الزَّهريّ، قال: قاتلهم النبيّ ﷺ حتى صالحهم على الجلاء، فأجلاهم إلى الشأم، على أن لهم ما أقلَّت الإبلُ من شيء إلا الحلْقة- والحلْقة: السِّلاح (١) (٢: ٥٥٤).
٢٠٨ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر: أنَّه حدَّث أنَّهم استقلوا بالنِّساء والأبناء والأموال، معهم الدُّفوف والمزامير والقيان يعزِفْن خلفهم، وإنّ فيهم يومئذ لأمّ عمرو، صاحبة عُروة بن الورد العبسيّ؛ التي ابتاعوا منه، وكانت إحدى نساء بني غِفار بزهاء وفخْر، ما رُئيَ مثله من حيّ من الناس في زمانهم؛ وخلَّوا الأموال لرسول الله ﷺ ، فكانت لرسول الله ﷺ خاصة يضعها حيث يشاء فقسمها رسول الله ﷺ على المهاجرين الأولين دون الأنصار، إلَّا أن سهل بن حُنيف وأبا دُجانة سِمَاك بن خَرَشَةَ، ذكرا فقرًا فأعطاهما رسولُ الله ﷺ . ولم يسلم من بني النَّضير إلَّا رجلان: يامين بن عمير بن كعب ابن عمّ عمرو بن جِحاش، وأبو سعد بن وهب، أسلما على أموالهما فأحرزاها (٢). (٢: ٥٥٤/ ٥٥٥).
قال أبو جعفر: واستخلف رسولُ الله ﷺ إذ خرج لحرب بني النّضير - فيما قيل - ابنَ أمّ مكتوم، وكانت رايتُه يومئذ مع عليّ بن أبي طالب ﵇.
وفي هذه السنة ماتَ عبد الله بن عثْمان بن عفَّان، في جمادَى الأولى منها، وهو ابن ست سنين، وصلَّى عليه رسول الله ﷺ ، ونزل في حفرته عثمان بن عفان.
وفيها ولِد الحسين بن عليّ ﵇، لليالٍ خلوْن من شعبان (٣). (٢: ٥٥٥).
[غزوة ذَات الرقاع]
واختلف في التي كانت بعد غزوة النبيّ ﷺ بني النَّضير من غزواته، فقال
стр. 2557
ابن إسحاق في ذلك ما حدَّثنا ابنُ حُميد؛ قال: حدَّثنا سَلَمَة، قال: حدَّثنا محمد بن إسحاق، قال: ثم أقام رسولُ الله ﷺ بالمدينة بعد غزوة بني النَّضير شهْري ربيع، وبعض شهر جُمادى. ثمَّ غزا نجدًا -يريد بني محارب، وبني ثعلبة من غطفان- حتى نزل نخْلًا، وهي غزوةُ ذات الرّقاع؛ فلقيَ بها جمعًا من غَطَفان، فتقارب الناس، ولم يكن بينهُمْ حرب؛ وقد خاف النَّاس بعضُهم بعضًا، حتى صلَّى رسولُ الله ﷺ بالمسلمين صلاةَ الخوف، ثم انصرف بالمسلمين (١). (٢: ٥٥٥/ ٥٥٦).
وأما الواقديّ؛ فإنه زَعَم: أن غزوة رسولِ الله ﷺ ذات الرّقاع، كانت في المحرّم سنة خمس من الهجرة. قال: وإنما سُمِّيت ذاتَ الرّقاع؛ لأن الجبل الذي سُميت به ذات الرّقاع جبل به سواد وبياض وحمرة؛ فسمّيت الغزوة بذلك الجبل. قال: واستخلف رسول الله ﷺ في هذه الغَزْوة على المدينة عثمان بن عفان (٢). (٢: ٥٥٦).
٢٠٩ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق، قال: حدَّثني صدقة بن يَسار عن عَقِيل بن جابر، عن جابر بن عبد الله الأنصاريّ، قال: خرجنا مع رسولِ الله ﷺ في غزوة ذات الرِّقاع من نخْل، فأصاب رجل من المسلمين امرأة من المشركين، فلمَّا انصرفَ رسولُ الله ﷺ قافلًا أتى زوجُها وكان غائبًا، فلمَّا أخبر الخبر، حلَف ألَّا ينتهيَ حتى يُهريق في أصحاب محمَّد دمًا، فخرج يتبع أثر رسولِ الله ﷺ ، فنزل رسولُ الله ﷺ منزلًا، فقال: مَنْ رجل يكلؤنا ليلتنا هذه؟ فانتدب رجلٌ من المهاجرين ورجُلٌ من الأنصار، فقالا: نحنُ يا رسول الله، قال: فكونا بفم الشِّعب -وكان رسولُ الله ﷺ وأصحابُه قد نزلوا الشِّعب، من بطْن الوادي- فلمَّا خرج الرجلان إلى فم الشِّعب، قال الأنصاريّ للمهاجريّ؛ أي الليل تحبّ أن أكفيكه؟ أوّله أو آخره؟ قال: بل اكفني أوّله؛ فاضطجع المهاجريّ فنام، وقام الأنصاريّ يصلِّي، وأتى زوج المرأة، فلمَّا رأى شخص الرجل عرف أنه رَبِيئَة القوم، فرمى بسهم
стр. 2558
فوضعه فيه فنزعه، فوضعه وثبت قائمًا يصلِّي. ثم رماه بسهم آخر، فوضعه فيه، فنزعه، فوضعه وثبت قائمًا يصلِّي، ثم عاد له بالثالث فوضعه فيه، فنزعه فوضعه ثم ركع وسجد، ثم أهبَّ صاحبه، فقال: اجلس، فقد أتِيت.
قال: فوثب المهاجريّ، فلمَّا رآهما الرجل، عرف أنهم قد نَذِرُوا به؛ ولمَّا رأى المهاجريّ ما بالأنصاريّ من الدماء، قال: سبحان الله! أفلا أهبَبْتني أوّل ما رَمَاك! قال: كنتُ في سورة أقرؤها فلم أحبّ أن أقطعها حتى أنفدها؛ فلمَّا تتابع عليّ الرميّ ركِعتُ فآذنْتُك، وايم الله لولا أن أضيِّع ثغرًا أمرني رسول الله ﷺ بحفظِه لقَطَع نَفسِي قبل أن أقطعها أو أنفِدَها (١). (٢: ٥٥٩).
* * *
ذكر الخبر عن غزوة السويق
٢١٠ - وهي غزوة النبيّ ﷺ بَدْرًا الثانية لميعاد أبي سفيان.
حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سَلَمة، عن ابن إسحاق، قال: لما قَدِمَ رسولُ الله ﷺ المدينة من غزوَة ذات الرّقاع، أقام بها بقيَّة جمادى الأولى وجمادَى الآخرة ورجبَ، ثم خرج في شعبان إلى بدر لميعاد أبي سفيان حتى نزله، فأقام عليه ثمانيَ ليالٍ ينتظر أبا سُفيان، وخرج أبو سُفيان في أهل مكَّة، حتى نزل مَجَنَّة من ناحية مرّ الظهران -وبعض الناس يقول: قد قطع عُسفان- ثم بدا له الرجوع، فقال: يا معشرَ قريش! إنَّه لا يصلِحكم إلَّا عامٌ خِصْب ترعوْن فيه الشجر، وتشربون فيه اللَّبن؛ وإنَّ عامَكم هذا عام جَدْب؛ وإنّي راجع فارجعوا. فرجع ورجع الناس، فسمَّاهم أهل مكَّة جيش السَّويق. يقولون: إنَّما خرجتم تشربون السَّويق.
فأقام رسولُ الله ﷺ على بدر ينتظر أبا سفيان لميعاده، فأتاه مَخشيُّ بن عمرو الضَّمْريّ، وهو الذي وادعه علي بني ضمْرة في غزوة وَدَّان، فقال: يا محمد!
стр. 2559
أجئت للقاء قريش على هذا الماء؟ قال: نعم يا أخا بني ضَمْرة؛ وإن شئت مع ذلك رَدَدْنا إليك ما كان بيننا وبينك، ثم جالدناك، حتى يحكم الله بيننا وبينك. فقال: لا والله يا محمَّد، ما لنا بذلك منك من حاجة، وأقام رسولُ الله ﷺ ينتظر أبا سفيان؛ فمرّ به مَعْبَدُ بن أبي معبَد الخُزاعيّ، وقد رأى مكان رسولِ الله ﷺ وناقته تهوْيِ به فقال:
قد نَفَرَتْ من رُفقَتَي مَحمَّدِ ... وعَجوَةٍ من يَثْرِبٍ كالعُنْجُدِ
تَهْوي على دِينِ أبيها الأتْلَدِ ... قد جَعَلَتْ ماءَ قُدَيد مَوْعِدِي
وماءَ ضَجْنان لها ضُحَى الْغَدِ (١)
(٢: ٥٦٠/ ٥٦١).
٢١١ - وأما الواقديّ؛ فإنه ذكر: أن رسول الله ﷺ نَدَبَ أصحابَه لغزوة بدْر لموعد أبي سفيان الذي كان وعده الالتقاء فيه يوم أُحد رأس الحوْل للقتال في ذي القعدة. قال: وكان نُعَيم بن مسعود الأشْجَعيّ قد اعتمر، فقدم على قريش، فقالوا: يا نُعيم! من أين كان وجهك؟ قال: مِنْ يثرب، قال: وهل رأيتَ لمحمد حركة؟ قال: تركته على تعبئة لغزوكم، -وذلك قبل أن يسلم نعيم- قال: فقال له أبو سفيان: يا نُعيم! إنَّ هذا عام جَدْبٌ، ولا يصلحنا إلَّا عامٌ ترعى فيه الإبل الشجر، ونشرب فيه اللبن، وقد جاء أوان موعد محمَّد، فالحق بالمدينة فثَبِّطْهم وأعلمهم أنَّا في جمع كثير، ولا طاقة لهم بنا؛ فيأتي الخُلْف منهم أحبّ إليّ من أن يأتيَ من قبلنا، ولك عشر فرائض أضعها لك في يد سُهيل بن عمرو يضمنُها. فجاء سهيل بن عمرو إليهم، فقال نعيم لسهيل: يا أبا يزيد! أتضمن هذه الفرائض وأنطلق إلى محمد فأثبِّطَه؟ فقال: نعم، فخرج نُعَيم حتى قدم المدينة، فوجد الناس يتجهَّزون، فتدسَّس لهم، وقال: ليس هذا برأي، ألم يُجرح محمد في نفسه! ألم يقتل أصحابه! قال: فثبَّط الناس؛ حتى بلغ رسولَ الله ﷺ فتكلَّم، فقال: والَّذي نفسي بيده، لو لم يخرج معي أحد لخرجت وحدِي.
ثم أنهجَ الله للمسلمين بصائرهم؛ فخرجوا بتجارات، فأصابوا الدِّرهم درهمين؛ ولم يلقوْا عدُوًّا؛ وهي بَدْر الموعد؛ وكانت موضع سوق لهم
стр. 2560
في الجاهلية، يجتمعون إليها في كلّ عام ثمانية أيام.
قال أبو جعفر: واستخلف رسول الله ﷺ على المدينة عبد الله بن رَوَاحة (١). (٢: ٥٦٠/ ٥٦١).
قال الواقديّ: وفي هذه السنة تزوَّج رسولُ الله ﷺ أمّ سَلَمة بنت أبي أميَّة في شوّال؛ ودخل بها.
قال: وفيها أمَر رسولُ الله ﷺ زيد بن ثابت أن يتعلَّم كتاب يهود؛ وقال: إنّي لا آمن أن يبدّلوا كتابي.
ووليَ الحجَّ في هذه السنة المشركون (٢). (٢: ٥٦١).
ثم كانت السنة الخامسة من الهجرة
٢١٢ - ففي هذه السنة تزوّج رسولُ الله ﷺ زينبَ بنت جحش. حُدّثت عن محمَّد بن عمر، قال: حدَّثني عبد الله بن عامر الأسلميّ عن محمَّد بن يحيى بن حَبَّان، قال: جاء رسولُ الله ﷺ بيتَ زيد بن حارثة، وكان زيد إنَّما يقال له زيد بن محمد، ربَّما فقده رسولُ الله ﷺ الساعة، فيقول: أين زيد؟ فجاء منزله يطلبه فلم يجده، وقامت إليه زينب بنت جحش زوجته فُضُلًا؛ فأعرض عنها رسول الله ﷺ ، فقالت: ليس هو ها هنا يا رسولَ الله! فادخل بأبي أنت وأمّي! فأبى رسولُ الله ﷺ أن يدخل؛ وإنّما عجِلت زينب أن تلبس إذْ قيل لها: رسولُ الله ﷺ على الباب، فوثبت عجِلة، فأعجبت رسول الله ﷺ ، فولَّى وهو يهمهم بشيء لا يكادُ يفهم؛ إلَّا أنه أعلن: سبحان الله العظيم! سبحان الله مُصَرّف القلوب! قال: فجاء زيد إلى منزله، فأخبرته امرأته: أن رسولَ الله ﷺ أتى منزله، فقال زيد: ألا قلتِ له: ادخل فقالت: قد عرضتُ عليه ذلك فأبى، قال: فسمعته يقول شيئًا؟ قالت: سمعتُه يقول حين ولَّى: سبحان الله العظيم، سبحان الله مصرّف القلوب! فخرج زيدٌ حتى أتى رسولَ الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله؛ بلغني أنك جئت منزلي؛ فهلَّا دخلت بأبي أنت وأميّ يا رسول الله! لعل زينب أعجبتْك فأفارقها فقال رسولُ الله ﷺ : أمسِكْ عليك زوجَك، فما استطاع زيد إليها سبيلًا
стр. 2561
بعد ذلك اليوم؛ فكان يأتي رسولَ الله ﷺ فيخبره، فيقول له رسولُ الله ﷺ : أمسِكْ عليك زوجَك؛ ففارقها زيد واعتزلها وحلَّت.
