← История

История · id 145435

صحيح وضعيف تاريخ الطبري

محمد بن طاهر البرزنجي

Полный текст (6 167 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

على الحِصْن ومعه عَقَّة أسير، وعمرو بن الصَّعِق، وهم يرجون أن يكون خالد كمَن كان يغير من العرب، فلما رأوْه يحاولهم سألوه الأمان. فأبى إلاّ على حُكمِه فسَلموا له به. فلما فتحوا دفعهم إلى المسلمين فصاروا مساكاً، وأمر خالد بعقَّة وكان خفير القوم فضُربت عنُقه ليُوئس الأسراءَ من الحياة، ولما رآه الأسراءُ مطروحاً على الجسر يئسوا من الحياة، ثم دعا بعمرو بن الصَّعق فضرب عنقَه، وضرب أعناق أهل الحصْن أجمعين. وسبَى كلّ من حوى حصنهم، وغنمِ ما فيه، ووجد في بيعتهم أربعين غلاماً يتعلَّمون الإنجيل، عليهم باب مُغْلق؛ فكسره عنهم، وقال: ما أنتم؟ قالوا: رُهُن، فقسمهم في أهل البلاء؛ منهم أبو زياد مولى ثَقيف، ومنهم نُصَيْر أبو موسى بن نصَير، ومنهم أبو عمرة جدّ عبد الله بن عبد الأعلى الشاعر، وسيرين أبو محمد بن سيرين، وحُرَيث، وعُلاثة. فصار أبو عمرة لشُرَحْبيل بن حَسَنة، وحُريث لرجل من بني عباد، وعلاثة للمعنَّى، وحُمران لعثمان. ومنهم عمير، وأبو قيس؛ فثبت على نسبه من موالىِ أهل الشأم القدماء، وكان نُصير يُنسب إلى بني يشكر، وأبو عمْرة إلى بني مُرّة، ومنهم ابن أخت النَّمِر (١) (٣: ٣٧٦/ ٣٧٧).

стр. 2837

١٦٢/ أ- كتب إليَّ السري عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، وأبي سفيان طلحة بن عبد الرحمن، والمهلب بن عقبة، قالوا: ولما قدم الوليد بن عقبة من عند خالد على أبي بكر ﵀ بما بعث به إليه من الأخماس؛ وجهه إلى عياض، وأمده به، فقدم عليه الوليد، وعياض، فحاصرهم وهم محاصروه، وقد أخذوا عليه بالطريق فقال له: الرأي في بعض الحالات خير من جند كثيف، ابعث إلى خالد فاستمده، ففعل فقدم عليه رسوله غِبَّ وقعة العين مستغيثًا، فعجل إلى عياض بكتابه، من خالد إلى عياض إياك أريد: لبث قليلًا تأتك الحلائب ... يحملن آسادًا عليها القاشب كتائب يتبعها كتائب (١) (٣: ٣٧٧) خبر دُومَة الجَنْدَل ١٦٣ - قالوا: ولما فرغ خالد من عَيْن التَّمْر؛ خلَّف فيها عُوَيْم بن الكاهل الأسلميّ، وخرج في تعبيته الَّتي دخل فيها العين؛ ولمَّا بلغ أهلَ دُومة مَسيرُ خالد إليهم، بعثوا إلى أحزابهم من بَهْراء، وكلْب، وغسَّان، وتَنُوخ، والضَّجاعم، وقبلُ ما قد أتاهم وَديعة في كلْب، وبَهراء، ومساندُه ابن وَبَرة بن رُومانس، وآتاهم ابن الْحدرجان في الضَّجاعم، وابن الأيْهَم في طوائف من غَسَّان وتَنْوخ، فأشْجَوْا عياضًا وشجُوا به. فلما بلغهم دنوّ خالد؛ وهم على رئيسين: أكَيْدر بن عبد الملك، والجُوديّ بن ربيعة، اختلفوا، فقال أكيدر: أنا أعلمُ النَّاس بخالد؛ لا أحد أيمنُ طائرًا منه، ولا أحدّ في حرب، ولا يرى وجه خالد قوم أبدًا قَلُّوا أو كثروا إلاّ انهزموا عنه؛ فأطيعوني، وصالحوا القوم. فأبوْا عليه، فقال: لن أمالئكم على حرْب خالد، فشأنكم! فخرج لطيَّته، وبلغ ذلك خالدًا؛ فبدث عاصمَ بن عمرو معارضًا له، فأخذه فقال: إنَّما تلقّبْت الأمير خالدًا، فلمَّا أتى به خالدًا أمر به فضُرِبت عنقُه، وأخذ ما كان معه من شيء، ومضى خالدٌ حةى ينزل على أهل دُومة، وعليهم الجوديّ بن

стр. 2838

ربيعة، ووديعة الكلبيّ، وابن رُومانس الكلبيّ، وابن الأيهم، وابن الحدْرجان، فجعل خالد دُومة بين عسكره وعسكر عياض. وكان النَّصارى الذين أمدُّوا أهل دُومة من العرب محيطين بحصن دُومة، لم يحمِلْهم الحصن، فلما اطمأنّ خالد؛ خرج الجوديّ، فنهض بوديعة، فزحفا لخالد، وخرج ابن الحدرجان وابن الاْيْهم إلى عياض؛ فاقتتلوا، فهزم الله الجوديَّ، ووديعة على يديْ خالد، وهزم عياض مَن يليه، وركبهم المسلمون؛ فأمّا خالد فإنه أخذ الجوديّ أخذًا، وأخذ الأقرع بن حابس وديعةً، وأرَزَ بقيَّة النَّاس إلى الحصن؛ فلم يحملهم؛ فلما امتلأ الحِصْن؛ أغلق مَن في الحصن الحصنَ دون أصحابهم، فبقُوا حولَه حُرداءَ؛ وقال عاصم بن عمرو: يا بني تميم! حلفاؤكم كَلْب، آسوهم، وأجيروهم؛ فإنَّكم لا تقدرون لهم على مثْلها، ففعلوا. وكان سبب نجاتِهم يومئذ وصيَّة عاصم بني تميم بهم، وأقبل خالد على الَّذين أرَزوا إلى الحِصْن فقتلهم حتى سدّ بهم بابَ الحِصْن، ودعا خالد بالجوديّ فضَرَب عنقه؛ ودعا بالأسرى فضرب أعناقهم إلّا أسارى كلب، فإن عاصمًا، والأقرع، وبني تميم قالوا: قد آمناهم، فأطلقهم لهم خالد، وقال: ما لي ولكم! أتحفظون أمر الجاهليَّة وتُضيِّعون أمر الإسلام! فقال له عاصم: لا تحسُدهم العافية؛ ولا يُحوّزهم الشيطانُ. ثم أطاف خالد بالباب، فلم يزُل عنه حتى اقتلعه؛ واقتحموا عليهم، فقتلوا المقاتلة، وسبوا الشَّرْخَ؛ فأقاموهم فيمن يزيد؛ فاشترى خالد ابنة الجوديّ وكانت موصوفة، وأقام خالد بدُومة، وردّ الأقرع إلى الأنبار. ولما رجع خالد إلى الحيرة - وكان منها قريبًا حيث يصبّحها - أخذ القعقاع أهل الحيرة بالتَّقْليس، فخرجوا يتلقَّوْنه؛ وهم يُقلِّسُون؛ وجعل بعضهم يقول لبعض: مُرّوا بنا، فهذا فَرَج الشرّ (١) (٣: ٣٧٨/ ٣٧٩).

стр. 2839

١٦٣ - كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة والمهلّب، قالوا: وقد كان خالد أقام بدُومة، فظنّ الأعاجم به؛ وكاتبهم عرب الجزيرة غضبًا لعَقَّة؛ فخرج زَرْمهْر من بغداد ومعه رُوزبه يريدان الأنبار؛ واتَّعدا حُصيدًا والخنافس، فكتب الزّبرقان وهو على الأنبار إلى القعقاع بن عمرو؛ وهو يومئذ خليفة خالد على الحيرة؛ فبعث القعقاع أعْبَدَ بن فَدكيّ السعديّ، وأمره بالحُصيد، وبعث عُرْوة بن الجعْد البارقيّ وأمره بالخَنافس، وقال لهما: إن رأيتما مَقْدَمًا فأقدما. فخرجا فحالا بينهما وبين الريف، وأغلقاهما، وانتظر روزبه وزرمهر بالمسلمين اجتماع من كاتبهما من رَبِيعة؛ وقد كانوا تكاتَبوا واتَّعدوا؛ فلمَّا رجع خالد من دُومة إلى الحيرة على الطهر وبلغه ذلك وقد عزم على مصادمة أهل المدائن؛ كرِه خلافَ أبي بكر، وأن يتعلَّق عليه بشيء، فعجَّل القعقاع بن عمرو، وأبو ليلى بن فَدكيّ إلى رُوزبه وزرمهر، فسبقاه إلى عين التَّمر، وقدم على خالد كتاب امرئ القيس الكلبيّ: أنَّ الهذيل بن عمران قد عَسْكر بالمُصَيَّخ، ونزل ربيعة بن بُجير بالثَنِيّ وبالبِشْر في عسكر غضبًا لعقَّة، يريدان زرمهر ورُوزبه. فخرج خالد وعلى مقدّمته الأقرع بن حابس، واستخلف على الحيرة عياض بن غَنْم، وأخذ طريق القعقاع وأبي ليلى إلى الخنَافس حتى قدم عليهما بالعين، فبعث القعقاع إلى حُصَيد، وأمَّره على الناس، وبعث أبا ليلى إلى الخَنافس، وقال: زجّيَاهم ليجتمعوا ومن استثأرهم؛ وإلّا فواقِعاهم. فأبيا إلّا المُقام. خبر حُصَيد فلمّا رأى القعقاع: أنّ زرمهر وروزبه لا يتحرّكان سار نحو حُصيد، وعلَى من

стр. 2840

مرّ به من العرب والعجم روزْبه. ولقا رأى روزْبه: أنّ القعقاع قد قصد له؛ استمدّ زرمهر، فأمدّه بنفسه، واستخلف على عسكره المَهْبُوذان، فالتقوْا بحُصَيد، فاقتتلوا، فقتل الله العجمَ مقتلةً عظيمة، وقَتَلَ القعقاعُ زرمهَر، وقُتل روزبه؛ قتله عِصْمة بن عبد الله أحد بني الحارث بن طريف، من بني ضَبَّة، وكان عصمة من البَرَرة - وكلّ فَخِذٍ هاجرت بأسرها تُدعى البررة، وكلّ قوم هاجروا من بطن يُدعون الخيَرة - فكان المسلمون خيرَة وبرَرة. وغنم المسلمون يوم حُصيد غنائم كثيرة وأرَز فُلّال حُصيد إلى الخَنافس فاجتمعوا بها. الخَنافِس وسار أبو ليلى بن فَدَكيّ بمَن معه ومن قدم عليه نحو الخنافس؛ وقد أرَزت فُلّال حُصيد إلى المَهْبُوذان، فلما أحسَّ المهبوذان بقدومهم هرب ومن معه وأرَزوا إلى المُصَيَّخ، وبه الهُذيل بن عمران، ولم يلق بالخنافس كيدًا، وبعثوا إلى خالد بالخبر جميعًا. مصَيَّخ بني البَرْشاء قالوا: ولمَّا انتهى الخبرُ إلى خالد بمصاب أهلِ الحُصيد وهرب أهل الخَنافس كتب إليهم، ووعد القعقاعَ وأبا ليلى وأعبد وعُروة ليلة وساعة يجتمعون فيها إلى المصيَّخ - وهو بين حَوْران والقَلْت - وخرج خالد من العين قاصدًا للمصَيَّخ على الإبل يجنّب الخيل، فنزل الجَناب، فالبَردان، فالحِنْي، واستقلّ من الحنْي؛ فلمَّا كان تلك الساعة من ليلة الموعِد اتفقوا جميعًا بالمُصَيَّخ، فأغاروا على الهُذَيل ومَن معه ومن أوى إليه؛ وهم نائمون من ثلاثة أوجه، فقتلوهم. وأفلت الهُذَيل في أناس قليل؛ وامتلأ الفضاء قَتْلى، فما شبَّهوا بهم إلّا غنمًا مصرَّعة؛ وقد كان حُرْقوص بن النعمان قد محضهم النّصح، وأجاد الرأي، فلم ينتفعوا بتحذيره، وقال حرقوص بن النعمان قبل الغارة: ألا سَقياني قبلَ خيلِ أبي بكر ... الأبيات وكان حرقوص معرِّسًا بامرأة من بني هلال تُدعى أمّ تغلب، فقتلت تلك الليلة، وعُبادة بن البشر، وامرؤ القيس بن بشر، وقيس بن بشر؛ وهؤلاء بنو

