنيه: اكتبوا هذا الحديث من ابن أبي بكر.
وقد حُدِّثت هذا الحديث في أمرِ عبد المطّلب وعمّه نوفل بن عبد مناف عن هشام بن محمد، عن أبيه، قال: حدَّثنا زياد بن عِلاقة التغلَبيّ - وكان قد أدرك الجاهليّة - قال: كان سبب بدء الحِلْف الذي كان بين بني هاشم وخُزاعة الذي افتتح رسول الله ﷺ بسببه مكة، وقال: لتنصبّ هذه السحابة بنصر بني كعب: أنّ نوفل بن عبد مناف - وكان آخر من بقي من بني عبد مناف - ظلم عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف على أركاح له - وهي الساحات - وكانت أمّ عبد المطّلب سلمى بنت عمرو النجارية من الخزرج، قال: فتنصَّفَ عبد المطّلب عَمّه، فلم ينصِفه، فكتب إلى أخواله:
يا طُولَ لَيلِي لأَحْزانِي وأَشْغالِي ... هلْ مِن رَسول إلى النَّجَّارِ أَخْوَالِي!
يُنْبِي عَدِيًّا ودِينارًا ومَازِنَها ... ومالِكًا عِصْمَةَ الجِيرَانِ عن حالِي
قد كُنْتُ فيكُمْ ولا أخْشَى ظُلامةَ ذِي ... ظلْمٍ عزيزًا مَنيعًا ناعِمَ البَالِ
حتَّى ارْتحَلْتُ إلى قَوْمِي وَأَزعَجَنِي ... عن ذَاكَ مُطلِبٌ عَمِّي بِتَرْحَالِ
وكُنْتُ مَاح
كان حَيًّا نَاعِمًا جَذِلًا ... أمْشِي العِرَضْنَةَ سَحَّابًا لأذْيالِي
فغابَ مُطَّلِبٌ في قَعْرِ مُظْلِمَةٍ ... وقام نَوْفَلُ كي يَعدُو على مَالِي
أَأَنْ رَأى رَجُلًا غَابَتْ عُمومَتُهُ ... وغَابَ أخْوَالُهُ عنه بِلا والِي
أنْحَى عليه ولَمْ يَحَفَظْ له رَحِمًا ... ما أمْنَعَ المَرْءَ بَينَ العَمِّ والخَالِ!
стр. 2386
فاسْتنْفِرُوا وَامْنَعوا ضَيمَ ابنِ أخْتِكُمُ ... لَا تَخْذُلُوهُ وَمَا أنتُمْ بِخُذَّالِ
ما مِثْلُكُمْ في بَني قَحْطان قاطِبةً ... حيٌّ لِجارٍ وإنْعامٍ وَإفْضالِ
أنتم لِيانٌ لِمَنْ لانَتْ عَريكتُهُ ... سِلْمٌ لكمْ وسِمامُ الأَبْلخِ الغالِي
قال: فقدِم عليه منهم ثمانون راكبًا، فأناخوا بِفناء الكعبة، فلما رآهم نوفل بن عبد مناف، قال لهم: أنْعموا صباحًا! فقالوا له: لا نَعِم صباحُك أيها الرجل! أنصف ابنَ أختِنا من ظُلامته، قال: أفعلُ بالحبّ لكم والكرامة؛ فردّ عليه الأركاح وأنصفه.
قال: فانصرفوا عنه إلى بلادهم. قال: فدعا ذلك عبد المطّلب إلى الحلْف، فدعا عبد المطّلب بسر بن عمرو، وورقاء بن فلان، ورجالًا من رجالات خُزاعة، فدخلوا الكعبة وكتبوا كتابًا.
وكان إلى عبد المطّلب بعد مهلك عمّه المطّلب بن عبد مناف ما كان إلى مَنْ قبله من بني عبد مناف من أمر السِّقاية، والرِّفادة، وشرُفَ في قومه، وعَظُم فيهم خطره، فلم يكن يُعدَل به منهم أحد، وهو الذي كشف عن زمزم، بئر إسماعيل بن إبراهيم، واستخرج ما كان فيها مدفونًا، وذلك غزالان من ذهب، كانت جُرْهم دفنتهما -فيما ذكر- حين أخرِجت من مكة، وأسيافٌ قلْعية، وأدراع، فجعل الأسياف بابًا للكعبة، وضرب في الباب الغزالين صفائح من ذهب، فكان أول ذهب حُلِّيتْه -فيما قيل- الكعبة. وكانت كُنْية عبد المطّلب أبا الحارث، كُنِّي بذلك، لأنّ الأكبر من ولده الذكور كان اسمه الحارث، وهو شيبة.
ابن هاشم
واسم هاشم عمرو، وإنما قيل له هاشم، لأنه أوّلُ مَنْ هشم الثريد لقومه بمكة وأطعمه، وله يقول مطرود بن كعب الخُزاعيّ - وقال ابن الكلبي: إنما قاله ابن الزِّبَعْرَى -:
عَمْرُو الذِي هَشَمَ الثَّرِيدَ لِقَوْمِه ... ورجِالُ مَكّةَ مُسْنِتُونَ عِجَاف
ذُكِر: أنّ قومه من قريش، كانت أصابتهم لزْبة وقَحْط، فرحل إلى فلسطين، فاشترى منها الدقيق، فقدم به مكّة، فأمر به فخبز له، ونحر جَزُورًا، ثم اتّخذ لقومه مرقه ثريدًا بذلك الخبز.
стр. 2387
وذُكِر: أنّ هاشمًا هو أوّلُ مَنْ سنَّ الرحلتين لقريش: رحلة الشتاء والصيف.
وحُدَّثت عن هشام بن محمد عن أبيه، قال: كان هاشم، وعبد شمس - وهو أكبر ولد عبد مناف، والمطّلب - وكان أصغرهم - أمّهم عاتكة بنت مرّة السُّلَمِيّة؛ ونوفل - وأمّه واقدة - بني عبد مناف، فسادوا بعد أبيهم جميعًا، وكان يقال لهم: المجبِّرون، قال: ولهم يقال:
يا أيُّها الرَّجُلُ المحوِّلُ رَحْلَهُ ... ألا نزلْتَ بآلِ عَبْدِ مَنافِ!
فكانوا أوَّل من أخذ لقريش العِصَم، فانتشروا من الحرم، أخذ لهم هاشم حبلًا من ملوك الشأم الروم وغسان، وأخذ لهم عبد شمس حبلًا من النجاشيّ الأكبر، فاختلفوا بذلك السبب إلى أرض الحبشة، وأخذ لهم نوفل حبلًا من الأكاسرة، فاختلفوا بذلك السبب إلى العراق وأرض فارس، وأخذ لهم المطّلب حبلًا من ملوك حميَر، فاختلفوا بذلك السبب إلى اليمن، فجبَّر الله بهم قريشًا، فسمُّوا المجبّرين.
وقيل: إنّ عبد شمس وهاشمًا توأمان، وإنّ أحدهما ولد قبل صاحبه، وإصبع له ملتصقة بجبهة صاحبه، فنحِّيت عنها فسال من ذلك دم، فتُطيِّر من ذلك، فقيل: تكون بينهما دماء. وولِّي هاشم بعد أبيه عبد مناف السِّقاية، والرِّفادة (١). (٢: ٢٤٨ - ٢٥٢).
٨٦٦ - حدّثني الحارث، قال: حدَّثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا هشام بن محمّد، قال: حدّثني معروف بن الخرَّبوذ المكّي، قال: حدَّثني رجل من آل عديّ بن الخيار بن عديّ بن نوفل بن عبد مناف عن أبيه، قال: وقال وهب بن عبد قُصَيّ في ذلك -يعني في إطعام هاشم قومه الثّريد:
تحَمَّلَ هَاشِمٌ ما ضَاقَ عنهُ ... وأَعْيَا أنْ يقومَ بهِ ابْنُ بِيضِ
أَتَاهُمْ بالغرائرِ مُتْأَقاتٍ ... من أرْضِ الشَّأم بالبُرِّ النَّفيضِ
فأَوْسَعَ أَهْلَ مَكَّةَ من هَشيمٍ ... وشابَ الخُبْزَ باللَّحمِ الغَرِيضِ
فظَلَّ القَوْمُ بينَ مُكَلَّلاتٍ ... منَ الشِّيزَى وحَائرُهَا يفِيضُ
قال: فحسده أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف - وكان ذا مال - فتكلّف أن
стр. 2388
يصنع صنيعَ هاشم، فعجز عنه، فشمِت به ناس من قريش فغضِب، ونال من هاشم، ودعاه إلى المنافرة، فكرِه هاشم ذلك لِسنِّه وقَدره، ولم تدَعْه قريش وأحفظوه، قال: فإني أنافرك على خمسين ناقة سود الحدَق، تنحرها ببطن مكة، والجلاء عن مكة عشر سنين. فرضيَ بذلك أميّة، وجعلا بينهما الكاهن الخُزاعيّ، فنفَّرَ هاشمًا عليه، فأخذ هاشم الإبل، فنحرها، وأطعمها مَنْ حضره، وخرج أميّة إلى الشام، فأقام بها عشر سنين، فكانت هذه أوّل عداوة وقعت بين هاشم وأميّة (١). (٢: ٢٥٣).
٨٦٧ - حدّثني الحارث، قال: حدَّثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا هشام بن محمّد، قال: أخبرني رجل من بني كنانة، يقال له: ابن أبي صالح، ورجل من أهل الرّقة مولى لبني أسد، وكان عالمًا، قالا: تنافر عبد المطّلب بن هاشم، وحرب بن أميّة إلى النجاشيّ الحبشيّ، فأبى أن ينفر بينهما، فجعل بينهما نفيل بن عبد العزّى بن رياح بن عبد الله بن قرْط بن رزاح بن عديّ بن كعب، فقال لحرب: يا أبا عمرو! أتنافر رجلًا هو أطولُ منك قامة، وأعظم منك هامة، وأوسم منك وسامة، وأقلّ منك لامة، وأكثر منك ولدًا، وأجزل منك صفَدًا، وأطول منك مذودًا. فنفّره عليه. فقال حرب: إنّ من انتكاث الزَّمان أن جعلناك حكَمًا! فكان أوّل من مات من ولد عبد مناف ابنه هاشم، مات بغزّة من أرض الشأم، ثم مات عبد شمس بمكة فقُبِر بأجياد، ثم مات نوفل بسَلْمان من طريق العراق، ثم مات المطّلب بردْمان من أرض اليمن، وكانت الرّفادة والسِّقاية بعد هاشم إلى أخيه المطّلب.
ابن عبد مناف
واسمه المغيرة، وكان يقال له: القمر من جماله وحسنه، وكان قصيّ يقول - فيما زعموا -: ولد لي أربعة، فسمّيت اثنين بصنميّ، وواحدًا بداري، وواحدًا بنفسي؛ وهم عبد مناف، وعبد العُزّى ابنا قصيّ - وعبد العزّى والد أسد - وعبد الدار بن قصيّ، وعبد قصيّ بن قصيّ - دَرَج ولده - وبرّة بنت قصيّ. أمهم جميعًا حُبَّى بنت حُلَيل بن حُبْشية بن سلول بن كعب بن عمرو بن خُزاعة.
