← История

История · id 145435

صحيح وضعيف تاريخ الطبري

محمد بن طاهر البرزنجي

Полный текст (6 167 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.

стр. 2906

يُشِرف منه عليهم؛ فلما وقف على القنطرة؛ راسل زُهرة، فخرج إليه حتى واقفه، فأراده أن يصالحهم، ويجعل له جُعْلًا على أن ينصرفوا عنه، وجعل يقول فيما يقول: أنتم جيراننا وقد كان طائفة منكم في سلطاننا؛ فكنّا نُحسن جِوارهم، ونكفّ الأذى عنهم، ونولِّيهم المرافق الكثيرة، نحفظهم في أهل باديتهم؛ فنُرعيهم مَراعينا، ونميرهم من بلادنا، ولا نمنعهم من التجارة في شيء من أرضنا؛ وقد كان لهم في ذلك معاشٌ - يعرّض لهم بالصّلح؛ وإنما يخبره بصنيعهم، والصلح يريد ولا يصرّح - فقال له زهرة: صدقتَ، قد كان ما تذكر؛ وليس أمرُنا أمرَ أولئك ولا طلبتنا. إنَّا لم نأتكم لطلَب الدُّنيا؛ إنما طلبتنا وهمَّتنا الآخرة؛ كنّا كما ذكرت، يدين لكم من ورد عليكم منَّا، ويضرع إليكم يطلب ما في أيديكم. ثم بعث الله ﵎ إلينا رسولًا، فدعانا إلى ربِّه، فأجبناه، فقال لنبيّه ﷺ : إنِّي قد سلَّطت هذه الطائفة عَلَى من لم يَدِن بديني، فأنا منتقم بهم منهم؛ وأجعل لهم الغلبة ما داموا مقرّين به، وهو دين الحقّ، لا يرغب عنه أحد إلا ذلّ، ولا يعتصم به أحَد إلّا عزّ. فقال له رستم: وما هو؟ قال: أمَّا عموده الَّذي لا يصلح منه شيء إلّا به، فشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، والإقرار بما جاء من عند الله تعالى. قال: ما أحسن هذا! وأيّ شيء أيضًا؟ قال: وإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله تعالى. قال: حسن، وأيّ شيء أيضًا؟ قال: والنَّاس بنو آدم وحَوَّاء، إخوة لأب وأمّ، قال: ما أحسن هذا! ثمّ قال له رستم: أرأيت لو أني رضيت بهذا الأمر وأجبتكم إليه؛ ومعي قومي كيف يكون أمركم! أترجعون؟ قال: إي والله! ثم لا نقرب بلادكم أبدًا إلّا في تجارة أو حاجة. قال: صدقتني والله! أمَا إنّ أهل فارس منذ ولي أردشير لم يدَعُوا أحدًا يخرج من عمله من السّفلة، كانوا يقولون إذا خرجوا من أعمالهم: تعدَّوا طَوْرهم. وعادَوْا أشرافهم. فقال له زُهرة: نحن خيرُ النَّاس للنَّاس، فلا نستطيع أن نكون كما تقولون؛ نطيع الله في السّفلة، ولا يضرّنا مَنْ عصى الله فينا. فانصرف عنه، ودعا رجال فارس فذاكرهم هذا. فَحمُوا من ذلك، وأنفوا، فقال: أبعَدَكم الله وأسحقكم! أخزى الله أخْرَعنا وأجبنَنا! فلمَّا انصرف رستم ملتُ إلى زُهرة، فكان إسلامي؛ وكنت له عديدًا. وفرض لي فرائض أهل القادسيَّة (١). (٣: ٥١٧/ ٥١٨).

стр. 2907

٢٧٥ - كتب إليَّ السريُّ عن شعيب، عن سَيْف، عن محمد، وطلحة، وعمرو، وزياد بإسنادهِم مثله. قالوا: وأرسل سعد إلى المغيرة بن شُعبة، وبُسْر بن أبي رُهْم، وعَرفجة بن هَرثمة، وحُذيفة بن مِحصَن، ورِبْعيّ بن عامر، وقِرفة بن زاهر التيميّ ثم الواثليّ، ومذعُور بن عَدِيّ العجليّ، والمضارب بن يزيد العجليّ ومَعْبَد بن مُرَّة العِجليّ - وكان من دُهاة العرب - فقال: إني مُرسلُكم إلى هؤلاء القوم؛ فما عندكم؟ قالوا جميعًا: نتّبع ما تأمرنا به، وننتهي إليه؛ فإذا جاء أمر لم يكن منك فيه شيء نظرنا أمثلَ ما ينبغي وأنفَعَه للنَّاس؟ فكلَّمناهم به. فقال سعد: هذا فِعل الحَزَمة، اذهبوا فتهيَّؤوا، فقال رِبعيّ بن عامر: إنّ الأعاجم لهم آراء وآداب، ومتى نأتهم جميعًا يروا أنَّا قد احتفلنا بهم! فلا تَزِدهم على رجل؛ فمالؤوه جميعًا على ذلك، فقال: فسرّحوني، فسرّحه، فخرج ربعيّ ليدخُل على رستم عسكره، فاحتبسه الَّذين على القنطرة، وأرسل إلى رستم لمجيئه، فاستشار عظماءَ أهل فارس، فقال: ما ترون؟ أنباهي أم نتهاوَن؟ ! فأنجمع ملؤُهم على التهاون، فاظهروا الزّبْرِج، وبسطوا البُسُط والنَّمارق، ولم يتركوا شيئًا، ووضع لرستم سرير الذَّهب، وألبس زينته من الأنماط والوسائد المنسوجة بالذهب. وأقبل ربعيّ يسير على فرس له زبّاء قصيرة، معه سيف له مَشُوف، وغمده لفافة ثوب خَلَق، ورمحُه معلوب بقِدّ، معه حَجَفة من جلود البقر؛ على وجهها أديم أحمر مثل الرغيف، ومعه قوسه ونَبْله. فلمَّا غشي الملك، وانتهى إليه، وإلى أدنى البسط، قيل له: انزل، فحملَها على البساط، فلمَّا استوت عليه، نزَل عنها ورَبطها بوسادتين فشقَّهما، ثم أدخل الحبل فيهما، فلم يستطيعوا أن ينهوه؛ وإنما أروه التَّهاون وعرف ما أرادوا، فأراد استحراجَهم، وعليه درع له كأنها أضاة ويَلْمَقُه عباءة بعيره، قد جابها وتدرّعها، وشدّها على وسطه بسَلَب وقد شدّ رأسه بمعجرته؛ وكان أكثر العرب شعرةً، ومعجرته نسعة بعيره؛ ولرأسه أربع ضفائر؛ قد قمن قيامًا كأنهنّ قرون الوعلة. فقالوا: ضَعْ سلاحك، فقال: إنِّي لم آتِكم فأضع سلاحي بأمركم، أنتم دعوتموني، فإن أبيتم أن آتيكم كما أريد؛ رجعت. فأخبروا رستم؛ فقال: ائذنوا له؛ هل هو إلَّا رجل واحد! فأقبل يتوكّأ على رمحه، وزُجّه نصلٌ يقارب الخطو، ويزجّ النَّمارق والبُسط، فَمَا ترك لهم نُمرقة ولا بساطأ إلَّا أفسده وتركه منهتكًا

стр. 2908

مخرَّقًا؛ فلمَّا دنا من رستم تعلَّق به الحرس، وجلَس على الأرض، وركز رمحَه بالبُسط، فقالوا: ما حملك على هذا؟ قال: إنَّا لا نستحبّ القعود على زينتكم هذه. فكلّمه، فقال: ما جاء بكم؟ قال: الله ابتعثنا، والله جاء بنا لنُخرجَ من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدُّنيا إلى سَعتها، وِمن جَوْر الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خَلْقه؛ لندعوهم إليه، فمَن قَبِل منَّا ذلك قَبِلنا ذلك منه، ورجعنا عنه، وتركناه وأرضَه يليها دُوننا، ومن أبى قاتلناه أبدًا؛ حتى نُفضِيَ إلى موعود الله. قال: وما موعود الله؟ قال: الجنَّة لمن مات على قتال من أبى، والظّفَر لمن بقي. فقال رستم: قد سمعت مقالَتكم؛ فهل لكم أن تؤخّروا هذا الأمر حتى ننظر فيه، وتَنْظُروا؟ ! قال: نعم، كم أحبّ إليكم؟ أيومًا أو يومين؟ قال: لا بل حتَّى نكاتب أهَل رأينا ورؤساء قومنا. وأراد مقاربته ومدافعتَه، فقال: إنّ مما سنّ لنا رسولُ الله ﷺ وعمل به أئمّتنا، ألّا نمكّن الأعداء من آذاننا، ولا نؤجِّلهم عند اللقاء أكثرَ من ثلاث، فنحن متردّدون عنكم ثلاثًا، فانظر في أمرك وأمرهم، واختَر واحدةً من ثلاث بعد الأجل، اختر الإسلام ونَدَعك وأرضك، أو الجزاء، فنقبل ونكفّ عنك؛ وإن كنت عن نصرنا غنيًّا تركناك منه، وإن كنت إليه محتاجًا منعناك؛ أو المنابذة في اليوم الرابع؛ ولسنا نبدؤك فيما بيننا وبين اليوم الرابع إلا أن تبدأنا؛ أنا كفيل لك بذلك على أصحابي وعلى جميع من ترى. قال: أسيّدُهم أنت؟ قال: لا؛ ولكنّ المسلمين كالجسد بعضهم من بعض؛ يجير أدناهم على أعلاهم. فخلص رستم برؤساء أهل فارس، فقال: ما ترون؟ هل رأيتم كلامًا قطّ أوضحَ ولا أعزّ من كلام هذا الرجل؟ قالوا: معاذ الله لك أن تميل إلى شيء من هذا وتدَع دينك لهذا الكلْب! أما ترى إلى ثيابه؟ ! فقال: ويْحكم! لا تنظروا إلى الثياب؛ ولكن انظروا إلى الرّأي والكلام والسِّيرة؛ إنّ العرب تستخفّ باللّباس، والمأكل، ويصونون الأحساب، ليسوا مثلكم في اللبّاس، ولا يروْن فيه ما ترون. وأقبلوا إليه يتناولون سلاحه، ويزهّدونه فيه، فقال لهم: هل لكم إلى أن تُرُوني فأريَكم؟ فأخرج سيفه من خِرَقه كأنه شُعْلة نار. فقال القوم: اعْمده، فغمده؛ ثم رمى تُرسًا ورموا حَجَفته، فخُرق تُرسهم، وسلمت حَجَفته، فقال: يا أهلَ فارس! إنكم عظّمتم الطعام واللِّباس والشراب؛ وإنَّا صغَّرناهنّ. ثمّ رجع إلى أن ينظروا إلى الأجل، فلمَّا كان من الغد بعثوا أن ابعث إلينا ذلك الرّجُل؛ فبعث إليهم سعد حُذيفة بن محصن،

стр. 2909

فأقبل في نحو من ذلك الزّيّ، حتى إذا كان على أدنى البِساط، قيل له: انزل، قال: ذلك لو جئتُكم في حاجتي؛ فقولوا لملككم: أله الحاجة أم لي؟ فإن قال: لي؛ فقد كذب؛ ورجعت وتركتكم؛ فإن قال: له، لم آتكم إلا على ما أحِبّ. فقال: دعوه، فجاء حتى وقف عليه؛ ورستم على سريره، فقال: انزل، قال: لا أفعل، فلمّا أبى سأله: ما بالك جئت ولم يجئ صاحبنا بالأمس؟ قال: إن أميرنا يحبّ أن يعدل بيننا في الشدّة والرّخاء؛ فهذه نوْبتي. قال: ما جاء بكم؟ قال: إنَّ الله مَنّ علينا بدينه، وأرانا آياتِه، حتى عرفناه وكنا له منكرين. ثم أمرَنا بدُعاء الناس إلى واحدة من ثلاث؛ فأيّها أجابوا إليها قبلناها: الإسلام وننصرف عنكم، أو الجِزَاء ونمنعكم إن احتجتم إلى ذلك، أو المنابذَة. فقال: أو الموادعة إلى يوم ما؟ فقال: نعم، ثلاثًا من أمسِ. فلمَّا لم يجد عنده إلا ذلك ردّه وأقبل على أصحابه، فقال: ويْحكم! ألا ترون إلى ما أرى! جاءنا الأوّل بالأمس فغلَبنا على أرضنا، وحقَّر ما نعظِّم، وأقام فرسه على زِبْرِجنا وربَطه به؛ فهو في يُمْن الطائر، ذهب بأرضنا وما فيها إليهم، مع فضل عقله. وجاءنا هذا اليوم فوقف علينا؛ فهو في يُمْنِ الطائر، يقوم على أرضنا دوننا؛ حتى أغضَبهم وأغضبوه. فلمَّا كان من الغد أرسل: ابعثوا إلينا رجلًا، فبعثوا إليهم المغيرة بن شعبة (١). (٣: ٥١٨/ ٥١٩/ ٥٢٠/ ٥٢١). ٢٧٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي عثمان النَّهديّ. قال: لمَّا جاء المغيرة إلى القنطرة فعَبرها إلى أهل فارس؛ حبسوه، واستأذنوا رستم في إجازته، ولم يغيِّروا شيئًا من شارتهم، تقويةً لتهاونهم؛ فأقبل المغيرة بن شعبة، والقوم في زيّهم، عليهم التّيجان والثّياب المنسوجة بالذهب، وبُسُطُهم على غَلْوة لا يصلُ إلى صاحبهم؛ حتى يمشيَ عليهم غَلْوةً؛ وأقبل المغيرة وله أربع ضفائر يمشي؛ حتى جلس معه على سريره ووسادته؛ فوثبوا عليه، فترِتروه، وأنزلوه، ومغثوه. فقال: كانت تَبْلغنا عنكم الأحلام؛ ولا أرى قومًا أسفه منكم! إنَّا معشر العرب سواءٌ؛ لا يستعبد بعضنا بعضًا إلّا أن يكون محاربًا لصاحبه؛ فظننت أنَّكم تُواسون قومكم كما نَتواسى؛ وكان أحسن من الذي صنعتم أن تُخبروني أنَّ بعضكم أربابُ بعض، وأنَّ هذا الأمر لا يستقيم

