فأقاموا بعد ذلك يسيرًا. ثم إن بني عمرو بن معاوية خصوصًا خرجوا إلى المحاجر، إلى أحماء حَمَوْها، فنزل جَمَد محجرًا، ومِخْوص محجرًا، ومِشْرح محجرًا، وأبضَعة محجرًا، وأختهم العَمَرَّدة محجرًا -وكانت بنو عمرو بن معاوية على هؤلاء الرُّؤساء- ونزلت بنو الحارث بن معاوية محاجرها، فنزل الأشعث بن قيس مَحْجَرًا، والسِّمط بن الأسود محجرًا، وطابقت معاوية كلها على منع الصدقة، وأجمعوا على الرّدّة إلا ما كان من شُرَحبيل بن السّمط وابنه، فإنهما قاما في بني معاوية، فقالا: والله إنَّ هذا لَقبيحٌ بأقوام أحرار التنقُّل؛ إنّ الكرام ليكونون على الشّبهة فيتكرّمون أن يتنقّلوا منها إلى أوْضَح منها مخافة العار؛ فكيف بالرجوع عن الجميل، وعن الحقّ إلى الباطل والقبيح! اللهمّ إنَّا لا نمالئ قومنا على هذَا، وإنَّا لنَادمون على مجامعتهم إلى يومنا هذا -يعني: يوم البكرة ويوم النَّفرة- وخرج شُرَحبيل بن السّمط وابنه السّمط؛ حتى أتيا زياد بنَ لَبيد، فانضمَّا إليه، وخرج ابن صالح وامرؤ القيس بن عابس؛ حتى أتيا زيادًا، فقالا له: بيِّتِ القوم، فإن أقوامًا من السَّكاسك قد انضمُّوا إليهم، وقد تسرّع إليهم قوم من السَّكُون وشُذّاذ من حَضْرموت، لعلَّنا نُوقع بهم وَقْعة تُورث بيننا عداوة، وتفرِّق بيننا؛ وإن أبيتَ خشينا أن يرفضّ الناس عنَّا إليهم؛ والقوم غارّون لمكان مَن أتاهم، راجون لمن بقيَ. فقال: شأنكم. فجمعوا جمعهم، فطرقوهم في محاجرهم، فوجدوهم حول نيرانهم جلوسًا، فعرفوا من يريدون، فأكبُّوا على بني عمرو بن معاوية؛ وهم عدَد القوم وشوكتهم، من خمسة أوجه في خمس فرق، فأصابوا مشرحًا، ومخوصًا، وجَمَدًا، وأبضَعة، وأختهم العمَّردة، أدركتهم اللعنة، وقَتَلوا فأكثروا، وهرب مَنْ أطاق الهَرب، ووُهِّنت بنو عمرو بن معاوية، فلم يأتوا بخير بعدها، وانكفأ زياد بالسَّبْي والأموال، وأخذوا طريقًا يُفْضي بهم إلى عَسْكر الأشعث وبني الحارث بن معاوية؛ فلمَّا مرُّوا بهم فيه استغاث نسوةُ بني عمرو بن معاوية ببني الحارث ونادينه: يا أشعث! يا أشعث! خالاتك خالاتك! فثار في بني الحارث فتنقَّذهم -وهذه الثالثة- وقال الأشعث:
منعتُ بني عمرو وقد جاء جمعُهمْ ... بأمْعَزَ من يوم البضيض وأصبَرا
وعلم الأشعث: أن زيادًا وجنْده إذا بلغهم ذلك لم يُقلعوا عنه ولا عن بني الحارث بن معاوية وبني عمرو بن معاوية، فجمع إليه بني الحارث بن معاوية
стр. 2802
وبني عمرو بن معاوية، ومن أطاعه من السَّكاسك والخَصائص من قبائل ما حولهم، وتباين لهذه الوقعة من بحضْرموت من القبائل، فثبتَ أصحاب زياد على طاعة زياد، ولجَّتْ كِنْدة، فلمَّا تباينت القبائل كتب زيادٌ إلى المهاجر؛ وكاتَبه النّاس فتلقّاه بالكتاب، وقد قطع صَهيد -مفازةٌ ما بين مأرب وحضرموت- واستخلف على الجيش عكْرمة، وتعجَّل في سَرَعان النَّاس، ثم سَار حتى قدم على زياد؛ فَنَهَد إلى كنْدة وعليهم الأشعث، فالتقوْا بمحجر الزُّرْقان فاقتتلوا به فهُزمت كندة، وقُتلت وخرجوا هُرّابًا، فالتجأتْ إلى النُّجَيْر وقد رَمُّوه، وحصّنوه، وقال في يوم مَحْجر الزُّرْقان المهاجر:
كُنَّا بزُرْقان إذ يُشَرِّدكُمْ ... بحرٌ يُزَجّي في مَوْجه الحطَبَا
نحن قتلناكُمُ بمحْجركم ... حتى ركبْتُمْ من خَوْفِنا السَّبَبَا
إلى حصارٍ يكون أهْوَنَه ... سَبْيُ الذَّرَارِي وسَوْقُها خَبَبَا
وسار المهاجر في النَّاس من مَحْجر الزُّرْقان حتى نزل على النُّجَير، وقد اجتمعت إليه كندة، فتحصنوا فيه، ومعهم من استغووْا من السكاسك، وشُذّاذ من السَّكون، وحضْرموت، والنُّجير، على ثلاثة سُبُل، فنزل زياد على أخدها، ونزل المهاجر على الآخر، وكان الثالث لهم يؤتون فيه، ويذهبون فيه، إلى أن قدم عِكْرِمة في الجيش، فأنزله على ذلك الطَريق، فقطع عليهم الموادّ وردّهم، وفرَّق في كِنْدة الخيول، وأمرَهم أن يُوطئوهم. وفيمن بعث يزيد بن قَنان من بني مالك بن سعد، فقتل من بقرى بني هند إلى بَرَهُوت، وبعث فيمَن بعث إلى السَّاحل خالدَ بن فلان المخزوميّ وربيعة الحضرميّ، فقتلوا أهل مَحَا، وأحياء أخَر؛ وبلغ كنْدة وهم في الحصار ما لقي سائر قومهم، فقالوا: الموت خير ممَّا أنتم فيه؛ جُزُّوا نواصيَكم حتى كأنَّكم قومٌ قد وهبتم لله أنفسَكم، فأنعم عليكم فبؤتم بنعمه؛ لعلَّه أن ينصرَكم على هؤلاء الظَّلَمة. فجزُّوا نواصيَهم، وتعاقدوا وتواثقوا ألّا يفرّ بعضهم عن بعض، وجعل راجزهم يرتجز في جوف الليل فوق حصنهم:
صَبَاحُ سَوْء لبني قَتِيرهْ ... وللأمير من بني المغيرهْ
وجعل راجزُ المسلمين زياد بن دينار يردّ عليهم:
لا توعِدُونا واصبروا حَصِيرهْ ... نحنُ خيولُ وَلدِ المغيرهْ
وفي الصبَاح تَظَفرُ العشيرهْ
стр. 2803
فلمّا أصبحوا خرجوا على النَّاس، فاقتتلوا بأفنية النُّجير، حتى كثرت القتلى بحيال كلّ طريق من الطرق الثلاثة، وجعل عِكْرِمة يرتجز يومئذ، ويقول:
أطعنُهمْ وأنا على أوْفَازِ ... طَعْنًا أبوء به على مَجَازِ
ويقول:
أُنْفِذُ قولي وله نُفَاذُ ... وكلُّ مَنْ جاوَرني مُعَاذُ (١)
(٣: ٣٣٢/ ٣٣٣/ ٣٣٤/ ٣٣٥/ ٣٣٦).
١٠١ - فهزمت كِنْدة، وقد أكثروا فيهم القتل.
وقال هشام بن محمد: قدِم عِكْرِمة بن أبي جهل بعد ما فرغِ المهاجر من أمر القوْم مددًا له، فقال زياد، والمهاجر لمن معهما: إنّ إخوانكم قدِمُوا مَدَدًا لكم، وقد سبقتموهم بالفتح فأشرِكوهم في الغنيمة. ففعلوا وأشركوا من لحق بهم، وتواصوْا بذلك، وبعثوا بالأخماس والأسْرى، وسار البشير فسبقهم؛ وكانوا يبشّرون القبائل، ويقرؤون عليهم الفتح (٢). (٣: ٣٣٧).
١٠٢ - وكتب إليّ السّريّ، قال: كتب أبو بكر ﵀ إلى المهاجر مع المغيرة بن شعبة: إذا جاءكم كتابي هذا ولم تظفَروا؛ فإن ظفرتم بالقوم فاقتلوا المقاتِلة، واسبُوا الذرّيّة إن أخذتموهم عَنْوة، أو ينزلوا على حكمي، فإن جَرَى بينكم صُلْح قبل ذلك فعلَى أن تخرجوهم من ديارهم؛ فإنّي أكْرَهُ أن أقرّ أقوامًا فعلوا فعلهم في منازلهم، ليعلموا أن قد أساؤوا، وليذوقوا وَبال بعض الذي أتَوْا (٣). (٣: ٣٣٧).
١٠٣ - قال أبو جعفر: ولما رأى أهل النُّجَير الموادّ لا تنقطع عن المسلمين، وأيقنوا: أنَّهم غيرُ منصرفين عنهم، خشعت أنفسُهم، ثمَّ خافوا القتل، وخاف الرُّؤساء على أنفسهم؛ ولو صبروا حتَّى يجيء المغيرة لكانت لهم في الثالثة الصّلح على الجلاء نَجاةً. فعجَّل الأشعث، فخرج إلى عِكْرِمة بأمان، وكان لا يأمن غيرَه؛ وذلك أنَّه كانت تحته أسماء ابنة النعمان بن الجَوْن، خطبها وهو
стр. 2804
يومئذ بالجنَد ينتظر المهاجر، فأهداها إليه أبوها قبل أن يبادُوا، فأبلغه عكرمةُ المهاجرَ، واستأمنه له على نفسه، ونَفر معه تسعة؛ على أن يؤمنهم وأهليهم وأن يفتحوا لهم الباب؛ فأجابه إلى ذلك، وقال: انطلق فاستوثقْ لنفسك، ثم هلمّ كتابك أختمه (١). (٣: ٣٣٧).
١٠٥ - كتب إليّ السري عن شعيب، عن سيف، عن أبي إسحاق الشَّيْباني، عن سعيد بن أبي بُرْدة، عن عامر: أنه دخَل عليه فاستأمنه على أهله وماله، وتسعة ممّن أحبّ، وعلى أن يفتح لهم الباب فيدخلوا على قومه. فقال له المهاجر: اكتب ما شئت واعْجل، فكتب أمانَه وأمانهم، وفيهم أخوه، وبنو عمّه، وأهلُوهم، ونسيَ نفسَه؛ عَجلَ ودَهِشَ. ثم جاء بالكتاب فختمه؛ ورجع فسرّب الَّذين في الكتاب.
رجع الحديث إلى حديث سيف: فلما ولي عمر ﵀ قال: إنه ليَقبُح بالعرب أن يملك بعضُهم بعضًا. وقد وسَّع الله، وفتح الأعاجم، واستشار في فداء سَبَايا العرب في الجاهلية والإسلام إلّا امرأة ولَدت لسيّدها، وجعل فداء كلّ إنسان سبعة أبعرة، وستَّة أبعرة إلّا حَنيفة كندة؛ فإنَه خَفَّف عنهم لقتل رجالهم، ومَنْ لا يقدر على فداء لقيامهم وأهل دَبَا، فتتبَّعتْ رجالُهم نساءَهم بكلّ مكان. فوجد الأشعثُ في بني نَهْد وبني غُطْيف امرأتين؛ وذلك أنَّه وقف فيها يسأل عن غُراب، وعُقاب، فقيل: ما تريد إلى ذلك؟ قال: إن نساءنا يوم النُجير خطفهنّ العِقْبان، والغربان، والذِّئاب، والكلاب. فقال بنو غطيف: هذا غُراب، قال: فما موضعه فيكم؟ قالوا: في الصّيانة، قال: فنعم، وانصرف. وقال عمر: لا ملْكَ على عربيّ؛ للذي أجمع عليه المسلمون معه (٢). (٣: ٣٣٨/ ٣٤٠).
١٠٦ - وقال الأجْلَح، والمجالد: لمّا لم يبق إلّا أن يكتب نفسه وثب عليه جَحْدَم بشَفْرة، وقال: نفسَك أو تكتبني! فكتبه وترك نفسه (٣). (٣: ٣٤٠).
١٠٧ - قال أبو إسحاق: فلمَّا فتح الباب اقتحمه المسلمون فلم يَدَعوا فيه
стр. 2805
مقاتلًا إلّا قتلوه؛ ضربوا أعناقهمِ صبْرًا، وأحصى ألف امرأة ممَّن في النُّجير والخَنْدق، ووضع على السَّبْي والفيء الأحراس، وشاركهم كثير (١). (٣: ٣٤٠).
١٠٨ - وقال كَثِير بن الصّلت: لمّا فتح الباب وفرغ ممن في النجير، وأحصي ما أفاء الله عليهم؛ دعا الأشعث بأولئك النَّفَر، ودعا بكتابه فعرَضهم، فأجاز من في الكتاب، فإذا الأشعث ليس فيه، فقال المهاجر: الحمد لله الَّذي أخطأك نوْءُك يا أشعث! يا عدوّ الله! قد كنت أشتهي أن يخزيك الله. فشدّه وثاقًا، وهمّ بقتله، فقال له عكرمة: أخِّرْه، وأبلغْه أبا بكر، فهو أعلمُ بالحكْم في هذا، وإنه كان رجلًا نسي اسمه أن يكتبه؛ وهو وليّ المخاطبة، أفذاك يبطل ذاك؟ ! فقال المهاجر: إنّ أمره لبيِّنٌ، ولكني أتَّبع المشورة وأوثرها. وأخَّرَه وبعث به إلى أبي بكر مع السَّبْي، فكان معهم يلعنه المسلمون، ويلعنه سبايا قومه، وسمَّاه نساء قومه عُرْفَ النَّار -كلامٌ يمانيُّ يسمُّون به الغادر- وقد كان المغيرة تحيَّر ليلَه للَّذي أراد الله، فجاء والقوم في دمائهم والسَّبْي على ظَهْر، وسارت السبايا والأسْرَى، فقدم القوم على أبي بكر ﵀ بالفَتْح والسَّبَايا والأسرى. فدعا بالأشعث، فقال: استزلك بنو وَليعة، ولم تكن لتستزلَّ لهم -ولا يروْنك لذلك أهلًا- وهلكوا، وأهلكوك! أما تَخشى أن تكون دعوةُ رسول الله ﷺ قد وصل إليك منها طرفٌ! ما تراني صانعًا بك؟ قال: إني لا علم لي برأيك، وأنت أعلم برأيك، قال: فإنّي أرى قتلك. قال: فإنّي أنا الذي راوضتُ القوم في عشرة، فما يحلُّ دمي، قال: أفَوّضُوا إليك؟ قال: نعم، قال: ثم أتيتَهُمْ بما فوّضُوا إليك فختموه لك؟ قال: نعم، قال: فإنَّما وجب الصّلح بعد خَتْم الصحيفة على مَن في الصحيفة، وإنَّما كنتَ قبل ذلك مُراوضًا. فلمَّا خَشِيَ أن يقع به قال: أو تحتسب فيّ خيرًا فتطلق إساري، وتُقيلني عثرتي، وتقبل إسلامي، وتفعل بي مثل ما فعلتَه بأمثالي وتردّ عليَّ زوجتي - وقد كان خطب أمَّ فَرْوة بنت أبي قحافة مَقْدَمه على رسول الله ﷺ ؛ فزوجه وأخرها إلى أن يقدم الثانية، فمات رسول الله ﷺ وفعلِ الأشعث ما فعل، فخشيَ ألّا تُردّ عليه - تجدُني خيْرَ أهل بلادي لدين الله! فتجافى له عن دمه، وقَبِل منه، وردّ عليه أهله، وقال: أنطلقْ فلْيبلغي عنك خيرٌ، وخلّى عن القوم فذهبوا، وقسّم أبو بكر في الناس الخُمْس، واقتسم
стр. 2806
الجيش الأربعة الأخماس (١). (٣: ٣٣٨/ ٣٣٩).