стр. 2389
وحُدِّثت عن هشام بن محمد عن أبيه، قال: وكان يقال لعبد مناف: القمر، واسمه: المغيرة، وكانت أمّه حُبَّى دفعته إلى مناف - وكان أعظم أصنام مكة - تديُّنًا بذلك، فغلب عليه عبد مناف، وهو كما قيل له:
كانَتْ قُرَيشٌ بيضةً فتفلَّقَتْ ... فالمُحُّ خالِصَةٌ لِعَبْدِ مَنَافِ
ابن قصيّ
وقصيّ اسمه: زيد، وإنما قيل له: قصيّ؛ لأن أباه كلاب بن مرة كان تزوج أمَّ قصيّ فاطمة بنت سعد بن سيَل - واسم سيَل: خير - بن حمالة بن عوف بن غَنْم بن عامر الجادر، بن عمرو بن جُعْثمة بن يشكر من أزدشنوءة حلفاء من بني الدّيل، فولدت لكلاب زُهرة، وزيدًا، فهلك كلاب وزيد صغير، وقد شبّ زهرة وكبر، فقدم ربيعة بن حرام بن ضنّة بن عبد بن كبير بن عُذْرة بن سعد بن زيد، أحد قُضاعة، فتزوّج -فيما حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، وحدثت عن هشام بن محمد عن أبيه - فاطمةَ أمّ زهرة وقصَيّ - وزهرة رجل قد بلغ، وقصيّ فطيم أو قريب من ذلك - فاحتملها إلى بلاده من أرض بني عُذْرة من أشراف الشأم، فاحتملتْ معها قصَيًّا لصغره، وتخلّف زُهرة في قومه، فولدت فاطمة بنت سعد بن سيَل لربيعة بن حرام رزاح بن ربيعة، فكان أخاه لأمّه، وكان لربيعة بن حرام ثلاثة نفر من امرأة أخرى؛ وهم حُنّ بن ربيعة، ومحمود بن ربيعة، وجُلْهمة بن ربيعة، وشبّ زيد في حِجْر ربيعة، فسمِّي زيد قُصيًّا لبعد داره عن دار قومه، ولم يبرح زهرة مكّة، فبينا قصيّ بن كلاب بأرض قضاعة لا ينتمي -فيما يزعمون- إلَّا إلى ربيعة بن حرام؛ إذ كان بينه وبين رجل من قُضاعة شيء - وقد بلغ قصيّ، وكان رجلًا شابًّا - فأنّبه القضاعيّ بالغربة وقال له: ألا تلحق بقومك، ونسبك، فإنك لست منّا؛ فرجع قصيّ إلى أمّه، وقد وجَد في نفسه مما قال له القضاعيّ، فسألها عَمّا قال له ذلك الرجل، فقالت له: أنت والله يا بنيّ أكرم منه نفسًا، ووالدًا، أنت ابن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤيّ بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة القرشيّ، وقومُك بمكّة عند البيت الحرام، وفيما حوله، فأجمع قصيٌّ الخروج إلى قومه واللحوق بهم، وكره الغربة بأرض قُضاعة، فقالت له أمّه: يا بنيّ لا تعجل بالخروج حتى يدخل عليك الشهر الحرام، فتخرج في حاجّ العرب، فإني أخشى عليك أن يُصيبك بعضُ
стр. 2390
البأس، فأقام قصيّ حتى إذا دخل الشهر الحرام، خرج حاجّ قضاعة، فخرج فيهم حتى قدِم مكّة، فلما فرغ من الحجّ أقام بها، وكان رجلًا جليدًا نسيبًا، فخطب إلى حُلَيل بن حُبْشِيّة الخزاعيّ ابنته حُبَّى بنت حُلَيل، فعرف حُلَيل النسب ورغب فيه، فزوّجه - وحُلَيل يومئذ فيما يزعمون - يلِي الكعبة وأمر مكّة.
فأما ابن إسحاق؛ فإنه قال في خبره: فأقام قصيّ معه -يعني: مع حُلَيل- وولدت له ولده عبد الدار، وعبد مناف، وعبد العزى، وعبد بن قصي، فلما انتشر ولدُه، وكثر مالُه، وعظم شرفُه هلك حُلَيل بن حُبْشِية، فرأى قُصَيّ أنه أوْلَى بالكعبة وأمر مكة من خُزاعة وبني بكر، وأنّ قريشًا فَرْعة إسماعيل بن إبراهيم، وصريح ولده، فكلّم رجالًا من قريش وبني كنانة، ودعاهم إلى إخراج خُزاعة وبني بكر من مكة، فلما قبلوا منه ما دعاهم إليه وبايعوه عليه، كتب إلى أخيه من أمّه رزاح بن ربيعة بن حرام - وهو ببلاد قومه - يدعوه إلى نُصرته، والقيام معه، فقام رِزاح بن ربيعة في قُضاعة، فدعاهم إلى نصر أخيه والخروج معه إليه، فأجابوه إلى ما دعاهم من ذلك.
وقال هشام في خبره: قَدِم قصيّ على أخيه زُهرة وقومه، فلم يلبث أن ساد، وكانت خُزاعة بمكّة أكثر من بني النضر، فاستنجد قصيّ أخاه رِزاحًا، وله ثلاثة إخوة من أبيه، من امرأة أخرى، فأقبل بهم وبمن أجابه من أحياء قُضاعة، ومع قصيٍّ قومه بنو النَّضر، فنفوْا خزاعة، فتزوّج قصيّ حُبّى بنت حُلَيل بن حبشيّة من خُزاعة، فولدت له أولاده الأربعة، وكان حُليل آخرَ مَنْ وَليَ البيت، فلما ثَقُل جعل ولايةَ البيت إلى ابنته حُتى، فقالت: قد علمت أنّي لا أقدر على فتح الباب وإغلاقه، قال: فإنِّي أجعل الفتح والإغلاق إلى رجل يقوم لك به، فجعله إلى أبي غُبْشان - وهو سليم بن عمرو بن بويّ بن ملْكان بن أفصى - فاشترى قصيّ ولاية البيت منه بزِقّ خمر وبعوْد. فلمّا رأت ذلك خُزاعة كثُروا على قصيّ، فاستنصر أخاه، فقاتل خُزاعة، فبلغنا - والله أعلم -: أن خزاعة أخذتها العدَسَة، حتى كادت تُفْنيهم، فلمَّا رأت ذلك جلتْ عن مكّة، فمنهم من وهبْ مسكنه، ومنهم من باع، ومنهم من أسكن، فوليَ قصيّ البيت وأمر مكة والحكم بها، وجمع قبائل قريش، فأنزلهم أبطح مكة، وكان بعضهم في الشِّعاب ورؤوس
стр. 2391
جبال مكة، فقسَّم منازلهم بينهم، فسمي مُجمِّعًا، وله يقول مطرود - وقيل؛ إنّ قائله حُذافة بن غانم -:
أبوكُمْ قُصَيٌّ كَانَ يُدْعَى مُجَمِّعًا ... بهِ جَمَع اللهُ القَبَائِلَ مِن فِهْرِ
وملَّكه قومه عليهم.
وأمّا ابن إسحاق، فإنه ذكر أن رزاحًا أجاب قصيًّا إلى ما دعاه إليه من نُصرته، وخرج إلى مكة مع إخوته الثلاثة، ومَنْ تبعه لذلك من قُضاعة في حاجّ العرب، وهم مجمعون لنصر قصيّ، والقيام معه، قال: وخزاعة تزعم أن حُلَيل بن حُبْشية أوصى بذلك قُصيًّا، وأمره به حين انتشر له من ابنته من الأولاد ما انتشر، وقال: أنتَ أوْلَى بالكعبة والقيام عليها، وبأمر مكة من خُزاعة، فعند ذلك طلب قصيّ ما طلب.
فلمَّا اجتمع الناس بمكّة وخرجوا إلى الموقف، وفرغوا من الحج ونزلوا مِنًى، وقصيّ مُجمِّع لما أجمع له، ومن تبعه من قومه من قريش وبني كنانة ومَنْ معه من قُضاعة، ولم يبق إلَّا أن ينفروا للصدَر، وكانت صوفة تدفع بالناس من عَرَفة؛ وتجيزُهم إذا نَفروا منِ منىً؛ إذا كان يوم النَّفْر أتَوْا لرمي الجمار - ورجل من صوفة يرمي للناس؛ لا يرمون حتى يرمى - فكان ذوو الحاجات المُعَجّلون يأتونه، فيقولون له: قم فارم حتى نرميَ معك، فيقول: لا والله حتى تَميل الشمس، فيظلّ ذوو الحاجات الذين يحبُّون التعجيل، يرمونه بالحجارة ويستعجلونه بذلك؛ ويقولون: ويلك قم فارم! فيأبى عليهم، حَتى إذا مالت الشمس قام فرمَى ورمَى الناسُ معه (١). (٢: ٢٥٣ - ٢٥٦).
٨٦٨ - حدثنا ابن حُميد، قال: حدثنا سلَمة عن ابن إسحاق هذا الحديث عن يحيى بن عبّاد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عبّاد:
فإذا فرغوا من رَمْي الجمار، وأرادوا النَّفْر من منىً، أخذت صوفة بناحيتي العقبة، فحبسوا الناس، وقالوا: أجيزي صوفة، فلم يَجُزْ أحد من الناس حتى ينفذوا، فإذا نَفرت صوفة ومضت خُلِّيَ سبيل الناس، فانطلقوا بعدهم، فلمَّا كان ذلك العام، فعلت ذلك صوفة كما كانت تفعل، قد عرفت ذلك لها العرب،
стр. 2392
وهو دَيْن في أنفسهم في عهد جُرْهم وخزاعة وولايتهم، أتاهم قصيّ بن كلاب بمن معه من قومه من قريش وكنانة وقضاعة عند العَقَبة، فقالوا: نحن أوْلى بهذا منكم، فناكروه فناكرهم، فقاتلوه فاقتتل الناس قتالًا شديدًا، ثم انهزمت صوفة، وغَلَبهم قصيّ على ما كان بأيديهم من ذلك، وحال بينهم وبينه.
قال: وانحازت عند ذلك خُزاعة وبنو بكر عن قصيّ بن كلاب، وعرفوا: أنه سيمنعهم كما منع صوفة، وأنه سيحُول بينهم وبين الكعبة وأمْر مكة، فلما انحازوا عنه باداهم وأجمع لحربهم، ووثب معه أخوه رِزاح بن ربيعة بمَنْ معه من قومه من قُضاعة، وخرجت لهم خُزاعة وبنو بكر وتهيؤوا لحربهم، والتقوْا فاقتتلوا قتالًا شديدًا؛ حتى كَثُرت القتلى من الفريقين جميعًا، وفشت فيهم الجِراحة، ثم إنهم تداعوْا إلى الصلح، إلى أن يُحَكِّموا بينهم رجلًا من العرب، فيما اختلفوا فيه، ليقضيَ بينهم، فحكَّموا يعمر بن عوف بن كعب بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، فقضى بينَهم بأنّ قُصيًّا أوْلَى بالكعبة وأمر مكّة من خُزاعة، وأن كلَّ دم أصابه قصيّ من خُزاعة وبني بكر موضوع يشدَخه تحت قدميه، وأنّ ما أصابت خزاعة وبنو بكر من قريش وبني كنانة وقضاعة ففيه الدّية مؤَدّاة، وأن يُخَلَّى بين قُصيّ بن كلاب وبين الكعبة ومكة؛ فسمِّي يعمر بن عوف يومئذ الشَّدّاخ؛ لما شَدَخ من الدماء، ووضع منها، فوَلي قصيّ البيت وأمرَ مكة وجَمع قومه من منازلهم إلى مكة، وتملّك على قومه وأهل مكة فملّكوه، فكان قصيٌّ أول ولد كعب بن لؤي أصاب ملكًا أطاع له به قومه، فكانت إليه الحجابة، والسِّقاية، والرِّفادة، والنَّدْوة، واللواء، فحاز شرف مكة كلَّه، وقطع مكّة رباعًا بين قومه، فأنزل كلَّ قوم من قريش منازلهم من مكّة التي أصبحوا عليها (١). (٢: ٢٥٨/ ٢٥٧).
