← История

История · id 145435

صحيح وضعيف تاريخ الطبري

محمد بن طاهر البرزنجي

Полный текст (6 167 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.

стр. 3151

ثم تكلّم عثمان بن عفان، فقال: الحمدُ لله الذي اتّخذ محمّدًا نبيًّا، وبعثه رسولًا، صدقه وعده، ووهب له نصره على كلّ مَن بَعُد نسبًا، أو قرب رَحِمًا؛ ﷺ ؛ جعلنا الله له تابعين وبأمره مهتدين؛ فهو لنا نور؛ ونحن بأمره نقوم عند تفرّق الأهواء، ومجادلة الأعداء، جعلنا الله بفضله أئمة وبطاعته أمراء، لا يخرج أمرنا منّا, ولا يدخل علينا غيرنا إلا من سفِهَ الحقّ؛ ونكل عن القصد، وأحْرِ بها يا بن عوف أن تترك، وأحْذِر بها أن تكون إن خولف أمرك وترك دعاؤك؛ فأنا أوّل مجيب لك، وداعٍ إليك، وكفيل بما أقول زعيم؛ وأستغفر الله لي ولكم. ثم تكلّم الزبير بن العوام بعده، فقال: أمّا بعد: فإنّ داعيَ الله لا يجهل، ومجيبه لا يخذَل، عند تفرّق الأهواء وليّ الأعناق؛ ولن يقصّر عمّا قلت إلا غويّ، ولن يترك ما دعوت إليه إلّا شقيّ، لولا حدود لله فرضت، وفرائض لله حُدّت، تراح على أهلها، وتحيا لا تموت؛ لكان الموت من الإمارة نجاة، والفرار من الولاية عصمة، ولكن لله علينا إجابة الدعوة، وإظهار السنّة؛ لئلا نموت ميتة عمِّيَّة، ولا نَعْمَى عمى جاهليّة، فأنا مجيبك إلى ما دعوت، ومعينك على ما أمرت، ولا حوْل ولا قوة إلا بالله، وأستغفر الله لي ولكم. ثم تكلّم سعد بن أبي وقّاص، فقاله: الحمد لله بديئًا كان، وآخرًا يعود، أحمده لما نجّاني من الضلالة، وبصّرني من الغواية، فبهدي الله فاز مَن نجا، وبرحمته أفلح من زكا، وبمحمد بن عبد الله ﷺ أنارت الطرق، واستقامت السبل، وظهر كلّ حق، ومات كلّ باطل؛ إياكم أيها النّفر وقولَ الزور، وأمنيّة أهل الغرور، فقد سلبت الأمانيُّ قومًا قيلكم ورثوا ما ورثتم، ونالوا ما نلتم؛ فاتّخذهم الله عدوًّا, ولعنهم لعنًا كبيرًا. قال الله : ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ إنّي نكبت قرَني فأخذت سهمي الفالج، وأخذتُ لطلحة بن عبيد الله ما ارتضيت لنفسي؛ فأنا به كفيل، وبما أعطيتُ عنه زعيم، والأمر إليك يا بن عوف! بجهد النفس، وقصد النُّصْح، وعلى الله قصد السبيل، وإليه الرّجوع، وأستغفر الله لي ولكم؛ وأعوذ بالله من مخالفتكم. ثم تكلّم عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه؛ فقال: الحمدُ لله الذي بعث

стр. 3152

محمدًا منّا نبيًّا، وبعثه إلينا رسولًا، فنحن بيت النبوّة، ومعدن الحكمة؛ وأمان أهل الأرض، ونجاة لمن طلب، لنا حقّ إن نعطَه نأخذه؛ وإن نمنعه نركب أعجاز الإبل ولو طال السُّرَى؛ لو عهد إلينا رسول الله ﷺ عهدًا؛ لأنفذنا عهده، ولو قال لنا قولًا؛ لجادلنا عليه؛ حتى نموت. لن يسرع أحد قبلي إلى دعوة حقّ وصِلة رحم، ولا حول ولا قوة إلا بالله اسمعوا كلامي، وعوا منطقي؛ عسى أن تروا هذا الأمر من بعد هذا المجمع تُنتضَى فيه السيوف، وتُخان فيه العهود؛ حتى تكونوا جماعة، ويكون بعضكم أئمة لأهل الضلالة، وشيعةً لأهل الجهالة، ثم أنشأ يقول: فإن تكُ جاسمٌ هَلَكَتْ فإنِّي ... بما فعلتْ بنو عبدِ بنِ ضخْمِ مُطيعٌ في الهواجِرِ كلّ عَيّ ... بصيرٌ بالنَّوَى من كلِّ نَجْم فقال عبد الرحمن: أيكم يطيب نفسًا أن يخرج نفسه من هذا الأمر، ويولّيه غيرَه؟ قال: فأمسَكوا عنه، قال: فإني أخرج نفسي، وابنَ عمّي، فقلده القوم الأمر، وأحلفهم عند المنبر؛ فحلفوا ليبايعُنّ مَن بايع، وإن بايع بإحدى يديه الأخرى! فأقام ثلاثًا في داره التي عند المسجد التي يقال لها اليوم رحبة القضاء - وبذلك سمّيت رَحْبة القضاء - فأقام ثلاثًا يصلِّي بالناس صهيب. قال: وبعث عبد الرحمن إلى عليّ، فقال له: إن لم أبايعك فأشر عليّ؛ فقال: عثمان. ثم بعث إلى عثمان، فقال: إن لم أبايعك، فمن تشير عليّ؟ قال: عليّ. ثم قال لهما: انصرفا. فدعا الزبير، فقال: إن لم أبايعك؛ فمن تشير عليّ، قال: عثمان، ثم دعا سعدًا، فقال: مَنْ تشير عليّ؟ فأمّا أنا وأنت فلا نريدها، فمن تشير عليّ؟ قال: عثمان. فلمَّا كانت الليلة الثالثة، قال: يا مِسْوَر! قلت: لبّيك، قال: إنك لنائم؛ والله ما اكتحلت بغَماض منذ ثلاث. اذهب فادعُ لي عليًّا، وعثمان. قال: قلت: يا خال! بأيّهما أبدأ؟ قال: بأيّهما شئت، قال: فخرجت فأتيت عليًّا - وكان هواي فيه - فقلت: أجب خالي، فقال: بعثك معي إلى غيري؟ قلت: نعم؛ قال: إلى من؟ قلت: إلى عثمان، قال: فأيّنا أمرك أن تبدأ به؟ قلت: قد سألته فقال: بأيّهما شئت، فبدأت بك، وكان هواي فيك. قال: فخرج معي حتى أتينا المقاعد، فجلس عليها عليّ، ودخلت على عثمان فوجدته يوتر مع الفجر، فقلت: أجب خالي، فقال: بعثك

стр. 3153

معي إلى غيري؟ قلت: نعم، إلى عليّ، قال: بأيّنا أمرك أن تبدأ؟ قلت: سألته فقال: بأيّهما شئت؛ وهذا عليّ على المقاعد، فخرج معي حتى دخلنا جميعًا على خالي وهو في القبلة قائم يصلّي، فانصرف لمَّا رآنا، ثم التفت إلى عليّ، وعثمان، فقال: إنّي قد سألت عنكما وعن غيركما، فلم أجد الناس يعدلون بكما؛ هل أنت يا عليّ مبايعي على كتاب الله وسنّة نبيّه وفعل أبي بكر وعمر؟ فقال: اللهمّ لا, ولكن على جهدي من ذلك وطاقتي. فالتفت إلى عثمان، فقلت: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنّة نبيّه وفعل أبي بكر وعمر؟ قال: اللهمّ نعم، فأشار بيده إلى كتفيه، وقال: إذا شئتما! فنهضنا حتى دخلنا المسجد، وصاح صائح: الصلاة جامعة - قال عثمان: فتأخّرت والله حياء لما رأيت من إسراعه إلى عليّ؛ فكنت في آخر المسجد - قال: وخرج عبد الرحمن بن عوف وعليه عمامته التي عمَّمه بها رسول الله ﷺ ، متقلّدًا سيفه؛ حتى ركِب المنبر، فوقف وقوفًا طويلًا، ثم دعا بما لم يسمعه الناس. ثم تكلّم، فقال: أيّها الناس! إني قد سألتكم سرًّا وجهرًا عن إمامكم؛ فلم أجدكم تعدلون بأحد هذين الرجلين، إما عليّ، وإما عثمان؛ فقم إليّ يا عليّ، فقام إليه عليّ، فوقف تحت المنبر؛ فأخذ عبد الرحمن بيده، فقال: هل أنتَ مبايعي على كتاب الله وسنة نبيّه وفعل أبي بكر وعمر؟ قال: اللهم لا؛ ولكن على جَهدي من ذلك وطاقتي؛ قال: فأرسل يده ثم نادَى: قم إليّ يا عثمان؛ فأخذ بيده - وهو في موقف عليّ الذي كان فيه - فقال: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنّة نبيّه وفعل أبي بكر وعمر؟ قال: اللهمّ نعم؛ قال: فرفع رأسه إلى سقف المسجد، ويده في يد عثمان، ثم قال: اللهمّ اسمع واشهد؛ اللهمّ إنِّي قد جعلت ما في رقبتي من ذاك في رقبة عثمان. قال: وازدحم الناس يبايعون عثمان حتى غَشُوه عند المنبر، فقعد عبد الرحمن مقعد النبي ﷺ من المنبر، وأقعد عثمان على الدرجة الثانية، فجعل الناس يبايعونه، وتلكّأ عليّ، فقال عبد الرحمن: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾؛ فرجع عليّ يشقّ الناس؛ حتى بايع وهو يقول: خدعة وأيَّما خدعة! قال عبد العزيز: وإنما سبب قول علي: "خدعة"؛ أن عمرو بن العاص كان قد لقي عليًّا في ليالي الشورى، فقال: إن عبد الرحمن رجل مجتهد، وإنّه متى

стр. 3154

أعطيتَه العزيمة كان أزهدَ له فيك؛ ولكن الجهد والطاقة؛ فإنه أرغبُ له فيك. قال: ثم لقي عثمان، فقال: إنّ عبد الرحمن رجل مجتهد؛ وليس والله يبايعك إلّا بالعزيمة، فاقبَل؛ فلذلك قال عليّ: "خدعة". قال: ثم انصرف بعثمان إلى بيت فاطمة بنة قيس، فجلس والناس معه، فقام المغيرة بن شعبة خطيبًا، فقال: يا أبا محمد! الحمد لله الذي وفّقك؛ والله ما كان لها غير عثمان - وعليّ جالس - فقال عبد الرحمن: يا بن الدّباغ! ما أنت وذاك؟ ! والله ما كنت أبايع أحدًا إلّا قلتَ فيه هذه المقالة! قال: ثم جلس عثمان في جانب المسجد؛ ودعا بعبيد الله بن عمر - وكان محبوسًا في دار سعد بن أبي وقاص، وهو الذي نزع السيف من يده بعد قتله جُفينة والهُرمزان وابنة أبي لؤلؤة، وكان يقول: والله لأقتلنّ رجالًا ممن شرك في دم أبي - يعرّض بالمهاجرين والأنصار - فقام إليه سعد، فنزع السيف من يده؛ وجذب شعره حتى أضجعه إلى الأرض، وحبسه في داره حتى أخرجه عثمان إليه؛ فقال عثمان لجماعة من المهاجرين والأنصار: أشيروا عليّ في هذا الذي فتَق في الإسلام ما فتَق، فقال عليّ: أرى أن تقتله، فقال بعض المهاجرين: قتل عمر أمسِ ويقتل ابنه اليوم! فقال عمرو بن العاص: يا أميرَ المؤمنين! إن الله قد أعفاك أن يكون هذا الحَدَث كان ولك على المسلمين سلطان؛ إنما كان هذا الحدَث ولا سلطان لك؛ قال عثمان: أنا وليّهم، وقد جعلتها ديةً، واحتملتها في مالي. قال: وكان رجل من الأنصار يقال له: زياد بن لبيد البيّاضيّ إذا رأى عبيد الله بن عمر، قال: ألا يا عبيدَ الله مالك مهربٌ ... ولا مَلْجَأٌ مِنْ ابْنِ أرْوَى ولا خَفَرْ أصبْتَ دمًا والله في غير حِلّه ... حرامًا وقتلُ الهُرْمُزانِ له خَطَرْ على غيرِ شيءٍ غيرَ أن قال قائلٌ ... أتَتّهِمُونَ الهُرمزَان على عمرْ فقال سَفيهٌ - والحوادث جَمَّة ... نعم اتَّهِمْه قد أشار وقد أمر وكان سلاحُ العبدِ في جوف بيتِهِ ... يقَلّبها والأمرُ بالأمرِ يُعتَبرْ قال: فشكا عبيد الله بن عمر إلى عثمان زياد بن لَبِيد وشعره، فدعا عثمان زياد بن لَبِيد، فنهاه. قال: فأنشأ زياد يقول في عثمان:

стр. 3155

أبا عمرٍو عبيدُ الله رَهْنٌ ... فلا تَشْكُكْ بقَتْلِ الهُرمزَان فإنك إنْ غَفرْتَ الجرْمَ عنه ... وأسبابُ الخَطا فَرَسا رِهانِ أتَعْفُو إذ عَفَوتَ بغير حَقّ ... فما لك بالذي تَحْكي يدان! فدعا عثمان زياد بن لبيد فنهاه وشذّبه (١). (٤: ٢٣٤/ ٢٣٦/٢٣٥/ ٢٣٧ / ٢٣٨/ ٢٣٩/ ٢٤٠). ٦٦٠ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيّب: أن عبد الرحمن بن أبي بكر قال غداة طُعِن عمر: مررت على أبي لؤلؤة عشيّ أمس؛ ومعه جُفَينة والهرمزان، وهم نجيّ، فلما رهِقْتهم ثاروا، وسقط منهم خنجر له رأسان، نصابُه في وسطه؛ فانظروا بأيّ شيء قتل؛ وقد تخلل أهل المسجد، وخرج في طلبه رجل من بني تميم، فرجع إليهم التميميّ، وقد كان ألظَّ بأبي لؤلؤة منصرفَه عن عمر، حتى أخذه فقتله؛ وجاء بالخنجر الذي وصفه عبد الرحمن بن أبي بكر، فسمع بذلك عُبيد الله بن عمر؛ فأمسك حتى مات عمر؛ ثمّ اشتمل على السيف؛ فأتى الهرمزان فقتله؛ فلما عضّه السيف قال: "لا إله إلا الله". ثمّ مضى حتى أتى جُفينة - وكان نصرانيًّا من أهل الحيرة ظئرًا لسعد بن مالك، أقدمه إلى المدينة للصلح الذي بينه وبينهم، وليعلّم بالمدينة الكتابة - فلما علاه بالسيف صلّب بين عينيه. وبلغ ذلك صهيبًا؛ فبعث إليه عمرو بن العاص، فلم يزل به وعنه، ويقول: السيف بأبي وأمّي! حتى ناوله إياه، وثاوره سعدٌ فأخذ بشعره، وجاؤوا إلى صهيب (٢) (٤: ٢٤٠/ ٢٤١).

стр. 3156

عمال عمر ﵁ على الأمصار وفي هذه السنة - أعني: سنة ثلاث وعشرين - توفي - فيما زعم الواقديّ - قتادة بن النّعمان الظَّفَرِيّ، وصلى عليه عمر بن الخطّاب. وفيها غزا معاوية الصائفة حتى بلغ عمّورية؛ ومعه من أصحاب رسول الله ﷺ عُبادة بن الصامت، وأبو أيّوب خالد بن زيد، وأبو ذرّ، وشدّاد بن أوْس. وفيها فتح معاوية عَسْقلان على صلح. وقيل: كان على قضاء الكوفة في السنة التي توفي فيها عمر بن الخطاب ﵁ شُريح، وعلى البصرة كعب بن سُور؛ وأما مصعب بن عبد الله فإنه ذكر أن مالك بن أنس روى عن ابن شهاب: أن أبا بكر وعمر ﵄ لم يكن لهما قاضٍ. (: ٢٤١٤). * * *

стр. 3157

ضعيف تاريخ عثمان بن عفان ﵁ -

стр. 3158

ثم دخلت سنة أربع وعشرين ذكر ما كان فيها من الأحداث المشهورة ٦٦١ - ففيها بويع لعثمان بن عفان بالخلافة، واختلف في الوقت الذي بويع له فيه؛ فقال بعضهم ما حدّثني به الحارث، قال: حدّثنا ابنُ سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني أبو بكر بن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقّاص عن عثمان بن محمّد الأخنسيّ. قال: وأخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرة عن يعقوب بن زيد عن أبيه، قالا: بويع عثمان بن عفّان يوم الإثنين لليلة بقيت من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، فاستقبل بخلافته المحرّم سنة أربع وعشرين (١). (٤: ٢٤٢). ٦٦٢ - وقال آخرون ما حدّثني به أحمد بن ثابت الرازيّ عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، قال: بويع لعثمان عام الرُّعاف سنة أربع وعشرين، قيل: إنما قيل لهذه السنة عام الرّعاف؛ لأنه كثر الرُّعاف فيها في الناس (٢). (٤: ٢٤٢). ٦٦٣ - وقال آخرون - فيما كتب به إليّ السَّريّ عن شعيب، عن سيف، عن خُلَيد بن ذَفرة ومجالد؛ قالا: استُخلف عثمان لثلاث مضيْن من المحرّم سنة أربع وعشرين، فخرج فصلى بالناس العصر، وزاد: ووفّد فاستُنّ به (٣). (٤: ٢٤٢). ٦٦٤ - وكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عمر، عن الشعبيّ، قال: اجتمع أهل الشورى على عثمان لثلاث مضيْن من المحرّم، وقد دخل وقت

стр. 3159

العصر، وقد أذّن مؤذّن صُهيب، واجتمعوا بين الأذان والإقامة، فخرج فصلى بالناس، وزاد الناس مئة، ووفّد أهل الأمصار؛ وهو أوّل مَن صنع ذلك (١) (٤: ٢٤٢). ٦٦٥ - وقال آخرون - فيما ذكر ابن سعد عن الواقديّ، عن ابن جُريج عن ابن مُلَيكة، قال: بويع لعثمان لعشر مضيْن من المحرّم، بعد مقتل عمر بثلاث ليال (٢). (٤: ٢٤٢). خطبة عثمان ﵁ وقتل عبيدِ الله بن عمر الهرمزان ٦٦٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن بدر بن عثمان، عن عمّه، قال: لما بايع أهلُ الشورى عثمان؛ خرج وهو أشدّهم كآبة، فأتى مِنبر رسولِ الله ﷺ , فخطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبيّ ﷺ ، وقال: إنكم في دار قُلْعة، وفي بقية أعمار، فبادروا آجالكم بخير ما تقدرون عليه، فلقد أتيتم، صبِّحتم أو مسِّيتم؛ ألا وإن الدنيا طويت على الغرور، ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان: ٣٣]. اعتبروا بمن مضى، ثم جِدُّوا ولا تغفلوا، فإنه لا يُغْفَل عنكم. أين أبناء الدنيا وإخوانها الذين أثاروها وعَمَرُوها، ومُتِّعوا بها طويلًا، ألم تلفِظْهم! ارموا بالدنيا حيث رمَى الله بها، واطلبوا الآخرة؛ فإنّ الله قد ضرب لها مثلًا؛ وللّذي هو خير، فقال : ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ إلى قوله ﴿أَمَلًا﴾، وأقبل الناس يبايعونه (٣). (٤: ٢٤٣). ٦٦٧ - وكتب إليّ السريّ عن شُعيب، عن سيف، عن أبي منصور، قال: سمعت القماذبان يحدّث عن قتل أبيه، قال: كانت العجم بالمدينة يستروح بعضُها إلى بعض فمرّ فيروز بأبي، ومعه خنجر له رأسان، فتناوله منه، وقال: ما تصنع بهذا في هذه البلاد؟ فقال: آنسُ به؛ فرآه رجل، فلما أصيب عمر،

стр. 3160

قال: رأيتُ هذا مع الهرمزان، دفعه إلى فيروز. فأقبل عُبيد الله فقتَله؛ فلما ولي عثمان دعاني فأمكنني منه، ثم قال: يا بنيّ! هذا قاتل أبيك؛ وأنت أوْلى به منا، فاذهب فاقتله؛ فخرجت به وما في الأرض أحد إلّا معي؛ إلّا أنهم يطلبون إليّ فيه. فقلت لهم: ألي قتلُه؟ قالوا: نعم - وسبُّوا عبيدَ الله - فقلت: أفلكم أن تمنعوه؟ قالوا: لا، وسبُّوه فتركته لله ولهم. فاحتملوني؛ فو الله ما بلغتُ المنزل إلا على رؤوس الرجال وأكفّهم (١). (٤: ٢٤٣/ ٢٤٤). ولاية سعد بن أبي وقاص الكوفة ٦٦٨ - وأمّا الواقديّ: فإنه ذكر أنّ أسامة بن زيد بن أسلم حدّثه عن أبيه: أن عمرَ أوصى أن يُقَرّ عمّاله سنة؛ فلما ولي عثمان أقرّ المغيرةَ بن شعبة على الكوفة سنة، ثم عزله، واستعمل سعد بن أبي وقاص ثم عزله، واستعمل الوليد بن عُقْبة. فإن كان صحيحًا ما رواه الواقديّ من ذلك، فولاية سعد الكوفة من قبَل عثمان كانت سنة خمس وعشرين (٢). (٤: ٢٤٤). كتب عثمان ﵁ إلى عمّاله وولاته والعامّة ٦٦٩ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة بإسنادهما، قالا: لما وَليَ عثمان بعث عبد الله بن عامر إلى كابُل - وهي عُمالة سجِسْتان - فبلغ كابُل حتى استفرغَها، فكانت عُمالة سجستان أعظمَ من خُراسان؛ حتى مات معاوية، وامتنع أهل كابُل (٣). (٤: ٢٤٤). ٦٧٠ - قالوا: وكان أوّل كتاب كتبه عثمان إلى عمّاله: أمّا بعدُ: فإن الله أمَر الأئمة أن يكونوا رُعاة، ولم يتقدّم إليهم أن يكونوا جُباةً؛ وإنّ صدْر هذه الأمة خُلِقوا رُعاة، لم يُخلَقوا جُباة، وليوشكنّ أئمتكم أن يصيرُوا جُباة ولا يكونوا رعاة؛ فإذا عادوا كذلك؛ انقطع الحياء، والأمانة، والوفاء. ألَا وإنّ أعدل السِّيرة

стр. 3161

أن تنظروا في أمور المسلمين فيما عليهم، فتعطوهم ما لهم، وتأخذوهم بما عليهم؛ ثم تُثَنُّوا بالذمّة، فتعطوهم الذي لهم، وتأخذوهم بالذي عليهم. ثم العدوّ الذي تنتابون؛ فاستفتحوا عليهم بالوفاء. قالوا: وكان أوّل كتاب كتبه إلى أمراء الأجناد في الفروج: أمّا بعد، فإنكم حُماة المسلمين وذادتهم؛ وقد وضع لكم عمر ما لم يغب عنّا، بل كان عن ملأ منّا، ولا يبلغني عن أحد منكم تغيير ولا تبديل فيغيِّرَ الله ما بكم ويستبدل بكم غيركم؛ فانظروا كيف تكونون، فإني أنظر فيما ألزمني الله النَّظر فيه، والقيام عليه. قالوا: وكان أوّل كتاب كتبه إلى عمّال الخراج: أمّا بعد: فإن الله خلَق الخلْق بالحقّ؛ فلا يقبل إلا الحقّ، خذوا الحقّ وأعطوا الحقّ به. والأمانة الأمانة؛ قوموا عليها, ولا تكونوا أوّل مَن يسلبها، فتكونوا شركاء من بعدكم إلى ما اكتسبتم، والوفاء الوفاء؛ لا تظلموا اليتيم ولا المعاهد؛ فإن الله خصم لمن ظلمهم. قالوا: وكان كتابه إلى العامّة: أمّا بعد: فإنكم إنما بلغتم ما بلغتم بالاقتداء والاتّباع؛ فلا تَلْفتنَّكم الدنيا عن أمركم؛ فإنّ أمر هذه الأمة سائر إلى الابتداع بعد اجتماع ثلاث فيكم: تكامل النعم، وبلوغ أولادكم من السبايا، وقراءة الأعراب والأعاجم القرآن؛ فإن رسولَ الله ﷺ قال: "الكفر في العُجمة"؛ فإذا استعجم عليهم أمر؛ تكلّفوا، وابتدعوا (١). (٤: ٢٤٤/ ٢٤٥). ٦٧١ - وكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عاصم بن سليمان، عن عامر الشعبيّ، قال: أوّل خليفة زاد الناس في أعطياتهم مئة عثمان؛ فجرت. وكان عمر يجعل لكلّ نفس منفوسة من أهل الفيء في رمضان درهمًا في كلّ يوم، وفرض لأزواج رسول الله ﷺ درهمين درهمين؛ فقيل له: لو صنعت لهم طعامًا فَجمعتَهم عليه! فقال: أشبع الناس في بيوتهم. فأقرّ عثمان الذي كان صنع عمر؛ وزاد فوضع طعام رمضان، فقال: للمتعبد الذي يتخلف في المسجد وابن السبيل والمعترّين بالناس في رمضان (٢). (٤: ٢٤٥/ ٢٤٦).