стр. 2910

فيكم فلا نصنعه؛ ولم آتِكم؛ ولكن دعوتموني اليوم؛ علمت أن أمركم مضمحلّ، وأنّكم مغلوبون؛ وأن مُلكًا لا يقوم على هذه السيرة، ولا على هذه العقول. فقالت السّفلة: صدَق والله العربيّ! وقالت الدّهاقين: والله لقد رَمى بكلام لا يزال عبيدُنا ينزعون إليه. قاتل الله أوّلينا، ما كان أحمقهم حين كانوا يصغّرون أمر هذه الأمّة! فمازحه رستُم ليمحُوَ ما صُنع، وقال له: يا عربيّ! إنّ الحاشية قد تصنع ما لا يوافق الملك، فيتراخى عنها مخافة أن يكسرها عمَّا ينبغي من ذلك؛ فالأمر علَى ما تحبّ من الوفاء وقبول الحقّ؛ ما هذه المغازل التي معك؟ قال: ما ضرّ الجمرة ألّا تكون طويلة! ثم راماهم. وقال: ما بال سيفك رثًّا! قال: رثُّ الكسوةِ، حديد المضربة، ثم عاطاه سيفه، ثم قال له رستم: تكلّم أم أتكلَّم؟ فقال المغيرة: أنت الَّذي بعثت إلينا، فتكلَّم، فأقام الترجمان بينهما، وتكلَّم رستم، فحمِد قومه، وعظَّم أمرهم وطوّله. وقال: لم نزل متمكِّنين في البلاد، ظاهرين على الأعداء، أشرافًا في الأمم؛ فليس لأحد من الملوك مثل عزّنا وشرفنا وسلطاننا، نُنصَر على النَّاس ولا يحصرون علينا إلّا اليوم واليومين، أو الشَّهر والشهرين؛ للذنوب؛ فإذا انتقم الله فرضي ردّ إلينا عزّنا، وجمعْنا لعدونا شرّ يوم هو آتٍ عليهم. ثم إنه لم يكن في النَّاس أمة أصغر عندنا أمرًا منكم؛ كنتم أهلَ قَشف، ومعيشة سيّئة، لا نراكم شيئًا ولا نعدُّكم، وكنتم إذا قحطت أرضكم، وأصابتكم السنَّة استغثتم بناحية أرضنا، فنأمر لكم بالشيء من التَّمْر والشعير ثم نردّكم، وقد علمت: أنه لم يحملكم على ما صنعتم إلّا ما أصابكم من الجهد في بلادكم، فأنا آمرُ لأميركم بكُسوة، وبغْل، وألف درهم، وامرُ لكلّ رجل منكم بوقر تمْرٍ، وبثوبين، وتنصرفون عنَّا، فإني لست أشتهي أن أقتُلَكم، ولا آسركم. فتكلّم المغيرة بن شُعبة، فحمد الله وأثنَى عليه، وقال: إنّ الله خالق كلّ شيء ورازقه؛ فمن صنع شيئًا فإنما هو الذي يصنعه هو له. وأمَّا الذي ذكرت به نفسَك وأهلَ بلادك؛ من الظّهورِ على الأعداء، والتمكّن في البلاد، وعُظْم السلطان في الدنيا؛ فنحن نعرفه، ولسنا نُنكره؛ فالله صنعه بكم، ووضعه فيكم، وهو له دونكم؛ وأمَّا الذي ذكرت فينا من سُوء الحال، وضيق المعيشة، واختلاف

стр. 2911

القلوب؛ فنحن نعرفُه، ولسنا ننكره، والله ابتلانا بذلك، وصيَّرنا إليه، والدنيا دُوَل، ولم يزل أهلُ شدائدها يتوقَّعون الرّخاء حتى يصيروا إليه، ولم يزل أهل رخاتها يتوقَّعون الشَّدائد حتى تنزل بهم، ويصيروا إليها، ولو كنتم فيما آتاكم الله ذوي شُكر، كان شكركم يقصّر عمّا أوتيتم، وأسلمكم ضَعْف الشكر إلى تغيّر الحال، ولو كنَّا فيما ابتُلينا به أهلَ كفر؛ كان عظيم ما تتابع علينا مستجلبًا من الله رحمة يرفِّه بها عنَّا، ولكنّ الشأن غيرُ ما تذهبون إليه؛ أو كنتم تعرفوننا به، إنَّ الله ﵎ بعثَ فينا رسولًا ... ثم ذكر مثلَ الكلام الأوّل؛ حتى انتهى إلى قوله: وإن احتجت إلينا أن نمنعك فكنْ لنا عبدًا تؤدّي الجزية عن يد وأنت صاغر، وإلّا فالسيف إن أبيت! فنخر نخرة، واستشاط غضبًا، ثم حلَف بالشَّمْس لا يرتفع لكم الصّبح غدًا حتى أقتلكم أجمعين! . فانصرف المغيرة؛ وخلَص رستم تألّفًا بأهل فارس، وقال: أين هؤلاء منكم؟ ما بعد هذا! ألم يأتِكم الأوّلان فحسَّراكم، واستحرجاكم، ثم جاءكم هذا، فلم يختلفوا، وسلكوا طريقًا وأحدًا، ولزموا أمرًا واحدًا. هؤلاء والله الرجال؛ صادقين كانوا أم كاذبين! والله لئن كان بلغ من إربهم، وصوْنهم لسرّهم ألّا يختلفوا، فما قَوْمٌ أبلَغ فيما أرادوا منهم؛ لئن كانوا صادقين ما يقوم لهؤلاء شيء! فلجّوا، وتجلَّدوا. وقال: والله إني لأعلم أنَكم تُصغون إلى ما أقول لكم، وإنّ هذا منكم رِئاء! فازدادوا لَجاجة (١). (٣: ٥٢١/ ٥٢٢/ ٥٢٣/ ٥٢٤). ٢٧٧ - كتب إليّ السريُّ عن شُعيب، عن سيف، عن النَّضْر، عن ابن الرُّفيل، عن أبيه، قال: فأرسل مع المغيرة رجلًا وقال له: إذا قطع القنطرة، ووصل إلى أصحابه، فناد: إن الملك كان منجّمًا، قد حسب لك، ونظر في أمرك، فقال: إنَّك غدًا تُفقأ عينُك. ففعل الرسول، فقال المغيرة: بشّرتَني بخيرٍ وأجر! ولولا أنْ أجاهدَ بعد اليوم أشباهَكم من المشركين، لتمنّيتُ أنّ الأخرى ذهبت أيضًا. فرآهم يضحكون من مقالته، ويتعجَّبون من بصيرته؛ فرجع إلى الملك بذلك، فقال: أطيعوني يا أهلَ فارس! وإنّي لأرى لله فيكم نِقْمة لا تستطيعون ردَّها عن أنفسكم. وكانت خيولُهم تلتقِي على القنطرة لا تلتقي إلّا عليها، فلا يزالون

стр. 2912

يبدؤون المسلمين، والمسلمون كافُّون عنهم الثلاثة الأيام؛ لا يبدؤونهم؛ فإذا كان ذلك منهم؛ صَدُّوهم، وَرَدَعُوهم (١). (٣: ٥٢٤). ٢٧٨ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمَّد، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كان ترجمان رستم من أهل الحيرة يُدعى عَبُود (٢) (٣: ٥٢٤). ٢٧٩ - كتب إليّ السريُّ عن شُعيب، عن سيف، عن مجالد، عن الشعبيّ، وسعيد بن المرزبان، قالا: دعا رستم بالمغيرة، فجاء حتى جلس على سريره، ودعا رستم ترجمانه -وكان عربيًّا من أهل الحيرة، يُدعَى عَبُود- فقال له المغيرة: ويحك يا عَبُود! أنت رجل عربيّ؛ فأبلِغْه عنّي إذا أنا تكلَّمت كما تُبلغني عنه. فقال له رستم مثل مقالته، وقال له المغيرة مثل مقالته إلى إحدى ثلاث خلال: إلى الإسلام ولكم فيه مالنا وعليكم فيه ما علينا؛ ليس فيه تفاضُل بيننا، أو الجزية عن يد وأنتم صاغرون. قال: ما "صاغرون"؟ قال: أن يقوم الرجل منكم على رأس أحدِنا بالجزية يحمَده أن يقبلها منه إلى آخر الحديث؛ والإسلام أحبّ إلينا منهما (٣). (٣: ٥٢٤/ ٥٢٥). ٢٨٠ - كتب إليَّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن عبيدة، عن شقيق، قال: شهدتُ القادسيَّة غلامًا بعد ما احتلمت؛ فقدم سعد القادسيَّة في اثني عشر ألفًا؛ وبها أهل الأيَّام، فقدمتْ علينا مقدّمات رستم، ثمّ زحف إلينا في ستين ألفًا، فلما أشرف رستم على العسكر قال: يا معشَرَ العرب! ابعثوا إلينا رجلًا يكلِّمنا ونكلّمه؛ فبعث إليه المغيرةَ بن شعبة ونفرًا، فلما أتوْا رستم جلس المغيرة على السَّرير، فنخر أخو رستم، فقال المغيرة: لا تنخر؛ فما زادني هذا شرفًا ولا نقص أخاك. فقال رستم: يا مغيرة! كنتم أهل شَقَاء، حتى بلغ: وإن كان لكم أمرٌ سوى ذلك، فأخبِرونا. ثم أخذ رستم سهمًا من كنانته، وقال: لا تروْا أنّ هذه المغازل تغني عنكم شيئًا؛ فقال المغيرة مُجيبًا له، فذكَر النبيّ ﷺ قال: فكان ممَّا رزقنا الله على يديه حبَّة تنبت في أرضكم هذه؛ فلمّا أذقناها عيالَنا،

стр. 2913

قالوا: لا صبرَ لنا عنها، فجئنا لنُطعمهم، أو نموت. فقال رستم: إذًا تموتون، أو تُقتلون، فقال المغيرة: إذًا يدخل مَن قتل منّا الجنّة، ويدخل مَن قَتلنا منكم النارَ، ويظفر مَن بقيَ منَّا بمن بقي منكم؛ فنحن نخيّرك بين ثلاث خلال ... إلى آخر الحديث فقال رستم: لا صلح بيننا وبينكم (١)! (٣: ٥٢٥). ٢٨١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، وزياد، قالوا: أرسل إليهم سعد بقيَّة ذوي الرأي جميعًا، وحبس الثَّلاثة، فخرجوا حتى أتوْه ليعظموا عليه استقباحًا، فقالوا له: إنّ أميرَنا يقول لك: إنّ الجوار يحفظ الوُلاة، وإنّي أدعوك إلى ما هو خير لنا ولك، العافية أن تقبل ما دعاك الله إليه، ونرجع إلى أرضنا، وترجع إلى أرضك وبعضنا من بعْض؛ إلّا أن داركم لكم، وأمركم فيكم؛ وما أصبتم ممَّا وراءكم كان زيادة لكم دوننا؛ وكنَّا لكم عونًا على أحد إن أرادكم أو قوي عليكم. واتّق الله يا رستم! ولا يكونَنّ هلاكُ قومك على يديك، فإنه ليس بينك وبين أن تُغْبَط به إلا أن تدخل فيه، وتطرُد به الشيطان عنك؛ فقال: إني قد كلَّمت منكم نفرًا، ولو أنهم فهموا عنّي رجوت أن تكونوا قد فهمتم، وإنّ الأمثال أوضحُ من كثير من الكلامِ، وسأضرب لكم مثَلكم تَبَصَّروا. إنكم كنتم أهل جَهد في المعيشة، وقشَف في الهيئة، لا تمتنعون، ولا تنتصفون، فلم نُسئ جِواركم، ولم ندع مواساتكم، تُقحَمون المرّة بعد المرّة، فنميركم ثم نردّكم، وتأتوننا أجَراء وتجّارًا، فنحسن إليكم؛ فلما تطاعمتم بطعامنا، وشربتم شرابنا، وأظلَّكم ظلّنا، وصفتم لقومكم؛ فدعوتموهم، ثم أتيتمونا بهم، وإنما مثلُكم في ذلك ومثلُنا كمثل رجل كان له كَرْم، فرأى فيه ثعلبًا، فقال: وما ثعلب! فانطلق الثَّعلب، فدعا الثَّعالب إلى ذلك الكَرْم، فلما اجتمعن عليه سدّ عليهنّ صاحبُ الكرْم الجُحر الَّذي كنّ يدخلْن منه، فقتلهنّ؛ وقد علمتُ: أنّ الذي حَمَلكم على هذا الحرصُ، والطمعُ، والجَهد، فارجعوا عنَّا عامَكم هذا، وامتاروا حاجتَكم، ولكم العَوْد كلَّما احتجتم، فإني لا أشتهي أن أقتلكم (٢). (٣: ٥٢٥/ ٥٢٦). ٢٨٢ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عُمارة بن القعقاع

стр. 2914

الضّبيّ، عن رجل من يَربوع شهدَها، قال: وقال: وقد أصابَ أناس كثير منكم من أرضنا ما أرادوا، ثم كان مصيرُهم القتل والهَرب، ومَن سنّ هذا لكم خيرٌ منكم وأقوى؛ وقد رأيتم أنتم كلَّما أصابوا شيئًا أصيب بعضهم ونجا بعضهم؛ وخرج ممَّا كان أصاب، ومن أمثالكم فيما تصنعون مثل جُرْذان ألِفت جرَّة فيها حَبّ، وفي الجرَّة ثَقْب، فدخل الأوَّل فأقام فيها، وجعل الأخَر يَنقُلن منها ويرجعْنَ ويكلّمْنه في الرجوع، فيأبَى، فانتهى سمن الذي في الجرّة، فاشتاق إلى أهله ليُريَهم حُسن حاله، فضاق عليه الجُحر، ولم يُطِق الخروج، فشكا القَلَق إلى أصحابه، وسألهم المخرج، فقلن له: ما أنت بخارج منها حتى تعودَ كما كنت قبل أن تدخل، فكفّ وجوّع نفسه، وبقيَ في الخوف، حتى إذا عاد كما كان قبل أن يدخلَها أتى عليه صاحب الجَرّة فقتله. فاخرُجوا، ولا يكونَنّ هذا لكم مثلًا (١). (٣: ٥٢٦/ ٥٢٧). ٢٨٣ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن النَّضْر، عن ابن الرُّفيل، عن أبيه، قال: وقال: لم يخلق الله خلْقًا أولَع من ذُباب ولا أضرّ؛ مما خلاكم يا معشر العرب! تروْن الهلاك ويُدليكم فيه الطّمع؛ وسأضرب لكم مثلكم: إنّ الذّباب إذا رأى العسَلَ طار، وقال: مَن يوصّلني إليه وله درهمان حتى يدخله؟ لا ينهنِهُه أحد إلا عصاه، فإذا دخله غرق ونشِب وقال: مَن يخرجني وله أربعة دراهم؟ وقالى أيضًا: إنما مثلُكم مثل ثعلب دخل جُحرًا وهو مهزول ضعيف إلى كَرْم، فكان فيه يأكل ما شاء الله، فرآه صاحب الكَرْم، ورأى ما به، فرحمه، فلمَّا طال مكثُه في الكَرْم ولسمِن، وصلحَت حالُه، وذهب ما كان به من الهزال أشر، فجعل يعبث بالكَرْم ويُفسد أكثر ممَّا يأكل، فاشتدّ على صاحب الكَرْم، فقال: لا أصبر علَى هذا من أمر هذا، فأخذ له خشبة واستعان عليه غِلمانه، فطلبوه وجعل يراوغهم في الكَرْم، فلمَّا رأى: أنَّهم غيرُ مُقلعين عنه؛ ذهب ليخرج من الجُحر الَّذي دخل منه، فنشب. اتَّسع عليه وهو مهزول، وضاق عليه وهو سمين؛ فجاءه وهو على تلك الحال صاحب الكَرْم، فلم يزل يضربه حتى قتله، وقد جئتم وأنتم مهازيل؛ وقد سِمنتُم شيئًا من سمَن، فانظروا كيف تخرجون! وقال أيضًا: إنَّ رجلًا وضع سَلّا، وجعل طعامه فيه، فأتى