٨٦٩ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلمة عن ابن إسحاق، قال: ويزعمُ الناس: أن قريشًا هابت قَطْع شجر الحرَم في منازلهم، فقطعها قصيّ بيده، وأعانوه، فسمّته العرب مُجَمِّعًا لما جمّع من أمرها، وتيمّنت بأمره، فما تُنكح امرأة ولا رجل من قريش إلَّا في دار قصيّ بن كلاب، وما يتشاورون في أمر ينزل
стр. 2393
بهم إلَّا في داره، ولا يعقدون لواء لحرب قوم من غيرهم إلَّا في داره، يعقدها لهم بعضُ ولده، وما تدّرع جارية إذا بلغت أن تدّرع من قريش إلَّا في داره؛ يشقّ عليها فيها درعها ثم تدّرعه، ثم يُنطلق بها إلى أهلها؛ فكان أمرُه في قومه من قريش في حياته وبعد موته كالدِّين المتَّبع، لا يعمل بغيره تيمُّنًا بأمره ومعرفةً بفضله وشرفه، واتخذ قصيّ لنفسه دار النَّدْوة، وجعل بابها إلى مسجد الكعبة، ففيها كانت قريش تقضي أمورها.
حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلمَة، قال: حدّثني محمد بن إسحاق عن عبد الملك بن راشد، عن أبيه، قال: سمعت السائب بن خبّاب صاحب المقصورة يحدّث: أنه سمع رجلًا يحدّث عمر بن الخطاب - وهو خليفة - حديثَ قُصيّ بن كِلاب هذا وما جمّع من أمر قومه، وإخراجه خُزاعة وبني بكر من مكّة، وولايته البيت وأمر مكّة؛ فلم تردَّ ذلك عليه ولم ينكره.
قال: فأقام قصيّ بمكّة على شرفه ومنزلته في قومه لا ينازَع في شيء من أمر مكّة؛ إلَّا أنه قد أقرّ للعرب في شأن حَجّهم ما كانوا عليه؛ وذلك لأنه كان يراه دِينًا في نفسه، لا ينبغي له تغييرُه، وكانت صوفة على ما كانت عليه، حتى انقرضت صوفة، فصار ذلك من أمرهم إلى آل صفوان بن الحارث بن شِجْنة وراثةً، وكانت عَدْوان على ما كانت عليه، وكانت النَّسأة من بني مالك بن كنانة على ما كانوا عليه، ومرّة بن عوف على ما كانوا عليه، فلم يزالوا على ذلك حتى قام الإسلام، فهدَم الله به ذلك كلَّه، وابتنى قصيّ دارًا بمكّة، وهي دار النَّدوة، وفيها كانت قريش تقضي أمورَها، فلمَّا كَبِر قصيّ ورَقّ [عظمه]- وكان عبد الدار بِكْره هو، كان أكبر ولده، وكان -فيما يزعمون- ضعيفًا، وكان عبد مناف قد شَرُف في زمان أبيه، وذهب كلّ مذهب وعبد العزى بن قصي وعبد بن قصي، فقال قصيّ لعبد الدار فيما يزعمون: أما والله لألحقنّك بالقوم، وإن كانوا قد شَرفُوا عليك؛ لا يدخل رجل منهم الكعبة حتى تكون أنت تفتحها، ولا يعقد لقريش لواء لحربهم إلَّا أنت بيدك، ولا يشرب رجل بمكّة ماء إلَّا من سقايتك، ولا يأكل أحد من أهل الموسم طعامًا إلَّا من طعامك، ولا تقطع قريش أمورها إلَّا في دارك. فأعطاه داره، دار النَّدوة التي لا تقضي قريش أمرًا إلَّا فيها، وأعطاه الحجابة، واللواء، والنَّدْوة، والسقاية، والرِّفادة - وكانت الرِّفادة خَرْجًا تخرجه
стр. 2394
قريش في كل موسم من أموالها إلى قصيّ بن كلاب، فيصنع به طعامًا للحاجّ يأكله مَنْ لم تكن له سعة ولا زاد ممّن يحضر الموسم؛ وذلك: أن قصيًّا فرضه على قريش، فقال لهم حين أمرَهم به: يا معشر قريش! إنكم جيرانُ الله وأهلُ بيته الحرام، وإن الحاجّ ضيف الله وزوّار بيته، وهم أحقّ الضيف بالكرامة، فاجعلوا لهم شرابًا وطعامًا أيام هذا الحج، حتى يَصْدُروا عنكم، ففعلوا فكانوا يُخْرِجون لذلك كلَّ عام من أموالهم فيدفعونه إليه، فيصنعه طعامًا للناس أيام منىً، فجرى ذلك من أمره على قومه في الجاهليّة، حتى قام الإسلام، ثم جرى في الإسلام إلى يومك هذا، فهو الطعام الذي يصنعه السلطان كلَّ عام بِمنىً حتى ينقضيَ الحج.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمَة، قال: حدّثني من أمر قصيّ بن كلاب وما قال لعبد الدار فيما دفع إليه ابنُ إسحاق بن يسار عن أبيه، عن الحسن بن محمد بن عليّ بن أبي طالب، قال: سمعته يقول ذلك لرجل من بني عبد الدار، يقال له: نُبَيه بن وهب بن عامر بن عِكرمة بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار. قال الحسن بن محمد: فجعل إليه قصيّ ما كان بيده من أمر قومه كلِّه، وكان قصيّ لا يخالف ولا يُرَدّ عليه شيء صَنَعه. ثم إن قصيًّا هلك، فأقام أمره في قومه من بعده بنوه.
ابن كلاب
وأمّ كلاب -فيما ذُكِر-: هند بنت سرير بن ثعلبة بن الحارث بن فهر بن مالك بن النَّضر بن كنانة. وله أخوان من أبيه من غير أمّه، وهما: تَيم، ويقَظَة، أمّهما -فيما قال هشام بن الكلبي-: أسماء بنت عديّ بن حارثة بن عمرو بن عامر بن بارق.
وأما ابن إسحاق فإنه قال: أمّهما هند بنت حارثة البارقيّة. قال: ويقال: بل يقظة لهند بنت سرير، أمّ كلاب.
ابن مُرَّة
وأم مرة: وَحْشيَّة بنت شيبان بن محارب بن فهر بن مالك بن النضر بن
стр. 2395
كنانة، وأخواه لأبيه وأمّه: عديّ، وهُصَيص، وقيل: إنّ أمّ هؤلاء الثلاثة مخشيّة. وقيل: إن أمّ مرّة وهصيص مخشيّة بنت شيبان بن محارب بن فِهْر، وأمّ عديّ: رَقاش بنت رُكْبَة بن نائلة بن كعب بن حرب بن تيم بن سعد بن فهم بن عمرو بن قيس بن عيلان.
ابن كعب
وأم كعب: ماويّة -فيما قال ابن إسحاق، وابن الكلبيّ- وماويّة بنت كعب بن القين بن جَسْر بن شَيع الله بن أسد بن وبرة بن تغلب بن حُلوْان بن عمران بن الحاف بن فُضاعة، وله أخوان من أبيه وأمّه: أحدهما يقال له: عامر، والآخر: سامة، وهم بنو ناجية، ولهم من أبيهم أخ قد انتمى ولده إلى غَطَفان، ولحقوا بهم، كان يقال له: عوف، أمّه: الباردة بنت عوف بن غَنْم بن عبد الله بن غَطَفان.
ذُكِر: أن الباردة لما مات لُؤيّ بن غالب خرجت بابنها عوف إلى قومها، فتزوّجها سعد بن ذُبْيان بن بَغيِض، فتبنّى عوفًا، وفيه يقول: فيما ذكر - فزارةُ بن ذُبْيان:
عَرِّجْ عَلَيَّ ابْنَ لُؤَيٍّ جَمَلَكْ ... يترُكُكَ الْقَوْمُ ولَا مَنْزِلَ لَكْ
ولكعب أخوان آخران أيضًا من أبيه من غير أمّه، أحدهما: خزيمة، وهو عائذة قريش، وعائذة أمّه، وهي عائذة بنت الخِمْس بن قُحافة؛ من خثعم، والآخر: سعد، ويقال لهم: بُنانة، وبنانة أمّهم؛ فأهل البادية منهم اليوم -فيما ذكر- في بني أسعد بن همّام، في بني شيبان بن ثعلبة؛ وأهل الحاضرة ينتمون إلى قريش.
ابن لؤيّ
وأم لؤيّ -فيما قال هشام- عاتكة بنت يَخْلُد بن النضر بن كنانة، وهي أولى العواتك اللائي ولدن رسول الله ﷺ من قريش، وله أخوان من أبيه وأمّه، يقال لأحدهما: تيم، وهو الذي كان يقال له: تيم الأدْرم - والدَّرَم نقصان في الذّقن؛ قيل: إنه كان ناقص اللّحى - وقيس، قيل: لم يبق من قيس أخي لؤيّ أحد، وإنّ آخر مَنْ كان بقي منهم رجل هلك في زمان خالد بن عبد الله القسريّ، فبقيَ ميراثه، لا يدري مَنْ يستحقّه. وقد قيل: إن أمّ لؤيّ وإخوته سلْمَى بنت عمرو بن ربيعة، وهو لُحَيّ بن حارثة بن عمرو مُزيقياء بن عامر ماء السماء، من خُزاعة.
стр. 2396
ابن غالب
وأمّ غالب: ليلَى بنت الحارث بن تميم بن سعد بن هُذَيل بن مدركة، وإخوته من أبيه وأمّه: الحارث، ومُحارب، وأسد، وعوف، وجُون؛ وذئب؛ وكانت محارب، والحارث من قريش الظواهر، فدخلت الحارث الأبطح.
ابن فهر
وفهر - فيما حُدّثت عن هشام بن محمد: أنه قال: هو جمّاع قريش، قال: وأمّه جَندَلة بنت عامر بن الحارث بن مُضاض الجرهميّ.
وقال ابن إسحاق - فيما حدَّثنا ابن حميد- قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق: أمّه جندلة بنت الحارث بن مُضاض بن عمرو الجرهميّ.
وكان أبو عُبيدة معمر بن المثنّى يقول - فيما ذكر عنه -: أمّه سلمى بنت أدّ بن طابخة بن إلياس بن مضر.
وقيل: إنّ أمّه جميلة بنت عَدْوان من بارق، من الأزْد.
وكان فِهْر في زمانه رئيسَ الناس بمكّة - فيما حدَّثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق - في حربهم حسّان بن عبد كلال بن مثوب ذي حرَث الحميريّ. وكان حسّان - فيما قيل - أقبل من اليمن مع حِمْير وقبائل من اليمن عظيمة، يريد أن ينقل أحجار الكعبة من مكّة إلى اليمن، ليجعل حجَّ الناس عنده ببلاده، فأقبل حتى نَزَل بنخلة، فأغار على سَرْح النّاس، ومنع الطريق، وهاب أن يدخل مكّة، فلما رأت ذلك قريش، وقبائل كنانة، وخزيمة، وأسد، وجُذام، ومَنْ كان معهم من أفنْاء مُضَر، خرجوا إليه، ورئيس النّاس يومئذ فهر بن مالك، فاقتتلوا قتالًا شديدًا فهزمت حمير، وأسِر حسّان بن عبد كلال ملك حِمْيَر، أسَره الحارث بن فِهْر، وقُتِل في المعركة - فيمن قتل من الناس - ابن ابنه قيس بن غالب ابن فهر، وكان حسّان عندهم بمكّة أسيرًا ثلاث سنين، حتى افتدَى منهم نفسه، فخُرِج به، فمات بين مكّة واليمن.