فبينا رسول الله ﷺ يتحدَّث مع عائشة؛ إذ أخذت رسول الله ﷺ غَشْيَة، فسُرّي عنه وهو يتبسَّمُ ويقول: مَنْ يذهب إلى زينب يبشِّرها، يقول: إنَّ الله زوَّجَنِيها؟ وتلا رسول الله ﷺ : ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيهِ أَمْسِكْ عَلَيكَ زَوْجَكَ﴾ القصّة كلّها.
قالت عائشة: فأخذني ما قرُبَ وما بَعُدَ لما يبلغنا من جمالها؛ وأخرى هي أعظمُ الأمور وأشرفها، ما صنع الله لها؛ زَوَّجَها! فقلت: تَفخَرُ علينا بهذا.
قالت عائشة: فخرجت سَلْمَى خادم رسول الله ﷺ تخبرها بذلك، فأعطتْها أوضاحًا عليها (١). (٢: ٥٦٢/ ٥٦٣).
٢١٣ - حدَّثني يونسُ بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابنُ وهب، قال: قال ابنُ زيد: كان النبيّ ﷺ قد زوّج زيد بن حارثة زينبَ بنت جحش ابنة عمَّته، فخرج رسولُ الله ﷺ يومًا يريده، وعلى الباب سِتْرٌ من شعر؛ فرفعت الريح الستر فانكشف وهي في حُجْرتها حاسرة، فوقع إعجابُها في قلب النبيّ ﷺ ، فلمَّا وقع ذلك كُرّهَتْ إلى الآخر، قال: فجاء فقال: يا رسول الله، إني أريد أن أفارق صاحبتي، فقال: ما لك! أرابَكَ منها شيء! فقال: لا والله يا رسول الله، ما رابني منها شيء، ولا رأيت إلا خيرًا. فقال له رسولُ الله ﷺ : أمسك عليك زوْجَك واتقِ الله؛ فذلك قوله الله : ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيهِ أَمْسِكْ عَلَيكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾، تخفي في نفسك إنْ فارقَها تزوجتَها (٢). (٢: ٥٦٣/ ٥٦٤).
* * *
стр. 2562
[غزوة دومة الجندل]
قال الواقديّ: وفيها غزَا دَوْمة الجنْدل في شهر ربيع الأول، وكان سببُها: أن رسول الله ﷺ بلغه أن جمعًا تجمَّعوا بها ودنوْا من أطرافه. فغزاهم رسول الله ﷺ ؛ حتى بلغ دَوْمة الجندل، ولم يلقَ كيدًا، وخلَّف على المدينة سباع بن عُرْفَطَة الغِفاريّ (١). (٢: ٥٦٤).
قال أبو جعفر: وفيها وادَعَ رسولُ الله ﷺ عُيَينَةَ بن حِصْن أن يرعى بتَغْلَمَين وما والاها (٢). (٢: ٥٦٤).
٢١٤ - قال محمد بن عمر -فيما حدَّثني إبراهيم بن جعفر، عن أبيه-: وذلك أن بلاد عُيَينَةَ أجدبت، فوادع رسولُ الله ﷺ أن يرعى بتغلمين إلى المَرَاض؛ وكان ما هنالك قد أخصب بسحابة وقعت، فوادعه رسول الله ﷺ أن يرعى فيما هنالك (٣) (٥٦٤: ٢).
قال الواقديّ: وفيها تُوفيتْ أم سعد بن عبادة وسعد غائبٌ مع رسولِ الله ﷺ إلى دومة الجندل (٤). (٢: ٥٦٤).
٢١٥ - فحدثت عن محمد بن عمر، قال: كان الذي أشار على رسول الله ﷺ بالخندق سَلْمان، وكان أوّل مشهد شهِده سلْمان مع رسول الله ﷺ ؛ وهو يومئذ حرّ، وقال: يا رسولَ الله؛ إنا كنَّا بفارس إذا حوصرنا خَنْدَقْنا علينَا (٥). (٢: ٥٦٦).
٢١٦ - رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق: فعَمِل رسولُ الله ﷺ ترغيبًا
стр. 2563
للمسلمين في الأجر، وعمل فيه المسلمون: فدأب فيه ودأبوا، وأبطأ عَن رسولِ الله ﷺ وعن المسلمين في عملهم رجالٌ من المنافقين، وجعلوا يُوَرُّون بالضَّعْف من العمل، ويتسلَّلون إلى أهاليهم بغير علْم من رسولِ الله ﷺ ، ولا إذن. وجعل الرَّجُل من المسلمين إذا نابتْه نائبة من الحاجة التي لا بدَّ منها يذكر ذلك لرسول الله ﷺ ويستأذنه في اللحوق بحاجته؛ فيأذن له؛ فإذا قضى حاجتَه رجع إلى ما كان فيه من عمله رغبةً في الخير، واحتسابًا له؛ فأنزل الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ إلى قوله: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فنزلت هذه الآية في كلّ من كان من أهل الحِسْبَة من المؤمنين والرغبة في الخير؛ والطاعة لله ولرسوله ﷺ . ثم قال يعني المنافقين الذين كانوا يتسلَّلون من العمل، ويذهبون بغير إذْن رسولِ الله ﷺ : ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَينَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ إلى قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيهِ﴾، أي: قد علم ما أنتم عليه من صدق أو كَذِب، وعمل المسلمون فيه حتى أحكموه؛ وارتجزوا فيه برَجُل من المسلمين يقال له: جُعَيل، فسمَّاه رسول الله ﷺ "عَمْرًا"، فقالوا:
سَمَّاهُ مِنْ بعدِ جُعَيلٍ عَمْرَا ... وكانَ للْبَائِس يَومًا ظَهْرَا
فإذا مرّوا بعمرو، قال رسولُ الله ﷺ : "عمرا"، وإذا قالوا: "ظهرا"، قال رسول الله ﷺ : "ظهْرا" (١).
٢١٧ - فحدَّثنا محمد بن بشار، قال: حدَّثنا محمد بن خالد بن عَثْمَة، قال: حدَّثنا كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزنيّ، قال: حدَّثني أبي، عن أبيه، قال: خط رسولُ الله ﷺ الخَنْدق عامَ الأحزاب من أجُم الشَّيخَين طرف بني حارثة؛ حتى بلغ المذاد ثم قطَّعه أربعين ذراعًا بين كلِّ عشرة، فاحْتقّ المهاجرون والأنصار في سلْمان الفارسيّ -وكان رجلًا قوتًا- فقالت الأنصار: سلْمان منَّا، وقالت المهاجرون: سلْمان منَّا، فقال رسول الله ﷺ : سلْمان منَّا أهلَ البيت. قال عمرو بن عوف: فكنتُ أنا وسلْمان، وحُذَيفة بن اليمان، والنعمان بن مقرِّن المزنيّ، وستة من الأنصار في أربعين ذراعًا، فحفرنا تحت ذو باب حتى بلغنا
стр. 2564
النَّدى، فأخرج الله من بطن الخندق صخرةً بيضاء مَرْوَةً فكسرت حديدَنا، وشقَّت علينا. فقلنا: يا سلْمان! ارقَ إلى رسول الله ﷺ فأخبره خبرَ هذه الصخرة، فإمَّا أن نعدِل عنها فإنَّ المعدل قريب، وإمَّا أن يأمرنا فيها بأمره؛ فإنا لا نحب أن نجاوزَ خطَّه.
فَرَقَى سلمان حتى أتى رسول الله ﷺ وهو ضاربٌ عليه قُبَّة تُرْكيَّة، فقال: يا رسول الله! بأبينا أنت وأمِّنا! خرجتْ صخرة بيضاء من الخندق مَرْوة، فكسرتْ حديدَنا، وشقَّت علينا حتى ما نُحِيك فيها قليلًا ولا كثيرًا؛ فمُرْنا فيها بأمرك؛ فإنا لا نحبَّ أن نجاوزَ خطَّك. فهبط رسول الله ﷺ مع سلْمان في الخندق، ورقينا نحن التِّسعةَ على شقَّة الخندق، فأخذ رسول الله ﷺ المِعْول من سلمان، فضرب الصَّخرة ضَرْبةً صدَعها، وبرقت منها بَرْقة أضاء ما بين لابتَيها -يعني: لابتي المدينة- حتَّى لكأن مصباحًا في جوف بيت مظلم. فكبَّر رسول الله ﷺ تكبير فتح، وكبَّر المسلمون. ثم ضربها رسول الله ﷺ الثانية، فصدَعها وبرق منها برقة أضاء منها ما بين لابتيها، حتَّى لكأنَ مصباحًا في جوف بيت مظلم؛ فكبَّر رسول الله ﷺ تكبيرَ فتح وكبّر المسلمون. ثم ضربها رسولُ الله ﷺ الثالثة فكسرها، وبرقَ منها برقة أضاء ما بين لابتيها؛ حتى لكأن مصباحًا في جوف بيت مظلم، فكبَّر رسول الله ﷺ تكبيرَ فتح وكبَّر المسلمون، ثم أخذ بيد سلمان فرقِيَ، فقال سلمان: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! لقد رأيت شيئًا ما رأيته قطّ! فالتفت رسول الله ﷺ إلى القوم، فقال: هل رأيتُم ما يقول سلْمان؟ قالوا: نعم يا رسول الله، بأبينا أنت وأمِّنا! قد رأيناك تضرب فيخرج برق كالموْج، فرأيناك تكبِّر فنكبّر، ولا نرى شيئًا غير ذلك. قال: صدقتم، ضربت ضربتي الأولى، فبرق الذي رأيتم، أضاءت لي منها قصور الحِيرة ومدائن كسرى، كأنَّها أنياب الكلاب، فأخبرني جبريلُ: أنّ أمتي ظاهرة عليها، ثم ضربتُ ضربتي الثانية، فبرق الذي رأيتُم، أضاءت لي منها قصور الحُيرة ومدائن كسرى، كأنَّها أنياب الكلاب، فأخبرني جبريلُ: أن أمَّتي ظاهرة عليها، ثم ضربتُ ضربتي الثالثة، فبرق الَّذي رأيتُم؛ أضاءت لي منها قصور الحُمْر من أرض الرُّوم، كأنها أنياب الكلاب، فأخبرني جبريل: أن أمتي ظاهرة عليها، فأبشروا! يبلغهم النَّصر، وأبشروا! يبلغهم النصر، وأبشروا! يبلغهم النصر! فاستبشر المسلمون، وقالوا: الحمدُ لله
стр. 2565
موعد صادق بارّ، وعدنا النصر بعد الحصر فطلعت الأحزاب، فقال المؤمنون: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إلا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾.
وقال المنافقون: ألا تعجبون! يحدّثكم ويُمَنّيكم ويَعِدُكم الباطل! يخبركم أنه يبصر من يثرب قصورَ الحيرة ومدائن كسرى؛ وأنها تُفتح لكم؛ وأنتم تحفرون الخندق ولا تستطيعون أن تبرؤوا! وأنزل القرآن: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إلا غُرُورًا﴾ (١). (٢: ٥٦٧/ ٥٦٨ / ٥٦٩/ ٥٧٠).
٢١٨ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدَّثنا محمد بن إسحاق عمّن لا يتَّهم عن أبي هريرة: أنه كان يقول حين فتحت هذه الأمصار في زمن عمر وعثمان وما بعده: افتتحوا ما بدا لكم، فو الَّذي نفس أبي هريرة بيده! ما افتتحتم من مدينة ولا تفتتحونها إلى يوم القيامة إلَّا وقد أعطِيَ محمَّد مفاتيحَها قبل ذلك (٢). (٢: ٥٧٠).
٢١٩ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمَة عن ابن إسحاق قال: كان أهلُ الخندق ثلاثة آلاف. قال: ولمَّا فرغ رسولُ الله ﷺ من الخندق، أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة بين الجُرُف والغابة، في عشرة آلاف من أحابيشهم، ومَنْ تابعهم من كنانة وأهل تهامة، وأقبلت غَطَفان ومَنْ تابعهم من أهل نجْدٍ؛ حتى نزلوا بذَنب نَقَمَى إلى جانب أُحُد.