стр. 2915

الجرذان، فخرقوا سلَّه، فدخلوا فيه فأراد سدّه، فقيل له: لا تفعل، إذًا يخرقْنَه، ولكن انقب بحياله؛ ثم اجعل فيها قصبة مجوَّفة، فإذا جاءت الجُرذان دخلْن من القصبة وخرجن منها، فكلَّما طلع عليكم جُرَذ قتلتموه. وقد سددتُ عليكم؛ فإيَّاكم أن تقتحموا القصَبة، فلا يخرج منها أحدٌ إلّا قُتل، وما دعاكم إلى ما صنعتم؛ ولا أرى عَددًا ولا عُدّة! (١) (٣: ٥٢٧). ٢٨٤ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سَيْف، عن محمَّد، وطلحة بإسنادهما وزياد معهما، قالوا: فتكلَّم القوم فقالوا: أمَّا ما ذكرتم من سُوء حالنا فيما مضى، وانتشار أمرِنا، فلمَّا تبلغ كُنْهَه! يموت الميّت منَّا إلى النار، ويبقى الباقي منا في بؤس؛ فبينا نحن في أسْوَأ ذلك؛ بعث الله فينا رَسُولًا مِن أنْفُسِنَا إلى الإنس والجنّ، رحمةً رحم بها مَن أراد رحْمَتَه، ونقمة ينتقم بها ممن ردَّ كرامته؛ فبدأ بنا قبيلة قبيلة، فلم يكن أحدٌ أشدّ عليه؛ ولا أشدُّ إنكارًا لما جاء به، ولا أجهدُ على قتله وردّ الذي جاء به من قومه، ثمِ الَّذين يلُولْهم، حتى طابقْناه على ذلك كلّنا، فنصبنا له جميعًا، وهو وحده فردٌ ليس معه إلّا الله تعالى، فأعطيَ الظَّفَر علينا، فدخل بعضُنا طوعًا، وبعضنا كرهًا، ثم عرفنا جميعًا الحقّ والصّدق لما أتانا به من الآيات المعجزة؛ وكان ممَّا أتانا به من عند رَبّنا جهاد الأدنى فالأدنى، فسِرنا بذلك فيما بيننا، نرى أنّ الذي قال لنا ووعَدنا لا يُخرَم عنه ولا يُنقَض؛ حتى اجتمعت العرب على هذا، وكانوا من اختلاف الرّأي فيما لا يطيق الخلائق تأليفهم. ثم أتيناكم بأمر ربّنا، نجاهد في سبيله، ونَنفُذ لأمره، وننتجز موعودَه، وندعوكم إلى الإسلام وحكمه؛ فإن أجبتمونا تركناكم، ورجعنا وخلَّفنا فيكم كتابَ الله؛ وإن أبيتم لم يحلّ لنا إلّا أن نعاطيَكم القتال أو تفتدوا بالجِزَى؛ فإن فعلتم وإلا فإنّ الله قد أورثَنا أرضَكم، وأبناءكم، وأموالكم. فاقبلوا نصيحَتنا؛ فوالله لإِسلامُكمْ أحبّ إلينا من غنائمكم، ولَقتالكم بعدُ أحبّ من صلحكم. وأمَّا ما ذكرت من رثاثتنا وقلَّتنا فإنّ أداتَنا الطاعة، وقتالَنا الصبر. وأمَّا ما ضربتم لنا من الأمثال، فإنكم ضربتمُ للرجال والأمور الجسام وللجدّ الهزل؛ ولكنّا سنضرب مثلَكم، إنَّما مثلُكم مثلُ رجل غَرَس أرضًا، واختار لها الشَّجَر والحَبّ، وأجرى إليها الأنهار، وزيَّنها بالقصور، وأقام فيها فلّاحين

стр. 2916

يسكنون قصورها، ويقومون على جنّاتها، فخلا الفلاحون في القصور على ما لا يحبّ، وفي الجنان بمثل ذلك، فأطال نظرتهم، فلمَّا لم يستحيوا من تلقاء أنفسهم؛ استعتبَهم فكابروه، فدعا إليها غيرهم، وأخرجهم منها، فإن ذهبوا عنها تخطَّفهم النَّاس، وإن أقاموا فيها صارُوا خَوَلًا لهؤلاء يملكونهم؛ ولا يملَّكون عليهم؛ فيسومونَهُم الخَسْفَ أبدًا؛ ووالله أن لو لم يكن ما نقول لك حقًّا، ولم يكن إلّا الدنيا، لما كان لنا عَمّا ضرينَا به من لذيذ عيشكم، ورأينا من زِبْرِجكم من صبرٍ، ولقارعناكم حتى نغلبَكم عليه. فقال رستم: أتعبرون إلينا أم نعبر إليكم؟ فقالوا: بل اعبرُوا إلينا، فخرجوا من عنده عشيًّا، وأرسل سعد إلى النَّاس أن يقفوا مواقفهم، وأرسل إليهم: شأنَكم والعبور، فأرادوا القنطرة، فأرسل إليهم: لا ولا كرامة! أمّا شيء قد غلبناكم عليه فلن نردَّه عليكم؛ تكلَّفوا مِعبرًا غير القناطر، فباتوا يسكُرون العتيق حتى الصباح بأمتعتهم. (١) (٣: ٥٢٨/ ٥٢٩). يوم أرماث ٢٨٥ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن محمَّد، عن عبيد الله، عن نافع وعن الحكَم، قالا: لمَّا أراد رستم العبورَ أمر بسَكْر العتيق بحيال قادس، وهو يومئذ أسفل منها اليوم ممَّا يلي عين الشمس، فباتوا ليلَتَهم حتَّى الصباح يسكُرون العتيق بالتراب والقَصَب والبراذع حتى جعلوه طريقًا، واستُتِمّ بعد ما ارتفع النهار من الغد. (٢) (٣: ٥٢٩). ٢٨٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمَّد، وطلحة، وزياد، بإسنادهم، قالوا: ورَأى رستم من الليل: أن ملَكًا نزل من السماء، فأخذ قميّ أصحابه، فختم عليها، ثم صعد بها إلى السماء؛ فاستيقظ مهمومًا محزونًا، فدعا خاصّته فقصّها عليهم، وقال: إنَّ الله لَيَعظُنا، لو أنّ فارس تركوني أتَّعظ! أما تروْن النصر قد رُفع عنَّا، وترون الريح مع عدوّنا، وأنَّا لا نقوم

стр. 2917

لهم في فعل ولا منطق، ثم هم يريدون مغالبة بالجبريّة! فعبروا بأثقالهم حتى نزلُوا على ضفَّة العتيق (١). (٣: ٥٢٩). ٢٨٧ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن الأعْمَش، قال: لمَّا كان يوم السَّكْر، لبس رستم درعَيْن ومغفرًا وأخذ سلاحه، وأمر بفرسه فأسرِج، فأتَى به فوثَب؛ فإذا هو عليه لم يمسَّه ولم يضع رِجله في الرّكاب، ثم قال: غدًا ندقّهم دقًّا، فقال له رجل: إن شاء الله، فقال: وإن لم يشأ! (٢) (٣: ٥٣٠). ٢٨٨ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن القاسم بن الوليد الهمْدانيّ، عن أبيه، عن أبي نِمْران، قال: لمَّا عَبَر رستم تحوّل زُهرة، والجالنوس، فجعل سعد زُهرةَ مكان ابن السِّمط، وجعل رستم الجالنوس مكان الهُرْمُزان، وكان بسعد عِرْق النَّسَا ودَمَاميل، وكان إنما هو مكبٌّ، واستخلف خالد بن عُرْفُطة علَى الناس فاختلف عليه، فقال: احملوني، وأشرفوا بي على النَّاس؛ فارتقَوْا به، فأكبّ مطَّلعًا عليهم، والصفُّ في أصل حائط قُدَيْس؛ يأمر خالدًا فيأمر خالد الناس، وكان ممَّن شغب عليه وجوهٌ من وجوه النَّاس، فهمّ بهم سعد وشتَمهم، وقال: أمَا والله لولا أنّ عدوّكم بحضرتكم؛ لجعلتكم نَكالًا لغيركم! فحبسهم - ومنهم أبو مِحْجَن الثَّقَفِيّ - وقيّدهم في القصر، وقال جرير: أما إني بايعت رسولَ الله ﷺ على أن أسمعَ وأطيع لمن ولَّاه الله الأمر وإن كان عبدًا حبشيًّا، وقال سعد: والله لا يعود أحدٌ بعدها يحبس المسلمين عن عدوّهم، ويشاغلهم وهم بإزائهم إلّا سُنَّت به سُنَّة يؤخَذ بها مِنْ بعدي (٣). (٣: ٥٣١). ٢٨٩ - كتب إليَّ السريُّ عن شُعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد بإسنادهم، قالوا: إنّ سعدًا خطب مَنْ يليه يومئذ؛ وذلك يوم الإثنين في المحرّم سنة أربع عشرة بعد ما تهدّم على الذين اعترضوا على خالد بن عُرْفُطة؛ فحمِد الله وأثنى عليه. وقال: إن الله هو الحقّ لا شريك له في المُلك؛ وليس لقوله خلْف، قال الله جلّ ثناؤه: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ إنّ هذا ميراثكم وموعود ربّكم، وقد أباحها لكم منذ ثلاث

стр. 2918

حِجَج؛ فأنتم تطعمون منها، وتأكلون منها، وتقتلون أهلها، وتجْبونهم وتسبونهم إلى هذا اليوم بما نال منهم أصحاب الأيّام منكم، وقد جاءكم منهم هذا الجمع؛ وأنتم وجوهُ العرب وأعيانُهم، وخيار كلّ قبيلة، وعِزُّ مَن وراءكم؛ فإن تَزْهدوا في الدّنيا، وترغبوا في الآخرة؛ جَمَع الله لكم الدُّنيا والآخرة، ولا يقرّب ذلك أحدًا إلى أجله، وإنْ تفشَلوا، وتَهِنوا، وتضعُفوا، تذهب ريحُكم، وتُوبِقوا آخرتكم. وقام عاصم بن عمرو في المجرّدة؛ فقال: إنَّ هذه بلاد قد أحلّ الله لكم أهلَها، وأنتم تنالون منهم منذ ثلاث سنين ما لا ينالون منكم، وأنتم الأعلوْن والله معكم؛ إن صبرتم وصدقتموهم الضّرب، والطعن؛ فلكم أموالهم، ونساؤهم، وأبناؤهم، وبلادهم؛ وإن خُرتم وفشلتم فالله لك من ذلك جار وحافظ، لم يُبق هذا الجمع منكم باقية؛ مخافةَ أن تعودوا عليهم بعائدة هلاك. الله الله! اذكروا الأيّام وما منحكم الله فيها! أوَ لا ترون أنّ الأرض وراءكم بسابس قِفارٌ ليس فيها خَمَر، ولا وَزَر يُعقل إليه، ولا يُمتنَع به! اجعلوا همّكم الآخرة! وكتب سعد إلى الرّايات: إني قد استخلفتُ عليكم خالد بن عُرْفُطة، وليس يمنعني أن أكونَ مكانَه إلا وَجَعي الذي يعودُني وما بي من الحُبون، فإنّي مُكبّ على وجهي وشخصي لكم بادٍ، فاسمعوا له وأطيعوا، فإنَه إنَّما يأمركم بأمري، ويعمل برأيي، فقُرئ على النَّاس فزادهم خيرًا، وانتهوْا إلى رأيه، وقبلوا منه وتحاثّوا على السمع والطاعة، وأجمعوا على عُذر سعد والرّضا بما صنع (١). (٣: ٥٣١/ ٥٣٢). ٢٩٠ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن حلّام، عن مسعود، قال: وخطب أمير كلّ قوم أصحابَه، وسيّر فيهم، وتحاضّوا على الطاعة، والصبر وتواصَوْا؛ ورجع كلّ أمير إلى موقفه بمن والاه من أصحابه عند المواقف؛ ونادى مُنادي سعد بالظُّهر، ونادى رستم: "بادِشَهانِ مَرَنْدر"، أكل عمر كبدي أحرق الله كبده! علَّم هؤلاء حتى علموا (٢). (٣: ٥٣٢)

стр. 2919

٢٩١ - كتب إليّ السريُّ عن شُعيب، قال: حدّثنا سيف، عن النَّضر، عن ابن الرُّفيل، قال: لمَّا نزل رستم النَّجفَ بعثَ منها عينًا إلى عسكر المسلمين، فانغمس فيهم بالقادسيَّة كبعض مَن ندّ منهم، فرآهم يستاكون عند كلّ صلاة، ثم يصلُّون، فيفترقون إلى مواقفهم، فرجع إليه فأخبره بخبرهم، وسيرتهم، حتى سأله: ما طعامهم؟ فقال: مكثتُ فيهم ليلةً، لا والله ما رأيت أحدًا منهم يأكل شيئًا إلا أن يمصُّوا عِيدَانًا لهم حين يُمْسُون، وحين ينامون، وقُبيلَ أن يُصبحوا. فلمّا سار فنزل بين الحصن والعتيق؛ وافقهم وقد أذّن مؤذّن سعد الغداة، فرآهم يتحشحشون، فنادى في أهل فارس أنْ يركبوا، فقيل له: ولمَ؟ قال: أما ترون إلى عدوّكم قد نُودِيَ فيهم فتحشحشوا لكم! قال عينه ذلك: إنما تحشحُشُهم هذا للصلاة، فقال بالفارسية، وهذا تفسيره بالعربية: أتاني صوت عند الغداة، وإنما هو عُمَر الذي يكلّم الكلاب، فيعلّمهم العقل، فلمَّا عبروا؛ تواقفوا، وأذّن مؤذِّن سعد للصّلاة، فصلَّى سعد، وقال رستم: أكل عمر كَبدِي! (١). (٣: ٥٣٢/ ٥٣٣). ٢٩٢ - كتب إليَّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن مجالد، عن الشعبيّ: إنَ أهل فارس كانوا عشرين ومئة ألف، معهم ثلاثون فيلًا، مع كلّ فيل أربعة آلاف (٢). (٣: ٥٣٥). ٢٩٣ - كتب إليّ السريُّ بن يحيى عن شعيب، عن سيف، عن حلّام، عن مسعود بن خِراش، قال: كان صفّ المشركين على شفير العتيق، وكان صفّ المسلمين مع حائط قُدَيْس، الخندقُ من ورائهم، فكان المسلمون والمشركون بين الخندق والعتيق. ومعهم ثلاثون ألف مسلسَل، وثلاثون فيلًا تُقاتِل، وفِيَلة عليها الملوك وقوف لا تُقاتل. وأمر سعد النَّاس أن يقرؤوا على النَّاس سورة الجهاد، وكانوا يتعلّمونها (٣). (٣: ٥٣٥). ٢٩٤ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة،