стр. 2397
ابن مالك
وأمّه عِكْرِشَة بنت عَدْوان، وهو الحارث بن عمرو بن قيس بن عيلان، في قول هشام.
وأمَّا ابن إسحاق فإنه قال: أمّه عاتكة بنت عَدْوان بن عمرو بن قيس بن عيلان.
وقيل: إنّ عِكْرِشة لقبُ عاتكة بنت عَدْوان، واسمها: عاتكة.
وقيل: إن أمَّه هند بنت فَهْم بن عمرو بن قيس بن عَيلان. وكان لمالك أخَوان، يقال لأحدهما: يخلُد، فدخلت يخلُد في بني عمرو بن الحارث بن مالك بن كنانة، فخرجوا من جماع قريش، والآخر منهما يقال له: الصّلت، لم يبق من ذريَّته أحد.
وقيل: سُمَّيت قريش قريشًا بقريش بن بدر بن يخلُد بن الحارث بن يخلُد بن النَّصر بن كنانة، وبه سمّيت قريش قريشًا، لأن عِير بني النّضر كانت إذا قدمت قالت العرب: قد جاءت عِير قريش، قالوا: وكان قريش هذا دليل بني النَّضر في أسفارهم، وصاحبَ ميرتهم، وكان له ابن يسمّى بدرًا، احتفر بدرًا، قالوا: فبه سمِّيت البئر التي تدعى بدرا: بدرًا.
وقال ابن الكلبيّ: إنّما قريش جماع نسب، ليس بأب ولا أمّ ولا حاضن ولا حاضنة.
وقال آخرون: إنما سمّي بنو النضر بن كنانة قريشًا؛ لأن النضر بن كنانة خرج يومًا على نادِي قومه، فقال بعضهم لبعض؛ انظروا إلى النَّضْر، كأنه جملٌ قَرِيش.
وقيل: إنّما سمّيت قريش قريشًا بدابّة تكون في البحر تأكل دوابّ البحر، تدعَى القِرْش، فشُبِّه بنو النّضر بن كنانة بها؛ لأنها أعظم دوابّ البحر قوّة.
وقيل: إنَّ النَّضر بن كنانة كان يقرّش عن حاجة الناس فيسدّها بماله، والتَّقْريش - فيما زعموا - التفتيش، وكان بنوه يقرّشون أهلَ الموسم عن الحاجة
стр. 2398
فيسدُّونها بما يبلغهم - واستشهدوا لقولهم: إن التقريش هو التفتيش، بقول الشاعر:
أيُّها النَّاطِقُ المُقَرِّشُ عَنَّا ... عِنْدَ عَمْرٍو فَهلْ لهن انْتِهاءُ!
وقيل: إنّ النّضر بن كنانة كان اسمه قريشًا. وقيل؛ بل لم تزل بنو النّضر بن كنانة يدعوْن النَّضْر حتى جمّعهم قصيّ بن كلاب، فقيل لهم: قريش؛ من أجل أن التجمُّع هو التقرُّش، فقالت العرب: تقرّش بنو النّضر، أي قد تجمّعوا.
وقيل: إنما قيل قريش، من أجل أنها تقرّشت عن الغارات (١).
(٢: ٢٦٥ - ٢٥٩).
٨٧٥ - حدّثني الحارث، قال: حدَّثنا محمد بن سعد، قال: حدَّثنا محمد بن عمر، قال: حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرة عن سعيد بن محمد بن جُبَير بن مُطْعِم: أنّ عبد الملك بن مروان سأل محمد بن جُبَير: مَتَى سمّيت قريش قريشًا؟ قال: حين اجتمعت إلى الحرَم من تفرُّقها، فذلك التجمّع التقرُش. فقال عبد الملك: ما سمعت هذا، ولكن سمعت: أن قصيًّا كان يقال له: القرشيّ، ولم تسمّ قريش قبله (٢). (٢: ٢٦٥).
٨٧١ - حدّثني الحارث، قال: حدَّثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرة عن عبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي سلَمة بن عبد الرحمن بن عوف، قال: لما نزل قصيّ الحرم وغَلب عليه؛ فعل أفعالًا جميلة، فقيل له: القرشيّ، فهو أوّل مَنْ سُمّيَ به (٣). (٢: ٢٦٥).
٨٧٢ - حدّثني الحارث، قال: حدَّثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني أبو بكر بن أبي سبْرة عن أبي بكر بن عبيد الله بن أبي جَهْم، قال: النّضر بن كنانة كان يسمى القرشيّ (٤). (٢: ٢٦٢).
стр. 2399
٨٧٣ - حدَّثني الحارث، قال: حدَّثنا محمد بن سعد، قال: قال محمد بن عمر: وقصيّ أحدث وقودَ النار بالمزدَلِفة، حيث وقف بها حتى يراها مَنْ دفع من عرفة، فلم تزل تُوقَد تلك النار تلك الليلة في الجاهليَّة (١). (٢: ٢٦٥).
٨٧٤ - حدّثني الحارث، قال: حدَّثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: فأخبرني كثير بن عبد الله المزنيّ عن نافع، عن ابن عمر، قال: كانت تلك النار تُوقد على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر، وعمر، وعثمان. قال: محمد بن عمر: وهي توقد إلى اليوم (٢). (٢: ٢٦٥).
ابن النّضر
٨٧٤ / أ - واسم النَّضر: قيس، وأمّه: بَرَّة بنت مُرّ بن أدّ بن طابخة، وإخوتهُ لأبيه وأمّه نُضير، ومالك، ومِلْكان، وعامر، والحارث، وعمرو، وسعد، وعوف، وغَنْم، ومَخرمَة، وجَرْوَل، وغزوان، وحُدَال، وأخوهم من أبيهم عبد مناة، وأمّه فُكَيهة - وقيل: فَكْهة - وهي الذّفراء بنت هَنِيّ بن بَلِيّ بن عمرو بن الحاف بن قُضاعة. وأخو عبد مناة لأمّه عليّ بن مسعود بن مازن بن ذئب بن عديّ بن عمرو بن مازن الغسانيّ، وكان عبد مناة بن كنانة تزوّج هندًا بنت بكر بن وائل، فولدت له ولده، ثم خلف عليها أخوه لأمّه عليّ بن مسعود، فولدت له، فحضن عليّ بني أخيه، فنُسبوا إليه، فقيل لبني عبد مناة: بنو عليّ، وإياهم عنَى الشاعر بقوله:
للهِ دَرُّ بَنِي عَلِـ ... ـيٍّ أَيِّمٍ مِنْهم وناكِحْ
وكعب بن زهير بقوله:
صدَمُوا عَليًّا يومَ بَدْرٍ صَدْمَةً ... دانَتْ عليٌّ بعْدَها لِنزَارِ
ثم وثب مالك بن كنانة على عليّ بن مسعود، فقتله، فودَاه أسد بن خزيمة.
ابن كنانة
وأمّ كنانة: عَوانة بنت سعد بن قيس بن عَيلان. وقد قيل: إن أمّه هند بنت
стр. 2400
عمرو بن قيس، وإخوتُه من أبيه أسَد، وأسدَة، يقال: إنه أبو جذام والهُون، وأمهم بَرّة بنت مرّ بن أدّ بن طابخة، وهي أم النَّضْر بن كنانة، خلَف عليها بعد أبيه.
ابن خُزيمة
وأمّه: سلْمى بنت سليم بن الحافِ بن قضاعة، وأخوه لأبيه وأمّه هُذيل، وأخوهما لأمِّهمَا تغلب بن حُلْوان بن عمران بن الحافِ بن قضاعة.
وقد قيل: إن أمّ خزيمة وهذيل سَلْمى بنت أسد بن ربيعة.
ابن مدركة
واسمه: عمرو، وأمه: خِنْدِف، وهي ليلى بنت حُلوان بن عمران بن الحافِ بن قضاعة، وأمُّها ضَريَّة بنت ربيعة بن نزار، قيل: بها سمّي حِمَى ضَريَّة، وإخوة مدركة لأبيه وأمّه عامر - وهو طابخة - وعمير وهو قَمَعة - ويقال: إنه أبو خزاعة (١). (٢: ٢٦٥/ ٢٦٦ / ٢٦٧).
٨٧٥ - حدَّثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق: أنه قال: أمّ بني إلياس: خِنْدف، وهي امرأة من أهل اليمن، فغلَبت على نسب بنيها، فقيل: بنو خِنْدف.
قال: وكان اسم مدركة: عامرًا، واسم طابخة: عمرًا. قال: وزعموا: أنهما كانا في إبل لهما يَرْعيانها، فاقتنصا صيدًا، فقعدا عليه يطبخانه، وعدتْ عادية على إبلهما، فقال عامر لعمرو: أتدرك الإبل أو تطبخ هذا الصيد؟ فقال عمرو: بل أطبخ الصّيد، فلحق عامر الإبل، فجاء بها، فلما راحا على أبيهما، فحدّثاه بشأنهما، قال لعامر: أنت مُدْركة، وقال لعمرو: أنت طابخة (٢). (٢: ٢٦٦).
٨٧٦ - وحدّثت عن هشام بن محمد، قالوا: خرج إلياس في نجعة له، فنفرت إبله من أرنب، فخرج إليها عمرو فأدركها، فسمِّي مدركة، وأخذها عامر فطبخها فسمَي طابخة، وانقمع عُمَير في الخباء فلم يخرج فسمي قمَعة،
стр. 2401
وخرجت أمّهم تمشي فقال لها: إلياس أين تخنْدِفين؟ فسميت خِندف - والخَنْدفة ضرب من المشي - قال: وقال قُصَيّ بن كباب:
أَمَّهَتِي خِندِف وإلياس أبي
قال: وقال إلياس لعمرو ابنه.
إنكَ قد أدْرَكْتَ مَا طَلَبْتَا
ولعامر:
وأنتَ قد أنْضَجْتَ ما طَبَخْتَا
ولعمَير:
وأنتَ قد أسْأتَ وانْقمعْتَا
ابن إلياس
وأمّه: الرَّباب بنت حَيدة بن معدّ، وأخوه لأبيه وأمّه، وهو عَيلان، وسمي عَيلان - فيما ذكر - لأنه كان يعاتب على جوده، فيقال له: لتغلبنّ عليك الْعَيلة يا عيلان! فلزمه هذا الاسم.
وقيل: بل سمِّيَ عَيلان بفرَس كانت له تدعى عَيلان.
وقيل: سمِّيَ بذلك؛ لأنه ولد في جبل يسمى عَيلان.
وقيل: سمِّيَ بذلك لأنه حضنه عبدٌ لمضر يدعى عَيلان.
ابن مضر
وأمّه: سَودة بنت عكّ، وأخوه لأبيه وأمّه إياد، ولهما أخوان من أبيهما من غير أمَهما، وهما ربيعة وأنْمار؛ أمّهما جدالة بنت وعْلان بن جوْشم بن جُلْهُمة بن عمرو، من جُرْهم.