стр. 2841

الثَّوريَّة من بني هلال. وأصاب جرير بن عبد الله يوم المُصَيَّخ من النَّمرِ عبدَ العزّى بن أبي رُهْم بن قِرْواش أخا أوس مناة من النَّمر، وكان معه ومع لَبيد بن جرير كتاب من أبي بكر بإسلامهما، وبلغ أبا بكر قول عبد العزّى؛ وقد سماه "عبد الله" ليلة الغارة، وقال: *سبحانك اللهمّ ربَّ محمد* فوداه وودى لبيدًا - وكانا أصيبا في المعركة - وقال: أما إنّ ذلك ليس عليَّ؛ إذ نازلا أهل الحرب؛ وأوصى بأولادهما، وكان عمر يعتدّ على خالد بقتلهما إلى قتل مالك - يعني: ابن نوَيْرة - فيقول أبو بكر: كذلك يلقَى مَن ساكَنَ أهل الحرب في ديارهم. وقال عبد العُزّى: أقول إذ طَرَق الصباحُ بِغارةٍ ... سبحانك اللهمّ ربَّ محمد سبحان رَبِّيَ لا إله غَيْرُه ... ربِّ البلاد ورت من يَتَوَرَّدُ (١) (٣: ٣٧٩/ ٣٨٠/ ٣٨١). ١٦٤ - كتب إليّ السريّ عن شُعيب، عن سيف، عن عطية، عن عديّ بن حاتم، قال: أغرنا على أهل المُصَيَّخ، وإذا رجلٌ يُدعى باسمه حُرْقوص بن النعمان من النَّمِر، وإذا حوله بنوه، وامرأته، وبينهم جَفْنة من خَمْر؛ وهم عليها عكوف يقولون له: ومَن يشرب هذه الساعة وفي أعجاز الليل! فقال: اشربوا شُرْب ودَاع، فما أرى أن تشربوا خمرًا بعدها، هذا خالد بالعين، وجنوده بحُصَيد، وقد بلغه جمعُنا وليس بتاركنا؛ ثم قال: ألا فاشربوا من قبل قاصمة الظّهْرِ ... بُعَيْدَ انْتِفاخ القومِ بالعكَر الدَّثْرِ وقبلَ مَنايانا المُصيبَةِ بالقَدْرِ ... لحِينٍ لَعَمْري لا يزيدُ ولا يَحْرِي فسبق إليه وهو في ذلك في بعض الخيل، فضرب رأسه، فإذا هو في جفنته، وأخذنا بناتِه، وقتلنا بنيه. الثَّنِيّ والزُّمَيْل وقد نزل ربيعة بن بُجَير التغلبيّ الثَّنيّ والبِشْر غضبًا لعقَّة، وواعد رُوزْبه،

стр. 2842

وزَرَمهر، والهُذيل. فلمَّا أصاب خالد أهل المُصَيَّخ بما أصابَهم به، تقدّم إلى القعقاع وإلى أبي ليلى، بأن يرتحلا أمامَه، وواعدهما اللَّيلة ليفترقوا فيها للغارة عليهم من ثلاث أوجه؛ كما فعل بأهل المُصَيَّخ. ثم خرج خالد من المُصَيَّخ، فنزل حَوْران، ثمّ الرّنْق، ثم الحَمَاة - وهي اليوم لبني جُنادة بن زهير من كلْب - ثم الزُّمَيل؛ وهو البِشْر والثَّنِيّ معه - وهما اليوم شرقى الرُّصافة - فبدأ بالثَّنيّ، واجتمع هو وأصحابه، فبيَّتَه من ثلاثة أوجه بياتًا ومن اجتمع له وإليه، ومن تأشَّب لذلك من الشُّبان؛ فجرّدُوا فيهم السيوف، فلم يُفلِتْ من ذلك الجيش مخبر، واستَبى الشَّرْخ، وبعث بخُمْس الله إلى أبي بكر مع النُّعمان بن عوف بن النعمان الشيبانيّ، وقسّم النَّهْب والسّبَايا، فاشترى عليّ بن أبي طالب ﵇ بنتَ ربيعة بن بُجَير التغلبيّ، فاتّخذها؛ فولدت له عمر ورُقيّة، وكان الهذيل حين نجا أوى إلى الزُّمَيْل، إلى عتَّاب بن فلان؛ وهو بالبِشْر في عسكر ضخم؛ فبيّتهم بمثلها غارةً شَعْواءَ من ثلاثة أوجه سبقت إليهم الخبر عن ربيعة، فقتل منهم مقتلة عظيمة لم يُقْتَلُوا قبلها مثلها، وأصابوا منهم ما شاؤوا، وكانت على خالد يَمين: "ليبغَتنّ تَغْلِبَ في دارها"؛ وقسّم خالد فيئَهُم في الناس، وبعث بالأخماس إلى أبي بكر مع الصباح بن فلان المزنيّ، وكانت في الأخماس ابنة مُؤذن النَّمَريّ؛ وليلى بنت خالد، وريحانة بنت الهذيل بن هبيرة. ثم عطف خالد من البِشْر إلى الرُّضاب؛ وبها هلال بنُ عَقَّة، وقد ارفضَّ عنه أصحابُه حين سمعوا بدنوّ خالد؛ وانقشع عنها هلال فلم يلق كيدًا بها (١). (٣: ٣٨٢/ ٣٨٣). حديث الفِرَاض ١٦٥ - ثم قصد خالدُ بعد الرُّضاب وبغتته تغلبَ إلى الفراض - والفراض: تخوم الشأم والعراق والجزيرة - فأفطر بها رمضان في تلك السّفْرة التي اتّصلت له فيها الغَزوات والأيّام، ونُظمنَ نظمًا، أكثرَ فيهنّ الرُّجّاز إلى ما كان قبل ذلك منهنّ. كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة - وشاركهما عمرو بن محمد؛ عن رجل من بني سعد، عن ظَفَر بن دهي - والمهلَّب بن

стр. 2843

عُقْبة، قالوا: فلمّا اجتمَع المسلمون بالفراض؛ حميَت الرّوم، واغتاظت، واستعانوا بِمَن يليهم من مَسالح أهلِ فارس، وقد حَمُوا واغتاظوا واستمدُّوا تَغْلب، وإياد، والنَّمِر؛ فأمدُّوهم؛ ثم ناهدوا خالدًا؛ حتى إذا صار الفرات بينهم، قالوا: إما أن تعبرُوا إلينا، وإمّا أن نعبُر إليكم. قال خالد: بلِ اعبروا إلينا، قالوا: فتنحَّوْا حتى نعبُر؛ فقال خالد: لا نفعل؛ ولكن اعبُروا أسفل منّا. وذلك للنّصْف من ذي القَعدة سنة اثنتي عشرة. فقالت الرّوم وفارس بعضُهم لبعض: احتسبوا ملككم؛ هذا رجل يقاتل على دين، وله عقل وعلم، ووالله ليُنْصَرَنّ ولَنُخْذلَنَّ. ثم لم ينتفعوا بذلك؛ فعبروا أسفلَ من خالد؛ فلما تتامُّوا قالت الروم: امتازوا حتى نعرِف اليوم ما كان من حَسَنٍ أو قبيح؛ من أيِّنا يجيء! ففعلوا، فاقتتلوا قتالًا شديدًا طويلًا. ثم إنّ الله هزمهم، وقال خالد للمسلمين: ألحُّوا عليهم، ولا تُرَفّهوا عنهم؛ فجعل صاحب الخيل يحشر منهم الزّمْرة برماح أصحابه، فإذا جمعوهم قتلوهم، فقتل يوم الفِراض في المعركة وفي الطلب مئة ألف، وأقام خالد على الفِراض بعد الوقعة عشرًا، ثم أذن في القفل إلى الحيرة لخمس بقين من ذي القَعدة؛ وأمر عاصم بن عمرو أن يسير بهم؛ وأمر شَجرة بن الأعزّ أن يسوقهم. وأظهر خالد: أنه في السّاقة (١). (٣: ٣٨٣). حجّة خالد قال أبو جعفر: وخرج خالدٌ حاجًّا من الفِراض لخمس بقين من ذي القعدة، مكتتمًا بحجّه، ومعه عدّةٌ من أصحابه؛ يعتسف البلاد حتى أتى مكَّة بالسَّمْت، فتأتَّى له من ذلك ما لم يتأتَّ لدليل، ولا رئبال، فسار طريقًا من طُرق أهل الجزيرة، لم يُرَ طريقٌ أعجبُ منه؛ ولا أشدّ على صعوبته منه، فكانت غيبته عن الجند يسيرة: فما تَوَافَى إلى الحيرة آخرهم حتى وافاهم مع صاحب السَّاقة الَّذي وضعه. فقدما معًا؛ وخالد وأصحابه محلِّقون؛ لم يعلَم بحجِّه إلا مَنْ أفضى إليه بذلك من السَّاقة، ولم يعلم أبو بكر ﵀ بذلك إلّا بعد؛ فعتب عليه. وكانت عقوبته إيَّاه أن صرَفه إلى الشأم. وكان مسيرُ خالد من الفِراض أن استعرض البلاد

стр. 2844

متعسّفًا متحمّسا، فقطع طريق الفراض ماءَ العَنبريّ، ئم مِثْقَبًا، ثم انتهى إلى ذات عِرْق، فشرّق منها، فأسلمه إلى عَرَفات من الفِراض، وسُمِّيَ ذلك الطريق الصُّدّ؛ ووافاه كتاب من أبي بكر منصرفه من حَجّه بالحيرة يأمره بالشأم؛ يقاربه ويباعده. قال أبو جعفر: قالوا: فوافى خالدًا كتابُ أبي بكر بالحيرة، منصرفَه من حجّه: أن سِرْ حتَّى تأتيَ جموعَ المسلمين باليَرموك، فإنهم قد شجُوا وأشجوْا؛ وإيَّاك أن تعودَ لمثل ما فعلت؛ فإنَّه لم يُشْج الجموعَ من الناس بعون الله شجاك، ولم ينزع الشجَى من الناس نَزْعَك؛ فليهنئَك أبا سليمان النِّيّة والحُظْوة؛ فأتْمِمْ يتمم الله لك، ولا يدخلنَّك عُجْب فتخسر وتخْذَل، وإيَّاك أن تُدِلّ بعمل، فإنّ الله له المن، وهو وليّ الجزاء (١). (٣: ٣٨٣/ ٣٨٤). ١٦٦ - كتب إليّ السريّ عن شُعيب، عن سيف؛ عن عبد الملك بن عطاء بن البَكائي، عن المقطَّع بن الهيثم البكائي، عن أبيه، قال: كان أهل الأيَّام من أهلِ الكوفة يُوعدون معاوية عند بعض الَّذي يبلغهم، ويقولون: ما شاء معاوية! نحن أصحاب ذات السلاسل. ويُسمُّون ما بينها وبين الفَراض ما يذكرون ما كان بعدُ احتقارًا لما كان بعد فيما كان قبل (٢). (٣: ٣٨٥). ١٦٧ - وقال بعضهم: حجّ بالناس سنة اثنتي عشرة عمر بن الخطاب. ذكر من قال ذلك: حدّثنا ابنُ حُميد، قال: حدّئنا سلَمة، عن ابن إسحاق، قال: بعضُ النَّاس يقول: لم يحجّ أبو بكر في خلافته، وإنه بعَث سنة اثنتي عشرة على الموسِم عمرَ بن الخطاب، أو عبد الرحمن بن عوف (٣). (٣: ٣٨٦). ١٦٨ - وحدّثني عُمر بن شبَّة، عن عليّ بن محمد بالإسناد الذي ذكرت قبلُ،

стр. 2845

عن شيوخه الَّذين مضى ذكرهم، قال: ثم وجَّه أبو بكر الجنودَ إلى الشَّأم أوّل سنة ثلاث عشرة، فأوّل لواء عقده لواءُ خالد بن سعيد بن العاصي، ثم عزله قبل أن يسير، وولَّى يزيدَ بن أبي سفيان، فكان أوّل الأمراء الذين خرجوا إلى الشأم، وخرجوا في سبعة آلاف (١). (٣: ٣٨٧). ١٦٩ - قال أبو جعفر: وكان سببُ عزلِ أبي بكر خالدَ بن سعيد - فيما ذُكِر - ما حدّثنا ابنُ حُميد، قال: حدّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر: أن خالدَ بن سعيد لمّا قَدِم من اليمن بعد وفاة رسولِ الله ﷺ ؛ تربَّص ببيعته شهريْن، يقول: قد أمَّرني رسولُ الله ﷺ ، ثم لم يعزلني حتى قَبَضه الله. وقد لقي عليّ بن أبي طالب، وعثمان بن عفان؛ فقال: يا بني عبد مناف! لقد طِبْتم نفسًا عن أمركم يليه غيركم! فأمّا أبو بكر فلم يحفِلْها عليه، وأمَّا عمر فاضطغنها عليه. ثم بعث أبو بكر الجنود إلى الشأم، وكان أوّل مَن استعمل على رُبعٍ منها خالد بن سعيد، فأخذ عمر يقول: أتؤمِّره وقد صنع ما صنع وقال ما قال! فلم يزل بأبي بكر حتى عَزله، وأمَّر يزيد بن أبي سفيان. (٣: ٣٨٧/ ٣٨٨). ١٧٠ - كتب إليَّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن مبشّر بن فُضَيل، عن جُبَير بن صخر حارس النبيّ ﷺ ؛ عن أبيه، قال: كان خالدُ بن سعيد بن العاصي باليمن زمنَ النبيّ ﷺ ؛ وتوفِّيَ النبيُّ ﷺ وهو بها، وقدم بعد وفاته بشهر، وعليه جُبَّة ديباج فلقِيَ عمر بن الخطاب، وعليّ بن أبي طالب، فصاح عمر بمن يليه:

стр. 2846

مَزِّقوا عليه جُبَّته! أيلبس الحرير وهو في رجالنا في السلم مهجور! فمزّقوا جُبَّته، فقال خالد: يا أبا الحسن! يا بني عبد مناف! أغُلِبتم عليها؟ ! فقال عليّ ﵇: أمغالبة ترى، أم خلافة؟ ! قال: لا يغالب على هذا الأمر أوْلى منكم يا بني عبد مناف! وقال عمر لخالد: فضّ الله فاك! والله لا يزال كاذب يخوض فيما قلت ثم لا يضرُّ إلا نفسه. فأبلغ عمر أبا بكر مقالته؛ فلمّا عقد أبو بكر الألوية لقتال أهل الرّدة؛ عقد له فيمن عقد، فنهاه عنه عمر، وقال: إنه لمخذول، وإنه لضعيف التروئة؛ ولقد كذب كذبة لا يفارق الأرض مدْل بها وخائضٌ فيها، فلا تستنصر به! فلم يحتمل أبو بكر عليه، وجعله ردءًا بتَيْماء؛ أطاع عمرَ في بعض أمره، وعصاه في بعض (١) (٣: ٣٨٨). ١٧١ - كتب إليَّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عمرو، عن الشعبيّ، قال: لما قدم خالد بن سعيد ذا المروة، وأتى أبا بكر الخبرُ كتب إلى خالد: أقمْ مكانك، فلعمري إنَّك مقدام محجام، نجَّاءٌ من الغمرات، لا تخوضها إلّا إلى حقّ، ولا تصبر عليه. ولمّا كان بعد؛ وأذن له في دخوله المدينة قال خالد: اعذِرْني، قال: أخَطَلٌ؟ ! أنت امرؤ جُبُن لدى الحرب. فلمّا خرج مغ عنده قال: كان عمر، وعليّ أعلمَ بخالد؛ ولو أطعتهما فيه؛ اختشيته، واتَّقيته (٢). خبر اليرموك ١٧٢ - كتب إليَّ السريَّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة نحوًا من حديث أبي عثمان؛ وقالوا جميعًا: وكان القارئ المِقْداد. ومن السُّنَّة التي سنَّ رسولُ الله ﷺ بعد بدر أن تقرأ سورة الجهاد عند اللِّقاء؛ وهي الأنفال، ولم يزَلِ النَّاس بعد ذلك على ذلك. (٣). (٣: ٣٧٩). ١٧٣ - كتب إليّ السريّ عن شُعيب، عن سيف، عن أبي عثمان الغسَّاني، عن أبيه، قال: قال عِكْرمة بن أبي جهل يومئذ: قاتلت رسولَ الله ﷺ في كلّ

стр. 2847

موطن، وأفِرُّ منكم اليوم! ثم نادى: مَنْ يبايع على الموت؟ فبايعه الحارث بن هشام، وضرار بن الأزْور في أربعمئة من وجوه المسلمين وفرسانهم؛ فقاتلوا قدّام فُسطاط خالد؛ حتى أثبتوا جميعًا جراحًا، وقُتِلوا إلّا من برأ، ومنهم ضرار بن الأزور. قال: وأتيَ خالد بعد ما أصبحوا بعِكْرمة جريحًا فوضع رأسه على فخذه، وبعمرو بن عِكْرمة فوضع رأسه على ساقه، وجعل يمسح عن وجوههما، ويقطِّر في حلوقهما الماء، ويقول: كلّا، زعم ابن الحَنْتَمة أنَّا لا نُستشهَد! (١) (٣: ٤٠١). ١٧٤ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن المُسْتَنير بن يزيد بن أرطاة بن جُهَيْش، قال: كان الأشتَر قد شهد اليَرْموك، ولم يشهد القادسيَّة؛ فخرج يومئذ رجلٌ من الرّوم، فقال: مَنْ يبارز؟ فخرج إليه الأشتر؛ فاختلفا ضربتيْن، فقال للرّومي: خُذْها وأنا الغلام الإياديّ، فقال الروميّ: أكثر الله في قومي مثلك! أمَا والله لو أنَّك من قومي لآزرْت الرُّوم، فأمَّا الآن فلا أعِينهم! (٢). ١٧٥ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن المستنير بن يزيد، عن أرطاة بن جهيش، قال: قال خالد يومئذ: الحمدُ لله الذي قضى على أبي بكر بالموت وكان أحبَّ إليَّ من عمر، والحمدُ لله الذي ولَّى عمر، وكان أبغضَ إليّ من أبي بكر ثم ألزمني حُبَّه! (٣). ١٧٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عبد الله بن سعيد، عن أبي سَعيد، قال: قال قَباث: كنت في الوفْد بفتح اليَرْموك، وقد أصبنا خيرًا ونَفلًا كثيرًا، فمرَّ بنا الدّليل على ماء رجل قد كنت اتَّبعته في الجاهليَّة حين أدركتُ وآنستُ من نفسي لأصيب منه؛ كنت دُلِلْتُ عليه، فأتيته فأخبرته، فقال: قد أصبتَ، فإذا ريبال من ريابلة العرب قد كان يأكل في اليوم عَجُز جَزور بأدمها ومقدار ذلك من غير العَجُز ما يفضل عنه إلّا ما يقوتني. وكان يُغيرُ على الحيّ ويَدَعُني قريبًا، ويقول: إذا مرّ بك راجز يرتجز بكذا وكذا، فأنا ذلك؛ فَشُلَّ معي. فمكثت بذلك حتى أقطعني قطيعًا من مال، وأتيت به أهلي؛ فهو أوّلُ مال أصبته. ثم إنّي رأستُ قومي؛ وبلغت مبلغ رجال العرب، فلمَّا مرّ بنا على ذلك

стр. 2848

الماء عرفتُه، فسألت عن بيته فلم يعرفوه، وقالوا: هو حيٌّ، فأتيت ببنين استفادهم بعدي، فأخبرتهم خبري، فقالوا: اغْدُ علينا غدًا، فإنه أقربُ ما يكون إلى ما تحبّ بالغداة، فغاديتهم فأدخلْت عليه، فأخرِج من خِدْره؛ فأجلس لي، فلم أزل أذكِّره حتى ذكر، وتسمَّع وجعل يطرَب للحديث ويستطعمنيه، وطال مجلسنا وثقُلنا على صبيانهم؛ ففرَّقوه ببعض ما كان يفرَق منه ليدخل خِدْره، فوافق ذلك عقله، فقال: قد كنت وما أفزَّع! فقلت: أجل، فأعطيته ولم أدعْ أحدًا من أهله إلا أصبتُه بمعروف ثم ارتحلت (١). (٣: ٤٠٤/ ٤٠٥). ١٧٧ - كتب إليّ السريّ عن سيف، عن أبي سعيد المَقْبُريّ، قال: قال مروان بن الحكم لقَباث: أأنت أكبر أم رسولُ الله ﷺ ؟ قال: رسول الله أكبر منّي، وأنا أقدم منه، قال: فما أبعدُ ذكرك؟ قال: خِثْي الفيل لسنة. قال: وما أعجب ما رأيتَ؟ قال: رجل من قُضاعة؛ إني لما أدركتُ وآنَسْتُ من نفسي سألتُ عن رجل أكونُ معه وأصيب منه، فدلِلْتُ عليه ... واقتصّ هذا الحديث (٢). (٤٠٥: ٣). ١٧٨ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عبد الملك بن عطاء، عن الهيْثَم البكائيّ، قال: كان أهلُ الأيَّام من أهل الكوفة يُوعدون معاويةَ عند بعض الذي يبلُغهم، ويقولون: ما شاء معاوية! نحنُ أصحابُ ذات السلاسل، ويسمّون ما بينها وبين الفراض؛ ما يذكرون ما كان بعد؛ احتقارًا لما كان بعد فيما كان قبل (٣). (٣: ٤٠٧). ١٧٩ - كتب إليّ السريُّ عن شُعيب، عن سَيْف، عن عبيد الله بن مُحَفِّز بن ثعلبة؛ عمنّ حدّثه من بكر بن وائل: أنّ مُحْرز بن حَريش المحاربيّ قال لخالد: اجعل كوكبَ الصبح على حاجبك الأيمن، ثم أُمَّه تُفْضِ إلى سُوَى؛ فكان أدلَّهم (٤). (٣: ٤٠٩).

стр. 2849

ذكر مرض أبي بكر ووفاته ١٨٠ - حدّثني أبو زيد؛ عن عليّ بن محمد، بإسناده الذي قد مضى ذكره؛ قالوا: تُوُفِّيَ أبو بكر وهو ابن ثلاث وستين سنة في جُمادى الآخرة يوم الإثنين لثمان بقين منه. قالوا: وكان سبب وفاته: أنّ اليهود سَمَّتْه في أرُزّة، ويقال: في جذيذة، وتناول معه الحارث بن كَلَدة منها، ثم كَفّ، وقال لأبي بكر: أكلتَ طعامًا مسمومًا سمّ سنة. فمات بعد سنة، ومرض خمسة عشو يومًا، فقيل له: لو أرسلتَ إلى الطبيب! فقال: قد رآني، قالوا: فما قال لك؟ قال: إنّي أفعل ما أشاء. قال أبو جعفر: ومات عتّاب بن أسيد بمكَّة في اليوم الذىِ مات فيه أبو بكر - وكانا سُمّا جميعًا - ثم ماتَ عَتَّاب بمكة (١). (٣: ٤١٩). ذكر الخبر عمن غسله والكفن الذي كفن فيه أبو بكر ومن صلى عليه والوقت الذي صلى عليه فيه والوقت الذي توفي فيه ١٨١ - حدّثني الحارث عن محمد بن سعد، قال: أخبرَنا مُعاذ بن مُعاذ، ومحمد بن عبد الله الأنصاريّ، قالا: حدّثنا الأشعث، عن عبد الواحد بن صَبِرة، عن القاسم بن محمد: أنّ أبا بكر الصّدّيق أوصى أن تغسله امرأته أسماء؛ فإن عجزت، أعانها ابنُه محمد. قال ابن سعد: قال محمد بن عمر: وهذا الحديث وَهِل؛ وإنما كان لمحمد يوم تُوُفِّي أبو بكر ثلاث سنين. (٣: ٤٢١). ١٨٢ - قال أبو جعفر: وكان أوصى - فيما حدّثني الحارثُ عن ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرة عن عمر بن عبد الله - يعني: ابن عروة - أنَّه سمع عُروة والقاسم بن محمد يقولان:

стр. 2850

أوصى أبو بكِر عائشة أن يُدفن إلى جَنْب النبيّ ﷺ ، فلمَّا تُوُفِّيَ حُفِر له، وجعل رأسه عند كَتِفيْ رسول الله ﷺ ، وألصقوا اللحدَ بلَحدِ النبيِّ ﷺ فقبر هنالك (١). (٣: ٤٢٢). ١٨٣ - قال الحارث: حدّثني ابنُ سعد، قال: وأخبرنا محمد بن عمر، قال: حَدّثني ابنُ عثمان عن عامر بن عبد الله بن الزبير، قال: جعل رأس أبي بكر عند كتفي رسولِ الله ﷺ ، ورأس عمر عند حَقْوي أبي بكر (٢). (٣: ٤٢٢). ١٨٤ - حدّثني الحارثُ عن ابن سعد، قال: أخبرَنا محمد بن عمر، قال: حدّثنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبْرة عن عمرو بن أبي عمرو، عن المطَّلب بن عبد الله بن حَنْطَب، قال: جُعل قبر أبي بكر مثل قبرِ النبيّ ﷺ مُسَطَّحًا؛ ورُشَّ عليه الماء، وأقامت عليه عائشة النَّوْح (٣). (٣: ٤٢٣). ١٨٥ - حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابنُ وهب، قال: أخبريا يونس بن يزيد عن ابن شهاب؛ قال: حدّثني سعيد بن المسيّب، قال: لما تُوُفِّيَ أبو بكر ﵀ أقامت عليه عائشة النَّوْح، فأقبل عمر بن الخطَّاب حتى قام ببابها، فنهاهنّ عن البكاء على أبي بكر، فأبيْن أن ينتهين، فقالى عمر لهشام بن الوليد. ادخل فأخرج إليَّ ابنة أبي قُحافة؛ أخت أبي بكر، فقالت عائشة لهشام حين سمعت ذلك من عمر: إني أحرّج عليك بيتي. فقال عمر لهشام: ادخُل فقد أذنتُ لك، فدخل هشام فأخرج أمّ فرْوة أخت أبي بكر إلى عمر، فعلاها بالدّرّة، فضربها ضربات، فتفرّق النَّوْح حين سمعوا ذلك (٤). (٣: ٤٢٣).