стр. 3162

غزوة أذربيجان وأرمينية وفي هذه السنة - أعني: سنة أربع وعشرين - غزا الوليد بن عقبة أذْرَبيجان وأرمينيَة لمنع أهلها ما كانوا صالحوا عليه أهلَ الإسلام أيّام عمر في رواية أبي مِخْنف؛ وأمَّا في رواية غيره فإن ذلك كان في سنة ستّ وعشرين. ٦٧٢ - ذكر الخبر عن ذلك وما كان من أمر المسلمين وأمرهم في هذه الغزوة: ذكر هشام بن محمد: أنّ أبا مخنف حدّثه عن فروة بن لقيط الأزديّ، ثمّ الغامديّ: أنّ مغازيَ أهل الكوفة كانت الريّ، وأذْربيجان، وكان بالثغرين عشرة آلاف مقاتل من أهل الكوفة؛ ستة آلاف بأذْربيجان وأربعة آلاف بالرّيّ، وكان بالكوفة إذ ذاك أربعون ألف مقاتل؛ وكان يغزو هذين الثغرين منهم عشرة آلاف في كلّ سنة، فكان الرجل يصيبه في كلّ أربع سنين غزوة؛ فغزا الوليد بن عقبة في إمارته على الكوفة في سلطان عثمان أذْرَبيجان وأرمينية، فدعا سلمان بن ربيعة الباهليّ، فبعثه أمامه مقدّمة له، وخرج الوليد في جماعة الناس؛ وهو يريد أن يمعِنَ في أرض أرمينية، فمضى في الناس حتى دخل أْذربيجان، فبعث عبد الله بن شُبيل بن عوف الأحمسيّ في أربعة آلاف، فأغار على أهل موقان، والبَبْر، والطيْلسان، فأصاب من أموالهم وغنِم، وتحرّز القوم منه، وسبَى منهم سبيًا يسيرًا، فأقبل إلى الوليد بن عُقْبة. ثم إن الوليد صالح أهل أذْرَبيجان على ثمانمئة ألف درهم؛ وذلك هو الصلح الذي كانوا صالحوا عليه حُذيفة بن اليمان سنة اثنتين وعشرين بعد وقعة نهاوند بسنة. ثم إنهم حبسوها عند وفاة عمر، فلما ولي عثمان وولى الوليد بن عقبة الكوفة، سار حتى وطئهم بالجيش؛ فلما رأوا ذلك، انقادوا له، وطلبوا إليه أن يتمّ لهم على ذلك الصلح، ففعل، فقبض منهم المال، وبثّ فيمن حولهم من أعداء المسلمين الغاراتِ، فلما رجع إليه عبد الله بن شُبيل الأحمسيّ من غارته تلك - وقد سلم وغنم - بعث سلمان بن ربيعة الباهليّ إلى أرمينيَة في اثني عشر ألفًا، سنة أربع وعشرين. فسار في أرض أرمينيَة فقتل، وسبى، وغنم، ثم إنه

стр. 3163

انصرف وقد ملأ يديه حتى أتى الوليدَ. فانصرف الوليد وقد ظفِر وأصاب حاجته (١). (٤: ٢٤٦/ ٢٤٧). إجلاب الروم على المسلمين واستمداد المسلمين من بالكوفة وفي هذه السنة - في رواية أبي مَخْنف - جاشت الرُّوم، حتّى استمدّ من بالشأم من جيوش المسلمين من عثمان مددًا. ذكر الخبر عن ذلك: ٦٧٣ - قال هشام: حدّثني أبو مخْنف، قال: حدّثني فروة بن لقيط الأزديّ، قال: لما أصاب الوليد حاجتَه من أرمينيَة في الغزوة التي ذكرتها في سنة أربع وعشرين من تاريخه، ودخل الموصل فنزل الحديثة، أتاه كتاب من عثمان ﵁: أمّا بعد؛ فإنّ معاوية بن أبي سفيان كتب إليّ يخبرني: أنّ الروم قد أجلبت على المسلمين بجموع عظيمة، وقد رأيت أن يمدّهم إخوانهم من أهل الكوفة؛ فإذا أتاك كتابي هذا؛ فابعث رجلًا ممن ترضى نجدته وبأسه وشجاعته وإسلامه في ثمانية آلاف، أو تسعة آلاف، أو عشرة آلاف إليهم من المكان الذي يأتيك فيه رسولي؛ والسلام. فقام الوليد في الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أمّا بعد أيّها الناس! فإنّ الله قد أبلَى المسلمين في هذا الوجه بلاءً حسنًا؛ ردّ عليهم بلادهم التي كفرت، وفتَح بلادًا لم تكن افتُتِحت، وردّهم سالمين غانمين مأجورين، فالحمد لله رب العالمين. وقد كتب إليّ أمير المؤمنين يأمرني أن أندُب منكم ما بين العشرة الآلاف إلى الثمانية الآلاف، تُمدّون إخوانكم من أهل الشأم، فإنهم قد جاشت عليهم الرّوم؛ وفي ذلك الأجر العظيم، والفضْل المبين، فانتدبوا رحمكم الله مع سلمان بن ربيعة الباهليّ. قال: فانتدب الناس، فلم يمضِ ثالثة حتى خرج ثمانية آلاف رجل من أهل الكوفة، فمضوا حتى دخلوا مع أهل الشأم إلى أرض الرّوم؛ وعلى جند أهل الشأم حبيب بن مسلمة بن خالد الفهريّ،

стр. 3164

وعلى جند أهل الكوفة سلمان بن ربيعة الباهليّ، فشنُّوا الغاراتِ على أرض الروم، فأصاب الناس ما شاؤوا من سبْي، وملؤوا أيديَهم من المغنم، وافتتحوا بها حصونًا كثيرة (١). (٤: ٢٤٧/ ٢٤٨). ٦٧٤ - وزعم الواقديّ: أنّ الذي أمدّ حبيب بن مسلمة بسلمان بن ربيعة كان سعيد بن العاص، وقال: كان سبب ذلك: أنّ عثمان كتب إلى معاوية يأمره أن يُغزِيَ حبيبَ بن مسلمة في أهل الشأم أرمينيَة، فوجّهه إليها، فبلغ حبيبًا: أن الموريان الروميّ قد توتجه نحوه في ثمانين ألفًا من الروم والتُّرك، فكتب بذلك حبيب إلى معاوية، فكتب معاوية به إلى عثمان، فكتب عثمان إلى سعيد بن العاص يأمره بإمداد حبيب بن مسلمة، فأمدّه بسلمان بن ربيعة في ستة آلاف، وكان حبيب صاحب كَيْد، فأجمع على أن يبيّت المَوْريان، فسمعتْه امرأته أمّ عبد الله بنت يزيد الكلْبيّة يذكر ذلك، فقالت له: فأين موعدك؟ قال: سرادق المَوْريان، أو الجنّة، ثم بيّتهم، فقتل من أشرف له، وأتى السُّرادق فوجد امرأته قد سبقت؛ وكانت أوّل امرأة من العرب ضُرِب عليها سرادق، ومات عنها حبيب، فخلفَ عليها الضَّحَّاك بن قيس الفهريّ، فهي أمّ ولده (٢). (٤: ٢٤٨/ ٢٤٩). واختُلف فيمن حجّ بالناس في هذه السنة، فقال بعضهم: حجّ بالناس في هذه السنة عبد الرحمن بن عوف بأمر عثمان؛ كذلك قال أبو معشر والواقديّ. وقال آخرون: بل حجّ في هذه السنة عثمان بن عفان. وأما الاختلاف في الفتوح التي نسبها بعض الناس إلى أنها كانت في عهد عمر، وبعضهم إلى أنها كانت في إمارة عثمان، فقد ذكرتُ قبلُ فيما مضى من

стр. 3165

كتابنا هذا ذكر اختلاف المختلفين في تاريخ كلّ فتح كان من ذلك (١). (٤: ٢٤٩). ثم دخلت سنة خمس وعشرين ذكر الأحداث المشهورة التي كانت فيها ٦٧٥ - فقال أبو معشر، فيما حدّثني أحمد بن ثابت الرازيّ، قال: حدّثني محدّث عن إسحاق بن عيسى عنه: كان فتح الإسكندريّة سنة خمس وعشرين (٢). (٢٥٠: ٤). وقال الواقديّ: وفي هذه السنة نقضت الإسكندرية عهدها، فغزاهم عمرو بن العاص فقتلهم؛ وقد ذكرنا خبرها قبل فيما مضى، ومَن خالف أبا معشر والواقديّ في تأريخ ذلك. وفيها كان أيضًا - في قول الواقديّ - توجيهُ عبد الله بن سعد بن أبي سرْح الخيلَ إلى المغرب. قال: وكان عمرو بن العاص قد بعث بعثًا قبل ذلك إلى المغرب، فأصابوا غنائم، فكتب عبد الله يستأذنه في الغزو إلى إفريقيَة، فأذن له. قال: وحجّ بالناس في هذه السنة عثمان، واستخلف على المدينة. قال: وفيها فتح الحصون وأميرهم معاوية بن أبي سفيان. قال: وفيها وُلد يزيد بن معاوية. قال: وفيها كانت سابور الأولى فتِحت (٣). (٤: ٢٥٠). ثم دخلت سنة ست وعشرين ذكر ما كان فيها من الأحداث المشهورة فكان فيها - في قول أبي معشر والواقديّ - فتح سابور. وقد مضى ذكر الخبر عنها في قول من خالفهما في ذلك.

стр. 3166

وقال الواقديّ: فيها أمر عثمان بتجديد أنصاب الحرَم. وقال: فيها زاد عثمان في المسجد الحرام، ووسّعه وابتاع من قوم وأبى آخرون؛ فهدم عليهم؛ ووضع الأثمان في بيت المال؛ فصيّحوا بعثمان، فأمر بهم بالحبس، وقال: أتدرون ما جرّأكم عليّ! ما جرّأكم عليّ إلا حلمي، قد فعل هذا بكم عمر فلم تصيِّحوا به. ثم كلّمه فيهم عبد الله بن خالد بن أسِيد، فأخرجوا. قال: وحجّ بالناس في هذه السنة عثمان بن عفان. وفي هذه السنة عزل عثمان سعدًا عن الكوفة، وولّاها الوليد بن عقبة في قول الواقديّ؛ وأمّا في قول سيف؛ فإنه عزله عنها في سنة خمس وعشرين. وفيها ولي الوليد عليها، وذلك: أنه زعم أنه عزل المغيرة بن شعبة عن الكوفة حين مات عمر، ووجّه سعدًا إليها عاملًا، فعمل له عليها سنة وأشهرًا (١). (٢٥١: ٤). ذكر سبب عزل عثمان عن الكوفة سعدًا واستعماله عليها الوليد ٦٧٦ - كتب إليَّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عمرو، عن الشعبيّ، قال: كان أوّل ما نُزغ به بين أهل الكوفَة - وهو أوّل مصرٍ نزغ الشيطان بينهم في الإسلام -: أن سعد بن أبي وقاص استقرض من عبد الله بن مسعود من بيت المال مالًا، فأقرضه، فلقا تقاضاه لم يتيسّر عليه، فارتفع بينهما الكلام حتى استعان عبد الله بأناس من الناس على استخراج المال، واستعان سعد بأناس من الناس على استنظاره، فافترقوا وبعضهم يلوم بعضًا، يلوم هؤلاء سعدًا ويلوم هؤلاء عبد الله (٢). (٤: ٢٥١/ ٢٥٢). ٦٧٧ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: كنت جالسًا عند سعد، وعنده ابن أخيه هاشم بن

стр. 3167

عتبة، فأتى ابن مسعود سعدًا، فقال له: أدّ المال الذي قِبَلك، فقال له سعد: ما أراك إلا ستلقى شرًّا! هل أنت إلا ابن مسعود، عبد من هُذَيل! فقال: أجل؛ والله إني لابنُ مسعود، وإنك لابن حُمَيْنة، فقال هاشم: أجل والله إنكما لصاحبا رسول الله ﷺ ، يُنْظَر إليكما. فطرح سعد عودًا كان في يده - وكان رجلًا فيه حِدّة - ورفع يديه، وقال: اللهمّ رلت السموات والأرض ... فقال عبد الله: ويلكَ! قل خيرًا، ولا تلعنْ، فقال سعد عند ذلك: أما والله لولا اتّقاء الله لدعوت عليك دعوة لا تخطئك. فولى عبد الله سريعًا حتى خرج (١). (٤: ٢٥٢). ٦٧٨ - وكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن القاسم بن الوليد، عن المسيّب بن عبد خير، عن عبد الله بن عُكيم، قال: لما وقع بين ابن مسعود وسعد الكلام في قرْض أقرضه عبد الله إياه، فلم يتيسر على سعد قضاؤه؛ غضب عليهما عثمان، وانتزعها من سعد، وعزله، وغضب على عبد الله، وأقرّه، واستعمل الوليد بن عُقْبة - وكان عاملًا لعمر على ربيعة بالجزيرة - فقدم الكوفة فلم يتّخذ لداره بابًا حتى خرج من الكوفة (٢) (٤: ٢٥٢). ٦٧٩ - وكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، قالا: لما بلغ عثمان الذي كان بين عبد الله، وسعد فيما كان؛ غضب عليهما وهمّ بهما، ثم ترك ذلك، وعزل سعدًا، وأخذ ما عليه، وأقرّ عبد الله، وتقدّم إليه، وأقر مكان سعد الوليد بن عُقْبة - وكان على عرب الجزيرة عاملًا لعمر بن الخطاب - فقدم الوليد في السنة الثانية من إمارة عثمان، وقد كان سعد عمل عليها سنة وبعض أخرى، فقدم الكوفة، وكان أحبّ الناس في الناس وأرفقهم بهم؛ فكان كذلك خمس سنين، وليس على داره باب (٣). (٤: ٢٥٢). ثم دخلت سنة سبع وعشرين ذكر الأحداث المشهورة التي كانت فيها ٦٨٠ - فمما كان فيها من ذلك فتح إفريقيَة على يد عبد الله بن سعد بن

