تركتُ سباعَ الجَوِّ يعْرِفن حوله ... وقد كان عنها لابن حيَّةَ مَعْزِلا
كفيتُ قريشًا إذ تَغيَّبَ جَمْعُها ... وهَدَّمتُ للنُّعمان عِزًا مُؤثَّلا
ولمّا لحق سعد بن أبي وقّاص المغيرة بن شعبة، وقيس بن مكشوح فيمن معهما؛ سار إلى رستم حين سمع به حتى نزل قِادِسَ -قرية إلى جانب العُذيب- فنزل الناس بها، ونزل سعد في قصر العُذيب، وأقبل رستم في جموع فارس ستين ألفًا ممّا أحْصيَ لنا في ديوانه، سوى التّباع والرقيق، حتى نزل القادسيَّة وبينه وبين الناس جسرُ القادسيَّة، وسعد في منزله وَجِعٌ، قد خرج به قَرْح شديد، ومعه أبو مِحْجَن بن حبيب الثقفيّ محبوس في القصر، حبسه في شرب الخمر، فلمَّا أن نزل بهم رستم بعث إليهم أن ابعثوا إليَّ رجلًا منكم جليدًا أكلّمْه، فبعثوا إليه المغيرة بن شعبة، فجاءه وقد فرق رأسه أربع فِرَق: فرقة من بين يديه إلى قفاه، وفرقة إلى أذنيْه، ثم عقصَ شعره، ولبس بُردًا له، ثم أقبل حتى انتهى إلى رستم، ورستم من وراء الجسر العتيق ممَّا يلي العراق، والمسلمون من ناحيته الأخرى ممَّا يلي الحجاز فيما بين القادسيَّة والعُذَيب، فكلَّمه رستم، فقال: إنكم معشر العرب كنتم أهل شَقاء وجهد، وكنتم تأتوننا من بين تاجر، وأجير، ووافد، فأكلتم من طعامنا، وشربتم من شرابنا، واستظللتم من ظلالنا؛ فذهبتم، فدعوتم أصحابَكم، ثم أتيتمونا بهم، وإنما مَثَلُكم مَثَل رجل كان له حائط من عِنَب، فرأى فيه ثعلبًا واحدًا، فقال: ما ثعلب واحد! فانطلق الثعلب، فدعا الثعالب إلى الحائط؛ فلمّا اجتمعن فيه جاء الرجل فسدّ الجُحْر الذي دخلْن منه، ثم قتلهنّ جميعًا. وقد أعلم: أن الذي حملكم على هذا معشر العرب الجَهدُ الذي قد أصابكم؛ فارجعوا عنَّا عامكم هذا، فإنَّكم قد شغلتمونا عن عِمارة بلادنا، وعن عدوّنا، ونحن نُوقِر لكم ركائبكم قمحًا، وتمرًا، ونأمر لكم بكُسوة، فارجعوا عنّا عافاكم الله!
فقال المغيرة بن شعبة: لا تذكُر لنا جهدًا إلّا وقد كنا في مثله أو أشدّ منه؛ أفضلُنا في أنفسنا عيشًا الذي يقتل ابنَ عمّه، ويأخذ ماله فيأكله، نأكل الميتة، والدم، والعظام، فلم نزل كذلك؛ حتَّى بعث الله فينا نبيًّا، وأنزل عليه الكتاب، فدعانا إلى الله وإلى ما بعثه به، فصدّقه منّا مصدّق، وكذبه منّا آخر، فقاتل مَن صدّقه مَن كذبه، حتى دخلنا في دينه؛ من بين مُوقِن به، وبين مقهور؛ حتَّى
стр. 2942
استبان لنا: أنه صادق، وأنه رسول من عند الله. فأمرنا أن نقاتل مَن خالفنا، وأخبرنَا: أن من قُتل منّا على دينه فله الجنَّة، ومَنْ عاش ملك وظهر على من خالفه؛ فنحن ندعوك إلى أن تؤمن بالله ورسوله، وتدخل في ديننا، فإن فعلت كانت لك بلادك، لا يدخل عليك فيها إلّا من أحببتَ، وعليك الزكاة والخُمس، وإن أبيتَ ذلك فالجزية؛ وإن أبيتَ ذلك قاتلناك حتى يحكم الله بيننا وبينك.
قال له رستم: ما كنت أظن أني أعيش حتى أسمع منكم هذا معشر العرب! لا أمسي غدًا حتى أفرُغ منكم، وأقتلكم كلّكم. ثمّ أمر بالعَتيق أن يُسكَر، فبات ليلته يسكر بالبرادع، والتراب، والقَصَب؛ حتى أصبح، وقد تركه طريقًا مَهْيَعًا، وتعبَّى له المسلمون، فجعل سعد على جماعة الناس خالد بن عُرْفُطة حليف بني أميَّة بن عبد شمس، وجعل على ميمنة الناس جرير بن عبد الله البَجَليّ، وجعل على ميسرتهم قيس بن المكشوح المُراديّ.
ثم زحف إليهم رستم، وزحف إليه المسلمون، وما عامَّة جُننِهِم (١). (٣: ٥٧١/ ٥٧٣/٥٧٢/ ٥٧٤/ ٥٧٥).
٣٤٧ - وحدّثنا ابنُ حميد، قال: حدّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسْوَد النّخَعيّ، عن أبيه، قال: شهدت القادسيَّة؛ فلقد رأيت غلامًا منَّا من النَّخَع يسوق ستين أو ثمانين رجلًا من أبناء الأحرار. فقلت: لقد أذلّ الله أبناءَ الأحرار! (٢) (٣: ٥٧٦).
٣٤٨ - حدّثنا ابنُ حُميد، قال: حدّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، عن إسماعيل بن أبي خالد، مولى بَجِيلة، عن قيس بن أبي حازم البَجَليّ -وكان ممَّن شهد القادسيَّة مع المسلمين- قال: كان معنا يوم القادسيَّة رجل من ثَقيف، فلحق بالفُرْس مرتدًّا، فأخبرهم: أنَّ بأس الناس في الجانب الذي به بَجِيلة. قال: وكُنَّا رُبع النَاس؛ فوجَّهوا إلينا ستة عشر فيلًا، وإلى سائر الناس فيلَيْن، وجعلوا يُلقون تحت أرجُل خيولنا حَسك الحديد، ويرشقوننا بالنُّشَّاب، فكأنَّه المطر
стр. 2943
علينا، وقرنوا خيلهم بعضها إلى بعض لئلا يفرُّوا. قال: وكان عمرو بن معد يكرب يمرّ بنا فيقول: يا معشَر المهاجرين، كونوا أسودًا، فإنّما الأسد من أغنَى شأنه؛ فإنّما الفارسيّ تيس إذا ألقى نيْزكه.
قال: وكان أسوار منهم لا يكاد تسقط له نُشَّابة، فقلنا له: يا أبا ثوْر! اتَّقِ ذلك الفارسيّ فإنه لا تقع له نُشَّابة؛ فتوجَّه إليه ورماه الفارسيّ بنشَّابة فأصاب قوسه، وحمل عليه عمرو فاعتنقه فذبحه، واستلبه سوارَيْن من ذهب ومنطقة من ذهب ويَلْمقًا من ديباج، وقتل الله رستم، وأفاء على المسلمين عسكرَه وما فيه، وإنما المسلمون ستة آلاف، أو سبعة آلاف، وكان الذي قتل رستم هلال بن علَّفة التَّيْميّ رآه فتوجَّه إليه، فرماه رستم بنشَّابة، فأصاب قدمه وهو يُتبعه، فشكَّها إلى ركاب سَرْجه، ورستم يقول بالفارسية: "ببايه"، أي "كما أنت"؛ وحمل عليه هلال بن عُلَّفة فضربه فقتله، ثم احتزَّ رأسه فعلَّقه، وولَّت الفُرْس فأتبعهم المسلمون يقتلونهم؛ فلما بلغت الفرس الخرَّارة، نزلوا فشربوا من الخمر، وطعِموا من الطعام، ثم خرجوا يتعجَّبون من رَميهم، وأنّه لم يعمل في العرب. وخرج جالنوس فرفعوا له كُرَةً فهو يرميها ويشكّها بالنّشاب، ولحق بهم فرسان من المسلمين وهم هنالك، فشدّ على جالنوس زُهرة بن حَوِيَّة التميميّ، فقتله، وانهزمت الفرس، فلحقوا بدير قُرّةَ وما وراءه، ونهض سعد بالمسلمين حتى نزل بدير قُرّة على من هنالك من الفرس؛ وقد قدم عليهم وهم بدير قرّة عياض بن غَنْم في مدده من أهل الشام، وهم ألف رجل، فأسْهَمَ له سعد ولأصحابه مع المسلمين فيما أصابوا بالقادسيَّة، وسعد وَجِعٌ من قَرْحته تلك، وقال جرير بن عبد الله:
أنا جريرٌ كُنْيتِي أبو عَمِرْو ... قد نَصَرَ اللهُ وسَعْدٌ في القَصِرْ
وقال رجل من المسلمين أيضًا:
نُقاتِلُ حتى أنْزَلَ اللهُ نَصْرَهُ ... وسَعْدٌ بباب القادسيّة مُعْصمُ
فأُبْنا وقد آمَت نِسَاءٌ كثيرةٌ ... ونِسْوَةُ سَعْدٍ ليسَ فيهِنَّ أَيِّمُ
قال: ولما بلغ ذلك من قولهما سعدًا، خرج إلى الناس فاعتذر إليهم، وأراهم ما به من القَرْح في فَخِذَيْه وأليَتَيْه، فعذره الناس، ولم يكن سعد لَعَمْري يُجبَّن، فقال سعد يجيب جريرًا فيما قال:
стр. 2944
وما أَرْجُو بَجيلةَ غَيْرَ أَنِّي ... أؤمِّلُ أَجْرَهمِ يوم الحِسَابِ
فقد لَقِيَتْ خُيُولُهُمُ خيولًا ... وقَد وَقَعَ الفَوارِسُ في ضرابِ
وقد دلَفَتْ بعَرْصتهم فيولٌ ... كأنّ زُهاءَها إبلٌ جِرابُ
ثم إنّ الفرس هربت من دير قُرّة إلى المدائن يريدون نهاوَنْد، واحتملوا معهم الذّهب، والفضة، والديباج، والفِرِنْد، والحرير، والسلاح، وثياب كسرى، وبناته، وخلّوا ما سوى ذلك، وأتبعهم سعد الطلبَ من المسلمين، فبعث خالد بن عُرْفُطة حليف بني أمية، ووجّه معه عياض بن غَنْم في أصحابه، وجعل على مقدّمة النَّاس هاشم بن عُتْبة بن أبي وقَّاص، وعلى ميمنتهم جرير بن عبد الله البَجَلي، وعلى ميسرتهم زُهرة بن حَوِيَّة التميميّ؛ وتخلَّف سعد لما به من الوَجَع؛ فلمَّا أفاق سعد من وجعه ذلك اتَّبع الناسَ بمن بِقيَ معه من المسلمين؛ حتى أدركهم دون دجلة على بَهُرَسِير، فلمَّا وضعوا على دجلة العسكر والأثقال طلبوا المخاضة، فلم يهتدوا لها؛ حتى أتى سعدًا عِلْج من أهل المدائن، فقال: أدُلُّكم على طريق تُدركونهم قبل أن يُمْعِنوا في السير! فخرج بهم على مخاضة بقَطْرَ بُّلَ، فكان أول مَن خاض المخاضة هاشم بن عُتبة في رَجْله، فلمَّا جاز اتَّبعته خيله، ثم أجاز خالد بن عُرْفُطة بخيله، ثم أجاز عياض بن غَنْم بخيله، ثم تتابع الناس فخاضوا حتى أجازوا؛ فزعموا أنه لم يُهْتَدَ لتلك المخاضة بعد. ثم ساروا حتى انتهَوْا إلى مُظْلِم سَاباط، فأشفق النَّاس أن يكون به كمين للعدّو، فتردّد الناس، وجبنوا عنه؛ فكان أول منْ دخله بجيشه هاشم بن عُتبة، فلمّا أجاز؛ ألاح للناس بسيفه، فعرَّف الناس أن ليس به شيء يخافونه، فأجاز بهم خالد بن عُرْفُطة، ثم لحق سعد بالناس؛ حتى انتهوا إلى جَلولاء وبها جماعة من الفرس، فكانت وقعة جلولاء بها، فهزم الله الفرس، وأصاب المسلمون بها من الفيء أفضلَ مما أصابوا بالقادسيَّة، وأصيبت ابنة لكسرى، يقال لها: منجانة؛ ويقال: بل ابنة ابنه. وقال شاعر من المسلمين:
يا رُبَّ مُهْر حَسنٍ مُطَهّمْ ... يَحْمِلُ أثقالَ الغُلامِ المُسْلِمْ
يَنْجُو إلى الرّحمن من جهنَّمْ ... يومَ جَلولاءَ ويوم رُسْتمْ
ويومَ زحفِ الكوفة المُقدَّمْ ... ويوم لاقَى ضَيْقَة مُهَزَّمْ
وخرَّ دينُ الكافِرين للفَمْ
стр. 2945
ثم كتب سعد إلى عمر بما فتح الله على المسلمين، فكتب إليه عمر: أن قِفْ ولا تطلبوا غير ذلك، فكتب إليه سعد أيضًا: إنما هي سُرْبة أدركناها والأرض بين أيدينا، فكتب إليه عمر: أن قف مكانك ولا تُتبعهم، واتَّخذْ للمسلمين دار هجرة ومنزل جهاد، ولا تجعل بيني وبين المسلمين بحرًا. فنزل سعد بالناس الأنبار، فاجتوَوْها وأصابتهم بها الحُمَّى، فلم توافقهم، فكتب سعد إلى عمر يخبره بذلك، فكتب إلى سعد أنه لا تصلح العرب إلا حيث يصلح البعير والشاة في منابت العُشب؛ فانظر فلاةً في جنب البحر فارتَدْ للمسلمين بها منزلًا.
قال: فسار سعد حتى نزل كُوَيْفة عمرو بن سعد، فلم توافق النَّاس مع الذّباب والحمّى. فبعث سعد رجلًا من الأنصار يقال له: الحارث بن سلَمة -ويقال: بل عثمان بن حُنَيْف، أخا بني عمرو بن عوف- فارتاد لهم موضع الكوفة اليوم، فنزلها سعد بالنَّاس، وخطّ مسجدها، وخطّ فيها الخِطَطَ للنَّاس.