стр. 2851

١٨٦ - وتمثَّل في مرضِه - فيما حدثني أبو زيد، عن عليّ بن محمد بإسناده - الذي توفي فيه: وكلُّ ذي إبلٍ موروثُ ... وكلُّ ذي سَلَبٍ مسلوبُ وكلّ ذي غيبةٍ يؤوبُ ... وغائبُ الموتِ لا يؤوبُ وكان آخر ما تكلم به: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ (١). (٣: ٤٢٣). ذكر الخبر عن صفة جسم أبي بكر ﵀ ١٨٧ - حدّثني الحارث عن ابن سعد، قال: أخبرَنا محمد بن عمر، قال: حدّثنا شُعَيب بن طَلْحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق عن أبيه، عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أنها نظرتْ إلى رجلٍ من العَرب مرّ وهي في هَوْدجها، فقالت: ما رأيتُ رجلًا أشبَه بأبي بكر من هذا، فقلنا لها: صِفي أبا بكر، فقالت: رجل أبيض، نحيف، خفيف العارضين، أجْنَأ، لا يستمسك إزاره، يسترخي عن حَقويْه، معروق الوجه، غائر العينين، ناتئ الجبهة، عاري الأشاجع (٢). (٣: ٤٢٤). ١٨٨ - وأما عليّ بن محمد؛ فإنه قال في حديثه الذي ذكرت إسناده قبل: إنَّه كان أبيضَ يخالطه صُفرة، حسنَ القامة، نحيفًا، أجْنأ، رقيقًا، عتيقًا، أقنى، معروق الوجه، غائر العينين، حَمْش الساقين، ممحوص الفخذيْن، يخضب بالحنَّاء والكتَم. وكان أبو قحافة حين تُوُفِّيَ حيًّا بمكَّة، فلما نُعي إليه قال: رُزْءٌ جليل! (٣) (٣: ٤٢٤).

стр. 2852

ذكر نسب أبي بكر واسمه وما كان يُعرف به ١٨٩ - وأمَّا هشام، فإنه قال - فيما حُدّثت عنه - إنّ اسم أبي بكر: عتيق بن عثمان بن عامر (١). (٣: ٤٢٥). ذكر أسماء قضاته وكتابه وعُمَّاله على الصدقات ١٩٠ - وقال عليّ بن محمد عن الذين سمَّيتُ: قال بعضهم: جعل أبو بكر عمرَ قاضيًا في خلافته، فمكث سنة لم يخاصم إليه أحد. قال: وقالوا: كان يكتب له زيد بن ثابت، ويكتب له الأخبار عثمان بن عفان ﵁، وكان يكتب له مَنْ حضر. وقالوا: كان عاملَه على مكَّة عَتَّاب بن أسيد، وعلى الطَّائف عُثْمان بن أبي العاصي، وعلى صنْعاء المهاجر بن أبي أميَّة، وعلى حَضرموت زياد بن لَبيد، وعلى خَوْلان يَعْلَى بن أميَّة؛ وعلى زَبيد ورِمَع أبو موسى الأشعريّ، وعلى الجنَد مُعاذ بن جبل، وعلى البحْرين العَلاء بن الحضرميّ، وبعث جرير بن عبد الله إلى نَجْران، وبدث بعبد الله بن ثَوْر؛ أحد بني الغَوْث إلى ناحية جُرَش، وبعث عياض بن غَنْم الفِهريّ إلى دُومة الجنْدَل؛ وكان بالشأم أبو عبيدة وشُرَحْبيل بن حَسَنة، ويزيد بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص؛ كلّ رجل منهم على جند، وعليهم خالد بن الوليد (٢). (٣: ٤٢٦/ ٤٢٧). ١٩١ - قالوا: ولم يعش أبو قُحافة بعد أبي بكر إلا ستَّة أشهر وأيامًا؛ وتوفِّيَ في المحرَّم سنة أربع عشرة بمكَّة؛ وهو ابن سبع وتسعين سنة (٣). (٣: ٤٢٧).

стр. 2853

ذكر استخلافه عمر بن الخطاب ١٩٢ - وعقد أبو بكر في مَرْضته التي تُوُفِّيَ فيها لعمر بن الخطاب عَقْد الخلافة من بعده. وذُكر أنه لما أراد العَقْد له دَعَا عبد الرحمن بن عَوْف؛ فيما ذكر ابن سعد عن الواقديّ، عن ابن أبي سَبْرة، عن عبد المجيد بن سُهيل، عن أبي سَلَمة بن عبد الرحمن؛ قال: لمَّا نزل بأبي بكر ﵀ الوفاةُ دعا عبدَ الرحمن بن عوْف، فقال: أخبِرْني عن عمر، فقال: يا خليفةَ رسول الله! هو واللهِ أفضلُ من رأيك فيه من رجل؛ ولكن فيه غِلْظة. فقال أبو بكر: ذلك لأنه يراني رقيقًا، ولو أفضَى الأمر إليه؛ لترك كثيرًا ممَّا هو عليه. ويا أبا محمد! قد رمَّقتُه، فرأيتُني إذا غضبتُ على الرجل في الشيء أراني الرّضا عنه، وإذا لِنتُ له أراني الشدّة عليه؛ لا تذكرْ يا أبا محمد مما قلت لك شيئًا، قال: نعم. ثم دعا عثمان بن عفان، قال: يا أبا عبد الله! أخبِرْني عن عمر، قال: أنت أخبرُ به، فقال أبو بكر: عليَّ ذاك يا أبا عبد الله! قال: اللهمّ علمي به: أنّ سريرته خيرٌ من علانيته؛ وأن ليس فينا مثله. قال أبو بكر ﵀: رحمك الله يا أبا عبد الله! لا تذكر ممَّا ذكرتُ لك شيئًا، قال: أفعل، فقال له أبو بكر: لو تركتُه ما عدوتُك، وما أدري لعلَّه تارِكه، والخيرَة له ألّا يلي من أموركم شيئًا، ولوددتُ أني كنت خلْوًا من أموركم؛ وأنّي كنتُ فيمَن مضى من سلَفِكم؛ يا أبا عبد الله! لا تذكرَنّ مما قلتُ لك من أمر عمر، ولا ممَّا دعوتك له شيئًا (١). (٣: ٤٢٨). ١٩٣ - حدّثنا ابنُ حميد، قال: حدّثنا يحيى بن واضح، قال: حدّثنا يونس بن عمرو عن أبي السَّفَر، قال: أشرف أبو بكر على النَّاس من كنيفه وأسماءُ ابنة عُميس

стр. 2854

ممسكتُه، موشومة اليديْن، وهو يقول: أترضوْن بمن أستخلف عليكم؟ فإنّي والله ما ألوْتُ من جَهْد الرّأي، ولا ولَّيت ذا قرابة، وإنّي قد استخلفتُ عمر بن الخطاب، فاسمعوا له، وأطيعوا! فقالوا: سمعنا، وأطعنا (١) (٣: ٤٢٨). ١٩٤ - حدّثني عُثمان بن يحيى عن عثمان القرقسانيّ، قال: حدّثنا سفيان بن عُيَينة، عن إسماعيل، عن قيس، قال: رأيتُ عمرَ بن الخطاب وهو يجلس والنَّاس معه، وبيده جَرِيدة، وهو يقول: أيُّها الناس! اسمعوا وأطيعوا قولَ خليفةِ رسول الله ﷺ ؛ إنَّه يقول: إني لم آلُكم نصْحًا. قال: ومعه مولىً لأبي بكر يقال له: شديد، معه الصحيفة الّتي فيها استخلاف عمر (٢). ١٩٥ - حدّثنا يونُس بن عبد الأعلى، قال: حَدّثنا يحيى بن عبد الله بن بُكَيْر، قال: حدّثنا اللَّيْث بن سعد، قال: حَدّثنا عُلْوان عن صالح بن كيسان، عن عمر بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه: أنَّه دخل على أبي بكر الصّدّيق رضي الله تعالى عنه في مَرَضِه الذي تُوُفِّيَ فيه؛ فأصابه مهتمًّا، فقال له عبد الرحمن: أصبحتَ والحمد لله بارئًا! فقال أبو بكر ﵁: أتراه؟ قال: نعم، قال: إنِّي ولَّيْتُ أمرَكم خيرَكم في نفسي؛ فكلّكم وَرِمَ أنفُه من ذلك، يريد أن يكون الأمر له دونه؛ ورأيتم الدنيا قد أقبلتْ ولمّا تقبِلْ، وهي مقبلة حتى تتَّخذوا ستور الحرير ونضائد الديباج، وتألَمُوا الاضطجاع على الصوف الأذْرِيّ؛ كما يألمُ أحدُكم أن ينامَ على حَسَك؛ والله لأن يقدّم أحدكم فتُضرب عنقُه في غير حدّ خيرٌ له من أن يخوضَ في غمرة الدنيا، وأنتم أوّلُ ضالّ بالناس غدًا، فتصدونهم عن الطريق يمينًا وشمالًا. يا هاديَ الطريق، إنَّما هو الفَجْر أو البَجْر، فقلت له: خَفّض عليك رحمك الله! فإن هذا يهيضك في أمرك. إنَّما النَّاس في أمرك بين رجليْن: إمَّا رجل رأى ما رأيتَ فهو معك، وإمَّا رجلٌ خالفك فهو مُشير عليك، وصاحبُك كما تحبّ؛ ولا نعلمك أردتَ إلا خيرًا، ولم تزل صالحًا مُصْلحًا، وإنك لا تأسى على شيء من الدنيا. قال أبو بكر ﵁: أجَلْ، إني لا آسَى على شيء من الدنيا إلّا على ثلاث فعلتُهنّ؛ وددت أني تركتهنّ، وثلاث تركتهنّ؛ وددتُ أني فعلتهنّ؛ وثلاث

стр. 2855

وددت أنّي سألتُ عنهنّ رسولَ الله ﷺ . فأمَّا الثلاث اللّاتي وددت أنّي تركتُهنّ: فوددْت أنّي لم أكشِفْ بيتَ فاطمة عن شيء. وإن كانوا قد غلَّقوه على الحرب، ووددت أني لم أكن حَرَقْتُ الفُجاءَة السُّلَميّ، وأني كنت قتلته سريحًا، أو خلّيته نجيحًا. ووددت أني يوم سقيفة بني ساعدة كنتُ قذفت الأمرَ في عنق أحد الرجلين - يريد عمر، وأبا عبيدة - فكان أحدُهما أميرًا؛ وكنت وزيرًا. وأمّا اللاتي تركتهنّ: فوددت أني يوم أتِيتُ بالأشعثِ بن قيس أسيرًا كنت ضربت عنقه، فإنه تخيَّل إليّ أنه لا يرى شرًّا إلّا أعان عليه. ووددت أني حين سيَّرت خالد بن الوليد إلى أهل الرّدّة؛ كنت أقمت بذي القَصّة؛ فإن ظَفِر المسلمون ظفِروا، وإن هُزموا كنت بصدد لقاء، أو مددًا. ووددت أني كنت إذ وجَّهت خالد بن الوليد إلى الشأم كنتُ وجّهت عمر بن الخطاب إلى العراق؛ فكنت قد بسطتُ يديّ كلتيهما في سبيل الله - ومدّ يديه - ووددْت أني كنتُ سألتُ رسولَ الله ﷺ : لمن هذا الأمر؟ فلا ينازَعه أحد؛ ووددت أني كنتُ سألته: هل للأنصار في هذا الأمر نصيب؟ ووددت أني كنتُ سألته عن ميراث ابنة الأخ، والعَمَّة؛ فإنّ في نفسي منهما شيئًا (١). (٣: ٤٢٩/ ٤٣٠/ ٤٣١).

стр. 2856

١٩٦ - قال لي يونس: قال لنا يحيى: ثم قدِم علينا علْوان بعد وفاة اللَّيْث، فسألته عن هذا الحديث، فحدّثني به كما حدّثني الليث بن سعد حَرْفًا حَرْفًا؛ وأخبرني: أنه هو حدَّث به الليث بن سعد، وسألته عن اسم أبيه، فأخبرني أنه علوان بن داود (١). (٣/ ٤٣١). ١٩٧ - وحدّثني محمد بن إسماعيل المراديّ، قال: حَدّثنا عبد الله بن صالح المصريّ، قال حدّثني اللَّيْث عن علوان بن صالح، عن صالح بن كَيْسان، عن حُميد بن عبد الرحمن بن عوف: أن أبا بكر الصديق ﵁، قال - ثم ذكر نحوه، ولم يقل فيه: "عن أبيه" (٢). (٣: ٤٣١).