١٠٩ - قال أبو جعفر: وأمَّا ابنُ حُميد، فإنه قال: حَدّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر: أنَّ الأشعث لمَّا قُدِم به على أبي بكر، قال: ماذا تراني أصنع بك؛ فإنَّك قد فعلتَ ماعلمتَ! قال: تمُنُّ عليّ، فتَفُكني من الحديد وتزوّجني أختَك؛ فإني قد راجعتُ وأسلمتُ. فقال أبو بكر: قد فعلتُ. فزوّجه أمّ فروة ابنة أبي قُحَافة، فكان بالمدينة حتى فتح العراق (٢). (٣: ٣٣٩).
١١٠ - قالوا: ونظر المهاجر في أمر المرأة التي كان أبوها النُّعمان بن الجَوْن أهدَاها لرسولِ الله ﷺ ؛ فوصفها أنَّها لم تَشْتَكِ قطّ. فردَّها، وقال: لا حاجةَ لنا بها، بعد أن أجلَسها بين يديه، وقال له: لو كان لها عند الله خيرٌ؛ لاشتكت. فقال المهاجر لعِكْرِمة: متى تزوجتَها؟ قال: وأنا بعَدن، فأهديتْ إليّ بالجَند، فسافرت بها إلى مأرب، ثم أوردتُها العسكر. فقال بعضهم: دعْها فإنَّها ليست بأهل أن يُرغَب فيها. وقال بعضُهم: لا تَدَعْها. فكتب المهاجر إلى أبي بكر ﵀ يسأله عن ذلك، فكتب إليه أبو بكر: إنّ أباها النّعمان بن الجَوْن أتى رسولَ الله ﷺ ، فزيَّنها له حتى أمره أن يجيئه بها، فلمَّا جاءه بها قال: أزيدك: أنَّها لم تيجعْ شيئًا قَطّ، فقال: لو كان لها عند الله خير لاشتكتْ، ورغب عنها؛ فارغَبُوا عنها. فأرسلها. وبقي في قريش بعد ما أمر عمر في السَّبْي بالفداء عدَّةٌ، منهم: بشرى بنت قيس بن أبي الكيسم عند سعد بن مالك، فولدت له عمر، وزُرْعة بنت مِشْرَح عند عبد الله بن العباس فولدت له عليًّا.
وكتب أبو بكر إلى المهاجر يخيِّره اليمَن أو حضرموت؛ فاختار اليَمَن، فكانت اليمن على أميرين: فيروز، والمهاجر، وكانت حضْرموت على أميرين: عُبيدة بن سعد على كندة والسَّكاسك، وزياد بن لَبيد على حَضْرموت.
وكتب أبو بكر إلى عمَّال الرّدّة: أمَّا بعدُ، فإنّ أحبّ مَنْ أدخلتم في أموركم إليَّ مَن لم يرتدّ، ومَن كان ممَّن لم يرتدّ، فأجْمعوا على ذلك، فاتّخذوا منهم صنائع، وائذنوا لمن شاء في الانصراف، ولا تستعينوا بمرتدّ في جهاد عدوّ.
стр. 2807
وقال الأشعث بن مئناس السّكونيّ يبكي أهل النُّجيْر:
لَعمْرِي وما عَمْرِي عَلَيَّ بهَيِّنٍ ... لقد كنتُ بالقَتْلى لحقُّ ضَنِينِ
فلا غَرْوَ إلا يومَ أقْرع بينهمْ ... وما الدَّهرُ عندي بَعْدَهم بأمِينِ
فليتَ جُنُوبَ الناس تحتَ جنوبهم ... ولم تَمْش أنْثى بعدهم لِجَنين
وكنتُ كذات البَوِّ ريعَتْ فأقبلتْ ... على بَوِّهَا إذ طَرَّبَتْ بحنين (١)
١١١ - كتب إليّ السريّ عن شُعيب، عن سيف، عن موسى بن عُقْبَة، عن الضّحاك بن خليفة، قال: وقع إلى المهاجر امرأتان مُغَنِّيتان؛ غَنت إحداهما بشتْم رسولِ الله ﷺ ، فقطع يدها، ونزع ثنيَّتها؛ فكتب إليه أبو بكر ﵀: بَلغني الذي سِرْتَ به في المرأة التي تغنَّت، وزمرت بشتيمة رسول الله ﷺ ؛ فلولا ما قد سبقتْني فيها لأمرتك بقتْلها؛ لأن حدّ الأنبياء ليس يشبه الحدود، فمن تعاطَى ذلك من مسلم فهو مرتدّ، أو معاهَد فهو محارب غادر.
وكتب إليه أبو بكر في التي تغنّت بهجاء المسلمين: أما بعدُ؛ فإنه بلغني أنَّك قطعت يدي امرأة في أن تغنَّت بهجاء المسلمين، ونزعتَ ثنيّتها؛ فإن كانت ممن تدّعي الإسلام فأدبٌ، وتقدمةٌ دون المُثْلة، وإن كانت ذِمّية فلعمري لما صفحت عنه من الشِّرْكِ أعظم؛ ولو كنتُ تقدّمتُ إليك في مثل هذا لبَلغتُ مكروهًا؛ فاقبل الدّعة، وإيَّاك والمُثلة في الناس؛ فإنها مأثَم ومُنَفّرة إلّا في قصاص (٢). (٣: ٣٤١/ ٣٤٢).
١١٢ - وفي هذه السنة -أعني: سنة إحدى عشرة- انصرف مُعاذ بن جبل من اليمن.
واستقضى أبو بكر فيها عمر بن الخطاب، فكان على القضاء أيَّام خلافته كلها.
وفيها أمَّر أبو بكر ﵀ على الموسِم عتَّاب بن أسيد -فيما ذكره الذين أسند إليهم خبره عليّ بن محمد الذين ذكرت قبل في كتابي هذا أسماءهم (٣). (٣: ٣٤٢).
стр. 2808
١١٣ - وقال علي بن محمد: وقال قوم: بل حج بالناس في سنة إحدى عشرة عبد الرحمن بن عوف عن تأمير أبي بكر إيَّاه بذلك (١). (٣: ٣٤٢).
ثم كانت سنة اثنتي عشرة من الهجرة مسير خالد إلى العراق وصلح الحيرة
١١٤ - قال أبو جعفر: ولمَّا فرغ خالدٌ من أمر اليمامة، كتب إليه أبو بكر الصّدّيق ﵀؛ وخالد مقيم باليمامة -فيما حدّثنا عبيد الله بن سعد الزهريّ، قال: أخبرنا عمّي، قال: أخبرنا سَيف بن عمر عن عمرو بن محمَّد، عن الشعبيّ-: أنْ سِر إلى العراق حتى تدخلَها، وابدأ بفرْج الهند، وهي الأبُلَّة، وتألَّف أهلَ فارس، ومَن كان في مُلْكِهم من الأمم (٢). (٣: ٣٤٣).
١١٥ - قال أبو جعفر: وأما غيرُ ابن إسحاق وغير هشام ومَن ذكرت قولَه من قَبْل، فإنَّه قال في أمر خالد ومسيره إلى العراق ما حدّثنا عُبيد الله بن سعد الزّهريّ، قال: حدّثني عمِّي عن سيف بن عمر، عن عمرو بن محمد، عن الشَّعبيّ، قال: لمَّا فرغ خالد بن الوليد من اليَمامة، كتب إليه أبو بكر ﵀: إن الله فتحَ عليك فعارِقْ حتَى تلقى عياضًا. وكتب إلى عياض بن غَنْم وهو بين النِّبَاج والحجاز: أن سِرْ حتَّى تأتيَ المُصَيَّخَ فابدأ بها، ثم ادخل العراق من أعلاها، وعارق حتى تلقى خالدًا. وائْذَنَا لمن شاء بالرجوع، ولا تستفتحا بمتكارهٍ.
ولما قدم الكتاب على خالد وعياض، وأذنا في القفْل عن أمر أبي بكر، قَفل أهلُ المدينة وما حولَها وأعروهما، فاستمدّا أبا بكر، فأمدّ أبو بكر خالدًا بالقعقاع بن عمرو التميميّ، فقيل له: أتمدّ رجلًا قد ارفضّ عنه جنودُه برجل! فقال: لا يُهْزم جيشٌ فيهم مثل هذا. وأمدّ عياضًا بعبد بن عوف الحميريّ، وكتب إليهما أن استنفرا من قاتل أهل الردّة، ومَنْ ثبت على الإسلام بعد
стр. 2809
رسول الله ﷺ ، ولا يغزونّ معكم أحدٌ ارتدّ حتى أرَى رأيي. فلم يشهد الأيَّام مرتَدّ.
فلمَّا قدِم الكتاب على خالد بتأمير العراق، كتب إلى حَرْمَلَة، وسُلْمَى، والمثنَّى، ومذعور باللّحاق به، وأمرهم أن يواعدوا جنودَهم الأبُلَّة، وذلك أنّ أبا بكرٍ أمر خالدًا في كتابه: إذا دخلَ العراق أن يبدأ بفرْج أهل السِّنْد والهِنْد -وهو يومئذ الأبُلَّة- ليوم قد سمَّاه، ثم حشر مَن بينه وبين العراق، فحشر ثمانية آلاف من ربيعة ومُضر إلى ألفيْن كانا معه، فقدم في عشرة آلاف على ثمانية آلاف ممَّن كان مع الأمراء الأربعة -يعني بالأمراء الأربعة: المثنَّى، ومذعورًا، وسُلْمى، وحرملة- فلقيَ هُرْمُزَ في ثمانية عشر ألفًا (١). (٣: ٣٤٦ - ٣٤٧).
١١٦ - حدّثنا عُبيد الله، قال: حدّثني عمّي عن سيف، عن المهلَّب الأسديّ، عن عبد الرحمن بن سياه، وطلحة بن الأعلَم عن المغيرة بن عُتَيبة، قالوا: كتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد؛ إذ أمَّره على حرب العراق أن يدخلَها من أسفلها، وإلى عياض؛ إذ أمّره على حرب العراق؛ أن يدخلَها من أعلاها؛ ثم يستبقا إلى الحيرة، فأيّهما سبق إلى الحيرة فهو أميرٌ على صاحبه، وقال: إذا اجتمعتُما بالحيرة، وقد فضضتما مسالحَ فارس، وأمنْتُما أن يؤتَى المسلمون من خلْفهم، فليكن أحدكما رِدْءًا للمسلمين ولصاحبه بالحيرة، وليقتحم الآخر على عدوّ الله وعدوّكم من أهل فارس دارَهم ومستقَرَّ عِزهم؛ المدائن (٢). (٣: ٣٤٧).
١١٧ - حدّثنا عُبيد الله، قال: حدّثني عمِّي عن سيف، عن المجالد، عن الشّعبيّ، قال: كتب خالد إلى هُرمز قبل خروجه مع آزاذبه -أبي الزياذبة الَّذين باليمامة- وهرمز صاحب الثَّغر يومئذ: أمَّا بعدُ، فأسلِم تَسْلم، أو اعتقد لنفسكَ وقومك الذّمة، وأقرِرْ بالجزية؛ وإلا فلا تلومنّ إلّا نفسَك، فقد جئتُك بقومٍ يحبون الموت كما تحبُّون الحياة (٣). (٣: ٣٤٧).
١١٨ - قال سيف: عن طلحة بن الأعلم، عن المغيرة بن عتيبة -وكان قاضي
стр. 2810
أهل الكوفة- قال: فرّق خالد مُخرَجَه من اليمامة إلى العراق جندَه ثلاث فرَق، ولم يحملْهم على طريق واحدة، فسرَّح المثنَّى قبلَه بيومين، ودليله ظَفَر، وسرّح عديّ بن حاتم وعاصم بن عمرو، ودليليهما مالك بن عبَّاد، وسالم بن نصر، أحدهما قبل صاحبه بيوم؛ وخرج خالد ودليله رافع، فواعدهم جميعًا الحفير ليجتمعوا به وليصادموا به عدوّهم: وكان فرْج الهند أعظَم فروج فارس شأنًا، وأشدَّها شَوْكة، وكان صاحبه يحارب العرب في البرّ والهند في البحر.