стр. 3168

أبي سرْح، كذلك حدّثني أحمد بن ثابت الرازيّ، قال: حدّثنا محدّث عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر. وهو قول الواقديّ أيضًا (١). (٤: ٢٥٣). ذكر الخبر عن فتحها، وعن سبب ولاية عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح مصر، وعزل عثمان عمرو بن العاص عنها: ٦٨١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، قالا: مات عمر وعلى مصر عمرو بن العاص، وعلى قضائها خارجة بن حذافة السهميّ، فولي عثمان، فأقرّهما سنتين من إمارته، ثم عزل عمرًا، واستعمل عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح (٢). (٤: ٢٥٣). ٦٨٢ - وكتب إليّ السريّ عن شُعيب، عن سيف، عن أبي حارثة، وأبي عثمان؛ قالا: لما ولي عثمان أقرّ عمرو بن العاص على عمله، وكان لا يعزل أحدًا إلّا عن شَكاة أو استعفاء من غير شكاة؛ وكان عبد الله بن سعد من جُنْد مصر، فأمّر عبد الله بن سعد على جنده، ورماه بالرّجال، وسرّحه إلى إفريقيَة وسرح معه عبد الله بن نافع بن عبد القيس، وعبد الله بن نافع بن الْحصين الفهريين، وقال لعبد الله بن سعد: إنْ فتح الله عليك غدًا إفريقية؛ ذلك مما أفاء الله على المسلمين خمس الخمس من الغنيمة نَفْلًا. وأمّر العبديْن على الجند، ورماهما بالرجال، وسرّحهما إلى الأندلس؛ وأمرهما، وعبد الله بن سعد بالاجتماع على الأجلّ، ثم يقيم عبد الله بن سعد في عمله ويسيران إلى عملهما. فخرجوا حتى قطعوا مصر، فلقا وغلوا في أرض إفريقيَة فأمعنوا انتهوا إلى الأجلّ، ومعه الأفناء، فاقتتلوا، فقتل الأجلّ، قتله عبد الله بن سعد، وفتح إفريقيَة سهلَها وجبلها. ثم اجتمعوا على الإسلام، وحسنت طاعتهم، وقسم عبد الله ما أفاء الله عليهم على الجند؛ وأخذ خُمس الخمس، وبعث بأربعة أخماسه إلى عثمان مع ابن وثيمة النَّصريّ، وضرب فسطاطًا في موضع القيروان، ووفّد وفدًا فشكوا عبد الله فيما أخذ، فقال لهم: أنا نفّلته - وكذلك كان يصنع - وقد أمرتُ له بذلك، وذاك إليكم الآن؛ فإن رضيتم؛ فقد جاز، وإن

стр. 3169

سخطتم؛ فهو ردّ. قالوا: فإنا نسخطه، قال: فهو ردّ، وكتب إلى عبد الله بردّ ذلك، واستصلاحهم، قالوا: فاعزله عنّا، فإنا لا نريد أن يتأمّر علينا، وقد وقع ما وقع؛ فكتب إليه أن استخلف على إفريقية رجلًا ممن ترضى، ويرضون، واقسم الخمس الذي كنت نفّلتك في سبيل الله؛ فإنهم قد سَخِطوا النّفل. ففعل، ورجع عبد الله بن سعد إلى مصر وقد فتح إفريقية، وقتل الأجلَّ. فما زالوا من أسمع أهل البلدان وأطوَعهم إلى زمان هشام بن عبد الملك؛ أحسن أمة سلامًا، وطاعةً؛ حتى دبّ إليهم أهل العراق، فلما دبّ إليهم دعاة أهل العراق، واستثاروهم؛ شقّوا عصاهم، وفرّقوا بينهم إلى اليوم. وكان من سبب تفريقهم: أنهم ردّوا على أهل الأهواء، فقالوا: إنا لا نخالف الأئمة بما تجني العمّال، ولا نحمل ذلك عليهم؛ فقالوا لهم: إنما يعمل هؤلاء بأمر أولئك، فقالوا لهم: لا نقبل ذلك حتى نبورَهم؛ فخرج ميسرة في بضعة عشر إنسانًا حتى يقدم على هشام، فطلبوا الإذن، فصعب عليهم، فأتوا الأبرش، فقالوا: أبلغ أمير المؤمنين: أنّ أميرنا يغزو بنا وبجنده، فإذا أصاب نفَّلهم دوننا، وقال: هم أحقّ به؛ فقلنا: هو أخلص لجهادنا؛ لأنا لا نأخذ منه شيئًا، إن كان لنا فهم منه في حلّ؛ وإن لم يكن لنا لم نُرِده. وقالوا: إذا حاضرنا مدينةً قال: تقدّموا، وأخّر جنده، فقلنا: تقدّموا، فإنه ازدياد في الجهاد، ومثلكم كفى إخوانه، فوقيناهم بأنفسنا، وكفيناهم. ثمّ إنهم عمَدوا إلى ماشيتنا، فجعلوا يبقرونها على السِّخال يطلبون الفِراء البيض لأمير المؤمنين، فيقتلون ألف شاة في جلد، فقلنا: ما أيسر هذا لأمير المؤمنين! فاحتملنا ذلك، وخلّيناهم وذلك. ثم إنهم سامونا أن يأخذوا كلّ جميلة من بناتنا، فقلنا: لم نجد هذا في كتاب ولا سنّة، ونحن مسلمون؛ فأحببنا أن نعلم: أعن رأي أمير المؤمنين ذلك أم لا؟ قالوا: نفعل؛ فلما طال عليهم، ونفدت نفقاتهم، كتبوا أسماءهم في رِقاع، ورفعوها إلى الوزراء، وقالوا: هذه أسماؤنا وأنسابنا؛ فإن سألكم أمير المؤمنين عنَّا؛ فأخبروه، ثم كان وجههم إلى إفريقيَة، فخرجوا على عامل هشام فقتلوه، واستولوا على إفريقيّة؛ وبلغ هشامًا الخبر، وسأل عن النّفر، فرفعت إليه أسماؤهم، فإذا هم الذين جاء الخبر أنهم صنعوا ما صنعوا (١). (٤: ٢٥٣/ ٢٥٤/ ٢٥٥).

стр. 3170

٦٩٣ - وكتب إليّ السَّريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: وأرسل عثمان عبد الله بن نافع بن الحصين، وعبد الله بن نافع بن عبد القيس من فورهما ذلك من إفريقيَة إلى الأندلس، فأتياهما من قِبَل البحر. وكتب عثمان إلى من انتدب من أهل الأندلس: أما بعد، فإنّ القسطنطينيّة إنما تفتح من قِبَل الأندلس؛ وإنكم إن افتتحتموها كنتم شركاء مَن يفتحها في الأجر، والسلام. وقال كعب الأحبار: يعبُر البحرَ إلى الأندلس أقوام يفتتحونها، يعرَفون بنورهم يوم القيامة (١). (٤: ٢٥٥). ٦٨٤ - وكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، قالا: فخرجوا؛ ومعهم البربر؛ فأتوها من برّها؛ ففتحها الله على المسلمين، وإفرنجة؛ وازدادوا في سلطان المسلمين مثل إفريقيَة؛ فلما عزل عثمان عبدَ الله بن سعد بن أبي سَرْح؛ صرف إلى عمله عبد الله بن نافع بن عبد القيس؛ وكان عليها، ورجع عبد الله بن سعد إلى مصر؛ ولم يزل أمرُ الأندلس كأمر إفريقيَة حتى كان زمان هشام، فمنع البربر أرضهم؛ وبقِيَ من في الأندلس على حاله (٢). (٤. ٢٥٥). ٦٨٥ - وأما الواقديّ؛ فإنه ذكر: أنّ ابن أبي سبْرَة حدّثه عن محمد بن أبي حرْملة، عن كُريب، قال: لما نزع عثمان عمرو بن العاص عن مصر؛ غضب عمرو غضبًا شديدًا، وحقَد على عثمان، فوجّه عبد الله بن سعد، وأمره أن يمضيَ إلى إفريقيَة؛ وندب عثمان الناس إلى إفريقية؛ فخرج إليها عشرة آلاف من قُريش، والأنصار، والمهاجرين (٣). (٤: ٢٥٦). ٦٨٦ - قال الواقديّ: وحدّثني أسامة بن زيد الليثيّ عن ابن كعب، قال: لما وجّه عثمان عبدَ الله بن سعد إلى إفريقيَة؛ كان الذي صالحهم عليه بطريق إفريقية جُرْجير ألفي ألف دينار، وخمسمئة ألف دينار، وعشرين ألف دينار، فبعث ملك الروم رسولًا، وأمره أن يأخذ منهم ثلاثمئة قنطار؛ كما أخذ منهم عبد الله بن

стр. 3171

سعد؛ فجمع رؤساء إفريقيَة، فقال: إن الملك قد أمرني أن آخذ منكم ثلاثمئة قنطار ذهب مثل ما أخذ منكم عبد الله بن سعد؛ فقالوا: ما عندنا مال نعطيه؛ فأمّا ما كان بأيدينا؛ فقد افتدينا به أنفسَنا، وأمّا الملك فإنه سيّدنا فليأخذْ ما كان له عندنا من جائزة كما كنا نعطيه كلّ سنة. فلمّا رأى ذلك أمر بحبسهم، فبعثوا إلى قوم من أصحابهم، فقدِموا عليه، فكسروا السجن، فخرجوا، وكان الذي صالحهم عليه عبد الله بن سعد ثلاثمئة قنطار ذهب؛ فأمر بها عثمان لآل الحكَم. قلت: أو لمروان؟ قال: لا أدري (١). (٤: ٢٥٦). ٦٨٧ - قال ابنُ عمر: وحدّثني أسامة بن زيد، عن يزيد بن أبي حبيب، قال: نزع عثمان عمرو بن العاص عن خراج مصر، واستعمل عبد الله بن سَعْد على الخَراج، فتباغيا، فكتَب عبد الله بن سعد إلى عثمان يقول: إنّ عمرًا كسر الخراج. وكتب عمرو: إن عبد الله كسر عليّ حيلة الحرب، فكتب عثمان إلى عمرو: انصرف؛ وولّى عبد الله بن سعد الخراج والجند، فقدم عمرو مغضَبًا، فدخل على عثمان؛ وعليه جُبّة يمانية محشوّة قطنًا، فقال له عثمان: ما حشو جُبّتِك؟ قال: عمرو، قال عثمان: قد علمتُ أن حشوَها عمرو ولم أرد هذا، إنما سألت: أقطن هو أم غيره؟ (٢) (٤: ٢٥٦). ٦٨٨ - قال الواقديّ: وحدّثني أسامة بن زيد عن يزيد بن أبي حَبيب، قال: بعث عبد الله بن سعد إلى عثمان بمال من مصر، قد حشد فيه، فدخل عمرو على عثمان؛ فقال عثمان: يا عمرو! هل تعلم أنّ تلك اللقاح درّت بعدك؟ ! فقال عمرو: إنّ فصالها هلكت. وحجّ بالناس في هذه السنة عثمان بن عفان ﵁ (٣). (٤: ٢٥٦/ ٢٥٧). وقال الواقديّ: وفي هذه السنة كان فتح إصطَخْر الثاني على يد عثمان بن أبي العاص.