стр. 2857

ضعيف تاريخ عمر بن الخطاب ﵁

стр. 2858

١٩٨ - فيما حدّثني أبو السائب، قال: حدّثنا ابن فُضيل، عن ضرار، عن حُصَين المُريّ، قال: قال عمر: إنَّما مَثَلُ العرب مثلُ جمل أنِف اتَّبع قائده، فلينظر قائدُه حيث يقود؛ وأمَّا أنَا فوربّ الكعبةَ لأحملنَّهم على الطريق (١)! (٣: ٤٣٣). ذكر غزوة فِحْل وفتح دمشق ١٩٩ - وأما سيف - فيما ذكر السريّ، عن شعيب، عنه، عن أبي عثمان، عن خالد وعبادة - فإنه ذكر في خبره: أنّ البريد قدم على المسلمين من المدينة بموت أبي بكر وتأمير أبي عبيدة؛ وهم باليرموك؛ وقد التحم القتال بينهم وبين الرُّوم. وقصّ من خبر اليرموك وخبر دمشق غير الذي اقتصّه ابن إسحاق؛ وأنا ذاكر بعض الذي اقتصّ من ذلك (٢). (٣: ٤٣٥). ٢٠٠ - كتب إليَّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمَّد، عن أبي عثمان، عن أِبي سعيد، قال: لمَّا قام عمر رضي عن خالد بنِ سعيد، والوليد بن عُقْبة، فأذِن لهما بدخول المدينة، وكان أبو بكر قد منعهما لفرّتهما التي فرّاها، وردّهما إلى الشأم، وقال: ليبلغني عنكما غناء أبْلكما بلاءً؛ فانضمَّا إلى أي أمرائنا أحببتما؛ فلحقا بالناس فأبليا، وأغنَيا (٣). (٣: ٤٣٥/ ٤٣٦). ٢٠١ - أما ابن اسحاق؛ فإنه قال في أمر خالدَ وعَزْل إياه ما حدّثنا محمد بن حُميد، قال: حدثنا سَلَمة عنه، قال: إنَّما نزَع عمر خالدًا في كلام كان خالد تكلَّم به - فيما يزعمون - ولم يزل عمر عليه ساخطًا، ولأمره كارهًا في زمان أبي بكر كلّه، لوقعته بابن نُويْرة، وما كان يعمل به في حربه؛ فلمَّا استُخلف عمر كان أوّل ما تكلَّم به عزله، فقال: لا يلي لي عملًا أبدًا، فكتب عمر إلى أبي عُبيدة: إنْ خالد أكذب نفسه؛ فهو أمير على ما هو عليه؛ وإن هو لم يُكذب نفسَه

стр. 2859

فأنتَ الأمير على ما هو عليه؛ ثم انزع عمامته عن رأسه، وقاسمْه مالَه نصفيْن. فلمّا ذكر أبو عبيدة ذلك لخالد، قال: أنظِرْني أستشِرْ أختي في أمري، ففعل أبو عبيدة؛ فدخل خالد على أخته فاطمة بنت الوليد - وكانت عند الحارث بن هشام - فذكر لها ذلك، فقالت: والله لا يحبّك عمر أبدًا، وما يريد إلّا أن تُكذب نفسك ثم ينزعك، فقبّل رأسها وقال: صدقتِ والله! فتمّ على أمرِه، وأبى أن يُكْذِب نفسَه. فقام بلال مولَى أبي بكر إلى أبي عبيدة، فقال: ما أمِرْتَ به في خالد؟ قال: أمرْت أن أنزع عمامته، وأقاسمه مالَه. فقاسمه مالَه حتى بقيتْ نعلاه، فقال أبو عبيدة: إن هذا لا يصلُح إلّا بهذا، فقال خالد: أجلْ، ما أنا بالَّذي أعصِي أميرَ المؤمنين؛ فاصنع ما بدَا لك! فأخذ نعلًا وأعطاه نعلًا. ثم قدم خالد على عمر المدينة حين عزله (١). (٣: ٤٣٦/ ٤٣٧). ٢٠٢ - حدّثنا ابنُ حُميد، قال: حدّثنا سَلَمة عن محمد بن إسحاق، عن محمَّد بن عمر بن عطاء، عن سُلَيمان بن يَسار، قال: كان عُمر كلَّما مرّ بخالد قال: يا خالد! أخرِج مالَ الله من تحتِ استك، فيقول: والله ما عندي من مال؛ فلمَّا أكثرَ عليه عمر قال له خالد: يا أمير المؤمنين! ما قيمةُ ما أصبتُ في سلطانكم! أربعين ألف درهم! فقال عمر: قد أخذتُ ذلك منك بأربعين ألف درهم، قال: هو لك، قال: قد أخذته. ولم يكن لخالد مال إلّا عُدّة ورقيق، فحُسب ذلك، فبلغت قيمته ثمانين ألف درهم فناصفه عمر ذلك، فأعطاه أربعين ألف درهم، وأخذ المال. فقيل له: يا أميرَ المؤمنين! لو رددت على خالد مَاله! فقال: إنَّما أنا تاجر للمسلمين، والله لا أردّه عليه أبدًا. فكان عمر يُرَى: أنه قد اشتفَى من خالد حين صنع به ذلك (٢). (٣: ٤٣٧). ٢٠٣ - وقال محمد بن إسحاق: كان فتح دمشق في سنة أربع عشرة في رجب. وقال أيضًا: كانت وقعة فِحْل قبل دمشق؛ وإنما صار إلى دمشق رافضة فِحْل،

стр. 2860

واتَّبعهم المسلمون إليها. وزعم أنّ وقعة فحْل كانت سنة ثلاث عشرة في ذي القَعْدة منها؛ حدّثنا بذلك ابنُ حُميد، قال: حدّثنا لسَلَمة، عنه (١). (٣: ٤٤١). ٢٠٤ - وأمَّا الواقديّ: فإنه زعم: أنّ فتح دمشق كان في سنة أربع عشرة؛ كما قال ابنُ إسحاق. وزعم: أنّ حِصار المسلمين لها كان ستَة أشهر. وزعم: أنَّ وقعة اليَرْموك كانت في سنة خمس عشرة وزعم: أنّ هرقل جَلا في هذه السنة بعد وقعة اليرموك في شعبان من أنْطَاكِيَة إلى قُسطنطينيَّة، وأنه لم يكن بعد اليرموك وقعة (٢). (٣: ٤٤١). ذكر خبر المثنّى بن حارثة وأبي عبيد بن مسعود ٢٠٥ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف بن عمر، عن محمد بن عبد الله بن سَوَاد، وطلحة بن الأعلم، وزياد بنِ سرْجِس الأحْمَريّ بإسنادهم، قالوا: أوّل ما عمِل به عمر أن ندَب النَّاس مع المثنَّى بن حارثة الشيبانيّ إلى أهل فارس قَبْل صلاة الفجر، من اللَّيلة التي مات فيها أبو بكر ﵁، ثم أصبح فبايع الناس، وعاد فندَب النَّاس إلى فارس، وتتابع النَّاس على البَيْعة ففرغوا في ثلاثٍ، كلّ يوم يندبهم فلا ينتدب أحد إلى فارس؛ وكان وجْه فارس من أكرهِ الوجوه إليهم وأثقلها عليهم، لشدّة سلطانهم وشوكتهم وعرهم وقهرهم الأمم. قالوا: فلمَّا كان اليوم الرابع؛ عاد فندب النَّاس إلى العراق؛ فكان أوّلَ منتدب أبو عُبيد بن مسعود، وسعد بن عبيد الأنصاريّ حليف بني فزارة؛ هرب يوم الجسر، فكانت الوجوه تُعرَض عاسيه بعد ذلك، فيأبى إلّا العراق، ويقول: إنّ الله جلّ وعزّ اعتدّ عليّ فيها بفرَّة؛ فلعلّه أن يردّ عليّ فيها كرّة. وتتابع الناس (٣). (٣: ٤٤٤).

стр. 2861

٢٠٦ - كتب إليّ السريّ بن يحمى عن شعيب، عن سيف، عن سهل بن يوسف، عن القاسم بن محمد، قال: وتكلَّم المثنَّى بن حارثة، فقال: يا أيها الناس! لا يَعْظُمنّ عليكم هذا الوجه، فإنا قد تبحبحنا ريفَ فارس، وغلبناهم على خير شِقَّي السَّواد وشاطرناهم ونلنا منهم؛ واجترأ مَن قِبلنا عليهم، ولها إن شاء الله ما بعدها. وقام عمر ﵀ في الناس، فقال: إنّ الحجاز ليس لكم بدار إلَّا على النُّجعة، ولا يقوَى عليه أهلُه إلّا بذلك؛ أين الطُرَّاء المهاجرون عن موعود الله؟ سيرُوا في الأرض التي وعدكم الله في الكتاب أن يورثَكموها؛ فإنه قال: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾، والله مظهر دينه، ومعزّ ناصِره، ومولي أهله مواريثَ الأمم. أين عباد الله الصالحون؟ ! فكان أوّل منتدب أبو عُبيد بن مسعود، ثم ثنى سعد بن عبيد - أو سَليط بن قيس - فلمَّا اجتمعَ ذلك البعث، قيل لعمر: أمِّرْ عليهم رجلًا من السابقين من المهاجرين والأنصار. قال: لا والله لا أفعل؛ إنّ الله إنَّما رفعكم بسبقكم وسرعتكم إلى العدوّ؛ فإذا جبنتم وكرهتم اللِّقاء؛ فأولى بالرياسة منكم مَن سبق إلى الدفع، وأجاب إلى الدعاء! والله لا أؤمّر عليهم إلّا أوّلَهم انتدابًا. ثم دعا أبا عُبيد، وسَلِيطًا وسعدًا؛ فقال: أما إنَّكما لو سبقتماه لولَّيتكما ولأدركتُما بها إلى ما لَكما من القُدْمة. فأمّر أبا عُبيد على الجيش، وقال لأبي عبيد: اسْمَع من أصحاب النبيّ ﷺ ، وأشرِكْهم في الأمر، ولا تجتهد مسرعًا حتى تتبيَّن؛ فإنها الحرب، والحرب لا يصلحها إلّا الرّجل المكيث الذي يعرف الفرصة والكفّ. وقال رجل من الأنصار: قال عمر ﵁ لأبي عبيد: إنه لم يمنعني أن أؤمِّرَ سَليطًا إلّا سرعته إلى الحرب، وفي التسرّع إلى الحرب ضَياع إلّا عن بيان، والله لولا سرعتُه لأمّرتُه! ولكنّ الحرب لا يصلحها إلّا الْمَكِيث (١). (٣: ٤٤٤/ ٤٤٥).

стр. 2862

٢٠٧ - كتب إليّ السريّ بن يحيى عن شعيب بن إبراهيم، عن سَيْف بن عمر، عن المجالد، عن الشعبيّ، قال: قدِم المثنَّى بن حارثة على أبي بكر سنة ثلاث عشرة؛ فبعث معه بَعْثًا قد كان ندبهم ثلاثًا؛ فلم ينتدب له أحد حتّى انتدَب له أبو عُبيد ثم سعد بن عبيد، وقال أبو عبيد حين انتدَب: أنا لَهَا، وقال سعد: أنا لَهَا؛ لفَعْلة فعلها. وقال سَليط: فقيل لعمَر: أمّر عليهم رجلًا له صحبة، فقال عمر: إنَّما فَضُل الصحابة بسرعتهم إلى العدوّ وكفايتهم مَنْ أبى؛ فإذا فعل فعلهم قوْم واثّاقلوا كان الذين ينفرون خفافًا وثقالًا أوْلَى بها منهم؛ والله لا أبعث عليهم إلّا أوّلَهم انتدابًا! فأمَّر أبا عُبيد، وأوصاه بجنده (١). (٣: ٤٤٥/ ٤٤٦). خبر النمارق ٢، ٨ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن مجالد، وعمرو عن الشعبيّ، وأبي رَوْق، قالوا: كانت بُوران بنت كسرى - كلَّما اختلف النَّاس بالمدائن - عَدْلًا بين الناس حتى يصطلحوا، فلما قُتِل الفرُخزاذ بن البنْدُوان وقدِم رستَم فقتل آزرْميدُخت؛ كانت عَدْلًا إلى أن استخرجوا يَزْدَجِرْد، فقدم أبو عُبيد والعَدْل بُوران، وصاحب الحرب رستم؛ وقد كانت بُوران أهدتْ للنبيّ ﷺ ، فقبل هديّتها، وكانت ضدًّا على شيري سنة، ثم إنَّها تابعته، واجتمعا على أن رأس، وجعلها عدلًا (٢). (٣: ٤٤٦/ ٤٤٧). ٢٠٩ - كتب إليّ السريّ بن يحيى عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد بإسنادهم، قالوا: لما قتَل سيَاوَخْش فرّخْزَاذ بن البِنْدوان، وملكت آزرميدخت، اختلف أهلُ فارس، وتشاغلوا عن المسلمين غَيْبةَ المثنَّى كلَّها إلى أن رجع من المدينة. فبعثت بُوران إلى رستم بالخبر، واستحثَّتْه بالسَّير؛ وكان