وقد كان عمر بن الخطاب خرج في تلك السنة إلى الشام، فنزل الجابِيَة، وفتحت عليه إيليَاء؛ مدينة بيت المقدِس، وبعث فيها أبو عبيدة بن الجراح حنظلةَ بن الطُّفيل السُّلَميّ إلى حِمْص، ففتحها الله على يديه، واستعمل سعد بن أبي وقّاص على المدائن رجلًا من كِنْدة، يقال له: شُرَحْبيل بن السِّمط؛ وهو الذي يقول فيه الشاعر:
ألا لَيْتَني والمَرْءَ سعدَ بن مالك ... ورَبْراءَ وابن السّمْطِ في لُجَّة البَحْرِ (١)
(٣: ٥٧٦/ ٥٧٧/ ٥٧٨/ ٥٧٩).
ذكر أحوال أهل السَّواد
٣٤٩ - كتب إليَّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن عبد الملك بن عُمَيْر، عن قَبيصة بن جابر، قال: قال رجل منَّا يوم القادسيَّة مع الفتح:
نقاتل حتى أنزلَ الله نصرَهُ ... وسعدٌ ببابِ القادسيّة معصِمُ
فأُبْنا وقد آمَتْ نساء كثيرةٌ ... ونسوة سعدٍ ليسَ فيهنّ أيّمُ
فبعث بها في الناس، فبلغت سعدًا، فقال: اللهمّ إن كان كاذبًا، أو قال
стр. 2946
الذي قال رياءً، وسُمْعة، وكَذِبًا؛ فاقطع عني لسانه، ويَده.
وقال قَبِيصة: فوالله إنَّه لواقف بين الصفَّين يومئذ؛ إذ أقبلت نُشَّابة لدعوة سعد، حتى وقعت في لسانه فيبس شِقُّه؛ فما تكلَّم بكلمة حتى لحق بالله (١). (٣: ٥٧٩/ ٥٨٠).
٣٥٠ - كتب إليَّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن المقدام بن شُرَيْح الحارِثيّ، عن أبيه، قال: قال جرير يومئذ:
أنا جريرٌ كنيتِي أبو عمِرْو ... قدْ نصرَ الله وسعد في الْقَصِرْ
فأشرف عليه سعد، فقال:
وما أرْجو بَجِيلةَ غيرَ أنِّي ... أؤمّلُ أجْرَها يومَ الحِسَابِ
وقد لَقِيَتْ خُيُولُهُمُ خُيُولًا ... وقدْ وقع الفوارِسُ في الضِّرَابِ
فلولا جَمْعُ قَعقاع بن عَمْروٍ ... وحمّالٍ لَلجُّوا في الكذِابِ
هُمُ منعوا جُموعَكُمْ بطَعْنٍ ... وضَرْبٍ مِثْلِ تَشْقيقِ الإهاب
ولولا ذاك ألفيتُمْ رَعاعًا ... تُشَلُّ جموعُكم مثل الذُّباب (٢)
(٥٨٠: ٣).
٣٥١ - كتب إليَّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن سليمان بن بشير، عن أمّ كثير -امرأة همّام بن الحارث النَّخَعيّ- قالت: شهدنا القادسيَّة مع سعد مع أزواجنا، فلمَّا أتانا أن قد فُرغ من الناس شددنا علينا ثيابَنا، وأخذنا الهَراوَى، ثم أتينا القتْلى؛ فما كان من المسلمين سقيناه ورفعناه؛ وما كان من المشركين أجهزنا عليه، وتبعنا الصّبيْان نولّيهم ذلك، ونصرّفهم به (٣). (٣: ٥٨١).
٣٥٢ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن عطيَّة -وهو ابن الحارث- عمَّن أدرك ذلك؛ قال: لم يكن من قبائل العرب أحد أكثر امرأةً يوم القادسيَّة من بَجِيلة والنَّخعَ، وكان في النَّخعَ سبعمئة امرأة فارغة، وفي بَجِيلة ألف، فصاهر هؤلاء ألفٌ من أحياء العرب، وهؤلاء سبعمئة، وكانت النّخع
стр. 2947
تُسمَى أصهار المهاجرين، وبجيلة، وإنَّما جرّأهم على الانتقال بأثقالهم توطئةُ خالد، والمثنَّى بعد خالد، وأبي عُبيد بعد المثنَّى، وأهل الأيَّام، فلاقوْا بأسًا بعد ذلك شديدًا (١) (٣٠: ٥٨١).
٣٥٣ - كتب إليَّ السريُّ عن شُعيب، عن سيف، عن محمَّد، والمهلَّب، وطلحة، قالوا: وكان بُكَيْر بن عبد الله اللَّيْثيّ، وعتبة بن فَرْقَد السُّلَميّ، وسماك بن خَرَشة الأنصاريّ -وليس بأبي دُجانة- قد خطبوا امرأة يوم القادسيَّة، وكان مع النَّاس نساؤهم؛ وكانت مع النَّخَع سبعمئة امرأة فارغة؛ وكانوا يُسمَّوْن أختانَ المهاجرين حتى كان قريبًا؛ فتزوجهنّ المهاجرون قبل الفتح وبعد الفتح؛ حتى استوعبوهنّ، فصار إليهن سبعمئة رجل من الأفناء؛ فلَّما فرغ النَّاس؛ خطب هؤلاء النَّفر هذه المرأة -وهي أرْوَى ابنة عامر الهلاليَّة- هلال النَّخَع؛ وكانت أختها هُنَيْدة تحتَ القعقاع بن عمرو التميميّ، فقالت لأختها: استشيري زوجَك: أيهم يراه لنا! ففعلت؛ وذلك بعد الوقعة وهم بالقادسيَّة؛ فقال القعقاع: سأصفهم في الشعر فانظري لأختك، وقال:
إِن كنتِ حاولتِ الدّراهم فانكِحِي ... سماكًا أخا الأنصار أوْ ابن فَرْقَدِ
وإن كنتِ حاولتِ الطِّعان فَيمِّمِي ... بكَيرًا إذا ما الخيلُ جالَتْ عن الرَّدِي
وكلُّهُمُ في ذِرْوة المجدِ نَازلٌ ... فشأْنكُمُ إِنّ البَيانَ عن الغَد
وقالوا: وكانت العرب توقَّعُ وقعة العرب؛ وأهل فارس في القادسيّة فيما بين العُذيب إلى عَدَن أبْيَن، وفيما بين الأُبلّةِ وأيلَة يروْن: أن ثبات مُلكهم، وزواله بها، وكانت في كلّ بلد مُصيخةً إليها، تنظُر ما يكون من أمرها؛ حتَّى إن كان الرجل ليريد الأمر فيقول: لا أنظر فيه حتّى أنظر ما يكون من أمر القادسيَّة. فلمّا كانت وقعة القادسيّة سارت بها الجنّ، فأتت بها ناسًا من الإنس، فسبقت أخبار الإنس إليهم؛ قالوا: فبدرت امرأة ليلًا على جبل بصَنْعَاء، لا يُدرَى مَنْ هي؟ وهي تقول:
حُيِّيتِ عنَّا عِكْرِمَ ابنةَ خالِدٍ ... وما خَيْرُ زادٍ بالقَليل المُصَرَّدِ
وحَيّتْكِ عنّي الشمسُ عند طُلوعها ... وحَيّاكِ عنّي كلُّ ناجٍ مُفرَّدِ
стр. 2948
وحَيَّتْكِ عنّي عُصْبَةٌ نَخَعِيَّةٌ ... حسانُ الوُجوهِ آمَنوا بِمُحَمَّدِ
أَقاموا لِكِسْرَى يَضْرِبون جُنودَه ... بكلِّ رَقيقِ الشَّفرَتَيْن مُهَنَّدِ
إذَا ثَوَّبَ الدَّاعي أناخوا بكَلْكَلٍ ... منَ الموت تَسْوَدُّ الغَياطِلُ مُجْرَدِ
وسمع أهل اليمامة مجتازًا يغنِّي بهذه الأبيات:
وَجدْنا الأكْثَرين بني تميمٍ ... غداةَ الرَّوْع أَصْبَرَهُمْ رِجالا
هُمُ ساروا بِأَرْعَنَ مُكْفَهِرٍّ ... إلى لَجِبٍ فَزَرَّتْهُمْ رِعالا
بُحُورٌ لِلأَكاسِرِ مِن رِجالٍ ... كأُسْدِ الغاب تحسَبُهُمْ جِبالا
تَركْنَ لهم بقادِسَ عِزَّ فَخْرٍ ... وبالخيفَيْن أَيَّامًا طِوالا
مُقَطَّمةً أكفُّهمُ وسُوقٌ ... بمِردىّ حيثُ قابلَتِ الرِّجالا
قال: وسُمِعَ بنحو ذلك في عامة بلاد العرب (١). (٣: ٥٨١/ ٥٨٢).
٣٥٤ - كتب إليَّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن مجالد بن سعيد؛ قال: لمّا أتى عمرَ بن الخطاب نزولُ رستم القادسيَّة، كان يستخبِر الرّكبان عن أهل القادسيَّة من حين يُصبح إلى انتصاف النهار، ثم يرجع إلى أهله ومنزله. قال: فلمَّا لقيَ البشير سأله من أين؟ فأخبره، قال: يا عبدَ الله حدِّثني! قال: هزم الله العدّو، وعمر يخُبّ معه ويستخبره والآخر يسير على ناقته ولا يعرفه؛ حتى دخل المدينة، فإذا الناس يسلِّمون عليه بإمْرة المؤمنين، فقال: فهلّا أخبرتَني رحمك الله: أنَّك أمير المؤمنين؟ ! وجعل عمر يقول: لا عليك يا أخي (٢)! (٣: ٥٨٣).
٣٥٥ - كتب إلي السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة والمهلّب، وزياد، قالوا: وأقام المسلمون في انتظار بلوغ البشير وأمرِ عمر، يقوِّمون أقباضهم، ويَحزُرون جندَهم، ويرمُّون أمورهم. قالوا: وتتابع أهلُ العراق من أصحاب الأيَّام الذين شهدوا اليرموك ودمشق، ورجعوا مُمِدِّين لأهل القادسيَّة، فتوافوْا بالقادسيَّة من الغد ومن بعد الغد، وجاء أوّلهم يوم أغواث، وآخرهم من بعد الغد من يوم الفتح، وقدمت أمداد فيها مُراد، وهَمْدان، ومن أفناء الناس، فكتبوا فيهم إلى عمر يسألونه عمَّا ينبغي أن يُسار بهم فيهم -وهذا
стр. 2949
الكتاب الثاني بعد الفتح- مع نذير بن عمرو. ولمَّا أتى عمَر الفتح قام في النَّاس فقرأ عليهم الفتح، وقال: إني حريص على ألّا أدَعَ حاجة إلّا سددتها ما اتَّسع بعضنا لبعض، فإذا عجز ذلك عنَّا تآسينا في عيشنا حتى نستوِيَ في الكفَاف، ولوددت أنَّكم علمتم من نفسي مثل الذي وقع فيها لكم، ولستُ معلِّمكم إلّا بالعمل؛ إني والله ما أنا بملكٍ فأستعبدكم، وإنَّما أنا عبدُ الله عَرَضَ عليّ الأمانة، فإن أبيتُها ورددتها عليكم واتَّبعتكم حتى تشبعوا في بيوتكم، وتروَوْا؛ سعدتُ، وإن أنا حملتها، واستتبعتُها إلى بيتي؛ شقيت؛ ففرِحتُ قليلًا، وحزِنت طويلًا، وبقيت لا أقال، ولا أرَدّ فأستعتب.
قالوا: وكتبوا إلى عمر مع أنس بن الحُليس: إنَّ أقوامًا من أهل السَّواد ادّعوا عهودًا، ولم يُقِمْ على عهد أهل الأيام لنا، ولم يفِ به أحد علمناه إلّا أهل بانقيا وبَسْما وأهل ألَّيْس الآخرة، وادّعى أهل السَّواد: أنَّ فارس أكرهوهم، وحشروهم؛ فلم يخالفوا إلينا، ولم يذهبوا في الأرض.
وكتب مع أبي الهيّاج الأسديّ -يعني: ابن مالك-: إنّ أهلَ السَّواد جلوا، فجاءنا مَن أمسك بعهده، ولم يُجلب علينا؛ فتمّمنا لهم ما كان بين المسلمين قبلنا وبينهم؛ وزعموا: أنّ أهلَ السَّواد قد لحقوا بالمدائن، فأحدِث إلينا فيمن تمَّ، وفيمن جلا، وفيمن ادّعى: أنه استكرِه، وحشر، فهرب، ولم يقاتل، أو استسلم، فإنَّا بأرض رغيبة، والأرض خلاء من أهلها، وعددنا قليل، وقد كثر أهل صُلحنا، وإنّ أعمرَ لنا وأوهن لعدوّنا تألُّفُهم. فقام عمر في الناس فقال: إنَّه مَن يعمل بالهوى والمعصية؛ يسقط حظُّه، ولا يضرّ إلا نفسه، ومَنْ يتَّبع السُّنَّة وينته إلى الشرائع، ويلزم السبيل النَّهْج ابتغاء ما عند الله لأهل الطاعة؛ أصاب أمره، وظفر بحظّهِ، وذلك بأنَّ الله يقول: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ وقد ظفر أهل الأيّام والقوادس بما يليهم، وجلا أهله، وأتاهم مَنْ أقام على عهدهم، فما رأيكم فيمن زعم أنه استُكرِه وحُشر، وفيمن لم يدّع ذلك ولم يُقِم وجَلا، وفيمن أقام ولم يدّع شيئًا، ولم يَجْلُ، وفيمن استسلم. فأجمعوا على أنّ الوفاء لمن أقام وكفّ لم يزده غَلبُه إلا خيرًا، وأن من ادّعى فصُدِّق أو وفى فبمنزلتهم، وإن كذِّب نُبذ إليهم وأعادوا صلحهم؛ وأن يُجعل أمر مَنْ جلا إليهم، فإن شاؤوا وادعوهم وكانوا لهم ذمَّة، وإن شاؤوا تمّوا على
стр. 2950
منعِهم من أرضهم ولم يُعطوهم إلّا القتال؛ وأن يخيِّروا مَن أقام واستسلم: الجِزاء، أو الجَلاء، وكذلك الفلّاح.
