٥٩٢ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عمرو، عن الشعبيّ، قال: اجتمع أهلُ الشورى على عثمان؛ لثلاثٍ مضين من المحرّم؛ وقد دخل وقت العصر، وقد أذّن مؤذن صهيب، واجتمعوا بين الأذان والإقامة، فخرج فصلّى بالناس، وزاد الناس مئة؛ ووفّد أهل الأمصار، وصنع فيهم. وهو أوّل من صنع ذلك (١). (١٩٤: ٤).
٥٩٣ - وحُدّثت عن هشام بن محمد، قال: قتل عمر لثلاث ليال بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، وكانت خلافته عشر سنين وستة أشهر وأربعة أيام (٢). (٤: ١٩٤).
تسميته بالفاروق
٥٩٤ - حدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابنُ سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثنا أبو حَزْرة يعقوب بن مجاهد عن محمد بن إبراهيم، عن أبي عمرو ذكْوان، قال: قلتُ لعائشة: من سمّى عمر الفاروق؟ قالت: النبيّ ﷺ (٣). (٤: ١٩٥).
ذكر صفته
٥٩٥ - وحدثني الحارث، قال: حدّثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثنا عمر بن عمران بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، قال: رأيت عمرَ رجلًا أبيض أمْهَق، تعلُوه حُمرة، طُوالًا أصلع (٤). (٤: ١٩٦).
стр. 3117
ذكر مولده ومبلغ عمره
٥٩٦ - حدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني أسامة بن زيد بن أسلم عن أبيه، عن جَدّه، قال: سمعتُ عمر بن الخطاب، يقول: وُلِدت قبل الفجار الأعظم الآخر بأربع سنين (١). (٤: ١٩٧).
قال أبو جعفر: واختلف السلف في مبلغ سني عمر، فقال بعضهم: كان يوم قتل ابنَ خمس وخمسين سنة.
ذكر بعض من قال ذلك:
٥٩٧ - حدّثني زيد بن أخزم الطائي، قال: حدّثنا أبو قتيبة عن جرير بن حازم، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قتل عمر بن الخطّاب وهو ابن خمس وخمسين سنة (٢). (٤: ١٩٧).
٥٩٨ - وحدّثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكَم، قال: حدّثنا نُعيم بن حمّاد، قال: حدّثنا الدراوَرْديّ عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: توفي عمر وهو ابن خمس وخمسين سنة (٣). (٤: ١٩٧).
٥٩٩ - وحُدّثت عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن ابن شهاب: أنّ عمر توفي على رأس خمس وخمسين سنة (٤). (٤: ١٩٧).
وقال آخرون: كان يوم توفِّي ابن ثلاث وخمسين سنة وأشهر.
ذكر من قال ذلك:
حدِّثت بذلك عن هشام بن محمد بن الكلبيّ. (٤: ١٩٧).
وقال آخرون: تُوفّي وهو ابن إحدى وستين سنة. (٤: ١٩٨)
стр. 3118
ذكر من قال ذلك:
٦٠٠ - حُدّثت بذلك عن أبي سلَمة التَّبُوذَكيّ، عن أبي هلال، عن قتَادة (١). (٤: ١٩٨).
وقال آخرون: تُوُفِّي وهو ابن ستّين سنة.
ذكر من قال ذلك:
٦٠١ - حدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابنُ سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا هشام بن سعد عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: تُوفّيَ عمر وهو ابن ستين سنة.
قال محمد بن عمر: - وهذا أثبت الأقاويل عندنا - وذكر عن المدائنيّ: أنه قال: توفِّيَ عمر وهو ابن سبع وخمسين سنة (٢). (٤: ١٩٨).
ذكر أسماء ولده ونسائه
٦٠٢ - حدّثني أبو زيد عمر بن شبّة عن عليّ بن محمد والحارث، عن محمد بن سعد، عن محمد بن عمر. وحُدّثت عن هشام بن محمد - اجتمعت معاني أقوالهم، واختلفت الألفاظ بها - قالوا: تزوّج عُمَر في الجاهلية زينب بنة مظعون بن حبيب بن وهب بن حُذافة بن جُمَح، فولدت له عبد الله، وعبد الرحمن الأكبر، وحفصة.