стр. 2863

على فَرْج خُراسان، فأقبل في النَّاس حتى نزل المدائن؛ لا يلقى جيشًا لآزرميدخت إلّا هزمه، فاقتتلوا بالمدائن، فهُزم سِياوَخْش، وحُصِر، وحُصِرت آزرميدخت؛ ثم افتتحها فقتل سِياوَخش، وفقأ عين آزرميدخت، ونصّبَ بوران ودعتْه إلى القيام بأمرِ أهل فارس، وشكَتْ إليه تضعضعَهم، وإدبار أمرهم؛ على أن تملّكه عَشْر حجَج؛ ثم يكون المُلْكُ في آل كسرى، إن وجدوا من غلمانهم أحدًا؛ وإلّا ففي نسائهم. فقال رستم: أمّا أنا فسامع مطيع، غير طالب عِوضًا ولا ثوابًا، وإن شرّفتموني وصنعتم إليّ شيئًا فأنتم أولياء ما صنعتم؛ إنما أنا سهمُكم وطوعُ أيديكم. فقالت بُوران: اغدُ عليّ، فغدا عليها ودعتْ مرازبة فارس، وكتبت له بأنَّك على حرب فارس؛ ليس عليك إلّا الله ، عن رضًا منَّا وتسليم لحكمك، وحكمُك جائز فيهم ما كان حكمك في منْع أرضهم وجمعِهم عن فُرقتهم. وتوَّجته وأمرت أهلَ فارس أن يسمعوا له ويطيعوا. فدانت له فارس بعد قدوم أبي عُبيد؛ وكان أوّل شيء أحدثه عمر بعد موتِ أبي بكر من اللَّيل؛ أن نادى: الصلاة جامعة! ثم ندبهم فتفرّقوا على غير إجابة من أحد، ثم نَدبهم في اليوم الرابع، فأجاب أبو عبيد في اليوم الرابع أوّل الناس، وتتابع النَّاس، وانتخب عمر من أهل المدينة ومَن حولها ألفَ رجل، أمَّر عليهم أبا عُبيد، فقيل له: استعمل عليهم من أصحاب النبيّ ﷺ ، فقال: لا ها الله ذا يا أصحاب النبيّ، لا أندبكم فتنكلون، وينتدب غيركم فأؤمّركم عليهم! إنكم إنَّما فُضِّلتم بتسرّعكم إلى مثلها؛ فإن نكَلتم فضَلوكم؛ بل أؤمّر عليكم أوّلكم انتدابًا. وعَجّل المثنَّى، وقال: النَّجاء حتى يقدم عليك أصحابك! فكان أوّل شيء أحدثه عمر في خلافته مع بيعته بعثُه أبا عبيد، ثم بعث أهلَ نجران، ثم ندَب أهل الرّدة، فأقبلوا سراعًا من كلّ أوْب؛ فرمى بهم الشأم والعراق؛ وكتب إلى أهل اليرموك: بأن عليكم أبا عبيدة بن الجرّاح؛ وكتب إليه: إنَّك على الناس؛ فإن أظفرَك الله فاصرف أهلَ العراق إلى العراق؛ ومن أحبَّ من أمدادكم إذا هم قدِموا عليكم. فكان أوّل فتح أتاه اليرموك على عشرين ليلة من متوفَّى أبي بكر؛ وكان في الأمداد إلى اليرموك في زمن عمر قيس بن هُبيرة، ورجع مع أهل العراق ولم يكن منهم، وإنما غزا حين أذِن عمر لأهل الردّة في الغزْو. وقد كانت فارس تشاغلتْ بموت شَهْر بَراز عن المسلمين؛ فملّكت شاه زَنان؛ حتى اصطلحوا على سابور بن شَهْر بَراز بن أردشير بن شَهريار، فثارت به آزرميدُخْت، فقتلته

стр. 2864

والفَرُّخْزاذ، وملكت - ورستم بن الفُرّخزاذ بخُراسان على فَرْجها - فأتاه الخبر عن بُوران. وقدم المثنَّى الحيرة من المدينة في عَشْرٍ، ولحقه أبو عبيد بعد شهر، فأقام المثنَّى بالحيرة خمسَ عشرَة ليلة؛ وكتب رستم إلى دهاقين السواد أن يثوروا بالمسلمين، ودسّ في كلّ رُستاق رجلًا ليثور بأهله، فبعث جابان إلى البِهْقُباذ الأسفل؛ وبعث نَرْسي إلى كَسْكر، ووعدهم يومًا؛ وبعث جندًا لمصادَمة المثنَّى؛ وبلغ المثنَّى ذلك؛ فضتم إليه مسالِحَه وحذِر، وعجل جابان، فثار، ونزل النَّمارق. وتوالوا على الخروج؛ فخرج نَرْسي، فنزل زَنْدَوَرْد، وثار أهلُ الرساتيق من أعلَى الفُرات إلى أسفله؛ وخرج المثنَّى في جماعة حتى ينزل خَفّان؛ لئلّا يؤتى من خلفه بشيء يكرهه، وأقام حتى قدِم عليه أبو عبيدة؛ فكان أبو عبيد على النَّاس، فأقام بَخفَّان أيامًا ليستجمّ أصحابه؛ وقد اجتمع إلى جابان بشرٌ كثير، وخرج أبو عبيد بعد ما جمَّ الناسُ وظَهْرُهم، وتعبَّى، فجعل المثنَّى على الخيل، وعلى ميمنته والق بن جيدارة، وعلى ميسرته عمرو بن الهَيْثم بن الصّلْت بن حبيب السلميّ. وعلى مجنَّبتي جابان جُشنَس ماه ومَرْدانْشاه. فنزلوا على جابان بالنَّمارق، فاقتتلوا قتالًا شديدًا. فهزم الله أهلَ فارس، وأسِرَ جابان، أسره مطر بن فضّة التيميّ، وأسِرَ مَرْدانشاه، أسره أكْتَل بن شَمَّاخ العُكليّ، فأمَّا أكْتَل فإنه ضرب عنق مردانشاه، وأمَّا مطر بن فضّة فإنّ جابان خَدَعه، حتى تفلَّت منه بشيء فخلّى عنه؛ فأخذه المسلمون، فأتوا به أبا عُبيد وأخبروه أنَّه الملك، وأشاروا عليه بقتله، فقال: إنّي أخافُ الله أن أقتلَه؛ وقد آمنه رجل مسلم، والمسلمون في التوادّ والتناصر كالجسدِ؛ ما لزم بعضَهم فقد لزمهم كلَّهم. فقالوا له: إنه الملك، قال: وإن كان لا أغدر، فتركه (١). (٣: ٤٤٧/ ٤٤٨/ ٤٤٩). السَّقاطية بكسكر ٢١٠ - كتب إليّ السريّ بن يحيى عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة ومجالد وزياد والنَّضْر بإسنادهم، قالوا: أتاه أولئك الدّهاقين المتربِّصين جميعًا بما وسع الجند، وهابوا وخافوا على أنفسهم. وأمَّا النَّضْر ومجالد فإنهما قالا:

стр. 2865

قال أبو عبيد: ألم أعلمكم أني لستُ آكلًا إلّا ما يسع مَن معي ممّن أصبتم بهم! قالوا: لم يبقَ أحدٌ إلّا وقد أتى بشبعه من هذا في رحالهم وأفضل. فلمَّا راح النَّاس عليه سألهم عن قرى أهلِ الأرض فأخبروه، وإنما كانوا قصَّروا أوّلًا تربُّصًا ومخافة عقوبة أهل فارس. وأمَّا محمد وطلحة وزياد فإنهم قالوا: فلمَّا علم قَبِل منهم، وأكل وأرسل إلى قوم كانوا يأكلون معه أضيافًا عليه يدعوهم إلى الطعام، وقَد أصابوا من نُزل فارس ولم يروْا أنّهم أتوا أبا عبيد بشيء فظنّوا أنهم يُدْعَون إلى مثل ما كانوا يُدعون إليه من غَليظ عيش أبي عبيد؛ وكرهوا تَرْك ما أتوا به من ذلك؛ فقالوا له: قل للأمير؛ إنَّا لا نشتهي شيئًا مع شيء أتتنا به الدهاقين؛ فأرسل إليهم: إنَّه طعام كثير من أطعمة الأعاجم؛ لتنظروا أين هو مما أتيتم به! إنه قَرْو ونجم وجوزل وشواء وخردل، فقال في ذلك عاصم بن عمرو وأضيافه عنده: إن تَكُ ذا قَرْوٍ ونَجْمٍ وجَوْزَلٍ ... فعِندَ ابنِ فَرُّوخِ شواءٌ وخَرْدَلُ وقَرْوٌ رقاق كالصَّحائِفِ طُوِّيَتْ ... على مُزَعٍ فيها بقُولٌ وجَوْزَلُ وقال أيضًا: صَبَحْنا بالبَقايسِ رَهْط كِسرَى ... صبُوحًا ليس من خَمرِ السَّوادِ صَبَحْناهُمْ بكلِّ فتى كمِيّ ... وأجْرَدَ سابحٍ من خَيْلِ عادِ ثم ارتحل أبو عُبيد، وقدم المثنَّى، وسار في تعبيته حتى قدم الحيرة. وقال النَّضر ومجالد ومحمد وأصحابه: تقدم عمر إلى أبي عُبيد، فقال: إنَّك تقدم على أرض المكْر والخديعة والخيانة والجَبريَّة، تقدم على قوم قد جرؤوا على الشرّ فعلموه، وتناسوا الخير فجهلوه، فانظر كيف تكون! واخزُن لسانك، ولا تفشينّ سرّك؛ فإنّ صاحبَ السرّ ما ضبطه متحصّن، لا يؤتَى من وجْه يكرهه؛ وإذا ضيّعه؛ كان بمضيعة (١). (٣: ٤٥٣/ ٤٥٤). وقعة القَرْقس ٢١١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب عن سيف، عن رجل، عن أبي عثمان النّهديّ، قال: هلك يومئذ أربعة آلاف بين قتيل وغريق؛ وهرب ألفان، وبقيَ ثلاثة آلاف، وأتى ذا الحاجب الخبرُ باختلاف فارس؛ فرجع بجنده؛ وكان ذلك

стр. 2866

سببًا لارفضاضهم عنه، وجرح المثنَّى، وأثبتَ فيه حَلَق من درعه هَتَكهنّ الرمح (١). (٣: ٤٥٨). ٢١٢ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن مجالد وعطية نحوًا منه (٢). (٤٥٨: ٣). ٢١٣ - وحدثنا ابنُ حميد؛ قال: حدّثنا سَلَمة عن محمد بن إسحاق بنحو خبر سيف هذا في أمر أبي عُبيد وذي الحاجب، وقصّة حربهما، إلّا أنه قال: وقد كانت رأت دَوْمة أمّ المختار بن أبي عُبيد: أن رجلًا نزل من السماء معه إناء فيه شراب من الجنَّة فيما يرى النائم، فشرب منه أبو عُبيد وجَبر بن أبي عبيد وأناس من أهله. وقال أيضًا: فلما رأى أبو عُبيد ما يصنع الفيل، قال: هل لهذه الدابّة من مقتل؟ قالوا: نعم؛ إذا قطع مشفرها ماتت، فشدّ على الفيل فضرب مِشفره فقطعه، وبرك عليه الفيل فقتله. وقال أيضًا: فرجعت الفرْس ونزل المثنَّى بن حارثة ألَّيس، وتفرّق الناس، فلحقوا بالمدينة، فكان أوَّل مَن قدم المدينة بخبر الناس عبدُ الله بن زيد بن الحُصين الخَطْميّ، فأخبر الناس (٣). (٣: ٤٥٨). ٢١٤ - حدثنا ابن حُميد، قال: حدّثنا سَلَمة عن ابن إسحاق، عن محمد بن عبد الرحمن بن الحصين وغيره: أنّ مُعاذًا القارئ أخا بني النَّجار كان ممن شهدها، ففرّ يومئذ، فكان إذا قرأ هذه الآية: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾؛ بكى، فيقول له عمر: لا تبك يا معاذ، أنا فئتُك، وإنما انحزْتَ إلي (٤). (٣: ٤٥٩). خبر ألّيس الصّغْرَى ٢١٥ - قال أبو جعفر: كتب إليّ السريّ بن يحيى عن شعيب بن إبراهيم، عن سيف بن عمر، عن محمد بن نُويرة وطلحة وزياد وعطيّة، قالوا: وخرج جَابان