стр. 2920

وزياد بإسنادهم، قالوا: قال سعد: الزمُوا مواقفَكم، لا تحرّكوا شيئًا حتى تصلّوا الظهر، فإذا صلَّيتم الظهر فإنِّي مكبِّر تكبيرةً، فكبِّروا واستعدّوا. واعلموا أنّ التّكبير لم يُعْطَه أحدٌ قبلَكم، واعلموا أنَّما أعطيتموه تأييدًا لكم. ثم إذا سمعتم الثانية فكبِّروا، ولتُستَتمّ عُدّتكم، ثم إذا كبَّرتُ الثالثة فكبِّروا، ولينشِّط فرسانُكم الناس؛ ليبرزوا، وليطاردوا، فإذا كبّرت الرابعة فازحفوا جميعًا حتى تخالطوا عدوّكم؛ وقولوا: لا حول ولا قوّة إلا بالله! كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن عمرو بن الرَّيان، عن مُصْعَب بن سعد، مثله (١). (٣: ٥٣٥). ٢٩٥ - كتب إليّ السريُّ، عن شعيب، عن سيف، عن زكريَّاء، عن أبي إسحاق، قال: أرسل سعد يوم القادسيَّة في النَّاس: إذا سمعتم التَّكبير فشدّوا شُسوع نعالكم، فإذا كبَّرتُ الثانية فتهيَّؤوا، فإذا كبّرت الثالثة فشدّوا النواجذ على الأضراس واحملوا (٢). (٣: ٥٣٦). ٢٩٦ - كتب إليّ السريُّ بن يحيى عن شُعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، وزياد بإسنادهم، قالوا: لمَّا صلَّى سعد الظهر أمر الغلام الَّذي كان ألزمه عمر إيّاه - وكان من القرّاء - أن يقرأ سورة الجهاد، وكان المسلمون يتعلَّمونها كلّهم، فقرأ على الكتيبة الذين يلُونه سورةَ الجهاد، فقرئت في كلّ كتيبة، فهشَّت قلوب الناس، وعيونهم، وعرفوا السكينة مع قراءتها (٣). (٣: ٥٣٦). ٢٩٧ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، وزياد بإسنادهم، قالوا: لما فرغ القُرّاء كبَّر سعد، فكبَّر الذين يلُونه تكبيرة، وكبَّر بعض الناس بتكبير بعض، فتحشحش الناس، ثم ثنَّى فاستتَمّ الناس، ثم ثلَّث فبرز أهلُ النَّجدات، فأنشبوا القتال، وخرج من أهل فارس أمثالُهم، فاعتوروا الطَّعن والضّرب، وخرج غالب بن عبد الله الأسديّ وهو يقول:

стр. 2921

قد عَلِمَتْ واردَةُ المسائحِ ... ذاتُ اللَّبانِ والبنانِ الواضحِ أنِّي سِمامُ البَطَلِ المُشايح ... وفارجُ الأمْرِ المُهِمّ الفادِحِ فخرج إليه هُرمُز - وكان من ملوك الباب، وكان متوَّجًا - فأسره غالب أسرًا، فجاء سعدًا، فأدخِل، وانصرف غالب إلى المطاردة، وخرج عاصم بن عمر؛ وهو يقول: قد عَلِمَتْ بَيْضاء صَفْراءُ اللَّبَبْ ... مِثْلُ اللُّجَيْنِ إذْ تَغَشَّاهُ الذَّهَبْ أنِّي امْرُؤُ لا مَنْ تَعيبهُ السُّبَبْ ... مِثْلي على مِثْلِكَ يُغْريِه العَتَبْ فطارد رجلًا من أهل فارس، فهرب منه، واتّبعه، حتى إذا خالط صفَّهم؛ التقى بفارس معه بغلة، فترك الفارس البغلة، واعتصم بأصحابه فحموْه، واستاق عاصم البغل والرَّحْل، حتى أفضى به إلى الصفّ، فإذا هو خبَّاز الملك وإذا الَّذي معه لَطَفُ الملك: الأخبصةُ، والعسل المعقود، فأتى به سعدًا، ورجع إلى موقفه، فلمَّا نظر فيه سعد، قال: انطلقوا به إلى أهل موقفه، وقال: إنَّ الأمير قد نفَّلكم هذا فكلُوه، فنفّلهم إياه. قالوا: وبينا الناس ينتظرون التكبيرة الرابعة؛ إذ قام صاحب رجّالة بني نَهْد قيس بن حذيَم بن جُرثومة، فقال: يا بني نَهْد انهدوا! ، إنما سمِّيتم نَهْدًا؛ لتفعلوا. فبعث إليه خالد بن عُرفُطة: والله لتكُفَّنَ أوْ لأولِّيَنّ عمَلَك غيرَك. فكَفّ. ولما تطاردت الخيل والفُرسان؛ خرج رجُلٌ من القوم ينادي: مَرد ومَرد، فانتدب له عمرو بن معد يكَرب وهو بحياله، فبارزه فاعتنقه، ثم جلَد به الأرض فذبحه، ثم التفتَ إلى النَّاس، فقال: إن الفارسيّ إذا فقد قوسَه فإنما هو تَيْس. ثم تكتَّبت الكتائب من هؤلاء وهؤلاء (١). (٣: ٥٣٦/ ٥٣٧). ٢٩٨ - وقال بعضهم غير إسماعيل: وأخذ سوارَيْه، ومنْطقته، ويلْمَق ديباج عليه. كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم: أنَّ الأعاجم وجَّهت إلى الوجه الَّذي فيه بَجيلةُ ثلاثة عشر فيلًا (٢). (٣: ٥٣٨).

стр. 2922

٢٩٩ - كتب إليَّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، وزياد، قالوا: لمَّا تكتَّبت الكتائب بعد الطِّراد؛ حمل أصحاب الفِيَلة عليهم، ففرّقت بين الكتائب، فابذعرّت الخيل؛ فكادت بَجيلة أن تُؤكل؛ فَرّت عنها خيلُها نِفارًا، وعمَّن كان معهم في مواقفهم، وبقيت الرجَّالة من أهل المواقف، فأرسل سعد إلى بني أسَد: ذبّبوا عن بَجيلة ومن لافَّها من الناس، فخرج طُلَيحة بن خُوَيلِد؛ وحَمَّال بن مالك، وغالب بن عبد الله، والرّبِّيل بن عمرو في كتائبهم، فباشروا الفيَلة حتى عدلها ركبانها؛ وإنَّ على كلّ فيل عشرين رجلًا (١). (٣: ٥٣٨). ٣٠٠ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن قيس، عن موسى بن طريف: أن طُلَيحة قام في قومه حين استصرخهم سعد، فقال: يا عشيرتاه! إنَّ المنوَّه باسمه، الموثوق به، وإنَّ هذا لو علم أن أحدًا أحقّ بإغاثة هؤلاء منكم استغاثهم؛ ابتدئوهم الشَّدّة، وأقدِموا عليهم إقدام اللُّيوث الحَرِبة؛ فإنَّما سمِّيتم أسَدًا؛ لتفعلوا فعله، شدّوا، ولا تصدُّوا، وكرُّوا، ولا تفرُّوا، لله درُّ ربيعة! أي فَريّ يَفْرون! وأيَّ قِرْن يُغنون! هل يوصل إلى مواقفهم! فأغنوا عن مواقفكم أعانكم الله! شدّوا عليهم باسم الله! فقال المَعْرور بن سوَيْد، وشَقيق: فشدّوا والله عليهم! فما زالوا يطعنونهم، ويضربونهم؛ حتى حبسْنا الفيَلة عنهم، فأخِّرتْ، وخرج إلى طُليْحة عظيم منهم فبارزه؛ فما لبَّثه طليحة أن قتله (٢). (٣: ٥٣٨/ ٥٣٩). ٣٠١ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، وزياد، قالوا: وقام الأشعث بن قيس، فقال: يا معشرَ كِنْدة! لله درُّ بني أسد! أيّ فريّ يفْرُون! وأيَّ هَذّ يَهُذُّون عن موقفهم منذ اليوم! أغنى كلّ قوم ما يليهم؛ وأنتم تنتظرون مَن يكفيكم البأس! أشهَدُ ما أحسنتم أسوَة قومكم العرب منذ اليوم! وإنهم ليُقتَلون ويقاتلون، وأنتم جثاةٌ على الرُّكب تنظرون! فوثب إليه عدد منهم عشرة؛ فقالوا: عثَّر الله جَدَّك! إنَّك لتؤيِّسنُا جاهدًا، ونحن أحسنُ الناس موقفًا!

стр. 2923

فمن أين خذلْنا قومنا العرب وأسأنا إسوتهم! فها نحن معك. فنَهد ونَهدوا، فأزالوا الَّذين بإزائهم؛ فلمّا رأى أهلُ فارس ما تلقى الفِيَلة من كتيبة أسد رَمَوْهم بحدّهم وبدر المسلمين الشَّدّة عليهم ذو الحاجب، والجالنوس، والمسلمون ينتظرون التَّكبيرة الرابعة من سعد، فاجتمعت حَلبْة فارس على أسد ومعهم تلك الفيَلة، وقد ثبتوا لهم؛ وقد كئر سعد الرّابعة، فزحف إليهم المسلمون ورحَى الحرب تدور على أسَد، وحملت الفيول على الميمنة والميسرة على الخيول؛ فكانت الخيول تُحْجِم عنها وتَحيد، وتلحّ فرسانهم على الرَّجْل يشمّسون بالخيل؛ فأرسل سعد إلى عاصم بن عمرو، فقال: يا معشَر بني تميم! ألستم أصحابَ الإبل والخيل! أما عندكم لهذه الفيَلة من حيلة! قالوا: بلى والله! ثم نادى في رجال من قومه رماةٍ وآخَرين لهم ثَقافة، فقال لهم: يا معشرَ الرماة! ذبُّوا ركبان الفيَلة عنهم بالنَّبْل، وقال: يا معشرَ أهل الثقافة استدبروا الفِيَلة، فقَطِّعُوا وُضُنها. وخرج يحميهم؛ والرّحى تدور على أسد، وقد جالت الميمنة والميسرة غير بعيد، وأقبل أصحاب عاصم على الفيلة، فأخذوا بأذنابها وذباذب توابيتها، فقَطعوا وضُنَها، وارتفع عُواؤهم؛ فما بقيَ لهم يومئذ فيل إلّا أعرِيَ، وقُتل أصحابها، وتقابل الناس ونُفِّس عن أسد، وردّوا فارسَ عنهم إلى مواقفهم؛ فاقتتلوا حتى غربت الشمس. ثمَّ حتى ذهبت هَدأة من الليل؛ ثم رجع هؤلاء وهؤلاء؛ وأصيب من أسد تلك العشيّة خمسمئة؛ وكانوا ردءًا للنَّاس؛ وكان عاصم عادية النَّاس وحاميتهم؛ وهذا يومها الأوّل وهو يوم أرماث (١). (٣: ٥٣٩/ ٥٤٠). ٣٠٢ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن الغصن، عن القاسم، عن رجل من بني كنانة، قال: جالت المجنَّبات، ودارت على أسد يوم أرماث فقتِل تلك العشيَّة منهم خمسمئة رجل؛ فقال عمرو بن شَأس الأسديّ: جَلَبْنَا الخيْلَ من أكنافِ نِيقٍ ... إلى كِسْرَى فوافَقَها رِعالا تَرَكْنَ لهم على الأقسام شجْوًا ... وبالْحَقْوَيْنِ أيَّامًا طِوالا وداعيةٍ بفارِسَ قد تَرَكْنا ... تبَكَي كُلّما رَأتِ الهِلالا قَتَلنا رسْتُمًا وبَنيِه قَسْرًا ... تثِيرُ الخيلُ فوقَهُم الهَيالا

стр. 2924

تركْنا منهُمُ حَيْثُ التَقيْنا ... فئامًا ما يُريدون ارتحالا وفَرّ البِيرُزانُ ولم يُحامِي ... وكان على كتيبتِه وَبالا ونَجَّى الهُرْمُزَانَ حِذارُ نَفْسٍ ... وركْضُ الخيلِ مُوصِلةً عِجالا (١) (٣: ٥٤٠/ ٥٤١). ٣٠٣ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن مجالد، عن الشعبيّ، قال: كانت امرأة من النَّخَع لها بنون أربعة شهدوا القادسيَّة؛ فقالت لبنيها: إنَّكم أسلمتم، فلم تُبدّلوا، وهاجرتم، فلم تثوبُوا، ولم تَنْبُ بكم البلاد، ولم تُقحِمكم السَّنة، ثم جئتم بأمِّكم عجوز كبيرة، فوضعتموها بين يدي أهل فارس؛ والله إنكم لبنُو رجل واحد، كما أنّكم بنو امرأة واحدة، ما خُنْتُ أباكم، ولا فضحت خَالكم. انطلقوا فاشهدوا أوّل القتال وآخرَه! فأقبلوا يشتدّون، فلمَّا غابوا عنها رفعت يديها إلى السماء، وهي تقول: اللهمّ ادفع عن بنيّ! فرجعوا إليها، وقد أحسنوا القتال؛ ما كُلِم منهم رجل كَلْمًا؛ فرأيتُهم بعد ذلك يأخذون ألفين ألفين من العَطَاء، ثم يأتون أمَّهُم، فيُلقونه في حجْرها، فتردّه عليهم وتقسمه فيهم على ما يُصلحهم، ويُرضيهم (٢). (٣: ٥٤٤). ٣٠٤ - كتب إليّ السريُّ عن شُعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد، قالوا: فأزرَ القعقاعَ يومئذ ثلاثة نفر من بني يربوع رياحيّين، وجعل القعقاع كلَّما طلعت قطعة كبَّر، وكبَّر المسلمون، ويحمل، ويحملون، واليربوعيّون: نعَيْم بن عمرو بن عتَّاب، وعتَّاب بن نُعَيم بن عتَّاب بن الحارث بن عمرو بن همَّام، وعمرو بن شبيب بن زنباع بن الحارث بن ربيعة؛ أحد بني زيد. وقدم ذلك اليوم رسولٌ لعمر بأربعة أسياف، وأربعة أفراس، يقسمها فيمن انتهى إليه البلاء، إن كنت لقيتَ حربًا. فدعا حَمَّالَ بن مالك، والرّبِّيل بن عمرو بن ربيعة الوالبيّيْن وطليحة بن خويلد الفَقْعسيّ - وكلّهم من بني أسد - وعاصم بن عمرو التميميَّ، فأعطاهم الأسياف، ودعا القعقاع بن عمرو، واليربوعيّين، فحملَهم على الأفراس؛ فأصاب ثلاثة من بني يربوع ثلاثَة أرباعها، وأصاب ثلاثة من بني أسد ثلاثة أرباع السيوف، فقال في ذلك الربّيل بن عمرو:

стр. 2925

لقد عَلِم الأقوامُ أنّا أحَقُّهمْ ... إذا حصلوا بالمُرْهَفاتِ البواتِرِ وما فَتِئَتْ خَيْلِي عَشِيَّةَ أرْمَثُوا ... يذُودون رَهْوًا عن جُموع العشائر لَدُنْ غدوةٍ حتى أتى الليلُ دونهمْ ... وقد أفلحَتْ أخْرَى الليالي الغوابر وقال القعقاع في شأن الخيل: لم تعرف الخيل العِرابُ سواءَنا ... عشِيَّةَ أغْواثٍ بجَنْبِ القَوادسِ عشيَّة رُحْنا بالرِّماح كأَنَّها ... على القوم ألوانُ الطُيورِ الرَّسارِسِ (١) (٣: ٥٤٤/ ٥٤٥). ٣٠٥ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن الغصْن، عن العَلاء بن زياد، والقَاسم بن سُلَيم عن أبيه، قالا: خِرج رجل من أهلِ فارس ينادي: مَنْ يبارز؟ فبرز له عِلبْاء بن جحش العِجليّ، فنفحه علباء فأسحره، ونفحه الآخر فأمْعاه، وخرّا؛ فأمّا الفارسيّ فمات من ساعته، وأمّا الآخر فانتثرت أمعاؤه، فلم يستطع القيام، فعالج إدخالها فلم يتأتَّ له حتى مرّ به رجل من المسلمين، فقال: يا هذا! أعنِّي على بطني، فأدخله له، فأخذ بصفاقَيْه، ثم زحف نحو صفّ فارس ما يلتفت إلى المسلمين، فأدركه الموت على رأس ثلاثين ذراعًا من مَصْرَعه، إلى صفّ فارس، وقال: أرْجُو بها من ربّنا ثوابا ... قد كنتُ مِمَّنْ أحْسَنَ الضِّرابا (٢) (٥٤٦: ٣). ٣٠٦ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن الغصن، عن العلاء، والقاسم عن أبيه، قالا: وخرج رجل من أهل فارس، فنادى: مَنْ يبارز؟ فبرز له الأعْرَف بنُ الأعلم العقيليّ، فقتله، ثم برز له آخر، فقتله، وأحاطت به فوارس منهم، فصرعوه، ونَدَرَ سلاحُه عنه، فأخذوه، فغبَّر في وجوههم بالتراب حتى رجع إلى أصحابه؛ وقال في ذلك: وإن يأخذوا بَزّي فإنّي مُجَرَّبٌ ... خَرُوجٌ من الغَمَّاءِ مُحْتَضِرُ النَّصْرِ وإني لَحامٍ من وراءِ عشيرتي ... رَكُوبٌ لآثارِ الهَوى مُحْفِلُ الأمْرِ

стр. 2926

٣٠٦/ أ- كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن الغصن، عن العلاء، والقاسم عن أبيه، قالا: فحمل القعقاع يومئذ ثلاثين حَملة؛ كلَّما طلعت قطعة؛ حَمل حملة، وأصاب فيها، وجعل يرتجز، ويقول: أُزْعِجُهُم عَمْدًا بها إزْعاجا ... أطعنُ طَعْنًا صائبًا ثَجَّاجا أرْجُو به من جنّةٍ أفواجا (١) (٣: ٥٤٦). ٣٠٧ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن مجالد، عن الشعبيّ، قال: قدم هاشم بن عُتْبة من قِبَل الشام، معه قيس بن المكشوح المراديّ في سبعمئة بعد فَتْح اليرموك، ودمشق؛ فتعجَّل في سبعين، فيهم سعيد بن نِمْران الهمْدانيّ. قال مجالد: وكان قيس بن أبي حازم مع القعقاع في مقدّمة هاشم (٢). (٣: ٥٥٣/ ٥٥٢). ٣٠٨ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن جَخْدَب بن جَرْعَب، عن عصْمة الوابليّ - وكان قد شهد القادسيَّة - قال: قدم هاشم في أهلِ العراق من الشام، فتعَجَّل أناس ليس معه أحد من غيرهم إلّا نُفيْر، منهم ابن المكشوح؛ فلمَّا دنا تعجَّل في ثلاثمئة، فوافق النَّاس وهم على مواقفهم، فدخلوا مع النَّاس في صفوفهم (٣). (٣: ٥٥٣). ٣٠٩ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن مجالد، عن الشعبيّ، قال: كان اليوم الثالث يوم عماس، ولم يكن في أيام القادسيَّة مثله، خرج النَّاس منه على السَّواء، كلُّهم على ما أصابه كان صابرًا، وكلَّ ما بلغ منهم المسلمون بلغ الكافرون من المسلمين مثلَه، وكلَّ ما بلغ الكافرون من المسلمين بلغ المسلمون من الكافرين مثلَه (٤). (٣: ٥٥٣). ٣١٠ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن عمرو بن الرَّيَّان، عن

стр. 2927

إسماعيل بن محمد بن سعد، قال: قدم هاشم بن عتبة القادسيَّة يوم عِماس، فكان لا يقاتل إلّا على فرس أنثى، لا يقاتل على ذكَر؛ فلمَّا وقف في الناس رمى بسهم، فأصاب أذُن فرسه، فقال: واسوأتاه من هذه! أين تروْن سهمي كان بالغًا لو لم يُصب أذن الفرس! قالوا: كذا وكذا، فأجال فنزل وترك فرسه، ثم خرج يضربهم حتى بلغ حيث قالوا (١). (٣: ٥٥٣). ٣١١ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف عن محمد، وطلحة، وزياد، قالوا: وكان في الميمنة (٢). (٣: ٥٥٣). ٣١٢ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن عمرو بن الرَّيان، عن إسماعيل بن محمد، قال: كنَّا نرى أنه كان على الميمنة، وما كان عامّةُ جُنَن الناس إلّا البراذع؛ برادع الرحال، قد أعرضوا فيها الجريد، وعصّب من لم يكن له وقاية رؤوسَهم بالأنساع (٣). (٣: ٥٥٣). ٣١٣ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف عن محمد وطلحة وزياد، قالوا: ولمَّا رأى سعد الفيَلة تُفرّق بين الكتائب وعادت لفعلها يوم أرماث، أرسل إلى أولئك المُسْلِمة: ضَخْم، ومُسْلِم، ورافع، وعَشَنَّق؛ وأصحابهم من الفرس الذين أسلموا، فدخلوا عليه، فسألهم عن الفِيَلة: هل لها مَقاتِل؟ فقالوا: نعم، المشافر والعيون لا يُنتفع بها بعدها. فأرسل إلى القعقاع، وعاصم ابنيَ عمرو: اكفياني الأبيض - وكانت كلُّها آلفة له، وكان بإزائهما - وأرسل إلى حَمَّال، والرّبِّيل: اكفياني الفيل الأجرب، وكانت آلفة له كلّها، وكان بإزائهما، فأخذ القعقاع وعاصم رمحين أصمَّين ليّنين، ودبَّا في خيل، ورجل فقالا: اكتنفوه لتحيّروه، وهما مع القوم، ففعل حمَّال، والرّبيل مثل ذلك، فلما خالطوهما اكتنفوهما، فنظر كلّ واحد منهما يَمنة ويَسرة، وهما يريدان أن يتخبَّطا، فحمل القعقاع، وعاصم، والفيل متشاغل بمن حوله، فوضعا رمحَيْهما معًا في عيني الفيل الأبيض، وقبع ونفض رأسه، فطرح سائسه ودلَّى مشفرَه، فنفحه القعقاع، فرمى به ووقع لجنبه، فقتلوا مَن كان عليه، وحمل حمَّال، وقال

стр. 2928

للرّبيل: اختَرْ، إمَّا أن تضرب المشفر وأطعن في عينه، أو تطعن في عينه وأضرب مشفرَه؛ فاختار الضَّرب، فحمل عليه حمَّال وهو متشاغل بملاحظة من اكتنفه؛ لا يخاف سائسه إلّا على بطانه، فانفرد به أولئك، فطعنه في عينه، فأقعى؛ ثم استوى ونفحه الرّبِّيل، فأبان مشفره، وبصر به سائسهُ، فبقر أنفه وجبينه بفأسه (١). (٣: ٥٥٥/ ٥٥٦). ٣١٤ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن مجالد، عن الشعبيّ، قال: قال رجلان من بني أسد؛ يقال لهما: الرّبّيل، وحمَّال: يا معشر المسلمين! أيّ الموت أشدّ؟ قالوا: أن يُشَدّ على هذا الفيل، فنزّقا فرسيْهما حتى إذا قاما على السَّنابك ضرباهما على الفيل الذي بإزائهما، فطعن أحدهما في عين الفيل، فوطئ الفيل من خلفه، وضرب الآخر مشفرَه، فضربه سائس الفيل ضربة شائنة بالطَّبَرْزين في وجهه؛ فأفلت بها هو والرّبِّيل، وحمل القعقاع وأخوه على الفيل الذي بإزائهما، ففقآ عينيه، وقطعا مشفره، فبقي متلدِّدًا بين الصفين؛ كلَّما أتى صفّ المسلمين وخزوه، وإذا أتى صفّ المشركين نخسُوه (٢). (٣: ٥٥٦). ٣١٥ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن عمرو، عن الشعبيّ، قال: كان فى الفيَلة فيلان يعلّمان الفيَلة، فلمَّا كان يوم القادسيَّة حملوهما على القلْب؛ فأمّر بهما سعد القعقاع، وعاصمًا، التميميَّين، وحمَّالًا، والرّبّيل الأسديَّين؛ فذكر مثل الأوَّل إلّا أن فيه: وعاش بعد، وصاح الفيلان صياح الخنزير، ثم ولَّى الأجرب الَّذي عُوّر، فوثب في العتيق، فاتَّبعته الفيلة؛ فخرقَت صفَّ الأعاجم فعبرت العتيق في أثره، فأتت المدائن في توابيتها، وهلك مَنْ فيها (٣). (٣: ٥٥٦). ٣١٦ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف عن محمد، وطلحة، وزياد؛ قالوا: فلمَّا ذهبت الفيَلة، وخلَص المسلمون بأهلِ فارس، ومال الظِّل تزاحفَ المسلمون، وحماهم فرسانهم الَّذين قاتلوا أوّل النهار، فاجتلدوا بها حتى أمسوْا على حَرْد؛ وهم في ذلك على السّواء، لأنّ المسلمين حين فعلوا بالفيول

стр. 2929

ما فعلوا، تكتَّبت كتائب الإبل المجفَّفة، فعرقبوا فيها؛ وكفكفوا عنها. وقال في ذلك القعقاع بن عمرو: حَضَّضَ قومي مَضرَحِيُّ بنُ يَعْمرٍ ... فالله قومي حين هَزُّوا العَواليا وما خام عنها يومَ سارت جموعُنا ... لأهل قُدَيسٍ يمنعون الموالِيا فإِن كنتُ قاتلتُ العدوَّ فَللتُهُ ... فإِنِّي لألقى في الحروب الدَّواهِيا فُيولًا أراها كالبيوت مُغِيرةً ... أسمِّل أعيانًا لها ومآقيا (١) (٣: ٥٥٦/ ٥٥٧) ٣١٧ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد، قالوا: لمَّا أمسى الناس من يومهم ذلك، وطعنوا في الليل؛ اشتدّ القتال وصبر الفريقان، فخرجا على السَّواء إلا الغماغم من هؤلاء وهؤلاء، فسُمِّيت ليلة الهَرير، لم يكن قتال بليل بعدها بالقادسيَّة (٢). ٣١٨ - قال أبو جعفر: كتب إليّ السريُّ، عن شعيب، عن سيف، عن عمرو بن محمد بن قيس، عن عبد الرحمن بن جيش: أنّ سعدًا بعث ليلة الهرير طُليحة وعمرًا إلى مخاضة أسفل من العسكر ليقوما عليها خَشْيَةَ أن يأتِيَه القوم منها؛ وقال لهما: إن وجدتما القوم قد سبقوكما إليها؛ فانزلا بحيالهم، وإن لم تجداهم عَلموا بها؛ فأقيما حتى يأتيَكما أمري - وكان عمر قد عهد إلى سعد ألّا يولّي رؤساء أهل الرّدّة على مئة - فلما انتهيا إلى المخاضة فلم يريا فيها أحدًا، قال طليحة: لو خضنا فأتينا الأعاجم من خلفهم! فقال عمرو: لا، بل نعبر أسفل؛ فقال طُليحة: إنّ الذي أقوله أنفع للناس، فقال عمرو: إنَّك تدعوني إلى ما لا أطيق، فافترقا، فأخذ طليحة نحو العسكر من وراء العتيق وحده، وسفل عمرو بأصحابهما جميعًا، فأغاروا، وثارت بهم الأعاجم، وخَشِيَ سعد منهما الَّذي كان، فبعث قيس بن المكشوح في آثارهما في سبعين رجلًا، وكان من أولئك الرؤساء الذين نهي عنهم أن يولّيهم المئة، وقال: إن لحقتَهم فأنت عليهم. فخرج نحوهم، فلمَّا كان عند المخاضة وجد القوم يكرُدون عمرًا

стр. 2930

وأصحابه، فنهنه الناسُ عنه، وأقبل قيس على عمرو يلومه، فتلاحيَا، فقال أصحابه: إنَّه قد أمِّر عليك؛ فسكت، وقال: يتَأمَّر عليَّ رجل قد قاتلتُه في الجاهليَّة عُمْرَ رجل! فرجع إلى العسكر، وأقبل طليحة حتى إذا كان بحيال السِّكْر، كبّر ثلاث تكبيرات؛ ثم ذهب، فطلبه القوم فلم يدروا أين سلك! وسفل حتى خاض، ثمّ أقبل إلى العسكر، فأتى سعدًا فأخبره؛ فاشتدَّ ذلك على المشركين وفرِح المسلمون وما يدرون ما هو! (١) (٣: ٥٥٧/ ٥٥٨). ٣١٩ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن قُدامة الكاهليّ، عمَّن حدّثه: أن عشرة إخوة من بني كَاهل بن أسَد، يقال لهم بنو حَرْب؛ جعل أحدهم يرتجز ليلتئذ، ويقول: أنا ابن حَرْبٍ ومعي مخراقي ... أضرِبهُمْ بصارِمٍ رَقْراقِ إذْ كَرِه الموت أبو إِسحاقِ ... وجاشتِ النَّفسُ على التَّراقي صبْرًا عِفاقُ إنّه الفراقُ وكان عفَاق أحد العشرة، فأصيب فَخذ صاحب هذا الشعر يومئذ، فأنشأ يقول: صبْرًا عِفاقُ إنّها الأساوِرَهْ ... صَبْرًا ولا تَغْرُرْك رِجْلٌ نادِرَهْ فمات من ضربته يومئذ (٢). (٣: ٥٥٨). ٣٢٠ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن النَّضْر، عن ابن الرُّفَيْل، عن أبيه، عن حُميد بن أبي شجَّار، قال: بعث سعد طليحة في حاجة فتركها، وعبر العتيق؛ فدار إلى عسكر القوم، حتى إذا وقف على رَدْم النهر كبَّر ثلاث تكبيرات، فراع أهلَ فارس، وتعجَّب المسلمون، فكفّ بعضُهم عن بعض للنَّظَر في ذلك، فأرسلت الأعاجم في ذلك، وسأل المسلمون عن ذلك، ثم إنهم عادوا وجدّدوا تعبية، وأخذوا في أمرٍ لم يكونوا عليه في الأيَّام الثلاثة، والمسلمون على تعبيتهم، وجعل طليحة يقول: لا تَعْدَموا امرأً ضعضعكم. وخرج مسعود بن مالك الأسديّ، وعاصم بن عمرو التميميّ، وابن ذي البُردين