وكتب جواب كتاب أنس بن الحُليس: أمَّا بعدُ؛ فإنَّ الله جل وعلا أنزل في كلّ شيء رُخْصة في بعض الحالات إلّا في أمرين: العدلِ في السِّيرة والذّكر؛ فأمَّا الذّكر فلا رخصة فيه في حاح.
لهّ، ولم يرضَ منه إلَّا بالكثير، وأمَّا العدل فلا رخصة فيه في قريب ولا بعيد، ولا في شدّة ولا رخاء، والعدل -وإن رُئيَ ليِّنًا- فهو أقوى وأطفأ للجور، وأقمَع للباطل من الجوْر، وإن رُئي شديدًا فهو أنكشُ للكفر؛ فمن تَمّ على عهده من أهلِ السَّواد، ولم يُعِنْ عليكم بشيء؛ فلهم الذمّة، وعليهم الجِزْية؛ وأمَّا مَن ادّعى أنه استكرِه ممن لم يخالِفْهم إليكم أو يذهب في الأرض؛ فلا تصدّقوهم بما ادّعوْا من ذلك إلّا أن تشاؤوا؛ وإن لم تشاؤوا؛ فانبذوا إليهم، وأبلغوهم مأمنَهم.
وأجابهم في كتاب أبي الهيَّاجِ: أمَّا من أقام ولم يَجْلُ وليس له عهد فلهم ما لأهل العهد بمقامهم لكم، وكفهم عنكم إجابة، وكذلك الفلّاحون إذا فعلوا ذلك؛ وكلّ من ادّعى ذلك فصُدّق فلهم الذمَّة؛ وإن كذّبوا؛ نُبذ إليهم؛ وأمَّا مَنْ أعان وجلا؛ فذلك أمرٌ جعله الله لكم؛ فإن شئتم فادعُوهم إلى أن يقيموا لكم في أرضهم، ولهم الذِّمَّة، وعليهم الجِزية؛ وإن كرهوا ذلك، فاقسموا ما أفاء الله عليكم منهم.
فلمّا قدمتْ كتُب عمر على سعد بن مالك والمسلمين؛ عرضوا على مَن يليهم مِمَّنْ جلا وتنحّى عن السواد أن يتراجعوا، ولهم الذمَّة وعليهم الجزية، فتراجعوا وصاروا ذمَّة كمن تمّ ولزم عهدَه؛ إلَّا أن خراجهم أثقل؛ فأنزلوا من ادّعى الاستكراه وهرب منزلتَهم، وعقدوا لهم، وأنزلوا مَن أقام منزلة ذي العهد وكذلك الفلّاحين، ولم يُدخلوا في الصلح ما كان لآل كسرى، ولا ما كان لمن خرج معهم، ولم يُجبهم إلى واحدة من اثنتين: الإسلام، أو الجِزاء، فصارت فيئًا لمن أفاء الله عليه؛ فهي والصوافي الأولى ملك لمن أفاء الله عليه، وسائر السواد ذمَّة وأخذوهم بخراج كسرى، وكان خراج كسرى على رؤوس الرّجال على ما في أيديهم من الحصّة والأموال، وكان مما أفاء الله عليهم ما كان لآل كسرى، ومن صوّب معهم وعيالُ من قاتل معهم وماله، وما كان لبيوت النيران
стр. 2951
والآجام ومستنقع المياه، وما كان للسِّكك، وما كان لآل كسرى، فلم يَتأتَّ قَسْم ذلك الفيء الذي كان لآل كسرى ومن صوّب معهم؛ لأنه كان متفرّقًا في كلّ السّواد، فكان يليه لأهل الفيء مَن وَثِقُوا به، وتراضَوْا عليه؛ فهو الَّذي يَتَداعاه أهلُ الفيء لا عُظْمُ السواد؛ وكانت الولاة عند تنازعهم فيها تهاون بقسمه بينهم؛ فذلك الذي شبَّه على الجَهَلة أمر السَّواد، ولو أنّ الحُلماء جامعوا السُّفهاء الذين سألوا الوُلاةَ قسمَه لقسموه بينهم، ولكنَّ الحلماء أبوْا، فتابع الولاة الحلماء، وتُرِك قول السفهاء. كذلك صنع عليّ ﵀، وكلّ مَنْ طلب إليه قسمُ ذلك فإنَّما تابع الحُلماء، وترك قولَ الشُفهاء، وقالوا: لئلّا يضرب بعضُهم وجوهَ بعص (١). (٣: ٣٨٣/ ٥٨٤/ ٥٨٥/ ٥٨٦).
٣٥٦ - كتب إليَّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن طلحة وسفيان، عن ماهان، قالوا: فتح الله السَّوادَ عَنْوةً -وكذلك كلّ أرض بينها وبين نهر بلْخ- إلَّا حصنًا، ودُعُوا إلى الصلح، فصاروا ذمَّه، وصارت لهم أرَضوهم ولم يُدخلوا في ذلك أموال آل كسرى ومَن اتّبعهم، فصارت فيئًا لمن أفاءه الله عليه، ولا يكون شيء من الفتوح فيئًا حتى يُقَسم؛ وهو قوله: ﴿أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ ممّا اقتسمتم (٢). (٣: ٥٨٧).
٣٥٧ - وعن سيف، عن حجَّاج الصوّاف، عن مسلم مولى حُذَيفة، قال: تزوّج المهاجرون والأنصار في أهلِ السّواد يعني في أهل الكتابيْن منهم، ولو كانوا عبيدًا لم يستحلّوا ذلك، ولم يحلّ لهم أن ينكحوا إماء أهل الكتاب؛ لأنّ الله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ الآية، ولم يقل: "فتياتهم من أهل الكتابين" (٣). (٣: ٣٨٨).
٣٥٨ - وعن سيف، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن سعيد بن جُبَير، قال: بعث عمر بن الخطَّاب إلى حُذيفة بعد ما ولّاه المدائن وكثر المسلمات: إنه بلغني أنَّك تزوَّجت امرأة من أهل المدائن من أهل الكتاب فطلِّقها. فكتب إليه: لا أفعل حتَّى تخبرَني: أحلال أم حرام، وما أردت بذلك؟ فكتب إليه: لا بل
стр. 2952
حلال، ولكن في نساء الأعاجم خَلابة، فإن أقبلتم عليهنّ غلبنكم على نسائكم. فقال: الآن! فطلَّقها (١). (٣: ٥٨٨).
٣٥٩ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن أشعث بن سِوَار، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: شهدت القادسيّة مع سعد، فتزوّجنا نساء أهل الكتاب، ونحن لا نجد كثير مسلمات، فلمَّا قفلنا؛ فمنَّا مَن طلَّق، ومنَّا من أمسك (٢). (٣: ٥٨٨).
٣٦٠ - وعن سيف، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن سعيد بن جُبَير، قال: أخذ السَّواد عَنْوة، فدُعوا إلى الرّجوع والجزاء، فأجابوا إليه، فصاروا ذمَّة، إلّا ما كان لآل كسرى، وأتباعهم، فصار فيئًا لأهله، وهو الذي يتحجَّى أهل الكوفة إلى أن جُهل ذلك، فحسبوه السَّواد كلَّه، وأمَّا سوادهم؛ فذلك (٣). (٣: ٣٨٩).
٣٦١ - وعن سيف، عن المستنير بن يزيد، عن إبراهيم بن يزيد النَّخعيّ، قال: أخِذ السَّواد عَنْوة، فدُعوا إلى الرجوع، فمنْ أجابَ فعليه الجزية وله الذمّة، ومَن أبى صار ماله فيئًا، فلا يحلّ بيع شيء من ذلك الفيء فيما بين الجَبل إلى العُذَيب من أرض السَّواد ولا في الجبَل (٤). (٣: ٥٨٩).
٣٦٢ - وعن سيف، عن محمد بن قيس، عن الشعبيّ بمثله: لا يحلّ بيع شيء من ذلك الفيء فيما بين الجَبل والعُذَيب (٥). (٣: ٥٨٩).
٣٦٣ - وعن سيف، عن عمرو بن محمَّد، عن عامر، قال: أقطع الزبير وخبّاب وابن مسعود وابن ياسر وابن هبَّار أزمانَ عثمان، فإن يكن عثمان أخطأ فالَّذين قبلوا منه الخطأ أخطأ؛ وهم الذين أخذنا عنِهم ديننا. وأقطع عمر طلحة وجرير بن عبد الله والرُّبّيل بن عمرو، وأقطع أبا مُفزِّر دار الفيل في عدد ممَّن
стр. 2953
أخذنا عنهم، وإنما القطائع على وجه النَّفْل من خُمس ما أفاء الله.
وكتب عُمر إلى عُثمان بن حُنيف مع جرير: أمَّا بعد؛ فأقطع جرير بن عبد الله قَدْر ما يقُوته لا وَكْس ولا شَطَط، فكتب عثمان إلى عمر: إن جريرًا قدِم عليّ بكتاب منك تُقْطعه ما يقوته، فكرهت أن أمضي ذلك حتى أراجعَك فيه. فكتب إليه عمر: أن قد صدق جرير، فأنفذ ذلك، وقد أحسنتَ في مؤامرتي وأقْطع أبا موسى. وأقطع عليٌّ ﵀ كردوسَ بن هانئ الكردُوسيّة، وأقطع سُويد بن غفلة الجعفيّ (١). (٣: ٥٨٩).
٣٦٤ - وعن سيف، عن ثابت بن هُريْم، عن سُوَيد بن غفلة، قال: استقطعت عليًّا ﵀، فقال: اكتب: هذا ما أقطع عليٌّ سُوَيدًا أرضًا لداذَوَيْه؛ ما بين كذا إلى كذا وما شاء الله (٢). (٣: ٥٨٩).
٣٦٥ - وعن سيف، عن المستنير، عن إبراهيم بن يزيد، قال: قال عمر: إذا عاهدتم قومًا؛ فأبرئوا إليهم من معرّة الجيوش. فكانوا يكتبون في الصلح لمن عاهدوا: "ونبرأ إليكم من معرّة الجيوش" (٣). (٣: ٥٩٠).
٣٦٥ - وقال الواقديّ: كانت وقعة القادسيَّة وافتتاحها سنة ستّ عشرة، وكان بعض أهل الكوفة يقول: كانت وقعة القادسيَّة سنة خمس عشر (٤). (٣: ٥٩٠).
ذكر بناء البَصْرة
٣٦٦ - كتب إليَّ السريُّ عن شعيب، عنه. فحدّثني عمر بن شبّة، قال: حدّثنا عليّ بن محمد عن أبي مخْنِف، عن مجالد، عن الشعبيّ، قال: قُتل مِهران سنة أربع عشرة في صفر، فقال عمر لعتبة -يعني: ابنَ غزوان-: قد فتح الله جلّ وعزّ على إخوانكم الحِيرة وما حولها، وقتِل عظيم من عظمائها، ولست آمن أن يمدّهم إخوانُهم من أهل فارس؛ فإني أريد أن أوجِّهك إلى أرض الهند، لتمنَع أهلَ تلك الجيزة من إمداد إخوانهم على إخوانكم، وتقاتلهم؛ لعلّ الله أن يفتح
стр. 2954
عليكم. فسرْ على بركة الله، واتَّق الله ما استطعت، واحكم بالعدل، وصلّ الصلاة لوقتها، وأكثر ذكر الله. فأقبل عتبة في ثلاثمئة وبضعة عشر رجلًا، وضوَى إليه قوم من الأعراب وأهل البوادي، فقدم البصرة في خمسمئة، يزيدون قليلًا أو ينقصون قليلًا، فنزلها في شهر ربيع الأول -أو الآخر- سنة أربع عشرة، والبصرة يومئذ تدعى أرضَ الهند فيها حجارة بيض خُشُن، فنزل الخُرَيبة، وليس بها إلّا سبع دساكر؛ بالزابُوقة والخُرَيبة وموضع بني تميم والأزد: ثنتان بالخُريبة، وثنتان بالأزد، وثنتان في موضع بني تميم وواحدة بالزابوقة. فكتب إلى عمر، ووصف له منزله فكتب إليه عمر: اجمع للناس موضعًا واحدًا؛ ولا تفرّقهم؛ فأقام عتبة أشهرًا لا يغزو ولا يلقَى أحدًا (١). (٣: ٥٩٠/ ٥٩١).
٣٦٧ - وعن سيف، عن محمد، وطلحة، والمهلب، وعمرو، قالوا: لما توجَّه عُتبة بن غزوان المازنيّ من بني مازن بن منصور من المدائن إلى فَرْج الهند؛ نزل على الشاطئ بحيال جزيرة العرب، فأقام قليلًا ثم أرَز، ثم شكوا ذلك حتى أمره عمر بأن ينزل الحجَر بعد ثلاثة أوطان إذا اجتَووا الطين، فنزلوا في الرابعة البصرة -والبصرة: كلّ أرض حجارتها جصّ- وأمر لهم بنهر يجري من دِجْلة، فساقوا إليها نهرًا للشَّفة، وكان إيطان أهل البصرة البصرة اليوم، وإيطانُ أهل الكوفة الكوفة اليوم في شهر واحد. فأمَّا أهل الكوفة فكان مقامهم قبل نزولها المدائن إلى أن وطّنوها، وأما أهل البصرة فكان مقامهم على شاطئ دِجْلة. ثم أرزوا مرّات حتى استقرّوا وبدؤوا، فخنسوا فرسخًا وجَرُّوا معهم نهرًا، ثم فرسخًا ثم جرّوه ثم فرسخًا، ثم جَرُّوه، ثم أتوا الحجر، ثم جرُّوه، واختُطت على نحو من خطط الكوفة، وكان على إنزال البصرة أبو الجَرباء عاصم بن الدُّلف، أحد بني غيلان بن مالك بن عمرو بن تميم (٢) وقد كان قطبة بن قتادة. (٣: ٥٩٢).
٣٦٨ - وعن بشير بن عبيد الله، قال: قتل نافع بن الحارث يوم الأبُلَّة تسعة، وأبو بكرة ستّة (٣). (٣: ٥٩٤).
стр. 2955
٣٦٩ - وعن داود بن أبي هند، قال: أصاب المسلمون بالأبُلّة من الدراهم ستمئة درهم، فأخذ كلّ رجل درهمين، ففرض عمر لأصحاب الدّرهمين ممن أخذهما لمن فتح الأبُلَّة في ألفين من العطاء، وكانوا ثلاثمئة رجل، وكان فتح الأبُلَّة في رجب، أو في شعبان من هذه السنة (١). (٣: ٥٩٤).
