١٦٢ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير ويزيد بن رُومان ومَنْ لا أتَّهم، عن عبيد الله بن كعب بن مالك - وكان من أعلم الأنصار - قال: كان أبو سفيان بن حرب حين رجع إلى مكّة، ورجع فَلُّ قريش إلى مكَّة من بدر، نَذَر ألَّا يمسَّ رأسه ماء من جَنابة حتى يغزُوَ محمدًا. فخرج في مئتي راكب من قريش، ليُبِرّ يمينه، فسلك النَّجديَّة حتى نزل بصدور قَناة إلى جبل يقال له: تَيت، من المدينة على بريد أو نحوه. ثم خرج من اللَّيل حتى أتى بني النَّضِير تحت اللَّيل، فأتى حُييَّ بن أخْطَب، فضرب عليه بابه فأبى أن يفتح له وخافه، فأبى فانصرف إلى سلّام بن مِشْكم -وكان سيد النَّضِير في زمانه ذلك، وصاحب كنزهم- فاستأذن عليه فأذن له فقراه وسقاه، وَبَطَنَ له خبر الناس، ثم خرج في عَقِب ليلته؛ حتى جاء أصحابه، فبعث رجالًا من قُريش إلى المدينة، فأتوْا ناحية منها يقال لها: العُرَيض، فحرِّقوا في أصوار من نخل لها، ووجدوا رجلًا من الأنصار وحليفًا له في حَرْث لهما فقتلوهما ثم انصرفوا راجعين؛ ونَذرَ بهم الناس، فخرج رسولُ الله ﷺ في طلبهم، حتى بلغ قرقرة الكُدْر، ثم انصرف راجعًا، وقد فاته أبو سفيان وأصحابُه، وقد رأوا من مزاود القوم ما قد طرحوه في الحرث؛ يتخفَّفون منه للنّجاة. فقال المسلمون حين رجع بهم رسولُ الله ﷺ : أنطمع أن تكون لنا غزوة؟ قال: نعم.
وقد كان أبو سفيان قال وهو يتجهَّز خارجًا من مكة إلى المدينة أبياتًا من شعر يُحَرِّض قريشًا:
كُرُّوا على يثرَبٍ وجَمْعِهم ... فإنَّ ما جمَّعوا لكُمْ نَقَلُ
إنْ يكُ يومُ القَليبِ كان لهمْ ... فإنَّ ما بعده لكُم دُوَلُ
آلَيتُ لا أقْرَبُ النِّساءَ ولا ... يَمَسُّ رَأسي وجلْديَ الغُسُلُ
حتَّى تُبيرُوا قبائلَ الأَوْس والْـ ... ـخَزْرج، إنَّ الفُؤادَ مُشْتَعلُ
فأجابه كعب بن مالك:
تَلْهَفُ أُمُّ المسبِّحينَ على ... جيش ابْن حرْبٍ بالْحرَّةِ الْفَشِلِ
إذ يطْرَحُونَ الرِّجال مَنْ سَئِمِ الطَّـ ... ـير تَرقَّى لِقُنَّة الْجَبل
جاؤوا بجمْعٍ لو قيسَ مبرَكَهُ ... ما كان إلَّا كمفْحَصِ الدُّئِل
стр. 2522
عارٍ منَ النَّصْر والثّراء ومن ... أبطَال أهل الْبَطْحاء والأسَل (١)
(٢: ٤٨٣/ ٤٨٤ / ٤٨٥).
وأما الواقديّ فزعم أن غزوة السَّويق كانت في ذي القَعدة من سنة اثنتين من الهجرة. وقال: خرجَ رسولُ الله ﷺ في مئتي رجل من أصحابه من المهاجرين والأنصار. ثم ذكر من قصَّة أبي سفيان نحوًا مما ذكره ابن إسحاق غيرَ أنه قال: فمرّ -يعني أبا سفيان- بالعُرَيض، برجل معه أجير له يقال له مَعْبَد بن عمرو، فقتلهما وحَرَّق أبياتًا هناك وتبنًا، ورأى أن يمينه قد حُلَّت، وجاء الصريخ إلى النبيّ ﷺ ، فاستنفر الناس، فخرجوا في أثره فأعجزهم. قال: وكان أبو سفيان وأصحابه يلقُون جُرُب الدقيق ويتخفَّفون، وكان ذلك عامّة زادهم؛ فلذلك سُمِّيت غزوة السَّويق.
وقال الواقديّ: واستخلف رسول الله ﷺ على المدينة أبا لبابة بن عبد المنذر (٢). (٢: ٤٨٥).
وقيل: إن الحسن بن عليّ بن أبي طالب ﵇ وُلد في هذه السنة (٣). (٢: ٤٨٥).
وقيل: إنَّ في هذه السَّنة كتب رسولُ الله ﷺ المَعَاقِل فكان معلَّقًا بسيفه (٤)، (٢: ٤٨٦).
ثم دخلت السنة الثالثة من الهجرة
[غزوة ذي أمَر]
١٦٣ - فحدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمد بن إسحاق، قال: لما رجع رسول الله ﷺ من غزوة السَّويق؛ أقام بالمدينة بقيَّة ذي الحجَّة والمحرّم،
стр. 2523
أو قريبًا منه، ثم غزا نجدًا يريد غَطَفان؛ وهي غزوة ذي أمَر، فأقام بنجد صَفَرًا كلَّه أو قريبًا من ذلك. ثم رجع إلى المدينة ولم يلقَ كيدًا، فلبث بها شهر ربيع الأوَّل كلَّه إلَّا قليلًا منه.
ثم غزا يريد قريشًا وبني سُلَيم، حتى بلغ بَحْران (مَعْدِنًا بالحجاز من ناحية الفُرُع) فأقام بها شهر ربيع الآخر وجمادى الأولى، ثم رجع إلى المدينة ولم يلقَ كيدًا (١). (٢: ٤٨٧).
خبر كَعب بن الأشْرف
١٦٤ - قال أبو جعفر: وفي هذه السنة سَرَّى النبي ﷺ سريّة إلى كعب بن الأشرف؛ فزعم الواقديّ أن النبيّ ﷺ وجَّه مَنْ وجَّه إليه في شهر ربيع الأوّل من هذه السنة.
وحدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، قال: كان من حديث ابنِ الأشرف أنَّه لمَّا أصيب أصحاب بدر؛ وَقَدِمَ زيد بن حارثة إلى أهل السَّافلة وعبد الله بن رواحة إلى أهل العالية بَشِيرَين، بعثهما رسولُ الله ﷺ إلى مَن بالمدينة من المسلمين بفتح الله عليه وقتْل مَنْ قُتِل من المشركين (٢). (٢: ٤٨٧).
١٦٥ - قال: فقال رسول الله ﷺ : مَنْ ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه، فوثب مُحيِّصَةُ بن مسعود على ابن سُنَينة - رجل من تجار يهود كان يلابسهم ويبايعهم - فقتله وكان حُوَيّصة بن مسعود إذ ذاك لم يُسْلِمْ، وكان أسَنَّ من محيّصة- فلما قتله جعل حويّصة يضربه ويقول: أي عدوّ الله! قتلته! أما والله لرُبَّ شَحْم في بطنك من ماله! قال محيّصة: فقلت له: والله لو أمرني بقتلك مَنْ أمرني بقتله لضربت عنقك. قال: فوالله إنْ كان لأوّل إسلام حويّصة، وقال: لو أمرك محمد بقتلي لقتلتني؟ ! قال: نعم والله، لو أمرني بقتلك لضربت عنقك. قال: والله إن دينًا بلغ بك هذا لَعَجب! فأسلم حُوَيّصة.
стр. 2524
حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدّثني محمد بن إسحاق. قال: حدثني هذا الحديث مولى لبني حارثة، عن ابنة محيّصة عن أبيها (١). (٢: ٤٩١).
قال أبو جعفر: وزعم الواقديّ أنهم جاؤوا برأس ابن الأشرف إلى رسول الله ﷺ .
وزعم الواقديّ أن في ربيع الأول من هذه السَّنة تزوّج عثمان بن عفان أمّ كلثوم بنت رسول الله ﷺ ، وأدْخِلَتْ عليه في جمادى الآخرة، وأنَّ في ربيع الأول من هذه السنة غزا رسولُ الله ﷺ غزوة أنْمار -ويقال لها: ذو أمَر- وقد ذكرنا قول ابن إسحاق في ذلك قبل.
قال الواقديّ: وفيها وُلدَ السائب بن يزيد ابن أخت النَّمِر (٢). (٢: ٤٩١/ ٤٩٢).
غزوة القَرْدة
١٦٦ - قال الواقديّ: وفي جُمَادى الآخرة مِنْ هذه السنة، كانت غزوة القَرْدة وكان أميرهم - فيما ذكر - زيد بن حارثة، قال: وهي أول سريّة خرج فيها زيد بن حارثة أميرًا.
قال أبو جعفر: وكان من أمرها ما حدَّثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، قال: سريّة زيد بن حارثة الَّتي بعثه رسولُ الله ﷺ فيها حين أصاب عيرَ قريش فيها أبو سفيان بن حرب على القَرْدة، ماء من مياه نجد. قال: وكان من حديثها: أن قريشًا قد كانت خافت طريقها التي كانت تسلك إلى الشام حين كان من وقعة بدر ما كان، فسلكوا طريق العِراق، فخرج منهم تجّار فيهم أبو سفيان بن حرْب، ومعه فضّة كثيرة؛ وهي عُظْم تجارتهم، واستأجروا رجلًا من بكر بن وائل يقال له: فُرَات بن حَيَّان، يدلُّهم على ذلك الطريق، وبعث
стр. 2525
رسولُ الله ﷺ زيدَ بن حارثة، فلقيَهم على ذلك الماء، فأصاب تلك العيرَ وما فيها، وأعجزه الرّجال، فقدم بها على رسول الله ﷺ .
قال أبو جعفر: وأما الواقديّ، فزعم أنّ سبب هذه الغزوة كان: أنّ قريشًا قالت: قد عوَّر علينا محمد مَتْجَرَنَا وهو على طريقنا. وقال أبو سفيان وصفوان بن أمية: إن أقمنا بمكَّة أكلْنا رؤوس أموالنا. قال أبو زَمْعة بن الأسود: فأنا أدلُّكم على رجل يسلك بكم النَّجديّة، لو سلَكها مُغمَّض العينين لاهتدى. قال صفوان: مَنْ هو؟ فحاجتنا إلى الماء قليل؛ إنَّما نحن شاتون. قال: فرات بن حيَّان؛ فدعواه فاستأجراه؛ فخرج بهم في الشتاء فسلك بهم على ذات عِرْق، ثم خرج بهم على غَمْرة، وانتهى إلى النبيّ ﷺ خبر العيرِ وفيها مال كثير، وآنية من فضة حملها صَفْوان بن أميَّة؛ فخرج زيد بن حارثة، فاعترضها، فظفر بالعير، وأفلت أعيانُ القوم؛ فكان الخمس عشرين ألفًا، فأخذه رسولُ الله ﷺ ، وقسَّم الأربعة الأخماس على السريَّة، وأتِيَ بفرات بن حيَّان العِجْليّ أسيرًا، فقيل: إن أسلمت لم يقتلْك رسول الله ﷺ ، فلمَّا دعا به رسولُ الله ﷺ أسلم، فأرسله (١). (٢: ٤٩٢/ ٤٩٣).
قال أبو جعفر: وأما الواقديّ؛ فإنه زعم أن هذه السريَّة التي وجّهها رسولُ الله ﷺ إلى أبي رافع سلّام بن أبي الحُقيق إنَّما وجهها إليه في ذي الحجَّة من سنة أربع من الهجرة، وأنَّ الذين توجَّهوا إليه فقتلوه، كانوا أبا قتادة، وعبد الله بن عَتيك، ومسعود بن سنان، والأسود بن خُزَاعيّ وعبد الله بن أنَيس.
١٦٧ - وأما ابنُ إسحاق، فإنَّه قصّ من قصَّة هذه السريّة ما حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة عنه: كان سلّام بن أبي الحُقيق -وهو أبو رافع- ممَّن كان حَزَّب الأحزاب على رسول الله ﷺ ، وكانت الأوس قبل أحُد قتلت كعب بن الأشرف فِي عداوته رسولَ الله ﷺ وتحريضه عليه، فاستأذنت الخزرج رسولَ الله ﷺ في قتل سلَّام بن أبي الحُقيق؛ وهو بخيبر، فأذن لهم (٢). (٢: ٤٩٥).
١٦٨ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة عن محمد بن إسحاق، عن
стр. 2526
محمد مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهريّ، عن عبد الله بن كَعْب بن مالك، قال: كان مما صنع الله به لرسوله أن هذين الحيَّين من الأنصار: الأوس والخزرج كانا يتصاوَلان مع رسولِ الله ﷺ تصاوُلَ الفحْلين؛ لا تصنع الأوس شيئًا فيه عن رسول الله ﷺ غناء إلَّا قالت الخزرج: والله لا يذهبون بهذه فضلًا علينا عند رسول الله ﷺ في الإسلام؛ فلا ينتهون حتى يُوقِعوا مثلها. قال: وإذا فعلت الخزرج شيئًا، قالت الأوس مثل ذلك. فلمّا أصابت الأوْس كعبَ بن الأشرف في عداوته لرسول الله ﷺ ، قالت الخزرج: لا يذهبون بها فضلًا علينا أبدًا. قال: فتذاكروا: مَنْ رجُلٌ لرسول الله ﷺ في العداوة كابن الأشرف! فذكروا ابنَ أبي الحُقيق وهو بخيبر؛ فاستأذنوا رسولَ الله ﷺ في قتله، فأذن لهم، فخرج إليه من الخزرج ثم من بني سلمة خمسة نفر: عبد الله بن عَتِيك، ومسعود بن سنان، وعبد الله بن أنَيس، وأبو قَتادة الحارث بن رِبعي، وخُزاعيّ بن الأسود؛ حليف لهم من أسلَم؛ فخرجوا، وأمَّر عليهم رسولُ الله ﷺ عبدَ الله بن عتيك، ونهاهم أن يقتلوا وليدًا أو امرأة.