стр. 2931

الهلاليّ، وابن ذي السَّهْمَيْن، وقيس بن هُبيرة الأسديّ؛ وأشباههم، فطاردوا القومَ، وانبعثوا للقتال، فإذا القوم لُمَّة لا يشدّون، ولا يريدون غير الزَّحف؛ فقدّموا صفًا له أذنان، وأتبعوا آخر مثله، وآخر وآخر، حتَى تمّت صفوفُهم ثلاثة عشر صفًّا في القلْب والمجنَّبتيْن كذلك؛ فلما أقدم عليهم فرسان العسكر رامَوْهم فلم يعطفهم ذلك عن ركوبهم؛ ثم لحقت بالفرسان الكتائب، فأصيب ليلتئذ خالد بن يَعْمَر التميميّ، ثم العمْريّ؛ فحمل القعقاع على ناحيته الَّتي رمي بها مزدلفًا، فقاموا على ساق، فقال القعقاع: سَقَى اللهُ يا خَوْصاءُ قَبْرَ ابن يَعْمَرٍ ... إِذا ارتحل السُّفّارُ لم يتَرحَّل سقى الله أرضًا حَلّها قبرُ خالدٍ ... ذِهابَ غَوَادٍ مُدْجناتٍ تُجَلْجِلُ فأقسمتُ لا يَنْفَكُّ سيفي يَحُسُّهم ... فإِن زَحَل الأقوامُ لم أتَزحّلِ فزاحفهم والناس على راياتهم بغير إذن سعد؛ فقال سعد: اللهمّ اغفرْها له، وانصرْه قد أذنت له إذ لم يستأذنِيّ، والمسلمون على مواقفهم، إلّا مَن تكتّب أو طاردهم وهم ثلاثة صفوف، فصفّ فيه الرَّجَّالة أصحاب الرماح والسيوف، وصف فيه المُرامِية، وصفّ فيه الخيول، وهم أمام الرَّجّالة، وكذلك الميمنة، وكذلك الميسرة. وقال سعد: إنّ الأمر الذي صنع القعقاع، فإذا كبّرتُ ثلاثًا فازحفوا، فكبّر تكبيرة فتهيَّؤوا، ورأى النَّاس كلّهم مثل الذي رأى، والرحى تدور على القعقاع ومن معه (١). (٣: ٣٠٩). ٣٢١ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن عُبَيْدِ الله بن عبد الأعلى، عن عمرو بن مرّة، قال: وقام قيس بن هبيرة المرَاديّ فيمن يليه، ولم يشهد شيئًا من لياليها إلّا تلك الليلة؛ فقال: إنَّ عدوّكم قد أبى إلّا المزاحفة، والرّأي رأي أميركم، وليس بأن تحمل الخيل ليس معها الرّجَّالة، فإنّ القوم إذا زحفوا وطاردهم عدوُّهم على الخيل لا رجال معهم عقروا بهم؛ ولم يطيقوا أن يُقدِموا عليهم، فتَيسَّروا للحملة. فتيسَّروا وانتظروا التكبيرة وموافقة حمل الناس؛ وإنّ نُشّاب الأعاجم لتجوزُ صفّ المسلمين (٢). (٣: ٥٦٠).

стр. 2932

٣٢٢ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن المستنير بن يزيد، عمَّن حدّثه، قال: وقال دُريد بن كعب النَّخَعيّ، وكان معه لواء النَّخع: إنَّ المسلمين تهيَّؤوا للمزاحفة، فاسبقوا المسلمين الليلة إلى الله والجهاد، فإنه لا يَسبق الليلةَ أحدٌ إلّا كان ثوابه على قدر سَبْقه؛ نافسوهم في الشهادة، وطيبوا بالموت نفسًا؛ فإنّه أنجى من الموت إن كنتم تريدون الحياة، وإلّا فالآخرة ما أردتم (١). (٣: ٥٦٠). ٣٢٣ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن الأجلح، قال: قال الأشْعَث بن قيس: يا معشرَ العرب! إنَّه لا ينبغي أن يكون هؤلاء القوم أجرأ على الموت، ولا أسخى أنفسًا عن الدنيا، تنافَسوا الأزواج والأولاد، ولا تجزَعوا من القتل، فإنه أمانيّ الكرام، ومنايا الشهداء، وترجَّل (٢). (٣: ٥٦٠). ٣٢٤ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن عمرو بن محمد، قال: قال حنظلة بن الربيع وأمراء الأعشار: ترجَّلوا أيُّها الناس، وافعلوا كما نفعل، ولا تجزعوا ممَّا لا بدّ منه، فالصّبر أنجى من الفزَع. وفعل طُليحة، وغالب، وحمَّال، وأهل النَّجدات من جميع القبائل مثلَ ذلك (٣). (٣: ٥٦٠). ٣٢٥ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن عمرو والنّضر بن السريّ، قالا: ونزل ضِرار بن الخطَّاب القُرَشيّ، وتتابع على التسرّع إليهم النَّاس كلّهم فيها بين تكبيرات سعد حين استبطؤوه. فلمَّا كبَّر الثانية، حمل عاصم بن عمرو حتى انضمّ إلى القعقاع، وحملت النَّخَع، وعصى الناس كلّهم سعدًا، فلم ينتظر الثالثة إلّا الرؤساء، فلما كبَّر الثالثة زحفوا فلحقوا بأصحابهم، وخالطوا القوم، فاستقبلوا اللَّيل استقبالًا بعد ما صلَّوا العشاء (٤). (٣: ٥٦١). ٣٢٦ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن الوليد بن عبد الله بن أبي طيبة، عن أبيه، قال: حمل الناس ليلة الهرير عامَّة؛ ولم ينتظروا بالحملة

стр. 2933

سعدًا، وكان أوّل مَن حمل القعقاع، فقال: اللهمّ اغفرها له وانصره. وقال: واتميماه سائرَ الليلة! ثمّ قال: أرى الأمر ما فيه هذا، فإذا كبَّرتُ ثلاثًا فاحملوا. فكبَّر واحدة فلحقتهم أسد، فقيل: قد حملت أسد، فقال: اللهمّ اغفرها لهم وانصرهم؛ واأسَداهْ سائرَ الليلة! ثم قيل: حملت النَّخَع، فقال: اللهمّ اغفرها لهم وانصرهم؛ وانَخعاه سائر الليلة! ثم قيل: حملت بجيلة، فقال: اللهمّ اغفرها لهم، وانصرهم؛ وابجيلتاه! ثم حملت الكنود، فقيل: حملت كندة، فقال: واكندتاه! ثم زحف الرؤساء بمن انتظر التكبيرة، فقامت حربهم على ساق حتى الصباح، فذلك ليلة الهرير (١). (٣: ٥٦١). ٣٢٧ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن نويرة، عن عمِّه أنس بن الحُليْسِ، قال: شهدتُ ليلة الهرير، فكان صليل الحديد فيها كصوت القيون ليلتَهم حتى الصبّاح، أفرغ عليهم الصبر إفراغًا، وبات سعد بليلة لم يَبِت بمثلها، ورأى العرب والعجم أمرًا لم يروْا مثلَه قطّ، وانقطعت الأصوات والأخبار عن رستْم وسعد، وأقبل سعد على الدّعاء، حتى إذا كان وجهُ الصُّبْح، انتهى الناس فاستدلّ بذلك على أنّهم الأعلوْن، وأنّ الغلَبة لهم (٢). (٣: ٥٦١/ ٥٦٢). ٣٢٨ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن عمرو بن محمد، عن الأعْورَ بن بنان المنقِري، قال: أوّل شيء سمعه سعد ليلتئذ مما يستدلّ به على الفتح في نصف الليل الباقي صوتُ القعقاع بنِ عمرو وهو يقول: نحن قتلْنا مَعْشَرًا وزئدا ... أربعةً وخمسةً وواحِدا نُحْسَبُ فوق اللِّبَد الأساودا ... حتَّى إذا ماتوا دعوتُ جاهِدا اللهُ ربّي، واحترزتُ عامِدا (٣) (٣: ٥٦٢). ٣٢٩ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن عمرو، عن الأعور ومحمد عن عمِّه، والنضر عن ابن الرُّفَيْل، قالوا: اجتلدوا تلك الليلة من أوَّلها

стр. 2934

حتى الصّباح لا ينطقون، كلامُهم الهرير، فسُمِّيت ليلة الهرير (١). (٣: ٥٦٢). ٣٣٠ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن عمرو بن الرَّيَّان، عن مُصْعَب بن سعد، قال: بعث سعد في تلك الليلة بجادًا وهو غلام إلى الصفّ؛ إذْ لم يجد رسولًا، فقال: انظرُ ما ترى من حالهم؛ فرجع فقال: ما رأيت أيْ بُنيَّ؟ ! قال: رأيتُهم يلعبون، فقال: أو يَجِدّون! (٢) (: ٥٦٢). ٣٣١ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن جرير العَبْديّ، عن عابس الجُعفيّ، عن أبيه، قال: كانت بإزاء جُعفيّ يوم عماس كتيبةٌ من كتائب العجم، عليهم السلاح التامّ، فازدلفُوا لهم، فجالدوهم بالسيوف، فرأوْا أنَّ السيوف لا تعمل في الحديد فارتدعوا، فقال حُمَيْضة: ما لكم؟ قالوا: لا يجوز فيهم السلاح، قال: كما أنتم حتى أرِيَكم، انظروا. فحمل على رجل منهم، فدقّ ظهره بالرمح، ثم التفت إلى أصحابه، فقال: ما أراهم إلّا يموتون دونّكم. فحملوا عليهم فأزالوهم إلى صفّهم (٣). (٣: ٥٦٢/ ٥٦٣). ٣٣٢ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن مجالد، عن الشعبيّ، قال: لا والله ما شهدها من كنْدة خاصّة إلّا سبعمئة؛ وكان بإزائهم تُرْك الطَّبَرِيّ، فقال الأشعث: يا قوم! ازحفوا لهم، فزحف لهم في سبعمئة، فأزالهم وقتل تُرْكًا، فقال راجزهم: نحن تركنا تُركَهم في المَصْطرَهْ ... مُختضِبًا من بَهَران الأبْهَرَه (٤) (٣: ٥٦٣). ٣٣٣ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن ابن مخراق، عن أبي كعب الطائيّ، عن أبيه، قال: أصيب من الناس قبل ليلة الهرير ألفان وخمسمئة، وقتل ليلة الهرير ويوم القادسيّة ستة آلاف من المسلمين، فدُفنوا في الخندق بحيال مُشرِّق (٥). (٣: ٥٦٤).

стр. 2935

٣٣٤ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن النَّضْر، عن ابن الرُّفَيْل، عن أبيه، قال: دعاني سعد، فأرسلني أنظر له في القتلى، وأسمّي له رؤوسهم، فأتيته فأعلمته، ولم أرَ رستم في مكانه، فأرسل إلى رجل من التَّيْم يُدعى هلالًا، فقال: ألم تُبلغني أنَّك قتلت رستم! قال: بلى، قال: فما صنعت به؟ قال: ألقيته تحت قوائم الأبغُل، قال: فكيف قتلته؟ فأخبره، حتَّى قال: ضربت جبينه وأنفَه. قال: فجئنا به، فأعطاه سلبَه، وكان قد تخفَّف حين وقع إلى الماء، فباع الَّذي عليه بسبعين ألفًا، وكانت قيمة قَلنْسُوته مئة ألف لو ظفر بها. وجاء نفر من العباد حتى دخلوا على سعد، فقالوا: أيّها الأمير؛ رأينا جسد رستم على باب قصرك وعليه رأس غيره؛ وكان الضَّرب قد شوَّهه؛ فضحك (١). (٣: ٥٦٦). ٣٣٥ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد، قالوا: وقال الدَّيْلَم ورؤساء أهل المسالح الذين استجابوا للمسلمين، وقاتلوا معهم على غير الإسلام: إخوانُنا الَّذين دَخلوا في الأمر من أوَّل الشأن أصوَبُ منَّا وخير، ولا والله لا يُفْلح أهلُ فارس بعد رستم إلا مَن دخل في هذا الأمر منهم؛ فأسلَموا؛ وخرج صبيان العسكر في القتلى، ومعهم الأداوَى يسقُون مَن به رَمَقٌ من المسلمين، ويقتلون مَن به رمَق من المشركين، وانحدروا من العُذَيْب مع العشاء. قال: وخرج زهرة في طلب الجالنوس، وخرج القعقاع وأخوه وشرحبيل في طلب مَن ارتفع وسفل، فقتلوهم في كلّ قرية، وأجَمة، وشاطئ نهر، ورجعوا فوافوا صلاة الظهر، وهنَّأ الناس أميرَهم، وأثنى على كلّ حيّ خيرًا، وذكرَه منهم (٢). (٣: ٥٦٦/ ٥٦٧). ٣٣٦ - وعن سيف، عن البرمكان، والمجالد عن الشعبيّ، قال: لحق به زهرة، فرفع له الكرَة فما يخطئها بنُشَّابة، فالتقيا فضربه زهرة فجدّ له -ولزهرة يومئذ ذُؤابة وقد سُوّد في الجاهليّة، وحسن بلاؤه في الإسلام وله سابقة، وهو يومئذ شابٌ- فتدرّع زهرة ما كان على الجالنوس، فبلغ بضعةً وسبعين ألفًا. فلما رجع إلى سعد نزع سَلَبه، وقال: ألا انتظرتَ إذْني! وتكاتبا، فكتب عمر إلى

стр. 2936

سعد! تَعمِد إلى مثل زهرة -وقد صليَ بمثل ما صَليَ به، وقد بقيَ عليك من حربك ما بقيَ- تكسر قَرْنَه، وتُفسد قلبه! امْض له سَلَبَه، وفضّلْه على أصحابه عند العطاء بخمسمئة (١). (٣: ٥٦٧/ ٥٦٨). ٣٣٧ - وعن سيف عن عبيد، عن عصمة، قال: كتب عمر إلى سعد: أنا أعلم بزُهرة منك، وإنَ زهرة لم يكن ليغتب من سلبٍ سلبَه شيئًا؛ فإن كان الَّذي سعى به إليك كاذبًا فلقَّاه الله مثل زهرة -في عضدَيْه يا رَقان- وإنّي قد نفَّلت كلّ مَنْ قتل رجلًا سلَبه؛ فدفعه إليه فباعه بسبعين ألفًا (٢). (٣: ٥٦٨). ٣٣٨ - وعن سيف عن عبيدة، عن إبراهيم وعامر: أنَ أهل البلاء يوم القادسيَّة فُضّلوا عند العطاء بخمسمئة خمسمئة في أعطياتهم، خمسة وعشرين رجلًا؛ منهم زهرة، وعصْمة الضَّبّيّ، والكلَج. وأمّا أهل الأيَّام، فإنه فرِض لهم على ثلاثة آلاف فُضّلوا على أهل القادسيَّة (٣). (٣: ٥٦٨). ٣٣٩ - وعن سيف عن عبيدة، عن يزيد الضَّخم، قال: فقيل لعمر: لو ألحقتَ بهم أهل القادسيَّة! فقال: لم أكن لألحقَ بهم من لم يدركهم، وقيل له في أهل القادسيّةِ: لو فضلت مَن بعُدَتْ داره على مَنْ قاتلهم بفنائه! قال: وكيف أفضّلهم عليهم على بعد دارهم، وهم شَجن العدوّ، وما سوَّيت بينهم حتى استطبتهم؛ فهلّا فعل المهاجرون بالأنصار إذ قاتلوا بفنائهم مثل هذا! (٤) (٣: ٥٦٨). ٣٤٠ - وعن سيف عن المجالد، عن الشعبى، وسعيد بن المرزبان عن رجل من بني عبْس، قال: لمَّا زال رستم عن مكانه ركب بغلًا، فلمّا دنا منه هلال؛ نزع له نشَّابة، فأصاب قدمه فشكَّها في الرِّكاب، وقال: "ببايَه"، فأقبل عليه هلال. فنزل، فدخل تحت البغل، فلمَّا لم يصل إليه قطع عليه المال، ثم نزل إليه ففلق هامتَه (٥). (٣: ٥٦٨).