وذكر بعضهم: أن نزار بن مَعَدّ لما حضرتْه الوفاة أوصى بنيه، وقسَّم ماله بينهم، فقال: يا بنيّ، هذه القبَّة - وهي قبّة من أدَم حمراء - وما أشبهها من مالي لمضر، فسمِّيَ مضر الحمراء، وهذا الخِباء الأسود وما أشبهه من مالي لِربيعة، فخلَّف خيلًا دُهْما، فسمِّي الفُرْس، وهذه الخادم وما أشبهها من مالي لإياد
стр. 2402
- وكانت شمطاء - فأخذ البُلْق والنَّقَد من غنمه. وهذه البدرة والمجلس لأنمار يجلس فيه، فأخذ أنمار ما أصابه. فإن أشكل عليكم في ذلك شيء واختلفتم في القِسْمة فعليكم بالأفْعَى الجُرْهميّ. فاختلفوا في القِسمة، فتوجّهوا إلى الأفْعى؛ فبينما هم يسيرون في مسيرهم إذ رأى مُضَر كلأ قد رُعِيَ، فقال: إنّ البعير الذي رَعى هذا الكلأَ لأعور، وقال ربيعة: هو أزور، قال إياد: هو أبتر، وقال أنمار: هو شَرُود، فلم يسيروا إلَّا قليلًا حتى لقيَهم رجل تُوضِع به راحلته، فسألهم عن البعير، فقال مُضَر: هو أعور؟ قال: نعم، قال ربيعة: هو أزْور؟ قال: نعم، قال إياد: هو أبتر؟ قال: نعم، قال أنمار: هو شَرود؟ قال: نعم، قال: هذه صفة بَعِيري، دُلّوني عليه، فحلفوا له: ما رأوه. فلزمهم وقال: كيف أصدّقكم؛ وأنتم تصِفون بعيري بصفته! فساروا جميعًا حتى قدِموا نجران، فنزلوا بالأفعى الجرهمّي، فنادى صاحبُ البعير: هؤلاء أصحاب بعيري، وَصَفُوا لي صفته ثم قالوا: لم نره. فقال الجرهمي: كيف وصفتموه ولم تروهُ؟ فقال مضَر: رأيته يَرْعى جانبًا ويَدَع جانبًا فعرفت: أنه أعور. وقال ربيعة: رأيت إحدى يدْيه ثابتة الأثر والأخرى فاسدة الأثر، فعرفت: أنه أفسدها بشدّة وطئه لازوراره. وقال إياد: عرفت: أنه أبتر باجتماع بعره، ولو كان ذيّالًا لمَصع به. وقال: أنمار: عرفت: أنه شرود؛ لأنه يرعى المكان الملتفّ نبته، ثم يجوزه إلى مكان آخر أرقّ منه نبتًا وأخبث. فقال الجرهميّ: ليسوا بأصحاب بعيرك فاطلبه، ثم سألهم: مَنْ هم؟ فأخبروه، فرحّب بهم فقال: أتحتاجون إليَّ وأنتم كما أرى! فدعا لهم بطعام فأكلوا وأكل، وشربوا وشرب، فقال مُضَر: لم أر كاليوم خمرًا أجود، لولا أنها نبتت على قَبْر، وقال ربيعة: لم أر كاليوم لحمًا أطيب لولا أنه رُبيّ بلبن كلب، وقال إياد: لم أر كاليوم رجلًا أسْرَى منه لولا أنه لغير أبيه الذي يدعَى له، وقال أنمار: لم أر كاليوم قطّ كلامًا أنفع في حاجتنا [من كلامنا].
وسمع الجرهميّ الكلام فتعجّب لقولهم، وأتى أمّه فسألها فأخبرته أنّها كانت تحت ملِل لا يولد له، فكرهت أن يذهبَ الملْك فأمكنتْ رجلًا من نفسها كان نزل بها، فوطئها فحملت به، وسأل القهرمان عن الخمر، فقال: من حَبَلة غرستُها على قبر أبيك، وسأل الراعيَ عن اللحم، فقال: شاة أرضعتُها لبن كلبة، ولم يكن وَلَد في الغنم شاة غيرها. فقيل لمضر: من أين عرفت الخمر
стр. 2403
ونباتها على قبر؟ قال: لأنه أصابني عليها عطش شديد. وقيل لربيعة: بم عرفت؟ فذكر كلامًا.
فأتاهم الجرهميّ، فقال: صفوا لي صفتكم، فقصّوا عليه ما أوصاهم به أبوهم، فقضى بالقُبّة الحمراء والدنانير والإبل - وهي حُمْر - لمضر، وقضى بالخباء الأسود وبالخيل الدّهم لربيعة، وقضى بالخادم - وكانت شمطاء - وبالخيل البُلْق لإياد، وقضى بالأرض والدراهم لأنمار.
ابن نزار
وقيل: إن نزارًا كان يكنى أبا إياد، وقيل: بل كان يكنى أبا ربيعة، أمّه مُعَانة بنت جَوْشم بن جُلْهُمة بن عمرو، وإخوته لأبيه وأمّه. قنَص، وقناصة، وسنام، وحيدَان، وحيدة، وحيادة، وجنيد، وجنادة، والقحم، وعُبيد الرَّماح، والعُرف، وعوف، وشكّ، وقضاعة؛ وبه كان معدّ يكنى، وعدّة دَرَجوا.
ابن معدّ
وأمّ مَعَدّ - فيما زعمِ هشام - مَهْدَد بنت اللِّهَمّ - ويقال: اللَّهْم - ابن جَلْحَب بن جديس. وقيل: ابن طسْم، وقيل: ابن الطوسم، من ولد يقشان بن إبراهيم خليل الرحمن.
حدَّثنا الحارث بن محمد، قال: حدَّثنا محمد بن سعد، قال: حدَّثنا هشام بن محمد، قال: حدّثني محمد بن عبد الرحمن العجلانيّ: وإخوته من أبيه وأمّه الدّيث - وقيل: إن الدّيث هو عكّ. وقيل: إنّ عكا هو ابن الديث بن عبدنان - وَعَدن بن عبدنان، فزعِم بعض أهل الأنساب: أنه صاحب عَدَن؛ وإليه تنسب، وأن أهلها كانوا ولده فدَرجوا، وأبيَن - وزعم بعضهم: أنه صاحب أبيَن وأنّها إليه تنسب، وأنّ أهلها كانوا ولده فدرجوا - وأدّ بن عبدنانَ درَج، والضحاك، والعيّ، وأمّ جميعهم أمّ معدّ.
وقال بعض النسابة: كان عكّ انطلق إلى سمرَان من أرض اليمن، وترك أخاه معدًّا، وذلك أنّ أهل حَضور لما قتلوا شعيب بن ذي مَهْدَم الحَضوريّ؛ بعث الله
стр. 2404
عليهم بختنصَّر عذابًا، فخرج أرميا وبرخيا، فحملا معدًّا، فلمّا سكنت الحرب؛ ردّاه إلى مكة، فوجد معدّ إخوته وعمومته من بني عدنان قد لحقوا بطوائف اليمن، وتزوّجوا فيهم، وتعطّفَتْ عليهم اليمن بولادة جُرْهم إيّاهم. واستشهدوا في ذلك قول الشَّاعَر:
تَرَكْنا الدِّيثَ إخْوَتَنَا وعكَّا ... إلى سَمْرانَ فانطَلَقُوا سِراعا
وكانوا مِنْ بني عَدْنانَ حتّى ... أضاعوا الأمْرَ بَينَهُم، فضاعا
ابن عدنان
ولعدنان أخَوان لأبيه؛ يدعى أحدهما: نَبْتًا والآخر منهما: عَمْرًا، فنسَبُ نبينا محمد ﷺ لا يختلف النسابون فيه إلى معدّ بن عبدنان، وأنه على ما بيّنت من نسبه (١). (٢: ٢٦٧ - ٢٧١).
٨٧٧ - حدثني يونس بن عبد الأعلى. قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدّثني ابن لهيعة عن أبي الأسود وغيره عن نسبة رسول الله ﷺ : محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبدمناف بن قُصيّ بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لُؤي بن غالب بن فِهْر بن مالك بن النَّضر بن كنانة بن خُزَيمة بن مُدْرِكة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عبدنان بن أدد. ثم يختلفون فيما بعد ذلك.
وقال الزبير بن بكّار: حدّثني يحيى بن المقداد الزّمْعيّ عن عمّه موسى بن يعقوب بن عبد الله بن وهب بن زَمعة، عن عمّته أم سلَمة زوج النبي غبهَبت، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "معدّ بن عبدنان بن أدد بن زَنْد بن يَرَى بن أعراق الثرَى"، قالت أمّ سلمة: فزند هو الهَميْسعَ، ويرى وهو نبت، وأعراق الثرى هو إسماعيل بن إبراهيم (٢). (٢: ٢٧١).
٨٧٨ - حدّثني الحارث، قال: حدَّثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا هشام بن محمد، قال: حدّثني محمد بن عبد الرحمن العجلانيّ عن موسى - بن يعقوب الزمعيّ، عن عمّته، عن جَدّتها ابنة المقداد بن الأسود البهرانيّ، قالت: قال
стр. 2405
رسول الله ﷺ : "معدّ بن عبدنان بن أدد بن يرى بن أعراق الثرى".
وقال ابن إسحاق - فيما حدثنا ابن حميد عن سلمة بن الفضل عنه عدنان - فيما يزعم بعض النّساب -: ابن أدد بن مقوّم بن ناحور بن تيرح بن يَعرب بن يشَجب بن نابت بن إسماعيل بن إبراهيم.
وبعض يقول: بل عدنان بن أدد بن أيتحب بن أيوب بن قيذر بن إسماعيل بن إبراهيم.
قال: وقد انتمى قصيّ بن كلاب إلى قيذر في شعر.
قال: ويقول بعض النّساب: بل عدنان بن ميدع بن منيع بن أدد بن كعب بن يشجب بن يعرب بن الهميسع بن قيذر بن إسماعيل بن إبراهيم، قال: وذلك: أنه علْم قديم أخذ من أهل الكتاب الأوّل.
وأما الكلبيّ محمد بن السائب فإنه - فيما حدّثني الحارث عن محمد بن سعد، عن هشام - قال: أخبرني مخبرٌ عن أبي ولم أسمعه منه: أنه كان ينسب معدّ بن عبدنان بن أدد بن الهميسع بن سلامان بن عوص بن بوز بن قموال بن أبيّ بن العوام بن ناشد بن حزا بن بَلْداس بن يدلاف بن طابخ بن جاحم بن تاحش بن ماخي بن عبقي بن عبقر بن عبيد بن الدعا بن حمدان بن سنبر بن يثربي بن يحزن بن يلحن بن أرعوي بن عيفي بن ديشان بن عيصر بن أقناد بن إيهام بن مقصر بن ناحث بن زارح بن شمّى بن مزّي بن عوص بن عرام بن قيذر بن إسماعيل بن إبراهيم، صلوات الله عليهما (١). (٢: ٢٧٢).
٨٧٩ - حدّثني الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: حدَّثنا هشام بن محمّد، قال: وكان رجل من أهل تَدْمُر، يكنى أبا يعقوب، من مسلمة بني إسرائيل، قد قرأ من كتبهم، وعلم علمًا، فذكر: أن بروخ بن ناريّا كاتب أرميا أثبت نسب معدّ بن عبدنان عنده، ووضعه في كتبه، وأنه معروف عند أحبار أهل الكتاب، مثبَت في أسفارهم، وهو مقارب لهذه الأسماء، ولعلّ خلاف ما بينهم من قبَل اللغة، لأن هذه الأسماء ترجمت من العبرانية.