فخرجوا حتى قدموا خيبر؛ فأتوا دار ابن أبي الحُقيق ليلًا؛ فلم يَدَعوا بيتًا في الدَّار إلَّا أغلقوه من خلفهم على أهله، وكان في عُلّيَّة له إليها عَجَلَة روميَّة، فأسندوا فيها حتى قاموا على بابه فاستأذنوا، فخرجت إليهم امرأته فقالت: مَنْ أنتم؟ فقالوا: نفرٌ من العرب نلتمس الميرَة، قالت: ذاك صاحبكم فادخلوا عليه، فلمّا دخلنا أغلقنا عليها وعلينا وعليه باب الحجرة، وتخوّفنا أن تكون دونه مجاولة تحول بيننا وبينه. قال: فصاحت امرأته، ونوّهت بنا، وابتدرناه وهو على فراشه بأسيافنا؛ والله ما يدلُّنا عليه في سواد اللَّيل إلا بياضُه؛ كأنه قُبْطيَّةٌ مُلقاة. قال: ولما صاحتْ بنا امرَأته، جعل الرَّجل منَّا يرفع عليها السَّيف ثم يذكر نهيَ رسول الله ﷺ ؛ فيكفّ يده؛ ولولا ذاك فرغنا منها بليلٍ، فلمَّا ضربناه بأسيافنا، تحامل عليه عبدُ الله بن أنَيس بسيفه في بطنه حتى أنفذه وهو يقول: قَطْنِي قَطْنِي!
قال: ثم خرجنا، وكان عبد الله بن عتيك سيّئ البصر، فوقع من الدرجة فَوُثِئَتْ رجله وَثْئًا شديدًا واحتملناه حتى نأتي به مَنْهرًا من عيونهم، فندخل فيه. قال: وأوقدوا النِّيران، واشتدّوا في كلّ وجه يطلبوننا؛ حتى إذا يئسوا رجعوا إلى
стр. 2527
صاحبهم فاكتنفوه؛ وهو يقضي بينهم. قال: فقلنا: كيف لنا بأن نعلم أن عدوّ الله قد مات! فقال رجل منَّا: أنا أذهب فأنظر لكم، فانطلق حتى دخل في الناس، قال: فوجدته ورجال يهود عنده، وامرأته في يدها المصباح تنظر في وجهه. ثم قالت تحدِّثهم وتقول: أما والله لقد عرفتُ صوتَ ابن عتيك؛ ثم أكذبت، فقلت: أنّى ابن عتيك بهذه البلاد! ثم أقبلت عليه لتنظرَ في وجهه ثم قالت: فاظ وإله يهود! قال: يقول صاحبُنا: فما سمعتُ من كلمة كانت ألذّ إلى نفسي منها، ثم جاءنا فأخبرنا الخبر فاحتملنا صاحبنا، فقدمنا على رسول الله ﷺ ، وأخبرناه بقتل عدوّ الله، واختلفنا عنده في قتله؛ وكلُّنا يدّعيه، فقال رسول الله ﷺ : هاتوا أسيافكم، فجئناه بها فنظر إليها، فقال لسيف عبد الله بن أُنيس: هذا قتله، أرى فيه أثر الطعام. فقال حسان بن ثابت؛ وهو يذكر قتل كعب بن الأشرف وسلّام بن أبي الحُقَيق:
للهِ دَرُّ عِصابَةٍ لاقَيتَهُمْ ... يابنَ الْحُقيقِ وَأنتَ يابنَ الأشرَف
يسْرُون بالبيض الخفاف إِليكُمُ ... مرحًا كأُسْدٍ في عرِينٍ مُغْرف
حتى أتوكُمْ في محلِّ بِلادكُمْ ... فسقَوْكُمُ حتْفًا ببيضٍ ذُفَّف
مُسْتَبْصرِين لنَصْر دين نبِيِّهمْ ... مُستضْعفِينَ لكلِّ أمرٍ مُجْحِف (١)
(٢: ٤٩٥/ ٤٩٦ / ٤٩٧).
١٦٩ - حدَّثني موسى بن عبد الرحمن المسْرُوقيّ وعبَّاس بن عبد العظيم العَنْبَريّ، قالا: حدَّثنا جعفر بن عون، قال: حدَّثنا إبراهيم بن إسماعيل، قال: حدَّثني إبراهيم بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، أن أباه حدَّثه عن أمِّه ابنة عبد الله بن أنَيس، أنَّها حدَّثته عن عبد الله بن أنَيس، أن الرهط الذين بعثهم رسولُ الله ﷺ إلى ابن أبي الحُقَيق ليقتلوه: عبد الله بن عَتِيك، وعبد الله بن أنيس، وأبو قَتادة، وحليف لهم، ورجل من الأنصار؛ وأنهم قَدِمُوا خَيبَر ليلًا. قال: فعَمَدْنا إلى أبوابهم نغلقها من خارج، ونأخذ المفاتيح، حتى أغلقنا عليهم
стр. 2528
أبوابهم، ثم أخذنا المفاتيح فألقيناها في فقير (١)، ثم جئنا إلى الْمَشْرَبة الَّتي فيها ابنُ أبي الحقيق، فظهرت عليها أنا وعبد الله بن عتيك وقعد أصحابنا في الحائط، فاستأذن عبد الله بن عتيك؛ فقالت امرأة ابن أبي الحُقيق: إنَّ هذا لصوت عبد الله بن عَتيك. قال ابنُ أبي الحقيق: ثكلتْك أمّك! عبدُ الله بن عتيك بيثرب؛ أين هو عندك هذه الساعة! افتحي لي؛ إنَّ الكريم لا يردّ عن بابه هذه الساعة. فقامت ففتحت. فدخلتُ أنا وعبد الله على ابن أبي الحُقَيق، فقال عبد الله بن عَتِيك: دونك، قال: فشهرت عليها السيف، فأذهب لأضربها بالسيف فأذكر نَهْيَ رسولِ الله ﷺ عن قتل النساء والولْدان، فأكفّ عنها، فدخل عبد الله بن عتيك على ابن أبي الحُقيق. قال: فأنظر إليه في مَشْرَبة مظلمة إلى شدّة بياضه، فلمّا رآني ورأى السيف، أخذ الوسادة فاتَّقاني بها، فأذهب لأضربه فلا أستطيع، فوخزتُه بالسيف وخْزًا. ثم خرج إليّ عبد الله بن أنَيس، فقال: أقتلته؟ قال: نعم، فدخل عبد الله بن أنيس فذفّف عليه. قال: ثم خرجت إلى عبد الله بن عَتِيك؛ فانطلقنا، وصاحت المرأة: وابَيَاتاه وَابَيَاتاه! قال: فسقط عبدُ الله بن عَتِيك في الدَّرجة، فقال: وارجلاه وارجلاه! فاحتمله عبد الله بن أنَيس؛ حتى وضعه إلى الأرض. قال: قلت: انطلق، ليس برجلك بأس. قال: فانطلقنا، قال عبد الله بن أنيس: جئنا أصحابنا فانطلقنا، ثم ذكرت قوسي أني تركتها في الدّرجة؛ فرجعت إلى قوسي؛ فإذا أهلُ خَيبر يموجُ بعضهم في بعض؛ ليس لهم كلام إلَّا مَنْ قَتَل ابن أبي الحقيق؟ مَنْ قتل ابن أبي الحُقَيق؟ قال: فجعلت لا أنظر في وجه إنسان، ولا ينظر في وجهي إنسان إلَّا قلت: مَنْ قتل ابن أبي الحُقَيق؟ قال: ثم صعدت الدَّرجة؛ والناس يظهرون فيها؛ وينزلون؛ فأخذت قوسي من مكانها، ثم ذهبتُ فأدركتُ أصحابي، فكنَّا نكمنُ النهار ونسير الليل؛ فإذا كمنَّا بالنهار أقعدنا منَّا ناطورًا ينظر لنا؛ فإنْ رأى شيئًا أشار إلينا؛ فانطلقنا حتى إذا كنَّا بالبيضاء كنت -قال موسى: أنا ناطرهم، وقال عباس: كنتُ أنا ناطورهم- فأشرت إليهم فذهبوا جمْزًا وخرجت في آثارهم؛ حتى إذا اقتربنا من المدينة أدركتهم، قالوا: ما شأنك؟ هل رأيت شيئًا؟ قلت: لا، إلَّا أني قد عرفت أنْ قد بلغكم
стр. 2529
الإعياء والوَصَبُ، فأحببت أن يحملكم الفَزَع (١). (٢: ٤٩٧/ ٤٩٨ / ٤٩٩).
قال أبو جعفر: وفي هذه السنة تزوَّج النبي ﷺ حَفْصَة بنت عمر في شعبان؛ وكانت قبله تحت خُنَيس بن حذافة السَّهْمي في الجاهليّة، فتوفِّيَ عنها (٢). (٢: ٤٩٩).
١٧٠ - قال أبو جعفر: وأما السدِّيّ؛ فإنَّه قال في ذلك غير هذا القول؛ ولكنه قال: ما حدَّثني محمَّد بن الحسين، قال: حدَّثنا أحمد بن المفضل، قال: حدَّثنا أسباط، عن السُّدِّي، أن رسولَ الله ﷺ لما سمع بنزول المشركين من قريش وأتباعها أحدًا، قال لأصحابه: أشيروا عليّ ما أصنع! فقالوا: يا رسولَ الله، اخرج بنا إلى هذه الأكلب، فقالت الأنصار: يا رسول الله، ما غلبنا عَدوٌّ لنا قط أتانا في ديارنا، فكيف وأنت فينا! فدعا رسولُ الله ﷺ عبدَ الله بن أبيّ بن سَلُول -ولم يدعه قطّ قبلها- فاستشاره فقال: يا رسولَ الله، اخرج بنا إلى هذه الأكلُب؛ وكان رسولُ الله يعجبه أن يدخلوا عليه المدينة، فيقاتلوا في الأزقّة، فأتاه النّعمان بن مالك الأنصاريّ، فقال: يا رسولَ الله لا تحرمْني الجنة؛ فوالّذي بعثك بالحقّ لأدخلن الجنّة، فقال له: بمَ؟ قال: بأنّي أشهدُ أن لا إله إلا الله وأنَّك رسول الله، وأنّي لا أفرُّ من الزحف. قال: صدقت، فقتل يومئذ. ثم إنَّ
стр. 2530
رسولَ الله ﷺ دعا بدرعه فلبِسها، فلمَّا رأوْه قد لبس السِّلاح ندموا وقالوا: بئس ما صنعنا! نشيرُ على رسول الله والوحي يأتيه! فقاموا فاعتذروا إليه، وقالوا: اصنع ما رأيت، فقال رسولُ الله ﷺ : لا ينبغي لنبيّ أن يلبس لأمته فيضَعَها حتى يقاتل. فخرج رسولُ الله ﷺ إلى أُحد في ألف رجل؛ وقد وعدهم الفتح إن صبروا. فلمَّا خرج رجع عبد الله بن أبيّ ابن سلول في ثلاثمئة، فتبعهم أبو جابر السُّلميّ يدعوهم، فلمَّا غلبوه وقالوا له: ما نعلم قتالًا؛ ولئن أطعتَنا لترجعنَّ معنا؛ قال الله : ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ فهمّ بنو سَلِمة وبنو حارثة، هَمُّوا بالرجوع حين رجع عبد الله بن أبيّ، فعصمهم الله ، وبقيَ رسول الله ﷺ في سبعمئة (١). (٢: ٥٠٣/ ٥٠٤).
قال أبو جعفر: قال محمد بن عمر الواقديّ: انخزل عبد الله بن أبيّ عن رسولِ الله ﷺ من الشَّيخين بثلاثمئة، وبقيَ رسولُ الله ﷺ في سبعمئة، وكان المشركون ثلاثة آلاف، والخيل مئتي فرس، والظَّعنُ خمس عشرة امرأة (٢). (٢: ٥٠٤/ ٥٠٥).
قال: وكان في المشرِكين سبعمئة دارع؛ كان في المسلمين مئة دارع؛ ولم يكن معهم من الخيل إلَّا فرسان: فرس لرسول الله ﷺ ، وفرس لأبي بردة بن نيار الحارثي. فأدلج رسولُ الله ﷺ من الشيخين حين طلعت الحمراء -وهما أُطمان، كان يهودي ويهودية أعميان يقومان عليهما؛ فيتحدَّثان فلذلك، سُميا الشيخين؛ وهو في طرف المدينة- قال: وعرض رسولُ الله ﷺ المقاتلة بالشَّيخين بعد المغرب؛ فأجاز مَنْ أجاز، وردَّ مَنْ رَدّ، قال: وكان فيمن ردّ زيد بن ثابت، وابن عمر، وأسَيد بن ظُهير؛ والبَرَاء بن عازب، وعَرَابة بن أوس. قال: وهو الذي قال فيه الشَّماخ:
رأيتُ عَرَابةَ الأوسيَّ ينْمِي ... إلى الخَيراتِ مُنْقطعَ القَرين
إذا ما رايةٌ رُفِعَتْ لمَجْدٍ ... تلقَّاها عَرَابةُ باليمِين
قال: وردّ أبا سعيد الخُدْرِيّ، وأجاز سَمُرة بن جندَب ورافع بن خَدِيج،
стр. 2531
وكان رسولُ الله ﷺ قد استصغر رافعًا، فقام على خُفَّين له فيهما رقاع، وتطاول على أطراف أصابعه؛ فلمَّا رآه رسول الله ﷺ أجازه (١). (٢: ٥٠٥).