وخرج رسول الله ﷺ والمسلمون؛ حتى جعلوا ظهورهم إلى سَلْع، في ثلاثة آلاف من المسلمين، فضرب هنالك عسكره، وأمر بالذراريّ والنساء، فرفعوا في الآطام وخرج عَدُوُّ الله حُيَيُّ بن أخطب؛ حتى أتى كعب بن أسد القُرظيّ صاحب عَقْد بني قُرَيظة وعهدهم؛ وكان قد وادَع رسولَ الله ﷺ على قومِه، وعاهده على ذلك وعاقده؛ فلمّا سمع كعب بحُييّ بن أخطب، أغْلَقَ دونه حِصنه فاستأذن عليه فأبى أن يفتح له، فناداه حيَيٌّ: يا كعب، افتح لي، قال: ويحك
стр. 2566
يا حيَيّ! إنك امرؤٌ مشؤوم، إني قد عاهدت محمدًا فلست بناقض ما بيني وبينه، ولم أر منه إلَّا وفاءً وصدقًا. قال: ويحك! افتح لي أكلّمك، قال: ما أنا بفاعل؛ قال: والله إن أغلقتَ دوني إلَّا على جَشيشتك أن آكل معك منها؛ فأحفَظ الرجل، ففتح له، فقال: ويحك يا كعب جئتك بعزّ الدَّهر وببَحْرٍ طامٍ، جئتك بقريش على قادتها وسادتها حتى أنزِلتهم بمجتمع الأسيال من رومة، وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بذنَب نَقَمَى إلى جانب أحُد؛ قد عاهدوني وعاقدوني ألَّا يبوحوا حتى يستأصِلوا محمدًا ومَنْ معه. فقال له كعب بن أسَد: جئتني والله بذلّ الدهر بجَهَام قد هراق ماءَه يرعِد ويُبرق، لسِي فيه شيء! ويحك فدعني ومحمدًا وما أنا عليه؛ فلم أرَ من محمدٍ إلا صدقًا ووفاءً! فلم يزلْ حُيَيّ بكعب يَفْتِله في الذّرْوة والغارب؛ حتى سَمَح له على أن أعطاه عهدًا من الله وميثاقًا: لئن رجعت قريش وغَطفان ولم يصيبوا محمدًا أن أدخل معك في حِصْنك حتى يصيبَني ما أصابك. فنقض كعب بن أسد عهدَه، وبرئ ممَّا كان عليه فيما بينه وبين رسول الله ﷺ .
فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ الخبر وإلى المسلمين، بعث رسولُ الله ﷺ سعد بن مُعاذ بن النعمان بن امرئ القيس أحد بني عبد الأشهل -وهو يومئذ سيِّد الأوس- وسعد بن عبادة بن دُلَيم، أحد بني ساعدة بن كعب بن الخزرج -وهو يومئذ سيِّد الخزْرج- ومعهما عبدُ الله بن رَواحة أخو بلْحارث بن الخزرج، وخَوَّات بن جُبَير، أخو بني عمرو بن عوف؛ فقال: انْطلِقُوا حتى تنظروا: أحقّ ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا؟ فإن كان حقًّا فالحنوا لي لَحْنًا نعرفه، ولا تَفُتُّوا في أعضاد الناس، وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به للناس.
فخرجوا حتى أتوْهم فوجدوهم على أخبث ما بلَغهم عنهم، ونالوا من رسول الله ﷺ ، وقالوا: لا عَقْد بيننا وبين محمَّد ولا عهد. فشاتَمهم سعد بن عبادة وشاتَمُوه، وكان رجلًا فيه حَدّ، فقال له سعد بن مُعاذ: دَعْ عنك مشاتَمتهم؛ فما بيننا وبينهم أرْبَى من المشاتمة. ثم أقبل سعد وسعد ومَنْ معهما إلى رسول الله ﷺ فسلَّموا عليه، ثم قالوا: عَضل والقَارة، [أي]: كغدر عَضَل والقارة بأصحاب رسول الله ﷺ أصحاب الرَّجيع؛ خُبَيب بن عَدِيّ وأصحابه. فقال رسولُ الله ﷺ : الله أكبر! أبشروا يا معشرَ المسلمين! وعَظُمَ عند ذلك
стр. 2567
البلاء، واشتدَّ الخوف، وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم حتَّى ظنّ المؤمنونَ كلّ ظنّ، ونَجَمَ النِّفاق من بعض المنافقين، حتى قال مُعَتِّبُ بن قُشَير، أخو بني عمرو بن عوف: كان محمدٌ يعِدُنا أن نأكلَ كنوزَ كسرى وقيصر؛ وأحدنا لا يقدِرُ أن يذهب إلى الغائط! وحتى قال أوس بن قيظيّ، أحد بني حارثة بن الحارث: يا رسول الله! إن بيوتَنا لعوْرَة من العدوّ -وذلك عن ملأ من رجال قومه- فَائْذن لنا فلنرجع إلى دارنا؛ فإنَّها خارجة من المدينة.
فأقام رسولُ الله ﷺ ، وأقام المشركون عليه بضعًا وعشرين ليلة، قريبًا من شهر؛ ولم يكن بين القوم حَرْب إلَّا الرَّمي بالنَّبْل والحصار (١). (٢: ٥٧٠/ ٥٧١ / ٥٧٢).
٢٢٠ - فأقام رسولُ الله ﷺ والمسلمون وعدوّهم محاصروهم؛ لم يكن بينهم قتال إلَّا أن فوارس من قريش منهم عمرو بن عبد ودّ بن أبي قيس، أخو بني عامر بن لُؤيّ، وعِكْرمة بن أبي جهل، وهُبَيرة بن أبي وهب المخزوميَّان، ونوْفَل بن عبد الله، وضِرار بن الخطَّاب بن مرداس أخو بني محارب بن فِهْر؛ قد تلبَّسوا للقتال، وخرجوا على خيلهم، ومرّوا علي بني كِنانة، فقالوا: تهيَّؤوا يا بني كنانة للحرب؛ فستعلمون اليوم من الفرسان! ثم أقبلوا نحو الخندق؛ حتى وقفوا عليه، فلمَّا رأوه قالوا: والله إنَّ هذه لمكيدةٌ ما كانت العرب تكيدها؛ ثم تيمَّموا مكانًا من الخندق ضيقًا، فضربوا خيولَهم، فاقتحمتِ منه؛ فجالت بهم في السَّبَخة بين الخندق وَسلْع، وخرج عليّ بن أبي طالب في نَفر من المسلمين؛ حتى أخذ عليهم الثُّغْرَة التي أقْحَمُوا منها خيلَهم، وأقبلت الفرسان تُعْنِقُ نحوهم. وقد كان عمرو بن عبد وُدٍّ قاتل يوم بدر؛ حتى أثبتتْه الجراحة، فلم يشهد أحدًا، فلما كان يوم الخندق خرج مُعْلمًا ليُرَى مكانُه؛ فلمَّا وقف هو وخيله، قال له على: يا عمرو؛ إنك كنتَ تعاهد الله ألَّا يَدْعُوك رجلٌ من قريش إلى خلَّتَين إلا أخذتَ منه إحداهما! قال: أجَل! قال له عليٌّ بن أبي طالب: فإني أدعوك إلى الله وإلى رسوله وإلى الإسلام، قال: لا حاجة لي بذلك؛ قال: فإني أدعوك إلى النِّزال، قال: ولمَ يا بن أخي؛ فوالله ما أحب أن أقتلك! قال عليّ: ولكني
стр. 2568
والله أحبُّ أن أقتلك. قال: فحمِيَ عَمْرو عند ذلك، فاقتحم عن فَرَسه فَعَقَره -أو ضَرَبَ وجْهَه- ثم أقبل على عليّ، فتنازلا وتجاولا، فقتله عليّ ﵇ وخرجت خيلُه منهزمة؛ حتى اقتحمت من الخَنْدق هاربة، وقتل مع عمرو رجلان: مُنَبه بن عثمان بن عُبيد بن السَّبَّاق بن عبد الدَّار، أصابه سهم فمات منه بمكّة؛ ومن بني مخزوم نوفل بن عبد الله بن المغيرة، وكان اقتحم الخندق فتورّط فيه، فرموه بالحجارة، فقال: يا معشرَ العرب، قَتْلَة أحسن من هذه! فنزل إليه عليّ فقتله، فغلب المسلمون على جسده، فسألوا رسولَ الله ﷺ أن يبيعهم جسدَه، فقال رسول الله ﷺ : لا حاجة لنا بجَسده ولا ثمنه؛ فشأنكم به. فخلّى بينهم وبينه (١). (٢: ٥٧٣/ ٥٧٤).
٢٢١ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق عمن لا يتَّهم، عن عُبيد الله بن كعب بن مالك، أنَّه كان يقول: ما أصاب سعدًا يومئذ بالسَّهم إلا أبو أسامة الجُشَميّ حليف بني مخزوم؛ فالله أعلم أيّ ذلك كان (٢). (٢: ٥٧٦/ ٥٧٧).
٢٢٢ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدثنا سَلَمة، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق عن يحيى بن عبَّاد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عَبَّاد، قال: كانت صفِيَّة بنت عبد المطلب في فارع (حِصْنِ حسَّان بن ثابت). قالت: وكان حسَّان مَعَنا فيه مع النِّساء والصبيان. قالت صفية: فمرَّ بنا رجلٌ من يهود، فجعل يُطِيف بالحصن، وقد حاربَتْ بنو قريظة وقطعت ما بينها وبين رسول الله ﷺ ، ليس بيننا وبينهم أحدٌ يدفع عنَّا، ورسولُ الله ﷺ والمسلمون في نحورِ عدوّهم لا يستطيعون أن ينصرفوا
стр. 2569
إلينا عنهم إن أتانا آت. قالت: فقلت: يا حسَّان! إنَّ هذا اليهوديّ كما ترى يُطِيف بالحصن، وإني والله ما آمنُه أن يدلّ على عوراتنا مَنْ وراءنا من يهود، وقد شغل عنَّا رسول الله ﷺ وأصحابه، فانزلْ إليه فاقتلْه. فقال: يغفر الله لكِ يا بنتَ عبد المطَّلب والله لقد عرفتِ ما أنا بصاحب هذا! قالت: فلمَّا قال ذلك لي، ولَمْ أرَ عنده شيئًا احتجزت؛ ثم أخذت عمودًا، ثم نزلت من الحِصْنِ إليه فضربته بالعمود حتى قتلته، فلمَّا فرغت منه رجعت إلى الحصْن، فقلت: يا حسَّان! انزل إليه فاسلبه، فإنَّه لم يمنعْني من سلَبه إلَّا أنه رجلٌ: قال: ما لي بسلَبه من حاجة يا بنت عبد المطلب (١)! (٢: ٥٧٧).
٢٢٣ - قال ابن إسحاق: وأقامَ رسولُ الله ﷺ وأصحابُه؛ فيما وصف الله من الخوف والشدّة؛ لتظاهر عدوِّهم عليهم، وإتيانهم من فَوْقهم ومن أسفل منهم.