قال -وشاركه المهلَّب بن عُقْبة وعبد الرحمن بن سياه الأحمريّ، الذي تُنْسَب إليه الحمراء، فيقال: حمراء سياه- قال: لمَّا قدِم كتاب خالد على هُرْمز كتب بالخبر إلى شيري بن كسرى، وإلى أردشير بن شيري، وجمع جموعه، ثم تعجل إلى الكواظم في سَرَعان أصحابه ليتلقَّى خالدًا، وسبّق حلبَته فلم يجدها طريق خالد، وبلَغه أنَّهم تواعدوا الحفير، فعاج يبادره إلى الحفير فنزله، فتبعني به، وجعل على مجنَّبته أخوين يُلاقيان أرْدَشير وشيري إلى أردشير الأكبر، يقال لهما: قُباذ وأنوشَجان، واقترنوا في السلاسل، فقال من لم ير ذلك لمن رآه: قيَّدتم أنفسكم لعدوّكم، فلا تفعلوا؛ فإنّ هذا طائر سَوْء، فأجابوهم وقالوا: أمَّا أنتم فحدّثوننا أنَكم تريدون الهَرَب. فلما أتى الخبر خالدًا بأنّ هرمز في الحفير أمالَ النَّاس إلى كاظمَةَ، وبلغ هرمزَ ذلك. فبادره إلى كاظمة فنزلها وهو حسير؛ وكان من أسْوَأ أمراء ذلك الفرْج جوارًا للعرب، فكلّ العرب عليه مغيظ؛ وقد كانوا ضربوه مثلًا في الخُبث حتى قالوا: أخبث من هرمز، وأكفر من هرمز، وتعبّى هرمز وأصحابه، واقترنوا في السلاسل، والماء في أيديهم. وقدم خالد عليهم، فنزل على غير ماءٍ، فقالوا له في ذلك، فأمر مناديَه، فنادى: ألا انزِلوا وحُطُّوا أثقالكم، ثم جالدوهم على الماء، فلَعمري ليصيرَنّ الماءُ لأصْبَرِ الفريقين، وأكرم الجنديْن؛ فحُطَّت الأثقال والخيل وقوف، وتقدّم الرَّجْل، ثم زحف إليهم حتى لاقاهم؛ فاقتتلوا، وأرسل الله سحابة فأغزَرت ما وراءَ صفّ المسلمين، فقوّاهم بها؛ وما ارتفع النهار وفي الغائط مقترِن (١). (٣: ٣٤٨).
١١٩ - حدّثنا عُبيد الله، قال: حدّثني عمِّي عن سيف، عن عبد الملك بن
стр. 2811
عطاء البَكَائيّ؛ عن المقطَّع بن الهيثم البكائيّ بمثله، وقالوا: وأرسل هُرمز أصحابه بالغد ليغدروا بخالد، فواطؤوه على ذلك، ثم خرج هُرْمز، فنادى رجل ورجلٌ: أين خالد؟ وقد عهد إلى فرسانه عهدَه، فلمَّا نزل خالد نزلَ هرمز، ودعاه إلى النزال، فنزل خالد فمشَى إليه، فالتقيا فاختلفا ضربتيْن، واحتضنه خالدٌ، وحملت حامية هُرْمز وغدرت، فاستلحموا خالدًا، فما شغله ذلك عن قتله. وحمل القَعْقاع بن عمرو واستلحم حُماةَ هرمز فأناموهم؛ وإذا خالد يُمَاصعهم، وانهزم أهل فارس، وركب المسلمون أكتافَهم إلى الليل، وجمع خالد الرّثاث وفيها السَّلاسل، فكانت وقْرَ بعير؛ ألف رطل، فسمِّيت ذات السلاسل، وأفلت قُباذ، وأنوشجان (١).
١٢٠ - حدثنا عبيدُ الله، قال: حدّثني عمِّي عن سيف، عن عمرو بن محمَّد؛ عن الشعبيّ، قال: كان أهلُ فارس يجعلون قلانسَهم على قَدْر أحسابهم في عشائرهم، فَمنْ تمّ شرفُه فقيمة قلنسوته مئة ألف. فكان هرمز ممنّ تَمّ شرفه، فكانت قيمتها مئة ألف؛ فنفّلها أبو بكر خالدًا، وكانت مفصَّصة بالجوهر، وتمام شرف أحدِهم أن يكون من بُيوتات (٢).
١٢١ - حدّثنا عُبيد الله، قال: حدثني عمِّي عن سيف، عن محمَّد بن نوَيْرة، عن حنظلة بن زياد بن حنظلة، قال: لما تراجع الطَّلب من ذلك اليوم؛ نادى منادي خالد بالرّحيل، وسار بالنَّاس، واتَّبعته الأثقال؛ حتى ينزل بموضع الجسْر الأعظم من البصرة اليوم، وقد أفلت قُباذ، وأنوشجان، وبعث خالد بالفتح وما بقيَ من الأخماس، وبالفيل، وقرأ الفتح على الناس. ولما قدم زِرّ بن كليب بالفيل مع الأخماس، فطيف به في المدينة ليراه النَّاس، جعل ضعيفات النساء يقلن: أمِن خلْق الله ما نرى! ورأينَه مصنوعًا، فردّه أبو بكر مع زِرّ. قال: ولما نزل خالد موضع الجسر الأعظم اليوم بالبَصْرة؛ بعث المثنَّى بن حارثة في آثار القوم، وأرسل معقل بن مُقرِّن المُزَنيّ إلى الأبُلة ليجمع له مالها والسّبي، فخرج معقل حتى نزل الأبُلَّة فجمع الأموال والسبايا.
стр. 2812
رجع الحديث إلى حديث سيف، عن محمَّد بن نويرة، عن حنظلة بن زياد، قال: وخرج المثنَّى حتَّى انتهى إلى نهر المرأة، فانتهى إلى الحصن الذي فيه المرأة، فخلف المُعَنَّى بن حارثة عليه، فحاصرها في قَصْرها، ومضى المثنَّى إلى الرّجُل فحاصره ثم استنزلهم عَنْوةً؛ فقتلهم واستفاء أموالهم، ولمَّا بلغ ذلك المرأة صالحت المثنَّى وأسلمتْ، فتزوّجها المعنَّى، ولم يحرّك خالد وأمراؤه الفلّاحين في شيء من فتوحهم لتقدُّم أبي بكر إليه فيهم، وسبَى أولاد المقاتلة الَّذين كانوا يقومون بأمور الأعاجم، وأقرّ مَن لم ينهض من الفلاحين؛ وجعل لهم الذمَّة؛ وبلغ سهمُ الفارس في يوم ذات السلاسل والثِّنْي ألف درهم، والراجل على الثلث من ذلك (١). (٣: ٣٥٠).
١٢٢ - قال أبو جعفر: وهذه القصة في أمر الأبُلَّة وفتحها خلاف ما يعرفه أهل السِّيَر، وخلاف ما جاءت به الآثار الصّحَاح، وإنما كان فتح الأبلَّة أيام عُمر ﵀، وعلى يد عُتْبة بن غَزْوان في سنة أربع عشرة من الهجرة، وسنذكر أمرها وقصّة فتحها إذا انتهينا إلى ذلك إن شاء الله (٢). (٣: ٣٥٠).
стр. 2813
ذكر وقعة المذار
١٢٣ - قال: وكانت وقعة المذار في صفر سنة اثنتي عشرة، ويومئذ قال الناس: صفر الأصفار، فيه يقتَل كلّ جبّار، على مجمع الأنهار. حدّثنا عُبيد الله، قال: حدّثني عمِّي عن سيف، عن زياد والمهلَّب، عن عبد الرحمن بن سياه الأحمرِيّ (١). (٣: ٣٥٣).
١٢٤ - وأمَّا فيما كتب به إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، فإنَّه عن سيف، عن المهلّب بن عُقْبة، وزياد بن سَرْجِس الأحمريّ، وعبد الرحمن بن سياه الأحمريّ، وسفيان الأحمريّ، قالوا: وقد كان هُرْمز كتب إلى أردشير وشيري بالخبر بكتاب خالد إليه بمسيره من اليمامة نحوه، فأمدّه بقارِن بن قريانس، فخرج قارن من المدائن مُمِدًّا لهرمز؛ حتى إذا انتهى إلى المذار بلغتْه الهزيمة؛ وانتهت إليه الفُلّال، فتذامَروا، وقال فُلاّل الأهواز وفارس لفلّال السواد والجبَل: إن افترقتم لم تجتمعوا بعدَها أبدًا؛ فاجتمعوا على العَوْد مرّة واحدة، فهذا مدد الملك، وهذا قارن، لعلّ الله يُديلُنَا ويشفينا من عدوّنا ونُدرك بعضَ ما أصابوا منَّا. ففعلوا وعسكروا بالمذار، واستعمل قارن على مجنَّبته قُبَاذ، وأنوشجان، وأرَز المثنَّى، والمعنَّى إلى خالد بالخَبر؛ ولمَّا انتهى الخبر إلى خالد عن قارن قسّم الفَيء على مَن أفاءه الله عليه، ونفَّل من الخمْس ما شاء الله، وبعث ببقيَّته وبالفتح إلى أبي بكر وبالخَبَر عن القوم وباجتماعهم إلى الثني المغيثِ والمغاث، مع الوليد ابن عُقْبة -والعرب تسمي كلّ نهر الثِّنْي- وخرج خالد سائرًا حتى ينزل المذار على قارن في جموعه، فالتقوْا وخالد على تعبيته، فاقتتلوا على حَنَقٍ وحفيظة، وخرج قارن يدعو للبراز، فبرز له خالد، وأبيض الركبان معقل بن الأعشى بن النَّبّاش، فابتدراه، فسبقه إليه معقل، فقتله وقتل عاصِمٌ الأنوشجان، وقتل عديٌّ قُباذ. وكان شرف قارن قد انتهى؛ ثم لم يقاتل المسلمون بعده أحدًا انتهى شرفه في الأعاجم، وقُتلت فارس مقتلة عظيمة؛ فضمُّوا السفُنَ، ومنعت المياه المسلمين من طلَبهم، وأقام خالد بالمذار، وسلَّم الأسلاب لمن سلَبها بالغةً ما بلغتْ، وقسّم الفيءَ ونفّل من الأخماس أهل
стр. 2814
البلاء، وبعث ببقيَّة الأخماس، ووفَّد وفدًا مع سعيد بن النعمان أخي بني عديّ بن كعب (١). (٣: ٣٥١/ ٣٥٢).
١٢٥ - حدثنا عُبيد الله، قال: حدّثني عمِّي عن سيف، عن محمَّد بن عبد الله، عن أبي عثمان، قال: قتل ليلة المذار ثلاثون ألفًا سوَى من غرق، ولولا المياه لأتيَ على آخرهم؛ ولم يفلت منهم من أفلت إلا عُراة وأشباه العراة (٢). (٣: ٣٥٢).
١٢٦ - قال سيف، عن عمرو والمجَالد، عن الشعبي، قال: كان أوّل من لقيَ خالد مَهْبَطهُ العراق هرمزَ بالكواظم، ثم نزل الفرات بشاطئ دِجْلة؛ فلم يلقَ كيدًا، وتبحبَح بشاطئ دجلة، ثم الثِّنْي، ولم يلقَ بعد هرمز أحدًا إلا كانت الوقْعة الآخرة أعظَم من التي قبلها، حتى أتى دُومَةَ الجندل، وزاد سهمُ الفارس في يوم الثِّنْي على سهمه في ذات السلاسل. فأقام خالد بالثنْي يسبِي عيالات المقاتلة ومن أعانهم، وأقرَّ الفلاحين ومن أجاب إلى الخراج من جميع الناس بعد ما دُعوا، وكلّ ذلك أخذ عنوةً ولكن دُعوا إلى الجزاء، فأجابوا، وتراجعوا، وصاروا ذمَّة، وصارت أرضهم لهم؛ كذلك جرى ما لم يُقسم، فإذا اقتُسم فلا.
وكان في السّبْي حبيب أبو الحسن -يعني: أبا الحسن البصريّ- وكان نصرانيًّا، ومافنَّة مولى عثمان، وأبو زياد مولَى المغيرة بن شعبة.
وأمَّر على الجند سعيد بن النُّعمان، وعلى الجزاء سُوَيد بن مُقرّن المزنيّ، وأمره بنزول الحفير، وأمره ببثّ عُمَّاله، ووضع يده في الجباية، وأقام لعدوّه يتحسَّس الأخبار (٣). (٣: ٣٥٢).
ذكر وقعة الولَجة
١٢٧ - ثم كان أمر الولَجة في صفر من سنة اثنتي عشرة؛ والولَجة مما يلي كَسْكر من البرّ.
стр. 2815
حدّثنا عُبيد الله، قال: حدّثني عمي، قال: حَدّثني سَيْف عن عمرو، والمجالد، عن الشعبيّ قال: لما فرغ خالد من الثِّنْي وأتى الخبرُ أردشير؛ بعث الأنْدَرْ زَغَر؛ وكان فارسيًّا من مولَّدي السّواد (١). (٣: ٣٥٣).
١٢٨ - حدثنا عبيد الله، قال: حدثني عمّي، قال: حدثني سيف عن زياد بن سَرْجِس، عن عبد الرحمن بن سياه، قال -وفيما كتب به إليّ السريّ، قال: حدّثنا شُعيب؛ قال: حدثنا سَيْف عن المهلَّب بن عُقْبة، وزياد بن سرجس، وعبد الرحمن بن سياه- قالوا: لمَّا وقع الخبرُ بأردَشير بمصاب قارن، وأهل المَذَار؛ أرسل الأندرْزَغَر؛ - وكان فارسيًّا من مولّدي السواد وتُنَّائهم؛ ولم يكن ممّن وُلد في المدائن ولا نشأ بها - وأرسل بهمن جاذَوَيْه في أثره في جيش، وأمَره أن يعبُر طريق الأندرْزَغَر؛ وكان الأندرْزَغَر قبل ذلك على فَرْج خُراسان؛ فخرج الأندرْزَغَر سائرًا من المَدَائن حتى أتى كَسْكَر، ثم جازَها إلى الوَلَجة، وخرج بَهْمَن جاذويه في أثره، وأخذ غير طريقه، فسلك وسط السَّواد، وقد حشر إلى الأندرْزَغَر من بيْن الحيرة وكَسْكَر من عرب الضّاحية والدّهاقين فعسكروا إلى جَنْب عسكره بالوَلَجة؛ فلمَّا اجتمع له ما أراد واستتمّ أعجبه ما هو فيه، وأجمع السَّيْر إلى خالد؛ ولما بلغ خالدًا وهو بالثِّنْي خبرُ الأندرْزَغَر ونزوله الولَجة، نادى بالرّحيل، وخلَّف سُوَيد بن مقرّن، وأمرهَ بلزوم الحفير، وتقدّم إلى مَن خلّف في أسفل دِجْلة، وأمرهم بالحَذرِ وقلَّة الغَفْلَة، وترك الاغترار، وخرج سائرًا في الجنود نحو الوَلَجة، حتى ينزل على الأندَرْزَغَر وجنوده ومَنْ تأشّب إليه، فاقتتلوا قتالًا شديدًا؛ هو أعظم من قتال الثِّنْي (٢). (٣: ٣٥٣).