١٧١ - حدَّثني محمد بن الحسين، قال: حدَّثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدَّثنا أسباط، عن السُّدّيّ، قال: لمَّا برز رسول الله ﷺ إلى المشركين بأحُد أمر الرُّماة، فقاموا بأصل الجبل في وجوه خيل المشركين؛ وقال [لهم]: لا تبرحوا مكانكم إن رأيتم [أننا] قد هزمناهم، فإنَّا لا نزال غالبين ما ثبتّم مكانكم. وأمَّر عليهم عبد الله بن جُبير أخا خوَّات بن جبير.
ثم إنَّ طلحة بن عثمان صاحب لواء المشركين قام، فقال: يا معشر أصحاب محمد، إنَّكم تزعمون أن الله يعجّلنا بسيوفكم إلى النار، ويعجّلكم بسيوفنا إلى الجنة؛ فهل منكم أحدٌ يعجّله الله بسيفي إلى الجنة، أو يعجّلني بسيفه إلى النار! فقام إليه عليّ بن أبي طالب ﵁، فقال: والّذي نفسي بيده لا أفارقك حتى أعجّلك بسيفي إلى النار، أو تعجّلني بسيفك إلى الجنَّة، فضربه عليّ فقطع رجله فسقط فانكشفت عورته، فقال: أنشدك الله والرَّحمَ يا بن عمّ فتركه، فكبَّر رسول الله ﷺ ، وقال لعليّ: ما منعك أن تجهِزَ عليه؟ قال: إنَّ ابنَ عمِّي ناشدني حين انكشفت عورته فاستحييتُ منه. ثم شدّ الزبير بن العوَّام والمقداد بن الأسود على المشركين فهزماهم؛ وحَمَل النبيّ ﷺ وأصحابه فهزموا أبا سفيان. فلمَّا رأى ذلك خالد بن الوليد -وهو على خيل المشركين- حمل فرمَتْه الرماة فانقمع. فلمَّا نظر الرُّماة إلى رسول الله ﷺ وأصحابه في جوف عسكر المشركين ينتهبونه، بادروا الغنيمة، فقال بعضهم: لا نترك أمرَ رسولِ الله ﷺ . وانطلق عامتهم فلحقوا بالعسكر، فلما رأى خالد قلَّة الرُّماة صاح في خيله، ثم حمل فقتل الرماة؛ وحمل على أصحاب النبيّ ﷺ . فلمَّا رأى المشركون أن خيلهم تقاتل، تنادَوْا فشدُّوا على المسلمين، فهزموهم وقتلوهم (٢). (٢: ٥٠٩/ ٥١٠).
١٧٢ - فحدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق، قال: حدَّثني جعفر بن عبد الله بن أسلم، مولى عمر بن الخطاب، عن
стр. 2532
رجل من الأنصار من بني سلمة؛ قال: قال رسول الله ﷺ حين رأى أبا دُجَانة يتبختر: إنَّها لمشْيةٌ يبغِضها الله إلَّا في هذا الموطن. وقد أرسل أبو سفيان رسولًا، فقال: يا معشر الأوْس والخزرج، خلُّوا بيننا وبين ابن عمّنا ننصرفْ عنكم، فإنَّه لا حاجة لنا بقتالكم، فردّوه بما يكره (١). (٢: ٥١١).
١٧٣ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، أنّ أبا عامر عبد عمرو بن صيفيّ بن مالك بن النعمان بن أمة، أحد بني ضُبيعَة؛ وقد كان خرج إلى مكة مُباعدًا لرسول الله ﷺ ، معه خمسون غلامًا من الأوس؛ منهم عثمان بن حُنَيف -وبعض النَّاس يقول: كانوا خمسة عشر- فكان يعِد قريشًا أنْ لو قد لقِيَ محمَّدًا لم يختلف عليه منهم رجلان، فلمَّا التقى الناس، كان أوّل مَنْ لقيَهم أبو عامر في الأحابيش وعُبْدَانِ أهل مكَّة، فنادى: يا معشرَ الأوس، أنا أبو عامر، قالوا: فلا أنعم الله بك عينًا يا فاسق - وكان أبو عامر يسمَّى في الجاهلية "الراهب"، فسمَّاه رسول الله ﷺ "الفاسق "- فلمَّا سمع ردَّهم عليه، قال: لقد أصاب قومي بعدي شرّ. ثم قاتلهم قتالًا شديدًا، ثم راضخهم بالحجارة، وقد قال أبو سفيان لأصحاب اللِّواء من بني عبد الدار يحرّضهم بذلك على القتال: يا بنِي عبد الدَّار، إنَّكم وليتم لواءنا يوم بدر، فأصابنا ما قد رأيتم؛ وإنَّما يؤتى النَّاس من قبَل راياتهم؛ إذا زالت زالوا؛ فإما أن تكفونا لواءنا؛ وإما أن تخلُّوا بيننا وبينه فسنكفيكموه. فهمُّوا به وتواعدوه، وقالوا: نحن نسلِّم إليك لواءنا، ستعلم غدًا إذا التقينا كيف نصنع! وذلك الذي أراد أبو سفيان. فلمَّا التقى الناس، ودنا بعضُهم من بعض، قامت هند بنت عُتْبة في النِّسوة اللَّواتي معها، وأخذن الدُّفوفَ يضربْن خلْف الرِّجال ويُحرِّضْنهم، فقالت هند فيما تقول:
إِن تُقْبلوا نُعانقْ ... ونَفْرش النَّمارقْ
أو تدْبرُوا نُفارق ... فِراقَ غيرِ وامِق
стр. 2533
وتقول:
وَيهًا بني عَبد الدَّار * وَيهًا حُماةَ الأدْبار! * ضرْبًا بكلِّ بتَّارْ
واقْتتل الناس حتى حمِيت الحرب، وقاتل أبو دُجانة حتَّى أمعن في الناس، وحمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب في رجال من المسلمين، فأنزل الله نصره، وصدَقهم وعدَه، فحسُّوهم بالسيوف حتى كشفوهم، وكانت الهزيمة لا شكّ فيها (١). (٢: ٥١١/ ٥١٣ / ٥١٢).
١٧٤ - حدَّثنا ابن حميد قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمد بن إسحاق، عن بعض أهل العلم، أن اللِّواء لم يزل صريعًا حتَّى أخذتْهُ عَمْرَةُ بنت علقمة الحارثيّة، فرفعتْهُ لقريش، فلاثوا به، وكان اللِّواء مع صُؤاب، غلام لبني أبي طلحة، حبشيّ، وكان آخر من أخذه منهم، فقاتل حتى قُطِعَتْ يداه، ثم برك عليه، فأخذ اللواء بصدره وعُنُقِه حتى قُتِلَ عليه؛ وهو يقول: اللَّهمّ هل أعذرت! فقال حَسَّان بن ثابت في قطع يد صواب حين تقاذفوا بالشعر:
فَخَرْتم باللِّواء وشرُّ فخْرٍ ... لوَاءٌ حينَ رُدَّ إلى صُؤابِ
جَعلْتُم فخْرَكُمْ فيها لعبدٍ ... منْ ألأمِ مَنْ وَطِي عَفرَ التُّراب
ظنَنْتُمْ والسفيهُ له ظُنُونٌ ... وما إن ذاك منْ أمْر الصَّوابِ
بأَنَّ جِلادَكم يوْمَ الْتَقينا ... بمَكَّةَ بيعُكُم حُمْرَ العِيابِ
أقرَّ العينَ أنْ عُصِبَتْ يدَاهُ ... وما إنْ تُعصبَانِ على خضَابِ (٢)
(٢: ٥١٣/ ٥١٤).
١٧٥ - حدَّثنا أبو كُرَيب، قال: حدَّثنا عثمان بن سعيد، قال: حدَّثنا حِبَّان بن عليّ، عن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه، عن جدّه، قال: لما قَتَل عليّ بن أبي طالب أصحاب الألوية، أبصر رسولُ الله ﷺ جماعة من مشركي قريش، فقال لعليّ: احمل عليهم، فحمل عليهم؛ ففرَّق جمعهم، وقتل عمرو بن عبد الله الجُمَحيّ. قال: ثم أبصر رسول الله ﷺ جماعة من مشركي قريش، فقال لعليّ: احمِل عليهم، فحمل عليهم ففرَّق جماعتهم؛ وقتل شيبة بن مالك أحَد بني
стр. 2534
عامر بن لُؤيّ، فقال جبريل: يا رسولَ الله، إنَّ هذه لَلْمواساة، فقال رسولُ الله ﷺ : إنه منِّي وأنا منه، فقال جبريل: وأنا منكما، قال: فسمعوا صوْتًا:
لا سيفَ إلَّا ذو الفَقَا ... ر ولا فتىً إلَّا علي (١)
قال أبو جعفر: وقال رسول الله ﷺ حين غشيه القوم: مَنْ رجلٌ يشرِي لنا نفسه!
١٧٦ - فحدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق، قال: حدَّثني الحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، عن محمود بن عمرو بن يزيد بن السَّكَن، قال: فقام زياد بن السَّكَن في نفر خمسة من الأنصار، وبعض الناس يقول: إنَّما هو عمارة بن زياد بن السَّكن، فقاتلوا دون رسول الله ﷺ رجلًا، ثم رجلًا، يقتلون دونه؛ حتَّى كان آخرهم زيادٌ -أو عمارة بن زياد بن السَّكن- فقاتل حتى أثبتَتْه الجراحة، ثم فاءَت من المسلمين فِئَةٌ حَتَّى أجهَضوهم عنه، فقال رسول الله ﷺ : أدنوهُ مني، فأدنوْه منه، فَوَسَّدَه قدمه؛ فمات وخَدُّه على قَدَمِ رسول الله ﷺ ، وتَرَّس دون رسول الله ﷺ أبو دُجانة بنفسه يَقَعُ النَّبل في ظهره وهو مُنْحَنٍ عليه؛ حتى كثُرت فيهِ النَّبل، ورَمى سعد بن أبي وقاص دونَ رسولِ الله ﷺ ، فقال سَعْدٌ: فلقد رأيتُه يناولني ويقول: ارْمِ فِداك أبي وأمِّي! حتى إنَّه ليُناولُني السَّهم ما فيه نَصْلٌ، فيقول: ارْمِ به! (٢) (٢: ٥١٥/ ٥١٦).
١٧٧ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمَّد بن إسحاق، قال: حدَّثني عاصم بن عمر بن قتادة، أن رسولَ الله ﷺ رَمَى عن قوسه حتى اندقَّتْ سِيَتُهَا، فأخذها قتادة بن النعمان؛ فكانت عنده، وأصيبت يومئذ عينُ قَتادة بن النعمان؛ حتى وقعت على وجْنَتِه (٣). (٢: ٥١٦).
стр. 2535
١٧٧ / أ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، قال: حدَّثني عاصم بن عمرو بن قتادة، أن رسولَ الله ﷺ ردَّها بيده؛ فكانت أحسن عينيه وأحَدَّهما (١). (٢: ٥١٦).
١٧٨ - فحدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق، قال: حدَّثني القاسم بن عبد الرحمن بن رافع؛ أخو بني عديّ بن النَّجار، قال: انتهى أنس بن النضر؛ عمّ أنس بن مالك، إلى عمر بن الخطاب وطلْحة بن عبيد الله في رجال من المهاجرين والأنصار، وقد ألقوْا بأيديهم، فقال: ما يجلسكم؟ قالوا: قتِل محمد رسول الله، قال: فما تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا [كرامًا] على ما مات عليه رسول الله ﷺ . ثم استقبل القوم؛ فقاتل حتى قتِل؛ وبه سمّي أنس بن مالك (٢). (٢: ٥١٧).
١٧٩ - وكان أبيّ بن خلف -كما حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، عن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف- يلْقَى
стр. 2536
رسولَ الله ﷺ بمكّة، فيقول: يا محمَّد إن عندي العَوْد، أعلفه كلَّ يوم فَرْقًا من ذُرة أقتلك عليه! فيقول رسول الله ﷺ : بل أنا أقتلك إن شاء الله. فلما رجع إلى قريش وقد خدشه في عنقه خَدْشًا غير كبير؛ فاحتقن الدم، قال: قتلني والله محمد. قالوا: ذهب والله فؤادك؛ والله إنْ بك بأس. قال: إنه قد كان بمكَّة قال لي: أنا أقتلك؛ فوالله لو بصق عليّ لقتلني. فمات عدوّ الله بسَرِف وهم قافلون به إلى مكَّة (١). (٢: ٥١٧/ ٥١٨).
١٨٠ - قال: فلمَّا انتهى رسولُ الله ﷺ إلى فم الشِّعب، خرج عليّ بن أبي طالب حتى ملأ دَرَقَتَه من المِهْرَاس. ثم جاء به إلى رسول الله ﷺ ليشرب منه؛ فوجد له ريحًا فعافه؛ ولم يشرب منه، وغسل عن وجهه الدّم؛ وصُبَّ على رأسه؛ وهو يقول: اشتدّ غضب الله على من دَمَّى وَجْهَ نَبيَّه (٢). (٢: ٥١٨).
١٨١ - قال أبو جعفر: وقد كان الناس انهزموا عن رسول الله ﷺ ، حتى انتهى بعضهم إلى المنقى دون الأعوص، وفرّ عثمان بن عفان وعقبة بن عثمان وسعد بن عثمان (رجلان من الأنصار)؛ حتى بلغوا الجَلْعَبَ (جبلًا بناحية المدينة مما يلي الأعوص)، فأقاموا به ثلاثًا ثم رجعوا إلى رسول الله ﷺ ؛ فزعموا أن رسول الله ﷺ ، قال لهم: لقد ذهبتم فيها عريضة (٣). (٢: ٥٢٢).