стр. 3172

قال: وفيها غزا معاوية قِنَّسْرين (١). (٤: ٢٥٧). ث م دخلت سنة ثمان وعشرين ٦٨٩ - فأمّا أبو معشر؛ فإنه قال: كانت قُبْرس سنة ثلاث وثلاثين، حدّثني بذلك أحمد بن ثابت عمّن حدّثه، عن إسحاق بن عيسى، عنه (٢). (٤: ٢٥٨). ذكر الخبر عن غزوة معاوية إيّاها: ٦٩٠ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن الربيع بن النّعمان النَّصريّ، وأبي المجالد جراد بن عمرو عن رجاء بن حَيْوة، وأبي حارثة، وأبي عثمان عن رجاء، وعبادة، وخالد: قالوا: ألحّ معاوية في زمانه على عمر بن الخطاب ﵁ في غزْو البحر، وقرْب الروم من حِمْص؛ وقال: إن قريةً من قُرى حِمص ليسمع أهلها نُباحَ كلابهم وصياح دجاجهم؛ حتى كاد ذلك يأخذ بقلب عمر؛ فكتب عمر إلى عمرو بن العاص: صِفْ لي البحر وراكبه؛ فإنّ نفسي تنازعني إليه. وقال عبادة وخالد: لما أخبره ما للمسلمين في ذلك وما على المشركين، فكتب إليه عمرو: إني رأيت خَلْقًا كبيرًا يركبه خلْق صغير؛ إن رَكُن خرّق القلوب، وإن تحرّك أزاغ العقول؛ يزداد فيه اليقين قلّة، والشكّ كثرة، هم فيه كدودٍ على عود؛ إن مال غرِق، وإن نجا برِقَ. فلما قرأه عمر كتب إلى معاوية: لا والذي بعث محمدًا بالحق لا أحمل فيه مسلمًا أبدًا (٣)! (٤: ٢٥٨/ ٢٥٩). ٦٩١ - وكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن سعيد، عن عبادة بن نُسَيّ، عن جُنادة بن أبي أميّة الأزديّ، قال: كان معاوية كتب إلى عمر كتابًا في غزو البحر يرغّبه فيه، ويقول: يا أميرَ المؤمنين! إنّ بالشأم قرية يسمع أهلها نُباحَ كلاب الرّوم وصياح ديوكِهم؛ وهم تِلْقاء ساحل من سواحل حِمْص.

стр. 3173

فاتّهمه عمر لأنه المشير؛ فكتب إلى عمرو: أن صِفْ لي البحر؛ ثم اكتب إليّ بخبره: فكتب إليه: يا أمير المؤمنين! إني رأيتُ خلقًا عظيمًا، يركبه خلق صغير؛ ليس إلا السّماء والماء؛ وإنما هم كدودٍ على عود، إن مال غرِق، وإن نجا برِق (١). (٤: ٢٥٩). ٦٩٢ - وكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي عثمان، وأبي حارثة، عن عبادة، عن جُنادة بن أبي أميّة والربيع وأبي المُجالد، قالوا: كتب عمر إلى معاوية: إنا سمعنا: أن بحر الشأم يشرِف على أطول شيء على الأرض، يستأذن الله في كلّ يوم وليلة في أن يُفِيض على الأرض فيغرّقها؛ فكيف أحمل الجنود في هذا البحر الكافر المستصعب؛ وتالله لمسلمٌ أحبّ إليّ مما حوت الروم! فإيّاك أن تَعرَّض لي؛ وقد تقدّمت إليك، وقد علمت ما لقي العلاء منّي، ولم أتقدّم إليه في مثل ذلك. وقالوا: ترك ملك الروم الغزو، وكاتب عمرَ، وقاربه، وسأله عن كلمة يجتمع فيها العلم كله، فكتب إليه: أحِبّ للناس ما تحبّ لنفسك، واكره لهم ما تكره لها، تجتمع لك الحكمة كلّها. واعتبر الناس بما يليك، تجتمع لك المعرفة كلها. وكتب إليه ملك الروم - وبعث إليه بقارورة: أن املأ لي هذه القارورة من كلّ شيء، فملأها ماء، وكتب إليه: إن هذا كلّ شيء من الدنيا. وكتب إليه ملك الروم: ما بين الحق والباطل؟ فكتب إليه: أربع أصابع؛ الحقّ فيما يرى عيانًا، والباطل كثيرًا يستمَع به فيما لم يعايَن. وكتب إليه ملك الروم يسأله عمّا بين السماء والأرض وبين المشرق والمغرب، فكتب إليه: مسيرة خمسمئة عام للمسافر؛ لو كان طريقًا مبسوطًا. قال: وبعثت أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب إلى ملكة الروم بطيب، ومشارب، وأحفاش من أحفاش النساء، ودسّته إلى البريد، فأبلغه لها، وأخذ منه. وجاءت امرأة هرقل، وجمعت نساءها، وقالت: هذه هديّة امرأة ملك العرب، وبنت نبيّهم. وكاتبتها وكافأتها، وأهدت لها؛ وفيما أهدت لها عِقْد

стр. 3174

فاخر. فلما انتهى به البريد إليه أمره بإمساكه، ودعا: الصلاة جامعة، فاجتمعوا، فصلّى بهم ركعتين، وقال: إنه لا خير في أمر أبرِم عن غير شورى من أموري؛ قولوا في هديّة أهدتها أم كلثوم لامرأة ملك الروم؛ فأهدت لها امرأة ملك الروم، فقال قائلون: هو لها بالذي لها, وليست امرأة الملك بذمّة، فتصانِع به، ولا تحت يدك فتتّقيك. وقال آخرون: قد كنّا نُهدي الثياب لنستثيب، ونبعث بها لتباع، ولنصيب ثمنًا. فقال: ولكنّ الرسول رسول المسلمين، والبريد بريدهم، والمسلمون عظّموها في صدرها. فأمر بردّها إلى بيت المال، وردّ عليها بقدر نَفَقتها (١). (٤: ٢٥٩/ ٢٦٠). ٦٩٣ - وكتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن أبي حارثة وأبي عثمان، قالا: قيل لتلك المرأة التي استثارت الرّوم على عبد الله بن قيس: كيف عرفتِه؟ قالت: كان كالتاجر، فلمّا سألته أعطاني كالملك؛ فعرفت: أنه عبد الله بن قيس (٢). (٤: ٢٦١). وكتب إلى معاوية والعمّال: أمّا بعد، فقدموا على ما فارقتم عليه عمر، ولا تبدّلوا، ومهما أشكل عليكم؛ فردّوه إلينا نجمع عليه الأمة، ثمّ نردّه عليكم؛ وإيّاكم أن تغيِّروا، فإنّي لست قابلًا منكم إلا ما كان عمر يقبل. وقد كانت تنتقض فيما بين صُلح عمر، وولاية عثمان تلك الناحية، فيبعث إليها الرجل، فيفتحها الله على يديه، فيُحسب له ذلك؛ وأما الفتوح فلأوّل مَن وليَها. (٤: ٢٦١/ ٢٦٢). قال أبو جعفر: ولما غزا معاوية قبرُس؛ صالح أهلها - فيما حدّثني عليّ بن سهل، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: أخبرني سُليمان بن أبي كريمة والليث بن سعد وغيرهما من مشيخة ساحل دمشق: أنّ صلح قبرس وقَع على جزية سبعة آلاف دينار يؤدّونها إلى المسلمين في كلّ سنة، ويؤدُّون إلى الروم مثلها, ليس للمسلمين أن يحولوا بينهم وبين ذلك، على ألّا يغزوهم ولا يقاتلوا

стр. 3175

من وراءهم ممن أرادهم من خلفهم، وعليهم أن يؤذنوا المسلمين بمسير عدوّهم من الروم إليهم؛ وعلى أن يبطرِق إمام المسلمين عليهم منهم. (٤/ ٢٦٢). ٦٩٤ - قال: وحدّثني ثَوْر بن يزيد عن خالد بن معدان، عن جبَير بن نفير، قال: لما سبيناهم؛ نظرت إلى أبي الدّرداء يبكي، فقلت له: ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله، وأذلّ فيه الكفر وأهله؟ ! قال: فضرب بيده على منكبي، وقال: ثكلتْك أمّك يا جبير! ما أهون الخلق على الله إذا تركوا أمره! بينا هي أمة ظاهرة قاهرة للناس لهم المُلك؛ إذ تركوا أمر الله، فصاروا إلى ما ترى، فسلَّط عليهم السِّباء، وإذا سُلِّط السِّباء على قوم فليس لله فيهم حاجة (١). (٤: ٢٦٢). ٦٩٥ - قال الواقديّ: وحدّثني أبو سعيد: أن معاوية بن أبي سفيان صالح أهل قبرس في ولاية عثمان؛ وهو أوّل مَنْ غزا الروم؛ وفي العهد الذي بينه وبينهم ألّا يتزوّجوا في عدوّنا من الرّوم إلّا بإذننا (٢). (٤: ٢٦٢/ ٢٦٣). قال الواقديّ: وفي هذه السنة غزا حبيب بن مَسْلمة سورية من أرض الرّوم. وفيها تزوّج عثمان نائلة بنة الفَرافصة الكلبيّة، وكانت نصرانية، فتحنّثت قبل أن يدخل بها. قال: وفيها بنى داره بالمدينة - الزّوراء - وفرغ منها. قال: وفيها كان فتح فارس الأول، وإصطخر الآخر، وأميرها هشام بن عامر. قال: وحجّ بالناس عثمان في هذه السنة (٣). (٤: ٢٦٣). ثم دخلت سنة تسع وعشرين ٦٩٦ - وذكر عليّ بن محمد: أن محاربًا أخبره عن عوْف الأعرابيّ، قال: خرج غَيْلان بن خَرْشة الضبيّ إلى عثمان بن عفان، فقال: أما لكم صغير

стр. 3176

فتستشبّوه، فتولّوه البصرة! حتى متى يلي هذا الشيخ البصرة؟ ! يعني: أبا موسى؛ وكان وليَها بعد موت عمر ستّ سنين. قال: فعزله عثمان عنها، وبعث عبد الله بن عامر بن كُرَيز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، وأمه دجَّاجة بنة أسماء السُّلَميّ؛ وهو ابن خال عثمان بن عفان. قال مسلمة: فقدم البصرة، وهو ابن خمس وعشرين سنة، سنة تسع وعشرين (١). (٤: ٢٦٤). ذكر الخبر عن سبب عزل عثمان أبا موسى عن البصرة ٦٩٧ - كتب إليّ السريّ، يذكر: أنّ شعيبًا حدّثه، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: لما ولي عثمان أقرّ أبا موسى على البصرة ثلاث سنين، وعزله في الرابعة، وأمّر على خراسان عُمير بن عثمان بن سعد، وعلى سِجسْتان عبد الله بن عمير الليثِيّ - وهو من كنانة - فأثخن فيها إلى كابُل، وأثخن عمير في خُراسان حتى بلغ فَرْغانة، فلم يدع دُونها كورة إلا أصلحها؛ وبعث إلى مُكْران عبيد الله بن معمر التيميّ، فأثخن فيها حتى بلغ النّهر. وبعث على كَرْمان عبد الرحمن بن غُبَيس؛ وبعث إلى فارس والأهواز نفرًا، وضمّ سَواد البصرة إلى الحصين بن أبي الحُرّ، ثم عزل عبد الله بن عُمَير، واستعمل عبدَ الله بن عامر فأقرّه عليها سنة ثم عزله، واستعمل عاصم بن عمرو، وعزل عبد الرحمن بن غُبَيس، وأعاد عديّ بن سُهيل بن عديّ. ولما كان في السنة الثالثة؛ كفر أهل إيذج والأكراد، فنادَى أبو موسى في الناس، وحضّهم وندَبهم؛ وذكر من فضل الجهاد في الرُّجلة؛ حتى حمل نفر على دوابهم، وأجمعوا على أن يخرجوا رجالًا. وقال آخرون: لا والله لا نعجل بشيء حتى ننظر ما صنيعه؟ فإن أشبه قولُه فعلَه؛ فعلنا كما فعل أصحابنا. فلمّا كان يومَ خرج؛ أخرج ثَقَله من قصره على أربعين بغلًا، فتعلقوا بعنانه، وقالوا: احملنا على بعض هذه الفضول، وارغب من الرُّجلة فيما رغبتنا فيه، فقنّع القوم حتى تركوا دابّته ومضى، فأتوا عثمان، فاستعفوْه منه، وقالوا: ما