ثم إنَّ نُعَيمَ بن مسعود بن عامر بن أنَيف بن ثعلبة بن قُنْفذ بن هلال بن خلاوة بن أشجع بن رَيث بن غَطَفان أتَى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسولَ الله! إني قد أسلمت، وإنّ قومي لم يعلموا بإسلامي؛ فمُرْني بما شئتَ. فقال له رسولُ الله ﷺ : إنَّما أنت فينا رجلٌ واحد؛ فَخَذّلْ عنَّا إن استطعت؛ فإنَّ الحربَ خدعة. فخرج نُعَيم بن مسعود حتى أتى بني قُرَيظة -وكان لهم نديمًا في الجاهليّة- فقال لهم: يا بني قُرَيظة، قد عرفتم وُدّي إيَّاكم، وخاصّة ما بيني
стр. 2570
وبينكم، قالوا: صدقت، لستَ عندنا بمتَّهم؛ فقال لهم: إن قريشًا وغَطَفان قد جاؤوا لحرب محمَّد، وقد ظاهرتموهم عليه، وإنَّ قريشًا وغَطَفان ليسوا كهيئتكم؛ البلد بلدكم، به أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم؛ لا تقدرون على أن تحَوَّلوا منه إلى غيره، وإنَّ قريشًا وغَطَفان أموالهم وأبناؤهم ونساؤهم وبلدهم بغيره؛ فليسوا كهيئتكم، إن رأوا نُهْزَةً وغنيمة أصابوها، وإن كان غير ذلك لحقُوا ببلادهم، وخلّوا بينكم وبين الرجل ببلدكم؛ ولا طاقةَ لكم به إن خلا بكم؛ فلا تقاتلُوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رُهُنًا من أشرافهم يكونون بأيديكم؛ ثقة لكم على أن يقاتلوا معكم محمدًا؛ حتى تناجزوه، فقالوا: لقد أشرت برأي ونصحٍ. ثم خرج حتى أتى قريشًا، فقال لأبي سُفيان بن حرب ومَنْ معه من رجال قريش: يا معشرَ قريش، قد عرفتم ودّي إياكم، وفراقي محمدًا؛ وقد بلغني أمْرٌ رأيتُ حقًّا عليّ أن أبلغكموه نصحًا لكم، فاكتموا عليّ. قالوا: نفعل، قال: فاعلموا أنّ معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد، وقد أرسلوا إليه أن قد ندِمْنا على ما فعلنا، فهل يرضيك عنَّا أن نأخذ من القبيلتين من قريش وغَطَفَان رجالًا من أشرافهم؛ فنعطيكهم، فتضرب أعناقهم؛ ثمّ نكون معك على مَنْ بقي منهم؟ فأرسل إليهم أن نعم. فإن بعثتْ إليكم يهودُ يلتمسون منكم رُهُنًا من رجالكم؛ فلا تدفعوا إليهم منكم رجلًا واحدًا. ثم خرجَ حتى أتى غطفان، فقال: يا معشرَ غطفان؛ أنتم أصلي وعشيرتي، وأحبّ الناس إليّ، ولا أراكم تتَّهمونني! قالوا: صدقتَ، قال: فاكتموا عليّ، قالوا: نفعل، ثم قال لهم مثل ما قال لقريش، وحذَّرهم ما حذَّرهم؛ فلمَّا كانت ليلة السَّبت في شوّال سنة خمس؛ وكان ممَّا صنع الله لرسوله [أن] أرسل أبو سفيان ورؤوس غَطَفان إلى بني قريظة عِكْرمة بن أبي جهل في نفر من قريش وغَطَفان، فقالوا لهم: إنَّا لسْنا بدار مقام؛ قد هلك الخفّ والحافر، فاغدوا للقتال حتى نناجزَ محمدًا ونفرُغ ممَّا بيننا وبينه؛ فأرسلوا إليهم أن اليوم السَّبت؛ وهو يوم لا نعمل فيه شيئًا؛ وقد كان أحدث فيه بعضنا حدثًا فأصابه ما لم يخْفَ عليكم، ولسنا مع ذلك بالذين نقاتل معكم حتى تعطونا رُهُنًا من رجالكم، يكونون بأيدينا ثقة لنا؛ حتى نناجز محمدًا؛ فإنَّا نخشى إن ضرّستْكم الحرب، واشتدّ عليكم القتال، أن تشمِّروا إلى بلادكم وتتركونا والرّجل في بلدنا، ولا طاقة لنا بذلك من محمدٍ. فلمّا رجعت إليهم الرُّسل بالذي قالت بنو قريظة، قالت قريش وغطفان: تعلمون
стр. 2571
والله أن الذي حدَّثكم نُعيم بن مسعود لحقّ. فأرسلوا إلى بني قريظة: إنَّا والله لا ندفع إليكم رجلًا واحدًا من رجالنا، فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا، فقالت بنو قريظة حين انتهت الرُّسل إليهم بهذا: إنَّ الذي ذكر لكم نعيم بن مسعود لحقّ؛ ما يريد القوم إلَّا أن يقاتلوا؛ فإن وجدوا فرصة انتهزوها؛ وإن كان غير ذلك تشمَّروا إلى بلادهم، وخلُّوا بينكم وبين الرجل في بلادكم. فأرسلوا إلى قريش وغطفان: إنَّا والله لا نقاتل معكم حتى تعطونا رُهُنًا، فأبوا عليهم، وخذَّل الله بينهم؛ وبعث الله عليهم الريح في ليالٍ شاتية شديدة البرد، فجعلت تكفأ قدورَهم، وتَطْرح أبنيتهم. فلمّا انتهى إلى رسول الله ﷺ ما اختلف من أمرهم، وما فرّق الله من جماعتهم، دعا حُذيفة بن اليَمان، فبعثه إليهم لينظر ما فعل القوم ليلًا (١). (٢: ٥٧٧/ ٥٧٨ / ٥٧٩).
٢٢٤ - حدثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدّثني محمد بن إسحاق قال: فلمَّا أصبَح نبيّ الله ﷺ انصرف عن الخندق راجعًا إلى المدينة والمسلمون، ووضعوا السلاح (٢). (٢: ٥٨١).
غزوة بني قريظة
٢٢٥ - وقدّم رسولُ الله ﷺ عليّ بن أبي طالب برايته إلى بني قُريظة، وابتدرها الناس، فسار عليُّ بن أبي طالب ﵇؛ حتى إذا دَنا من الحصون، سمِع منها مقالة قَبيحة لرسول الله ﷺ منهم؛ فرجع حتى لَقِيَ رسولَ الله ﷺ بالطريق،
стр. 2572
فقال: يا رسولَ الله! لا عليك ألّا تدنو من هؤلاء الأخابث! قال: لِمَ؟ أظنُّك سمعتَ لي منهم أذىً! قال: نعم يا رسول الله. قال: لو رأوْني لم يقولُوا من ذلك شيئًا. فلمَّا دنا رسولُ الله ﷺ من حُصونهم، قال: يا إخوان القِردة، هل أخزاكم الله، وأنزل بكم نقمته! قالوا: يا أبا القاسم، ما كنتَ جهولًا. ومرّ رسول الله ﷺ على أصحابه بالصَّوْرَين قبل أن يصلَ إلى بني قُرَيظة، فقال: هل مرَّ بكم أحد؟ فقالوا: نعم يا رسولَ الله، قد مَرَّ بنا دحْيَةُ بن خليفة الكلبيّ، على بغلة بيضاء، عليها رِحالة عليها قطيفة دِيباج، فقال رسولُ الله ﷺ : ذلك جبريل، بُعِثَ إلى بني قريظة يُزَلْزِلُ بهم حصونَهم، ويقذِف الرّعب في قلوبهم. فلمَّا أتى رسولُ الله ﷺ بني قريظة، نزل على بئر من آبارها في ناحية من أموالهم، يقال لها: بئر أنا؛ فلاحق به النَّاس، فأتاه رجالٌ من بعد العشاء الآخرة، ولم يُصلّوا العصرَ، لقول رسول الله ﷺ : لا يصلّين أحدٌ العصر إلَّا في بني قريظة، لشيء لم يكن لهم منه بُدٌّ من حربهم؛ وأبوا أن يُصلّوا، لقول النبيّ ﷺ : حتَّى تأتُوا بني قُرَيظة، فِصلُّوا العصر بها بعد العشاء الآخرة. فما عابهم الله بذلك في كتابه؛ ولا عنَّفهم به رسولُ الله ﷺ . والحديث عن محمَّد بن إسحاق، عن أبيه، عن مَعْبَد بن كعب بن مالك الأنصاريّ.
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق، قال: وحاصرهم رسولُ الله ﷺ خمسًا وعشرين ليلة؛ حتى جَهَدهم الحِصار؛ وقذف الله في قلوبهم الرّعب -وقد كان حُيَيُّ بن أخطب دخلَ علي بني قُريظة في حصنهم حين رجعت عنهم قريش وغطفان، وفاءً لكعب بن أسد بما كان عاهده عليه- فلما أيقنوا أن رسولَ الله ﷺ غيرُ منصرف عنهم حتَّى يناجزَهم، قال كعب بن أسد لهم: يا معشر يهود، إنَّه قد نزل بكم من الأمر ما تروْن، وإني عارض عليكم خِلالًا ثلاثًا فخذوا أيّها شئتم! قالوا: وما هنَّ؟ قال: نتابع هذا الرجل ونُصَدّقه؛ فوالله لقد كان تبيَّن لكم أنَّه لَنبيّ مرسل، وأنه للذي كنتم تجدونه في كتابكم، فتأمَنُوا على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم، قالوا: لا نفارق حكم التوراة أبدًا، ولا نستبدل به غيره. قال: فإذا أبيتم هذه عليّ فَهلم فلنقتل أبناءَنا ونساءنا، ثم نخرج إلى محمّد وأصحابه رجالًا مُصْلِتين السيوف؛ ولم نترك وراءَنا ثَقَلًا يهمّنا؛ حتى يحكم الله بيننا وبين محمَّد؛ فإن نهلك نهلِك ولم نترك وراءنا شيئًا نخشى عليه، وإن نظْهر
стр. 2573
فَلعمرِي لنجدنَّ النساءَ والأبناء. قالوا: نقتل هؤلاء المساكين؛ فما خير العيش بعدهم! قال: فإذا أبيتم هذه عليّ فإنَّ الليلة ليلة السَّبت؛ وإنه عسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمِنُوا فيها، فانزلوا لعلَّنا نصيب من محمد وأصحابه غِرَّةً. قالوا: نُفسِد سبتَنا، ونُحْدث فيها ما لم يكن أحدث فيه مَنْ كان قبلنا، إلَّا مَنْ قد علمت. فأصابه من المسخ ما لم يخفَ عليك. قال: ما بات رجل منكم منذ ولدتْه أمه ليلة واحدة من الدّهر حازمًا.
قال: ثم إنَّهم بعثوا إلى رسول الله ﷺ : أن ابعث إلينا أبا لُبابة بن عبد المنذر؛ أخا بني عمرو بن عوف -وكانوا حلفاء الأوس- نستشيره في أمرنا، فأرسله رسولُ الله ﷺ إليهم فلما رأوْه قام إليه الرجال، وجهشَ إليه النساء والصبيان يبكون في وجهه؛ فرَقَّ لهم وقالوا له: يا أبا لُبابة، أترى أن ننزِل على حكم محمّد! قال: نعم، وأشار بيده إلى حلْقه: إنه الذَّبح؛ قال أبو لبابة: فوالله ما زالت قدماي حتى عرفت: أني خُنْتُ الله ورسوله.
ثم انطلق أبو لبابة على وجهه، ولم يأت رسولَ الله ﷺ حتى ارتبط في المسجد إلى عمود من عُمُده، وقال: لا أبرح مكاني هذا حتى يتوبَ الله عليَّ مما صنعت؛ وعاهد الله ألَّا يطأ بني قريظة أبدًا. وقال: لا يراني الله في بلد خُنْت الله ورسوله فيه أبدًا. فلما بلغ رسول الله ﷺ خبرُه، وأبطأ عليه- وكان قد استبطأه- قال: أما لو جاءني لاستغفرت له؛ فأمَّا إذْ فعل ما فعل، فما أنا بالَّذي أطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه (١). (٢: ٥٨٢ وتكملته ٥٨٣/ ٥٨٤ / ٥٨٥).
стр. 2574
٢٢٦ - حدَّثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سَلَمة بن الفضل، قال: حدَّثنا محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قُسَيط، أن توبة أبي لُبابة أنزِلَتْ على رسول الله ﷺ : وهو في بيت أمّ سلَمة. قالت أمّ سلمة: فسمعتُ رسولَ الله ﷺ من السَّحَر يضحك فقلت: مِمَّ تضحك يا رسول الله، أضحك الله سِنَّك! قال: تِيبَ على أبي لُبابة، فقلت: ألا أبشّره بذلك يا رسول الله! قال: بلَى إن شئتِ؛ قال: فقامت على باب حجرتها -وذلك قبل أن يُضرب عليهنَّ الحجاب- فقالت: يا أبا لُبابة، أبشِرْ فقد تاب الله عليك. قال: فثارَ الناس إليه ليُطلقوه؛ فقال: لا والله حتى يكون رسولُ الله ﷺ هو الذي يُطْلِقني بيده، فلما مَرَّ عليه خارجًا إلى الصَّبح أطْلَقَه.
стр. 2575
قال ابن إسحاق. ثمّ إنَّ ثعلبة بن سَعْيَة وأسَيد بن سَعْية، وأسَد بن عُبَيدٍ -هم نفر من بني هَدْل؛ ليسوا من بني قُرَيظة ولا النَّضير، نَسَبهُم فوق ذلك- هم بنو عمّ القوم أسلموا تلك الليلة التي نزلت فيها قُريظة على حكم رسولِ الله ﷺ وخرج في تلك الليلة عمرو بن سُعْدَى القرظيّ، فمرَّ بحَرس رسول الله ﷺ ؛ وَعَليهِ محمد بن مَسْلَمة الأنصاريّ تلك الليلة؛ فلمَّا رآه قال: من هذا؟ قال: عمرو بن سعدى- وكان عمرو قد أبَى أن يدخلَ مع بني قُريظة في غَدْرهم برسول الله ﷺ ، وقال: لا أغدِر بمحمّد أبدًا- فقال محمَّد بن مَسْلمة حين عَرفه: اللهمَّ لا تحرِمْني عَثَراتِ الكرام. ثمَّ خلَّى سبيله؛ فخرج على وجهه حتى بات في مسجد رسول الله ﷺ بالمدينة تلك الليلة. ثم ذهب فلا يُدْرَى أين ذهب من أرض الله إلى يومه هذا! فذكِر لرسول الله ﷺ شأنه، فقال: ذاك رجل نجَّاه الله بوفائه (١). (٥٨٥: ٢/ ٥٨٦).
٢٢٧ - قال ابن إسحاق: وبعضُ النَّاس يزعم أنه كان أوثِقَ برُمَّة فيمن أوثق من بني قريظة حين نزلوا على حكم رسول الله ﷺ ، فأصبحَتْ رُمَّته مُلْقاةً لا يُدْرَى أين ذهب، فقال رسول الله ﷺ فيه تلك المقالة. والله أعلم (٢). (٢: ٥٨٦).