فقال شدّاد بن الأسود في قتله حنظلة:
لأَحْمِيَنَّ صاحبي ونفْسي ... بطَعْنةٍ مثل شُعاع الشَّمْسِ
وقال أبو سفيان بن حرب؛ وهو يذكر صبره ذلك اليوم، ومعاونة ابن شَعوب شدّاد بن الأسود إيَّاه على حنظلة:
ولو شئْتُ نجَّتْني كُمَيتٌ طِمرَّةٌ ... ولم أحْمل النَعْماءَ لابن شَعُوب
فما زال مُهْري مَزْجَر الكلْبِ مِنْهُمُ ... لَدَى غُدْوَةٍ حتى دَنتْ لِغُروب
أقاتلُهم وأدَّعِي يا لغالبٍ ... وأدْفعُهُم عَنِّي برُكْن صَليب
стр. 2537
فبَكِّي ولا ترْعَي مقالة عاذلٍ ... ولا تسْأمي من عَبْرَةٍ ونَحيبِ
أباكِ وإخوانًا له قد تتابعوا ... وحُقَّ لهم من عَبْرَةٍ بنصِيب
وسَلَّى الذي قد كان في النَّفْس أنّني ... قَتلت من النَّجار كُلَّ نجيب
ومن هاشمٍ قرْمًا نجيبًا ومُصْعبًا ... وكان لدَى الهْيجاء غير هَيُوب
وَلو أنّني لم أشْف منهم قَرُونتي ... لكانت شجىً في القلب ذات نُدُوب
فآبُوا وَقد أودَى الحلائِبُ منْهُمُ ... لهم خَدَبٌ من مُغْبطٍ وكئيب
أصابَهُم من لم يكن لِدِمَائهم ... كَفيًّا ولا في خُطَّةٍ بضرِيب
فأجابه حسان بن ثابت فقال:
ذكرْتَ القُرُومَ الصِّيدَ من آل هاشمٍ ... ولسْتَ لزُورٍ قُلْتَهُ بمُصيب
أتعجَبُ أنْ أقْصَدْتَ حَمْزَةَ منْهُمُ ... نجيبًا وقدْ سَمَّيتَهُ بنَجيب
أَلمْ يَقْتُلُوا عَمْرًا وعُتْبَةَ وابْنَهُ ... وشَيبَةَ وَالحَجَّاجَ وابْنَ حَبيبِ!
غَدَاة دعَا العاصي عَليًا فراعَهُ ... بِضَرْبةِ عَضْبٍ بلّه بخَضيب
وقال شدّاد بن الأسود، يذكر يده عند أبي سفيان بن حرب فيما دفع عنه:
وَلوْلا دِفَاعِي يا بنَ حَرْبٍ ومَشْهَدِي ... لألْفِيتَ يَوْمَ النَّعْفِ غيرَ مجِيبِ
ولَوْلا مَكرّي المُهْرَ بالنَّعْفِ قَرْقَرَتْ ... ضِبَاعٌ عَلَيهِ أو ضِرَاءُ كَلِيبِ
وقال الحارث بن هشام يجيب أبا سفيان في قوله:
وما زال مُهْرِي مَزْجَرَ الكلبِ منهمُ
وظنَّ أنه يعرّض به إذ فرّ يوم بدر:
وإنَّك لوْ عَاينْتَ ما كان منْهُمُ ... لأُبْتَ بقَلْبٍ مَا بقيتَ نَخِيبِ
لَدَى صَحْنِ بدْرٍ أَو لقامَتْ نَوائِحٌ ... عليك، ولم تَحفِلْ مُصَابَ حَبِيب
جَزَيتهمُ يَومًا ببَدْر كمثْلِهِ ... على سابِحٍ ذي مَيعَةٍ وَشَبِيب (١)
(٢: ٥٢٢/ ٥٢٣ / ٥٢٣).
قال أبو جعفر: وقد وقفت هند بنت عتبة - فيما حدثنا ابن حميد؛ قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: حدَّثني صالح بن كيسان - والنسوة اللَّاتي معها يمثلنَ بالقتْلَى من أصحاب رسول الله ﷺ ، يَجْدَعْنَ الآذان
стр. 2538
والأنوف؛ حتى اتّخذَتْ هند من آذان الرجال وآنُفِهم خَدَمًا وقلائد، وأعطت خَدَمها وقلائدها وَقِرَطَتها وَحْشيًا، غلام جُبير بن مُطْعِم، وبقرتْ عن كبد حمزة فلاكتْها فلم تستطع أن تُسِيغها فَلفظَتها. ثم عَلتْ على صخرة مشرِفة، فصرخت بأعلى صوتها بما قالت من الشعر حين ظفرُوا بما أصابوا من أصحاب رسولِ الله ﷺ (١). (٢: ٥٢٤/ ٥٢٥).
١٨٣ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق، قال: حدثني صالح بن كيسان، أنَّه حدَّث أن عمر بن الخطاب قال لحسان: يا بن الفُرَيعَة لو سمعت ما تقول هند ورأيتَ أشرَها قائمة على صخرة ترتجز بنا، وتذكر ما صنعت بحمزة! فقال له حسَّان: والله إنَي لأنظر إلى الحربة تهوي وأنا على رأس فارع -يعني: أطُمَه- فقلت: والله إنَّ هذه لسلاحٌ ما هي بسلاح العرب؛ وكأنَّها إنَّما تهوي إلى حمزة؛ ولا أدري. أسمعني بعض قولها أكفيكموها؛ قال: فأنشده عُمَرُ بعض ما قالت، فقال حسَّان يهجو هندًا:
أشِرَتْ لَكَاعِ وكان عَادَتُها ... لؤْمًا إذا أشِرَتْ مَعِ الْكُفْرِ
لَعَنَ الإلهُ وزوْجَها مَعَهَا ... هنْدَ الهُنُود عَظيمَة البَظْرِ
أَخْرَجْتِ مُرْقِصَةً إلى أُحُدٍ ... في القَوْم مُقْتِبَةً عَلى بَكْرِ
بَكْرٍ ثَفَالٍ لا حَرَاكَ بِهِ ... لا عَنْ مُعَاتَبَةٍ ولا زَجْرِ
وعصَاك اسْتُكِ تَتَّقِينَ بها ... دُقِّي العُجَايَةَ هنْدُ بالفِهْرِ
قَرِحَتْ عَجِيزتُهَا وَمَشْرَجُهَا ... من دَأْبِها نَصًّا على القُتْرِ
ظَلَّتْ تُدَاويها زَمِيلَتُها ... بالماء تَنْضَحُهُ وبِالسِّدْرِ
أَخْرَجْتِ ثائِرَةً مبَادِرَةً ... بأَبيكِ وابْنِكِ يومَ ذىٍ بدْرِ
وبعَمِّكِ المَسْتُوهِ في رَدَعٍ ... وأخيكِ منعَفرَينِ في الجَفْرِ
ونسِيتِ فاحشةً أتَيتِ بها ... يا هِنْدُ، وَيحَكِ سُبَّةَ الدَّهْرِ!
فرَجَعْتِ صاغِرَةً بلا ترَةٍ ... منَّا ظَفِرْتِ بها ولا نَصْرِ
زَعَمَ الوَلائِدُ أنَّها وَلَدَتْ ... ولَدًا صَغِيرًا كان من عُهْرِ (٢)
(٢: ٥٢٥/ ٥٢٦).
стр. 2539
١٨٤ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال في حديثه: لمَّا أجاب عمرُ أبا سفيان قال له أبو سفيان: هلمَّ يا عمر، فقال له رسولُ الله ﷺ : ايتِهِ فانظُرْ ما شأنه؟ فجاءه فقال له أبو سفيان: أنشدُك اللهَ يا عمر، أقتلنا محمدًا؟ فقال عمر: اللهمّ لا؛ وإنه ليسمع كلامَك الآن، فقال: أنت أصْدَق عندي من ابن قَميئَة وأبرّ؛ لقول ابن قميئة لهم: إنّي قتلت محمدًا. ثمّ نادى أبو سفيان، فقال: إنَّه قد كان في قتلاكم مُثَلٌ والله ما رضيت ولا سخِطت، ولا نهيت ولا أمرْت.
وقد كان الحُلَيس بن زَبَّان أخو بني الحارث بن عبد مَناة - وهو يومئذ سيّد الأحابيش - قد مرّ بأبي سفيان بن حرب، وهو يضرب في شِدْق حمزة بزُجّ الرّمح؛ وهو يقول: ذُقْ عَقَقُ! فقال الحُلَيس: يا بني كنانة، هذا سيّد قريش يصنع بابن عمِّه كما ترون لحمًا! فقال: اكتمها، فإنَّها كانت زَلَّة؛ فلمَّا انصرف أبو سفيان ومَنْ معه نادى: إنَّ موعدَكم بدر للعام المقبل، فقال رسول ﷺ لرجل من أصحابه: قل نعمْ هي بيننا وبينك موعد.
ثم بعث رسولُ الله ﷺ عليّ بن أبي طالب ﵇، فقال: اُخرُجْ في آثار القوم فانظر ماذا يصنعون، وماذا يريدون! فإن كانوا قد اجتنبوا الخيل، وامتطوا الإبل؛ فإنَّهم يريدون مكَّة؛ وإن ركبوا الخيل، وساقوا الإبل؛ فهم يريدون المدينة؛ فوالَّذي نفسي بيده؛ لئن أرادوها لأسيرنّ إليهم فيها ثم لأناجزَنَّهم. قال عليّ: فخرجت في آثارهم انظر ماذا يصنعون؛ فلما اجتنبوا الخيل وامتطوا الإبل توجَّهوا إلى مكَّة؛ وقد كان رسولُ الله ﷺ قال: أيّ ذلك كان فأخْفِه حتى تأتيَني. قال عليٌّ ﵇: فلما رأيتُهم قد توجَّهوا إلي مكَّة أقبلت أصيح؛ ما أستطيع أن أكتم الذي أمرني به رسولُ الله ﷺ لما بي من الفرَح؛ إذ رأيتهم انصرفوا إلى مكَّة عن المدينة (١). (٢: ٥٢٧/ ٥٢٨).
١٨٥ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: فحدَّثني محمَّد بن إسحاق، قال: فزعم بعض آل عبد الله بن جحش -وكان لأمَيمَة بنت
стр. 2540
عبد المطَّلب، خالة حمزة؛ وكان قد مُثِّل به كما مُثِّل بحمزة، إلَّا أنه لم يُبْقَرْ عن كبده- أن رسولَ الله ﷺ دَفَنه مع حمزة في قبره؛ ولم أسمع ذلك إلَّا عن أهله (١). (٥٢٩: ٢/ ٥٣٠).
١٨٦ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: قال محمد بن إسحاق: حدَّثني عاصم بن عمر بن قتادة، أن رجلًا منهم كان يُدْعى حاطب بن أميَّة بن رافع، وكان له ابن يقال له: يزيد بن حاطب، أصابته جِراحة يوم أحُد، فأتِيَ به إلى دار قومه وهو يموت؛ فاجتمع إليه أهلُ الدّار؛ فجعل المسلمون يقولون من الرجال والنساء: أبْشِرْ يا بنَ حاطب بالجنَّة، قال: وكان حاطب شيخًا قد عسا في الجاهليّة، فَنَجَم يومئذ نفاقه، فقال: بأيّ شيء تبشِّرونه، أبجنَّة من حرمل! غررتُم والله هذا الغلام من نفسه، وفجعتموني به! (٢) (٢: ٥٣٠/ ٥٣١).
وكان ممَّن قُتِل يوم أحُد مُخيريق اليهوديُّ وكان أحدَ بني ثعلبة بن الفِطْيَون، لمَّا كان ذلك اليوم قال: يا معشَر يهود؛ والله لقد علمتم أن نصر محمد عليكم لَحَقٌ. قالوا: إنَّ اليوم يوم السَّبت، فقال: لاسبْتَ، فأخذ سيفه وعدّته، وقال: إن أصِبْتُ فمالي لمحمَّد يصنع فيه ما شاء. ثم غدَا إلى رسولِ الله ﷺ فقاتل معه حتى قُتِل؛ فقال رسول الله ﷺ فيما بلغني: مُخْيرِيق خيرُ يهود (٣). (٢: ٥٣١).
١٨٧ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق، قال: وقد احتمل ناسٌ من المسلمين قَتْلاهم إلى المدينة. فدفنوهم بها، ثم نهَى رسول الله ﷺ عن ذلك، وقال: ادفنوهم حيث صُرِعُوا (٤). (٢: ٥٣٢).
١٨٨ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، قال: حدَّثني أبي إسحاق بن يَسار، عن أشياخ من بني سلمة، أن رسولَ الله ﷺ قال يومئذ حين أمَر بدفن القتْلى: انظروا عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو بن
стр. 2541
حرام، فإنهما كانا متصافيَينِ في الدنيا، فاجعلوهما في قبر واحد. قال: فلمَّا احتفر معاوية القناة أُخْرِجا وهما ينثنيان كأنما دفنا بالأمس (١). (٢: ٥٣٢).
١٨٩ - قال: ثم انصرف رسولُ الله ﷺ جعًا إلى المدينة، فلقيتْه حَمْنَةُ بنت جحش -كما ذكر لي- فنُعيَ لها أخوها عبد الله بن جحش، فاسترجَعَتْ واستغفرتْ له، ثم نعِيَ لها خالها حمزة بن عبد المطلب، فاسترجَعت واستغفرت له، ثم نُعِي لها زوجها مصعب بن عمير، فصاحت وولولت، فقال رسولُ الله ﷺ : إنَّ زَوْج المرأة منها لبمكان. لما رأى من تثبُّتها عند أخيها وخالها، وصياحها على زوجها (٢). (٥٣٢: ٢).