١٢٩ - حدثنا عبيد الله، قال: حدّثني عمّي عن سيِف، عن محمد بن أبي عثمان، قال: نزل خالدٌ على الأندرْ زَغَر بالولَجة في صَفر، فاقتتلوا بها قتالًا شديدًا، حتى ظنَ الفريقان أنّ الصبر قد فرغ، واستبطأ خالد كمينَه؛ وكان قد وضع لهم كمينًا في ناحيتيْن، عليهم بُسْر بن أبي رُهْم، وسعيد بن مُرّة العِجليّ، فخرج الكمين في وجْهين، فانهزمت صفوف الأعاجم وولَّوا، فأخذهم خالد من
стр. 2816
بين أيديهم والكمين من خلْفهم، فلم يرَ رجلٌ منهم مقتلَ صاحبه؛ ومضى الأندرْزَغَر في هزيمته، فمات عطشًا. وقام خالد في الناس خطيبًا يرغِّبهم في بلاد العَجَم، ويزهّدهم في بلاد العرب، وقال: ألا تروْن إلى الطَّعام كرفْغَ التراب وبالله لو لم يلزمنا الجهادُ في الله والدعاء إلى الله ولم يكن إلّا المعاش؛ لكان الرأي أن نقارعَ على هذا الرّيف حتى نكونَ أولى به، ونولي الجوعَ والإقلال مَن تولّاه ممّن اثَّاقل عمَّا أنتم عليه. وسار خالد في الفلاحين بسيرته فلم يقتلهم، وسبَى ذراريّ المقاتلة ومن أعانهم، ودعا أهلَ الأرض إلى الجزاء والذمَّة، فتراجعوا (١). (٣: ٣٥٤).
١٣٠ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف -وحدّثنا عبيد الله، قال: حدّثني عمِّي عن سيف- عن عمرو، عن الشَّعبيّ، قال: بارز خالد يوم الوَلَجة رجلًا من أهل فارس يُعدَل بألف رجل فقتله، فلمَّا فرغ اتَّكأ عليه، ودعا بغدَائه. وأصاب في أناس من بكْر بن وائل ابنًا لجابر بن بُجير وابنًا لعبد الأسود (٢). (٣٥٤: ٣).
خبر أُلّيس، وهي على صُلْب الفرات
١٣١ - قال أبو جعفر: حدّثنا عُبيد الله، قال: حدّثني عمِّي، قال: حدّثنا سيف عن محمد بن طلحة، عن أبي عثمان، وطلحة بن الأعلم عن المغيرة بن عتيبة. وأمّا السَّريّ فإنه قال فيما كتب إليّ: حدّتنا شُعيب عن سيف، عن محمَّد بن عبد الله عن أبي عثمان، وطلحة بن الأعلم عن المغيرة بن عُتَيبة، قالا: ولمَّا أصاب خالد يوم الوَلَجة مَن أصاب من بكْر بن وائل من نصاراهم الَّذين أعانوا أهلَ فارس؛ غضب لهم نصارى قومِهم؛ فكاتبوا الأعاجم، وكاتبتهم الأعاجم، فاجتمعوا إلى ألَّيس، وعليهم عبد الأسود العِجْليّ، وكان أشدّ الناس على أولئك النَّصارى مسلمو بني عِجْل: عُتيبة بن النَّاس، وسعيد بن مُرّة، وفرات بن حَيَّان، والمثنَّى بن لاحق، ومذعور بن عديّ. وكتب أردشير إلى
стр. 2817
بَهمن جاذَوَيْه، وهو بقُسْيَانا -وكان رافدَ فارس في يوم كمن أيام شَهْرهم وبنوْا شهورَهم كلَّ شهر على ثلاثين يومًا، وكان لأهل فارس في كلّ يوم رافد قد نُصب لذلك يرفدُهم عند الملك، فكان رافدهم بَهْمَن روز- أن سِر حتى تقدَم ألّيس بجيشك إلى مَن اجتمع بها من فارس ونصارى العرب. فقدّم بَهْمَن جاذويه جابان وأمره بالحثّ، وقال: كفكفْ نفسك وجندَك من قتال القوم حتى ألحق بك إلّا أنْ يُعجلوك. فسار جابان نحو ألّيس؛ وانطلق بَهْمَن جاذويه إلى أردشير ليُحْدِث به عهدًا، وليستأمره فيما يريد أن يشيرَ به، فوجده مريضًا؛ فعرَّج عليه، وأخلَى جابان بذلك الوجه، ومضى حتى أتى أليْس، فنزل بها في صفَر، واجتمعت إليه المسالح التي كانت بإزاء العرب؛ وعبد الأسود في نصارى العرب من بني عِجْل وتيمْ اللات وضُبَيعة وعرب الضاحية من أهل الحيرة؛ وكان جابر بن بجير نصرانيًا، فساند عبد الأسود؛ وقد كان خالد بلغه تجمُّع عبد الأسود وجابر وزُهير فيمنْ تأشَب إليهم، فنَهد لهم، ولا يشعر بدنوّ جابان، وليست لخالد همة إلّا من تجمّع له من عَرَب الضّاحية ونصاراهم؛ فأقبل فلمَّا طلع على جابان بأليْس؛ قالت الأعاجم لجابان: أنعاجلهم أم نغَدّي الناس ولا نريهم أنا نحفِل بهم، ثم نقاتلهم بعد الفراغ؟ فقال جابان: إن تركوكم والتَّهاون بكم فتهاونوا، ولكن ظنّي بهم أن سيعجلونكم ويعجّلونكم عن الطعام. فعصوه وبسطوا البُسُط ووضعوا الأطعمة، وتداعوْا إليها، وتوافوْا عليها. فلمَّا انتهى خالد إليهم، وقف وأمر بحطّ الأثقال، فلمَّا وُضِعت توجَّه إليهم، ووكَّل خالد بنفسه حوامي يحمُون ظهره، ثم بَدَرَ أمام الصفّ، فنادى: أين أبجر؟ أين عبد الأسود؟ أين مالك بن قيس؟ رجلٌ من جَذْرة؛ فنكَلُوا عنه جميعًا إلّا مالكًا، فبرز له، فقال له خالد: يا بنَ الخبيثة، ما جرَّأك على من بينهم، وليس فيك وفاء! فضربه فقتله، وأجهض الأعاجمَ عن طعامهم قبل أن يأكلوا؛ فقال جابان: ألم أقل لكم يا قومُ! أما والله ما دخلَتْني من رئيس وحشة قطُ حتى كان اليوم؛ فقالوا حيث لم يقدروا على الأكل تجلّدًا: نَدعها حتى نفرغ منهم، ونعود إليها. فقال جابان: وأيضًا أظنكم والله لهم وضعتموها وأنتم لا تشعرون؛ فالآن فأطيعوني؛ سُمّوها؛ فإن كانت لكم فأهوْنُ هالكٍ، وإن كانت عليكم كنتم قد صنعتم شيئًا؛ وأبلَيْتم عذرًا. فقالوا: لا، اقتدارًا عليهم. فجعل جابان على مجنَّبتَيْه عبد الأسود وأبجر؛ وخالد على تعبئته في الأيام التي قبلها، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، والمشركون يزيدهم كَلَبًا وشدَّةً
стр. 2818
ما يتوقَّعون من قدوم بَهْمَن جاذويه، فصابروا المسلمين للَّذي كان في علم الله أن يصيِّرَهم إليه، وحَرِبَ المسلمون عليهم، وقال خالد: اللهمّ إنَّ لك عليّ إن منحتَنا أكتافَهم ألّا أستبقي منهم أحدًا قدرْنا عليه حتى أجرِيَ نهرَهم بدمائهم!
ثم إنّ الله كشفهم للمسلمين، ومنحَهم أكتافهم، فأمر خالد مناديَه، فنادى في الناس: الأسرَ الأسرَ! لا تقتلوا إلا مَن امتنع؛ فأقبلت الخيول بهم أفواجًا مستأسرين يساقون سَوْقًا، وقد وكَّل بهم رجالًا يضربون أعناقهم في النهر، ففعل ذلك بهم يومًا وليلة، وطلبوهم الغد وبعد الغد؛ حتى انتهوْا إلى النّهرين، ومقدارِ ذلك من كلّ جوانب ألّيْس. فضرب أعناقهم، وقال له القعقاع وأشباهٌ له: لو أنَّك قتلتَ أهلَ الأرض لم تجرِ دماؤهم؛ إنّ الدّماء لا تزيد على أن تَرقرَق منذ نُهيتْ عن السَّيَلان، ونُهيت الأرض عن نَشْف الدماء؛ فأرسل عليها الماء تَبَرّ يمينك. وقد كان صدّ الماءَ عن النَّهر فأعاده، فجرى دمًا عبيطًا فسمِّي نهر الدم لذلك الشأن إلى اليوم (١). (٣: ٣٥٥/ ٣٥٦/ ٣٥٧).
١٣٢ - وقال آخرون منهم بشير بن الخصاصيّة، قال: وبلغنا: أن الأرض لما نشفتْ دمَ ابن آدم نُهَيتْ عن نَشْف الدماء، ونُهِيَ الدّم عن السَّيَلان إلا مقدار بَرْدِه.
ولما هُزِم القوم وأجْلُوا عن عسكرِهم، ورجع المسلمون من طلبهم ودخلوه؛ وقف خالد على الطعام، فقال: قد نفّلْتُكموه فهو لكم. وقال: كان رسول الله ﷺ إذا أتى على طعام مصنوع نفَّله. فقعد عليه المسلمون لعشائهم بالليل، وجعل مَنْ لم يرَ الأرياف ولا يعرف الرّقاق يقول: ما هذه الرّقاق البيض! وجعل مَنْ قد عرفها يجيبهم، ويقول لهم مازحًا: هل سمعتم برقيق العيش؟ فيقولون: نعم، فيقول: هو هذا؛ فسمي الرّقاق، وكانت العرب تسمّيه القرَى (٢). (٣: ٣٥٧).
١٣٣ - حدّثنا عبيدُ الله، قال: حدّثني عمِّي، قال: حدّثنا سيف عن عمرو بن محمّد، عن الشَّعبيّ، عمَّن حدّث، عن خالد: أنَّ رسولَ الله ﷺ نفّل الناس يوم خَيْبَر الخبز والطبيخ والشِّواء، وما أكلوا غير ذلك في بطونهم غير متأثِّليهِ (٣). (٣٥٧: ٣).
стр. 2819
١٣٤ - كتب إليّ السريّ عن شُعيب، عن سيف، عن طلحة، عن المغيرة، قال: كانت على النَّهر أرحاء، فطحنتْ بالماء وهو أحمر قوت العسكر؛ ثمانية عشر ألفًا أو يزيدون ثلاثة أيام. وبعث خالد بالخبر مع رجل يدعى جَنْدَلًا من بني عجْل، وكان دليلًا صارمًا، فقدم على أبي بكر بالخَبر، وبفتح ألَّيْس، وبقدْر الفيء وبعدّة السَّبْي، وبما حصل من الأخماس؛ وبأهل البلاء من الناس؛ فلمَّا قدم على أبي بكر، فرأى صرامته وثباتَ خبره، قال: ما اسمك؟ قال: جَنْدَل، قال: ويْهًا جندل!
نَفسُ عِصامٍ سَوَّدَتْ عِصامَا ... وَعَوَّدَتْهُ الكرَّ وَالإقْداما
وأمر له بجارية من ذلك السَّبْي، فولدت له.
قال: وبلغت قتلاهم من ألَّيْس سبعين ألفًا جلّهم من أمْغِيشيَا.
قال أبو جعفر: قال لنا عبيد الله بن سعد: قال عمّي: سألت عن أمْغِيشيَا بالحيرة فقيل لي: مَنِشِيَا، فقلت لسيف، فقال: هذان اسمان (١) (٣: ٣٥٧/ ٣٥٨).
حديث أمْغيشيا
١٣٥ - في صفر، وأفاءَها الله بغير خيل.
حدثنا عبيد الله، قال: حدّثني عمِّي عن سيف، عن محمد، عن أبي عثمان، وطلحة، عن المغيرة، قال: لمَّا فَرَغ خالد من وقعة ألَّيْس؛ نهض فأتى أمْغِيشيا، وقد أعجلهم عَمَّا فيها، وقد جلا أهلها؛ وتفرّقوا في السَّوَاد، ومن يومئذ صارت السَّكرات في السَّواد؛ فأمر خالد بهدم أمْغِيشيَا وكلّ شيء كان في حَيِّزها، وكانت مِصْرًا كالحيرة؛ وكان فرات بادَقْلى ينتهي إليها، وكانت ألَّيْس من مسالحها، فأصابوا فيها ما لم يصيبوا مثله قطّ (٢). (٣: ٣٥٨).
١٣٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن بَحْر بن الفُرات العجليّ، عن أبيه، قال: لم يصب المسلمون فيما بين ذات السَّلاسل وأمغيشيا
стр. 2820
مثل شيء أصابوه في أمغيشيا، بلغ سهمُ الفارس ألفًا وخمسمئة، سوى النَّفَل الذي نُفِّلَه أهلُ البلاء. وقالوا جميعًا: قال أبو بكر ﵀ حين بلغه ذلك: يا معشرَ قريش! -يخبرهم بالذي أتاه-: عدا أسدُكم على الأسد فغلَبه على خراذيله؛ أعجزت النساء أن ينسلن مثل خالد؟ ! (١) (٣: ٣٥٨/ ٣٥٩).
حديث يوم المَقْر وفم فُرات بادَقْلَى
١٣٧ - قال أبو جعفر: كتب إليّ السَّريّ، عن شُعيب، عن سيف، عن محمد، عن أبي عثمان وطلحة، عن المغيرة: أن الآزاذبه كان مرزُبان الحيرة أزمان كسرى إلى ذلك اليوم؛ فكانوا لا يمدُّ بعضُهم بعضًا إلّا بإذن الملك، وكان قد بلغ نصف الشَّرَف، وكان قيمة قَلنْسُوته خمسين ألفًا؛ فلما أخرب خالد أمغيشيا، وعاد أهلها سَكَرات لدهاقين القرى علم الآزاذبه أنَّه غيرُ متروك، فأخذ في أمره وتهيَّأ لحرب خالد، وقدّم ابنه ثم خرج في أثرِه حتى عسكر خارجًا من الحيرة؛ وأمر ابنه بسدّ الفرات، ولما استقلّ خالد من أمغيشيا وحمل الرّجْل في السفن مع الأنفال والأثقال، لم يفجَأ خالدٌ إلّا والسفنُ جوانح، فارتاعوا لذلك، فقال الملّاحون: إن أهلَ فارس فجّروا الأنهار؛ فسلك الماء غير طريقه؛ فلا يأتينا الماء إلّا بسدّ الأنهار، فتعجَّل خالد في خيل نحو ابن الآزاذبه، فتلقَّاه على فمِ العتيق خيلٌ من خيله؛ فجأهم وهم آمنون لغارة خالد في تلك الساعة، فأنامهم بالمقْر، ثم سار من فَوْرِه وسبق الأخبارَ إلى ابن الآزاذبه حتَّى يلقاه وجندَه على فم فرات بادَقْلى؛ فاقتتلوا فأنامهم؛ وفجَّر الفُرات وسدّ الأنهار وسلك الماءُ سبيلَه (٢). (٣٥٩: ٣).