стр. 2867

ومَرْدانْشاه حتى أخذا بالطريق، وهم يروْن أنهم سيرفضّون ولا يشعرون بما جاء ذا الحاجب من فُرقة أهل فارس، فلما ارفضّ أهلُ فارس وخرج ذو الحاجب في آثارهم، وبلغ المثنى فَعْلة جَابان ومَرْدانشاه؛ استخلف على النَّاس عاصم بن عمرو، وخرج في جريدة خيل يريدهما، فظنَّا أنه هارب، فاعترضاه فأخذهما أسيريْن، وخرج أهل أليس على أصحابهما، فأتوْه بهم أسراء؛ وعقد لهم بها ذمَّة وقدّمهما، وقال: أنتما غررتما أميرنا، وكذبتماه واستفززتماه. فضرب أعناقهما، وضرب أعناق الأسَراء؛ ثمّ رجع إلى عسكره وهرب أبو مِحْجن من ألَّيس؛ ولم يرجع مع المثنَّى؛ وكان جرير بن عبد الله وحنظلة بن الربيع ونفر استاذنوا خالدًا من سُوَى، فأذن لهم، فقدموا على أبي بكر، فذكر له جريرٌ حاجته، فقال: أعلى حالنا! وأخَّره بها، فلما ولِّي عمر دعاه بالبيِّنة؛ فأقامها، فكتب له عمر إلى عُمَّاله السعاة في العرب كلّهم: مَن كان فيه أحدٌ يُنسب إلى بَجِيلة في الجاهليّة، وثبت عليه في الإسلام يُعْرف ذلك فأخرِجوه إلى جرير. ووعدهم جرير مكانًا بين العراق والمدينة. ولما أعطِيَ جرير حاجته في استخراج بجيلة من الناس فجمعهم فأخرِجوا له، وأمرهم بالموعد ما بين مكة والمدينة والعراق، فتتامّوا، قال لجرير: اخرج حتى تَلحق بالمثنَّى، فقال: بل الشأم، قال: بل العراق، فإن أهل الشام قد قووا على عدوّهم، فأبى حتى أكرهه؛ فلمَّا خرجوا له وأمرهم بالموعد عوَّضه لإكراهه واستصلاحًا له، فجعل له ربع خُمس ما أفاء الله عليهم في غَزاتهم هذه له ولمن اجتمع إليه، ولمن أخرج له إليه من القبائل، وقال: اتّخذونا طريقًا، فقدموا المدينة، ثم فصلوا منها إلى العراق ممدّين للمثنَّى، وبعث عصمة بن عبد الله من بني عبد بن الحارث الضَّبِّيّ فيمن تبعه من بني ضبَّة؛ وقد كان كتب إلى أهل الردّة، فلم يوافِ شعبانَ أحدٌ إلا رمى به المثنَّى (١) (٣: ٤٥٩/ ٤٦٠). البُوَيْب ٢١٦ - كتب إليّ السريّ عن شُعيب، عن سَيْف، عن عطيَّة. وعن سفيان الأحمريّ، عن المجالد، عن الشعبيّ، قالا: قال عمر حين استجمّ جَمْعُ بجيلة: اتّخذونا طريقًا، فخرج سَرَوات بَجِيلة ووفدُهم نحوه، وخلَّفوا الجمهور،

стр. 2868

فقال: أيّ الوجوه أحبّ إليكم؟ قالوا: الشأم فإنّ أسلافنا بها، فقال: بل العراق؛ فإنّ الشأم في كفاية؛ فلم يزل بهم، ويأبوْن عليه حتى عزم على ذلك؛ وجعل لهم ربع خُمس ما أفاء الله على المسلمين إلى نصيبهم من الفيء، فاستعمل عَرْفجة على مَن كان مقيمًا على جَديلة من بَجيلة، وجريرًا علَى مَن كان من بني عامر وغيرهم؛ وقد كان أبو بكر ولّاه قتالَ أهل عُمان في نفر، وأقفله حين غزا في البحر، فولّاه عمر عُظْم بَجيلة، وقال: اسمعوا لهذا، وقال للآخرين: اسمعوا لجرير، فقال جرير لبَجيلة: تُقِرُّون بهذا - وقد كانت بَجيلة غضبت على عَرْفجة في امرأة منهم - وقد أدخل علينا ما أدخل! فاجتمعوا فأتوا عُمر، فقالوا: أعْفِنا من عَرْفجة، فقال: لا أعفيكم من أقدمكم هجرةً وإسلامًا، وأعظمكم بلاءً وإحسانًا، قالوا: استعمل علينا رجلًا منَّا، ولا تستعمل علينا نزيعًا فينا، فظنّ عمر أنَّهم يَنفونه من نسبه، فقال: انظروا ما تقولون! قالوا: نقول ما تسمع؛ فأرسل إلى عرفجة، فقال: إنّ هؤلاء استعْفوني منك، وزعموا أنَّك لست منهم، فما عندك؟ قال: صدقوا، وما يسُرّني أني منهم. أنا امرؤ من الأزد، ثم من بارق، في كَهْف لا يُحْصَى عدده، وحَسَبٍ غير مُؤتَشَب. فقال عمر: نِعْمَ الحيُّ الأزد! يأخذون نصيبَهم من الخير والشرّ. قال عرفجة: إنه كان من شأني أن الشرّ تفاقم نينا، ودارُنا واحدة؛ فأصبنا الدّماء، ووتر بعضنا بعضًا، فاعتزلتهم لمَّا خِفتهم، فكنت في هؤلاء أسودُهم وأقودُهم، فحفِظوا عليّ لأمر دار بيني وبين دهاقينهم، فحسدوني وكفروني. فقال: لا يضرّك فاعتزلهمْ إذْ كرهوك. واستعمل جريرًا مكانه، وجمع له بَجيلة، وأرى جريرًا وبَجيلة أنَّه يبعث عَرْفجة إلى الشأم، فحبَّب ذلك إلى جرير العراق، وخرج جرير في قومه ممدًّا للمثنَّى بن حارثة، حتى نزل ذا قار، ثم ارتفع حتى إذا كان بالجُلّ والمتنَّى بمرْج السِّباخ، أتى المثنَّى الخبرُ عن حديث بشير وهو بالحيرة: أن الأعاجم قد بعثوا مِهران، ونهض من المدائن شاخصًا نحو الحيرة. فأرسل المثنَّى إلى جرير وإلى عصمة بالحثّ، وقد كان عهد إليهم عمر ألّا يعبروا بحرًا ولا جسرًا إلّا بعد ظفَر، فاجتمعوا بالبُوَيب، فاجتمع العسكران على شاطئ الْبُوَيب الشرقيّ، وكان البويب مغيضًا للفرات أيام المدود أزمانَ فارس، يصبّ في الجوف، والمشركون

стр. 2869

بموضع دار الرزق، والمسلمون بموضع السَّكون (١). (٣: ٤٦٢/ ٤٦٣). ٢١٧ - كتب إليّ السريّ، عن شُعيب، عن سيف، عن محمد وعمرو بإسنادهما، قالا: وخرج هلال بن عُلَّفة التيميّ فيمن اجتمع إليه من الرّباب حتى أتى عمر، فأمَّره عليهم وسرَّحه، فقدم على المثنَّى وخرج ابن المثنّى الجُشَميّ؛ جُشَم سعد، حتى قدم عليه، فوجَّهه وأمَّره على بني سعد، فقدم على المثنَّى (٢). (٣: ٤٦٤). ٢١٨ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن المجالد، عن الشعبيّ وعطية بإسنادهما، قالا: وجاء عبد الله بن ذي السَّهْمَيْن في أناس من خَثْعم، فأمَّره عليهم ووجَّهه إلى المثنَّى، فخرج نحوه حتى قدم عليه (٣). (٣: ٤٦٤). ٢١٩ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عبيد الله بن محفِّز، عن أبيه محفِّز بن ثعلبة؛ قال: جلَب فتية من بني تغلب أفراسًا، فلمَّا التقى الزّحفان يوم البُوَيب؛ قالوا: نقاتل العجم مع العرب، فأصاب أحدهم مِهران يومئذ، ومهران على فرس له وَرْد مجفَّف بتِجْفاف أصفر، بين عينيه هلالٌ، وعلى ذَنَبه أهِلَّة من شَبَه، فاستوى على فرسه، ثم انتمى: أنا الغلام التغلبيّ! أنا قتلتُ المرزبان! فأتاه جرير وابن الهوبر في قومهما فأخذا برجله، فأنزلاه (٤). (٣: ٤٦٦). ٢٢٠ - كتب إليّ السريّ عن شُعيب، عن سيف، عن سعيد بن المرزبان: أن جريرًا والمنذر اشتركا فيه فاختصما في سلاحه، فتقاضيا إلى المثنَّى، فجعل سلاحه بينهما والمِنْطقة والسوارين بينهما، وأفنَوا قلْبَ المشركين (٥). (٣: ٤٦٦). ٢٢١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي رَوْق، قال: والله! إنْ كنَّا لنأتي البُويب، فنرى فيما بين موضع السَّكون وبني سُلَيم عظامًا بيضًا تلولًا

стр. 2870

تلوح من هامهم وأوصالهم، يُعتبر بها. قال: وحدّثني بعض مَنْ شَهدها أنَّهم كانوا يحزُرونها مئة ألف، وما عُفي عليها حتى دفنها أدْفان البيوت (١). (٣: ٤٦٧/ ٤٦٦). ٢٢٢ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن حمزة بن عليّ بن محفِّز، عن رجل من بَكْر بن وائل، قال: كان أوّل الناس انتَدب يومئذ للمثنّى واتَّبع آثارهم المستبسل وأصحابه؛ وقد كان أراد الخروج بالأمس إلى العدوّ من صفِّ المسلمين واستوفز واستنتل، فأمرَ المثنَّى أنْ يُعقد لهم الجسر، ثم أخرجهم في آثارٍ للقوم، واتَّبعتهم بَجِيلة وخيولٌ من المسلمين تُغِذّ من كلّ فارس، فانطلقوا في طلبهم حتى بلغوا السِّيْب، ولم يبقَ في العسكر جسريّ إلَّا خرج في الخيل، فأصابوا من البقر والسَّبي وسائر الغنائم شيئًا كثيرًا فقسمه المثنَّى عليهم، وفضل أهل البلاء من جميع القبائل، ونفَّل بَجيلة يومئذ ربعَ الخمس بينهم بالسويَّة، وبعث بثلاثة أرباعه مع عكرمة، وألقى الله الرُّعب في قلوب أهلِ فارس. وكتب القُوّاد الذين قادوا النَّاس في الطَّلب إلى المثنَّى، وكتب عاصم وعصمة وجرير: إنّ الله قد سلَّم وكفى، ووجَّه لنا ما رأيت، وليس دون القوم شيء؛ أفتاذن لنا في الإقدام؟ ! فأذن لهم، فأغاروا حتى بلغوا ساباط، وتحصّن أهلُ ساباط منهم واستباحوا القُرَيّات دونها، وراماهم أهل الحصن بساباط عن حصنهم، وكان أوّل مَن دخل حصنهم ثلاثة قُوّاد: عصمة، وعاصم وجرير؛ وقد تبعهم أوزاعٌ من الناس كلّهم. ثم انكفؤوا راجعين إلى المثنَّى (٢). (٣: ٤٧٠). ٢٢٣ - كتبَ إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عطية بن الحارث، قال: لمَّا أهلك الله مِهران؛ استمكن المسلمون من الغارة على السَّواد فيما بينهم وبين دجلة فَمَخروها، لا يخافون كيدًا، ولا يلقوْن فيها مانعًا، وانتقضت مسالح العجم، فرجعت إليهم؛ واعتصموا بساباط، وسرّهم أن يتركوا ما وراء دجلة. وكانت وقعة البُوَيب في رمضان سنة ثلاث عشرة قتل الله عليه مِهْران وجيشه،

стр. 2871

وأفعموا جنبتي البُوَيب عظامًا، حتى استوى وما عفَّى عليها إلّا التراب أزمان الفتنة، وما يثار هنالك شيء إلَّا وقعوا منها على شيء؛ وهو ما بين السَّكون ومُرْهبة وبني سُليم؛ وكان مَغيضًا للفرات أزمان الأكاسرة يصبّ في الجوْف. وقال الأعور العَبْديّ الشَّنّيّ: هاجَتْ لأعْوَرَ دارُ الحيِّ أحْزانَا ... واستَبْدَلَتْ بَعْدَ عبد القَيْس خَفّانا وقد أرانا بها والشّمْلُ مُجْتَمِعٌ ... إذ بالنُّخَيْلة قَتْلَى جُنْدِ مِهْرانا أزْمانَ سار المُثنَّى بالخيول لَهُمْ ... فقُتِّلَ الزَّحْفُ من فُرْسٍ وجِيلانا سما لمِهْرَانَ والجيشِ الَّذي معه ... حتى أبادَهُمُ مَثْنَى ووُحْدانا قال أبو جعفر: وأما ابن إسحاق، فإنه في أمر جرير وعرفجة والمثنّى وقتال المثنَّى مهرانَ غير ما قصّ سيف من أخبارهم؛ والذي قال في أمرِهم ما حدّثنا محمد بن حُمَيد، قال: حدّثنا سَلَمة عن ابن إسحاق، قال: لمَّا انتهت إلى عمر بن الخطاب مصيبةُ أصحاب الجسر، وقدم عليه فَلّهم؛ قدِم عليه جرير بن عبد الله البجَليّ من اليمن في ركب من بَجيلة، وعَرْفجة بن هرثمة - وكان عرفجة يومئذ سيّد بَجيلة، وكان حليفًا لهم من الأزْد - فكلّمهم عمر، فقال لهم: إنَّكم قد علمتم ما كان من المصيبة في إخوانكم بالعراق؛ فسيروا إليهم وأنا أخرج إليكم مَن كان منكم في قبائل العرب فأجمعهم إليكم. قالوا: نفعل يا أمير المؤمنين! فأخرج لهم قيْسَ كُبَّةَ وسُحْمة وعُرَينة؛ وكانوا في قبائل بني عامر بن صعصعة، وأمَّرَ عليهم عرفجة بن هَرثمة، فغضب من ذلك جَرير بن عبد الله البَجَليّ، فقال لبَجِيلة: كلّموا أميرَ المؤمنين، فقالوا له: استعملت علينا رجلًا ليس منَّا، فأرسل إلى عَرفجة، فقال: ما يقول هؤلاء؟ قال: صدقوا يا أمير المؤمنين! لستُ منهم، ولكنّي رجل من الأزد، كنَّا أصبنا في الجاهليَّة دمًا في قومنا، فلحقْنا بَجِيلة، فبلغنا فيهم من السؤدد مَا بلغك. فقال له عمر: فاثبت على منزلتك، ودافعهم كما يدافعونك. قال: لستُ فاعلًا ولا سائرًا معهم، فسار عرفجة إلى البَصْرة بعد أن نُزلت، وترك بَجيلة، وأمَّر عمر على بَجيلة جرير بن عبد الله، فسار بهم مكانه إلى الكوفة، وضمّ إليه عمر قومَه من بَجيلة، فأقبل جرير حتى إذا مزَ قريبًا من المثنَّى بن حارثة، كتب إليه المثنَّى أن أقْبل إليَّ، فإنما أنت مَدَدٌ لي. فكتب إليه جرير: إنّي لست فاعلًا إلّا أن يأمرَني بذلك أمير المؤمنين؛ أنت أمير وأنا أمير.