١٩٠ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمد بن إسحاق، قال: حدَّثني عبد الواحد بن أبي عَوْن، عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص؛ قال: مرّ رسول الله ﷺ بامرأة من بني دينار؛ وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله ﷺ بأحُد؛ فلما نعُوا لها قالت: فما فعل رسول الله ﷺ ؟ قالوا: خيرًا يا أمّ فلان؛ هو بحمد الله كما تحبِّين؛ قالت: أرنيه حتى أنظرَ إليه، فأشير لها إليه حتى إذا رأته قالت: كلُّ مصيبة بعدك جَلَلٌ (٣)! (٢: ٥٣٢/ ٥٣٣).
وزعموا أن عليّ بن أبي طالب حين أعطى فاطمة ﵉ سيفه قال:
أفاطِمَ هَاكِ السَّيفَ غَيرَ ذَمِيم ... فلَسْتُ برِعْدِيدٍ ولا بمُلِيمِ
لَعَمْرِي لقد قاتَلْتُ في حُبِّ أَحْمَدٍ ... وطاعةِ ربِّ بالعبِادِ رحيمِ
وسَيفي بكَفِّي كالشِّهابِ أَهُزُّهُ ... أجُذُّ به من عاتِقٍ وصَمِيمِ
فما زِلْتُ حتى فَضَّ رَبِّي جُمُوعَهمْ ... وحتى شَفَينَا نَفْسَ كلِّ حليمِ
وقال أبو دُجانة حين أخذ السيف من يد رسول الله ﷺ فقاتل به قتالًا شديدًا
стр. 2542
-وكان يقول: رأيت إنسانًا يخمش الناس خمشًا شديدًا فصَمْدت له، فلما حملتُ عليه بالسيف وَلْوَلَتْ؛ فإذا امرأة؛ فأكرمت سيف رسول الله ﷺ أن أضرب به امرأة- وقال أبو دُجَانة:
أنا الَّذي عاهَدَني خَليلِي ... ونحْنُ بالسَّفْح لَدَي النَّخِيلِ
ألَّا أقُومَ الدَّهْرَ في الكَيُّول ... أضرِب بِسَيفِ الله والرَّسول (١)
(٢: ٥٣٣).
[غزوة حمراء الأسد]
١٩١ - وكان رجوع رسول الله ﷺ إلى المدينة يوم السبت؛ وذلك يوم الوقعة بأحُد؛ فحدَّثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، قال: حدَّثني حسين بن عبد الله، عن عِكْرمة، قال: كان يوم أحُد يومَ السَّبت؛ للنّصف من شوال؛ فلمَّا كان الغدُ من يوم أحُد -وذلك يوم الأحد لستّ عشرة ليلة خلْت من شوّال- أذَّنَ مُؤذِّنُ رسول الله ﷺ في الناس بطلب العدوّ؛ وأذَّن مؤذنه: ألَّا يخرجنَّ معنا أحد إلَّا مَنْ حضر يومنا بالأمس. فكلَّمه جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام، فقال: يا رسول الله، إنَّ أبي كان خلَّفني على أخواتٍ لي سبعٍ، وقال لي: يا بُنيّ؛ إنه لا ينبغي لي ولا لك أن نترك هؤلاء النِّسوة لا رُجلَ فيهنَّ، ولستَ بالذي أُوثرك بالجهاد مع رسول الله ﷺ على نفسي؛ فتخلَّف على أخَواتك. فتخلَّفت عليهنّ. فأذن له رسول الله ﷺ ، فخرج معه؛ وإنَّما خِرج رسول الله ﷺ مُرْهِبًا للعدوّ؛ وليبلّغهم أنه خرج في طلبهم؛ ليظنُّوا به قوّة، وأن الذي أصابهم لم يوهِنهم عن عدوّهم (٢). (٢: ٥٣٤).
١٩٢ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، قال: فحدَّثني عبد الله بن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبي السائب مولى عائشة بنت عثمان، أنّ رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ من بني عبد الأشهل كان شهد أحدًا، قال: شهدتُ مع رسولِ الله ﷺ أنا وأخ لي، فرجعنا جَرِيحَينِ؛ فلمَّا أذَّن
стр. 2543
مؤذِّنُ رسولِ الله ﷺ بالخروج في طلب العدوّ، قلت لأخي وقال لي: أتفُوتنا غزوة مع رسولِ الله ﷺ والله ما لنا من دابَّة نركبها، وما منّا إلا جريح ثقيل؛ فخرجنا مع رسول الله ﷺ وكنت أيسر جُرحًا منه -فكنت إذا غُلِبَ حملتُه عُقْبة ومشى عُقْبة؛ حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون، فخرج رسولُ الله ﷺ ، حتى انتهى إلى حَمْراء الأسد؛ وهي من المدينة على ثمانية أميال، فأقام بها ثلاثًا: الإثنين، والثلاثاء، والأربعاء، ثم رجع إلى المدينة (١). (٢: ٥٣٤/ ٥٣٥).
١٩٣ - وقد مرّ به -فيما حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم- معبَدٌ الخُزاعيّ، وكانت خُزاعة مسلمهم ومشركهم عَيبَة رسول الله ﷺ بتهامة، صفْقتُهم معه، لا يخفون عليه شيئًا كان بها -ومعبد يومئذ مشرك- فقال: يا محمَّد؛ أما والله لقد عزّ علينا ما أصابك في أصحابك؛ ولوَدِدْنا أن الله كان أعفاك فيهم! ثم خرج من عند رسول الله ﷺ بحمراء الأسد؛ حتى لقيَ أبا سفيان بن حَرْب ومن معه بالرّوحاء، وقد أجمعوا الرّجعة إلى رسول الله ﷺ وأصحابه، وقالوا: أصبنا حَدَّ أصحابه وقادتهم وأشرافهم؛ ثم رجعنا قبل أن نستأصلهم؛ لَنكرَّن على بقيَّتهم؛ فلنَفْرُغَنَّ منهم. فلمّا رأى أبو سفيان مَعْبَدًا، قال: ما وراءك يا معبد؟ قال: محمّد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قطّ؛ يتحرّقون عليكم تحرّقًا؛ قد اجتمع معه مَنْ كان تخلّف عنه في يومكم، وندموا على ما صنعوا، فيهم من الحَنق عليكم شيء لم أر مثلَه قطّ. قال: ويلك ما تقول! قال: والله ما أراك ترتحل حتى ترى نواصيَ الخيل. قال: فوالله لقد أجمعنا الكرّة عليهم لنستأصل بقيَّتهم، قال: فإني أنهاك عن ذلك، فوالله لقد حملني ما رأيت على أن قلت فيه أبياتًا من شعر، قال: وماذا قلت؟ . قال: قلت:
كَادَت تُهَدُّ مِنَ الأصْوَاتِ رَاحِلَتِي ... إذ سالتِ الأرْضُ بالجُرْدِ الأبابِيلِ
تَردِي بأسْدٍ كِرَام لا تَنَابِلَةٍ ... عند اللِّقاء ولاخُرْقٍ مَعَازِيلِ
فظَلتُ عَدْوًا أظنُّ الأرْضَ مَائلةً ... لمَّا سَمَوْا برَئيسٍ غيرِ مخذولِ
فقلتُ وَيلَ ابْنِ حَرْبٍ من لِقائِكُمُ ... إذا تَغَطْمَطَتِ البَطْحَاء بالجِيل
стр. 2544
إنِّي نَذيرٌ لأهل البَسْلِ ضاحيةً ... لكلِّ ذي إرْبَةٍ منهم وَمَعْقُولِ
من جَيشِ أَحْمَدَ لا وَخْشٍ قَنَابِلُه ... وليسَ يُوصَفُ ما أنْذَرْتُ بالقِيلِ
قال: فثنى ذلك أبا سفيان ومَنْ معه. ومرَّ به ركبٌ من عبد القيس، فقال: أين تريدون؟ قالوا: نريد المدينة، قال: ولم؟ قالوا: نريد الميرَة، قال: فهل أنتم مبلِّغون عني محمَّدًا رسالة أرسلكم بها إليه، وأحمِّل لكم إبلكم هذه غدًا زبيبًا بعُكَاظ إذا وافيتموها؟ قالوا: نعم؛ قال: فإذا جئتموه فأخبروه أنا قد أجمعنا المسيرَ إليه وإلى أصحابه؛ لنستأصل بقيَّتهم. فمرَّ الركبُ برسول الله ﷺ وهو بحمراء الأسد، فأخبروه بالذي قال أبو سفيان، فقال رسولُ الله ﷺ وأصحابه: حسبنا الله ونعم الوكيل! (١) (٢: ٥٣٦/ ٥٣٧).
١٩٤ - قال أبو جعفر: ثم انصرف رسول الله ﷺ إلى المدينة بعد الثالثة؛ فزعم بعضُ أهل الأخبار أن رسول الله ﷺ ظفر في وجهه إلى حمراء الأسد بمعاوية بن المغيرة بن أبي العاص، وأبي عَزّة الجُمَحِيّ؛ وكان رسول الله ﷺ خلَّف على المدينة حين خرج إلى حمراء الأسد ابنَ أمّ مكتوم (٢). (٢: ٥٣٧).
وفي هذه السنة -أعني سنة ثلاث من الهجرة- وُلِدَ الحَسَنُ بن عليّ بن أبي طالب في النصف من شهر رمضان.
وفيها عَلِقَتْ فاطمة بالحسين صلوات الله عليهما. وقيل: لم يكن بين ولادتها الحسن وحملها بالحسين إلَّا خمسون ليلة.
وفيها حملت - فيما قيل- جَميلة بنت عبد الله بن أبيّ بعبد الله بن حنظلة بن أبي عامر في شوّال (٣). (٢: ٥٣٨).
ذكر الأحداث التي كانت في سنة أَربع من الهجرة
[غزوة الرَّجيع]
١٩٥ - ثم دخلت السنة الرابعة من الهجرة، فكان فيها غزوة الرّجيع في صفر.
стр. 2545
وكان من أمرها ما حدَّثني به بن حُمَيد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدّثني محمَّد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة؛ قال: قدِم على رسولِ الله ﷺ بعد أحُد رهْط من عَضَل والقارة فقالوا له: يا رسول الله! إن فينا إسلامًا وخيرًا؛ فابعث معنا نفرًا من أصحابك يُفقِّهوننا في الدين، ويُقْرِئوننا القرآن، ويعلموننا شرائع الإسلام. فبعث رسولُ الله ﷺ معهم نفرًا ستَّة من أصحابه: مَرْثَد بن أبي مرثد الغَنَويّ حليف حمزة بن عْبد المطَّلب، وخالد بن البُكَير حليف بني عديّ بن كعب، وعاصِم بن ثابت بن أبِي الأقلح أخا بني عمرو بن عوف، وخُبَيبَ بن عديّ أخا بني جَحْجَبى بن كُلْفة بن عمرو بن عوف، وزيد بن الدَّثِنة أخا بني بياضة بن عامر، وعبدَ الله بن طارق حليفًا لبني ظَفَر من بَلِيّ.
وأمَّر رسولُ الله ﷺ على القوم مرثَد بن أبي مرثَد، فخرجوا مع القوم، حتى إذا كانوا على الرّجيع (ماء لهذيل بناحية من الحجاز من صدور الهدْأة) غدرُوا بهم، فاستصرخوا عليهم هُذَيلًا، فلم يُرَع القومُ وهم في رحالهم إلَّا بالرجال في أيديهم السيوف، قد غَشُوهم. فأخذوا أسيافهم ليقاتلوا القوم، فقالوا لهم: إنَّا والله ما نريد قتلَكم؛ ولكنَّا نريد أن نصيب بِكم شيئًا من أهل مكَّة، ولكم عهد الله وميثاقه ألَّا نقتلَكم. فأمَّا مرثَد وخالد بن البُكَير وعاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، فقالوا: والله لا نقبل من مشرك عهدًا ولا عقْدًا أبدًا؛ فقاتلوهم حتى قتلوهم جميعًا.
وأمَّا زيد بن الدَّثنة وخُبَيب بن عَدِيّ وعبد الله بن طارق فلانُوا ورقُّوا ورغِبوا في الحياة، فأعطوا بأيديهم، فأسروهم، ثمّ خرجوا بهم إلى مكة ليبيعوهم بها حتى إذا كانوا بالظَّهران، انتزع عبدُ الله بن طارق يدَه من القِران، ثمّ أخذ سيفه واستأخر عنه القوم، فرمُوه بالحجارة حتى قتلوه، فقَبرُه بالظَّهران.
وأما خُبَيبُ بن عديّ وزيد بن الدَّثنة، فقَدِموا بهما مكّة، فباعوهما فابتاع خبيبًا حُجَيرُ بن أبي إهاب التميميّ حليف بني نوفل لعُقْبَة بن الحارث بن عامر بن نوفل -وكان حُجير أخا الحارث بن عامر لأمّه- ليقتله بأبيه، وأمَّا زيد بن الدَّثِنَة، فابتاعه صَفْوان بن أميّة ليقتله بأبيه أميَّة بن خلف، وقد كانت هُذيل حين قُتل عاصم بن ثابت قد أرادوا رأسه ليبيعوه من سُلافة بنت سعد بن شُهَيد، وكانت قد نذرتْ حين أصاب ابنها يوم أحُد: لئن قدرَتْ على رأس عاصم لتشرَبنَّ في قِحْفه
стр. 2546
الخمر، فمنعته الدَّبْر. فلما حالت بينهم وبينه، قالوا: دعوه حتى يُمْسِي فتذهب عنه، فنأخذه، فبعث الله الوادي، فاحتمل عاصمًا فذهب به، وكان عاصم قد أعطَى الله عهدًا أَلَّا يمسه مشركٌ أبدًا ولا يمسَّ مشركًا أبدًا، تنجُّسًا منه. فكان عمر بن الخطاب يقول حين بلغه أن الدُّبْرَ منعته: عجبًا، لحفظ الله العبد المؤمن! كان عاصم نذر ألَّا يمسَّه مشرك، ولا يمس مشركًا أبدًا في حياته، فمنعه الله بعد وفاته كما امتنع منه في حياته (١). (٢: ٥٣٨/ ٥٣٩).