١٣٨ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمَّد، عن أبي عثمان، وطلحة عن المغيرة، وبحر عن أبيه، قالوا. وحدّثنا عبيدُ الله، قال: حدّثني عمّي، قال: حدثنا سيفٌ عن محمَّد، عن أبي عثمان، وطلحة عن المغيرة، قالا: لمّا أصابَ خالد ابن الآزاذبه على فم فرات بادَقْلَى، قصد للحيرة، واستلحق أصحابه، وسار حتى ينزل بين الخوَرْنَق والنَّجَف، فقدم
стр. 2821
خالد الخورنَق، وقد قطع الآزاذبه الفُرات هاربًا من غير قتال؛ وإنَّما حداه على الهَرَب: أنّ الخبر وقع إليه بموت أردشير ومصاب اينه، وكان عسكره بين الغَريين والقصر الأبيض. ولمَّا تتامّ أصحابُ خالد إليه بالخورنق خرج من العسكر حتى يعسكر بموضع عسكر الآزاذبه بين الغريين والقصر الأبيض، وأهلُ الحيرة متحصنون، فأدخل خالد الحيرة الخيلَ من عسكره، وأمر بكلّ قصر رجلًا من قوّاده يحاصر أهلَه ويقاتلهم، فكان ضرار بن الأزور محاصرًا القصر الأبيض، وفيه إياس بن قَبيصة الطائي، وكان ضرار بن الخطاب محاصرًا قصر العدَسيين وفيه عديّ بن عديّ المقتول، وكان ضرار بن مقرّن المزنيّ عاشر عشرة إخوة له محاصرًا قصرَ بني مازن، وفيه ابن أكَّال؛ وكان المثنَّى محاصرًا قصر ابن بُقيلة وفيه عمرو بن عبد المسيح؛ فدعوهم جميعًا، وأجَّلُوهم يومًا، فأبى أهلُ الحيرة ولجُّوا، فناوشهم المسلمون (١). (٣: ٣٥٩/ ٣٦٠).
١٣٩ - حدّثني عبيدُ الله بن سعد، قال: حدّثني عمّي عن سيف، عن الغُصْن بن القاسم، رجل من بني كنانة - قال أبو جعفر: هكذا قال عُبيد الله. وقال السَّريّ فيما كتب به إليّ: حدّثنا شُعيب عن سيف، عن الغصن بن القاسم، عن رجل من بني كنانة - قال: عهد خالد إلى أمرائه أن يبدؤوا بالدّعاء، فإن قَبِلُوا؛ قبلوا منهم، وإن أبْوا؛ أن يؤجّلوهم يومًا، وقال: لا تمكِّنوا عدوّكم من آذانكم، فيتربّصوا بكم الدوائر؛ ولكن ناجزُوهم ولا تُرَدّدُوا المسلمين عن قتال عدوّهم. فكان أوّل القُوّاد أنشب القتال بعد يوم أجلوهم فيه ضرار بن الأزور، وكان على قتال أهل القَصْر الأبيض، فأصبحوا وهم مشرفُون؛ فدعاهم إلى إحدى ثلاث: الإسلام، أو الجِزَاء، أو المنابذة، فاختاروا المنابذة وتنادوا: عليكم الخزازيف، فقال ضرار: تنحَّوْا لا ينالكم الرّمي؛ حتى ننظر في الذي هتفوا به. فلم يلبث أن امتلأ رأسُ القصر من رجال متعلّقي المخالي، يرمون المسلمين بالخزازيف -وهي المداحي من الخَزَف- فقال ضرار: ارشقوهم، فدنوْا منهم فرشقُوهم بالنَّبْل، فأعروْا رؤوس الحيطان، ثم بَثُّوا غارتهم فيمن يليهم، وصبّح أمير كلّ قوم أصحابه بمثل ذلك، فافتتحوا الدُّور والدّيرات، وأكثروا القتل، فنادى القسيسون والرُّهبان: يا أهلَ القصور! ما يقتلنا غيركم. فنادى أهل
стр. 2822
القصور: يَا معشرَ العرب! قد قبِلْنا واحدة من ثلاث، فادعوا بنا وكُفّوا عنّا حتَّى تبلغونا خالدًا. فخرج إياس بن قَبيصة وأخوه إلى ضرار بن الأزور، وخرج عديّ بن عديّ وزيد بن عديّ إلى ضرار بن الخطاب -وعديّ الأوسط الذي رثته أمّه وقتل يوم ذي قَار- وخرج عمرو بن عبد المسيح وابن أكَّال، هذا إلى ضرار بن مقرّن، وهذا إلى المثنَّى بن حارثة، فأرسلوهم إلى خالد وهم على مواقفهم (١). (٣: ٣٦٠/ ٣٦١).
١٤٠ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد عن أبي عثمان، وطلحة عن المغيرة قالا: كان أوّل مَنْ طلب الصلح عمرو بن عبد المسيح بن قيس بن حيّان بن الحارث وهو بُقَيْلة - وإنما سُمي بُقَيلة؛ لأنه خرج على قومه في برْدَيْن أخضرين، فقالوا: يا حارِ ما أنت إلا بُقَيلة خضراء - وتتابعوا على ذلك، فأرسلهم الرؤساء إلى خالد، مع كلّ رجل منهم ثقة؛ ليصالح عليه أهلَ الحصن، فخلا خالد بأهلِ كل قصرٍ منهم دون الآخرين، وبدأ بأصحاب عديّ، وقال: ويحكم! ما أنتم! أعرب؟ فما تنقمون من العرب! أو عجم؟ فما تنقمون من الإنصاف والعدل! فقال له عديّ: بل عرب عاربة وأخرى متعرّبة، فقال: لو كنتم كما تقولون لم تحادُّونا وتكرهوا أمرنا، فقال له عديّ: ليَدلّك على ما نقول أنَّه ليس لنا لسان إلّا بالعربية، فقال: صدقتَ. وقال: اختاروا واحدة من ثلاث: أن تدخلوا في ديننا فلكم ما لنا وعليكم ما علينا إن نهضتم وهاجرتم وإن أقمتم في دياركم، أو الجزية، أو المنابذة والمناجزة؛ فقد والله أتيتُكم بقوم هم على الموت أحرصُ منكم على الحياة، فقال: بل نعطيك الجِزْية، فقال خالد: تبًّا لكم، ويحكم! إنّ الكُفْر فلاة مَضَلَّة، فأحمقُ العرب مَن سلكها فلقيه دليلان: أحدهما عربيّ فتركه واستدلّ الأعجميّ. فصالحوه على مئة ألف وتسعين ألفًا؛ وتتابعوا على ذلك، وأهْدَوْا له هَدَايا، وبعث بالفتح والهدايا إلى أبي بكر ﵀ مع الهذيل الكاهليّ، فقبلها أبو بكر من الجِزَاء، وكتب إلى خالد أن احسبْ لهم هديّتهم من الجِزَاء، إلّا أن تكون من الجِزَاء، وخذ بقيَّة ما عليهم فَقوِّ بها أصحَابك. وقال ابنُ بُقَيْلة:
أبَعْدَ المُنْذِريْنِ أَرَى سَوامًا ... ترَوَّحُ بَالخوَرْنَق والسَّدير!
стр. 2823
وَبَعْدَ فَوَارِسِ النُّعْمان أَرْعى ... قلوصًا بين مُرَّةَ والحفيرِ
فصِرْنا بعد هلك أبي قُبَيْس ... كجُرْب المَعْز في اليوم المَطِيرِ
تَقسَّمُنَا القبائلُ مِنْ مَعَدٍّ ... علانيَةً كأَيْسارِ الجزُورِ
وَكُنّا لا يرامُ لنا حَريمٌ ... فنَحْنُ كضَرَّة الضرْع الفَخُورِ
نؤدِّي الْخَرْجَ بعد خَراج كِسْرَى ... وخَرْجٍ مِنْ قُرَيْظة والنَّضَيرِ
كذاك الدَّهْرُ دَوْلته سجالٌ ... فيَوْمٌ مِنْ مَساءةٍ أو سُرُورِ (١)
(٣: ٣٦١/ ٣٦٢).
١٤١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن الغصن بن القاسم عن رجل من بني كنانة، ويونس بن أبي إسحاق بنحو منه، وقالا: فكانوا يختلفون إليه ويقدَمُون في حوائجهم عمرو بن عبد المسيح، فقال له خالد: كم أتتْ عليك من السنين قال: مئو سنين، قال: فما أعجبُ ما رأيت؟ قال: رأيتُ القرى منظومةً ما بين دمشق والحيرة، تخرجُ المرأة من الحيرة فلا تُزَوّدُ إلا رغيفًا. فتبسّم خالد، وقال:
* هل لك من شَيخك إلا عَمَلُهْ *
خرفْتَ والله يا عمرو! ثم أقبل على أهل الحيرة فقال: ألم يبلغني أنكم خَبَثَة خَدَعَة مكَرة! فما لكم تتناولون حوائجكم بخرِف لا يدري من أين جاء! فتجاهل له عمرو، وأحبَّ أن يريَه من نفسه ما يَعْرِفُ به عقلَه، ويستدلّ به على صحَّة ما حدّثه به، فقال: وحقِّك أيها الأمير، إنِّي لأعرف من أين جئتُ! قال: فمن أين جئتَ؟ قال: أقْرِب أم أبْعِد؟ قال: ما شئت، قال: من بَطْن أمّي، قال: فأين تريد؟ قال: أمامي، قال: وما هو؟ قال: الآخرة. قال: فمن أين أقصَى أثرِك؟ قال: من صُلْب أبي، قال: ففيم أنت؟ قال: في ثيابي، قال: أتعقل؟ قال: إي والله وأقيِّد. قال: فوجده حين فَرّه عضًّا، وكان أهل قريته أعلم به - فقال خالد: قتلت أرْضٌ جاهلَها، وقَتَل أرْضًا عالمها؛ والقوم أعلم بما فيهم. فقال عمرو: أيُّها الأمير، النملة أعلم بما في بيتها من الجَمل بما في بيت النَّمية (٢) (٣: ٣٦٢/ ٣٦٣).
стр. 2824
١٤٢ - وشاركهم في هذا الحديث من هذا المكان محمد بن أبي السَّفَر عن ذي الجوشن الضِّبابيّ، وأمَّا الزهريّ فإنه حدثنا به، فقال: شاركهم في هذا الحديث رجل من الضِّباب.
قالوا: وكان مع ابن بُقيلة مَنْصفٌ له فعلّق كيسًا في حَقوِه، فتناول خالد الكيس، ونثر ما فيه في راحته، فقال: ما هذا يا عمرو؟ قال: هذا وأمانة الله سَمّ ساعة، قال: لِمَ تحتقب السمّ؟ قال: خشيت أن تكونوا على غير ما رأيتُ، وقد أتيتُ على أجلي، والموت أحبُّ إليّ من مكروه أدخله على قومي وأهل قريتي. فقال خالد: إنَّها لن تَموت نفسٌ حتى تأتيَ على أجلِها، وقال: بسم الله خير الأسماء، ربّ الأرض وربّ السماء، الذي ليس يضرّ مع اسمه داء، الرحمن الرحيم. فأهَوْوا إليه ليمنعوه منه، وبادرهم فابتلعه، فقال عمرو: والله يا معشَر العرب لتملكُنّ ما أردتم ما دام منكم أحد أيّها القَرن! وأقبل على أهل الحيرة، فقال: لم أر كاليوم أمرًا أَوضحَ إقبالًا!
وأبى خالد أن يكاتبَهم إلّا على إسلام كرامةَ بنت عبد المسيح إلى شُوَيل؛ فثقُل ذلك عليهم، فقالت: هوّنوا عليكم وأسلموني، فإنّي سأفتدي. ففعلوا؛ وكتب خالد بينه وبينهم كتابًا: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما عاهد عليه خالد بن الوليد عديًّا، وعمرًا ابنيْ عديّ، وعمرو بنَ عبد المسيح، وإياس بنَ قَبيصة، وحيريّ بن أكّال -وقال عبيد الله: جبريّ- وهم نقباء أهل الحيرة؛ ورضيَ بذلك أهلُ الحيرة، وأمروهم به- عاهدهم على تسعين ومئة ألف درهم، تُقبَل في كلّ سنة جزاءً عن أيديهم في الدنيا؛ رهبانهم وقسّيسهم؛ إلّا مَن كان منهم على غير ذي يدٍ، حبيسًا عن الدنيا، تاركًا لها- وقال عبيدُ الله: إلّا من كان غير ذي يد حبيسًا عن الدنيا، تاركًا لها - أو سائحًا تاركًا للدنيا، وعلى المنَعة، فإن لم يمنعهم فلا شيء عليهم حتى يمنعهم، وإن غدروا بفعل أو بقوْل فالذمَّه منهم بريئة. وكُتِب في شهر ربيع الأول من سنة اثنتي عشرة، ودفع الكتاب إليهم.
فلما كفر أهل السَّواد بعد موت أبي بكر استخفُّوا بالكتاب، وضيَّعوه، وكفروا فيمن كفر، وغلب عليهم أهل فارس، فلما افتتح المثنَّى ثانية؛ أدْلَوْا بذلك، فلم يجبْهم إليه، وعاد بشرط آخر؛ فلما غلب المثنَّى على البلاد كَفَروا
стр. 2825
وأعانوا واستخفُوا وأضاعوا الكتاب. فلمَّا افتتحها سعد، وأدْلَوا بذلك سألهم واحدًا من الشّرْطين، فلم يجيئوا بهما؛ فوضع عليهم وتحرّى ما يرى أنهم مُطيقون، فوضع عليهم أربعمئة ألف سوى الحَرَزة - قال عبيدُ الله: سوى الخرَزة (١) (٣: ٣٦٣/ ٣٦٤).