٣٧٠ - وعن الشعبيّ، قال: شهد فتح الأبُلَّة مئتان وسبعون، فيهم أبو بَكْرة، ونافع بن الحارث، وشِبْل بن معبد، والمغيرة بن شعبة، ومُجاشع بن مسعود، وأبو مريم البلَويّ، وربيعة بن كَلدة بن أبي الصَّلْت الثقفيّ، والحجّاج (٢). (٣: ٥٩٥).
٣٧١ - وعن عبَاية بن عبد عمرو، قال: شهدت فتح الأبُلَّة مع عُتْبة، فبعث نافع بن الحارث إلى عمر ﵀ بالفتح، وجمع لنا أهل دستِ مَلسان، فقال عتبة: أرى أن نسير إليهم، فسرنا فلقيَنا مَرْزُبان دست مَيْسان، فقاتلناه، فانهزم أصحابه، وأخذ أسيرًا، فأخِذ قباؤه ومِنطقته، فبعث به عتبة مع أنس بن حُجيَّة اليَشكري (٣). (٣: ٥٩٥).
٣٧٢ - وعن أبي المَليح الهُذَليّ، قال: بعث عُتبة أنسَ بن حُجيَّة إلى عمر بمنطقة مرزبان دَسْت مِيسان؛ فقال له: كيف المسلمون؟ قال: انثالت عليهم الدنيا، فهم يَهيلون الذّهب والفضّة. فرغب. الناس في البصرة، فأتوْها (٤). (٣: ٥٩٥).
٣٧٣ - وعن عليّ بن زيد، قال: لما فرغ عتبة من الأبُلَّة؛ جمع له مرزبان دَسْت مَيْسان، فسار إليه عُتْبة من الأبُلَّة، فقتله، ثم سرّح مجاشع بن مسعود إلى الفرات وبها مدينة. ووفَد عتبة إلى عمر، وأمر المغيرة أن يصلّيَ بالناس حتى يقدم مجاشع من الفرات، فإذا قدم فهو الأمير. فظفر مجاشع بأهل الفرات، ورجع إلى البصرة وجمع الفيلكان -عظيم من عظماء أبَزْقُباذ للمسلمين- فخرج
стр. 2956
إليه المغيرة بن شعبة، فلقيه بالمرْغاب، فظفِر به، فكتب إلى عمر بالفتح، فقال عمر لعتبة: مَن استعملت على البصرة؟ قال: مجاشع بن مسعود، قال: تستعمل رجلًا من أهل الوَبَر على أهل المدر؟ تدري ما حدث! قال: لا، فأخبره بما كان من أمر المغيرة، وأمره أن يرجع إلى عمله، فمات عُتبة في الطريق واستعمل عمرُ المغيرة بن شعبة (١). (٣: ٥٩٥).
٣٧٤ - وعن عبد الرحمن بن جَوْشن، قال: شخص عُتْبة بعد ما قتل مرزبان دَسْت مَيْسان، ووجَّه مجاشعًا إلى الفرات، واستخلفه على عمله، وأمر المغيرة بن شعبة بالصّلاة حتى يرجع مجاشع من الفرات، وجمع أهل مَيْسان، فلقيَهم المغيرة، وظهر عليهم قبل قدوم مجاشع من الفرات، وبعث بالفتح إلى عمر (٢). (٣: ٥٩٦).
٣٧٥ - الطبريّ بإسناده عن قَتادة، قال: جمع أهل مَيْسان للمسلمين، فسار إليهم المغيرة، وخلّف المغيرة الأثقال، فلقي العدوّ دون دِجْلة، فقالت أرْدة بنت الحارث بن كَلَدة: لو لحقنا بالمسلمين فكنَّا معهِم! فاعتقدت لواءً من خمارها، واتَّخذ النِّساءُ من حمُرهنّ رايات، وخرجْنَ يُرِدْن المسلمين، فانتهينَ إليهم، والمشركون يقاتلونهم، فلمّا رأى المشركون الرايات مقبلة، ظنُّوا أن مددًا أتى المسلمين فانكشفوا، واتبعهم المسلمون فقتلوا منهم عدّة (٣). (٣: ٥٩٦).
٣٧٦ - وعن المثنّى بن موسى بن سلمة بن المحبَّق، عن أبيه، عن جدّه، قال: شهدت فتح الأبُلَّة، فوقع لي في سهمي قِدْر نحاس، فلمَّا نظرت إذا هي ذهب فيها ثمانون ألف مثقال، فكتِب في ذلك إلى عمر، فكتب أن يُصبَر يمين سلمة بالله لقد أخذها وهي عنده نحاس، فإن حلف سُلِّمت إليه؛ وإلّا قسمت بين المسلمين. قال: فحلفتُ، فسُلّمت لي.
قال المثنّى: فأصول أموالنا اليوم منها (٤). (٣: ٥٩٦).
стр. 2957
٣٧٧ - وعن عمرة ابنة قيس، قالت: لمّا خرج الناس لقتال أهل الأبُلَّة خرج زوجِي وابني معهم، فأخذوا الدرهمين ومكُّوك زبيب، وإنّهم مضوْا حتى إذا كانوا حيال الأبُلَّة، قالوا للعدوّ: نعبر إليكم أو تعبرون إلينا؟ قال: بل اعبرُوا إلينا، فأخذوا خشب العُشَر فأوثقوه، وعبروا إليهم، فقال المشركون: لا تأخذوا أوّلهم حتى يعبَر آخرهم. فلمَّا صاروا على الأرض كبَّروا تكبيرة، ثم كبَّروا الثانية، فقامت دوائهم على أرجلها، ثم كبَّروا الثالثة، فجعلت الدّابة تضرب بصاحبها الأرض، وجعلنا ننظر إلى رؤوسٍ تُنْدَر، ما نرى مَن يضربها؛ وفتح الله على أيديهم (١). (٣: ٥٩٧).
٣٧٨ - المدائنيّ قال: كانت عند عُتبة صفيَّة بنت الحارث بن كَلَدة، وكانت أختها أردة بنت الحارث عند شِبْل بن معبَد البَجَلِيّ، فلمّا ولي عتبة البصرة انحدر معه أصهارُه: أبو بكْرة، ونافع، وشِبْل بن معبد، وانحدر معهم زياد؛ فلمَّا فتحوا الأبُلَّة لم يجدوا قاسمًا يقسم بينهم، فكان زياد قاسمَهم؛ وهو ابن أربع عشرة سنة، له ذؤابة، فأجرَوْا عليه كلّ يوم درهمين.
وقيل: إن إمارة عتبة البصرة كانت سنة خمس عشرة، وقيل: ست عشرة؛ والأول أصحّ؛ فكانت إمارته عليها ستة أشهر.
واستعمل عمر على البصرة المغيرة بن شعبة فبقيَ سنتين، ثم رُمِي بما رُمِيَ؛ واستعمل أبا موسى، وقيل: استعمل بعد عُتْبة أبا موسى، وبعده المغيرة.
وفيها -أعني: سنة أربع عشرة- ضرب عمر ابنَه عبيد الله وأصحابَه في شراب شربوه، وأبا مِحْجن (٢). (٣: ٥٩٧).
ثم دخلت سنة خمس عشرة
ذكر الوقعة بمرْج الروم
٣٧٩ - وفي هذه السنة كانت الوقعة بمرْج الرُّوم، وكان من ذلك: أنّ أبا عُبيدة
стр. 2958
خرج بخالد بن الوليد من فحْل إلى حمْص، وانصرف بمن أضيف إليهم من اليَرموك؛ فنزلوا جميعًا على ذي الكَلاع، وقد بلغ الخبر هرقلَ، فبعث توذَرا البطريق حتى نزل بمرْج دمشق وغربها، فبدأ أبو عبيدة بمرْج الروم وجمعهم هذا، وقد هجم الشتاء عليهم والجِراحُ فيهم فاشية، فلمّا نزل على القوم بمرْج الرّوم نازله يوم نزل عليه شنس الروميّ، في مثل خيل توذرا؛ إمدادًا لتوذرا وردءًا لأهل حمص؛ فنزل في عسكر على حِدَة، فلمّا كان من الليل؛ أصبحت الأرض من توذرا بلاقعَ، وكان خالد بإزائه وأبو عبيدة بإزاء شنس، وأتى خالدًا الخبر: أنّ توذرا قد رَحل إلى دمشق، فأجمع رأيه ورأي أبي عبيدة أن يُتبعه خالد، فأتبعه خالد من ليلته في جريدة؛ وقد بلغ يزيد بن أبي سفيان الذي فعل، فاستقبله فاقتتلوا، ولحق بهم خالد وهم يقتتلون؛ فأخذهم من خلفهم، فقتلوا من بين أيديهم ومن خلفهم؛ فأناموهم ولم يفلتْ منهم إلّا الشريد؛ فأصاب المسلمون ما شاؤوا من ظَهْرٍ وأداة وثياب، وقسم ذلك يزيد بن أبي سفيان على أصحابه وأصحاب خالد، ثم انصرف يزيد إلى دمشق، وانصرف خالد إلى أبي عبيدة، وقد قتل خالد توذرا، وقال خالد:
نحن قَتْلنا توذَرا وشوذرا ... وقَبْلَه ما قد قَتلْنا حَيْدَرا
نحن أزرْنا الغَيْضةَ الأُكَيْدِرا
وقد ناهد أبو عبيدة بعد خروج خالد في أثر توذرا شنس، فاقتتلوا بمرْج الرّوم، فقتلهم مقتلة عظيمة، وقتل أبو عبيدة شنس، وامتلأ المرْج من قتلاهم؛ فأنتنت منهم الأرض، وهرب من هرب منهم، فلم يفلتهم، وركبوا أكساءهم إلى حِمْص (١). (٣: ٥٩٩/ ٥٩٨).
ذكر فتح حمْص
٣٨٠ - وعن أبي الزّهراء القُشَيْريّ، عن رجل من قومه، قال: كان أهل حِمْص يتواصوْن فيما بينهم، ويقولون: تمسَّكوا فإنّهم حُفاة، فإذا أصابهم البرد
стр. 2959
تقطّعت أقدامهم مع ما يأكلون ويشربون؛ فكانت الرّوم تَراجعُ، وقد سقطت أقدام بعضهم في خفافهم، وإن المسلمين في النِّعال ما أصيب أصبع أحد منهم، حتى إذا انخنس الشتاء، قام فيهم شيخ لهم يدعوهم إلى لمصالحة المسلمين. قالوا: كيف والملك في سلطانه وعزّه، ليس بيننا وبينهم شيء! فتركهم؛ وقام فيهم آخر فقال: ذهب الشتاء، وانقطع الرّجاء، فما تنتظرون؟ فقالوا: البِرسام، فإنما يسكن في الشتاء ويظهر في الصيف، فقال: إن هؤلاء قوم يُعانون؛ ولأنْ تأتوهم بعهد وميثاق، خير من أن تؤخذوا عَنْوة؛ أجيبوني محمودين قبل أن تجيبوني مذمومين! فقالوا: شيخ خَرِف، ولا علم له بالحرب (١). (٣: ٦٠٠).
٣٨١ - وعن أشياخ من غسّانَ وبَلْقين، قالوا: أثاب الله المسلمين على صَبْرهم أيام حِمْص أن زُلزل بأهل حِمْص؛ وذلك أنّ المسلمين ناهدوهم، فكبّروا تكبيرة زلزلت معها الرّوم في المدينة، وتصدّعت الحيطان، ففزعوا إلى رؤسائهم وإلى ذوي رأيهم ممن كان يدعوهم إلى المسالمة، فلم يجيبوهم وأذلّوهم بذلك، ثم كبَّرُوا الثانية، فتهافتت منها دور كثيرة وحيطان؛ وفزعوا إلى رؤسائهم وذوي رأيهم، فقالوا: ألا ترون إلى عذاب الله! فأجابوهم: لا يطلب الصلح غيرُكم؛ فأشرفوا فنادوْا: الصلح الصلح! ولا يشعر المسلمون بما حدث فيهم، فأجابوهم وقبلوا منهم على أنصاف دورهم، وعلى أن يترك المسلمون أموالَ الرّوم وبنيانَهم؛ لا ينزلونه عليهم، فتركوه لهم، فصالح بعضهم على صُلْح دمشق على دينار وطعام، على كلّ جريب أبدًا أيسروا أو أعسروا. وصالح بعضُهم على قَدْر طاقته؛ إن زاد ماله زيد عليه، وإن نقص نُقِص، وكذلك كان صلْح دمشق والأردنّ؛ بعضُهم على شيء إن أيسروا أو أعسروا، وبعضُهم على قَدْر طاقته، ووُلّوا مُعاملةَ ما جلا ملوكهم عنه.
وبعث أبو عبيدة السّمْطَ بن الأسود في بني معاوية، والأشعثَ بن مِئناس في السَّكون، معه ابن عابسِ، والمقداد في بَلِيّ، وبلالًا وخالدًا في الجيش، والصبّاح بن شُتَيْر وذهيل بن عطية وذا شمستان، فكانوا في قصبتها. وأقام في عسكره، وكتب إلى عمر بالفتح، وبعث بالأخماس مع عبد الله بن مسعود، وقد
стр. 2960
وفّده. وأخبر خبر هرقل؛ وأنه عبر الماء إلى الجزيرة، فهو بالرُّهاء ينغمس أحيانًا، ويطلع أحيانًا. فقدم ابن مسعود على عمر، فردّه، ثم بعثه بعد ذلك إلى سعد بالكوفة، ثم كتب إلى أبي عُبَيدة: أن أقم في مدينتك وادعُ أهلَ القوّة والجلَد من عرب الشام، فإنّي غير تارك البعثة إليك بمن يكانفك؛ إن شاء الله (١).
ذكر خبر ارتحال هِرقل إلى القسطنطينيّة
٣٨٢ - ذكر سيف عن أبي الزّهراء القُشيريّ، عن رجل من بني قُشَير، قالوا: لما خرج هِرَقل من الرُّهاء واستتبع أهلَها، قالوا: نحن هاهنا خير منّا معك، وأبوْا أن يتبعوه، وتفرّقوا عنه وعن المسلمين؛ وكان أوّل منَ أنبح كلابها، وأنفر دجاجها زياد بن حنظلة، وكان من الصحابة، وكان مع عمر ابن مالك مساندَه، وكان حليفًا لبني عبد بن قُصيّ؛ وقبل ذلك ما قد خرج هرَقل حتى شِمْشاط؛ فلما نزل القوم الرّهاء أدرب فنفذ نحو القسطنطينيّة، ولحقه رجلٌ من الرّوم كان أسيرًا في أيدي المسلمين، فأفلت. فقال له: أخبرني عن هؤلاء القوم، فقال: أحدّثك كأنّك تنظر إليهم؛ فُرسان بالنهار ورهبان بالليل، ما يأكلون في ذمّتهم إلّا بثمن، ولا يدخلون إلّا بسلام، يقفون على مَن حاربهم حتى يأتوا عليه، فقال: لئن كنت صدقتَني ليرثُنّ ما تحت قدَميّ هاتين (٢). (٣: ٦٠٢).