١٩٦ - حدَّثنا أبو كُريب، قال: حدَّثنا جعفر بن عون عن إبراهيم بن إسماعيل، قال: وأخبرَني جعفر بن عمرو بن أميّة، عن أبيه، عن جدّه: أن رسولَ الله ﷺ بعثه وحدَه عَينًا إلى قريش، قال: فجئت إلى خشبة حبَيبٍ وأنا أتخوَّف العيون، فرَقِيتُ فيها، فَحللْت خُبَيبًا، فوقع إلى الأرض، فانتبذت غير بعيد، ثم التفتُّ فلم أر لخُبيب رِمَّة؛ فكأنما الأرض ابتلعته؛ فلم تذكر لخبيب رِمَّة حتى الساعة (٢) (٢: ٥٤١/ ٥٤٢)
قال أبو جعفر: وأما زيد بن الدَّثِنَّة؛ فإنَّ صفوان بن أميّة بعث به -فيما حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق- مع مولى له يقال له: نِسْطاس إلى التَّنْعيم، وأخرجه من الحرم ليقتُلَه، واجتمع إليه رَهْطٌ من قريش؛ فيهم أبو سفيان بن حرب، فقال له أبو سفيان حين قُدّم ليُقتل: أنشدُك الله يا زيد، أتحبّ أنّ محمدًا عندنا الآن مكانك نضرب عنقه، وأنَّك في أهلك! قال: والله ما أحبّ أنّ محمّدًا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكةٌ تُؤذيه وأنا جالس في أهلي. قال: يقول أبو سفيان: ما رأيتُ في النَّاس أحدًا يحبّ أحدًا كحبّ أصحاب محمَّد محمَّدًا. ثم قتله نِسطاس (٣).
стр. 2547
ذكر الخبر عن عمرو بن أميَّة الضَّمريّ إذ وجهه رسول الله ﷺ لقتل أبي سفيان بن حرب
١٩٨ - ولمَّا قُتِل من وجَّهَه النبيّ ﷺ إلى عَضَل والقارَة من أهل الرَّجيع، وبلغ خبرُهم رسولَ الله ﷺ بعث عمرو بن أميّة الضَّمْريّ إلى مكَّة مع رجل من الأنصار، وأمرهما بقتل أبي سفيان بن حرب؛ فحدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة بن الفضل، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق عن جعفر بن الفضل بن الحسن بن عمرو بن أميّة الضَّمْريّ، عن أبيه، عن جدِّه -يعني: عمرو بن أميّة- قال: قال عمرو بن أميَّة: بعثني رسولُ الله ﷺ بعد قتل خُبيب وأصحابه، وبعث معي رجلًا من الأنصار، فقال: ائتيا أبا سفيان بن حرب فاقتلاه، قال: فخرجتُ أنا وصاحبي ومعي بعير لي، وليس مع صاحبي بعير، وبرجله علَّة. فكنت أحمله على بعيري؛ حتى جئنا بطن يأجَج؛ فعقلْنا بعيرنا في فناء شِعْب، فأسندنا فيها، فقلت لصاحبي: انطلق بنا إلى دار أبي سفيان؛ فإني محاول قتلَه. فانظر؛ فإن كانت مجاولة أو خشيت شيئًا فالحقْ ببعيرك فاركبه، والحقْ بالمدينة فائْتِ رسولَ الله ﷺ فأخبره الخبر، وخلّ عنِّي؛ فإني رجل عالم بالبلد، جريء عليه، نجيب الساق. فلمَّا دخلنا مكَّة ومعي مثل خافية النَّسر -يعني: خنجره- قد أعددته؛ إن عانقني إنسان قتلته به، فقال لي صاحبي: هل لك أن نبدَأ فنطوفَ بالبيت أسبوعًا، ونصلّي ركعتين؟ فقلت: أنا أعلم بأهلِ مكَّة منك؛ إنهم إذا أظلموا رشُّوا أفنيتَهم، ثم جلسوا بها، وأنا أعرَف بها من الفرَس الأبلق.
قال: فلم يزلْ بي حتَّى أتينا البيت، فطفنا به أسبوعًا، وصلَّينا ركعتين، ثم خرجنا فمررنا بمجلس من مجالسهم، فعرفني رجل منهم، فصرخ بأعلَى صوته: هذا عمرو بن أميَّة! قال: فتبادرتْنَا أهلُ مكَّة، وقالوا: تالله ما جاء بعمرو خير! والَّذي يُحلَف به ما جاءها قطّ إلَّا لشرٍّ -وكان عمرو رجلًا فاتكًا متشيطنًا في الجاهلية- قال: فقاموا في طلبي وطلب صاحبي، فقلت له: النَّجاء! هذا والله الَّذي كنت أحذر؛ أمَّا الرجل فليس إليه سبيل، فانجُ بنفسك، فخرجنا نشتدّ حتى أصعدنا في الجبل، فدخلنا في غار، فبتْنا فيه ليلَتنا، وأعجزناهم، فرجعوا وقد
стр. 2548
استترتُ دونهم بأحجار حين دخلت الغار، وقلت لصاحبي: أمهِلْني حتى يسْكُن الطلب عنَّا؛ فإنهم والله ليطلبُنَّا ليلتهم هذه ويومهم هذا حتى يمسُوا. قال: فوالله إني لفيه إذْ أقبل عثمان بن مالك بن عبيد الله التيميّ، يتخيَّلُ بفرس له، فلم يزل يدنُو ويتخيّلُ بفرسه حتى قام علينا بباب الغار. قال: فقلت لصاحبي: هذا والله ابنُ مالك؛ والله لئن رآنا ليُعلمَنَّ بنا أهل مكَّة. قال: فخرجت إليه فوجأته بالخِنْجر تحت الثَّدي، فصاح صيحة أسمع أهل مكة، فأقبلوا إليه، ورجعت إلى مكاني، فدخلت فيه، وقلت لصاحبي: مكانك! قال: واتَّبع أهلُ مكة الصوتَ يشتدّون، فوجدوه وبه رَمق، فقالوا: ويلكَ مَنْ ضربك! قال: عمرو بن أميَّة. ثم مات وما أدركوا ما يستطيع أن يخبرهم بمكاننا، فقالوا: والله لقد علمنا أنَّه لم يأت لخير، وشغلهم صاحبهم عن طلبنا، فاحتملوه؛ ومكثنا في الغار يومين حتى سكن عنَّا الطلب. ثم خرجنا إلى التَّنعيم؛ فإذا خشبةُ خُبيب، فقال لي صاحبي: هل لك في خُبَيب تُنزله عن خشبته؟ فقلت: أين هو؟ قال: هو ذاك حيث ترى. فقلت: نعم، فأمهلْني وتنحّ عنِّي. قال: وحوله حرس يحرُسونه. قال عمرو بن أميَّة: فقلت للأنصاريّ: إن خشيت شيئًا فخذ الطريق إلى جَمَلك فاركبْه والحقْ برسول الله ﷺ ، فأخبره الخبر، فاشتددت إلى خشبته فاحتللتُه واحتملتُه على ظهري؛ فوالله ما مشيتُ إلَّا نحو أربعين ذراعًا حتى نذروا بي، فطرحته؛ فما أنسى وجبتَه حين سقط؛ فاشتدُّوا في أثرِي، فأخذت طريق الصفراء فأعْيَوْا، فرجعوا، وانطلق صاحبي إلى بعيره فركبه؛ ثم أتَى النبيّ ﷺ فأخبره أمرَنا، وأقبلت أمشي، حتى إذا أشرفْتُ على الغليل، غليل ضَجْنان، دخلت غارًا فيه، ومعي قوسي وأسهمي، فبينا أنا فيه إذْ دخل عليَّ رجل من بني الدِّيل بن بكر، أعورُ طويل يسوق غنمًا له، فقال: مَن الرجل؟ فقلت: رجل من بني بكر، قال: وأنا من بني بكر، ثم أحد بني الدّيل. ثم اضطجع معي فيه، فرفع عقيرته يتغنّى ويقول:
ولسْتُ بمسْلِمٍ ما دمتُ حَيًّا ... ولستُ أَدِينُ دِينَ الْمُسْلِمينَا
فقلت: سوف تعلم! فلم يلبث الأعرابيّ أن نام وغطّ، فقمت إليه فقتلته أسوأ قِتْلة قَتَلها أحدٌ أحدًا؛ قمت إليه فجعلت سِيَةَ قوسي في عينه الصحيحة، ثم تحاملت عليها حتى أخرجتها من قفاه.
стр. 2549
قال: ثم أخرُج مثل السَّبُع؛ وأخذت المحجَّهَ كأني نسر، وكان النَّجاء حتى أخرج على بلد قد وصفه، ثم على رَكوبة، ثم على النَّقيع؛ فإذا رجلان من أهل مكة بعثَتْهما قريش يتحسَّسان من أمرِ رسول الله ﷺ ، فعرفتهما فقلت: استأسِرا، فقالا: أنحن نستأسر لك! فأرمي أحَدهما بسهم فأقتله، ثم قلت للآخر: استأسِر، فاستأسَرَ، فأوثقته، فقدمتُ به على رسول الله ﷺ (١). (٢: ٥٤٢/ ٥٤٣ / ٥٤٤/ ٥٤٥).
١٩٩ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، عن سليمان بن وردان، عن أبيه، عن عمرو بن أميَّة، قال: لما قدمتُ المدينة، مررتُ بمشيَخةٍ من الأنصار، فقالوا: هذا والله عمرو بن أميَّة، فسمع الصبيان قولهم، فاشتدُّوا إلى رسول الله ﷺ يخبرونه، وقد شددت إبهام أسيري بوَتر قوسِي، فنظر النبيّ ﷺ إليه فضحك حتى بدَت نواجذه، ثم سألني فأخبرته الخبر، فقال لي خيرًا ودعا لي بخير (٢). (٢: ٥٤٥).
وفي هذه السنة تزوَّج رسولُ الله ﷺ زينب بنت خزيمة أمّ المساكين من بني هلال في شهر رمضان، ودخل بها فيه، وكان أصدَقها اثنتي عشرة أوقية ونَشًّا؛ وكانت قبله عند الطفيل بن الحارث، فطلقها (٣). (٢: ٥٤٥).
ذكر خبر بئر معونة
٢٠٠ - فحدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق عن حُميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال: بعث رسولُ الله ﷺ المنذرَ بن عمرو في سبعين راكبًا، فساروا حتى نزلوا بئر معونة -وهي أرض بين أرض بني عامر وَحرَّة بني سُليم، كِلا البلدين منها قريب، وهي إلى حرّة بني سليم أقرب- فلمَّا نزلوها بعثوا حرام بن مِلْحَان بكتاب رسول الله ﷺ إلى عامر بن الطُّفَيل، فلمَّا أتاه لم ينظر في كتابه، حتى عدَا على الرَّجل فقتله، ثم استصرخ
стр. 2550
عليهم بني عامر، فأبوْا أن يجيبوه إلى مما دعاهم إليه، وقالوا: لن نُخْفِرَ أبا براء؛ قد عقد لهم عقدًا وجوارًا، فاستصرخ عليهم قبائل من بني سُليم: عُصَيَّة، ورِعْلًا، وذَكْوان؛ فأجابوه إلى ذلك، فخوجوا حتى غَشُوا القوم، فأحاطوا بهم في رحالهم، فلمَّا رأوْهم أخذوا السيوف، ثم قاتلوهم حتى قُتلوا عن آخرهم، إلَّا كعب بن زيد أخا بني دينار بن النَّجار، فإنهم تركوه وبه رمقٌ، فارتُثَّ من بين القتلى، فعاش حتى قُتِل يوم الخندق.
وكان في سَرْح القوم عمرو بن أمية الضمريّ، ورجل من الأنصار أحد بني عمرو بن عوف، فلم يُنْبِئهما بمُصاب أصحابهما إلا الطَّير تحوم على العسكر، فقالا. والله إن لهذه الطير لشأنًا، فأقبلا لينظرا إليه، فإذا القوم في دمائهم، وإذا الخيل التي أصابتهم واقفة. فقال الأنصاريّ لعمرو بن أميّة: ماذا ترى؟ قال: أرى أن نلحق برسول الله ﷺ فنخبره الخبر، فقال الأنصاريّ: لكنِّي ما كنت لأرغب بنفسي عن موطن قُتِل فيه المنذر بن عمرو، وما كنتُ لتخبرني عنه الرجال. ثمّ قاتل القوم حتى قُتِل، وأخذوا عمرو بن أمية أسيرًا، فلما أخبرهم أنَّه من مُضَر، أطلقه عامر بن الطُّفيل، وجَزَّ ناصيته، وأعتقه عن رقبة زعم أنَّها كانت على أمّه. فخرج عمرو بن أميَّة حتى إذا كان بالقرقرة من صدر قناة، أقبل رجلان من بني عامر حتى نزلا معه في ظلّ هو فيه؛ وكان مع العامريَّين عقدٌ من رسول الله ﷺ وجوارٌ لم يعلم به عمرو بن أميّة، وقد سألهما حين نزلا: ممَّن أنتما؟ فقالا: من بني عامر، فأمهلهما حتَّى إذا ناما عَدا عليهما فقتلهما، وهو يرى أنَّه قد أصاب بهما ثؤرَة من بني عامر، بما أصابوا من أصحاب رسولِ الله ﷺ . فلمَّا قدم عمرو بن أميَّة على رسولِ الله ﷺ أخبره الخبر، فقال رسولُ الله ﷺ : لقد قتلتَ قتيلين لأدِينَّهما. ثم قال رسول الله ﷺ : هذا عمل أبي بَراء؛ قد كنت لهذا كارهًا متخوّفًا. فبلغ ذلك أبا براء فشقَّ عليه إخْفَارُ عامر إيَّاه، وما أصاب رسولَ الله ﷺ بسببه وجواره، وكان فيمنْ أصيب عامر بن فُهَيرة (١). (٢: ٥٤٦/ ٥٤٧).