٢٢٨ - وكان ثابت بن قيس بن شَمَّاس -كما حدَّثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق، عن ابن شهاب الزُّهريّ -أتى الزَّبِير بن باطا القُرَظيّ- وكان يكنى أبا عبد الرحمن- وكان الزَّبير قد مَنَّ على ثابت بن قيس بن شَمَّاس في الجاهلية. قال محمَّد: مما ذكَر لي بعضُ ولد الزَّبير: أنه كان مَنَّ عليه يوم بُعاث؛ أخذه فجَزَّ ناصيته، ثم خلَّى سبيله- فجاءَه وهو شيخ كبير، فقال: يا أبا عبد الرحمن، هل تعرفني؟ قال: وهل يجهَلُ مثلي مثلَك. قال: إني قد أردتُ أن أجزِيَك بيدك عندي، قال: إنَّ الكريم يجزِي الكريم. ثم أتى ثابت رسولَ الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله؛ قد كانت للزَّبير عندي يَدٌ؛ وله عليّ مِنَّةٌ؛ وقد أحببت أن أجزيَهُ بها؛ فهبْ لي دَمَه. فقال رسولُ الله ﷺ : هو لك، فأتاه فقال: إنَّ رسول الله ﷺ قد وهب لي دمك فهو لك؛ قال: شيخ كبير لا أهْلَ له
стр. 2576
ولا ولد؛ فما يصنع بالحياة! فأتى ثابت رسولَ الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، أهلُه وولده، قال: هم لك، فأتاه فقال: إنَّ رسولَ الله ﷺ قد أعطاني امرأتك وولدك فهم لك. قال: أهلُ بيت بالحجاز لا مال لهم، فما بقاؤهم! فأتى ثابتٌ رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، ماله! قال: هو لك، فأتاه فقال: إنَّ رسول الله ﷺ أعطاني مالك فهو لك، قال: أي ثابت! ما فعل الذي كأن وَجْهَهُ مِرْآة صينيَّة تتراءى فيها عذارَى الحيّ؛ كعب بن أسد؟ قال: قُتل، قال: فما فعل سيّد الحاضر والبادي؛ حُيَيّ بن أخطب؟ قال: قُتل، قال: فما فعل مقدّمتُنا إذا شددْنا، وحاميتُنا إذا كررنا؛ عزَّال بن شمويل؟ قال: قُتل، قال: فما فعل المجلسان -يعني: بني كعب بن قريظهَ وبني عمرو بن قريظة- قال: ذَهَبُوا، قُتِلوا. قال: فإنّي أسألك بيدي عندك يا ثابت إلَّا ألحقْتَني بالقوم؛ فوالله ما في العيش بعد هؤلاء مِن خير، فما أنا بصابر لله قَبْلة دَلْو نَضَح حتى ألقَى الأحبة! فقدَّمه ثابت فضرب عنقه؛ فلما بلغ أبا بكر قوله: "ألقى الأحبة" قال: يلقاهم والله في نار جهنَّم خالدًا فيها مُخَلَّدًا أبدًا. فقال ثابت بن قيس بن الشماس في ذلك، يذكر الزَّبير بن باطا:
وَفَتْ ذِمّتي أنِّي كريمٌ وأنني ... صبُورٌ إذا ما القومُ حَادُوا عن الصَّبر
وكان زَبِيرٌ أعظم النَّاس مِنَّةً ... عَلَيَّ فلمَّا شُدَّ كُوعاهُ بالأسْر
أتيتُ رسولَ الله كَيما أَفُكَّهُ ... وكان رسولُ الله بَحْرًا لنا يَجْرِي
قال: وكان رسولُ الله ﷺ قد أمر بقتل مَنْ أنبت منهم (١). (٢: ٥٨٩/ ٥٩٠ / ٥٩١).
٢٢٩ - فحدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق عن أيوب بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صَعْصعة، أخي بني عديّ بن النَّجار: أن سَلْمى بنت قيس أمّ المنذر أخت سَلِيط بن قيس -وكانت إحدى خالات رسول الله ﷺ ، قد صَلَّتْ معه القبلتين، وبايعَتْه بيعة النساء - سألَتْه رفاعةَ بن شمويل القرظيّ- وكان رجلًا قد بلغ ولاذَ بها، وكان يعرفهم
стр. 2577
قبل ذلك فقالت: يا نبي الله، بأبي أنت وأمي! هبْ لي رفاعةَ بن شمويل؛ فإنَّه قد زعم أنه سيُصَلِّي، ويأكل لحم الجمل؛ فوهبه لها؛ فاستَحْيَته (١). (٢: ٥٩١).
٢٣٠ - قال ابن إسحاق: ثم إنَّ رسولَ الله ﷺ قسَّمِ أموال بني قُريظة ونساءَهم وأبناءَهم على المسلمين، وأعلم في ذلك اليوم سُهْمَان الخيل وسهمان الرجال، وأخرج منها الخُمْس؛ فكان للفارس ثلاثة أسهم؛ للفرس سهمان ولفارسه سهم، وللراجل ممَّن ليس له فرسُ سهم، وكانت الخيل يوم بني قريظة ستة وثلاثين فرسًا، وكان أوّل فَيء وقع فيه السهمان وأخرج منه الخمس، فَعَلَى سُنَّتها وما مَضى من رسول الله ﷺ فيها وقعت المقاسم، ومضت السنَّة في المغازي؛ ولم يكن يُسهِم للخيل إذا كانت مع الرجل إلَّا لفرسين (٢). (٢: ٥٩١).
٢٣١ - ثم بعث رسولُ الله ﷺ سعدَ بن زيد الأنصاريّ، أخا بني عبد الأشهل بسبايا من سبايا بني قُرَيظة إلى نجْد، فابتاع له بهم خيلًا وسلاحًا، وكان رسولُ الله ﷺ قد اصطفى لنفسه من نسائهم ريحانة بنت عمرو بن خُنافة إحدى نساء بني عمرو بن قُرَيظة، فكانت عند رسول الله ﷺ حتى توفِّي عنها وهي في مِلْكِهِ، وقد كان رسولُ الله ﷺ عرضَ عليها أن يتزوّجها، ويضربَ عليها الحجاب، فقالت: يا رسولَ الله! بل تتركني في ملكك فهو أخفّ عليّ وعليك، فتركها؛ وقد كانت حين سباها رسول الله ﷺ قد تعَصَّتْ بالإسلام، وأبَتْ إلَّا اليهودية فعزلها رسولُ الله ﷺ ووجد في نفسه لذلك من أمرها؛ فبينا هو مع أصحابه إذْ سمع وَقْعَ نعلين خلفه، فقال: إنَّ هذا لثعلبة بن سعيَة يبشِّرني بإسلام ريحانة، فجاءَه فقال: يا رسول الله، قد أسلمتْ ريحانة! فسرَّه ذلك (٣). (٢: ٥٩١/ ٥٩٢).
٢٣٢ - حدَّثنا ابنُ حُميد؛ قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدَّثني ابنُ إسحاق، قال: لم يُقتل من المسلمين يوم الخندق إلَّا ستة نفر، وقُتل من المشركين ثلاثة نفر، وقُتل يوم بني قريظة خَلَّاد بن سُويد بن ثعلبة بن عمرو بن بلحارث بن
стр. 2578
الخزرج، طُرِحَتْ عليه رحىً فشدخَته شدخًا شديدًا، ومات أبو سنان بن محصن بن حُرْثان، أخو بني أسد بن خزيمة، ورسولُ الله ﷺ محاصِرٌ بني قريظة، فدفن في مقبرة بني قُريظة (١). (٢: ٥٩٣).
٢٣٣ - وكان فتح بني قُريظة في ذي القَعْدة أو في صدر ذي الحجة، في قول ابن إسحاق. وأما الواقديّ فإنه قال: غَزَاهم رسول الله ﷺ في ذي القعدة، لليال بقين منه؛ وزعمَ: أن رسول الله ﷺ أمر أن يُشَقَّ لبني قُريظة في الأرض أخاديد ثم جلس؛ فجعل عليّ والزبير يضربان أعناقهم بين يديه، وزعم: أنّ المرأة التي قتلها النبي ﷺ يومئذ كانت تسمى بُنَانَة، امرأة الحكَم القرظيّ، كانت قتلت خلّاد بن سُوَيد، رمتْ عليه رَحىً، فدعا له رسولُ الله ﷺ ، فضرب عنقها بخلّاد بن سويد (٢). (٢: ٥٩٣).
٢٣٤ - وقال الواقديّ: غزا رسول الله ﷺ المريسيع في شعبان سنة خمس من الهجرة. وزعم: أن غزوة الخندق وغزوة بني قريظة كانتا بعد المريسيع لحرب بني المصطلق من خُزاعة (٣). (٢: ٥٩٤).
٢٣٥ - وزعم ابنُ إسحاق -فيما حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سَلمة عنه: أن النبي ﷺ انصرف بعد فراغه من بني قُريظة؛ وذلك في آخر ذي القعدة أو في صدر ذي الحجَّة- فأقام بالمدينة ذا الحجّة والمحرّم وصفرًا وشهري ربيع. وولي الحجَّة في سنة خمس المشركون (٤). (٢: ٥٩٤).
ذكر الأحداث التي كانت في سنة ست من الهجرة غزوة بني لحيان
٢٣٦ - قال ابن إسحاق: ثم قدِم رسولُ الله ﷺ المدينة، فلم يُقِمْ إلَّا لياليَ قلائل حتى أغار عُيَينة بن حِصْن بن حذيفة بن بدر الفزاريّ في خيل لغطفان على
стр. 2579
لِقَاح رسول الله ﷺ بالغابة؛ وفيها رجلٌ من بني غِفَار وامرأته، فقتلوا الرجل واحتملوا المرأة في اللّقاح (١). (٢: ٥٩٥).
غزوة ذي قرد
٢٣٧ - رجعِ الحديث إلى حديث ابن إسحاق. ومعه غلام لطلحة بن عبيد الله -يعني: مع سلمة بن الأكوع- معه فرس له يقوده، حتى إذا علا على ثنيَّة الوَدَاع نظر إلى بعضِ خيولهم، فأشرف في ناحية سَلْع، ثم صرخ: واصَبَاحاه! ثم خرج يشتدّ في آثار القوم -وكان مثل السَّبُع- حتى لحِق بالقوم، فجعل يرُدُّهم بالنّبل، ويقول إذا رمى: "خُذها مني وأنا ابن الأكوع، واليوم يوم الرضع".
فإذا وُجِّهتِ الخيل نحوه، انطلق هاربًا، ثم عارضهم؛ فإذا أمكنه الرميُ رَمى، ثم قال:
خُذْها وأنا ابن الأكوع ... واليومُ يوم الرضّع
قال: فيقول قائلهم: أوَيكعنا هو أول النهار.
قال: وبلغ رسول الله ﷺ صياحُ ابن الأكوع؛ فصرخ بالمدينة: الفزع الفزع! ؛ فتتامَّتِ الخيول إلى رسول الله ﷺ ؛ فكان أوّلَ من انتهى إليه من الفرسان المقداد بن عمرو.
ثم كان أول فارس وقف على رسول الله ﷺ بعد المقداد من الأنصار عبَّاد بن بشْر بن وَقْش بن زُغْبَة بن زَعُورا، أخو بني عبد الأشهل، وسعد بن زيد، أَحد بني كعب بن عبد الأشهل، وأسيد بن ظُهَير أخو بني حارثة بن الحارث -يُشكَّ فيه- وعُكَّاشة بن مِحْصَن، أخو بني أسد بن خُزيمة، ومُحْرِز بن نَضْلة، أخو بني أسَد بن خزيمة، وأبو قَتادة الحارث بن رِبْعيّ، أخو بني سَلِمة، وأبو عيَّاش؛ وهو عُبَيد بن زيد بن صامت، أخو بني زُرَيق.
فلمَّا اجتمعوا إلى رسول الله ﷺ أمَّر عليهم سعد بن زيد. ثم قال: اخرُجْ في طلب القوم حتى ألحقك في النَّاس.
стр. 2580
وقد قال رسول الله ﷺ فيما بلغني عن رجال من بني زُرَيق -لأبي عيَّاش: يا أبا عيَّاش! لو أعطيتَ هذا الفرس رجلًا هو أفرسُ منك فلحق بالقوم! قال أبو عيَّاش: فقلت: يا رسول الله، أنا أفرسُ الناس، ثم ضربت الفرس، فوالله ما جرى خمسين ذراعًا حتى طرحني؛ فعجِبت أن رسولَ الله ﷺ يقول: لو أعطيته أفرس منك! وأقول: أنا أفرس الناس. فزعم رجال من بني زُريق: أنّ رسول الله ﷺ أعطى فرس أبي عَيَّاش مُعاذ بن ماعص -أو عائذ بن ماعص- ابن قيس بن خَلْدة -وكان ثامنًا- وبعض الناس يعدّ سلمة بن عمرو بن الأكوع أحدَ الثمانية، ويطرحُ أسَيد بن ظُهير أخا بني حارثة، ولم يكن سلَمة يومئذ فارسًا، وكان أوّل مَنْ لحق بالقوم على رجليه؛ فخرج الفرسان في طلب القوم، حتَّى تلاحقوا (١). (٦٠١: ٢/ ٦٠٢).