стр. 3177

كلّ ما نعلم نحبّ أن نقوله، فأبْدلنا به، فقال: مَن تحبّون؟ فقال غَيْلان بن خَرَشة: في كلِّ أحد عوَض من هذا العبد الذي قد أكل أرضنا، وأحيا أمر الجاهلية فينا، فلا ننفك من أشعريّ كان يعظّم مُلكه عن الأشعرين؛ ويستصغر ملك البصرة، إذا أمّرت علينا صغيرًا كان فيه عِوَض منه، أو مهتَرًا كان فيه عوَض منه؛ ومَن بين ذلك من جميع الناس خير منه. فدعا عبدَ الله بن عامر، وأمّره على البصرة، وصرف عُبيد الله بن معمر إلى فارس، واستعمل على عمله عُمير بن عثمان بن سعد. فاستعمل على خراسان في سنة أربعِ أُمَين بن أحمر اليَشْكريّ، واستعمل على سِجِسْتان في سنة أربع عمران بن الفصيل البرجميّ، وعلى كَرسان عاصم بن عمرو، فمات بها، فجاشت فارس، وانتقضت بعُبَيد الله بن معمر، فاجتمعوا له بإصطخر، فالتقوْا على باب إصطخر، فقتل عبيد الله وهزِم جنده؛ وبلغ الخبر عبد الله بن عامر، فاستنفر أهلَ البصرة؛ وخرج معه الناس، وعلى مقدّمته عثمان بن أبي العاص، فالتقوا هم وهم بإصطخر، وقتل منهم مقتلة عظيمة لم يزالوا منها في ذلّ؛ وكتب بذلك إلى عثمان؛ فكتب إليه بإمْرة هرِم بن حسان اليشكريّ، وهَرِم بن حيّان العبديّ من عبد القيس، والخرّيت بن راشد من بني سامة، والمِنْجَاب بن راشد، والتّرجُمان الهُجَيميّ، على كُوَر فاس، وفرّق خراسان بين نفر ستة: الأحنف على المرْوَين، وحبيب بن قرّة اليربوعيّ على بَلْخ - وكانت مما افتتح أهل الكوفة - وخالد بن عبد الله بن زهير على هَراة، وأُمَيْن بن أحمد اليشكريّ على طُوس، وقيس بن الهيثم السُّلميّ على نيسابور - وهو أول من خرج - وعبد الله بن خازم، وهو ابن عمه. ثم إن عثمان جمعها له قبل موته؛ فمات وقيس على خُراسان، واسىتعمل أمَين بن أحمر على سِجستان، ثم جعل عليها عبد الرحمن بن سَمُرة - وهو من آل حبيب بن عبد شمس؛ فمات عثمان وهو عليها؛ ومات وعمران على كرْمان - وعمير بن عثمان بن سعد على فارس، وابن كِندير القشيريّ على مُكْران (١). (٤: ٢٦٤/ ٢٦٥ / ٢٦٦). ٦٩٨ - وقال عليّ بن محمد: أخبرنا عليّ بن مجاهد عن أشياخه، قال:

стр. 3178

قال غَيْلان بن خَرشة لعثمان بن عفان: أمَا منكم خسيس، فترفعوه؟ ! أما منكم فقير فتجيروه؟ ! يا معشر قريش! حتى متى يأكل هذا الشيخ الأشعريّ هذه البلاد؟ ! فانتَبَه لها الشيخ؛ فولّاها عبد الله بن عامر (١). (٤: ٢٦٦). ٦٩٩ - قال عليّ بن محمد: أخبرنا أبو بكر الهذليّ؛ قال: ولّى عثمان ابنَ عامر البصرة؛ فقال الحسن: قال أبو موسى: يأتيكم غلام خرّاج ولّاج، كريم الجدّات، والخالات، والعمات؛ يُجمع له الجندان. قال: قال الحسن: فقدم ابن عامر، فجمع له جند أبي موسى، وجند عثمان بن أبي العاص الثقفيّ؛ وكان عثمان بن أبي العاص فيمن عَبَر من عُمان والبحرين (٢). (٤: ٢٦٦). ٧٠٠ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: وفّد قيس بن هيثم عبدَ الله بن خازم إلى عبد الله بن عامر في زمان عثمان، وكان عبد الله بن خازم على عبد الله بن عامر كريمًا، فقال له: اكتب لي على خراسان عهدًا، إن خرج منها قيس بن الهيثم. ففعل، فرجع إلى خراسان، فلما قتل عثمان، وبلغ الناس الخبرُ، وجاش العدوّ لذلك، قال قيس: ما ترى يا عبد الله؟ ! قال: أرى أن تُخَلّفني ولا تَخلّف عن المُضِيّ حتى تنظر فيما تنظر. ففعل، واستخلفه، فأخرج عبد الله عهدَ خلافته، وثبت على خُراسان إلى أن قام عليّ رضي الله تعالى عنه، وكانت أمّ عبد الله بن عَجْلي، فقال قيس: أنا كنت أحقّ أن أكون ابن عَجْلي من عبد الله؛ وغضب مما صنع به الآخر (٣). (٤: ٢٦٦/ ٢٦٧). وفي هذه السنة افتتح عبد الله بن عامر فارسَ في قول الواقديّ، وفي قول أبي معشر. حدّثني بقول أبي معشر أحمد بن ثابت عمّن حدثه، عن إسحاق بن عيسى، عنه. وأما قول سيف؛ فقد ذكرناه قبل (٤). (٤: ٢٦٧). وحجّ بالناس في هذه السنة عثمان، فضرب بمنى فسطاطًا، فكان أوّل فسطاط ضرب عثمان بمنىً, وأتمّ الصلاة بها، وبعرفة.

стр. 3179

٧٠١ - فذكر الواقديّ عن عمر بن صالح بن نافع، عن صالح مولى التوءمة، قال: سمعتُ ابن عباس يقول: إن أوّل ما تكلم الناس في عثمان ظاهرًا: أنه صلّى بالناس بمنىً في ولايته ركعتين؛ حتى إذا كانت السنة السادسة أتمّها، فعاب ذلك غير واحد من أصحاب النبيّ ﷺ ؛ وتكلم في ذلك مَنْ يريد أن يكثِّر عليه؛ حتى جاءه عليّ فيمن جاءه، فقال: والله ما حدَث أمرٌ، ولا قدُم عهد؛ ولقد عهدتَ نبيّك ﷺ يصلّي ركعتين. ثمّ أبا بكر، ثمّ عمر، وأنت صدرًا من ولايتك، فما أدري ما ترجع إليه! فقال: رأيٌ رأيتُه (١). (٤: ٢٦٧). ٧٠٢ - قال الواقديّ: وحدّثني داود بن خالد، عن عبد الملك بن عمرو بن أبي سفيان الثقفيّ، عن عمّه، قال: صلّى عثمان بالناس بمنىً أربعًا، فأتى آتٍ عبدَ الرحمن بن عوف، فقال: هل لك في أخيك؟ قد صلّى بالناس أربعًا! فصلّى عبد الرحمن بأصحابه ركعتين؛ ثم خرج حتى دخل على عثمان، فقال له: ألم تصلّ في هذا المكان مع رسول الله ﷺ ركعتين؟ قال: بلَى! قال: أفلم تصلّ مع أبي بكر ركعتين؟ قال: بلى! قال: أفلم تصلّ مع عمر ركعتين؟ قال: بلى! قال: ألم تصلّ صدرًا من خلافتك ركعتين؟ قال: بلى! قال: فاسمع منّي يا أبا محمد! إني أخبِرتُ: أنّ بعض من حجّ من أهل اليمن، وجُفاة الناس قد قالوا في عامنا الماضي: إنّ الصلاة للمقيم ركعتان، هذا إمامكم عثمان يصلّي ركعتين، وقد اتخذتُ بمكة أهلًا، فرأيت أن أصلّيَ أربعًا لخوفِ ما أخاف على الناس؛ وأخرى قد اتخذتُ بها زوجة، ولي بالطائف مال؛ فربما اطّلعتهُ فأقمتُ فيه بعد الصَّدَر. فقال عبد الرحمن بن عَوْف: ما من هذا شيء لك فيه عُذْر؛ أما قولك: اتخذت أهلًا، فزوجتُك بالمدينة تخرج بها إذا شئتَ، وتقدم بها إذا شئتَ؛ إنما تسكن بسكناك. وأما قولك: ولي مال بالطائف؛ فإن بينك وبين الطائف مسيرة ثلاث ليال وأنت لست من أهل الطائف. وأمّا قولك: يرجع من حجّ من أهل اليمن وغيرهم، فيقولون: هذا إمامكم عثمان يصلّي ركعتين وهو مقيم؛ فقد كان رسولُ الله ﷺ ينزل عليه الوحي والناس يومئذ الإِسلامُ فيهم قليل؛ ثم أبو بكر مثل ذلك، ثم عمَر، فضرب الإسلامُ بجِرانه، فصلّى بهم عمر حتى مات ركعتين، فقال عثمان: هذا رأيٌ رأيتُه.

стр. 3180

قال: فخرج عبدُ الرحمن، فلقيَ ابنَ مسعود، فقال: أبا محمّد، غيرُ ما يُعلم؟ قال: لا. قال: فما أصنع؟ قال: اعمل أنت بما تعلم؛ فقال ابن مسعود: الخلاف شرّ؛ قد بلغني: أنه صلّى أربعًا فصلّيت بأصحابي أربعًا، فقال عبد الرحمن بن عوف: قد بلغني أنه صلّى أربعًا، فصلّيت بأصحابي ركعتين، وأما الآن فسوف يكون الذي تقول - يعني: نصلّي معه أربعًا (١). (٤: ٢٦٨). ثم دخلت سنة ثلاثين وأما سيف بن عمر؛ فإنه ذكر: أن إصْبَهْبَذها صالح سويد بن مقرّن على ألّا يغزوَها على مال بذله له. قد مضى ذكري الخبر عن ذلك قبلُ في أيام عمر ﵁ (٢). (٤: ٢٦٩). ذكر الخبر عنه عن غزو سعيد بن العاص طَبَرِستان ٧٠٣ - حدّثني عمر بن شَبّة، قال: حدّثني عليّ بن محمد عن عليّ بن مجاهد، عن حنَش بن مالك، قال: غزا سعيد بن العاص من الكوفة سنة ثلاثين يريد خُراسان، ومعه حُذَيفة بن اليمان وناسٌ من أصحاب رسول الله ﷺ ، ومعه الحسن، والحسين، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير، وخرج عبد الله بن عامر من البصرة يريد خُراسان، فسبق سعيدًا ونزلَ أبْرَشَهر، وبلغ نزول أبْرَشَهر سعيدًا. فنزل سعيد قومِسَ؛ وهي صلْح، صالحهم حذيفة بعد نهاوند؛ فأتى جُرجان، فصالحوه على مئتي ألف، ثم أتى طَميسة، وهي كلها من طَبَرِسنان جُرجان، وهي مدينة على ساحل البحر، وهي في تُخوم جُرجان، فقاتَله أهلها حتى صلّى صلاة الخوف، فقال لحذيفة: كيف صلّى رسولُ الله ﷺ ؟ فأخبره، فصلّى بها سعيد صلاة الخوف، وهم يقتتلون، وضرب يومئذ سعيد رجلًا من المشركين على حبل عاتقه، فخرج السّيْف من تحت مِرْفقه؛ وحاصرهم، فسألوا الأمان؛ فأعطاهم على ألّا يقتل منهم رجلًا واحدًا، ففتحوا الحصن، فقتلهم جميعًا إلا رجلًا

стр. 3181

واحدًا؛ وحوى ما كان في الحصن، فأصاب رجل من بني نَهد سَفَطًا عليه قُفل، فظنّ فيه جوهرًا؛ وبلغ سعيدًا، فبعث إلى النهديّ، فأتاه بالسَّفَط، فكسروا قُفله؛ فوجدوا فيه سَفطًا، ففتحوه، فإذا فيه خرقة سوداء مُدرجة فنشروها، فوجدوا خِرقة حمراء فنشروها، فإذا خرقة صفراء؛ وفيها أيْران: كُميت ووَرْد، فقال شاعر يهجو بني نهد: آبَ الكِرامُ بالسَّبايا غنيمةً ... وفاز بنو نَهْدٍ بأَيْرَيْنِ في سَفَطْ كُمَيْتٍ ووَرْدٍ وافِريْنِ كِلاهُما ... فظَنُّوهُمَا غُنْمًا فناهيك من غَلطْ! وفتح سعيد بن العاص نامية، وليست بمدينة، هي صحارى (١). (٤: ٢٦٩/ ٢٧٠). ٧٠٤ - وحدّثني عمر بن شبّة، قال: حدّثنا عليّ بن محمد، قال: أخبرني عليّ بن مجاهد عن حَنَش بن مالك التغلبيّ، قال: غزا سعيد سنة ثلاثين، فأتى جُرجان، وطَبَرِستان، معه عبد الله بن العباس، وعبد الله بن عمر، وابن الزبير وعبد الله بن عمرو بن العاص؛ فحدّثني عِلْج كان يخدمُهم قال: كنت أتيتهم بالسُّفْرة، فإذا أكلوا؛ أمروني، فنفضتها، وعلّقتها، فإذا أمسوا، أعطوني باقيَه. قال: وهلك مع سعيد بن العاص محمد بن الحكم بن أبي عَقيل الثقفيّ، جدّ يوسف بن عمر، فقال يوسف لقحذَم: يا قحذَم! أتدري أين مات محمد بن الحكم؟ قال: نعم، استُشهد مع سعيد بن العاص بطَبرِستان، قال: لا، مات بها وهو مع سعيد، ثم قفل سعيد إلى الكُوفة، فمدحه كعب بن جُعيل، فقال: فنِعْمَ الفَتَى إذ جال جيلانُ دونَه ... وإذ هَبَطوا من دَسْتَيَ ثمَّ أبْهَرا تَعلّمْ سَعيدَ الخَيْرِ أنّ مَطِيّتي ... إذا هَبَطَتْ أشْفقْتُ مِن أن تُعقَّرا كأنَّكَ يَوْمَ الشِّعْبِ لَيثُ خفيَّةٍ ... تحَرَّدَ مِن ليْثِ العَرِينِ وأصْحَرا تَسوسُ الَّذي ما ساس قبْلك واحدٌ ... ثمانينَ ألْفًا دارعينَ وحُسَّرا وحدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ، عن كليب بن خلف وغيره: أنّ سعيد بن العاص صالح أهل جُرجان، ثم امتنعوا، وكفروا، فلم يأت جُرجان بعد سعيد أحد، ومنعوا ذلك الطريق؛ فلم يكن أحد يسلك طريق خُراسان من ناحية قُومِس