стр. 2406
قال الحارث: قال محمد بن سعد: وأنشدني هشام، عن أبيه شعرَ قصيّ:
فلستُ لحاضِنٍ إنْ لَمْ تَأَثَّلْ ... بها أولادُ قَيذَرَ والنَّبِيتُ
قال: أراد نبْت بن إسماعيل.
وقال الزبير بن بكّار: حدّثني عمر بن أبي بكر المؤَمَّليّ عن زكرياء بن عيسى، عن ابن شهاب، قال: معدّ بن عبدنان بن أدّ بن الهميسع بن أسحب بن نبت بن قيذار بن إسماعيل.
وقال بعضهم: هو معدّ بن عبدنان بن أدد بن آمين بن شاجب بن ثعلبة بن عتر بن بريح بن محلّم بن العوّام بن المحتمل بن رائمة بن العيقان بن علة بن الشحدود بن الظريب بن عبقر بن إبراهيم بن إسماعيل بن يزن بن أعوج بن المطعم بن الطمح بن القسور بن عتود بن دعدع بن محمود بن الزائد بن ندوان بن أتامة بن دوس بن حصن بن النزال بن القمير بن المجشّر بن معدمر بن صيفي بن نبت بن قيذار بن إسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمن.
وقال آخرون: هو معدّ بن عبدنان بن أدد بن زيد بن يقدر بن يقدم بن هميسع بن نبت بن قيذر بن إسماعيل بن إبراهيم.
وقال آخرون: هو معدّ بن عبدنان بن أدّ بن الهميسع بن نبت بن سلمان - وهو سلامان - ابن حمل بن نبت بن قيذر بن إسماعيل بن إبراهيم.
وقال آخرون: هو معدّ بن عبدنان بن أدد بن المقوّم بن ناحور بن مِشْرح بن يشجب بن مالك بن أيمن بن النبيت بن قيذر بن إسماعيل بن إبراهيم.
وقال آخرون: هو معدّ بن عبدنان بن أن بن أدد بن الهميسع بن أسحب بن سعد بن مريح بن نضير بن حميل بن منحم بن لافث بن الصابوح بن كنانة بن العوام بن نبت بن قيذر بن إسماعيل.
وأخبرني بعض النّساب: أنه وجد طائفة من علماء العرب قد حفظت لمعدّ أربعين أبًا بالعربية إلى إسماعيل، واحتجّت لقولهم ذلك بأشعار العرب، وأنه قابل بما قالوا من ذلك ما يقول أهلُ الكتاب، فوجد العدد متّفقًا، واللفظ مختلفًا، وأملي ذلك عليّ فكتبته عنه، فقال: هو معدّ بن عبدنان بن أدد بن هميسع - وهميسع هو سلمان وهو آمين - ابن هميتع - وهو هميدع وهو
стр. 2407
الشاجب بن سلامان - وهو منجر، وهو نبيت؛ سمّي بذلك - فيما زعم - لأنه كان منجِر العرب؛ لأن الناس عاشوا في زمانه، واستشهد لقوله ذلك بقول قَعْنَب بن عتَّاب الرياحيّ:
تُنَاشِدُني طيٌّ وَطيٌّ بَعِيدة ... وتُذْكِرُنِي بالودّ أَزْمَان ينبت
قال: نبيت بن عوص - وهو ثعلبة. قال: وإليه تنسب الثعلبيّة - ابن بورا - وهو بوز وهو عتو العتائر، وأوّل من سَنّ العتيرة للعرب - ابن شوحا وهو سعد رجب، وهو أول من سن الرجبيّة للعرب - ابن يعمانا - وهو قموال، وهو مريح الناصب، وكان في عصر سليمان بن داود النبي ﷺ ابن كسدانا - وهو محلَّم ذو العين - ابن حرانا - وهو العوّام - ابن بلداسا - وهو المحتمل - ابن بدلانا، وهو يدلاف، وهو رائمة - ابن طهبا - وهو طالب، وهو العيقان - ابن جهمي - وهو جاجم، وهو علة - ابن محشي - وهو تاحش، وهو الشحدود - ابن معجالي - وهو ماخي، وهو الظريب خاطم النار - ابن عقارا - وهو عافي، وهو عبقر أبو الجنّ، قال: وإليه تنسب جنة عبقر - ابن عاقارى - وهو عاقر، وهو إبراهيم جامع الشمل. قال: وإنما سمي جامع الشمل لأنه أمّن في ملكه كلّ خائف، وردّ كلّ طريد، واستصلح الناس - ابن مداعي - وهو الدعا، وهو إسماعيل ذو المطابخ، سمّي بذلك لأنه حين ملَك أقام بكلّ بلدة من بلدان العرب دار ضيافة - ابن ابداعي - وهو عبيد وهو يزن الطعّان، وهو أوّل من قاتل بالرماح، فنسجت إليه - ابن همادى وهو حمدان، وهو إسماعيل ذو الأعوج وكان فرسًا له، وإليه تنسب الأعوجيّة من الخيل - ابن بشماني - وهو بشين وهو المطعم في المحْل - ابن بثراني - وهو بثرم، وهو الطمح - ابن بحراني - وهو يحزن، وهو القسور - ابن يلحاني، وهو يلحن، وهو العنود - ابن رعواني - وهو رعوي، وهو الدعدع - ابن عاقاري - وهو عاقر - ابن داسان، وهو الزائد - ابن عاصار - وهو عاصر، وهو النيدوان ذو الأندية، وفي ملكه تفرق بنو القاذور وهو القادور، وخرج الملك من ولد النبيت بن القادور إلى بني جاوان - ابن القادور ثم رجع إليهم ثانية - ابن قنادي - وهو قنار، وهو إيّامة بن ثامار، وهو بهامي، وهو دوس العتق، وهو دوس أجمل الخلق، زعم في زمانه، فلذلك تقول العرب: أعتق من دَوْس لأمرين: أمّا أحدهما فلحسنه وعتقه، والآخر لقدمه، وفي ملكه أهلِكت جرهم بن فالج
стр. 2408
وقطورًا، وذلك: أنهم بغوْا في الحرم، فقتلهم دَوْس، وأتبع الذرّ آثار من بقي منهم، فولج في أسماعهم فأفناهم - ابن قصر - وهو مقاصري، وهو حصن، ويقال له: ناحث، وهو النزال بن زارح، وهو قمير - ابن سمي - وهو سما، وهو المجشر، وكان - فيما زعم - أعدلَ ملك ولي وأحسنه سياسة، وفيه يقول أميّة بن أبي الصلت لهرقل ملك الروم:
كُنْ كَالمجَشِّرِ إذْ قالتْ رَعِيَّتُهُ ... كَانَ المجَشِّرُ أوْفانا بِما حَمَلَا
ابن مزرا - ويقال: مرهر - ابن صنفا، وهو السمر، وهو الصفيّ، هو أجود ملك رُئي على وجه الأرض، وله يقول أميّة بن أبي الصلت:
إنَّ الصَّفِيَّ بن النَّبيتِ مُمَلَّكًا ... أعْلَى وأجْوَدُ من هِرَقْلَ وقَيصَرا
ابن جعثم - وهو عرام، وهو النَّبيت، وهو قيذر، قال: وتأويل "قيذر": صاحب ملك، كان أوّل من ملك من ولد إسماعيل - ابن إسماعيل صادق الوعد، ابن إبراهيم خليل الرحمن بن تارح - وهو آزر - ابن ناحور بن ساروع بن أرغوا بن بالغ - وتفسير "بالغ": القاسم بالسريانية، لأنه الذي قسم الأرضين بيد ولد آدم، وبالغ، فهو فالج بن عابر بن شالح بن أرفخشد بن سام بن نوح بن لمك بن متُّوشلخ بن أخنوخ، وهو إدريس النبيّ ﷺ ابن يحيىد - وهو يارد الذي عملت الأصنام في زمانه - ابن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث - وهو هبة الله ابن آدم ﵇. وكان وصيّ أبيه بعد مَقتل هابيل، فقال: هبة الله من هابيل، فاشتقَّ اسمه من اسمه.
وقد مضى من ذكرنا الأخبار عن إسماعيل بن إبراهيم وآبائه وأمّهاته فيما بينه وبين آدم، ومما كان من الأخبار والأحداث في كلّ زمان من ذلك بعض ما انتهى إلينا بوجيز من القول مختَصر في كتابنا هذا، فكرهنا إعادته.
وحُدِّثت عن هشام بن محمد قال: كانت العرب تقول: إنما خدش الخدوش منذ ولد أبونا أنوش؛ وإنما حرم الحنث منذ ولد أبونَا شثُّ، وهو بالسريانية "شيث" (١). (٢: ٢٧٣ - ٢٧٦).
стр. 2409
ذكر تزويج النبيِّ ﷺ خديجةَ ﵂
٨٨٥ - قال هشام بن محمّد: نكَح رسول الله ﷺ خديجةَ؛ وهو ابنُ خمس وعشرين سنة، وخديجة يومئذ ابنةُ أربعين سنة.
حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلمة عن ابن إسحاق، قال: كانت خديجة بنت خويلد بن أسَد بن عبد العُزّى بن قُصَيّ امرأة تاجرةً، ذات شرف ومال، تسْتتجِرُ الرجال في مالها، وتضاربُهم إيّاه بشىبء تجعله لهم منه، وكانت قريشٌ قومًا تجارًا؛ فلما بَلَغها عن رسول الله ﷺ ما بلَغها من صِدْق حَدِيثه، وعِظَمِ أمانته، وكَرَم أخلاقه؛ بعثتْ إليه، فعرضت عليه أن يخرُج في مالها إلى الشأم تاجرًا، وتعطيَه أفضلَ ما كانت تُعْطِي غيرَه من التُّجَّار مع غلامٍ لها يقال له: مَيسرة. فقبله منها رسول الله ﷺ ، فخرج في مالها ذلك؛ وخرَج معه غلامها مَيسَرة؛ حتى قَدِما الشأم، فنزل رسول الله ﷺ في ظِلّ شجرة قريبًا من صَوْمعة راهب من الرّهبان، فأطْلَع الراهب رأسه إلى مَيسرة فقال: مَنْ هذا الرجل الذي نزل تحت هذه الشجرة؟ فقال له ميسرة: هذا رجلٌ من قريش، من أهل الحَرم، فقال له الراهب: ما نَزَل تحت هذه الشجرةَ قطّ إلَّا نبيّ، ثم باع رسول الله ﷺ سِلْعته التي خرج بها، واشترى ما أراد أن يشتريَ، ثم أقبل قافلًا إلى مكة؛ ومعه مَيسرة. فكان ميسَرة - فيما يزعمون - إذا كانت الهاجرِة واشتدّ الحرّ؛ يرَى مَلَكْين يُظلِّلانِه من الشّمس، وهو يسير على بعيره. فلما قدِمَ مكة على خديجة بمالِها، باعت ما جاء به فأضعفت، أو قريبًا من ذلك. وحَدّثها ميسرة عن قول الرّاهب، وعَمّا كان يَرَى من إظلال الملَكين إيّاه - وكانت خديجة امرأةً حازمة لبيبة شريفة؛ مع ما أراد الله بها من كَرامته - فلما أخبرها ميسرة بما أخبرَها؛ بعثتْ إلى رسول الله ﷺ ، فقالت له - فيما يزعمون -: يا بن عَمِّ! إني قد رغبتُ فيك لقرابتك وسِطَتِك في قومك، وأمانتك، وحسن خُلقك، وصدق حديثك. ثم عَرَضت عليه نفسَها، وكانت خديجة يومئذ أوسطَ نساء قريش نسبًا، وأعظمهن شرَفًا، وأكثرهُنّ مالًا، كلُّ قومِها كانَ حريصًا على ذلك منها؛ لو يقدرُ عليها.