стр. 2937

٣٤١ - وعن سيف، عن عبيدة، عن شقيق، قال: حملنا على الأعاجم يوم القادسيَّة حَمْلة رجل واحد، فهزمهم الله، فلقد رأيتُني أشرتُ إلى أسوارٍ منهم فجاء إليّ وعليه السلاح التامّ، فضربت عنقه، ثم أخذت ما كان عليه (١). (٣: ٥٦٨). ٣٤٢ - وعن سيف عن سعيد بن المرزبان، عن رجل من بني عَبْس، قال: أصاب أهلَ فارس يومئذ بعد ما انهزموا ما أصاب النَّاس قبلهم؛ قتِلوا حتَّى إن كان الرجل من المسلمين ليدعو الرجُلَ منهم فيأتيه حتى يقوم بين يديه، فيضرب عنقه، وحتى إنّه ليأخذ سلاحَه فيقتله به، وحتى إنّه ليأمر الرّجليْن أحدَهما بصاحبه؛ وكذلك في العِدّة (٢). (٣: ٥٦٩). ٣٤٣ - وعن سيف عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه، عمَّن شهدها، قال: أبصر سَلْمان بن ربيعة الباهليّ أناسًا من الأعاجم تحت راية لهم قد حفروا لها، وجلسوا تحتها، وقالوا: لا نبرح حتى نموت، فحمل عليهم فقتل مَن كان تحتها وسلبهم. وكان سلمان فارس الناس يوم القادسيَّة، وكان أحد الَّذين مالوا بعد الهزيمة على مَنْ ثبت، والآخر عبد الرحمن بن ربيعة ذو النور، ومال على آخرين قد تكتَّبوا، ونصبوا للمسلمين فطحنهم بخيله (٣). (٣: ٥٦٩). ٣٤٤ - وعن سيف، عن الغصن، عن القاسم، عن البَهيّ: أن الشعبيّ قال: كان يقال: لسَلْمَان أبصَرُ بالمفاصل من الجازر بمفاصل الجزور. فكان موضع المَحبَس اليوم دارَ عبد الرحمن بن ربيعة، والتي بينها وبين دار المختار دار سَلْمان؛ وإنّ الأشعث بن قيس استقطع فناء كان قدّامها، هو اليوم في دار المختار، فأقْطعه فقال له: ما جرّأك على يا أشعث؟ والله لئن حُزْتَها لأضربنَّك بالجُنِثيّ -يعني: سيفه- فانظر ما يبقى منك بعدُ، فصدف عنها، ولم يتعرّض لها (٤). (٣: ٥٦٩). ٣٤٥ - وعن سيف، عن المهلَّب ومحمد وطلحة وأصحابه، قالوا: وثبت

стр. 2938

بعد الهزيمة بضع وثلاثون كتيبة، استقتلوا واستحيَوْا من الفرار، فأبادهم الله، فصمَد لهم بضعة وثلاثون من رؤساء المسلمين، ولم يُتبعوا فالَّة القوم، فصمد سلمان بن ربيعة لكتيبة وعبد الرحمن بن ربيعة ذو النور لأخرى؛ وصمد لكلّ كتيبة منها رأس من رؤساء المسلمين. وكان قتال أهل هذه الكتائب، من أهل فارس على وجهيْن؛ فمنهم من كَذَب فهرب، ومنهم مَنْ ثبت حتى قتل؛ فكان ممَّن هرب من أمراء تلك الكتائب الهرْمُزان وكان بإزاء عُطارِد، وأهود، وكان بإزاء حنْظَلة بن الربيع، وهو كاتب النبيّ ﷺ ، وزاذُ بن بُهَيْش، وكان بإزاء عاصم بن عمرو، وقارن، وكان بإزاء القعْقاع بن عمرو؛ وكان ممَّن استقتل شهرْيار بن كنار، وكان بإزاء سلمان. وابن الهرْبِذ، وكان بإزاء عبد الرحمن، والفرُّخان الأهْوازي، وكان بإزاء بُسر بن أبي رُهْم الجهني، وخُسْرَوْشنُوم الهمَذانيّ، وكان بحيال ابن الهذيْل الكاهليّ. ثم إن سعدًا أتْبَع بعد ذلك القعقاع، وشُرحبيل من صوّب في هزيمته، أو صعّد عن العسكر، وَأتبع زهرةَ بن الحَويّة الجالنوس. ذكر حديث ابن سحاق: قال أبو جعفر الطبريّ ﵀: رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق. قال: ومات المثنَّى بن حارثة، وتزوّج سعد بن أبي وقَّاص امرأته سلْمى ابنة خَصَفة وذلك في سنة أربع عشرة. وأقام تلك الحجَّة للنَّاس عمر بن الخطاب. ودخل أبو عبيدة بن الجراح تلك السنة دمشق، فشتا بها، فلمّا أصافت الرّوم سار هرَقْل في الرّوم حتى نزل أنْطاكِيَةَ ومعه من المستعرِبة لَخمٌ، وجذام، وبَلْقيْن، وبَلِيّ، وعامِلة، وتلك القبائل من قُضاعة، وغَسّان بشر كثير؛ ومعه من أهك أرْمينِية مثل ذلك، فلمَّا نزلها أقامَ بها، وبعث الصَّقَلار؛ خَصِيًّا له، فسار بمئة ألف مُقاتل، معه من أهل أرمينيَة اثنا عشر ألفًا، عليهم جَرَجة، ومعه من المستعربة من غسَّان وتلك القبائل من قضاعة اثنا عشر ألفًا عليهم جَبَلَة بن الأيهم الغسَّانيُّ، وسائرهم من الرّوم، وعلى جماعة الناس الصَّقَلار خصيّ هرقل؛ وسار إليهم المسلمون وهم أربعة وعشرون ألفًا عليهم أبو عبيدة بن الجراح، فالتقوْا باليَرْموك في رجب سنة خمس عشرة؛ فاقتتل الناس قتالًا شديدًا حتى دُخِل عسكر المسلمين، وقاتل نساء من نساء قريش بالسيوف حين دخِل العسكر -منهنّ أم حكيم بنت الحارث بن

стр. 2939

هشام- حتى سابَقن الرجال، وقد كان انضمّ إلى المسلمين حين ساروا إلى الرّوم ناس من لَخْم، وجُذام؛ فلمَّا رأوا جِدّ القتال فرّوا ونجوا إلى ما كان قُرْبهم من القُرى، وخذلوا المسلمين (١). (٣: ٥٦٩/ ٥٧٠/ ٥٧١). ٣٤٥ - حدّثنا ابن حُمْيد، قال: حدّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عروة بن الزُّبير، عن أبيه، قال: قال قائل من المسلمين حين رأى من لخم، وجذام ما رأى: القومُ لَخمٌ وجُذامٌ في الهرَبْ ... ونحنُ والرومُ بمرْجٍ نَضطرِبْ فإن يعودوا بَعْدَها لا نَصْطَحِبْ (٢) ٣٤٦ - حدّثنا ابنُ حميد، قال: حدّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، عن وهب بن كيسان، عن عبد الله بن الزُّبير، قال: كنت مع أبي الزبير عامَ اليرموك؛ فلمَّا تعبَّى المسلمون للقتال؛ لبس الزُّبير لأمتَه، ثم جلس على فرسه، ثم قال لموليَين له: احبسا عبدَ الله بن الزُّبير معكما في الرَّحْل؛ فإنه غلام صغير. قال: ثم توجَّه فدخل في الناس؛ فلمّا اقتتل النَّاس والرّوم؛ نظرت إلى ناس وقوف على تلّ لا يقاتلون مع الناس. قال: فأخذت فرسًا للزبير كان خلَّفه في الرّحل فركبته، ثم ذهبت إلى أولئك الناس فوقفت معهم؛ فقلت: انظر ما يصنع الناس؛ فإذا أبو سفيان بن حرب في مَشْيَخة من قريش من مُهاجِرة الفتح وقوفًا لا يقاتلون؛ فلمَّا رأوْني رأوْا غلامًا حَدَثًا، فلم يتَّقوني. قال: فجعلوا والله إذا مال المسلمون وركبَتْهم الحرب للروم يقولون: إيه إيه بَلأصْفَر! فإذا مالت الرّوم وركبهم المسلمون، قالوا: يا ويح بَلأصفَر! فجعلتُ أعجب من قولهم، فلمَّا هزم الله الرّوم ورجع الزُّبير، جعلت أحدّثه خبرهم. قال: فجعل يضحك ويقول: قاتلهم الله، أبوْا إلّا ضِغنًا! وماذا لهم إن يَظْهَرْ علينا الرّوم! لنحن خير لهم منهم. ثم إنّ الله ﵎ أنزل نصره، فهزِمت الرّوم وجموع هرقل التي جمع، فأصيبِ من الرُّوم -أهل إرمينيَة، والمستعربة- سبعون ألفًا، وقتل الله الصّقلار، وباهان؛ وقد كان هرقل قدّمه مع الصّقَلار حين لحق به، فلمّا هزمت الروم بعث

стр. 2940

أبو عبيدة عياض بن غَنْم في طلبهم، فسلك الأعماق حتى بلغ مَلَطْيَة، فصالحه أهلها على الجزية، ثم انصرف، ولما سمع هرقل بذلك بعث إلى مقاتلتها ومَن فيها، فساقهم إليه، وأمر بمَلَطية فحُرِقت. وقُتل من المسلمين يوم اليرموك من قريش من بني أميَّة بن عبد شمس عمروُ بن سعيد بن العاص وأبان بن سعيد بن العاص؛ ومن بني مخزوم عبد الله بن سفيان بن عبد الأسد، ومن بني سهم سعيد بن الحارث بن قيس. قال: وفي آخر سنة خمس عشرة، قتل الله رستم بالعراق؛ وشهد أهل اليرموك حين فرغوا منه يوم القادسيَّة مع سعد بن أبي وقَّاص، وذلك: أنّ سعدًا حين حسر عنه الشتاء، سار من شَراف يريد القادسيَّة، فسمع به رستم، فخرج إليه بنفسه؛ فلمّا سمع بذلك سعد وقف، وكتب إلى عمر يستمدُّه؛ فبعث إليه عمر المغيرة بن شعبة الثقفيّ في أربعمئة رجل مددًا من المدينة، وأمدَّه بقيس بن مكشوح المراديّ في سبعمئة، فقدموا عليه من اليرموك. وكتب إلى أبي عبيدة: أن أمدّ سعد بن أبي وقَّاص أميرَ العراق بألف رجل من عندك؛ ففعل أبو عبيدة، وأمَّر عليهم عياض بن غَنْم الفِهْريّ؛ وأقام تلك الحِجَّة للناس عمر بن الخطاب سنة خمس عشرة. وقد كان لكسرى مُرابطة في قصر بني مقاتل، عليها النُّعْمان بن قَبيصة؛ وهو ابن حيّة الطائيّ ابن عمّ قَبيصة بن إياس بن حيَّة الطائيّ صاحب الحيرة؛ فكان في منظَرة له، فلمّا سمع بسعد بن أبي وقاص سأل عنه عبدَ الله بن سنان بن جرير الأسديّ؛ ثم الصَّيْداوِيّ، فقيل له: رجل من قريش، فقال: أمَّا إذ كان قُرَشِيًّا؛ فليس بشيء؛ والله لأجاهدنَّه القتال؛ إنما قريش عبيد مَن غَلب؛ والله ما يمنعون خفيرًا، ولا يخرجون من بلادهم إلا بخفير؛ فغضب حين قال ذلك عبدُ الله بِن سنان الأسديّ، فأمهله حتى إذا دخل عليه وهو نائم، فوضع الرمح بين كتِفيْه فقتله، ثم لحق بسعد، فأسلم. وقال في قتله النُّعمان بن قَبِيصة: لقد غادَرَ الأقوامُ ليلَةَ أَدْلَجوا ... بقصر العِبادِي ذَا الفَعالِ مُجَدّلا دَلفْتُ له تحت العَجاج بِطَعْنةٍ ... فأصبح منها في النّجيعِ مُرَمَّلا أقولُ له والرمح في نُغْضِ كِتْفِهِ ... أبا عامِرٍ عنك اليمينُ تحَلَّلا سَقَيْتُ بها النّعْمانَ كأسًا رَوِيَّةً ... وعاطيتُه بالرُّمح سمًّا مُثَمَّلا