٣٨٣ - وعن عبادة، وخالد: أنّ هرَقل كان كلّما حجّ بيت المقدس فخلف سُورية، وظعن في أرض الرّوم التفت فقال: عليك السّلام يا سوريَة تسليم مودِّع لم يقضِ منك وطرَه، وهو عائد. فلمّا توجّه المسلمون نحو حِمْص عَبَر الماء، فنزل الرّهاء، فلم يزل بها حتى طلع أهل الكوفة وفتحت قِنَّسرين وقتِل مِيناس، فخنَس عند ذلك إلى شمشاط؛ حتى إذا فصل منها نحو الرّوم علا على شرف، فالتفت ونظر نحو سورية، وقال: عليك السلام يا سورَية، سلامًا لا اجتماع بعده، ولا يعود إليك روميّ أبدًا إلّا خائفًا، حتى يولد المولود المشؤوم، وياليته لا يولد! ما أحلَى فِعلَه، وأمرّ عاقبته على الرّوم! (٣) (٣: ٦٠٣).
стр. 2961
٣٨٤ - وعن أبي الزّهراء، وعمرو بن ميمون، قالا: لما فصَل هرقل من شمشاط داخلًا الرّوم التفت إلى سورية، فقال: قد كنت سلّمت عليك تسليم المسافر، فأمّا اليوم فعليك السلام يا سوريَة تسليم المفارق، ولا يعود إليك روميّ أبدًا إلا خائفًا، حتى يولد المولود المشؤوم، وليته لم يولد! ومضى حتى نزل القسطنطينيّة. وأخذ أهلَ الحصون التي بين إسكندريّة وطَرسُوس معه؛ لئلّا يسير المسلمون في عمارةٍ ما بين أنطاكيَة وبلاد الرّوم، وشعّث الحصون، فكان المسلمون لا يجدون بها أحدًا، وربما كمن عندها الروم؛ فأصابوا غرّة المتخلّفين، فاحتاط المسلمون لذلك (١). (٣: ٦٠٣).
ذكر فتح قَيْساريّة وحَصْر غزّة
٣٨٥ - ذكر سيف عن أبي عثمان وأبي حارثة، عن خالد، وعبادة، قالا: لما انصرف أبو عبيدة، وخالد إلى حِمْص من فِحْل، نزل عمرو، وشرحبيل على بَيْسان فافتتحاها، وصالحته الأُرْدُنّ، واجتمع عسكر الرّوم بأجناديْن، وبَيْسان وغزّة، وكتبوا إلى عمر بتفرّقهم، فكتب إلى يزيد بأن يدفئ ظهورَهم بالرّجال، وأن يسرّح معاوية إلى قَيْسارية. وكتب إلى عمرو يأمره بصدم الأرْطَبون، وإلى علقمة بصدْم الفِيقار.
وكان كتاب عمر إلى معاوية: أما بعد، فإنّي قد ولّيتك قَيساريّة، فسر إليها واستنصر الله عليهم، وأكثر من قول: "لا حول ولا قوة إلا بالله، الله ربّنا وثقتنا ورجاؤنا ومولانا، نعم المولى ونعم النصير". فانتهى الرّجلان إلى ما أمرا به، وسار معاوية في جنده حتى نزل على أهل قيساريّة وعليهم أبنى، فهزمه وحصره في قيساريّة. ثم إنهم جعلوا يزاحفونه، وجعلوا لا يزاحفونه من مرّةٍ إلّا هزمهم وردّهم إلى حصنهم، ثمّ زاحفوه آخر ذلك، وخرجوا من صياصيهم، فاقتتلوا في حفيظة واستماتة، فبلغت قتلاهم في المعركة ثمانين ألفًا، وكمّلها في هزيمتهم مئة ألف، وبعث بالفتح مع رجلين من بني الضُّبيب، ثم خاف منهما الضّعف، فبعث عبدَ الله بن علقمة الفراسيّ، وزهير بن الحلاب الخثعميّ،
стр. 2962
وأمرهما أن يتّبعاهما ويسبقاهما، فلحقاهما، فطوياهما وهما نائمان، وابن علقمة يتمثّل وهي هِجِّيراه:
أَرَّقَ عَيني أَخَوَا جُذَامِ ... كيفَ أنامُ وهُمَا أمامي!
إِذْ يرحَلانِ والهَجِيرُ طامِي ... أخو حُشَيْمٍ وأخو حَرامِ
وانطلق علقمة بن مُجَزِّز، فحصر الفيقار بغزّة، وجعل يراسله، فلم يشفه مما يريد أحد؛ فأتاه كأنّه رسول علقمة، فأمر الفيقار رجلًا أن يقعد له بالطريق، فإذا مرّ قتله، ففطِن علقمة، فقال: إنّ معي نفرًا شركائي في الرّأي، فأنطلقُ فآتيك بهم؛ فبعث إلى ذلك الرّجل: لا تعرض له. فخرج من عنده ولم يَعُد، وفعل كما فعل عمرو بالأرطبون، وانتهى بريد معاوية إلى عمر بالخبر، فجمع الناس وأباتهم على الفرح ليلًا، فحمد الله وقال: لتحمدوا الله على فتح قيساريّة، وجعل معاوية قبل الفتح وبعده يحبس الأسرَى عنده، ويقول: ما صنع ميخائيل بأسرانا صنعنا بأسراهم مثله، ففطمه عن العَبث بأسرَى المسلمين حتى افتتحها (١). (٣: ٦٠٣/ ٦٠٤).
ذكر فتح بَيْسانَ ووقعة أجْناديْن
٣٨٦ - ولمّا توجّه علقمة إلى غزّة، وتوجّه معاوية إلى قَيساريّة؛ صمد عمرو بن العاص إلى الأرْطَبون، ومرّ بإزائه، وخرج معه شُرَحبيل بن حَسَنة على مقدّمته، واستخلف على عمل الأرْدُن أبا الأعورَ، وولى عمرو بن العاص مجنّبتيه عبدَ الله بن عمرو، وجُنادة بن تميم المالكيّ -مالك بن كنانة- فخرج حتى ينزل على الرّوم بأجناديْن، والرّوم في حصونهم وخنادقهم وعليهم الأرطَبون. وكان الأرطبون أدْهى الرُّوم وأبعدَها غَوْرًا، وأنكاها فعلًا، وقد كان وضع بالرّملة جندًا عظيمًا، وبإيلياء جندًا عظيمًا؛ وكتب عمرو إلى عمر بالخبر؛ فلمّا جاءه كتاب عمرو، قال: قد رمينا أرطبون الرّوم بأرطبون العرب، فانظروا عمّ تتفرّج! وجعل عمر ﵀ من لدن وجّه أمراء الشام يمدّ كلّ أمير جند ويرميه بالأمداد؛ حتى إذا أتاه كتاب عمرو بتفريق الرّوم، كتب إلى يزيد أن يبعث
стр. 2963
معاوية في خيله إلى قيساريّة، وكتب إلى معاوية بإمرته على قتال أهل قيساريّة، وليشغلهم عن عمرو؛ وكان عمرو قد استعمل علْقمة بن حكيم الفراسيّ، ومسروق بن فلان العكّي على قتال أهل إيلياء، فصاروا بإزاء أهل إيلياء، فشغلوهم عن عمرو، وبعث أبا أيوب المالكيّ إلى الرّملة، وعليها التَّذَارِق، وكان بإزائهما، ولما تتابعت الأمداد على عمرو، بعث محمد بن عمرو مددًا لعلقمة ومسروق، وبعث عُمارة بن عمرو بن أميّة الضّمْريّ مددًا لأبي أيّوب، وأقام عمرو على أجناديْن لا يقدر من الأرطبون على سقطة، ولا تشفيه الرُّسل، فوليَه بنفسه، فدخل عليه كأنه رسول، فأبلغه ما يريد، وسمع كلامه، وتأمّل حصونَه حتى عرف ما أراد، وقال أرطبون في نفسه: والله إنّ هذا لعمرو، أو إنه لَلذي يأخذ عمرو برأيه؛ وما كنت لأصيب القوم بأمر أعظمَ عليهم من قتله. ثم دعا حرَسيًا فسارّه بقتله، فقال: اخرج. فقم مكان كذا وكذا، فإذا مرّ بك فاقتله، وفطِن له عمرو، فقال: قد سمعتَ منّي وسمعتُ منك، فأمّا ما قلتَه فقد وقع مني موقعًا؛ وأنا واحد من عشرة؛ بعثَنا عمر بن الخطاب مع هذا الوالي لنكانفه ويشهدنا أموره، فأرجع فآتيك بهم الآن، فإن رأوا في الذي عرضت مثلَ الذي أرى، فقد رآه أهل العسكر والأمير؛ وإن لم يروْه رددتَهم إلى مأمنهم، وكنتَ على رأس أمرك. فقال: نعم، ودعا رجلًا فسارّه، وقال: اذهب إلى فلان فردّه إليّ، فرجع إليه الرّجل وقال لعمرو: انطلق فجئ بأصحابك؛ فخرج عمرو ورأى ألّا يعود لمثلها، وعلم الرّوميّ بأنه قد خدعه، فقال: خدَعني الرّجُل؛ هذا أدهى الخلق. فبلغت عمر، فقال: غلبه عمرو، لله عمرو! وناهده عمرو، وقد عرف مأخذه وعاقبته، والتقوْا ولم يجد من ذلك بدًّا فالتقَوْا بأجناديْن، فاقتتلوا قتالًا شديدًا كقتال اليَرموك؛ حتى كثرت القتلى بينهم.
ثم إنّ أرطبون انهزم في الناس فأوى إلى إيلياء، ونزل عمرو أجناديْن. ولمّا أتى أرطبون إيلياء أفرج له المسلمون حتى دخلها، ثم أزالهم إلى أجناديْن، فانضمّ علقمة، ومسروق، ومحمد بن عمرو، وأبو أيّوب إلى عمرو بأجنادين، وكتب أرطبون إلى عمرو بأنك صديقي ونظيري؛ أنت في قومك مثلي في قومي؛ والله لا تفتتح من فلسطين شيئًا بعد أجناديْن، فارجع ولا تَغرّ فتلقَى ما لقي الذين قبلك من الهزيمة. فدعا عمرو رجلًا يتكلم بالروميّة، فأرسله إلى أرطبون، وأمره أن يُغرِب ويتنكّر، وقال: استمع ما يقول حتى تخبرَني به إذا رجعت إن شاء الله.
стр. 2964
وكتب إليه: جاءني كتابك وأنت نظيري ومثلي في قومك، لو أخطأتْك خَصْلة تجاهلت فضيلتي، وقد علمتَ أنِّي صاحبُ فتح هذه البلاد، وأستعدي عليك فلانًا وفلانًا وفلانًا -لوزرائه- فأقرئهم كتابي، ولينظروا فيما بيني وبينك فخرج الرسول على ما أمره به حتى أتى أرطبون فدفع إليه الكتاب بمشهد من النفر، فاقترأه، فضحكوا، وتعجّبوا، وأقبلوا على أرطبون، فقالوا: من أين علمتَ: أنه ليس بصاحبها؟ قال: صاحبها رجل اسمه "عمر" ثلاثة أحرف؛ فرجع الرّسول إلى عمرو فعرف أنه عمر.
وكتب إلى عمر يستمدّه، ويقول: إني أعالج حربًا كؤودًا صدومًا وَبلادًا ادُّخرت لك، فرأيَك. ولما كتب عمرو إلى عمر بذلك، عرف أنّ عمرًا لم يقل إلّا بعلم، فنادى في الناس، ثم خرج فيهم حتى نزل بالجابية. وجميع ما خرج عمر إلى الشام أربعَ مرّات، فأما الأولى فعلى فرَس، وأما الثانية فعلى بعير، وأما الثالثة فقصّر عنها: أن الطاعون مستعر، وأما الرابعة فدخلها على حمار. فاستخلف عليها، وخرج وقد كتب مخرجَه أوّلَ مرة إلى أمراء الأجناد أن يوافوه بالجابية -ليوم سقاه لهم في المجرّدة- وأن يستخلفوا على أعمالهم. فلقوه حيث رفعت لهم الجابية؛ فكان أوّل مَنْ لقيه يزيد، ثم أبو عبيدة، ثم خالد على الخيول، عليهم الدّيباج والحرير، فنزل وأخذ الحجارة، فرماهم بها، وقال: سَرْعَ ما لُفِتّم عن رأيكم! إيّايَ تستقبلون في هذا الزّي، وإنما شبعتم منذ سنتين! سَرْعَ ما ندّت بكم البِطْنة! وتالله لو فعلتموها على رأس المئتين لاستبدلت بكم غيركم، فقالوا: يا أمير المؤمنين، إنها يلامقة، وإنّ علينا السلاح، قال: فنعم إذًا. وركب حتى دخل الجابية وعمرو، وشُرحْبِيل بأجْنَاديْن، لم يتحرّكا من مكانهما (١). (٣: ٦٠٥/ ٦٠٦/ ٦٠٧).
ذكر فتح بيت المقدس
٣٨٧ - وعن سالم بن عبد الله، قال: لما قدم عمر ﵀ الجابيةَ؛ قال له
стр. 2965
رجل من يهود: يا أميرَ المؤمنين! لا ترجع إلى بلادك حتى يفتح الله عليك إيلياء؛ فبينا عمر بن الخطاب بها؛ إذ نظر إلى كُردوس من خيل مقبل، فلمّا دنَوْا منه سلّوا السيوف، فقال عمر: هؤلاء قوم يستأمنون، فأمّنوهم؛ فأقبلوا فإذا هم أهل إيلياء، فصالحوه على الجِزْية، وفتحوها له، فلمّا فتحت عليه دعي ذلك اليهوديّ، فقيل له: إن عنده لعلمًا. قال: فسأله عن الدجّال -وكان كثير المسألة عنه- فقال له اليهوديّ: وما مسألتك عنه يا أميرَ المؤمنين! فأنتم والله معشر العرب تقتلونه دون باب لُدٍّ ببضعَ عشرة ذراعًا (١). (٣: ٦٠٧).