فلما قالت ذلك لرسول الله ﷺ ذكَر ذلك لأعمامه، فخرج معه حمزة بن
стр. 2410
عبد المطّلب عَمّه؛ حتى دخل على خُويلد بن أسد، فخطبها إليه فتزوّجها، فوَلَدتْ له ولده كلّهم إلَّا إبراهيم: زينب، ورقيّة، وأمّ كلثوم، وفاطمة، والقاسم - وبه كان يكنى ﷺ والطّاهر، والطيّب، فأمّا القاسم، والطّاهر، والطّيب؛ فهلكوا في الجاهلية، وأما بيناته فكلّهنّ أدركْن الإسلام، فأسلمنَ، وهاجرْنَ معه ﷺ (١). (٢: ٢٨٠/ ٢٨١).
٨٨١ - حدّثني الحارث، قال: حدَّثنا محمّد بن سعد، قال: حدَّثنا محمّد بن عمر، قال: حدَّثنا معمَر وغيره عن ابن شهاب الزّهريّ - وقد قال ذلك غيرهُ من أهل البلد: إن خديجة إنما كانت استأجرتْ رسول الله ﷺ ورجلًا آخر من قُريش إلى سوق حُبَاشة بتِهامة؛ وكان الذي زَوّجها إياه خُوَيلد، وكانت التي مشتْ في ذلك مولاةٌ مولّدة من مولّدات مكّة.
قال الحارث: قال محمّد بن سعد: قال الواقديّ: فكلّ هذا غلطٌ.
قال الواقديّ: ويقولون أيضًا: إنّ خديجة أرسلتْ إلى النبيّ ﷺ تدعوه إلى نفسها - تَعْني: التزويج - وكانت امرأةً ذاتَ شرف، وكان كلّ قريش حريصًا على نِكاحها - قد بذلوا الأموال لو طمعوا بذلك، فدعتْ أباها فسقته خمرًا حتى ثَمِل، ونحرَتْ بقرة وخَلّقته بخلوق، وألبسته حُلةً حِبْرةً، ثم أرسلتْ إلى رسول الله ﷺ في عمومته، فدخلوا عليه، فزوّجه، فلمّا صحا قال: ما هذا العَقير؟ وما هذا العبير؟ وما هذا الحبير؟ قالت: زوجتَني محمّد بن عبد الله، قال: ما فعلتُ، أنّى أفعل هذا وقد خطبك أكابرُ قريش، فلم أفعل! .
قال الواقديّ: وهذا غلطٌ، والثَّبَت عندنا المحفوظ من حديث محمّد بن عبد الله بن مسلم عن أبيه، عن محمّد بن جُبَير بن مطِعم، ومن حديث ابن أبي الزّناد، عن هشام بن عُرْوة، عن أبيه، عن عائشة، ومن حديث ابن أبي حبيبة: عن داود بن الحُصَين، عن عكرمة، عن ابن عبّاس: أن عَمَّها عمرو بن أسد زوَّجها رسول الله ﷺ ، وأن أباها مات قبل الفِجار.
قال أبو جعفر: وكان منزل خديجة يومئذ المنزل الذي يعرف بها اليوم، فيقال: منزل خديجة، فاشتراه معاوية - فيما ذكر- فجعله مسجدًا يصلّي فيه
стр. 2411
الناس، وبناه على الَّذي هو عليه اليوم لم يغيّر. وأمّا الحجر الذي على باب البيت عَنْ يَسار منْ يدخل البيت فإنّ رسولَ الله ﷺ كان يجلس تَحته يستتِر به من الرَّمْي إذا جاءه من دار أبي لَهَب، ودار عدِيّ بن حمراء الثّقِفيِّ خَلْفَ دارِ ابن علْقَمة، والحجَر ذراعٌ وشبر في ذراع (١). (٢: ٢٨١/ ٢٨٢).
ذكر باقي الأخبار عن الكائن من أَمر رسول الله ﷺ قبل أَن ينبَّأ، وما كان بين مولده ووقت نبوّته من الأَحداث في بلده
٨٨٢ - قال أبو جعفر: قد ذكرنا قبلُ سببَ تزويج النبيِّ ﷺ خديجة واختلاف المختلفين في ذلك، ووقت نكاحه ﷺ إيَّاها. وبَعْدَ السنة التي نكحها فيها رسولُ الله ﷺ هَدَمت قريش الكعبة بعشر سنين ثم بَنَتها - وذلك في قول ابن إسحاق - في سنة خَمسٍ وثلاثين من مولد رسول الله ﷺ .
وكان سبب هَدْمِهِمْ إياها فيما حدَّثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق: أنّ الكعبة كانت رَضْمة فوق القامة، فأرادوا رَفْعها وتسقِيفها، وذلك: أن نفرًا من قريش وغيرهم سَرقوا كنز الكعبة، وإنما كان يكون في بئر في جوف الكعبة (٢). (٢: ٢٨٣).
وكان أمرُ غَزالي الكعبة - فيما حُدّثت عن هشام بن محمد، عن أبيه: أنّ الكعبة كانت رفعت حين غرق قوم نوح، فأمر الله إبراهيم خليلَه ﵇ وابنَه إسماعيل أن يعيدا بناء الكعبة على أسِّها الأول، فأعادا بناءها، كما أنزِل في القرآن: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، فلم يكن له ولاةٌ منذ زمن نوح ﵇، وهو مرفوع، ثم أمر الله إبراهيمَ أن ينزل ابنهُ إسماعيل البيت، لِمَا أراد الله من كرامة مَنْ أكرمه بنبيه محمد ﷺ ، فكان إبراهيم خليلُ الرحمن وابنه إسماعيلَ يليَان البيت بعد عَهْدِ نوح، ومكّة يومئذ بلاقع، ومن حَوْلِ مكّة يومئذ جُرْهم والعماليق، فنكح
стр. 2412
إسماعيل ﵇ امرأة من جُرْهم، فقال في ذلك عمرو بن الحارث بن مُضَاض:
وصاهَرَنا مَنْ أكْرَمُ النَّاسِ وَالدًا ... فأبْناؤُهُ مِنَّا ونَحْنُ الأَصاهِر
فوليَ البيت بعد إبراهيم إسماعيل، وبعد إسماعيل نَبْت؛ وأمُّه الجرهميّة؛ ثم مات نَبْت، ولم يكْثر ولد إسماعيل، فغلبت جُرْهم على ولاية البيت؛ فقال عمرو بن الحارث بن مُضاض:
وكُنَّا وُلَاةَ البَيتِ مِنْ بَعْدِ نَابِتٍ ... نَطُوفُ بِذَاكَ البَيتِ والخَيرُ ظَاهِرُ
فكان أولَ مَنْ وَليَ من جُرْهُم البيتَ مُضاض، ثم وليتْه بعده بنُوه كابرًا بعد كابر؛ حتى بغتْ جُرُهم بمكّة، واستحلُّوا حرمتها، وأكلوا مال الكعبة الذي يُهْدَى لها، وظلموا مَنْ دخل مكّة، ثم لم يتناهَوْا حتى جعل الرجُلُ منهم إذا لم يجد مكانًا يزني فيه يدخل الكعبة فيزني، فزعموا: أنّ إسافًا بَغَى بنائلة في جَوْف الكعبة، فمسخا حَجَرين، وكانت مكّة في الجاهلية لا ظلمَ ولا بَغْيَ فيها، ولا يستحلُّ حرمتها مَلِكٌ إلَّا هلك مكانه فكانت تسمى النّاسّة، وتُسَمَّى بَكّة، تَبُكّ أعناق البغايا إذا بَغَوْا فيها، والجبابرة.
قال: ولمّا لم تتناهَ جُرْهم عن بَغْيها، وتفرّق أولاد عمرو بن عامر من اليمن، فانخزع بنو حارثة بن عمرو، فأوْطنوا تهامة - فسّميت خُزاعة، وهم بنو عمرو بن ربيعة بن حارثة - وأسلم ومالك وملْكان بنو أفْصَى بن حارثة، فبعث الله على جُرْهم الرَّعَاف والنّمل، فأفناهم، فاجتمعت خُزاعة ليجلُوا مَنْ بَقِيَ، ورئيسُهم عمرو بن ربيعة بن حارثة، وأمّه فُهَيرة بنت عامر بن الحارث بن مُضاض، فاقتتلوا، فلمّا أحسَّ عامر بن الحارث بالهزيمة، خرج بغزالي الكعبة وحجر الرّكن يلتمس التوبة، وهو يقول:
لا هُمَّ إنَّ جُرْهُمًا عِبَادُكْ ... النَّاس طُرْفٌ وَهُمُ تِلَادُكْ
بِهِمْ قَدِيمًا عمِرَتْ بِلَادُكْ
فلم تُقْبَل توبتُه، فألقى غزالي الكعبة وحجر الرّكن في زمزم، ثم دفنها، وخرج مَنْ بقي من جُرْهم إلى أرض من أرض جهينة، فجاءهم سيل أتِيٌّ، فذهب بهم، فذلك قول أمية بن أبي الصّلت:
وَجُرْهُمْ دَمَّنُوا تِهَامَةَ في الدّهْرِ ... فَسَالتْ بِجَمْعِهمْ إضَمُ
стр. 2413
ووَليَ البيت عمرو بن ربيعة، وقال بنو قصّي: بل وَليَه عمرو بن الحارث الغُبْشانِيّ، وهو يقول:
ونَحْنُ وَلينا البَيتَ مِنْ بَعْدِ جُرْهُمِ ... لِنَعْمُرَهُ مِنْ كُلِّ باغٍ ومُلحِدِ
وقال:
وادٍ حَرَامٌ طَيرُهُ وَوَحْشُهُ ... نحْنُ وُلَاتُهُ فَلا نَغُشُّهُ
وقال عمرو بن الحارث:
كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بَينَ الحَجُونِ إلى الصَّفَا ... أنِيسٌ ولم يَسمُرْ بمَكَّةَ سامِرُ
بَلَى نَحْنُ كُنَّا أهْلَهَا فأبادَنَا ... صرُوفُ اللَّيالِي والجُدُودُ الْعَوائِرُ
وقال:
يا أيها النَّاسُ سِيرُوا إنَّ قَصْركُمُ ... أنْ تُصبِحُوا ذَاتَ يَوْمٍ لَا تَسيرونَا
كُنَّا أُناسًا كما كُنْتُمْ فغَيَّرَنا ... دهْرٌ، فأنْتُمْ كَمَا كُنَّا تَكُونُونا
حُثُّوا المَطِيَّ وأرْخُوا من أَزِمَّتَها ... قَبْلَ المماتِ وَقَضوا ما تُقَضُّونا
يقول: اعملوا لآخرتكم، وافرُغوا من حوائجكم في الدنيا. فولَيتْ خُزاعة البيتَ؛ غير أنه كان في قبائل مُضر ثلاث خلال: الإجازة بالحجّ للناس من عرفة، وكان ذلك إلى الغَوْث بن مُرّ - وهو صُحوفة - فكانت إذا كانت الإجازة قالت العرب: أجيزي صُحوفة. والثانية الإفاضة من جَمْع غداة النَّحر إلى مِنىً، فكان ذلك إلى بني زيد بن عَدْوان؛ فكان آخر مَنْ وليَ ذلك منهم أبو سَيَّارة عُمَيلة بن الأعزل بن خالد بن سعد بن الحارث بن وا بش بن زيد، والثالثة النَّسيءُ للشهور الحُرُم، فكان ذلك إلى القَلَمَّس، وهو حُذيْفَة بن فُقَيم بن عديّ من بني مالك بن كنانة، ثم بنيه حتي صار ذلك إلى آخرهم أبي ثمامة، وهو جُنادة بن عوْف بن أميّة بن قَلع بن حُذيفة. وقام عليه الإسلام، وقد عادت الحُرُم إلى أصلها، فأحكمها الله وأبطل النسيء؛ فلمّا كثرت معدّ تفرَّقت، فذلك قول مهلهل:
غَنِيَتْ دارُنا تِهامَةُ في الدَّ هـ ... ـر وفِيها بنو مَعَدٍّ حُلُولا
وأما قريش، فلم يفارقوا مكّة، فلما حفر عبدُ المطّلب زمزم، وَجَدَ الغَزالين، غَزَالي الكعبة اللذين كانت جُرْهم دفنتْهما فيه، فاستخرجهما؛ وكان
стр. 2414
من أمره وأمرهما ما قد ذكرت في موضع ذلك فيما مضى من هذا الكتاب قبل (١). (٢: ٢٨٣/ ٢٨٤ / ٢٨٥/ ٢٨٦).