١٤٣ - حدثنا عبيد الله، قال: حدثني عمي، عن سيف - والسري، عن شُعيب، عن سيف - عن الغُصن بن القاسم الكنانيّ، عن رجل من بني كنانة، ويونس بن أبي إسحاق، قالا: كان جرير بن عبد الله ممنّ خرج مع خالد بن سعيد بن العاصي إلى الشأم، فاستأذن خالدًا إلى أبي بكر؛ ليكلّمه في قومه، وليجمَعهم له -وكانوا أوزاعًا في العرب- وليتخلّصهم، فأذن له، فقدم على أبي بكر، فذكر له عدَةً من النبيّ ﷺ وأتاه على العدَة بشهود، وسأله إنجاز ذلك، فغضب أبو بكر، وقال له: ترى شغلنا وما نحن فيه بغوث المسلمين ممن بإزائهم من الأسديْن فارس والروم، ثم أنْتَ تكلّفني التَّشاغُل بما لا يغني عمَّا هو أرضى لله ولرسوله! دعْنِي وسِرْ نحو خالد بن الوليد حتى أنظر ما يحكم الله في هذين الوجْهيْن.
فسار حتى قدِم على خالد وهو بالحيرة، ولم يشهد شيئًا ممَّا كان بالعراق إلّا ما كان بعد الحيرة؛ ولا شيئًا ممَّا كان خالد فيه من أهل الرّدّة. وقال القعقاع بن عمرو في أيام الحيرة:
سَقَى اللهُ قَتلَى بالفُراتِ مُقيمَةً ... وأخْرَى بأَثْباِجِ النّجافِ الكوانِفِ
فنحْنُ وَطِئنا بالْكواظِم هُرْمزًا ... وبالثِّنْي قَرْنيْ قارنٍ بالجَوارِفِ
ويَوْمَ أحَطْنا بالقُصُورِ تتابَعتْ ... على الحيَرَةِ الرَّوحاء إحْدَى المَصَارِفِ
حطَطْناهُمُ مِنْها وقَدْ كادَ عَرْشُهُمْ ... يمِيلُ بهم، فِعْلَ الجبانِ المُخَالِفِ
رَمَيْنا عَلَيهِم بالْقَبُولِ وقَدْ رَأَوْا ... غبُوقَ المنايا حَوْلَ تِلكَ المَحارِفِ
صَبِيحَةَ قالوا نَحْنُ قَوْمٌ تَنَزَّلُوا ... إلى الرِّيفِ من أرضِ العُرَيبِ المقانِفِ (٢)
(٣: ٣٦٥).
стр. 2826
خبر ما بعد الحيرة
١٤٤ - حدّثنا عبيد الله بن سعد الزهريّ، قال: حدّثني عمّي عن سيف، عن جميل الطائيّ، عن أبيه، قال: لما أعطيَ شُوَيل كرامة بنت عبد المسيح قلت لعديّ بن حاتم: ألا تعجبُ من مسألة شويل كرامةَ بنت عبد المسيح على ضَعْفه! قال: كان يَهْرِف بها دهرَه، قال: وذلك أنِّي لما سمعت رسول الله ﷺ يذكر ما رُفع له من البلدان، فذكر الحيرة فيما رُفع له، وكأنّ شُرَف قصورها أضراسُ الكلاب؛ عرفت أن قد أريَها، وأنها ستفتح، فلقّيتُه مسألتها (١). (٣: ٣٦٥/ ٣٦٦).
١٤٥ - وحدّثنا عبيد الله، قال: حدّثني عمّي عن سيف، قال: قال لي عمرو، والمجالد عن الشعبيّ -والسريّ عن شُعيب، عن سيف، عن المجالد، عن الشعبيّ- قال: لما قدم شُوَيل إلى خالد، قال: إني سمعتُ رسولَ الله ﷺ يذكر فتحَ الحيرة، فسألتُه كرامةَ، فقال: "هي لك إذا فتحت عنوةً". وشُهد له بذلك، وعلى ذلك صالحهم؛ فدفعها إليه، فاشتدّ ذلك على أهلِ بيتها وأهل قرْيتها ما وقعت فيه، وأعظموا الخَطَر، فقالت: لا تُخطروه، ولكن اصبروا؛ ما تخافون على امرأة بلغت ثمانين سنة! فإنَّما هذا رجلٌ أحمقُ رآني في شبيبتي فظن: أنّ الشباب يدوم. فدفعوها إلى خالد؛ فدفعها خالد إليه، فقالت: ما أرَبُك إلى عجوز كما ترى! فادِني، قال: لا، إلّا على حُكْمي، قالت: فلك حكمك مُرسَلًا. فقال: لستُ لأمِّ شويل إن نقَصْتُك من ألف درهم! فاستكثرتْ ذلك لتخدَعه، ثم أتته بها. فرجَعتْ إلى أهلها، فتسامع الناس بذلك، فعنّفوه، فقال: ما كنت أرى أن عددًا يزيد على ألف! فأبوْا عليه إلّا أن يخاصمهم فخاصمهم، فقال: كانت نيَّتي غاية العدد، وقد ذكروا أنّ العدد يزيد على ألف، فقال خالد: أردتَ أمرًا وأراد الله غيره؛ نأخذ بما يظهر ونَدَعك ونيَّتك، كاذبًا كنت أو صادقًا (٢). (٣: ٣٦٦).
١٤٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عمرو، عن الشعبيّ،
стр. 2827
قال: لمَّا فتح خالد الحيرةَ صلَّى صلاةَ الفتح ثمانيَ ركعات لا يسلّم فيهنّ، ثم انصرف، وقال: لقد قاتلت يوم مُؤتَة فانقطع في يدي تسعةُ أسياف، وما لقيت قومًا كقوم لقيتُهم من أهل فارس؛ وما لقيت من أهل فارسَ قومًا كأهل أُليْس! (١) (٣: ٣٦٦/ ٣٦٧).
١٤٧ - حدّثنا عُبيد الله، قال: حدّثني عمّي عن سيف، عن عمرو والمجالد، عن الشعبيّ، قال: صلَّى خالد صلاة الفتح، ثم انصرف. ثم ذكر مثل حديث السريّ (٢). (٣: ٣٦٧).
١٤٨ - حدّثنا عبيدُ الله، قال: حدّثني عمّي عن سيف -والسريّ، عن شعيب، عن سيف- عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قَيْس بن أبي حازم -وكان قدِم مع جرير على خالد- قال: أتينَا خالدًا بالحيرة وهو متوشح قد شدّ ثوبه في عُنُقه يصلّي فيه وحده، ثمّ انصرف، فقال: اندقّ في يدي تسعةُ أسياف يوم مُؤْتة، ثم صبَرَتْ في يدي صفِيحة يمانيَة، فما زالت معي (٣). (٣: ٣٦٧).
١٤٩ - حدّثنا عبيدُ الله، قال: حدّثني عمّي عن سيف، عن محمد بن عبد الله عن أبي عثمان وطلحة بن الأعلم عن المغيرة بن عُتيبة والغصن بن القاسم، عن رجل من بني كنانة وسفيان الأحمريّ عن ماهان، قال: ولمَّا صالحَ أهلُ الحيرة خالدًا خرج صَلُوبا بن نسطونا صاحب قُسِ النَّاطف، حتى دخل على خالد عسكره؛ فصالحه على بانِقْيا وَبَسْما، وضمِن له ما عليهما وعلى أرضيهما من شاطئ الفرات جميعًا، واعتقد لنفسه وأهلِه وقومه على عشرة آلاف دينار سوى الخَرزة، خرزة كسرى، وكانت على كلّ رأس أربعة دراهم، وكتب لهم كتابًا فتمّوا وتمَّ، ولم يتعلَّق عليه في حالِ غلبة فارس بغدْرٍ، وشاركهم المجالد في الكتاب:
بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتابٌ من خالد بن الوليد لصلُوبا بن نَسْطونا وقومه: إنِّي عاهدتكم على الجِزْية والمَنَعة على كل ذي يدٍ؛ بانقيا وبَسْما جميعًا،
стр. 2828
على عشرة آلاف دينار سوى الخَرزَة، القويّ على قدر قوّته، والمقلّ على قدر إقلاله، في كلّ سنة. وإنّك قد نُقِّبْتَ على قومك، وإنّ قومك قد رضُوا بكَ، وقد قبلتُ ومَن معي من المسلمين، ورضيتُ ورضي قومُك؛ فلكَ الذّمَّة والمنَعة؛ فإن منعناكم فلنا الجزية؛ وإلّا فلا حتى نمنعكم. شهد هشام بن الوليد، والقعقاع بن عمرو، وجرير بن عبد الله الحميريّ، وحنظلة بن الربيع. وكتب سنة اثنتي عشرة في صفر (١) (٣: ٣٦٧/ ٣٦٨).
١٥٠ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن عبد الله، عن أبي عثمان، عن ابن أبي مُكنِف، وطلحة عن المغيرة، وسفيان عن ماهان. وحدّثنا عبيدُ الله، قال: حدّثني عمّي عن سيف، عن محمّد، عن أبي عثمان، وطلحة عن المغيرة، قال: كان الدّهاقين يتربّصون بخالد وينظُرون ما يصنع أهلُ الحيرة. فلمَّا استقامَ ما بين أهل الحيرة وبين خالد، واستقاموا له أتته دَهاقين الملطاطين، وأتاه زاذ بن بُهَيْش دهقان فُرات سِرْيَا، وصَلُوبا بن نسطونا بن بَصْبَهْرَى -هكذا في حديث السريّ، وقال عبيد الله: صلوبا بن بصبهرى ونسطونا- فصالحوه على ما بين الفلاليج إلى هُرْمُزْجِرْدَ على ألفَيْ ألف- وقال عبيد الله في حديثه: على ألف ألف ثقيل- وأنّ للمسلمين ما كان لآل كسرى، ومَن مال معهم عن المقام في داره فلم يدخل في الصلح. وضرب خالد رِواقه في عسكره، وكتب لهم كتابًا:
بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من خالد بن الوليد لزاذ بن بُهَيش وصَلُوبا بن نسطونا؛ لكم الذّمَّة وعليكم الجزية، وأنتم ضامنون لمن نُقِّبتُم عليه من أهل البهْقُباذ الأسفل والأوسط -وقال عبيد الله: وأنتم ضامنون جزية من نُقِّبتم عليه- على ألفي ألف ثقيل في كل سنة؛ عن كلّ ذي يد سوى ما على بانِقْيا وبَسْما وإنَّكم قد أرضيتموني والمسلمين؛ وإنا قد أرضيناكم وأهل البِهْقُباذ الأسفل؛ ومن دخل معكم من أهل البِهْقُباذ الأوسط على أموالكم؛ ليس فيها ما كان لآل كسرى ومن مال ميلَهم. شهد هشام بن الوليد، والقعقاع بن عمرو، وجرير بن عبد الله الحِميريّ، وبشيرِ بن عبيد الله بن الخصاصيّة، وحنظلة بن الربيع، وكتب سنة اثنتي عشرة في صَفر.
стр. 2829
وبعث خالد بن الوليد عمَّاله، ومسالحه، فبعث في العمالة عبد الله بن وثيمة النَّصْريّ، فنزل في أعلى العمل بالفلاليج على المَنَعة وقبض الجزية، وجرير بن عبد الله على بانقيا، وبَسْما، وبشيرَ بن الخصاصيَّة على النَّهْرَيْن، فنزل الكُوَيْفة ببانبورا، وسُوَيدَ بن مقرّن المزنيّ إلى نستَر، فنزل العَقْر -فهي تسمَّى عَقْر سُوَيد إلى اليوم، وليست بسويد المنقريّ سمّيت- وأطّ بن أبي أطّ إلى روذمستان، فنزل منزلًا على نهر، سُمّيَ ذلك النهر به - ويقال له: نهر أطّ إلى اليوم؛ وهو رجل من بني سعد بن زيد مناة، فهؤلاء كانوا عمالَ الخَراجِ زمنَ خالد بن الوليد.
وكانت الثُّغور في زمن خالد بالسِّيب، بعث ضرار بن الأزور، وضرار بن الخطاب، والمثنّى بن حارثة، وضرار بن مقرّن، والقعقاع بن عمرو، وبُسر بن أبي رُهْم وعُتَيْبة بن النَّهاس فنزلوا على السِّيْب في عَرْض سلطانه. فهؤلاء أمراءُ ثغور خالد. وأمرهم خالد بالغَارة والإلحاح، فمخرُوا ما وراء ذلك إلى شاطئ دِجْلة.
قالوا: ولمَّا غلب خالد على أحد جانبي السواد، دعا من أهل الحيرة برجل، وكتب معه إلى أهل فارس وهم بالمدائن مختلفون متساندون لموت أردشير؛ إلا أنهم قد أنزلوا بهمن جاذويه ببَهُرَ سير؛ وكأنَّه على المقدّمة، ومع بهمن جاذويه الآزاذبه في أشباه له، ودعا صلوبا برجُل، وكتب معهما كتابيْن؛ فأمَّا أحدُهما فإلى الخاصة وأما الآخر فإلى العامَّة؛ أحدهما حيريّ والآخر نَبَطّي.
ولما قال خالد لرسول أهل الحيرة: ما اسمك؟ قال: مُرّة، قال: خذ الكتاب فائت به أهل فارس، لعلّ الله أن يُمِرَّ عليهم عيشَهم، أو يُسلموا، أو ينيبوا. وقال لرسول صلوبا: ما اسمك؟ قال: هِزْقيل، قال: فخذ الكتاب. وقال: اللهمّ أزهق نفوسَهم (١). (٣: ٣٦٨/ ٣٦٩/ ٣٧٠).
١٥١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن مجالد وغيره، بمثله. والكتابان:
بسم الله الرحمن الرحيم. من خالد بن الوليد إلى ملوك فارس؛ أمّا بعدُ؛ فالحمد لله الذي حلّ نظامكم، ووهَّن كيدكم، وفرّق كلمتَكم، ولو لم يفعل
стр. 2830
ذلك بكم كان شرًّا لكم؛ فادخلوا في أمرنا نَدعكم وأرضكم، ونجُوزكم إلى غيركم، وإلّا كان ذلك وأنتم كارهون على غَلَبٍ، على أيدي قومٍ يحبّون الموت كما تحبّون الحياة.
بسم الله الرحمن الرحيم. من خالد بن الوليد إلى مرازبة فارس؛ أمَّا بعد فأسلموا تسلَموا؛ وإلّا فاعتقدوا مني الذّمَّة، وأدُّوا الجزْية، وإلّا فقد جئتكم بقوم يحبّون الموت، كما تحبّون شُربَ الخمر (١). (٣: ٣٧٠).