٣٨٨ - وعن سالم، قال: لمّا دخل عمر الشام؛ تلقّاه رجل من يهود دمشق، فقال: السّلامُ عليك يا فاروق! أنت صاحب إيلياء لا والله لا ترجع حتى يفتح الله إيلياء؛ وكانوا قد أشجَوا عمرًا وأشجاهم؛ ولم يقدر عليها ولا على الرّملة، فبينا عمر معسكرًا بالجابية، فزع الناس إلى السلاح، فقال: ما شأنكم؟ فقالوا: ألا ترى الخيل والسيوف! فنظر، فإذا كُردوس يلمعون بالسيوف، فقال عمر: مستأمِنةٌ، ولا تُراعوا وأمِّنوهم؛ فأمّنوهم؛ وإذا هم أهل إيلياء، فأعطوْه واكتتبوا منه على إيلياء وحيّزِها، والرّملة وحيّزها؛ فصارت فلسطين نصفين: نصفٌ مع أهل إيلياء، ونصف مع أهل الرّملة؛ وهم عشر كُوَر، وفلسطين تعدِل الشام كلّه؛ وشهد ذلك اليهوديّ الصّلح، فسأله عمر عن الدجّال؛ فقال: هو من بني بنيامين؛ وأنتم يا معشَرَ العرب تقتلونه على بضع عشرة ذراعًا من باب لُدّ (٢). (٣: ٦٠٨).
٣٨٩ - وعن خالد، وعبادة، قالا: كان الذي صالح فلسطين العوامّ من أهل إيلياء والرّملة؛ وذلك أنّ أرطبون والتّذارِق لحقا بمصر مقدَمَ عمر الجابية، وأصيبا بعد في بعض الصوائف.
وقيل: كان سبب قدوم عمر إلى الشام: أنّ أبا عبيدة حضر بيت المقدس، فطلب أهله منه أن يصالحهم على صلح أهل مدن الشام، وأن يكون المتولّي للعقد عمر بن الخطاب؛ فكتب إليه بذلك، فسار عن المدينة (٣). (٣: ٦٠٨).
стр. 2966
٣٩٠ - وعن عَدِيّ بن سهل، قال: لما استمدّ أهلُ الشام عمر على أهل فلسطين؛ استخلف عليًّا، وخرج ممدًّا لهم، فقال عليّ: أين تخرج بنفسك! إنك تريد عدوًّا كَلِبًا، فقال: إني أبادر بجهاد العدوّ موت العباس؛ إنّكم لو قد فقدتم العباس؛ لانتقض بكم الشرّ كما ينتقض أوّلُ الحبْل.
قال: وانضمّ عمرو وشرحبيل إلى عمر بالجابية حين جرى الصلح فيما بينهم، فشهد الكتاب (١). (٣: ٦٠٨).
٣٩١ - وعن خالد، وعبادة، قالا: صالح عمر أهل إيلياء بالجابِية، وكتب لهم فيها الصلح لكلّ كُورة كتابًا واحدًا، ما خلا أهل إيلياء:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
هذا ما أعطى عبدُ الله عمر أمير المؤمنين أهلَ إيلياء من الأمان؛ أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم، ولكنائسهم وصلبانهم، وسقيمها وبَريئها وسائر ملّتها: أنه لا تسكن كنائسهم، ولا تُهدم، ولا يُنتقص منها، ولا من حيّزِها، ولا من صليبهم، ولا من شيء من أموالهم، ولا يُكرهون على دينهم، ولا يضارّ أحد منهم، ولا يسكنُ بإيلياء معهم أحد من اليهود، وعلى أهل إيلياء أن يعطُوا الجزية كما يُعطي أهل المدائن، وعليهم أن يخرجوا منها الرّوم واللصوت؛ فمن خرج منهم فإنه آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم؛ ومَن أقام منهم فهو آمن؛ وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجِزْية، ومنْ أحبّ من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وماله مع الرّوم ويخلّي بِيَعهم وصُلُبهم فإنّهم آمنون على أنفسهم وعلى بِيَعهم وصلبهم، حتى يبلغوا مأمنهم، ومَن كان بها من أهل الأرض قبل مقتل فلان، فمن شاء منهم قعدوا عليه مثل ما على أهل إيلياء من الجِزْية، ومن شاء سار مع الرّوم، ومن شاء رجع إلى أهله فمانه لا يؤخذ منهم شيء حتى يُحصد حصادهم؛ وعلى ما في هذا الكلتاب عهد الله وذمّة رسوله وذمّة الخلفاء وذمة المؤمنين إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية. شهد على ذلك خالد بن الوليد، وعمرو بن
стр. 2967
العاص، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاوية بن أبي سفيان. وكتب وحَضَر سنة خمس عشرة.
فأما سائر كُتبهم فعلى كتاب لُدّ:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل لُدّ، ومَن دخل معهم من أهل فلسطين أجمعين، أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلُبهم وسقيمهم وبريئهم وسائر ملّتهم، أنه لا تُسْكن كنائسهم ولا تُهدم ولا ينتقصُ منها ولا من حيّزها ولا مللها، ولا من صُلُبهم ولا من أموالهم، ولا يُكرهون على دينهم؛ ولا يضارّ أحد منهم؛ وعلى أهل لُدّ ومَن دخل معهم من أهل فلسطين أن يُعطوا الجزية كما يعطى أهلُ مدائن الشام، وعليهم إن خرجوا (مثلُ ذلك الشرط إلى آخره) ثم سرّح إليهم، وفرّق فلسطين على رجلين، فجعل علقمة بن حكيم على نصفها وأنزله الرّملة، وعلقمة بن مُجزّز على نصفها وأنزله إيلياء؛ فنزل كلّ واحد منهما في عمله في الجنود التي معه (١). (٣: ٦٠٨/ ٦٠٩).
٣٩٢ - وعن سالم، قال: استعمل علقمة بن مجزّز على إيلياء، وعلْقمة بن حكيم على الرّملة في الجنود التي كانت مع عمرو وضمّ عمرًا وشُرَحبيل إليه بالجابية، فلمّا انتهيا إلى الجابية؛ وافقا عمر ﵀ راكبًا، فقبّلا ركبتيه، وضمّ عمر كلّ واحد منهما محتضنَهما (٢). (٣: ٦١٠).
٣٩٣ - وعن عبادة، وخالد، قالا: ولما بعث عمر بأمان أهل إيلياء وسكَّنها الجند؛ شخص إلى بيت المقدس من الجابية، فرأى فرسه يتوجَّى، فنزل عنه، وأتيَ ببرذون فركبه، فهزّه فنزل، فضرب وجهه بردائه، ثم قال: قبّح الله مَنْ علمك هذا! ثم دعا بفرسه بعد ما أجمَّه أيامًا يوقِّحه فركبه، ثم سار حتى انتهى إلى بيت المقدس (٣). (٣: ٦١٠).
стр. 2968
٣٩٤ - وعن أبي صفيّة -شيخ من بني شيبان- قال: لما أتى عمرُ الشام أتىَ ببرذون فركبه، فلما سار جعل يتخلّج به، فنزل عنه، وضرب وجهه، وقال: لا علّم الله مَنْ علّمك! هذا من الخيَلاء؛ ولم يركب برذونًا قبله ولا بعده. وفتحت إيلياء وأرضها كلّها على يديه، ما خلا أجناديْن فإنها فتِحت على يدي عمرو، وقيساريّة على يديْ معاوية (١). (٣: ٦١٠).
٣٩٥ - وعن أبي مريم مولى سلامة، قال: شهدتُ فتح إيلياء مع عمر ﵀، فسار من الجابية فاصلًا حتى يقدم إيلياء، ثم مضى حتى يدخل المسجد، ثم مضى نحو محراب داود؛ ونحن معه، فدخله ثم قرأ سجدة داود فسجد وسجدنا معه (٢). (٣: ٦١٠).
٣٩٦ - وعن أنس بن مالك، قال: شهدت إيلياء مع عمر، فبينا هو يطعم النّاس يومًا بها أتاه راهبها وهو لا يشعرُ: أن الخمر محرّمة، فقال: هل لك في شراب نجده في كتبنا حلالًا إذا حرّمت الخمر! فدعاه به فقال: من أيّ شيء هذا؟ فأخبره أنه طبخه عصيرًا، حتى صار إلى ثلثه، فغرف بإصبعه، ثم حرّكه في الإناء فشطره، فقال: هذا طلاء؛ فشبّهه بالقَطِران، وشرب منه، وأمر أمراء الأجناد بالشام به؛ وكتب في الأمصار: إني أتِيت بشراب مما قد طُبخ من العصير حتى ذهب ثُلثاه وبقي ثُلثه كالطِّلاء، فاطبخوه وارزقوه المسلمين (٣).
٣٩٧ - وعن أبي عثمان، وأبي حارثة، قالا: ولحق أرْطبون بمصر مقدَمَ عمر الجابية، ولحق به مَن أحبّ ممّن أبى الصلح، ثم لحق عند صُلح أهل مصر، وغلبهم بالرّوم في البحر، وبقيَ بعد ذلك؛ فكان يكون على صوائف الرّوم، والتقى هو وصاحب صائفة المسلمين فيختلف هو ورجل من قيس يقال له: ضُريْس؛ فقطع يد القيسيّ، وقتله القيسي، فقال:
فإن يَكُنْ أرْطَبونُ الرُّوم أفسدَها ... فإنّ فيها بِحَمْدِ اللهِ مُنْتَفَعا
بَنانَتانِ وجُرْموزٌ أقيمُ به ... صدْرَ القَناةِ إِذا ما آنَسوا فَزعا
стр. 2969
وِإنْ يَكُنْ أَرْطَبُونُ الرُّومِ قَطعَها ... فقَدْ تَرَكتُ بها أوصالَه قِطَعا
وقال زياد بن حنظلة:
تَذَكَّرتُ حربَ الرُّومِ لمّا تَطاوَلَتْ ... وإذ نَحْنُ في عامٍ كثيرٍ نزائِلُهْ
وإذ نَحنُ في أرضِ الحجازِ وبَيْنَنا ... مسِيرَةُ شَهْرٍ بَيْنَهُنَّ بَلابِلهْ
وإذْ أرْطَبُون الرُّومِ يَحْمِي بِلادَهُ ... يحاوِلهُ قَرْمٌ هُناكَ يُساجِلُهْ
فلمَّا رأى الفاروق أزْمان فَتْحِها ... سما بِجُنودِ الله كَيْما يُصاوِلهْ
فلمَّا أَحَسّوه وخافوا صِوالهُ ... أتَوْهُ وقالوا أَنْتَ مِمَّنْ نُواصِلهْ
وألْقَتْ إِلَيْهِ الشام أفْلاذَ بَطْنِها ... وعَيْشًا خَصيبًا ما تُعدُّ مَآكِلهْ
أباحَ لَنا ما بيْنَ شَرْقٍ ومَغْرِبٍ ... مواريث أَعْقابٍ بَنَتْها قَرَامِلهْ
وكَمْ مُثْقَلٍ لَمْ يَضْطلعْ باحْتِمالِهِ ... تحَمَلَ عِبْئًا حينَ شالَتْ شَوائلهْ
وقال أيضًا:
سَما عُمَرٌ لما أتْتهُ رَسائلٌ ... كأصْيَدَ يَحْمِي صرْمةَ الحَيّ أغيَدَا
وقد عَضَّلتْ بالشَّأمِ أَرْضٌ بأَهلِها ... تريدُ من الأقوامِ مَن كان أَنجَدَا
فلمَّا أتاهُ ما أتاهُ أجابَهُمْ ... بجْيشٍ تَرَى مِنهُ الشَّبائِك سُجّدَا
وأقبَلَتِ الشامُ العَريضَةُ بِالذي ... أراد أبَّوَ حفص وأزكى وأزْيَدَا
فقَسَّطَ فيما بَيْنَهُمْ كلَّ جِزْيَةٍ ... وكلَّ رِفادٍ كان أهْنَا وأَحْمَدا (١)
(٢: ٦١٢/ ٦١٣).
دكر فرض العطاء وعمل الديوان
٣٩٨ - قال أبو جعفر الطبريّ: كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، والمهلّب، وزياد، والمجالد، وعمرو، عن الشعبيّ، وإسماعيل عن الحسن، وأبي ضمْرة عن عبد الله بن المُستورد عن محمد بن سيرين، ويحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيّب، والمستنير بن يزيد عن إبراهيم، وزهرة عن أبي سلمة، قالوا: فرض عمر العطاء حين فرض لأهل الفيء الذين أفاء الله عليهم؛ وهم أهل المدائن، فصاروا بعدُ إلى الكوفة، انتقلوا عن المدائن إلى الكوفة والبَصْرة ودمشق وحِمْص والأردنّ وفلسطين ومِصر، وقال:
стр. 2970
الفيء لأهل هؤلاء الأمصار ولمن لحق بهم وأعانهم، وأقام معهم ولم يفرض لغيرهم، ألا فبهم سُكنت المدائن والقرى، وعليهم جرى الصُّلْح؛ وإليهم أدِّي الجِزاء، وبهم سُدّت الفروج ودُوّخ العدّو. ثم كتب في إعطاء أهل العطاء أعطياتِهم إعطاءً واحدًا سنة خمْسَ عشرة.
وقال قائل: يا أميرَ المؤمنين! لو تركت في بيوت الأموال عدّة لكون إن كان! فقال: كلمة ألقاها الشيطان على فيك وقانِي الله شرّها؛ وهي فتنة لمن بعدي؛ بل أعدّ لهم ما أمرنا الله ورسوله طاعة لله ورسوله؛ فهما عدّتنا التي بها أفضينا إلى ما تروْن، فإذا كان هذا المال ثمن دين أحدكم هلكتم (١). (٣: ٦١٥).
٣٩٩ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، والمهلب، وطلحة، وعمرو، وسعيد؛ قالوا: لما فتح الله على المسلمين وقُتِل رستم، وقدمت على عمر الفتوح من الشام جمع المسلمين، فقال: ما يحلّ للوالي من هذا المال؟ فقالوا جميعًا: أمّا لخاصته؛ فقوتُه وقوت عياله، لا وَكْسَ ولا شَطَطَ، وكسوتهم وكسوته للشتاء والصيف، ودابّتان إلى جهاده وحوائجه وحُمْلانه إلى حَجِّهِ وعمرته، والقَسْم بالسويّة، أن يعطَى أهلُ البلاء على قدر بلائهم، ويرمَّ أمور الحاس بعد، ويتعاهدهم عند الشدائد، والنوازل؛ حتى تُكشف، ويبدأ بأهل الفيء (٢). (٣: ٦١٦).