стр. 2872

ثم سار جرير نحو الجسر، فلقيَه مهران بن باذان - وكان من عظماء فارس - عند النُّخَيْلة، قد قطع إليه الجسر، فاقتتلا قتالًا شديدًا، وشدّ المنذر بن حسَّان بن ضرار الضَّبيّ على مِهران فطعَنه، فوقع عن دابَّته، فاقتحم عليه جرير فاحتزّ رأسَه، فاختصما في سَلَبه، ثم اصطلحا فيه، فأخذ جَرِير السِّلاح، وأخذ المنذر بن حسَّان منطقته. قال: وحُدّثتُ أنّ مهران لمّا لقي جريرًا قال: إن تسألوا عني فإني مِهْرانْ ... أنا لِمَنْ أنْكَرني ابنُ باذانْ قال: فأنكرتُ ذلك حتى حدّثني من لا أتّهم من أهل العلم أنه كان عربيًّا نشأ مع أبيه باليمن إذ كان عاملًا لكسرى. قال: فلم أنكر ذلك حين بلغني. وكتب المثنَّى إلى عمر يَمْحَل بجرير، فكتب عمر إلى المثنّى: إنّي لم أكن لأستعملك على رجل من أصحاب محمّد ﷺ يعني: جريرًا - وقد وجّه عمر سعد بن أبي وقَّاص إلى العراق في ستة آلاف، أمّره عليهم؛ وكتب إلى المثنَّى وجرير بن عبد الله أن يجتمعا إلى سعد بن أبي وقَّاص، وأمَّر سعدًا عليهما؛ فسار سعد حتى نزل شَراف، وسار المثنَّى وجرير حتى نزلا عليه، فشتا بها سعد، واجتمع إليه الناس، ومات المثنَّى بن حارثة ﵀ (١). (٣: ٤٧٠/ ٤٧١/ ٤٧٢). خبر الخنافس ٢٢٤ - رجع الحديث إلى حديث سيف: كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد بإسنادهم، قالوا: ومخر المثنَّى السَّواد وخلَّف بالحيرة بشيرَ بن الخصاصيَّة، وأرسل جريرًا إلى مَيْسان، وهلال بن عُلَّفة التَّيْميّ إلى دَسْت ميسان، وأذكى المسالح بعصمة بن فلان الضبيّ وبالكلَج الضّبي وبعرفجة البارقيّ؛ وأمثالهم في قوّاد المسلمين، فبدأ فنزل ألَّيْس - قرية من قُرى الأنبار- وهذه الغزاة تُدعى غزاة الأنبار الآخرة؛ وغزاة ألَّيس الآخرة، وألزّ رجلان

стр. 2873

بالمثنَّى: أحدهما أنباريّ، والآخر حيريّ يدلّه كلّ واحد منهما على سوق، فأما الأنباري فدلَّه على الخَنَافس، وأمَّا الحيريّ فدلَّه على بغدادء فقال المثنَّى: أيّتُهما قبل صاحبتها؟ فقالوا: بينهما أيّام، قال: أيّهما أعجل؟ قالوا: سوق الخنافس سوق يتوافى إليها الناس، ويجتمع بها ربيعة وقضاعة يخفرونهم. فاستعدّ لها المثنَّى؛ حتى إذا ظنّ أنه مُوافيها يوم سوقِها ركب نحوهم، فأغار على الخنَافس يوم سُوقها، وبها خَيْلان من ربيعة وقضاعة، وعلى قضاعة رُومانس بن وَبَرَة، وعلى ربيعة السَّليل بن قيس وهم الخُفراء، فانتسف السّوق وما فيها، وسَلَب الخفراء، ثم رجع عَوْدَه على بدْئه حتى يطرق دهاقين الأنبار طروقًا في أوّل النهار يومَه، فتحصّنوا منه، فلمَّا عرفوه نزلُوا إليه فأتوْه بالأعلاف والزاد؛ وأتوْه بالأدلّاء على بغداد؛ فكان وجهُه إلى سوق بغْداد، فصبَّحهم والمسلمون يمخرون السَّواد والمثنَّى بالأنبار، ويشنُّون الغارات فيما بين أسفل كَسْكر وأسفل الفرات وجسور مِثْقَب إلى عين التَّمر وما والاها من الأرض في أرض الفلاليج والعال (١). (٣: ٤٧٣/ ٤٧٢). ٢٢٥ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن عبيد الله بن محفِّز، عن أبيه، قال: قال رجلٌ من أهل الحيرة للمثنّى: ألا ندلّك على قرية يأتيها تجَّار مدائن كسرى والسَّواد، وتجتمع بها في كلّ سنة مرّة ومعهم فيها الأموال؛ كبيت المال؛ وهذه أيام سوقهم، فإن أنت قدرت أن تُغيرَ عليهم وهم لا يشعرون أصبتَ فيها مالًا يكون غَناء للمسلمين؛ وقَووا به على عدوّهم دهرَهم؛ قال: وكم بين مدائن كسرى وبينها؟ قال: بعض يوم أو عامَّة يوم، قال: فكيف لي بها؟ قالوا: نأمرك إنْ أردتَها أن تأخذ طريق البرّ، حتى تنتهيَ إلى الخنافس، فإنّ أهل الأنبار سيضربون إليها، ويخبرون عنك فيأمنون، ثم تعوج على أهل الأنبار فتأخذ الدهاقين بالأدلّاء، فتسير سواد ليلتك من الأنبار حتى تأتيَهم صُبحًا فتُصبّحهم غارةً. فخرج من ألّيس حتى أتَى الخَنَافس، ثم عاج حتى رجع على الأنبار، فلمَّا أحسَّه صاحبها تحصّن وهو لا يدري من هو؛ وذلك ليلًا؛ فلمّا عرفه نزل إليه فأطمعه المثنَّى، وخوّفه واستكتمه، وقال: إنّي أريدُ أن أغيرَ فابعث معي الأدلّاء

стр. 2874

إلى بغداد، حتى أغير منها إلى المدائن. قال: أنا أجيء معك، قال: لا أريد أن تجيء معي، ولكن ابعث معي من هو أدلُّ منك، فزوّدهم الأطعمة والأعلاف، وبعث معهم الأدلَّة، فساروا حتى إذا كانوا بالنّصف، قال لهم المثنَّى: كم بيني وبين هذه القرية؟ قالوا: أربعة أو خمسة فراسخ. فقال لأصحابه: من ينتدب للحَرس؟ فانتدب له قومٌ فقال لهم: أذكُوا حرسَكم، ونزل، وقال: أيُّها الناس، أقيموا واطعَموا وتوضّؤوا وتهيّؤوا. وبعث الطلائع فحبسوا النَّاس ليسبقوا الأخبار، فلمَّا فرغوا أسرى إليهم آخر الليل، فعبر إليهم، فصبَّحهم في أسواقهم، فوضع فيهم السيف فقتل، وأخذوا ما شاؤوا، وقال المثنَّى: لا تأخذوا إلّا الذهب والفضة، ولا تأخذوا من المتاع إلّا ما يقدر الرجل منكم على حمله على دابَّته. وهرب أهلُ الأسواق، وملأ المسلمون أيديَهم من الصفراء والبيضاء والحُرّ من كلّ شيء، ثم خرج كارًّا حتى نزل بنهر السَّيْلحين بالأنبار؛ فنزل وخطب الناس، وقال: أيُّها الناس! انزلوا وقَضُّوا أوطاركم، وتأهَّبوا للسَّير، واحمَدوا الله وسلُوه العافية، ثم انكشفوا قبيضًا. ففعلوا، فسمع همسًا فيما بينهم: ما أسرع القومَ في طلبنا! فقال: تناجَوْا بالبرّ والتقوى ولا تتناجَوْا بالإثم والعدوان، انظروا في الأمور وقدّروها ثم تكلَّموا؛ إنه لم يبلغ النذير مدينتهم بعد؛ ولو بلغهم لحال الرُّعب بينهم وبين طلبكم. إن للغارات رَوْعات تنتشر عليها يومًا إلى الليل، ولو طلبكم المحامون من رأي العين ما أدركوكم؛ وأنتم على العِراب حتى تنتهوا إلى عسكركم وجماعتكم، ولو أدركوكم لقاتلتهم لاثنتين: التماس الأجر ورجاء النصر؛ فثقُوا بالله وأحسنوا به الظَّنّ، فقد نصركم الله في مواطن كثيرة وهم أعدُّ منكم؛ وسأخبركم عنّي وعن انكماشي والذي أريد بذلك؛ إن خليفة رسول الله ﷺ أبا بكر أوصانا أن نقلِّل العُرْجة، ونسرع الكرّة في الغارات، ونسرع في غير ذلك الأوْبَة، وأقبل بهم ومعهم أدلّاؤهم يقطعون بهم الصحارى والأنهار؛ حتى انتهى بهم إلى الأنبار؛ فاستقبلهم دهاقين الأنبار بالكرامة، واستبشروا بسلامته، وكان موعده الإحسان إليهم إذا استقام لهم من أمرهم ما يحبّون (١). (٣: ٤٧٣/ ٤٧٤/ ٤٧٥).

стр. 2875

٢٢٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد، قالوا: لمَّا رجع المثنَّى من بغداد إلى الأنبار سرّح المُضارب العجليّ وزيدًا إلى الكَباث، وعليه فارس العُناب التغلبيّ، ثمّ خرج في آثارهم، فقدم الرّجلان الكَباث، وقد ارفضُّوا وأخلوا الكباث، وكان أهله كلّهم من بني تغلب، فركبوا آثارَهم يتبعونهم، فأدركوا أخرياتهم وفارس العُناب يحميهم، فحماهم ساعة ثم هرب، وقتلوا في أخرياتهم وأكثروا، ورجع المثنَّى إلى عسكره بالأنبار، والخليفة عليهم فُراتْ بن حَيَّان. فلما رجع المثنَّى إلى الأنبار سرّح فُرات بن حيَّان وعُتَيبة بن النَّهاس وأمرهما بالغارة على أحياء من تغلب والنَّمر بصفين، ثم اتَّبعهما وخلَّف على الناس عمرو بن أبي سُلمى الهُجَيميّ؛ فلمَّا دنوا من صفّين، افترق المثنّى وفُرات وعُتيبة، وفرّ أهل صِفِّين وعبروا الفرات إلى الجزيرة، وتحصّنوا، وأرمل المثنّى وأصحابه من الزاد، حتى أقبلوا على رواحلهم إلّا ما لا بدّ منه فأكلوها حتى أخفافها وعظامها وجلودها. ثم أدركوا عيرًا من أهل ديَاف وحَوْران، فقتلوا العلوج وأصابوا ثلاثة نفر من بني تغلب خفراء، وأخذوا العير، وكان ظهرًا فاضلًا، وقال لهم: دلّوني، فقال أحدهم: آمنوني على أهلي ومَالي، وأدلُّكم على حَيّ من تغلب غدوت من عِندهم اليوم: فآمنَه المثنّى وسارَ معه يومه، حتى إذا كان العشيّ هجم على القوم، فإذا النَّعَم صادرة عن الماء، وإذا القوم جُلوس بأفنية البيوت، فبثّ غارته، فقتلوا المقاتلة، وسبوا الذرّية؛ واستاقوا الأموال، وإذا هم بنو ذي الرُوَيْحلة؛ فاشترى من كان بين المسلمين من ربيعة السَّبَايا بنصيبه من الفيء، وأعتقوا سبْيَهم؛ وكانت ربيعة لا تُسْبَى إذ العرب يتسابَوْن في جاهليّتهم. وأخبر المثنّى أن جمهور مَنْ سلك البلاد قد انتجعوا الشَّطّ؛ شاطئ دِجْلة، فخرج المثنَّى، وعلى مقدَّمته في غزواته هذه بعد البُوَيب كلّها حُذيفة بن محصن الغلفانيّ، وعلى مجنَّبتيه النُّعمان بن عوف بن النعمان بن عوف بن النعمان ومطَر الشيبانيان، فسرّح في أدبارهم حُذيفة واتَّبعه؛ فأدركوهم بتكرِيت دُوينَها من حيث طلبوهم يخوضون الماء، فأصابوا ما شاؤوا من النَّعَم، حتى أصاب الرجل خمسًا
следующие страницы →