стр. 2941

تركتُ سباعَ الجَوِّ يعْرِفن حوله ... وقد كان عنها لابن حيَّةَ مَعْزِلا كفيتُ قريشًا إذ تَغيَّبَ جَمْعُها ... وهَدَّمتُ للنُّعمان عِزًا مُؤثَّلا ولمّا لحق سعد بن أبي وقّاص المغيرة بن شعبة، وقيس بن مكشوح فيمن معهما؛ سار إلى رستم حين سمع به حتى نزل قِادِسَ -قرية إلى جانب العُذيب- فنزل الناس بها، ونزل سعد في قصر العُذيب، وأقبل رستم في جموع فارس ستين ألفًا ممّا أحْصيَ لنا في ديوانه، سوى التّباع والرقيق، حتى نزل القادسيَّة وبينه وبين الناس جسرُ القادسيَّة، وسعد في منزله وَجِعٌ، قد خرج به قَرْح شديد، ومعه أبو مِحْجَن بن حبيب الثقفيّ محبوس في القصر، حبسه في شرب الخمر، فلمَّا أن نزل بهم رستم بعث إليهم أن ابعثوا إليَّ رجلًا منكم جليدًا أكلّمْه، فبعثوا إليه المغيرة بن شعبة، فجاءه وقد فرق رأسه أربع فِرَق: فرقة من بين يديه إلى قفاه، وفرقة إلى أذنيْه، ثم عقصَ شعره، ولبس بُردًا له، ثم أقبل حتى انتهى إلى رستم، ورستم من وراء الجسر العتيق ممَّا يلي العراق، والمسلمون من ناحيته الأخرى ممَّا يلي الحجاز فيما بين القادسيَّة والعُذَيب، فكلَّمه رستم، فقال: إنكم معشر العرب كنتم أهل شَقاء وجهد، وكنتم تأتوننا من بين تاجر، وأجير، ووافد، فأكلتم من طعامنا، وشربتم من شرابنا، واستظللتم من ظلالنا؛ فذهبتم، فدعوتم أصحابَكم، ثم أتيتمونا بهم، وإنما مَثَلُكم مَثَل رجل كان له حائط من عِنَب، فرأى فيه ثعلبًا واحدًا، فقال: ما ثعلب واحد! فانطلق الثعلب، فدعا الثعالب إلى الحائط؛ فلمّا اجتمعن فيه جاء الرجل فسدّ الجُحْر الذي دخلْن منه، ثم قتلهنّ جميعًا. وقد أعلم: أن الذي حملكم على هذا معشر العرب الجَهدُ الذي قد أصابكم؛ فارجعوا عنَّا عامكم هذا، فإنَّكم قد شغلتمونا عن عِمارة بلادنا، وعن عدوّنا، ونحن نُوقِر لكم ركائبكم قمحًا، وتمرًا، ونأمر لكم بكُسوة، فارجعوا عنّا عافاكم الله! فقال المغيرة بن شعبة: لا تذكُر لنا جهدًا إلّا وقد كنا في مثله أو أشدّ منه؛ أفضلُنا في أنفسنا عيشًا الذي يقتل ابنَ عمّه، ويأخذ ماله فيأكله، نأكل الميتة، والدم، والعظام، فلم نزل كذلك؛ حتَّى بعث الله فينا نبيًّا، وأنزل عليه الكتاب، فدعانا إلى الله وإلى ما بعثه به، فصدّقه منّا مصدّق، وكذبه منّا آخر، فقاتل مَن صدّقه مَن كذبه، حتى دخلنا في دينه؛ من بين مُوقِن به، وبين مقهور؛ حتَّى

стр. 2942

استبان لنا: أنه صادق، وأنه رسول من عند الله. فأمرنا أن نقاتل مَن خالفنا، وأخبرنَا: أن من قُتل منّا على دينه فله الجنَّة، ومَنْ عاش ملك وظهر على من خالفه؛ فنحن ندعوك إلى أن تؤمن بالله ورسوله، وتدخل في ديننا، فإن فعلت كانت لك بلادك، لا يدخل عليك فيها إلّا من أحببتَ، وعليك الزكاة والخُمس، وإن أبيتَ ذلك فالجزية؛ وإن أبيتَ ذلك قاتلناك حتى يحكم الله بيننا وبينك. قال له رستم: ما كنت أظن أني أعيش حتى أسمع منكم هذا معشر العرب! لا أمسي غدًا حتى أفرُغ منكم، وأقتلكم كلّكم. ثمّ أمر بالعَتيق أن يُسكَر، فبات ليلته يسكر بالبرادع، والتراب، والقَصَب؛ حتى أصبح، وقد تركه طريقًا مَهْيَعًا، وتعبَّى له المسلمون، فجعل سعد على جماعة الناس خالد بن عُرْفُطة حليف بني أميَّة بن عبد شمس، وجعل على ميمنة الناس جرير بن عبد الله البَجَليّ، وجعل على ميسرتهم قيس بن المكشوح المُراديّ. ثم زحف إليهم رستم، وزحف إليه المسلمون، وما عامَّة جُننِهِم (١). (٣: ٥٧١/ ٥٧٣/٥٧٢/ ٥٧٤/ ٥٧٥). ٣٤٧ - وحدّثنا ابنُ حميد، قال: حدّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسْوَد النّخَعيّ، عن أبيه، قال: شهدت القادسيَّة؛ فلقد رأيت غلامًا منَّا من النَّخَع يسوق ستين أو ثمانين رجلًا من أبناء الأحرار. فقلت: لقد أذلّ الله أبناءَ الأحرار! (٢) (٣: ٥٧٦). ٣٤٨ - حدّثنا ابنُ حُميد، قال: حدّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، عن إسماعيل بن أبي خالد، مولى بَجِيلة، عن قيس بن أبي حازم البَجَليّ -وكان ممَّن شهد القادسيَّة مع المسلمين- قال: كان معنا يوم القادسيَّة رجل من ثَقيف، فلحق بالفُرْس مرتدًّا، فأخبرهم: أنَّ بأس الناس في الجانب الذي به بَجِيلة. قال: وكُنَّا رُبع النَاس؛ فوجَّهوا إلينا ستة عشر فيلًا، وإلى سائر الناس فيلَيْن، وجعلوا يُلقون تحت أرجُل خيولنا حَسك الحديد، ويرشقوننا بالنُّشَّاب، فكأنَّه المطر

стр. 2943

علينا، وقرنوا خيلهم بعضها إلى بعض لئلا يفرُّوا. قال: وكان عمرو بن معد يكرب يمرّ بنا فيقول: يا معشَر المهاجرين، كونوا أسودًا، فإنّما الأسد من أغنَى شأنه؛ فإنّما الفارسيّ تيس إذا ألقى نيْزكه. قال: وكان أسوار منهم لا يكاد تسقط له نُشَّابة، فقلنا له: يا أبا ثوْر! اتَّقِ ذلك الفارسيّ فإنه لا تقع له نُشَّابة؛ فتوجَّه إليه ورماه الفارسيّ بنشَّابة فأصاب قوسه، وحمل عليه عمرو فاعتنقه فذبحه، واستلبه سوارَيْن من ذهب ومنطقة من ذهب ويَلْمقًا من ديباج، وقتل الله رستم، وأفاء على المسلمين عسكرَه وما فيه، وإنما المسلمون ستة آلاف، أو سبعة آلاف، وكان الذي قتل رستم هلال بن علَّفة التَّيْميّ رآه فتوجَّه إليه، فرماه رستم بنشَّابة، فأصاب قدمه وهو يُتبعه، فشكَّها إلى ركاب سَرْجه، ورستم يقول بالفارسية: "ببايه"، أي "كما أنت"؛ وحمل عليه هلال بن عُلَّفة فضربه فقتله، ثم احتزَّ رأسه فعلَّقه، وولَّت الفُرْس فأتبعهم المسلمون يقتلونهم؛ فلما بلغت الفرس الخرَّارة، نزلوا فشربوا من الخمر، وطعِموا من الطعام، ثم خرجوا يتعجَّبون من رَميهم، وأنّه لم يعمل في العرب. وخرج جالنوس فرفعوا له كُرَةً فهو يرميها ويشكّها بالنّشاب، ولحق بهم فرسان من المسلمين وهم هنالك، فشدّ على جالنوس زُهرة بن حَوِيَّة التميميّ، فقتله، وانهزمت الفرس، فلحقوا بدير قُرّةَ وما وراءه، ونهض سعد بالمسلمين حتى نزل بدير قُرّة على من هنالك من الفرس؛ وقد قدم عليهم وهم بدير قرّة عياض بن غَنْم في مدده من أهل الشام، وهم ألف رجل، فأسْهَمَ له سعد ولأصحابه مع المسلمين فيما أصابوا بالقادسيَّة، وسعد وَجِعٌ من قَرْحته تلك، وقال جرير بن عبد الله: أنا جريرٌ كُنْيتِي أبو عَمِرْو ... قد نَصَرَ اللهُ وسَعْدٌ في القَصِرْ وقال رجل من المسلمين أيضًا: نُقاتِلُ حتى أنْزَلَ اللهُ نَصْرَهُ ... وسَعْدٌ بباب القادسيّة مُعْصمُ فأُبْنا وقد آمَت نِسَاءٌ كثيرةٌ ... ونِسْوَةُ سَعْدٍ ليسَ فيهِنَّ أَيِّمُ قال: ولما بلغ ذلك من قولهما سعدًا، خرج إلى الناس فاعتذر إليهم، وأراهم ما به من القَرْح في فَخِذَيْه وأليَتَيْه، فعذره الناس، ولم يكن سعد لَعَمْري يُجبَّن، فقال سعد يجيب جريرًا فيما قال:

стр. 2944

وما أَرْجُو بَجيلةَ غَيْرَ أَنِّي ... أؤمِّلُ أَجْرَهمِ يوم الحِسَابِ فقد لَقِيَتْ خُيُولُهُمُ خيولًا ... وقَد وَقَعَ الفَوارِسُ في ضرابِ وقد دلَفَتْ بعَرْصتهم فيولٌ ... كأنّ زُهاءَها إبلٌ جِرابُ ثم إنّ الفرس هربت من دير قُرّة إلى المدائن يريدون نهاوَنْد، واحتملوا معهم الذّهب، والفضة، والديباج، والفِرِنْد، والحرير، والسلاح، وثياب كسرى، وبناته، وخلّوا ما سوى ذلك، وأتبعهم سعد الطلبَ من المسلمين، فبعث خالد بن عُرْفُطة حليف بني أمية، ووجّه معه عياض بن غَنْم في أصحابه، وجعل على مقدّمة النَّاس هاشم بن عُتْبة بن أبي وقَّاص، وعلى ميمنتهم جرير بن عبد الله البَجَلي، وعلى ميسرتهم زُهرة بن حَوِيَّة التميميّ؛ وتخلَّف سعد لما به من الوَجَع؛ فلمَّا أفاق سعد من وجعه ذلك اتَّبع الناسَ بمن بِقيَ معه من المسلمين؛ حتى أدركهم دون دجلة على بَهُرَسِير، فلمَّا وضعوا على دجلة العسكر والأثقال طلبوا المخاضة، فلم يهتدوا لها؛ حتى أتى سعدًا عِلْج من أهل المدائن، فقال: أدُلُّكم على طريق تُدركونهم قبل أن يُمْعِنوا في السير! فخرج بهم على مخاضة بقَطْرَ بُّلَ، فكان أول مَن خاض المخاضة هاشم بن عُتبة في رَجْله، فلمَّا جاز اتَّبعته خيله، ثم أجاز خالد بن عُرْفُطة بخيله، ثم أجاز عياض بن غَنْم بخيله، ثم تتابع الناس فخاضوا حتى أجازوا؛ فزعموا أنه لم يُهْتَدَ لتلك المخاضة بعد. ثم ساروا حتى انتهَوْا إلى مُظْلِم سَاباط، فأشفق النَّاس أن يكون به كمين للعدّو، فتردّد الناس، وجبنوا عنه؛ فكان أول منْ دخله بجيشه هاشم بن عُتبة، فلمّا أجاز؛ ألاح للناس بسيفه، فعرَّف الناس أن ليس به شيء يخافونه، فأجاز بهم خالد بن عُرْفُطة، ثم لحق سعد بالناس؛ حتى انتهوا إلى جَلولاء وبها جماعة من الفرس، فكانت وقعة جلولاء بها، فهزم الله الفرس، وأصاب المسلمون بها من الفيء أفضلَ مما أصابوا بالقادسيَّة، وأصيبت ابنة لكسرى، يقال لها: منجانة؛ ويقال: بل ابنة ابنه. وقال شاعر من المسلمين: يا رُبَّ مُهْر حَسنٍ مُطَهّمْ ... يَحْمِلُ أثقالَ الغُلامِ المُسْلِمْ يَنْجُو إلى الرّحمن من جهنَّمْ ... يومَ جَلولاءَ ويوم رُسْتمْ ويومَ زحفِ الكوفة المُقدَّمْ ... ويوم لاقَى ضَيْقَة مُهَزَّمْ وخرَّ دينُ الكافِرين للفَمْ

стр. 2945

ثم كتب سعد إلى عمر بما فتح الله على المسلمين، فكتب إليه عمر: أن قِفْ ولا تطلبوا غير ذلك، فكتب إليه سعد أيضًا: إنما هي سُرْبة أدركناها والأرض بين أيدينا، فكتب إليه عمر: أن قف مكانك ولا تُتبعهم، واتَّخذْ للمسلمين دار هجرة ومنزل جهاد، ولا تجعل بيني وبين المسلمين بحرًا. فنزل سعد بالناس الأنبار، فاجتوَوْها وأصابتهم بها الحُمَّى، فلم توافقهم، فكتب سعد إلى عمر يخبره بذلك، فكتب إلى سعد أنه لا تصلح العرب إلا حيث يصلح البعير والشاة في منابت العُشب؛ فانظر فلاةً في جنب البحر فارتَدْ للمسلمين بها منزلًا. قال: فسار سعد حتى نزل كُوَيْفة عمرو بن سعد، فلم توافق النَّاس مع الذّباب والحمّى. فبعث سعد رجلًا من الأنصار يقال له: الحارث بن سلَمة -ويقال: بل عثمان بن حُنَيْف، أخا بني عمرو بن عوف- فارتاد لهم موضع الكوفة اليوم، فنزلها سعد بالنَّاس، وخطّ مسجدها، وخطّ فيها الخِطَطَ للنَّاس. وقد كان عمر بن الخطاب خرج في تلك السنة إلى الشام، فنزل الجابِيَة، وفتحت عليه إيليَاء؛ مدينة بيت المقدِس، وبعث فيها أبو عبيدة بن الجراح حنظلةَ بن الطُّفيل السُّلَميّ إلى حِمْص، ففتحها الله على يديه، واستعمل سعد بن أبي وقّاص على المدائن رجلًا من كِنْدة، يقال له: شُرَحْبيل بن السِّمط؛ وهو الذي يقول فيه الشاعر: ألا لَيْتَني والمَرْءَ سعدَ بن مالك ... ورَبْراءَ وابن السّمْطِ في لُجَّة البَحْرِ (١) (٣: ٥٧٦/ ٥٧٧/ ٥٧٨/ ٥٧٩). ذكر أحوال أهل السَّواد ٣٤٩ - كتب إليَّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن عبد الملك بن عُمَيْر، عن قَبيصة بن جابر، قال: قال رجل منَّا يوم القادسيَّة مع الفتح: نقاتل حتى أنزلَ الله نصرَهُ ... وسعدٌ ببابِ القادسيّة معصِمُ فأُبْنا وقد آمَتْ نساء كثيرةٌ ... ونسوة سعدٍ ليسَ فيهنّ أيّمُ فبعث بها في الناس، فبلغت سعدًا، فقال: اللهمّ إن كان كاذبًا، أو قال
следующие страницы →