стр. 2581
٢٣٨ - حدثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق عمّن لا يتّهم، عن عبيد الله بن كعب بن مالك الأنصاري: أن محرزًا إنَّما كان على فرس لعكّاشة بن محْصن يقال له: الجناح، فقتِل مُحرز، واستُلب الجناح. ولمَّا تلاحقت الخيول قَتَل أبو قَتَادة الحارث بن رِبْعيّ أخو بني سلمة حَبيبَ بن عيينة بن حِصْن، وغَشَّاه ببردته، ثم لحق بالنَّاس، وأقبل رسولُ الله ﷺ والمسلمون، فإذا حبيب مسجَّى ببردة أبي قَتادة، فاسترجعِ الناس، وقالوا: قُتِل أبو قَتادة، فقال رسول الله ﷺ : ليس بأبي قَتادة، ولكنَّه قتيل لأبي قتادة، وضع عليه بردته، لتعرِفوا أنه صاحبه. وأدرك عُكَّاشة بن محْصن أوبارًا وابنه عمرو بن أوبار على بعير واحد، فانتظمهما بالرُّمح فقتلهما جميعًا، واستنقذُوا بعضَ اللّقاح. وسار رسولُ الله ﷺ حتى نزل بالجَبل مِنْ ذِي قَرَد، وتلاحق به الناس، فنزل رسولُ الله ﷺ وأقام عليه يومًا وليلة، فقال له سلمة بن الأكوع: يا رسولَ الله، لو سرَّحْتَنِي في مئة رجل لاستنقذت بقيَة الِسَّرح، وأخذت بأعناق القوم. فقال رسولُ الله ﷺ فيما بلغني: إنَّهم الآن لَيُغْبَقُون في غَطَفان.
وقسمَ رسولُ الله ﷺ في أصحابه في كلّ مئة جَزْورًا، فأقاموا عليه، ثم رجع رسولُ الله ﷺ قافلًا حتى قدم المدينة.
فأقام بها بعض جُمَادى الآخرة ورَجَبَ. ثم غزا بني الْمصْطلق من خُزاعة في شعبان سنة ستّ (١). (٢: ٦٠٣/ ٦٠٤).
* * *
ذكر غزوة بني المُصْطَلِق
٢٣٩ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة بن الفَضْل وعليّ بن مجاهد عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قَتادة، وعن عبد الله بن أبي بكر. وعن محمد بن يحيى بن حَبَّان، قال: كُلٌّ قد حدَّثني بعض حديث بني المصطلق، قالوا: بلغ رسولَ الله ﷺ أن بني الْمُصطلق يجتمعون له، وقائدهم الحارث بن أبي ضِرار؛ أبو جُوَيرية بنت الحارث، زوج النبيّ ﷺ ، فلمَّا سمع
стр. 2582
بهم رسولُ الله ﷺ خرج إليهم حتى لقيَهم على ماء من مياههم، يقال له: المُرَيسيع، من ناحية قُدَيد إلى الساحل، فتزاحف الناس واقتتلوا قتالًا شديدًا، فهزم الله بني المصطلِق، وقُتِل مَنْ قتل منهم، ونَفَّلَ رسول الله ﷺ أبناءهم ونساءهم وأموالهم؛ فأفاءهم الله عليه.
وقد أصيب رجلٌ من المسلمين من بني كلْب بن عوف بن عامر بن ليث بن بكر، يقال له: هشام بن صُبَابة، أصابه رجل من الأنصار من رهط عُبادة بن الصامت، وهو يرى أنه من العدوّ، فقتله خطأ.
فبينا الناس على ذلك الماء وردت واردة الناس، ومع عمر بن الخطاب أجيرٌ له من بني غفار يقال له: جَهْجَاه بن سعيد، يقود له فرسه، فازدحم جَهْجَاه وسِنان الجهنيّ حليف بني عَوْف بن الخزرج على الماء، فاقتتلا، فصرخ الجُهَنِيُّ: يا معشرَ الأنصار! وصرخ جَهْجَاه: يا معشر المهاجرين! فغضب عبدُ الله بن أبيّ بن سَلول، وعنده رَهْط من قومه، فيهم زيد بن أرقم غلام حديث السنّ، فقال: أقد فعلوها! قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا، والله ما عَدَوْنا وجلابيبَ قريش ما قال القائل: "سَمّنْ كَلْبَك يَأكُلْكَ"؛ أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليُخرِجنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ! ثم أقبل على مَنْ حضره من قومه، فقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم! أحللتُموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموَالكم! أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحوَّلوا إلى غير بلادكم.
فسمع ذلك زيد بن أرقم، فمشى به إلى رسول الله ﷺ ، وذلك عند فراغ رسول الله ﷺ من عدوِّه. فأخبره الخبر وعنده عمر بن الخطاب، فقال: يا رسول الله مُرْ به عَبَّاد بن بشْر بن وَقْش فليقْتله، فقال رسول الله ﷺ : فكيف يا عُمَرُ إذا تحدَّث الناس: أَن محمدًا يقتل أصحابه! لا، ولكن أذّن بالرحيل - وذلك ساعة لم يكن رسولُ الله ﷺ يرتحل فيها- فارتحل الناس، وقد مشى عبد الله بن أبيّ بن سَلول إلى رسول الله ﷺ حين بلغه أنّ زيد بن أرقم قد بلّغه ما سمع منه. فحلف بالله: ما قلت ما قال، ولا تكلَّمت به -وكان عبد الله بن أبيّ في قومه شَرِيفًا عَظِيمًا- فقال مَنْ حضر رسولَ الله ﷺ من أصحابه من الأنصار: يا رسولَ الله عسى أن يكون الغلام أوهم في حديثه ولم يحفظ ما قال الرجل! حَدبًا على عبد الله بن أبيّ، ودفعًا عنه.
стр. 2583
فلما استقل رسول الله ﷺ وسار، لقيه أسَيد بن حُضَير، فحياه تَحيَّة النبوّة، وسلَّم عليه، ثم قال: يا رسول الله، لقد رُحْتَ في ساعة منكَرة ما كنتَ تروح فيها! فقال له رسولُ الله ﷺ : أوَ مَا بلغك ما قال صاحبكم! قال: وأيُّ صاحب يا رسول الله! قال: عبد الله بن أبيّ، قال: وما قال: قال: زعم أنه إن رجع إلى المدينة أخرج الأعزُّ منها الأذلَّ، قال أسَيد: فأنت والله يا رسول الله تخرجه إن شئت، هو والله الذّليل وأنت العزيز ثم قال: يا رسولَ الله، اُرفُقْ به فوالله لقد جاء الله بك؛ وإنَّ قومه لينظمون له الخَرَزَ ليتوّجوه؛ فإنه لَيَرَى أنَّك قد استلبته مُلْكًا.
ثم مَتنَ رسول الله ﷺ بالنَّاس يومهم ذلك حتَّى أمسى، وليلتهم حتى أصبح، وصَدْرَ يومهم ذلك حتى آذتْهم الشمس ثم نزل بالنَّاس؛ فلم يكن إلَّا أن وجدوا مسَّ الأرض وقعوا نيامًا؛ وإنما فَعَل ذلك رسول الله ﷺ ليشغلَ الناس عن الحديث الذي كان بالأمس من حديث عبد الله بن أبيّ.
ثم راح بالنَّاس، وسلك الحجاز حتى نزلَ على ماء بالحجاز فُوَيق النَّقِيع، يقال له: نقعاء، فلمَّا راحَ رسولُ الله ﷺ هَبَّت على الناس ريحٌ شديدةٌ آذتهم، وتخوّفوها، فقال رسول الله ﷺ : لا تخافوا، فإنَّما هَبَّت لموت عظيم من عظماء الكفار، فلمَّا قدِموا المدينة وجدوا رِفاعة بن زيد بن التَّابوت أحد بني قَينُقاع -وكان من عظماء يهود، وكَهْفًا للمنافقين- قد مات في ذلك اليوم.
ونزلت السورة التي ذكر الله فيها المنافقين في عبد الله بن أبي بن سَلُول ومَنْ كان معه على مثل أمره، فقال: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾، فلمَّا نزلت هذه السورة أخذ رسولُ الله ﷺ بأذُن زيد بن أرقم فقال: هذا الذي أوفى الله بأذُنه (١). (٢: ٦٠٤/ ٦٠٥ / ٦٠٦/ ٦٠٧).
٢٤٠ - قال: وقدم مِقْيَس بن صبابة من مكة مسلمًا فيما يُظهر، فقال:
стр. 2584
يا رسول الله، جئتك مسلِمًا وجئت أطلب دية أخي قتل خطأ. فأمر له رسول الله ﷺ بديَة أخيه هشام بن صُبابة، فأقام عند رسول الله ﷺ غير كثير، ثم عدا على قاتل أخيه فقتله، ثم خرج إلى مكَّة مرتدًا، فقال في شعر:
شَفَى النَّفْسَ أنْ قَد باتَ بالقاعِ مُسْنَدًا ... تُضَرِّجُ ثوْبَيهِ دِماءُ الأخادِعِ
وكَانَتْ هُمُومُ النَّفس من قَبْلِ قَتْلِهِ ... تُلِمُّ، فتَحْمين وطَاء المضَاجِعِ
حَللْتُ به وتْرِي، وأَدْرَكْتُ ثُؤْرَتِي ... وكُنْتُ إلى الأوثان أوّل رَاجِعِ
ثأَرْتُ به فِهْرًا وحَمَّلْت عَقْلَه ... سَرَاةَ بني النَّجّارِ أَرْبابَ فَارعِ
وقال مِقْيَسُ بن صبابة أيضًا:
جَلَّلْتُه ضَرْبَةً باءَتْ، لها وشَلٌ ... مِنْ ناقعِ الجَوْفِ يَعْلُوه وَيَنْصَرِمُ
فَقُلْتُ والمَوْتُ تَغْشَاهُ أَسِرَّتهُ ... لا تأمَنَنَّ بني بَكْرٍ إِذَا ظُلِمُوا
وأصيب من بني المصطلقِ يومئذ ناسٌ كثيرٌ، وقتل عليُّ بن أبي طالب منهم رجلين: مالكًا وابنه، وأصاب رسولُ الله ﷺ منهم سبيًا كثيرًا، ففشا قَسْمُه في المسلمين؛ ومنهم جُويرية بنت الحارث بن أبي ضرار زوْج النبي ﷺ (١). (٢: ٦٠٩/ ٦١٠).
حديث الإفك
٢٤١ - حدَّثنا ابنُ حميد، قالا: حدَّثنا سلَمة، عن محمد بن إسحاق. عن أبيه، عن بعض رجال بني النَّجار، أن أبا أيوب خالد بن زيد، قالت له امرأته أمّ أيوب: يا أبا أيوب، أما تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ قال: بَلَى؛ وذلك الكذب؛ أكنتِ يا أمَّ أيوب فاعلةً ذلك! قالت: لا والله ما كنت لأفعلَه، قال: فعائشة والله خيرٌ منك. قال: فلمَّا نزل القرآن ذكر الله من قال من الفاحشة ما قال من أهل الإفك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ الآية، وذلك حسان بن ثابت في أصحابه الذين قالوا ما قالوا.
ثم قال الله : ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيرًا﴾ الآية،
стр. 2585
أي كما قال أبو أيوب وصاحبته. ثم قال: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ ... ﴾ الآية (١) (٢: ٦١٧).
٢٤٢ - ثم إنَّ صفوان بن المعطّل اعترض حسان بن ثابت بالسيف حين بلغه ما يقول فيه؛ وقد كان حسَّان قال شعرًا مع ذلك يعرّض بابن المعطَّل فيه وبمن أسْلَم من العرب من مُضَر، فقال:
أمْسَى الجَلابيبُ قد عزُّوا وقد كثروا ... وابْنُ الفُريعَةِ أمْسَى بَيضَةَ البَلَدِ
قد ثَكِلَتْ أُمُّهُ من كنتَ صَاحبَهُ ... أو كان منْتَشِبًا في بُرْثُنِ الأَسَدِ
ما لقتيلي الذي أغدُو فآخُذُه ... من دِيَةٍ فيه يُعْطَاها ولا قَوَدِ
ما البَحْرُ حين تَهبُّ الرِّيحُ شامِيَةً ... فَيغْطئِلُّ ويَرْمِي العِبْرَ بالزَّبَدِ
يَوْمًا بأغْلَبَ منِّي حين تُبْصِرنِي ... مِلْغَيظِ (٢) أَفْرِي كَفُرْيِ العارضِ البَرِدِ
فاعترضه صفوان بن المعطّل بالسيف فضربه ثم قال -كما حدَّثنا ابن حميد، قال: حدثنا سَلَمة، عن محمد بن إسحاق:
تَلقَّ ذُبَابَ السَّيفِ عنِّي فإنني ... غُلامٌ إذا هُوجِيتُ لَسْت بشاعِرِ (٣)
(٢: ٦١٨).
٢٤٣ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيميّ: أن ثابت بن قيس بن الشَّماس أخا بلْحارث بن الخزرج، وَثَب على صفْوان بن المعطَّل في ضربه حسان فجمع يَدَيه إلى عُنُقه، فانطلق به إلى دار بني الحارث بن الخزرج، فلقيه عبد الله بن رواحة، فقال: ما هذا؟ قال: ألا أعجبك ضرب حَسَّان بن ثابت بالسَّيف! والله ما أراه إلَّا قد قتله. قال: فقال له عبدُ الله بن رَواحة: هل عَلِمَ رسولُ الله ﷺ بشيء مما صنعت؟ قال: لا والله، قال: لقد اجترأت! أطلق الرجل، فأطلقه. ثم أتوْا رسولَ الله ﷺ ، فذكروا له ذلك؛ فدعا حَسَّان وصفوان بن المعطّل، فقال ابنُ المعطَّل: يا رسول الله! آذاني وهجاني، فاحتملني الغضب فضربته. فقال رسولُ الله ﷺ لحسان: يا حسان أتشوَّهت على قومي أن هداهم الله للإسلام! ثم
стр. 2586
قال: أحسِن يا حَسَّان في الذي قد أصابك، قال: هي لك يا رسول الله (١). (٢: ٦١٨/ ٦١٩).