стр. 3182

إلّا على وجَل، وخوف من أهل جُرجان، وكان الطريق إلى خراسان من فارس إلى كَرْمان، فأوّل من صيّر الطريق من قُومِس قتيبة بن مسلم حين ولي خراسان (١). (٤: ٢٧٠/ ٢٧١). ٧٠٥ - وحدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ عن كليب بن خلف العَمِّيّ، عن طفيل بن مرداس العَميّ، وإدريس بن حنظلة العَميّ: أن سعيد بن العاص صالح أهل جُرجان؛ وكانوا يجبون أحيانًا مئة ألف، ويقولون: هذا صلحنا، وأحيانًا مئتي ألف، وأحيانًا ثلاثمئة ألف؛ وكانوا ربما أعطوا ذلك، وربما منعوه؛ ثم امتنعوا، وكفروا، فلم يُعطوا خراجًا حتى أتاهم يزيد بن المهلب، فلم يعازّه أحد حين قدمها، فلما صالح صُولا، وفتح البُحيرة، ودِهستان، صالح أهل جُرجان على صلح سعيد بن العاص (٢). (٤: ٢٧١). وفي هذه السنة - أعني: سنة ثلاثين - عزل عثمان الوليد بن عقبة عن الكوفة، وولاها سعيد بن العاص في قول سيف بن عمر. ذكر السبب في عزل عثمان الوليد عن الكوفة وتوليته سعيدًا عليها ٧٠٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، قالا: لما بلغ عثمانَ الذي كان بين عبد الله وسعد غضب عليهما، وهمّ بهما، ثم ترك ذلك، وعزل سعدًا، وأخذ ما عليه، وأقرّ عبد الله، وتقدّم إليه، وأمّر مكان سعد الوليد بن عُقبة - وكان على عرب الجزيرة عاملًا لعمر بن الخطاب - تقدم الوليد في السنة الثانية من إمارة عثمان؛ وقد كان سعد عمل عليها سنة وبعض أخرى؛ فقدم الكوفة، وكان أحبّ الناس في الناس وأرفقهم بهم؛ فكان كذلك خمس سنين، وليس على داره باب. ثمّ إن شبابًا من شباب أهل الكوفة نقبوا على ابن الحيسُمان الخُزاعيّ، وكاثروه، فنذر بهم، فخرج عليهم بالسيف، فلما رأى كثرَتهم؛ استصرخ، فقالوا له: اسكت، فإنما هي ضربة حتى نريحك من رَوعة هذه الليلة - وأبو شُريح الخزاعيّ مشرف عليهم - فصاح

стр. 3183

بهم، وضربوه، فقتلوه، وأحاط الناس بهم فأخذوهم؛ وفيهم زهير بن جُندب الأزديّ، ومورِّع بن أبي مورِّع الأسديّ، وشُبيل بن أُبيّ الأزديّ، في عدّة. فشهد عليهم أبو شُريح، وابنه أنهم دخلوا عليه، فمنع بعضهم بعضًا من الناس، فقتله بعضهم، فكتب فيهم إلى عثمان، فكتب إليه في قتلهم، فقتلهم على باب القصر في الرَّحَبة، وقال في ذلك عمرو بن عاصم التميميّ: لا تَأكُلوا أبدًا جيرانَكمْ سَرَفًا ... أهْلَ الزّعارةِ في مُلكِ ابْنِ عَفَّانِ وقال أيضًا: إنَّ ابْنَ عَفَّانَ الذي جَرَّبْتُم ... فَطَمَ اللصوصَ بمُحْكَم الفُرْقانِ ما زال يَعْمَلُ بالكِتابِ مُهَيمنًا ... في كُلِّ عُنْقٍ مِنْهُمُ وبَنَانِ (١) (٤: ٢٧١/ ٢٧٢). ٧٠٧ - وكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عبد الله بن سعيد، عن أبي سعيد، قال: كان أبو شُريح الخزاعيّ من أصحاب رسولِ الله ﷺ ، فتحوّل من المدينة إلى الكوفة ليدنوَ من الغزو؛ فبينا هو ليلة على السطح؛ إذ استغاث جاره، فأشرف فإذا هو بشباب من أهل الكوفة قد بيَّتوا جاره؛ وجعلوا يقولون له: لا تصِحْ، فإنما هي ضربة حتى نريحَك؛ فقتلوه. فارتحل إلى عثمان، ورجع إلى المدينة، ونقل أهله، ولهذا الحديث حين كثُر أحدِثت القسامة؛ وأخِذ بقول وليّ المقتول: ليُفطَم الناس عن القتل عن ملأ من الناس يومئذ (٢). (٤: ٢٧٢). ٧٠٨ - وكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن كُريب، عن نافع بن جبير، قال: قال عثمان: القَسامة على المدَّعَى عليه وعلى أوليائه؛ يحلف منهم خمسون رجلًا إذا لم تكن بيّنَة؛ فإن نقصت قَسامتهم، أو إن نكَل رجل واحدٌ ردّت قسامتهم ووليَها المدّعُون؛ وأحلِفوا، فإن حلف منهم خمسون استحقُّوا (٣). (٤: ٢٧٢).

стр. 3184

٧٠٩ - وكتب إليّ السّريّ عن شعيب، عن سيف، عن الغُصْن بن القاسم، عن عَوْن بن عبد الله، قال: كان مما أحدث عثمان بالكوفة إلى ما كان من الخبر: أنه بلغه أنّ أبا سمّال الأسديّ في نفر من أهل الكوفة، ينادي مناد لهم إذا قدم المُيّار: مَن كان ها هنا من كلب، أو بني فلان ليس لقومهم بها منزل؛ فمنزله على أبي سمّال. فاتّخذ موضع دار عَقيل دار الضّيفان، ودار ابن هبّار، وكان منزل عبد الله بن مسعود في هُذيل في موضع الرّمادة، فنزل موضع داره، وترك داره دار الضيافة، وكان الأضياف ينزلون داره في هذيل إذا ضاق عليهم ما حول المسجد (١). (٤: ٢٧٣). ٧١٠ - وكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن المغيرة بن مقسَم، عمّن أدرك من علماء أهل الكوفة: أنّ أبا سمّال كان ينادي مناديه في السوق، والكُناسة: مَن كان ها هنا من بني فلان وفلان - لمن ليست له بها خُطّة - فمنزله على أبي سَمّال؛ فاتّخذ عثمان للأضياف منازل (٢). (٤: ٢٧٣). ٧١١ - وكتب إليّ السّريّ عن شعيب، عن سيف، عن مولى لآل طلحة، عن موسى بن طلحة مثلَه (٣). (٤: ٢٧٣). ٧١٢ - وكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة قالا: كان عمر بن الخطاب قد استعمل الوليد بن عُقبة على عرب الجزيرة، فنزل في بني تغلب. وكان أبو زُبَيد في الجاهليّة، والإسلام في بني تغلب؛ حتى أسلم؛ وكانت بنو تغلب أخوالَه؛ فاضطهده أخواله دينًا له؛ فأخذ له الوليد بحقّه، فشكرها له أبو زُبيد، وانقطع إليه، وغشيَه بالمدينة؛ فلما ولي الوليد الكوفة؛ أتاه مسلّمًا معظّمًا على مثل ما كان يأتيه بالجزيرة والمدينة، فنزل دار الضّيفان آخر قَدْمةٍ قدِمها أبو زبيد على الوليد؛ وقد كان ينتجعه، ويرجع، وكان نصرانيًّا قبل ذلك، فلم يزل الوليد به، وعنه حتى أسلم في آخر إمارة الوليد، وحسن إسلامه، فاستدخله الوليد، وكان عربيًّا شاعرًا حين قام على الإسلام؛ فأتى آتٍ

стр. 3185

أبا زينب وأبا مورِّع وجُندبًا، وهم يحقدون له مذ قَتَل أبناءهم، ويضعُون له العيون، فقال لهم: هل لكم في الوليد بشارب أبا زُبَيد؟ فثاروا في ذلك، فقال أبو زينب، وأبو مورّع، وجندب لأناس من وجوه أهل الكوفة: هذا أميرُكم، وأبو زُبَيد خيرته، وهما عاكفان على الخمر، فقاموا معهم - ومنزل الوليد في الرّحَبة مع عُمارة بن عقبة، وليس عليه باب - فاقتحموا عليه من المسجد؛ وبابه إلى المسجد، فلم يُفْجَأ الوليد إلّا بهم، فنحّى شيئًا، فأدخله تحت السرير، فأدخل بعضهم يده فأخرجه لا يؤامره؛ فإذا طبق عليه تفاريقُ عنب - وإنما نحّاه استحياء أن يروْا طبقَه ليس عليه إلّا تفاريق عنب - فقاموا؛ فخرجوا على الناس، فأقبل بعضهم على بعض يتلاوَمون، وسمع الناس بذلك، فأقبل الناس عليهم يسبّونهم، ويلعنونهم، ويقولون: أقوام غضب الله لعمله، وبعضهم أرغمه الكتاب، فدعاهم ذلك إلى التحسُّس، والبحث؛ فستر عليهم الوليد ذلك، وطواه عن عثمان، ولم يدخل بين الناس في ذلك بشيء، وكره أن يُفسد بينهم، فسكت عن ذلك، وصبر (١). (٤: ٢٧٣/ ٢٧٤). ٧١٣ - وكتب إليّ السّريّ عن شعيب، عن سيف، عن الفيض بن محمد، قال: رأيت الشعبيّ جلس إلى محمد بن عمرو بن الوليد - يعني: ابن عقبة - وهو خليفة محمد بن عبد الملك؛ فذكر محمّد غزوَ مسلمة، فقال: كيف لو أدركتم الوليد؛ غَزْوَه وإمارته! إن كان ليغزو فينتهي إلى كذا وكذا، ما قصّر، ولا انتقض عليه أحدٌ حتى عزِل عن عمله؛ وعلى الباب يومئذ عبدُ الرحمن بن ربيعة الباهليّ؛ وإن كان مما زاد عثمان بن عفان الناس على يده أن ردّ على كلّ مملوك بالكوفة من فضول الأموال ثلاثة في كلّ شهر؛ يتّسعون بها من غير أن ينقص مواليهم من أرزاقهم (٢). (٤: ٢٧٤). ٧١٤ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي غَسّان سكَن بن عبد الرحمن بن حُبَيش، قال: اجتمع نفرٌ من أهل الكوفة، فعملوا في عزل الوليد، فانتدب أبو زينب بن عوف وأبو مورّع بن فلان الأسديّ للشهادة عليه، فغشُوا الوليد، وأكبُّوا عليه؛ فبينا هم معه يومًا في البيت وله امرأتان في المخدَع؛