стр. 2551
٢٠١ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدثنا سَلَمة عن محمَّد بن إسحاق، عن هشام بن عُروةَ، عن أبيه: أن عامرَ بن الطُّفَيل، كان يقول: إنَّ الرجل منهم لما قتل رأيته رُفع بين السماء والأرض حتى رأيت السماءَ من دونه. قالوا: هو عامر بن فهيرة (١). (٢: ٥٤٨).
٢٠٢ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق، عن أحد بني جعفر، رجل من بني جبَّار بن سُلْمَى بن مالك بن جعفر، قال: كان جبَّار فيمن حَضَرها يومئذ مع عامر، ثم أسلم بعد ذلك. قال: فكان يقول: ممَّا دعاني إلى الإسلام أنّي طعنت رجلًا منهم يومئذ بالرمح بين كتفيه، فنظرت إلى سِنان الرّمح حين خرج من صدره، فسمعته يقول حين طعنته: فُزْتُ والله! قال: فقلت في نفسي: ما فاز! أليس قد قتلتُ الرجل! حتى سألت بعد ذلك عن قوله، فقالوا: الشهادة، قال: فقلت: فاز لعَمْرُ الله! فقال حسَّان بن ثابت يُحَرّضُ بني أبي البَراءِ على عامر بن الطُّفَيل:
بَنِي أمّ البَنِينَ أَلَمْ يَرُعكُمْ ... وأنْتُمْ من ذَوَائِبِ أَهْلِ نجْدِ
تَهَكُّمُ عامِرٍ بأبي بَرَاء ... ليُخْفِرَهُ، وما خَطَأٌ كَعَمْدِ
ألا أبْلغْ رَبيعَةَ ذا المَسَاعِي ... فما أحْدَثْتَ في الحدَثانِ بَعْدِي
стр. 2552
أبوك أَبو الْحُرُوبِ أبو بَرَاءٍ ... وخالُك ماجِدٌ حَكَمُ بن سَعْدِ
وقال كعب بن مالك في ذلك أيضًا:
لقد طارَتْ شَعَاعًا كلَّ وَجْهٍ ... خفَارَةُ ما أجارَ أَبُو بَرَاءِ
فمثْلُ مُسَهَّبٍ وبني أَبِيه ... بجَنْبِ الرَّدْهِ مِنْ كَنَفي سَوَاءِ
بَنِي أُمَّ البَنِين أَمَا سَمِعْتُمْ ... دعاءَ الْمُسْتَغِيثِ مَعَ المَسَاءِ!
وتَنْويهَ الصَّرِيخِ بَلَى ولكِنْ ... عرَفْتم أنَّه صَدْقُ اللِّقَاء
فما صَفِرَتْ عِيَابُ بَنِي كِلابٍ ... ولا القُرَطاءِ من ذَمِّ الوَفَاءِ
أعامِرَ عَامِرَ السَّوْءاتِ قِدْمًا ... فلا بالعَقْلِ فُزْت ولا السَّناء
أَأَخفَرْتَ النَّبيَّ وكُنْتَ قِدْمًا ... إلى السَّوْءات تَجْري بالعَرَاءِ!
فلَسْتَ كجارِ جَار أبي دوادٍ ... لا الأسَدِيّ جارِ أَبِي العَلاءِ
ولكنْ عارُكمْ داءٌ قديمٌ ... وداءُ الغَدْرِ فاعْلَمْ شَرُّ داءِ
فلمَّا بلغ ربيعةَ بن عامر أبي البَراء قولُ حسَّان وقولُ كعب، حملَ على عامر بن الطُّفيل فطعنه، فشطب الرُّمْحُ عن مقتله، فخرّ عن فرسه. فقال: هذا عمل أبي بَراء! إنْ متّ فدمي لعَمِّي ولا يُتْبَعَنَّ به؛ وإن أعش فسأرَى رأيي فيما أتِيَ إلي (١). (٢: ٥٤٨/ ٥٤٩).
* * *
وفي هذه السنة -أعني السنة الرابعة من الهجرة- أجلَى النبي ﷺ بني النَّضير من ديارهم.
* * *
ذكر خبر جلاء بني النضير
٢٠٣ - قال أبو جعفر: وكان سبب ذلك ما قد ذكرنا قبل من قَتْل عمْرو بن أميَّة الضَّمْريِّ الرّجُلين الذين قَتَلَهما في منصَرفه من الوجه الذي كان رسولُ الله ﷺ
стр. 2553
وجّهه إليه مع أصحابِ بئر معونة، وكان لهما من رسول الله ﷺ جورٌ وعهدٌ. وقيل: إنَّ عامرَ بن الطُّفَيل كتب إلى رسول الله ﷺ : إنك قتلت رجلين لهما منك جوارٌ وعهدٌ؛ فابعث بِديَتِهما. فانطلق رسول الله ﷺ إلى قُباء، ثم مال إلى بني النَّضير مستعينًا بهم في دِيَّتِهما، ومعه نفر من المهاجرين والأنصار، فيهم أبو بكر وعمر وعليّ وأسيد بن حُضَير (١). (٢: ٥٥٠/ ٥٥١).
٢٠٤ - فحدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق، قال: خرجَ رسول الله ﷺ إلى بني النَّضير، يستعينهم في ديةِ ذَينِكَ القتيلين من بني عامر اللَّذَين قتل عمرو بن أمية الضَّمْريّ، للجوار الذي كان رسول الله ﷺ عقده لهما؛ -كما حدثني يزيد بن رُومان- وكان بين بني النَّضِير وبين بني عامر حِلْف وعقد؛ فلمَّا أتاهم رسولُ الله ﷺ يستعينهم في دِيَة ذينك القتيلين؛ قالوا: نعم يا أبا القاسم! نعينُك على ما أحببت ممِّا استعنت بنا عليه. ثم خلا بعضُهم ببعض، فقالوا: إنَّكم لن تجدوا هذا الرجل على مثل حاله هذه -ورسول الله ﷺ إلى جَنْب جدار من بيوتهم، قاعد- فقالوا: مَن رجل يعلو على هذا البيت، فيلقي عليه صخرة فيقتله بها فيريحنا منه؟ فانتدب لذلك عمرو بن جِحاش بن كعب أحدهم؛ فقال: أنا لذلك، فصعِد ليلقي عليه الصخرة -كما قال- ورسولُ الله ﷺ في نفر من أصحابه؛ فيهم أبو بكر وعمر وعليّ؛ فأتى رسول الله ﷺ الخبَرُ من السماء بما أراد القوم، فقام وقال لأصحابه: لا تبرحوا حتى آتيَكم، وخرج راجعًا إلى المدينة، فلمَّا استلْبث رسولَ الله ﷺ أصحابُه، قاموا في طلبه، فلقُوا رجلًا مقبلًا من المدينة، فسألوه عنه، فقال: رأيتُه داخلًا المدينة، فأقبل أصحابُ رسول الله ﷺ حتى انتهوْا إليه، فأخبرهم الخبر بما كانت يَهُود قد أرادت من الغدْر به، وأمر رسول الله ﷺ بالتهيُّؤ لحربهم، والسير إليهم.
ثم سار بالنَّاس إليهم؛ حتى نزل بهم، فتحصَّنوا منه في الحصون، فأمر رسولُ الله ﷺ بقطع النخل والتَّحريق فيها، فنادوْه: يا محمَّد، قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه على مَنْ صنعه، فما بال قطع النخل وتحريقها!
стр. 2554
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق، قال: وقد كان رهطٌ من بني عوف بن الخزرج، منهم عبد الله بن أبي ابن سَلُول ووديعة ومالك بن أبي قوقل، وسويد وداعس قد بعثوا إلى بني النَّضير: أن اثبتوا وتمنَّعوا؛ فإنَّا لن نسلِمكم؛ وإن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أخرِجْتم خرجنا معكم، فتربَّصوا فلم يفعلوا؛ وقذف الله في قلوبهم الرُّعْبَ، فسألوا رسولَ الله ﷺ أن يُجليَهم، ويكفّ عن دمائهم؛ على أنّ لهم ما حملت الإبل من أموالهم؛ إلَّا الحلْقة. ففعل، فاحتملوا من أموالهم ما استقلَّت به الإبل، فكان الرّجل منهم يهدِم بيتَه عن نِجاف بابه؛ فيضعه على ظهر بعيره؛ فينطلق به. فخرجوا إلى خَيبر، ومنهم مَنْ سار إلى الشأم؛ فكان أشرافهم ممن سار منهم إلى خيبر سلَّام بن أبي الحُقَيق، وكنانة بن الربيع بن أبي الحُقيق، وحُيَيّ بن أخطب، فلما نزلوها دانَ لهم أهلها (١). (٢: ٤٥١ / وتكملته ٤٥٤).
٢٠٥ - قال أبو جعفر: وأما الواقديّ، فإنه ذكر: أن بني النَّضير لما تآمروا بما تآمروا به من إدلاء الصَّخْرة على رسول الله ﷺ ، نهاهم عن ذلك سَلَّام بن مِشْكَم وخوّفهم الحرب وقال: هو يعلم ما تريدون، فعصوْه، فصعِد عمرو بن جِحاش لِيُدَحْرِجَ الصخرة، وجاء النبيّ ﷺ الخبر من السماء، فقام كأنَّه يريد حاجة، وانتظره أصحابه، فأبطأ عليهم، وجعلت يهود تقول: ما حبس أبا القاسم؟ ! وانصرف أصحابه، فقال كنانة بن صُوريا: جاءه الخبر بما هممتم به، قال: ولما رجع أصحابُ رسول الله ﷺ انتهوا إليه وهو جالس في المسجد، فقالوا: يا رسول الله، انتظرناك ومضيت، فقال: همَّت يهود بقتلِي، وأخبرَنيه الله ، ادعُوا لِي محمد بن مسلمة، قال: فأتى محمد بن مسلمة، فقال: اذهب إلى يهود فقل لهم: إخرجوا من بلادي فلا تساكنوني وقد هممتم بما هممتم به من الغدر.
قال: فجاءهم محمد بن مسلمة، فقال لهم: إنَّ رسول الله ﷺ يأمركم أن تظعنوا من بلاده، فقالوا: يا محمَّد، ما كنا نظنُّ أن يجيئنا بهذا رجل من الأوس! فقال محمد: تغيَّرت القلوب، ومحا الإسلام العهود؛ فقالوا: نتحمَّل، قال:
стр. 2555
فأرسل إليهم عبدُ الله بن أبيّ يقول: لا تخرجوا، فإنَّ معي من العرب وممَّن انضوى إليّ من قومي ألفين، فأقيموا فهم يدخلون معكم، وقُريظة تدخل معكم. فبلغ كعب بن أسد صاحب عهد بني قُرَيظة فقال: لا ينقض العهدَ رجل من بني قُرَيظة وأنا حَيٌّ، فقال سَلَّام بن مِشْكم لحُيَيّ بن أخطب: يا حُييّ اقبل هذا الذي قال محمَّد؛ فإنَّما شرُفْنا على قومنا بأموالنا قبل أن تقبل ما هو شَرٌّ منه. قال: وما هو شرٌّ منه؟ قال: أخذ الأموال وسبي الذريَّة وقتل المقاتلة. فأبى حُيَيّ، فأرسل جُدَيّ بن أخطب إلى رسول الله ﷺ : إنا لا نريم دارنا فاصنع ما بدا لك! قال: فكبَّر رسول الله ﷺ ، وكبَّر المسلمون معه، وقال: حاربت يهود، وانطلق جُدَيّ إلى ابن أبيّ يستمدّه. قال: فوجدْتُه جالسًا في نفر من أصحابه، ومنادي النبيّ ﷺ ينادي بالسلاح، فدخل ابنه عبد الله بن عبد الله بن أبيّ، وأنا عنده، فأخذ السِّلاح، ثم خرج يعدُو، قال: فأيست من معونته. قال: فأخبرت بذلك كله حُيَتًّا، فقال: هذه مكيدة من محمَّد، فزحف إليهم رسولُ الله ﷺ ، فحاصرهم رسولُ الله ﷺ خمسة عشر يومًا؛ حتى صالحوه على أن يحقِنَ لهم دماءهم، وله الأموالُ والحلْقة (١). (٢: ٥٥٢/ ٥٥٣).
٢٠٦ - فحدَّثني محمد بن سعد، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني عمّي، قال: حدَّثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس، قال: حاصرهم رسولُ الله ﷺ يعني بني: النَّضير -خمسة عشر يومًا حتَّى بلغ منهم كلّ مبلغ، فأعطوْه ما أراد منهم، فصالحهم على أن يحقِن لهم دماءهم، وأن يُخرجهم من أرضهم وأوطانهم، ويسيّرهم إلى أذرِعات الشأم، وجعل لكلّ ثلاثة منهم بعيرًا وسِقَاءً (٢). (٥٥٣: ٢).