٢٤٤ - وحدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدثنا سلَمة عن محمّد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث: أنّ رسولَ الله ﷺ أعطاه عِوَضًا منها بَيرَحَا -وهي قصر بني حُدَيلة اليوم بالمدينة؛ كانت مالًا لأبي طلحة بن سهل، تصدَّق بها إلى رسولِ الله ﷺ ، فأعطاها حسَّان في ضربته- وأعطاه سِيرين- أمَةً قِبْطيةً- فولدت له عبد الرَّحمن بن حسان. قال: وكانت عائشة تقول: لقد سئل عن صفوان بن المعطّلِ فوجدوه رجلًا حَصُورًا ما يأتي النساء. ثم قتل بعد ذلك شهيدًا (٢) (٢: ٦١٩).
٢٤٥ - حدثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، عن عبد الواحد بن حمزة: أنّ حديث عائشة كان في عُمْرة القضاء (٣). (٢: ٦١٩).
قال أبو جعفر: ثم أقامَ رسولُ الله ﷺ بالمدينة شهر رمضان وشَوّالًا، وخرج في ذي القعدة من سنة ست معتمرًا (٤). (٢: ٦١٩).
ذكر الخبر عن عمرة النبي ﷺ التي صده المشركون فيها عن البيت، وهيَ قصة الحديبية
٢٤٦ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابنِ إسحاق، قال: خرج النبيّ ﷺ معتمرًا في ذي القَعدة لا يريد حربًا، وقد استنفر العرب ومَنْ حوله من أهل البوادي من الأعراب أن يخرجوا معه، وهو يخشى من قُريش الذي صنعوا به أن يعرضوا له بحرْب، أو يصدّوه عن البيت، فأبطأ عليه كثيرٌ من الأعْرَاب، وخرج رسولُ الله ﷺ ومَنْ معه من المهاجرين والأنصار، ومَنْ لحِق به من العرب، وساق معه الهدْيَ، وأحرم بالعُمرة، ليأمن النَّاسُ من حربه، وليعلم
стр. 2587
النَّاس أنَّه إنَّما جاء زائرًا لهذا البيت، مُعظِّمًا له (١). (٢: ٦٢٠).
٢٤٧ - قال الزهريّ: فخرجَ رسولُ الله ﷺ ، حتَّى إذا كان بعُسْفان لقيَه بشْر بن سُفيان الكعبيّ، فقال له: يا رسولَ الله، هذه قريش قد سمعوا بمسِيرك، فخرجوا معهم العُوذ المَطَافِيلُ، وقد لبسوا جُلود النمور، وقد نزلوا بذي طوى، يحلفون بالله لا تدخلُها عليهم أبدًا؛ وهذا خالد بن الوليد في خَيلهم، قد قدموها إلى كُرَاع الغَمِيم (٢). (٢: ٦٢١/ ٦٢٢).
قال أبو جعفر: وقد كان بعضُهم يقول: إن خالدَ بن الوليد كانَ يومئذ مع رسولِ الله ﷺ مسلمًا.
ذكر من قال ذلك:
٢٤٨ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا يعقوب القُمّيّ عن جعفر -يعني: ابن أبي المغيرة- عن ابن أبْزَى، قال: لمَّا خرج النبيّ ﷺ بالهَدي، وانتهى إلى ذي الحُلَيفةَ، قال له عمر: يا رسول الله، تدخل على قوم هم لك حربٌ بغير سِلاحِ ولا كُراع! قال: فبعثَ النبيّ ﷺ إلى المدينة، فلم يَدَعْ فيها كُراعًا ولا سلاحًا إلَّا حَمَلَه، فلمَّا دنا من مكَّة منعوه أن يدخلَ، فسار حتى أتى مِنىً، فنزل بمنىً، فأتاه عينُه أن عِكْرمة بن أبي جهل قد خرج عليك في خمسمئة، فقال رسولُ الله ﷺ لخالد بن الوليد: يا خالد، هذا ابنُ عَمّك، قد أتاك في الخيل، فقال خالد: أنا سيف الله وسيف رسوله -فيومئذ سُمِّي سيفَ الله-: يا رسولَ الله ارْمِ بي حيث شئت. فبعثه على خيل، فلقيَ عِكْرمة في الشِّعب، فهزمه حتى أدخله حِيطَان مكَّة، ثم عاد في الثانية، فهزمه حتى أدخله حيطان مكَّة، ثم عاد في الثَّالثة فهزمه حتى أدخله حيطان مكة، فأنزل الله تعالى فيه: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾ قال: وكفَّ الله النبيَّ ﷺ عنهم بعد أن أظفره عليهم لبقايا من المسلمين كانوا بقُوا فيها من بعد أن أظفرَه عليهم كراهيَة أن تطأهم الخيل بغير علم (٣). (٢: ٦٢٢/ ٦٢٣).
стр. 2588
٢٤٩ - رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق. قال: فقال رسولُ الله ﷺ : يا ويح قريش! قدَ أكلتْهم الحرب، ماذا عليهم لو خلَّوْا بيني وبين سائر العرب؛ فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا، وإن أظهَرني الله عليهم دخلُوا في الإسلام وافرين؛ وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوّة. فما تظنّ قريش! فوالله لا أزالُ أجاهدهم على الَّذي بعثني الله به حتى يظهرَه الله أو تنفرد هذه السالفة (١). (٢: ٦٢٣).
٢٥٠ - فحدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم، أن رجلًا من أسْلم حدَّثه، أن الذي نزل في القَليب بسهْم رسول الله ﷺ ناجية بن جندب بن عُمَير بن يَعْمَر بن دارم، وهو سائق بُدْنِ رسول الله ﷺ . قال: وقد زعم لي بعض أهل العلم أن البَرَاء بن عازب كان يقول: أنا الذي نزلت بسهْم رسولِ الله ﷺ . قال: وأنشدتْ أسلمُ أبياتًا من شعر قالها ناجية، قد ظَنَنَّا أنه هو الذي نزل بسهْم رسول الله ﷺ ، فزعمتْ أسلم أن جاريةً من الأنصار أقبلت بدلْوها، وناجيةُ في القَلِيبِ يَميح على الناس، فقالت:
يا أيُّها المائحُ دَلْوي دُونَكا
إِنِّي رأَيِتُ الناسَ يَحْمَدُونَكا
يُثنون خيرًا ويُمَجِّدُونَكا
وقال ناجية، وهو في القَلِيب يَمِيح الناس:
قد علمتْ جارِيةٌ يَمانِيَهْ ... أنِّي أَنا المائحُ واسْمِي ناجِيَهْ
وطَعْنَةٍ ذاتِ رَشاشٍ واهيَهْ ... طَعَنْتُها تحتَ صدورِ العادِيهْ (٢)
(٢: ٦٢٤/ ٦٢٥).
٢٥١ - وحدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، عن الزهريّ، في حديثه، قال: كان عروة بن مسعود لسُبيعة بنت عبد شمس (٣). (٢: ٦٢٦).
стр. 2589
٢٥٢ - وحدَّثنا ابن حُمَيد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر: أن الحُليس غضب عند ذلك، وقال: يا معشرَ قريش، والله ما على هذا حالفناكم، ولا على هذا عاقدناكم؛ أنْ تصدُّوا عن بيت الله مَنْ جاءه معظِّمًا له، والذي نفس الحُلَيس بيده لتخَلُّنَّ بين محمَّد وبين ما جاء له، أو لأنْفِرَنَّ بالأحابيش نَفْرَةَ رجل واحد! قال: فقالوا له: مَهْ! كُفَّ عنَّا يا حُليس حتى نأخذَ لأنفسنا ما نرضى به (١). (٢: ٦٢٨).
٢٥٣ - فحدَّثني محمد بن عُمارة الأسديّ ومحمد بن منصور -واللفظ لابن عمارة- قالا: حدَّثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرَنا موسى بن عبيدة عن إياس بن سَلَمة بن الأكْوع عن أبيه، قال: بعثتْ قريش سهيل بن عمرو وحُوَيطب بن عبد العُزَّى وحفص بن فلان، إلى النبيّ ﷺ ليصالحوه، فلمَّا رآهم رسولُ الله فيهم سهيل بن عمرو، قال: سهَّل الله لكم من أمركم؛ القوم ماتُّون إليكم بأرحامكم، وسائلوكم الصّلْح؛ فابعثوا الهدي، وأظهروا التَّلْبِيَة؛ لعلّ ذلك يُلين قلوبهم. فلبَّوا من نواحي العسكر حتى ارتجَّت أصواتهم بالتلبية. قال: فجاؤوا فسألوه الصلح، قال: فبينما الناس قد توادَعُوا، وفي المسلمين ناس من المشركين، وفي المشركين ناس من المسلمين، قال: ففتك به أبو سفيان، قال: فإذا الوادي يسيل بالرجال والسلاح. قال إياس: قال سلمة: فجئت بستة من المشركين مُتَسلِّحين أسوقُهم، ما يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا؛ فأتيت بهم النبيّ ﷺ ، فلم يسلب ولم يقتُل، وعفا.
رجع الحديث إلى حديث محمد بن عمارة ومحمد بن منصور، عن عبيد الله. قال سلمة: فشددنا على مَنْ في أيدي المشركين منا، فما تركنا في أيديهم منّا رجلًا إلا استنقذناه. قال: وغلبنا على من في أيدينا منهم.
ثم إنَّ قريشًا بعثوا سُهيلَ بن عمرو وحُوَيطبًا فولّوهم صلحَهم، وبعث النبيّ ﷺ عليًّا ﵇ في صُلْحه (٢). (٢: ٦٢٩/ ٦٣٠).
стр. 2590
٢٥٤ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، قال: فحدَّثني عبدُ الله بن أبي بكر، أن رسولَ الله ﷺ حين بلغه أن عثمان قد قُتل، قال: لا نبرح حتى نناجزَ القوم؛ ودعا النَّاس إلى البيعة فكانت بيعةُ الرّضوان تحت الشجرة (١). (٢: ٦٣٢).
٢٥٥ - حدَّثني ابنُ عمارة الأسديّ، قال: حدَّثني عبيد الله بن موسى عن موسى بن عُبيدة، عن إياس بن سَلَمة، قال: قال سَلَمة بن الأكْوع: بينما نحن قافلون من الحديبية نادى منادِي النبيّ ﷺ : أيها الناس؛ البيعة البيعة! نزل رُوح القدس. قال: فسرْنا إلى رسول الله وهو تحت شجرة سَمُرَة، قال: فبايعناه، قال: وذلك قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (٢). (٢: ٦٣٢).
٢٥٦ - حدثنا عبد الحميد بن بيان، قال: أخبرنا محمد بن يزيد عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر، قال: كان أول مَنْ بايع بيعة الرضوان رجلًا من بني أسد، يقال له: أبو سنان بن وهب (٣). (٢: ٦٣٢).
٢٥٧ - قال ابن حميد: قال سلمة: قال ابن إسحاق: وكان الذي حلقه -فيما بلغني ذلك اليوم- خراش بن أميّة بن الفضل الخُزاعيّ (٤). (٢: ٦٣٧).
٢٥٨ - وقال الواقديّ: في هذه السنة -في شهر ربيع الآخر منها- بعث رسولُ الله ﷺ عُكَّاشة بن مِحْصَن في أربعين رجلًا إلى الغَمْر؛ فيهم ثابت بن أقْرَم وشُجَاع بن وهب؛ فأغذّ السير، ونذِرَ القوم به فهربوا؛ فنزل على مياههم وبعث الطلائع؛ فأصابوا عينًا فدلّهم على بعض ماشيتهم؛ فوجدوا مئتي بعير، فحدَّرُوها إلى المدينة.
стр. 2591
قال: وفيها بعث رسول الله ﷺ محمد بن مسلمة في عشرة نفر في ربيع الأول منها، فكمن القوم لهم حتى نام هو وأصحابه، فما شعروا إلَّا بالقوم فقتِل أصحاب محمد بن مسلمة وأفلَت محمد جريحًا.
قال الواقدي: وفيها أسْرَى رسولُ الله ﷺ سرِيّةَ أبي عُبيدة بن الجَرَّاح إلى ذي القَصَّة في شهر ربيع الآخر في أربعين رجلًا، فساروا ليلتهم مُشاةً، ووافوْا ذا القَصَّة مع عَماية الصُّبح، فأغاروا عليهم، فأعجزوهم هَرَبًا في الجبال، وأصابوا نعمًا ورِثَّة ورجلًا واحدًا، فأسلم، فتركه رسولُ الله ﷺ .
قال: وفيها كانت سريّة زيد بن حارثة بالجَمُوم، فأصاب امرأة من مُزَينة؛ يقال لها: حليمة، فدَلَّتْهم على محلَّة من محالّ بني سُلَيم، فأصابوا بها نَعَمًا وشاء وأسَراء؛ وكان في أولئك الأسَراء زوْج حليمة، فلمَّا قفل بما أصاب وَهَب رسول الله ﷺ للمُزَنية زوجَها ونفسَها.