стр. 3186

بينهما وبين القوم سِتر؛ إحداهما بنت ذي الخِمار، والأخرى بنت أبي عَقيل، فنام الوليد، وتفرّق القوم عنه؛ وثبت أبو زينب وأبو مورِّع، فتناول أحدهما خاتمه، ثم خرجا، فاستيقظ الوليد؛ وامرأتاه عند رأسه، فلم ير خاتمه، فسألهما عنه فلم يجد عندهما منه علمًا، قال: فأيّ القوم تخلّف عنهم؟ قالتا: رجلان لا نعرفهما، ما غشيناك إلا منذ قريب. قال: حَلّياهما، فقالتا: على أحدهما خَميصة، وعلى الآخر مُطرَف، وصاحب المُطْرَف أبعدهما منك، فقال: الطُّوال؟ قالتا: نعم؛ وصاحب الخميصة أقربهما إليك، فقال: القصير؟ قالتا: نعم؛ وقد رأينا يده على يدك. قال: ذاك أبو زينب، والآخر أبو مورّع؛ وقد أرادا داهية، فليت شعري ماذا يريدان! فطلبهما فلم يقدِرْ عليهما؛ وكان وجْهُهما إلى المدينة، فقدما على عثمان؛ ومعهما نفر ممن يعرف عثمان، ممن قد عزَل الوليد عن الأعمال، فقالوا له، فقال: مَنْ يشهد؟ قالوا: أبو زينب، وأبو مورِّع، وكاع الآخران، فقال: كيف رأيتما؟ قالا: كنّا من غاشيته؛ فدخلنا عليه وهو يَقيء الخمر، فقال: ما يقيء الخمر إلّا شاربها. فبعث إليه، فلما دخل على عثمان رآهما، فقال متمثّلًا: ما إنْ خشيتُ على أمْرٍ خَلوْتُ به ... فلم أخَفْك على أمثالها حارِ فحلف له الوليد، وأخبره خبرهم، فقال: نقيم الحدود، ويبوء شاهد الزور بالنّار؛ فاصبر يا أُخيَّ! فأمر سعيد بن العاص فجلده، فأورث ذلك عداوةً بين ولديهما حتى اليوم؛ وكانت على الوليد خَمِيصة يوم أمر به أن يجلد، فنزعها عنه علي بن أبي طالب ﵇ (١) (٤: ٢٧٦). ٧١٥ - كتب إليّ السّريّ عن شعيب، عن سيف، عن عُبَيد الطنافسيّ، عن أبي عبيدة الإياديّ، قال: خرج أبو زينب، وأبو مورِّع حتى دخلا على الوليد بيته، وعنده امرأتان: بنت ذي الخِمار، وبنت أبي عَقِيل؛ وهو نائم، قالت إحداهما: فأكبّ عليه أحدهما فأخذ خاتَمه، فسألهما حين استيقظ، فقالتا: ما أخذناه، قال: مَنْ بقي آخر القوم؟ قالتا: رجلان؛ رجل قصير عليه خَمِيصة، ورجل طويل عليه مُطَرف، ورأينا صاحب الخميصة أكبّ عليك، قال ذاك

стр. 3187

أبو زينب. فخرج يطلبهما، فإذا هو وجهُهما عن ملأ من أصحاب لهما؛ ولا يدري الوليد ما أرادا من ذلك. فقدما على عثمان، فأخبراه الخبر على رؤوس الناس، فأرسل إلى الوليد، فقدم، فإذا هو بهما ودعا بهما عثمان، فقال: بم تشهدان؟ أتشهدان أنكما رأيتماه يشرب الخمر؟ فقالا: لا، وخافا، قال: فكيف؟ قالا: اعتصرناها من لحيته وهو يقيء الخمر. فأمر سعيدَ بن العاص، فجلَده، فأورث ذلك عداوةً بين أهليْهما (١). (٤: ٢٧٧). ٧١٦ - وكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عطيّة، عن أبي التعريف ويزيد الفقعسيّ، قالا: كان الناس في الوليد فرْقتين: العامّة معه والخاصّة عليه؛ فما زال عليهم من ذلك خُشوع حتى كانت صِفِّين، فولي معاوية، فجعلوا يقولون: عيَّب عثمانُ بالباطل، فقال لهم عليّ ﵇: إنكم وما تعيِّرُون به عثمان كالطاعن نفسَه ليقتل رِدْفه، ما ذنب عثمان في رجل قد ضربه بفعله، وعزله عن عمله؟ ! وما ذنب عثمان فيما صنع عن أمرنا؟ ! وكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن كريب، عن نافع بن جُبَير، قال: قال عثمان ﵁: إذا جُلِد الرّجل الحدّ، ثم ظهرت توبتُه؛ جازت شهادته (٢). (٤: ٢٧٨). ٧١٧ - وكتب إليَّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي كِبْران، عن مولاة لهم - وأثنى عليها خيرًا - قالت: كان الوليد أدخل على الناس خيرًا، حتى جعل يقسِّم للولائد والعبيد، ولقد تفجّع عليه الأحرار والمماليك، كان يسمع الولائد وعليهنّ الحداد يقلنَ: يا وَيْلَتا قد عُزلَ الوَليدُ ... وجاءنا مُجوِّعًا سَعيدُ يَنْقُصُ في الصّاع ولا يزيدُ ... فجُوِّعَ الإماءُ والعَبيدُ (٣) (٤: ٢٧٧/ ٢٧٨). ٧١٨ - وكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن الغصن بن القاسم،

стр. 3188

قال: كان الناس يقولون حين عزِل الوليد وأمِّر سعيد: لا يَبْعَدِ المُلكُ إذ وَلَّتْ شَمائلهُ ... ولا الرياسةُ لما رَاسَ كُتَّابُ (١) (٤: ٢٧٨). ٧١٩ - وكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة بإسنادهما، قالا: قدِم سعيد بن العاص في سنة سبع من إمارة عثمان، وكان سعيد بن العاص بقيّة العاص بن أميّة، وكان أهله كثيرًا تتابعوا، فلما فتح الله الشأم قدِمها، فأقام مع معاوية، وكان يتيمًا نشأ في حِجْر عثمان، فتذكر عمر قريشًا، وسأل عنه فيما يتفقّد من أمور الناس، فقيل: يا أمير المؤمنين! هو بدمشق، عهدُ العاهد به وهو مأموم بالموت. فأرسل إلى معاوية: أن أبعث إليّ سعيد بن العاص في منقل، فبعث به إليه وهو دنِف، فما بلغ المدينة حتى أفاق، فقال: يا بنَ أخي! قد بلغني عنك بلاء وصلاح، فازدد يزدْك الله خيرًا، وقال: هل لك من زوجة؟ قال: لا؛ قال: يا أبا عمرو! ما منعك من هذا الغلام أن تكون زوّجتَه؟ قال: قد عرضتُ عليه فأبى، فخرج يسير في البرّ، فانتهى إلى ماء، فلقي عليه أربع نسوة، فقمنَ له، فقال: ما لكنّ؟ ومَن أنتنّ؟ فقلنَ: بنات سفيان بن عويف - ومعهنّ أمهنّ - فقالت أمّهنّ: هلك رجالنا، وإذا هلك الرجال ضاع النساء، فضعهنّ في أكفائهن، فزوّج سعيدًا إحداهنّ، وعبد الرحمن بن عوف الأخرى، والوليدَ بن عُقْبة الثالثة؛ وأتاه بنات مسعود بن نعيم النَّهشليّ، فقلن: قد هلك رجالنا، وبقيَ الصّبيان، فضعْنا في أكفائنا، فزوج سعيدًا إحداهنّ، وجُبير بن مطعِم إحداهن، فشارك سعيد هؤلاء وهؤلاء، وقد كان عمومته ذوي بلاء في الإسلام، وسابقة حسنة، وقُدْمة مع رسول الله ﷺ ؛ فلم يمت عمر حتى كان سعيد من رجال الناس. فقدم سعيد الكوفة في خلافة عثمان أميرًا، وخرج معه من مكة - أو المدينة - الأشتر، وأبو خُشّة الغفاريّ، وجندَب بن عبد الله، وأبو مُصعب بن جثّامة، وكانوا فيمن شخص مع الوليد يعيبونه، فرجعوا مع هذا - فصعد سعيد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: والله لقد بُعِثت إليكم وإني لكاره؛ ولكنّي لم أجد

стр. 3189

بدًّا إذ أمِرت أن أَأْتمر. ألا إنّ الفتنة قد أطلعتْ خَطْمها وعينيْها؛ ووالله لأضربنّ وجهها حتى أقمعها، أو تُعييني؛ وإني لرائد نفسي اليوم، ونزل، وسأل عن أهل الكوفة، فأقيم على حال أهلها. فكتب إلى عثمان بالذي انتهى إليه: إنّ أهلَ الكوفة قد اضطرب أمرُهم، وغُلب أهل الشرف منهم والبُيوتات، والسابقة، والقُدْمة؛ والغالب على تلك البلاد روادف ردفت، وأعراب لحقت؛ حتى ما يُنظَر إلى ذي شرف، ولا بلاء من نازلتها, ولا نابتتها. فكتب إليه عثمان: أمّا بعد؛ ففضِّل أهل السابقة والقُدْمة ممن فتح الله عليه تلك البلاد، وليكن مَن نزلها بسببهم تبعًا لهم؛ إلّا أن يكونوا تثاقلُوا عن الحقّ، وتركوا القيام به، وقام به هؤلاء. واحفظ لكلٍّ منزلته، وأعطهم جميعًا بقسطهم من الحقّ، فإنّ المعرفة بالناس بها يصاب العدْل. فأرسل سعيد إلى وجوه الناس من أهل الأيّام والقادسيّة، فقال: أنتم وجوه من وراءكم، والوجه ينبئ عن الجسد، فأبلغونا حاجة ذي الحاجة، وخَلّة ذي الخَلّة، وأدخل معهم مَن يحتمل من اللواحق والرّوادف؛ وخلَص بالقرّاء والمتسمِّتين في سَمره، فكأنما كانت الكوفة يبْسًا شملته نار؛ فانقطع إلى ذلك الضرب ضربُهم، وفشت المقالة والإذاعة. فكتب سعيد إلى عثمان بذلك، فنادى منادي عثمان: الصلاة جامعة! فاجتمعوا، فأخبرهم بالذي كتب به إلى سعيد، وبالذي كتب به إليه فيهم؛ وبالذي جاءه من القالَة والإذاعة، فقالوا: أصبتَ فلا تُسعفهم في ذلك؛ ولا تُطعمهم فيما ليسوا له بأهل، فإنه إذا نهض في الأمور من ليس لها بأهل لم يحتملها وأفسدها. فقال عثمان: يا أهلَ المدينة استعدّوا، واستمسكوا، فقد دبّت إليكم الفتن. ونزل، فأوى إلى منزله، وتمثّل مثَلَه ومثَل هذا الضّرب الذين شرعوا في الخلاف:

стр. 3190

أبني عُبَيْدٍ قد أتى أشياعَكمْ ... عنكم مَقالَتُكُمْ وشِعْرُ الشاعِر فإذا أتَتكم هذه فتلبَّسُوا ... إنَّ الرِّماحَ بَصيرةٌ بالحاسِرِ (١) (٤: ٢٧٨/ ٢٧٩/ ٢٨٠). ٧٢٠ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن هشام بن عروة، قال: كان عثمان أروَى الناس للبيت والبيتين والثلاثة إلى الخمسة (٢). (٤: ٢٨٠). ٧٢١ - كتب إليَّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن سعيد بن عبد الله الجُمحيّ، عن عبيد الله بن عمر، قال: سمعته وهو يقول لأبي: إنّ عثمان جمع أهل المدينة، فقال: يا أهلَ المدينة! إنّ الناس يتمخّضون بالفتنة، وإني والله لأتخلّصنّ لكم الذي لكم حتى أنقله إليكم إن رأيتم ذلك؛ فهل تروْنه حتى يأتيَ من شهد مع أهل العراق الفتوح فيه، فيقيم معه في بلاده؟ فقام أولئك، وقالوا: كيف تنقل لنا ما أفاء الله علينا من الأرضين يا أمير المؤمنين؟ ! فقال: نبيعها ممّن شاء بما كان له بالحجاز. ففرحوا، وفتح الله عليهم به أمرًا لم يكن في حسابهم؛ فافترقوا وقد فرّجها الله عنهم به. وكان طلحة بن عبيد الله قد استجمع له عامّة سُهمان خيبر إلى ما كان له سوى ذلك، فاشترى طلحة منه من نصيب مَنْ شهد القادسيّة والمدائن من أهل المدينة ممن أقام ولم يهاجر إلى العراق النَّشاسْتَج بما كان له بخيبر وغيرها من تلك الأموال، واشترى منه ببئر أريس شيئًا كان لعثمان بالعراق، واشترى منه مرْوان بن الحكَم بمال كان له أعطاه إيّاه عثمان نهر مَرْوان - وهو يومئذ أجَمة - واشترى منه رجال من القبائل بالعراق بأموال كانت لهم في جزيرة العرب من أهل المدينة، ومكّة، والطائف، واليمن، وحضرموت؛ فكان ممّا اشترى منه الأشعث بمالٍ كان له في حضرموت ما كان له بطيزناباذ. وكتب عثمان إلى أهل الآفاق في ذلك، وبعدّة جُرْبان الفيء، والفيء الذي يتداعاه أهلُ الأمصار، فهو ما كان للملوك نحو كسرى، وقيصر، ومَن تابعهم من أهل بلادهم. فأجلى عنه، فأتاهم شيء عرفوه. وأخذ بقدر عدّة من شهدها من أهل المدينة، وبقدر نصيبهم، وضمّ ذلك إليهم، فباعوه بما يليهم من الأموال
следующие страницы →