١٥٢ - حدّثني عبيدُ الله، قال: حدّثنى عمّي عن سيف، عن محمَّد بن نويرة، عن أبي عثمان. والسريّ عن شعيب، عّن سيف، عن محمد بن عبد الله، عن أبي عثمان والمهلب بن عُقْبة وزياد بن سَرْجِس، عن سياه، وسفيان الأحمريّ، عن مَاهَان: أن الخراج جُبِيَ إلى خالد في خمسين ليلة، وكان الَّذين ضَمِنوه والذين هم رؤوس الرساتيق رُهُنًا في يده، فأعطى ذلك كلَّه للمسلمين، فقوُوا به على أمورهم. وكان أهلُ فارس بموت أردشير مختلفين في المُلْك، مجتمعين على قتال خالد، متساندين؛ وكانوا بذلك سنة، والمسلمون يمخرُون ما دون دَجْلة، وليس لأهل فارس فيما بين الحيرة ودجلة أمْر؛ وليست لأحد منهم ذمَّة إلّا الذين كاتبوه، واكتتبوا منه، وسائر أهل السواد جُلّاء، ومتَحصّنون، ومحاربون. واكتُتب عمّال الخراج، وكتبوا البراءات لأهل الخراج، من نسخة واحدة:
بسم الله الرحمن الرحيم. براءة لمن كان من كذا وكذا من الجِزْية الَّتي صالحهم عليها الأمير خالدُ بن الوليد، وقد قبضت الَّذي صالحهم عليه خالد، وخالد والمسلمون لكم يَدٌ على من بَدّل صلح خالد؛ ما أقررتم بالجزية وكففتم. أمانكم أمان، وصلحكم صلح؛ نحن لكم على الوفاء.
وأشهدوا لهم النَّفر من الصحابة الَّذين كان خالد أشهدهم: هشامًا، والقعقاع، وجابر بن طارق، وجريرًا، وبشيرًا، وحنظلة، وأزداذ، والحجَّاج بن ذي العُنُق، ومالك بن زيد (٢). (٣: ٣٧٠/ ٣٧١).
стр. 2831
١٥٣ - حدّثنا عُبيد الله، قال: حدّثني عمّي عن سيف، عن عطية بن الحارث، عن عبد خير، قال: وخرجَ خالدٌ وقد كتب أهل الحيرة عنه كتابًا: إنَّا قد أدَّيْنا الجِزْية الَّتي عاهدَنا عليها خالدٌ العبد الصالح والمسلمون عباد الله الصالحون، على أن يمنعونا وأميرهم البغيَ من المسلمين وغيرهم (١). (٣: ٣٧١).
١٥٤ - وأمَّا السريّ: فإنه قال في كتابه إليّ: حدثنا شُعيب عن سيف، عن عطية بن الحارث، عن عبد خير، عن هشام بن الوليد، قال: فرغ خالد ... ثم سائر الحديث مثل حديث عبيد الله بن سعد (٢). (٣: ٣٧١).
١٥٥ - حدّثنا عُبيد الله، قال: حدّثني عمّي عن سيف، والسريّ عن شعيب، عن سيف، عن عبد العزيز بن سياه، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ابن الهذيل الكاهلي نحوًا منه، قالوا: وأمر الرسولين اللَّذَيْن بعثهما أن يوافيَاه بالخبر، وأقام خالد في عَمَلِه سنة، ومنزله الحيرة، يصعّد ويصوّب قبل خروجه إلى الشأم، وأهل فارس يخلعون ويملّكون؛ ليس إلّا الدّفع عن بَهُرَ سِير؛ وذلك أن شِيرَى بن كسرى قتل كلّ مَن كان يناسبه إلى كسرى بن قباذ، ووثب أهل فارس بعده وبعد أردشير ابنه، فقتلوا كلّ مَن بين كسرى بن قُباذ وبيْن بَهْرام جور، فبقُوا لا يقدرون على من يملّكونه ممن يجتمعون عليه (٣). (٣: ٣٧١).
١٥٦ - حدّثنا عبيدُ الله، قال: حدّثني عمِّي، قال: حدّثني سيف عن عمرو، والمجالد عن الشعبيّ، قال: أقام خالدٌ بن الوليد فيما بين فتح الحيرة إلى خروجه إلى الشأم أكثرَ من سنة، يعالج عَمَل عياض الذي سُمِّيَ له، وقال خالد للمسلمين: لولا ما عهد إليّ الخليفة لم أتَنَقّذ عياضًا، وكان قد شجيَ وأشجى بدُومة، وما كان دون فتح فارس شيء؛ إنها لسنة كأنها سنة نساء. وكان عهد إليه ألّا يقتحم عليهم وخلفه نظام لهم. وكان بالعيْن عسكر لفارس، وبالأنبار آخر، وبالفراص آخر. ولما وقعت كُتب خالد إلى أهل المدائن؛ تكلَّم نساء آل كسرى، فوُلّي الفرُّخْزاذ بن البنْدوان إلى أن يجتمع آل كسرى على رجل إن وجدوه (٤). (٣: ٣٧٢).
стр. 2832
١٥٧ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن عبد الله عن أبي عثمان، وطلحة عن المغيرة، والمهلَّب عن سياه، وسُفْيان عن ماهان، قالوا: كان أبو بكر ﵀ قد عهد إلى خالد أن يأتيَ العراق من أسفل منها، وإلى عياض أن يأتيَ العراق من فَوْقِها، وأيُّكما سبق إلى الحيرة فهو أميرٌ على الحيرة؛ فإذا اجتمعتما بالحيرة إن شاء الله وقد فَضضتما مسالح ما بين العرب وفارس وأمِنتم أن يؤتيَ المسلمون من خلْفهم؛ فلْيقم بالحيرة أحدُكما، ولْيقتحم الآخر على القَوم، وجالدوهم عمَّا في أيديهم، واستعينوا بالله واتَّقُوه، وآثروا أمرَ الآخرة على الدنيا يجتمعا لكم؛ ولا تؤثروا الدنيا فتسلَبوهما. واحذروا ما حذّركم الله بترك المعاصي ومعاجلة التوبة؛ وإيَّاكم والإصرار وتأخير التوبة.
فأتى خالد على ما كان أمر به، ونزل الحيرة، واستقام له ما بين الفلاليج إلى أسفل السَّواد، وفرّق سَواد الحيرة يومئذ على جرير بن عبد الله الحميريّ، وبشير بن الخَصاصيَّة، وخالد بن الواشمة، وابن ذي العنق، وأطّ، وسويد، وضرار، وفرّق سواد الأبُلَّة على سُوَيد بن مقرّن، وحَسَكة الحبطيّ، والحصين بن أبي الحُرّ، وربيعة بن عِسْل، وأقرّ المسالحَ على ثُغورهم، واستخلَف على الحيرة القعقاع بن عمرو، وخرج خالد في عملِ عياض ليقضيَ ما بينه وبينه، ولإغاثته، فسلك الفَلُّوجة حتى نزل بكَرْبَلاء وعلى مَسْلَحتها عاصم بن عمرو، وعلى مقدّمة خالد الأقرع بن حابس؛ لأنّ المثنَّى كان على ثَغْر من الثُّغور التي تلي المدائن؛ فكانوا يغاورون أهل فارس، وينتهون إلى شاطئ دجلة قبل خروج خالد من الحيرة وبعد خروجه في إغاثة عياض (١). (٣: ٣٧٢/ ٣٧٣).
١٨٠ - كتب إليّ السريّ عن شُعَيب، عن سيف، عن أبي رَوْق، عمَّن شهدهم بمثله، إلى أن قال: وأقام خالد على كَرْبَلاء أيَّامًا، وشَكَا إليه عبدُ الله بن وثيمة الذُّباب، فقال له خالد: اصْبِر فإنِّي إنَّما أريد أن أستفرغ المسالح التي أمر بها عياضٌ فنُسكنها العرب، فتأمن جنود المسلمين أن يؤتَوْا من خَلْفهم، وتجيئنا العرب أمِنةً وغير مُتَعْتَعَةٍ؛ وبذلك أمرَنا الخليفة، ورأيه يعدل نَجْدَة الأمَّة. وقال رجل من أشْجَع فيما حَكى ابن وثيمة:
стр. 2833
لقد حُبسَتْ في كَرْبَلاءَ مطيتي ... وفي العَيْنِ حتى عاد غَثًا سمينُها
إذا زَحَلتْ من مَبْرَكٍ رجعَتْ لَه ... لعَمْرُ أبيها إنَّني لأهِينُها
ويمْنعُها من ماءِ كلِّ شريعةٍ ... رِفاق من الذِّبانِ زُرقٌ عيونها (١)
(٣: ٣٧٣).
حديث الأنبار -وهي ذات العيون- وذكر كَلْواذَى
١٥٩ - كتب إليّ السريّ عن شُعيب، عن سيف، عن محمَّد وطلحة، وأصحابهما، قالوا: خرج خالدُ بن الوليد في تعبيته الَّتي خرج فيها من الحيرة، وعلى مقدّمته الأقرعُ بن حابس. فلمَّا نزَل الأقرع المنزلَ الَّذي يُسلمه إلى الأنبار؛ أنتَجَ قومٌ من المسلمينَ إبلَهم، فلم يستطيعوا العُرْجة، ولم يجدوا بُدًّا من الإقدام، ومعهم بنات مَخَاض، تتبعهم. فلمَّا نودي بالرَّحيل؛ صَرُّوا الأمَّهات، واحتقبوا المنتوجات؛ لأنها لم تطقِ السَّيْر؛ فانتهوا ركبانًا إلَى الأنبار، وقد تحصّن أهلُ الأنبار، وخندقوا عليهم، وأشرفوا من حصنهم، وعلى تلك الجنود شيرزاذ صاحب ساباط -وكان أعقل أعجميّ يومئذ وأسودَه وأقنعَه في الناس: العرب والعجم- فتصايح عربُ الأنبار يومئذ من السُّور، وقالوا: صبَّح الأنبار شرٌّ؛ جَمَلٌ يحمل جُمَيْلَهُ وجملٌ تُرِبُّهُ عوذٌ. فقال شيرزاذ: ما يقولون؟ ففسَّر له، فقال: أمَّا هؤلاء فقد قَضَوْا على أنفسهم؛ وذلك: أن القوم إذا قضوْا على أنفسهم قضاءً كاد يلزمهم؛ والله لئن لم يكن خالد مجتازًا لأصالحنَّه؛ فبينا هم كذلك قدم خالد على المقدّمة, فأطاف بالخندق، وأنشب القتال؛ وكان قليل الصَّبْر عنه إذا رآه، أو سمع به؛ وتقدّم إلى رُماته، فأوصاهم وقال: إنِّي أرى أقوامًا لا علم لهم بالحرْب، فارموا عيونهم ولا تَوَخَّوْا غيرَها، فرموا رِشْقًا واحدًا، ثم تابعوا، ففقئ ألف عين يومئذ، فسُمّيت تلك الوقعة ذات العيون؛ وتصايح القوم: ذهبت عيون أهل الأنبار! فقال شيرزاذ: ما يقولون؟ ففسر له، فقال: آباذ آباذ. فراسل خالدًا في الصُّلْح على أمر لم يرضَه خالد، فردّ رسلَه، وأتى خالد أضيقَ مكان في الخندق بردايا الجيش فنحرها؛ ثم رمى بها فيه فأفعمه؛ ثم اقتحم الخندق - والردايا جسورهم - فاجتمع المسلمون والمشركون في الخندق. وأرَزَ القوم إلى
стр. 2834
حصنهم، وراسل شيرزاذ خالداً في الصُّلح على ما أراد، فقبل منه على أن يخلّيَه ويُلحِقَه بمأمنه في جريدة خيل، ليس معهم من المتاع والأموال شيء؛ فخرج شيرزاذ، فلمّا قدِم على بهمن جاذويه، فأخبره الخبر لامه، فقال: إني كنتُ في قوم ليست لهم عقول، وأصلهم من العرب، فسمعتهم مَقدَمهم علينا يقضون على أنفسهم، وقلَّما قضى قوم على أنفسهم قضاء إلا وجب عليهم. ثم قاتلهم الجند، ففقؤوا فيهم وفي أهل الأرض ألف عين؛ فعرفتُ: أنّ المسالمة أسلم. ولمّا اطمأنّ خالد بالأنبار والمسلمون، وأمنَ أهلُ الأنبار وظهروا؛ رآهم يكتبون بالعربية ويتعلَّمونها، فسألهم: ما أنتم؟ فقالوا: قوم من العرب، نزلنا إلى قوم من العرب قبلنا -فكانت أوائلهم نزلُوها أيّامَ بختنصر حين أباح العرب؛ ثمّ لم تُزل عنها- فقال: ممَّنْ تعلّمتم الكتاب؟ فقالوا: تعلَّمنا الخطّ من إياد، وأنشدوه قول الشاعر:
قَوْمي إيادٌ لو أنَّهمْ أممُ ... أو لو أقاموا فتُهْزَل النَّعَمُ
قَوْمٌ لهم باحةُ العراق إذا ... ساروا جميعاً والخَط والقَلَم
وصالح خالد مَنْ حولهم، وبدأ بأهل البَوازيج؛ وبعث إليه أهلُ كَلْواذَى ليعقد لهم، فكاتبهم فكانوا عيْبتَه من وراء دجلة. ثم إن أهل الأنبار وما حولها نقضُوا فيما كان يكون بين المسلمين والمشركين من الدُّول ما خلا أهل البوازيج، فإنَّهم ثبتوا كما ثبت أهل بانِقْيا (١). (٣: ٣٧٣/ ٣٧٤/ ٣٧٥).
١٦٠ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عبد العزيز - يعني: ابن سياه - عن حبيب بن أبي ثابت، قال: ليس لأحدٍ من أهلِ السَّواد عَقْد قبل الوقعة إلاّ بني صلوبا - وهم أهل الحيرة - وكلواذَى، وقرى من قرى الفرات، ثم غدروا حتى دُعوا إلى الذمَّة بعد ما غدروا (٢). (٣: ٣٧٥).
١٦١ - كتب إليّ السريّ عن شُعيب، عن سيف، عن محمد بن قيس، قال: قلت للشعبيّ: أخِذ السواد عنوة؟ قال: نعم، وكلّ أرض إلا بعض القلاع والحصون، فإنَّ بعضهم صالح به، وبعضهم غَلَب، فقلت: فهل لأهل السَّوَاد
стр. 2835
ذمَّه اعتقدوها قبل الهرب؟ قال: لا، ولكنَّهم لما دُعُوا، ورضوا بالخَراج، وأخذ منهم؛ صاروا ذمّة (١).