٤٠٠ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: جمع الناس عمر بالمدينة حين انتهى إليه فتح القادسيّة ودمشق، فقال: إني كنت امرأً تاجرًا، يغني الله عيالي بتجارتي وقد شغلتموني بأمركم، فماذا تروْن أنه يحلّ لي من هذا المال؟ فأكثر القوم وعليّ ﵇ ساكت، فقال: ما تقول يا عليّ؟ فقال: ما أصلحك وأصلح عيالك بالمعروف، ليس لك من هذا المال غيره، فقال القوم: القول قولُ ابن أبي طالب (٣). (٣: ٦١٦).
стр. 2971
٤٠١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمّد، عن عبيد الله، عن نافع، عن أسلم، قال: قام رجلٌ إلى عمر بن الخطاب، فقال: ما يحلّ لك من هذا المال؟ فقال: ما أصلحني وأصلح عيالي بالمعروف، وحُلّة الشتاء وحلّة الصيف، وراحلة عمر للحجّ والعمرة، ودابّة في حوائجه وجهاده (١). (٣: ٦١٦).
٤٠٢ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن مُبَشر بن الفضيل، عن سالم بن عبد الله، قال: لمّا ولِيَ عمر؛ قعد على رزق أبي بكر الذي كانوا فرضوا له، فكان بذلك؛ فاشتدّت حاجته، فاجتمع نفر من المهاجرين منهم عثمان، وعليّ، وطلحة، والزبير، فقال الزّبير: لو قلنا لعمر في زيادة نزيدها إيّاه في رزقه! فقال عليّ: وددنا قبل ذلك؛ فانطلِقوا بنا، فقال عثمان: إنه عمر! فهلمّوا فلنستبرئ ما عنده من وراء؛ نأتي حفصة فنسألها، ونستكتمها، فدخلوا عليها، وأمروها أن تخبر بالخبر عن نفر، ولا تسمّي له أحدًا، إلا أن يقبل، وخرجوا من عندها، فلقيَت عمر في ذلك، فعرفت الغضب في وجهه، وقال: مَن هؤلاء؟ قالت: لا سبيل إلى علمهم حتى أعلم رأيَك، فقال: لو علمت مَن هم لسؤت وجوههم؛ أنت بيني وبينهم! أنشدك بالله؛ ما أفضل ما اقتنى رسول الله ﷺ في بيتكِ من الملبس؟ قالت: ثوبين ممشَّقينِ كان يلبسهما للوفد، ويخطب فيهما للجُمَع؛ قال: فأيّ الطعام ناله عندك أرفع؟ قالت: خبزنا خُبزة شعير، فصببنا عليها وهي حارّة أسفل عُكّة لنا، فجعلناها هشّة دسمة؛ فأكل منها وتطعّم منها استطابة لها. قال: فأيّ مُبسَط كان يبسطه عندك كان أوطأ؟ قالت: كساءِ لنا ثخين كنا نربّعه في الصيف، فنجعله تحتنا، فإذا كان الشتاء بسطنا نصفه وتدثَّرنا بنصفه، قال: يا حفصة! فأبلغيهم عني: أنّ رسولَ الله ﷺ قدّر، فوضع الفُضول مواضعَها؛ وتبلّغ بالتَّزجية، وإنّي قدّرت فوالله لأضعنّ الفضول مواضعها، ولأتبلغنّ بالتزجية؛ وإنما مَثَلي ومثل صاحبى كثلاثة سلكوا طريقًا؛ فمضى الأوّل وقد تزّود زادًا فبلغ، ثم اتّبعه الآخر فسلك طريقه، فأفضى إليه، ثم اتّبعه الثالث، فإن لزم طريقهما، ورضي بزادهما؛ لحِق بهما، وكان معهما؛ وإن سلك غير طريقهما؛ لم يجامعهما (٢). (٣: ٦١٦/ ٦١٧).
стр. 2972
٤٠٣ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عطية، عن أصحابه، والضحّاك عن ابن عباس، قال: لما افتُتحت القادسية، وصالح مَن صالح من أهل السّواد، وافتتحت دمشق، وصالح أهل دمشق، قال عمر للناس: أجتمعوا، فأحضروني علمكم فيما أفاء الله على أهل القادسيّة، وأهل الشام. فاجتمع رأي عمر، وعليّ على أن يأخذوا من قبل القرآن، فقالوا: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ -يعني: من الخمس- ﴿فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾: إلى الله قال الرسول؛ من الله الأمر وعلى الرسول القسم ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ الآية، ثم فسّروا ذلك بالآية التي تليها: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ الآية، فأخذوا الأربعة أخماس على ما قسم عليه الخمس فيمن بُدئ به، وثُنِّي، وثُلِّث، وأربعة أخماس لمن أفاء الله عليه المغنم، ثم استشهدوا على ذلك أيضًا: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾، فقسّم الأخماس على ذلك، واجتمع على ذلك عمر، وعليّ، وعمل به المسلمون بعدَه، فبدأ بالمهاجرين، ثم بالأنصار، ثم التابعين الذين شُهدوا معهم وأعانوهم، ثم فوض الأعطية من الجِزاء على مَن صالح أو دُعي إلى الصلح من جِزائه، مردود عليهم بالمعروف؛ وليس في الجِزاء أخماس، والجِزاء لمن منع الذّمة. ووفّى لهم ممّن ولي ذلك منهم؛ ولمن لحق بهم فأعانهم، إلا أن يؤاسوا بفضلةٍ من طيب أنفس منهم مَنْ لم ينل مثل الذي نالوا (١). (٣: ٦١٧/ ٦١٨).
قال الطبريّ: وفي هذه السنة -أعني: سنة خمس عشرة- كانت وقعات في قول سيف بن عمر، وفي قول ابن إسحاق: كان ذلك في سنة ست عشرة، وقد ذكرنا الرواية بذلك عنه قبل؛ وكذلك ذلك في قول الواقديّ.
نذكر الآن الأخبار التي وردت بما كان بين ما ذكرت من الحروب إلى انقضاء السنة التي ذكرتُ أنهم اختلفوا فيما كان فيها من ذلك:
٤٠٤ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، والمهلب، وعمرو، وسعيد، قالوا: عهد عمر إلى سَعْد حين أمره بالسَّيْر إلى المدائن أن يخلِّف النّساء والعيال بالعتيق، ويجعل معهم كَثْفًا من الجند، ففعل وعهد إليه أن
стр. 2973
يُشركهم في كلّ مغنم ما داموا يخلفون المسلمون في عيالاتهم. قالوا: وكان مُقام سعد بالقادسيّة بعد الفتح شهرين في مكاتبة عمر في العمل بما ينبغي، فقدّم زُهرة نحو اللسان -واللسان لسان البرّ الذي أدلَعه في الريف، وعليه الكوفة اليوم، والحيرة قبل اليوم- والنّخيرجان معسكر به، فارفضّ، ولم يثبت حين سمع بمسيرهم إليه، فلحق بأصحابه. قالوا: فكان مما يلعب به الصبيان في العسكر، وتلقيه النساء عليهم، وهم على شاطئ العتيق، أمر كان النساء يلعبن به في زَرود وذي قار؛ وتلك الأمواه حين أمِرُوا بالسير في جمادى إلى القادسيّة، وكان كلامًا أبَدْن فيه كالأوابد من الشعر؛ لأنه ليس بين جمادى ورجب شيء:
العَجَبْ كُلُّ العَجبْ ... بين جُمادَى ورَجَبْ
أمْرٌ قَضاه قد وَجَبْ ... يَخْبُرُه مَن قد شَجَبْ
تحت غبارٍ وَلَجَبْ (١)
(٣: ٦١٨/ ٦١٩).
خبر يوم بُرس
قال: ثمّ إنْ سعدًا ارتحل بعد الفراغ من أمر القادسيّة كلّه، وبعد تقديم زُهرة بن الحَويّة في المقدّمات إلى اللسان، ثم أتبعه عبد الله بن المعتَمّ، ثم أتبع عبدَ الله شُرحبيل بن السِّمط، ثم أتبعهم هاشم بن عتبة، وقد ولّاه خلافته، عملَ خالد بن عُرْفُطة، وجعل خالدًا على الساقة، ثم أتبعهم وكلّ المسلمين فارس مُؤدٍ قد نقل الله إليهم ما كان في عسكر فارس من سلاح وكُراع ومال، لأيّام بقين من شَوّال، فسار زُهرة حتى ينزل الكوفة -والكوفة كلّ حَصباء حمراء وسهلة حمراء مختلطتين- ثم نزل عليه عبدُ الله وشرحبيل، وارتحل زُهرة حين نزلَا عليه نحو المدائن، فلمّا انتهى إلى بُرْس لقيَه بها بُصْبُهرى في جمع فناوشوه فهزمهم، فهرب بُصْبُهْرى ومن معه إلى بابل وبها فالّة القادسيّة وبقايا رؤسائهم: النَّخيرجان ومِهران الرازيّ والهُرْمزان وأشباههم؛ فأقاموا واستعملوا عليهم الفيرُزان، وقدم عليهم بُصْبُهري وقد نجا بطعنة، فمات منها (٢). (٣: ٦١٩/ ٦٢٠).
стр. 2974
٤٠٥ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن النّضْر بن السّريّ، عن ابن الرّفيل، عن أبيه، قال: طعن زهرة بُصْبُهرى في يوم بُرْس، فوقع في النهر فمات من طعنته بعد ما لحق ببابل؛ ولما هُزم بُصْبُهرى أقبل بِسطام دِهقان بُرْس، فاعتقد من زُهرة وعقد له الجسور، وأتاه بخبر الذين اجتمعوا ببابل (١). (٣: ٦٢٠).
يوم بابل
٤٠٦ - قالوا: ولما أتى بِسْطام زهرةَ بالخبر عن الذين اجتمعوا ببابل من فُلّال القادسيّة؛ أقام وكتب إلى سعد بالخبر. ولمّا نزل سعد على مَن بالكوفة مع هاشم بن عتبة، وأتاه الخبر عن زُهرة باجتماع الفُرْس ببابل على الفيرُزان؛ قدّم عبدَ الله، وأتبعه شُرَحبيلَ وهاشمًا، ثم ارتحل بالناس، فلمّا نزل عليهم بُرْس؛ قدّم زهرة فأتبعه عبد الله وشُرَحبيل وهاشمًا، واتّبعهم فنزلوا على الفيرُزان ببابل، وقد قالوا: نقاتلهم دَسْتًا قبل أن نفترق، فاقتتلوا ببابل، فهزموهم في أسرع من لَفْتِ الرّداء، فانطلقوا على وجوههم؛ ولم يكن لهم همّة إلا الافتراق، فخرج الهرمزان متوجِّهًا نحو الأهواز، فأخذها فأكلها ومِهْرجَان قَذق، وخرج الفيرُزان معه حتى طلع على نَهاونْد، وبها كنوز كسرى؛ فأخذها وأكل الماهَيْن، وصمد النَّخيرجان ومِهران الرازيّ للمدائن، حتى عبرا بَهُرَسير إلى جانب دِجْلة الآخر، ثم قطعا الجِسْر، وأقام سعد ببابل أيّامًا، وبلغه: أن النَّخِيرجان قد خلّف شهريار؛ -دِهقانًا من دهاقين الباب- بِكُوثَى في جمع، فقدّم زهرةَ ثم أتبعه الجنودَ، فخرج زهرة حتى ينزل على شهريار بكُوثَى بعد قتل فيومان والفَرُّخان فما بين سُوَرا والدَّيْر (٢). (٣: ٦٢٠/ ٦٢١).
٤٠٧ - كتب إلي السريّ عن شعيب، عن سيف، عن النضر بن السريّ، عن ابن الرّفيل، عن أبيه، قال: كان سعد قدّم زُهرة من القادسيّة فمضى متشعبًا في حربه وجنده، ثم لم يلقَ جمعًا فهزمهم إلّا قُدّم، فأتبعهم لا يمرّون بأحد إلّا قتلوه ممّن لحقوا به منهم أو أقام لهم، حتى إذا قدّمه من بابل قدّم زُهرة بُكَيْر بن
стр. 2975
عبد الله الليثيّ وكَثير بن شهاب السعديّ أخا الغَلّاق حين عَبَر الصّراة، فيلحقون بأخرَيات القوم وفيهم فيومان والفَرّخان؛ هذا ميْسانيّ وهذا أهوازيّ، فقتل بكير الفرُّخان، وقتل كثير فيومان بسُّورا. ثمّ مضى زُهرة حتى جاوز سُورا، ثم نزل، وأقبل هاشم حتى نزل عليه، وجاء سعد حتى ينزل عليهم، ثم قدّم زُهرة، فسار تلقاء القوم، وقد أقاموا له فيما بين الدّير وكُوثَى، وقد تخلف النَّخيرجان ومِهران على جنودهما شهريار، دِهْقان الباب. ومَضَيا إلى المدائن، وأقام شهريار هنالك، فلما التقوْا بأكناف كُوثى -جيش شهريار وأوائل الخيل- خرج فنادى: ألا رجل، ألا فارس منكم شديد عظيم يخرج إليّ حتى أنكل به! فقال زُهرة: لقد أردت أن أبارزَك؛ فأمّا إذ سمعت قولك، فإنيّ لا أخرج إليك إلّا عبدًا؛ فإن أقمتَ له قتلك إن شاء الله ببغيك؛ وإن فررتَ منه فإنما فررت من عبد، وكايده؛ ثمّ أمر أبا نباتة نائل بن جُعشم الأعرجيَّ -وكان من شجعان بني تميم- فخرج إليه، ومع كلّ واحد منهما الرمح، وكلاهما وثيق الخَلْق، إلّا أنّ الشهريار مثل الجمل، فلمّا رأى نائلًا ألقى الرمح ليعتنقه، وألقى نائلٌ رمحه ليعتنقه، وانتضيا سيفيهما فاجتلدا، ثم اعتنقا فخرّا عن دابّتيهما، فوقع على نائل كأنه بيت، فضغطه بفخذه، وأخذ الخنجر وأراغ حلّ أزرار درعه، فوقعت إبهامه في فم نائل، فحطم عظمهما، ورأى منه فُتورًا، فثاوره فجلد به الأرض، ثم قعد على صدره، وأخذ خنجره، فكشف درعه عن بطنه، فطعنه في بطنه وجنبه حتى مات، فأخذ فرسه وسِواريه وسلَبه، وانكشف أصحابُه، فذهبوا في البلاد، وأقام زهرة بكوثَى حتى قدم عليه سعد، فأتى به سعدًا، فقال سعد: عزمت عليك يا نائل بن جعشم لما لبست سواريه وقَباءه ودِرْعه، ولتركبنّ بِرذونه! وغنّمه ذلك كلّه. فانطلق، فتدرّع سلبه، ثم أتاه في سلاحه على دابّته، فقال: اخلع سواريك إلّا أن ترى حربًا فتلبسهما؛ فكان أوّل رجل من المسلمين سُوِّر بالعراق (١).