قال: وفيها كانت سريّة زيد بن حارثة إلى العِيص في جُمادى الأولى منها.
وفيها أخذت الأموال التي كانت مع أبي العاص بن الربيع؛ فاستجار بزينب بنت النبي ﷺ فأجارَتْه.
قال: وفيها كانت سمريّة زيد بن حارثة إلى الطَّرَف، في جمادى الآخرة، إلى بني ثعلبة في خمسة عشر رجلًا؛ فهربت الأعراب وخافوا أن يكون رسولُ الله سارَ إليهم، فأصاب من نَعَمهم عشرين بعيرًا. قال: وغاب أربع ليال.
قال: وفيها سريَّة زيد بن حارثة إلى حِسْمَى في جمادى الآخرة.
قال: وكان أوَّل ذلك فيما حدثني موسى بن محمّد عن أبيه، قال: أقبل دِحْيَةُ الكلبيّ من عند قيصر؛ وقد أجاز دِحْيَةَ بمال، وكساه كُسىً؛ فأقبل حتى كان بِحِسْمَى، فلقيَه ناسٌ من جُذام؛ فقطعوا عليه الطريق، فلم يحرك معه شيء؛ فجاء إلى رسول الله قبل أن يدخلَ بيته فأخبره، فبعث رسول الله ﷺ زيدَ بن حارثة إلى حِسمى.
قال: وفيها تزوّج عمر بن الخطاب جميلة بنت ثابت بن أبي الأقلح؛ أخت عاصم بن ثابت، فولدت له عاصم بن عمر؛ فطلَّقها عمر فتزوّجها بعده يزيد بن جارية؛ فولدت له عبد الرحمن بن يزيد؛ فهو أخو عاصم لأمّه.
стр. 2592
قال: وفيها سريّة زيد بن حارثة إلى وادي القُرى في رجب.
قال: وفيها سريّة عبد الرحمن بن عوف إلى دَوْمة الجَنْدل في شعبان؛ وقال له رسول الله ﷺ : إن أطاعوك فتزوّج ابنَة ملكهم؛ فأسلم القوم، فتزوّح عبد الرحمن تُماضر بنت الأصْبَغ، وهي أمّ أبي سَلمة، وكان أبوها رأسَهم وملكهم.
قال: وفيها أجدب الناسُ جدبًا شديدًا، فاستسقى رسول الله ﷺ في شهر رمضان بالناس.
قال: وفيها سريّة علي بن أبي طالب ﵇ إلى فَدَك في شعبان.
قال: وحدَّثني عبد الله بن جعفر، عن يعقوب بن عُقْبة، قال: خرج عليُّ بن أبي طالب في مئة رجل إلى فدَك، إلى حيّ من بني سَعْد بن بكر؛ وذلك: أنَّه بلغ رسول الله أنّ لهم جمعًا يريدون أن يمدُّوا يهود خيبر؛ فسار إليهم الليل وكَمَن النَّهار؛ وأصاب عَينًا، فأقرّ لهم أنه بُعِث إلى خيبر يعرض عليهم نصرَهم على أن يجعلوا لهم ثمر خَيبر.
قال: وفيها سريّة زيد بن حارثة إلى أمّ قِرْفة في شهر رمضان.
وفيها قتلت أمّ قِرْفة؛ وهي فاطمة بنت ربيعة بن بدر، قتلها قتلًا عنيفًا؛ ربط برجليها حبْلًا ثم ربطها بين بعيرين حتى شقَّاها شقًّا؛ وكانت عجوزًا كبيرةً (١).
٢٥٩ - وكان من قصَّتها ما حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلمة، قال: حدَّثني ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر، قال: بعث رسولُ الله ﷺ زيد بن حارثة إلى وادي القُرى؛ فلقيَ به بني فزارة؛ فأصيب به أناسٌ من أصحابه، وارْتُثَّ زيد من بين القتلى، وأصيب فيها ورد بن عمرو أحد بني سعد بني هُذَيم، أصابه أحد بني بدْر؛ فلمَّا قدم زيد نَذَر ألَّا يمسّ رأسه غسلٌ من جنابة حتى يغْزُو
стр. 2593
فَزارة؛ فلمَّا استبلّ من جراحه، بعثه رسولُ الله ﷺ في جيش إلى بني فَزارة، فلقيَهم بوادي القُرى، فأصاب فيهم؛ وقتل قيس بن المسحَّر اليعْمُريّ مَسْعَدَة بن حكمة بن مالك بن بدر، وأسر أمَّ قرفة -وهي فاطمة بنت ربيعة بن بدر، وكانت عند مالك بن حُذيفة بن بدر، عجوزًا كبيرة- وبنتًا لها، وعبد الله بن مسعدة. فأمر زيد بن حارثة أن يقتل أم قِرْفة؛ فقتلها قتلًا عنيفًا، ربط برجليها حبلين ثم رَبطهما إلى بعيرين حتى شقَّاها. ثم قدموا على رسول الله ﷺ بابنة أم قِرْفة وبعبد الله بن مسعدة؛ وكانت ابنة أم قرفة لسلمة بن عمرو بن الأكوع؛ كان هو الذي أصابها، وكانت في بيت شرف من قومها، كانت العرب تقول: لو كنت أعزّ من أم قرفة ما زدتَ. فسألها رسول الله ﷺ سلَمة، فوهبها له، فأهداها لخاله حَزْن بن أبي وهْب؛ فولدت له عبد الرحمن بن حَزْن (١). (٢: ٦٤٣).
ذكر خروج رسل رسول الله إلى الملوك
٢٦٠ - قال: وفيها بعث رسول الله ﷺ الرُّسُلَ؛ فبعث في ذي الحجة ستَّة نفر: ثلاثة مصطحبين: حاطب بن أبي بلتعة من لَخْم حليف بني أسد بن عبد العزى إلى المقوقس، وشجاع بن وهب من بني أسد بن خُزيمة -حليفًا لحرب بن أمية شهد بدرًا- إلى الحارث بن أبي شَمِر الغسانيّ، ودِحْيَةَ بن خليفة الكلبيّ إلى قيصر. وبعث سليط بن عمرو العامريّ عامرَ بن لؤيّ إلى هَوْذة بن علي الحنفيّ. وبعث عبد الله بن حُذافة السهمي إلى كسرى. وعمرو بن أمية الضَّمْريّ إلى النجاشيّ (٢). (٢: ٦٤٤).
٢٦١ - وأمَّا ابنُ إسحاق، فإنَّه -فيما زعم، وحدَّثنا به ابنُ حميد- قال: حدَّثنا سلَمة عنه، قال: كان رسولُ الله ﷺ قد فرّق رجالًا من أصحابه إلى ملوك العرب والعجم دعاةً إلى الله فيما بين الحديبية ووفاته (٣). (٢: ٦٤٥).
٢٦٢ - وحدَّثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدَّثني ابن إسحاق عن
стр. 2594
يزيد بن أبي حَبيب المصريّ، أنه وجد كتابًا فيه تسمية مَنْ بعث رسول الله ﷺ إلى ملوك الخائبين، وما قال لأصحابه حين بعثهم، فبعث به إلى ابن شهاب الزّهريّ، مع ثقة من أهل بلدة فعرَفه. وفي الكتاب أنّ رسولَ الله ﷺ خرج على أصحابه ذاتَ غَداة، فقال لهم: إني بُعِثتُ رحمةً وكافّة؛ فأدّوا عنّي يرحمكم الله؛ ولا تختلفوا عليّ كاختلاف الحواريين على عيسى ابن مريم، قالوا: يا رسول الله؛ وكيف كان اختلافُهم؟ قال: دعا إلى مثل ما دعوتكم إليه؛ فأمَّا من قَرُبَ به فأحبّ وسلم، وأمَّا مَنْ بَعُد به فكرِه وأبي؛ فشكا ذلك منهم عيسى إلى الله ، فأصبحوا من ليلتهم تلك؛ وكلُّ رجل منهم يتكلَّم بلغة القوم الَّذين بُعث إليهم. فقال عيسى: هذا أمرٌ قد عزم الله لكم عليه؛ فامضوا (١). (٢: ٦٤٥).
٢٦٣ - قال ابنُ إسحاق: ثم فرّق رسولُ الله ﷺ بين أصحابه؛ فبعث سَلِيط بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ودّ أخا بني عامر بن لؤي إلى هَوْذة بن عليّ، صاحب اليمامة. وبعث العَلاء بن الحَضرميّ إلى المنذِر بن ساوى أخي بني عبد القَيس صاحب البحْرَين، وعمرو بن العاص إلى جَيفر بن جُلَنْدَى وعبّاد بن جُلَنْدَى الأزديَّين صاحِبَي عُمان. وبعث حاطب بن أبي بَلْتَعة إلى المقوقس صاحب الإسكندرية؛ فأدَّى إليه كتابَ رسول الله ﷺ ، وأهدى المقوقس إلى رسول الله ﷺ أربَع جوار، منهنَّ مارية أمّ إبراهيم ابن رسول الله ﷺ . وبعث رسول الله دِحْيَةَ بن خليفة الكلبيّ ثم الخزْجي إلى قيصر، وهو هِرَقْل ملك الروم؛ فلمَّا أتاه بكتاب رسول الله ﷺ نَظر فيه ثم جعله بين فَخِذيهِ وخاصرَته (٢). (٢: ٦٤٥/ ٦٤٦).
٢٦٤ - حدَّثنا ابنُ حُمَيد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدَّثني ابنُ إسحاق، قال: قال ابنُ شِهاب الزُّهريّ: حدّثني أسقف للنصارى أدركتُه في زمان عبد الملك بن مروان، أنه أدرك ذلك من أمْرِ رسول الله ﷺ وأمْر هرقل وعَقَله، قال: فلمَّا قدِم عليه كتابُ رسول الله ﷺ مع دِحْيَة بن خليفة، أخذه هِرَقْل، فجعله بين فخذيه وخاصرته. ثم كتب إلى رجل بروميَة كان يقرأ من العبرانية ما يقرؤونه؛ يذكر له أمره، ويَصفُ له شأنه، ويخبره بما جاءَ منه؛ فكتب إليه
стр. 2595
صاحب روميَة: إنَّه للنّبيُّ الذي كنا ننتظِرُه؛ لا شكَّ فيه؛ فاتَّبعه وصدِّقْه.
فأمر هرقلُ ببطارقة الرُّوم؛ فجُمعُوا له في دَسْكَرة، وأمَر بها فأشرِجَتْ أبوابُها عليهم؛ ثم اطّلع عليهم من عُلِّيَّة له؛ وخافهم على نفسه، وقال: يا معشَرَ الروم! إني قد جمعتكم لخير؛ إنه قد أتاني كتاب هذا الرّجل يدعوني إلى دينه؛ وإنَّه والله لَلنبيّ الذي كنَّا ننتظره ونجده في كتبنا؛ فهلمّوا فلنتَّبِعه ونصدِّقه، فتسلم لنا دنيانا وآخرتنا.
قال: فَنَخَرُوا نَخْرةَ رجل واحد؛ ثم ابتدروا أبوابَ الدَّسْكرة ليخرجوا منها فوجدُوها قد أغلقت؛ فقال: كرُّوهم عليّ -وخافهم على نفسه- فقال: يا معشَر الرُّوم! إني قد قلت لكم المقالة التي قلت لأنظر كيف صلابتكم على دينكم لهذا الأمر الَّذي قد حَدَث؛ وقد رأيت منكم الذي أسَرُّ به؛ فوقعوا له سُجَّدًا؛ وأمر بأبواب الدَّسْكرة ففتِحَتْ لهم؛ فانطلقوا (١). (٢: ٦٤٩/ ٦٥٠).
٢٦٥ - حدثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدَّثنا محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم، أن هرقل قال لدِحْيَة بن خليفة حين قدم عليه بكتاب رسول الله ﷺ : ويحك! والله إنِّي لأعلَمُ أن صاحبَك نبيٌّ مرسل؛ وأنَّه الَّذِي كنَّا ننتظره ونجده في كتابنا؛ ولكني أخاف الرُّوم على نفسي؛ ولولا ذلك لاتَّبعتُه؛ فاذهب إلى صغاطر الأسقف فاذكر له أمرَ صاحبكم؛ فهو والله أعظم في الروم مِنّي، وأجوَز قولًا عندهم منيّ؛ فانظر ما يقول لك.
قال: فجاءَه دِحْية؛ فأخبره بما جاءَ به من رسول الله ﷺ ، وبما يدعوه إليه، فقال صغاطر: صاحبُك والله نبي مرسَل؛ نعرفه بصفته، ونجده في كتبنا باسمه.
ثم دخل فألقى ثيابًا كانت عليه سودًا، ولبِس ثيابًا بيضًا، ثم أخذ عصاه؛ فخرج على الرّوم وهم في الكنيسة، فقال: يا معشرَ الرُّوم؛ إنه قد جاءنا كتابٌ من أحمد؛ يدعونا فيه إلى الله ؛ وإنيّ أشهدُ أن لا إله إلا الله، وأنَّ أحمد عبده ورسوله.
قال: فوثبوا عليه وَثْبَةَ رجل واحد، فضربوه حتى قتلوه. فلمَّا رجع دِحْية إلى