٢٠٧ - حدَّثنا ابنُ عبد الأعلى، قال: حدَّثنا محمد بن ثور عن معمَر، عن
стр. 2556
الزَّهريّ، قال: قاتلهم النبيّ ﷺ حتى صالحهم على الجلاء، فأجلاهم إلى الشأم، على أن لهم ما أقلَّت الإبلُ من شيء إلا الحلْقة- والحلْقة: السِّلاح (١) (٢: ٥٥٤).
٢٠٨ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر: أنَّه حدَّث أنَّهم استقلوا بالنِّساء والأبناء والأموال، معهم الدُّفوف والمزامير والقيان يعزِفْن خلفهم، وإنّ فيهم يومئذ لأمّ عمرو، صاحبة عُروة بن الورد العبسيّ؛ التي ابتاعوا منه، وكانت إحدى نساء بني غِفار بزهاء وفخْر، ما رُئيَ مثله من حيّ من الناس في زمانهم؛ وخلَّوا الأموال لرسول الله ﷺ ، فكانت لرسول الله ﷺ خاصة يضعها حيث يشاء فقسمها رسول الله ﷺ على المهاجرين الأولين دون الأنصار، إلَّا أن سهل بن حُنيف وأبا دُجانة سِمَاك بن خَرَشَةَ، ذكرا فقرًا فأعطاهما رسولُ الله ﷺ . ولم يسلم من بني النَّضير إلَّا رجلان: يامين بن عمير بن كعب ابن عمّ عمرو بن جِحاش، وأبو سعد بن وهب، أسلما على أموالهما فأحرزاها (٢). (٢: ٥٥٤/ ٥٥٥).
قال أبو جعفر: واستخلف رسولُ الله ﷺ إذ خرج لحرب بني النّضير - فيما قيل - ابنَ أمّ مكتوم، وكانت رايتُه يومئذ مع عليّ بن أبي طالب ﵇.
وفي هذه السنة ماتَ عبد الله بن عثْمان بن عفَّان، في جمادَى الأولى منها، وهو ابن ست سنين، وصلَّى عليه رسول الله ﷺ ، ونزل في حفرته عثمان بن عفان.
وفيها ولِد الحسين بن عليّ ﵇، لليالٍ خلوْن من شعبان (٣). (٢: ٥٥٥).
[غزوة ذَات الرقاع]
واختلف في التي كانت بعد غزوة النبيّ ﷺ بني النَّضير من غزواته، فقال
стр. 2557
ابن إسحاق في ذلك ما حدَّثنا ابنُ حُميد؛ قال: حدَّثنا سَلَمَة، قال: حدَّثنا محمد بن إسحاق، قال: ثم أقام رسولُ الله ﷺ بالمدينة بعد غزوة بني النَّضير شهْري ربيع، وبعض شهر جُمادى. ثمَّ غزا نجدًا -يريد بني محارب، وبني ثعلبة من غطفان- حتى نزل نخْلًا، وهي غزوةُ ذات الرّقاع؛ فلقيَ بها جمعًا من غَطَفان، فتقارب الناس، ولم يكن بينهُمْ حرب؛ وقد خاف النَّاس بعضُهم بعضًا، حتى صلَّى رسولُ الله ﷺ بالمسلمين صلاةَ الخوف، ثم انصرف بالمسلمين (١). (٢: ٥٥٥/ ٥٥٦).
وأما الواقديّ؛ فإنه زَعَم: أن غزوة رسولِ الله ﷺ ذات الرّقاع، كانت في المحرّم سنة خمس من الهجرة. قال: وإنما سُمِّيت ذاتَ الرّقاع؛ لأن الجبل الذي سُميت به ذات الرّقاع جبل به سواد وبياض وحمرة؛ فسمّيت الغزوة بذلك الجبل. قال: واستخلف رسول الله ﷺ في هذه الغَزْوة على المدينة عثمان بن عفان (٢). (٢: ٥٥٦).
٢٠٩ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق، قال: حدَّثني صدقة بن يَسار عن عَقِيل بن جابر، عن جابر بن عبد الله الأنصاريّ، قال: خرجنا مع رسولِ الله ﷺ في غزوة ذات الرِّقاع من نخْل، فأصاب رجل من المسلمين امرأة من المشركين، فلمَّا انصرفَ رسولُ الله ﷺ قافلًا أتى زوجُها وكان غائبًا، فلمَّا أخبر الخبر، حلَف ألَّا ينتهيَ حتى يُهريق في أصحاب محمَّد دمًا، فخرج يتبع أثر رسولِ الله ﷺ ، فنزل رسولُ الله ﷺ منزلًا، فقال: مَنْ رجل يكلؤنا ليلتنا هذه؟ فانتدب رجلٌ من المهاجرين ورجُلٌ من الأنصار، فقالا: نحنُ يا رسول الله، قال: فكونا بفم الشِّعب -وكان رسولُ الله ﷺ وأصحابُه قد نزلوا الشِّعب، من بطْن الوادي- فلمَّا خرج الرجلان إلى فم الشِّعب، قال الأنصاريّ للمهاجريّ؛ أي الليل تحبّ أن أكفيكه؟ أوّله أو آخره؟ قال: بل اكفني أوّله؛ فاضطجع المهاجريّ فنام، وقام الأنصاريّ يصلِّي، وأتى زوج المرأة، فلمَّا رأى شخص الرجل عرف أنه رَبِيئَة القوم، فرمى بسهم
стр. 2558
فوضعه فيه فنزعه، فوضعه وثبت قائمًا يصلِّي. ثم رماه بسهم آخر، فوضعه فيه، فنزعه، فوضعه وثبت قائمًا يصلِّي، ثم عاد له بالثالث فوضعه فيه، فنزعه فوضعه ثم ركع وسجد، ثم أهبَّ صاحبه، فقال: اجلس، فقد أتِيت.
قال: فوثب المهاجريّ، فلمَّا رآهما الرجل، عرف أنهم قد نَذِرُوا به؛ ولمَّا رأى المهاجريّ ما بالأنصاريّ من الدماء، قال: سبحان الله! أفلا أهبَبْتني أوّل ما رَمَاك! قال: كنتُ في سورة أقرؤها فلم أحبّ أن أقطعها حتى أنفدها؛ فلمَّا تتابع عليّ الرميّ ركِعتُ فآذنْتُك، وايم الله لولا أن أضيِّع ثغرًا أمرني رسول الله ﷺ بحفظِه لقَطَع نَفسِي قبل أن أقطعها أو أنفِدَها (١). (٢: ٥٥٩).
* * *
ذكر الخبر عن غزوة السويق
٢١٠ - وهي غزوة النبيّ ﷺ بَدْرًا الثانية لميعاد أبي سفيان.
حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سَلَمة، عن ابن إسحاق، قال: لما قَدِمَ رسولُ الله ﷺ المدينة من غزوَة ذات الرّقاع، أقام بها بقيَّة جمادى الأولى وجمادَى الآخرة ورجبَ، ثم خرج في شعبان إلى بدر لميعاد أبي سفيان حتى نزله، فأقام عليه ثمانيَ ليالٍ ينتظر أبا سُفيان، وخرج أبو سُفيان في أهل مكَّة، حتى نزل مَجَنَّة من ناحية مرّ الظهران -وبعض الناس يقول: قد قطع عُسفان- ثم بدا له الرجوع، فقال: يا معشرَ قريش! إنَّه لا يصلِحكم إلَّا عامٌ خِصْب ترعوْن فيه الشجر، وتشربون فيه اللَّبن؛ وإنَّ عامَكم هذا عام جَدْب؛ وإنّي راجع فارجعوا. فرجع ورجع الناس، فسمَّاهم أهل مكَّة جيش السَّويق. يقولون: إنَّما خرجتم تشربون السَّويق.
فأقام رسولُ الله ﷺ على بدر ينتظر أبا سفيان لميعاده، فأتاه مَخشيُّ بن عمرو الضَّمْريّ، وهو الذي وادعه علي بني ضمْرة في غزوة وَدَّان، فقال: يا محمد!
стр. 2559
أجئت للقاء قريش على هذا الماء؟ قال: نعم يا أخا بني ضَمْرة؛ وإن شئت مع ذلك رَدَدْنا إليك ما كان بيننا وبينك، ثم جالدناك، حتى يحكم الله بيننا وبينك. فقال: لا والله يا محمَّد، ما لنا بذلك منك من حاجة، وأقام رسولُ الله ﷺ ينتظر أبا سفيان؛ فمرّ به مَعْبَدُ بن أبي معبَد الخُزاعيّ، وقد رأى مكان رسولِ الله ﷺ وناقته تهوْيِ به فقال:
قد نَفَرَتْ من رُفقَتَي مَحمَّدِ ... وعَجوَةٍ من يَثْرِبٍ كالعُنْجُدِ
تَهْوي على دِينِ أبيها الأتْلَدِ ... قد جَعَلَتْ ماءَ قُدَيد مَوْعِدِي
وماءَ ضَجْنان لها ضُحَى الْغَدِ (١)
(٢: ٥٦٠/ ٥٦١).
٢١١ - وأما الواقديّ؛ فإنه ذكر: أن رسول الله ﷺ نَدَبَ أصحابَه لغزوة بدْر لموعد أبي سفيان الذي كان وعده الالتقاء فيه يوم أُحد رأس الحوْل للقتال في ذي القعدة. قال: وكان نُعَيم بن مسعود الأشْجَعيّ قد اعتمر، فقدم على قريش، فقالوا: يا نُعيم! من أين كان وجهك؟ قال: مِنْ يثرب، قال: وهل رأيتَ لمحمد حركة؟ قال: تركته على تعبئة لغزوكم، -وذلك قبل أن يسلم نعيم- قال: فقال له أبو سفيان: يا نُعيم! إنَّ هذا عام جَدْبٌ، ولا يصلحنا إلَّا عامٌ ترعى فيه الإبل الشجر، ونشرب فيه اللبن، وقد جاء أوان موعد محمَّد، فالحق بالمدينة فثَبِّطْهم وأعلمهم أنَّا في جمع كثير، ولا طاقة لهم بنا؛ فيأتي الخُلْف منهم أحبّ إليّ من أن يأتيَ من قبلنا، ولك عشر فرائض أضعها لك في يد سُهيل بن عمرو يضمنُها. فجاء سهيل بن عمرو إليهم، فقال نعيم لسهيل: يا أبا يزيد! أتضمن هذه الفرائض وأنطلق إلى محمد فأثبِّطَه؟ فقال: نعم، فخرج نُعَيم حتى قدم المدينة، فوجد الناس يتجهَّزون، فتدسَّس لهم، وقال: ليس هذا برأي، ألم يُجرح محمد في نفسه! ألم يقتل أصحابه! قال: فثبَّط الناس؛ حتى بلغ رسولَ الله ﷺ فتكلَّم، فقال: والَّذي نفسي بيده، لو لم يخرج معي أحد لخرجت وحدِي.
ثم أنهجَ الله للمسلمين بصائرهم؛ فخرجوا بتجارات، فأصابوا الدِّرهم درهمين؛ ولم يلقوْا عدُوًّا؛ وهي بَدْر الموعد؛ وكانت موضع سوق لهم
стр. 2560
في الجاهلية، يجتمعون إليها في كلّ عام ثمانية أيام.
قال أبو جعفر: واستخلف رسول الله ﷺ على المدينة عبد الله بن رَوَاحة (١). (٢: ٥٦٠/ ٥٦١).
قال الواقديّ: وفي هذه السنة تزوَّج رسولُ الله ﷺ أمّ سَلَمة بنت أبي أميَّة في شوّال؛ ودخل بها.
قال: وفيها أمَر رسولُ الله ﷺ زيد بن ثابت أن يتعلَّم كتاب يهود؛ وقال: إنّي لا آمن أن يبدّلوا كتابي.
ووليَ الحجَّ في هذه السنة المشركون (٢). (٢: ٥٦١).
ثم كانت السنة الخامسة من الهجرة
٢١٢ - ففي هذه السنة تزوّج رسولُ الله ﷺ زينبَ بنت جحش. حُدّثت عن محمَّد بن عمر، قال: حدَّثني عبد الله بن عامر الأسلميّ عن محمَّد بن يحيى بن حَبَّان، قال: جاء رسولُ الله ﷺ بيتَ زيد بن حارثة، وكان زيد إنَّما يقال له زيد بن محمد، ربَّما فقده رسولُ الله ﷺ الساعة، فيقول: أين زيد؟ فجاء منزله يطلبه فلم يجده، وقامت إليه زينب بنت جحش زوجته فُضُلًا؛ فأعرض عنها رسول الله ﷺ ، فقالت: ليس هو ها هنا يا رسولَ الله! فادخل بأبي أنت وأمّي! فأبى رسولُ الله ﷺ أن يدخل؛ وإنّما عجِلت زينب أن تلبس إذْ قيل لها: رسولُ الله ﷺ على الباب، فوثبت عجِلة، فأعجبت رسول الله ﷺ ، فولَّى وهو يهمهم بشيء لا يكادُ يفهم؛ إلَّا أنه أعلن: سبحان الله العظيم! سبحان الله مُصَرّف القلوب! قال: فجاء زيد إلى منزله، فأخبرته امرأته: أن رسولَ الله ﷺ أتى منزله، فقال زيد: ألا قلتِ له: ادخل فقالت: قد عرضتُ عليه ذلك فأبى، قال: فسمعته يقول شيئًا؟ قالت: سمعتُه يقول حين ولَّى: سبحان الله العظيم، سبحان الله مصرّف القلوب! فخرج زيدٌ حتى أتى رسولَ الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله؛ بلغني أنك جئت منزلي؛ فهلَّا دخلت بأبي أنت وأميّ يا رسول الله! لعل زينب أعجبتْك فأفارقها فقال رسولُ الله ﷺ : أمسِكْ عليك زوجَك، فما استطاع زيد إليها سبيلًا