٤٠٨ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، والمهلّب، وعمرو، وسعيد، قالوا: فأقام سعد بكُوثَى أيامًا، وأتى المكان الذي جلس فيه إبراهيم ﵇ بكُوثَى، فنزل جانب القوم الذين كانوا يبشّرون إبراهيم، وأتى البيت الذي كان فيه إبراهيم ﵇ محبوسًا، فنظر
стр. 2976
إليه وصلّى على رسول الله وعلى إبراهيم، وعلى أنبياء الله صلوات الله عليهم، وقرأ: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (١). (٣: ٦٢٢)
حديث بَهُرسير في ذي الحجَّة سنة خمس عشرة في قول سيف
٤٠٩ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة والمهلّب وعمرو وسعيد والنّضر، عن ابن الرُّفيل، قالوا: ثم إنّ سعدًا قدم زهرة إلى بَهرُسير، فمضى زُهرة من كُوثَى في المقدّمات حتى ينزل بَهُرسير، وقد تلقّاه شيرزاذ بساباط بالصّلح وتأدية الجِزاء، فأمضاه إلى سعد، فأقبل معه، وتبعتْه المجنّبات، وخرج هاشم، وخرج سعد في أثره، وقد فلّ زهرة كتيبة كِسرى بُوران حول المظلم، وانتهى هاشم إلى مظلم ساباط، ووقف لسعد حتى لحق به، فوافق ذلك رجوع المُقرَّطُ -أسد كان لكسرى قد ألِفه وتخيّره من أسود المظلِم- وكانت به كتائب كسرى التي تُدعى بُوران، وكانوا يحلفون بالله كلّ يوم: لا يزول مُلك فارس ما عشنا، فبادر المقرّط الناس حين انتهى إليهم سعد، فنزل إليه هاشم فقتله، وسُمِّي سيفه المَتْن، فقتل سعد رأس هاشم، وقتل هاشم قَدَم سعد، فقدّمه سعد إلى بَهُرسير، فنزل إلى المظلم وقرأ: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾، فلمّا ذهب من الليل هدأة ارتحل، فنزل على النّاس ببهُرَسير، وجعل المسلمون كلّما قدمت خيل على بُهَرسير وقفوا ثم كبّروا، فكذلك حتى نجز آخر مَنْ مع سعد، فكان مقامه بالناس على بَهُرسير شهريْن، وعبروا في الثالث (٢). (٣: ٦٢٢/ ٦٢٣).
٤١٠ - وحجّ بالناس في هذه السنة عمر بن الخطاب، وكان عامله فيها على مكة عتّاب بن أسيد، وعلى الطائف يعلَى بن مُنْية، وعلى اليمامة والبحرين عُثْمان بن أبي العاص، وعلى عُمان حُذيفة بن محصن، وعلى كُور الشام أبو عبيدة بن الجراح، وعلى الكوفة وأرضها سعد بن أبي وقاص، وعلى قضائها أبو قرّة؛ وعلى البصرة وأرضها المغيرة بن شعبة (٣). (٣: ٦٢٣).
стр. 2977
ثم دخلت سنة ستّ عشرة
قال أبو جعفر: ففيها دخل المسلمون مدينة بَهُرسير، وافتتحوا المدائن، وهرب منها يَزْدَجِرْد بن شهريار.
ذكر بقيَّة خبر دخول المسلمين مدينة بَهُرَسير
٤١١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، والمهلب، قالوا: لما نزل سعد على بَهُرسير بثّ الخيول، فأغارت على ما بَيْن دجِلْة إلى مَن له عهد من أهل الفرات، فأصابوا مئة ألف فلّاح، فحسِبوا، فأصاب كلٌّ منهم فلاحًا؛ وذلك أنّ كلهم فارس ببهرسير. فخندق لهم، فقال له شيرزاذ دِهْقان ساباط: إنك لا تصنع بهؤلاء شيئًا؛ إنما هؤلاء علوج لأهل فارس لم يجرّوا إليك، فدعْهم إليّ حتى يفرُق لكم الرأي. فكتب عليه بأسمائهم، ودفعهم إليه، فقال شيرزاذ: انصرفوا إلى قراكم.
وكتب سعد إلى عمر: إنَّا وردنا بَهُرَسِير بعد الذي لقينا فيما بين القادسيَّة وبَهُرسير، فلم يأتنا أحد لقتال؛ فبثثتُ الخيول، فجمعتُ الفلاحين من القرى والآجام؛ فرَ رأيك.
فأجابه: إن مَن أتاكم من الفلاحين إذا كانوا مقيمين لم يُعينوا عليكم فهو أمانُهم، ومَن هرب فأدركتموه فشأنَكم به.
فلما جاء الكتاب خلَّى عنهم. وراسله الدّهاقين، فدعاهم إلى الإسلام والرجوع، أو الجِزاء ولهم الذمَّة والمَنَعة، فتراجعوا على الجزاء والمنعة ولى يدخل في ذلك ما كان لآل كسرى، ومَن دخل معهم؛ فلم يبقَ في غربيّ دِجْلة إلى أرض العرب سواديّ إلّا أمِن واغتبط بمُلك الإسلام، واستقبلوا الخراج، وأقاموا
стр. 2978
على بَهُرسير شهرين يرمونها بالمجانيق ويدبّون إليهم بالدّبابات، ويقاتلونهم بكلّ عُدّة (١). (٤: ٥/ ٦).
٤١٢ - كتب إليّ السريّ عن شُعيب، عن سيف، عن المقدام بن شُرَيح الحارثيّ، عن أبيه، قال: نزل المسلمون على بَهُرسير، وعليها خَنادقها وحَرسها وعُدّة الحرب، فرموْهم بالمجانيق والعرّادات، فاستصنع سعد شيرزاذ المجانيق، فنصب على أهل بَهُرسير عشرين مِنجنيقًا، فشغلوهم بها (٢).
٤١٣ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن النّضْر بن السريّ، عن ابن الرُّفيل، عن أبيه، قال: فلما نزل سعد على بَهُرسير، كانت العرب مطيفةً بها، والعجم متحصنّة فيها، وربما خرج الأعاجم يمشون على المُسنَيَّات المشرفة على دِجْلة في جماعتهم وعُدّتهم لقتال المسلمين؛ فلا يقومون لهم، فكان آخر ما خرجوا في رجَّالة وناشبة، وتجرّدوا للحرب، وتبايعوا على الصَّبْر، فقاتلهم المسلمون فلم يثبتوا لهم، فكذَّبوا وتولوا؛ وكانتْ على زُهرة بن الجَويّة درع مفصومة، فقيل له: لو أمرتَ بهذا الفصْم فسرِد! فقال: ولم؟ قالوا: نخاف عليك منه، قال: إنيّ لَكريم على الله، أن ترك سهم فارسَ الجندَ كلَّه ثم أتاني من هذا الفصم، حتى يثبت فيّ! فكان أوّل رجل من المسلمين أصيب يومئذ بنُشّابة، فثبتت فيه من ذلك الفَصْم؛ فقال بعضهم: انزعوها عنه، فقال: دعوني، فإنّ نفسي معي ما دامت فيّ، لعلِّي أن أصيب منهم بطعنة أو ضربة أو خطوة، فمضى نحو العدوّ، فضرَب بسيفه شَهْربَراز من أهل إصطَخْر، فقتله، وأحيط به فقتل وانكشفوا (٣). (٤: ٦).
٤١٤ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن سماك بن فلان الهُجيميّ، عن أبيه، ومحمد بن عبد الله، عن أنس بن الحُلَيس، قال: بينا نحنُ محاصرو بَهُرسِير بعد زحفِهم وهزيمتهم؛ أشرفَ علينا رسول فقال: إنّ الملك يقول لكم: هل لكم إلى المصالحة على أنّ لنا ما يلينا من دجِلْة وجبلنا، ولكم ما يليكم من دجلة إلى جبلكم؟ أما شبعتم لا أشبع الله بطونكم! فبدَر الناسَ
стр. 2979
أبو مفزّر الأسود بن قُطْبة، وقد أنطقه الله بما لا يدري ما هو ولا نحن؛ فرجع الرّجل، ورأيناهم يقطعون إلى المدائن، فقلنا: يا أبا مفزّر، ما قلتَ له؟ فقال: لا والذي بعث محمدًا بالحق ما أدري ما هو؛ إلّا أنّ علىّ سكينة، وأنا أرجو أن أكون قد أنطقت بالذي هو خير؛ وانتاب الناس يسألونه حتى سمع بذلك سعد؛ فجاءنا فقال: يا أبا مفزّر، ما قلت؟ فوالله إنهم لهُرّاب؛ فحدّثه بمثل حديثه إيَّانا، فنادى في الناس، ثم نَهد بهم؛ وإنّ مجانيقنا لتخطر عليهم؛ فما ظهر على المدينة أحدٌ، ولا خرج إلينا إلّا رجل نادى بالأمان فآمنّاه، فقال: إن بقِيَ فيها أحد فما يمنعكم! فتسوّرها الرّجال، وافتتحناها، فما وجدنا فيها شيئًا ولا أحدًا؛ إلَّا أسارى أسرناهم خارجًا منها، فسألناهم وذلك الرجلَ: لأيّ شيء هربوا؟ فقالوا: بعث الملك إليكم يعرض عليكم الصلح، فأجبتموه بأنه لا يكون بيننا وبينكم صلح أبدًا حتى نأكل عسل أفريذين بأترجّ كُوثى؛ فقال الملك: واويله! ألَا إنّ الملائكة تكلَّم على ألسنتهم، تردّ علينا وتُجِيبنا عن العرب، والله لئن لم يكن كذلك؛ ما هذا إلّا شيء ألقِيَ عليَّ في هذا الرجل لننتهيَ؛ فأرَزُوا إلى المدينة القُصوى (١). (٣: ٧).
٤١٥ - كتب إليّ السريّ عن سيف، عن سعيد بن المرزبان، عن مسلم بمثل حديث سماك (٢). (٤: ٧).
٤١٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، والمهلب، وعمرو، وسعيد، قالوا: لما دخل سعد، والمسلمون بَهُرسير؛ أنزل سعد الناس فيها، وتحوّل العسكر إليها، وحاول العُبور فوجدوهم قد ضمّوا السفنَ فيما بين البَطائح وتَكْرِيت. ولما دخل المسلمون بَهُرسير -وذلك في جوف الليل- لاح لهم الأبيض، فقال ضرار بن الخطاب: الله أكبر! أبيض كسرى؛ هذا ما وعد الله ورسوله، وتابعوا التكبير حتى أصبحوا. فقال محمد: وطلحة: وذلك ليلة نزلوا على بَهُرسير (٣). (٤: ٨).
٤١٧ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن الأعمش، عن
стр. 2980
حبيب بن صهبْان أبي مالك، قال: دفعنا إلى المدائن -يعني: بَهُرسير- وهي المدينة الدّنيا، فحصرنا ملكهم وأصحابه، حتى أكلوا الكلاب والسنانير. قال: ثمّ لم يدخلوا حتى ناداهم مناب: والله ما فيها أحدٌ! فدخلوها، وما فيها أحد (١). (٨: ٤).
حديث المدائن القصوى التي كان فيها منزل كسرى
٤١٨ - قال سيف: وذلك في صفر سنة ستّ عشرة، قالوا: ولما نزل سعد بَهُرسير -وهي المدينة الدنيا- طلب السفن ليعبرَ بالناس إلى المدينة القُصْوى، فلم يقدر على شيء، ووجدهم قد ضمّوا السفن، فأقاموا ببهرسير أيامًا من صَفر يريدونه على العبور فيمنعه الإبقاء على المسلمين، حتى أتاه أعلاج فدلُّوه على مخاضة تخاض إلى صُلْب الوادي، فأبى وتردّد عن ذلك، وفجِئهم المدّ، فرأى رؤيا: أنّ خيول المسلمين اقتحمتها فعبرت وقد أقبلت من المدّ بأمر عظيم؛ فعزم لتأويل رؤياه على العُبور، وفي سنة جَوْدُ صيفها متتابع. فجمع سعد الناس، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: إنّ عدوّكم قد اعتصم منكم بهذا البحر، فلا تخلصون إليه معه، وهم يخلصون إليكم إذا شاؤوا، فيناوشونكم في سفنهم، وليس وراءكم شيء تخافون أن تُؤتَوْا منه، فقد كفاكموهم أهلُ الأيام، وعطّلوا ثغورَهم، وأفنَوْا ذادتهم، وقد رأيت من الرأي أن تبادروا جهاد العدو بنيَّاتكم قبل أن تحصركم الدّنيا، ألا إني قد عزمت على قطع هذا البحر إليهم. فقالوا جميعًا: عزم الله لنا ولك على الرُّشد، فافعل. فندب سعد الناس إلى العبور، ويقول: مَن يبدأ ويحمي لنا الفراض حتى تتلاحق به الناس لكيلا يمنعوهم من الخروج؟ فانتدب له عاصم بن عمرو ذو البأس، وانتدب بعده ستّمئة من أهل النَّجَدات، فاستعمل عليهم عاصمًا، فسار فيهم حتى وقف على شاطئ دجلة، وقال: مَن ينتدب معي لنمنع الفِراض من عدوّكم ولنحمِيَكم حتى تعبروا؟ فانتدب له ستون؛ منهم أصمُّ بني ولَّاد وشُرَحبيل، في أمثالهم، فجعلهم نصفين على خيول إناث وذُكور، ليكون أساسًا لعَوْم الخيل. ثم اقتحموا دجلة، واقتحم بقيّة الستمئة