٨٨٣ - رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق، قال: وكان الذي وجد عنده الكنز دُوَيكًا مولىً لبني مُليح بن عمرو، من خزاعة. فقطعت قريش يدَه من بينهم، وكان مِمن اتّهم في ذلك الحارث بن عامر بن نوفل، وأبو إهاب بن عُزَير بن قيس بن سُوَيد التميميّ - وكان أخا الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف لأمه - وأبو لَهَب بن عبد المطّلب؛ وهم الذين تزعم قريش: أنهم وضعوا كنز الكعبة حين أخذوه عند دُوَيك مولى بني مُلَيح، فلمّا اتّهمتْهم قريش، دلّوا على دُوَيك، فقُطِع، ويقال: هم وضعوه عنده.
وذكروا: أنّ قريشًا حين استيقَنُوا بأنّ ذلك كان عند الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف؛ خرجوا به إلى كاهنة من كُهّان العرب، فسَجَعَتْ عليه من كهانتها بألّا يدخل مكّة عشْر سنين بما استحلّ من حُرمة الكعبة، فزعموا: أنّهم أخرجوه من مكّة، فكان فيما حَوْلَها عشر سنين؛ وكان البحر قد رَمى بسفينة إلى جُدَّة لرجل من تجّار الروم، فتحطّمت، فأخذوا خَشَبها فأعدُّوه لسَقفِها؛ وكان بمكّة رجل قبطيٌّ نجَّارٌ، فتهيّأ لهم في أنفسهم بعض ما يصلِحها، وكانت حيّة تخرج من بئر الكعبة التي يطرح فيها ما يهدى لها كلّ يوم، فَتتشَرَّق على جدار الكعبة، فكانوا يهابونها، وذلك أنه كان لا يدنُو منها أحدٌ إلَّا احزألّتْ وكشّت وفتحتْ فاها؛ فبينا هي يومًا تَتَشرَّق على جِدار الكعبة كما كانت تصنع، بعث الله عليها طائرًا، فاختطفها فذهب بها، فقالت قريش: إنّا لنرجُو أن يكون الله قد رَضِيَ ما أردْنا. عندنا عامل رقيقٌ، وعندنا خشبٌ، وقد كفانا الله [أمر] الحيّة، وذلك بعد الفِجار بخمس عشرة سنَة، ورسول الله ﷺ عامَئِذٍ ابن خمس وثلاثين سنة.
فلمّا أجمعوا أمرهم في هَدْمها وبنائها؛ قام أبو وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، فتناول من الكعبة حَجَرًا، فوثب من يده؛ حتى رجع إلى مَوْضعه، فقال: يا معشرَ قريش! لا تُدخِلوا في بنيانها من كَسْبكم إلَّا طيبًا،
стр. 2415
ولا تُدْخِلوا فيها مَهْر بَغِيٍّ، ولا بيع ربًا، ولا مظلمة أحدٍ من النّاس.
قال: والنّاسُ يَنحَلون هذا الكلامَ الوليد بن المغيرة. حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدَّثنا محمّد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي نَجيح المكيّ: أنه حَدَّث عن عبد الله بن صفْوان بن أميّة بن خلف: أنه رأى ابنًا لجعْدةَ بن هُبَيرة بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم يطوف بالبيت، فسأل عنه فقيل له: هذا ابنٌ لجَعْدة بن هُبَيرة، فقال عند ذلك عبد الله بن صفوان جَدّ هذا -يعني: أبا وهب الذي أخذ من الكعبة حجرًا حين اجتمعت قريش لهدمها، فوثب من يَدِه حتى رجع إلى موضعه، فقال عند ذلك: يا معشرَ قريش! لا تُدْخِلوا في بنيانها من كَسبْكم إلَّا طيّبًا، لا تُدْخِلوا فيها مَهْر بغيٍّ، ولا بيع ربًا، ولا مظلمة أحدٍ من الناس.
وأبو وهب خال أبي رسول الله ﷺ ، وكان شريفًا (١). (٢: ٢٨٦/ ٢٨٧ / ٢٨٨).
٨٨٤ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلَمة، قال: حدَّثنا محمّد بن إسحاق، قال: ثم إنّ قرَيشًا تجزّأت الكعبة، فكان شِقُّ الباب لبني عبد مناف، وزُهرة، وكان ما بين الرُّكن الأسود والرّكْن اليمانيّ لبني مخزوم، وتيم، وقبائلَ من قريش، ضُمّوا إليهم، وكان ظهر الكعبة لبني جُمَح، وبني سَهْم، وكان شقُّ الحِجْر - وهو الحطيم - لبني عبد الدّار بن قصيّ، ولبني أسد بن عبد العُزّى بن قصيّ، وبني عديّ بن كعب (٢). (٢: ٢٨٨).
٨٨٥ - ثم إنّ النّاس هابوا هَدْمَها وفرِقوا منه، فقال الوليد بن المغيرة: أنا أبدؤكم في هدمها، فأخذ المِعْوَل ثم قام عليها، وهو يقول: اللهمّ لم تُرَعْ! اللهمّ لا نريد إلَّا الخير! ثم هَدَم من ناحية الرُّكْنين، فتربّص النّاس به تلك اللّيلة، وقالوا: ننظر؛ فإن أصيبَ أنهدمْ منها شيئًا؛ ورددْناها كما كانت؛ وإن لم يصبه شيءٌ فقد رضِيَ الله ما صنعنا هَدَمْنا.
فأصبح الوليد من ليلته غاديًا على عمله، فهدم والنّاس معه؛ حتى انتهى
стр. 2416
الهَدْم إلى الأساس، فأفضَوْا إلى حجارة خُضْرٍ كأنّها أسِنَّة آخذٌ بعضها ببعض (١). (٢: ٢٨٨/ ٢٨٩).
٨٨٦ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حَدّثنا سلَمة، قال: حدَّثنا محمد بن إسحاق عن بعض مَنْ يروي الحديث: أنّ رجلًا من قريش ممّنْ كان يهدمها، أدخل عَتَلةً بين حجرين منها، ليقلع بها أحَدهما، فلما تحرّك الحجَر تَنَقَّضَتْ مكّة بأسْرِها، فانتهوْا عند ذلك إلى الأساس.
قال: ثم إنّ القبائل جَمَعت الحجارة لبنائها، جعلت كلّ قبيلة تجمع على حِدَتها، ثم بنوْا حتى إذا بلغ البنيان مَوْضِع الرّكن، اختصموا فيه، كلُّ قبيلةٍ تريد أن تَرفعه إلى موضعه دون الأخرى، حتى تحاوزوا، وتحالفوا، وتواعدوا للقتال، فقرَّبت بنُو عبد الدار جَفْنة مملوءة دمًا؛ ثم تعاقدوا هم وبنو عديّ بن كعب على الموت، وأدخلوا أيديَهم في ذلك الدم في الجَفْنة! فسُمُّوا: لَعَقة الدم بذلك، فمكثت قريش أربع ليالٍ -أو خمس ليال- على ذلك.
ثم إنّهم اجتمعوا في المسجد، فتشاوروا، وتناصفوا! فزعم بعضُ الرّواة أنّ أبا أميّة بن المغيرة كان عامئذ أسنّ قريش كلّها، قال: يا معشر قريش! اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول مَنْ يدخلُ من باب هذا المسجد، يقضِي بينكم فيه؛ فكان أوّلَ مَنْ دخل عليهم رسولُ الله ﷺ ، فلمَّا رأوْه قالوا: هذا الأمين، قد رَضَينا به؛ هذا محمّد! فلمّا انتهى إليهم وأخبروه الخبر، قال: هُلّم لي ثوبًا، فأتِيَ به. فأخذ الرّكن، فوضعه فيه بيده ثم قال: لتأخذ كلُّ قبيلة بناحيةٍ من الثَّوب، ثمّ ارفعوه جميعًا، ففعلوا حتى إذا بلغوا به موضعه، وضعه بيده، ثم بني عليه؛ وكانت قريش تسمِّي رسول الله ﷺ قبل أن ينزل عليه الوحي الأمين.
قال أبو جعفر: وكان بناءُ قريش الكعبة بعد الفِجَار بخمس عشرة سنة، وكان بين عام الفيل وعام الفِجَار عشرون سنة (٢). (٢: ٢٨٩/ ٢٩٠).
وقال آخرون: بل نُبِّيء حين نُبّئ وهو ابن ثلاث وأربعين سنة.
ذكر من قال ذلك:
٨٨٧ - حدَّثنا أحمد بن ثابت الرازيّ، قال: حَدّثنا أحمد، قال: حَدّثنا
стр. 2417
يحيى بن سعيد عن هِشَام، عن عِكْرمة، عن ابن عبّاس، قال: أنزِل على النبيّ ﷺ وهو ابن ثلاث وأربعين سنة (١). (٢: ٢٩٢).
٨٨٨ - حدَّثنا ابن حُمَيد، قال: حدَّثنا جرير عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيَّب، قال: أنزِل على رسول الله ﷺ الوحيُ وهو ابن ثلاث وأربعين سنة (٢). (٢: ٢٩٢).
٨٨٩ - حدَّثنا ابن المثنّى، قال: حَدّثنا عبد الوهّاب، قال: حدَّثنا يحيى بن سعيد، قال: سمعت سعيدًا -يعني ابن المسيَّب- يقول: أنزِل على رسول الله ﷺ الوحي؛ وهو ابن ثلاث وأربعين سنة (٣). (٢: ٢٩٢).
* * *
стр. 2418
ضعيفُ تَارِيخ الطَّبَرِيِّ
السِّيرة النَّبَويَّةُ
للإِمَامِ أبِي جَعْفَر بن جَرِير الطَّبَرِيِّ
(٢٢٤ - ٣١٠ هـ)
حقَّقَه وَخرَّج رَوَايَاته وعَلَّقَ عليه
محمد بن طاهر البرزنجي
بإشرافِ ومُراجعَة المحقِّق
محمد صبحي حسن حلّاق
المجلَّد السَّابع
دَار ابْنِ كَثِيرِ
دمشق - بَيروت