خبر عَيْن التَّمْر
١٦٢ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، والمهلَّب، وزياد، قالوا: ولما فرغ خالد من الأنبار، واستحكمت له؛ استخلف على الأنبار الزّبْرِقان بن بدر، وقصد لعين التَّمْر؛ وبها يومئذ مهران بن بهرام جُوبين في جَمع عظيم من العجم، وعَقّة بن أبي عقَّة في جمع عظيم من العرب من النَّمر، وتغلب، وإياد، ومن لافّهم. فلما سمعوا بخالد؛ قال عقّة لمهران: إنّ العرب أعلمُ بقتال العرب، فدَعْنا وخالداً، قال: صدقت، لعمري لأنتم أعلمُ بقتال العرب، وإنَّكم لمثلنا في قتال العجم. فخدعه واتَّقى به، وقال: دونكموهم وإن احتجتم إلينا أعنَّاكم. فلما مضى نحو خالد قالت له الأعاجم: ما حملك على أن تقول هذا القول لهذا الكلب! فقال: دعوني فإني لم أرِدْ إلاّ ما هو خير لكم وشرّ لهم، إنَّه قد جاءكم من قتل ملوككم، وفلَّ حدَّكم، فاتّقيتُه بهم؛ فإن كانت لهم على خالد فهي لكم؛ وإن كانت الأخرى لم تبلغوا منهم حتى يَهِنوا، فنقاتلهم ونحن أقوياء وهم مضعَفون. فاعترفوا له بفضْل الرّأي، فلزم مِهْران العين، ونزل عَقَّة لخالد على الطريق، وعلى ميمنته بُجَير بن فلان أحد بني عتبة بن سعد بن زهير، وعلى ميسرته الهذيل بن عمران، وبينٍ عَقَّة وبين مهران رَوْحة أو غَدوة، ومِهران في الحصن في رابطة فارس، وعقَّة على طريق الكَرْخ كالخفير. فقدم عليه خالد وهو في تعبئة جنده، فعبّى خالد جندَه وقال لمجنّبتيه: اكفُونا ما عنده، فإني حامل؛ ووكَّل بنفسه حواميَ، ثمّ حمل وعقَّة يقيم صفوفه، فاحتضنه فأخذه أسيراً، وانهزم صفّه من غير قتال، فأكثروا فيهِم الأسْر، وهرب بُجَير، والهذيل، واتَّبعهم المسلمون. ولمَّا جاء الخبرُ مِهران هرب في جُنْده، وتركوا الحِصْن. ولما انتهت فُلاّل عَقَّة من العرب، والعجم إلى الحصن؛ اقتحموه، واعتصموا به؛ وأقبل خالد في النَّاس حتَّى ينزل
стр. 2836
على الحِصْن ومعه عَقَّة أسير، وعمرو بن الصَّعِق، وهم يرجون أن يكون خالد كمَن كان يغير من العرب، فلما رأوْه يحاولهم سألوه الأمان. فأبى إلاّ على حُكمِه فسَلموا له به. فلما فتحوا دفعهم إلى المسلمين فصاروا مساكاً، وأمر خالد بعقَّة وكان خفير القوم فضُربت عنُقه ليُوئس الأسراءَ من الحياة، ولما رآه الأسراءُ مطروحاً على الجسر يئسوا من الحياة، ثم دعا بعمرو بن الصَّعق فضرب عنقَه، وضرب أعناق أهل الحصْن أجمعين. وسبَى كلّ من حوى حصنهم، وغنمِ ما فيه، ووجد في بيعتهم أربعين غلاماً يتعلَّمون الإنجيل، عليهم باب مُغْلق؛ فكسره عنهم، وقال: ما أنتم؟ قالوا: رُهُن، فقسمهم في أهل البلاء؛ منهم أبو زياد مولى ثَقيف، ومنهم نُصَيْر أبو موسى بن نصَير، ومنهم أبو عمرة جدّ عبد الله بن عبد الأعلى الشاعر، وسيرين أبو محمد بن سيرين، وحُرَيث، وعُلاثة. فصار أبو عمرة لشُرَحْبيل بن حَسَنة، وحُريث لرجل من بني عباد، وعلاثة للمعنَّى، وحُمران لعثمان. ومنهم عمير، وأبو قيس؛ فثبت على نسبه من موالىِ أهل الشأم القدماء، وكان نُصير يُنسب إلى بني يشكر، وأبو عمْرة إلى بني مُرّة، ومنهم ابن أخت النَّمِر (١) (٣: ٣٧٦/ ٣٧٧).
стр. 2837
١٦٢/ أ- كتب إليَّ السري عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، وأبي سفيان طلحة بن عبد الرحمن، والمهلب بن عقبة، قالوا: ولما قدم الوليد بن عقبة من عند خالد على أبي بكر ﵀ بما بعث به إليه من الأخماس؛ وجهه إلى عياض، وأمده به، فقدم عليه الوليد، وعياض، فحاصرهم وهم محاصروه، وقد أخذوا عليه بالطريق فقال له: الرأي في بعض الحالات خير من جند كثيف، ابعث إلى خالد فاستمده، ففعل فقدم عليه رسوله غِبَّ وقعة العين مستغيثًا، فعجل إلى عياض بكتابه، من خالد إلى عياض إياك أريد:
لبث قليلًا تأتك الحلائب ... يحملن آسادًا عليها القاشب
كتائب يتبعها كتائب (١) (٣: ٣٧٧)
خبر دُومَة الجَنْدَل
١٦٣ - قالوا: ولما فرغ خالد من عَيْن التَّمْر؛ خلَّف فيها عُوَيْم بن الكاهل الأسلميّ، وخرج في تعبيته الَّتي دخل فيها العين؛ ولمَّا بلغ أهلَ دُومة مَسيرُ خالد إليهم، بعثوا إلى أحزابهم من بَهْراء، وكلْب، وغسَّان، وتَنُوخ، والضَّجاعم، وقبلُ ما قد أتاهم وَديعة في كلْب، وبَهراء، ومساندُه ابن وَبَرة بن رُومانس، وآتاهم ابن الْحدرجان في الضَّجاعم، وابن الأيْهَم في طوائف من غَسَّان وتَنْوخ، فأشْجَوْا عياضًا وشجُوا به.
فلما بلغهم دنوّ خالد؛ وهم على رئيسين: أكَيْدر بن عبد الملك، والجُوديّ بن ربيعة، اختلفوا، فقال أكيدر: أنا أعلمُ النَّاس بخالد؛ لا أحد أيمنُ طائرًا منه، ولا أحدّ في حرب، ولا يرى وجه خالد قوم أبدًا قَلُّوا أو كثروا إلاّ انهزموا عنه؛ فأطيعوني، وصالحوا القوم. فأبوْا عليه، فقال: لن أمالئكم على حرْب خالد، فشأنكم!
فخرج لطيَّته، وبلغ ذلك خالدًا؛ فبدث عاصمَ بن عمرو معارضًا له، فأخذه فقال: إنَّما تلقّبْت الأمير خالدًا، فلمَّا أتى به خالدًا أمر به فضُرِبت عنقُه، وأخذ ما كان معه من شيء، ومضى خالدٌ حةى ينزل على أهل دُومة، وعليهم الجوديّ بن
стр. 2838
ربيعة، ووديعة الكلبيّ، وابن رُومانس الكلبيّ، وابن الأيهم، وابن الحدْرجان، فجعل خالد دُومة بين عسكره وعسكر عياض. وكان النَّصارى الذين أمدُّوا أهل دُومة من العرب محيطين بحصن دُومة، لم يحمِلْهم الحصن، فلما اطمأنّ خالد؛ خرج الجوديّ، فنهض بوديعة، فزحفا لخالد، وخرج ابن الحدرجان وابن الاْيْهم إلى عياض؛ فاقتتلوا، فهزم الله الجوديَّ، ووديعة على يديْ خالد، وهزم عياض مَن يليه، وركبهم المسلمون؛ فأمّا خالد فإنه أخذ الجوديّ أخذًا، وأخذ الأقرع بن حابس وديعةً، وأرَزَ بقيَّة النَّاس إلى الحصن؛ فلم يحملهم؛ فلما امتلأ الحِصْن؛ أغلق مَن في الحصن الحصنَ دون أصحابهم، فبقُوا حولَه حُرداءَ؛ وقال عاصم بن عمرو: يا بني تميم! حلفاؤكم كَلْب، آسوهم، وأجيروهم؛ فإنَّكم لا تقدرون لهم على مثْلها، ففعلوا. وكان سبب نجاتِهم يومئذ وصيَّة عاصم بني تميم بهم، وأقبل خالد على الَّذين أرَزوا إلى الحِصْن فقتلهم حتى سدّ بهم بابَ الحِصْن، ودعا خالد بالجوديّ فضَرَب عنقه؛ ودعا بالأسرى فضرب أعناقهم إلّا أسارى كلب، فإن عاصمًا، والأقرع، وبني تميم قالوا: قد آمناهم، فأطلقهم لهم خالد، وقال: ما لي ولكم! أتحفظون أمر الجاهليَّة وتُضيِّعون أمر الإسلام! فقال له عاصم: لا تحسُدهم العافية؛ ولا يُحوّزهم الشيطانُ. ثم أطاف خالد بالباب، فلم يزُل عنه حتى اقتلعه؛ واقتحموا عليهم، فقتلوا المقاتلة، وسبوا الشَّرْخَ؛ فأقاموهم فيمن يزيد؛ فاشترى خالد ابنة الجوديّ وكانت موصوفة، وأقام خالد بدُومة، وردّ الأقرع إلى الأنبار.
ولما رجع خالد إلى الحيرة - وكان منها قريبًا حيث يصبّحها - أخذ القعقاع أهل الحيرة بالتَّقْليس، فخرجوا يتلقَّوْنه؛ وهم يُقلِّسُون؛ وجعل بعضهم يقول لبعض: مُرّوا بنا، فهذا فَرَج الشرّ (١) (٣: ٣٧٨/ ٣٧٩).
стр. 2839
١٦٣ - كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة والمهلّب، قالوا: وقد كان خالد أقام بدُومة، فظنّ الأعاجم به؛ وكاتبهم عرب الجزيرة غضبًا لعَقَّة؛ فخرج زَرْمهْر من بغداد ومعه رُوزبه يريدان الأنبار؛ واتَّعدا حُصيدًا والخنافس، فكتب الزّبرقان وهو على الأنبار إلى القعقاع بن عمرو؛ وهو يومئذ خليفة خالد على الحيرة؛ فبعث القعقاع أعْبَدَ بن فَدكيّ السعديّ، وأمره بالحُصيد، وبعث عُرْوة بن الجعْد البارقيّ وأمره بالخَنافس، وقال لهما: إن رأيتما مَقْدَمًا فأقدما. فخرجا فحالا بينهما وبين الريف، وأغلقاهما، وانتظر روزبه وزرمهر بالمسلمين اجتماع من كاتبهما من رَبِيعة؛ وقد كانوا تكاتَبوا واتَّعدوا؛ فلمَّا رجع خالد من دُومة إلى الحيرة على الطهر وبلغه ذلك وقد عزم على مصادمة أهل المدائن؛ كرِه خلافَ أبي بكر، وأن يتعلَّق عليه بشيء، فعجَّل القعقاع بن عمرو، وأبو ليلى بن فَدكيّ إلى رُوزبه وزرمهر، فسبقاه إلى عين التَّمر، وقدم على خالد كتاب امرئ القيس الكلبيّ: أنَّ الهذيل بن عمران قد عَسْكر بالمُصَيَّخ، ونزل ربيعة بن بُجير بالثَنِيّ وبالبِشْر في عسكر غضبًا لعقَّة، يريدان زرمهر ورُوزبه. فخرج خالد وعلى مقدّمته الأقرع بن حابس، واستخلف على الحيرة عياض بن غَنْم، وأخذ طريق القعقاع وأبي ليلى إلى الخنَافس حتى قدم عليهما بالعين، فبعث القعقاع إلى حُصَيد، وأمَّره على الناس، وبعث أبا ليلى إلى الخَنافس، وقال: زجّيَاهم ليجتمعوا ومن استثأرهم؛ وإلّا فواقِعاهم. فأبيا إلّا المُقام.
خبر حُصَيد
فلمّا رأى القعقاع: أنّ زرمهر وروزبه لا يتحرّكان سار نحو حُصيد، وعلَى من
стр. 2840
مرّ به من العرب والعجم روزْبه. ولقا رأى روزْبه: أنّ القعقاع قد قصد له؛ استمدّ زرمهر، فأمدّه بنفسه، واستخلف على عسكره المَهْبُوذان، فالتقوْا بحُصَيد، فاقتتلوا، فقتل الله العجمَ مقتلةً عظيمة، وقَتَلَ القعقاعُ زرمهَر، وقُتل روزبه؛ قتله عِصْمة بن عبد الله أحد بني الحارث بن طريف، من بني ضَبَّة، وكان عصمة من البَرَرة - وكلّ فَخِذٍ هاجرت بأسرها تُدعى البررة، وكلّ قوم هاجروا من بطن يُدعون الخيَرة - فكان المسلمون خيرَة وبرَرة. وغنم المسلمون يوم حُصيد غنائم كثيرة وأرَز فُلّال حُصيد إلى الخَنافس فاجتمعوا بها.
الخَنافِس
وسار أبو ليلى بن فَدَكيّ بمَن معه ومن قدم عليه نحو الخنافس؛ وقد أرَزت فُلّال حُصيد إلى المَهْبُوذان، فلما أحسَّ المهبوذان بقدومهم هرب ومن معه وأرَزوا إلى المُصَيَّخ، وبه الهُذيل بن عمران، ولم يلق بالخنافس كيدًا، وبعثوا إلى خالد بالخبر جميعًا.
مصَيَّخ بني البَرْشاء
قالوا: ولمَّا انتهى الخبرُ إلى خالد بمصاب أهلِ الحُصيد وهرب أهل الخَنافس كتب إليهم، ووعد القعقاعَ وأبا ليلى وأعبد وعُروة ليلة وساعة يجتمعون فيها إلى المصيَّخ - وهو بين حَوْران والقَلْت - وخرج خالد من العين قاصدًا للمصَيَّخ على الإبل يجنّب الخيل، فنزل الجَناب، فالبَردان، فالحِنْي، واستقلّ من الحنْي؛ فلمَّا كان تلك الساعة من ليلة الموعِد اتفقوا جميعًا بالمُصَيَّخ، فأغاروا على الهُذَيل ومَن معه ومن أوى إليه؛ وهم نائمون من ثلاثة أوجه، فقتلوهم. وأفلت الهُذَيل في أناس قليل؛ وامتلأ الفضاء قَتْلى، فما شبَّهوا بهم إلّا غنمًا مصرَّعة؛ وقد كان حُرْقوص بن النعمان قد محضهم النّصح، وأجاد الرأي، فلم ينتفعوا بتحذيره، وقال حرقوص بن النعمان قبل الغارة:
ألا سَقياني قبلَ خيلِ أبي بكر ... الأبيات
وكان حرقوص معرِّسًا بامرأة من بني هلال تُدعى أمّ تغلب، فقتلت تلك الليلة، وعُبادة بن البشر، وامرؤ القيس بن بشر، وقيس بن بشر؛ وهؤلاء بنو