وقال عليّ بن محمد: وتزوّج مليكة ابنة جَرْوَل الخُزاعيّ في الجاهليّة، فولدت له عبيد الله بن عمر، ففارقها في الهُدْنة، فخلف عليها بعد عمر أبو الجهم بن حُذيفة.
وأما محمّد بن عمر، فإنه قال: زيد الأصغر، وعبيد الله الذي قتل يوم صِفّين مع معاوية أمّهما أمّ كلثوم بنت جَرْول بن مالك بن المسيّب بن ربيعة بن أصرم بن
стр. 3119
ضَبِيس بن حرَام بن حَبَشيّة بن سَلُول بن كعب بن عمرو بن خُزاعة، وكان الإسلام فرّق بينها وبين عمر.
قال عليّ بن محمد: وتزوّج قُرَيبة ابنة أبي أميّة المخزوميّ في الجاهليّة، ففارقها أيضًا في الهُدْنة، فتزوّجها بعده عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق.
قالوا: وتزوّج أمّ حكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم في الإسلام، فولدت له فاطمة، فطلّقها. قال المدائنيّ: وقد قيل: لم يطلقها.
وتزوج جميلة أخت عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح - واسمه قيس بن عصمة بن مالك بن ضبيعة بن زيد بن الأوس من الأنصار في الإسلام - فولدت له عاصمًا، فطلّقها وتزوّج أمّ كلثوم بنت عليّ بن أبي طالب؛ وأمّها فاطمة بنت رسولِ الله ﷺ ، وأصدقها - فيما قيل - أربعين ألفًا، فولدت له زيدًا ورقيّة.
وتزوّج لُهيّة - امرأة من اليمن - فولدت له عبد الرحمن. قال المدائنيّ: ولدت له عبد الرحمن الأصغر. قال: ويقال: كانت أمّ ولد. قال الواقديّ: لُهيّة هذه أم ولد. وقال أيضًا: ولدت له لهيّة عبد الرحمن الأوسط. وقال: عبد الرّحمن الأصغر أمه أمّ ولد.
وكانت عنده فُكَيْهة، وهي أمّ ولد وفي أقوالهم، فولدت له زينب. وقال الواقديّ: هي أصغر ولد عمر.
وتزوّج عاتكة ابنة زيد بن عمرو بن نُفَيل؛ وكانت قبله عند عبد الله بن أبي بكر؛ فلمّا مات عمر، تزوّجها الزبير بن العوّام.
قال المدائنيّ: وخطب أمّ كلثوم بنت أبي بكر وهي صغيرة، وأرسل فيها إلى عائشة، فقالت: الأمر إليكِ، فقالت أمّ كلثوم: لا حاجة لي فيه؛ فقالت لها عائشة: ترغبين عن أميرِ المؤمنين! قالت: نعم؛ إنه خشِن العيش، شديد على النساء؛ فأرسلت عائشة إلى عمرو بن العاص فأخبرته، فقال: أكفيك؛ فأتى عمرَ فقال: يا أميرَ المؤمنين! بلَغني خبر أعيذك بالله منه، قال: وما هو؟ قال: خطبْتَ أمّ كلثوم بنت أبي بكر! قال: نعم؛ أفرغبتَ بي عنها، أم رغبتَ بها عني؟ قال: لا واحدة؛ ولكنها حَدَثة نشأت تحت كنَفَ أمّ المؤمنين في لين ورفق، وفيك غلظة،
стр. 3120
ونحن نهابك، وما نقدر أن نردّك عن خُلُق من أخلاقك؛ فكيف بها إن خالفتك في شيء، فسطوتَ بها! كنتَ قد خلَفت أبا بكر في ولده بغجر ما يحقّ عليك. قال: فكيف بعائشة وقد كلّمتُها؟ قال: أنا لك بها؛ وأدلّك على خير منها، أمّ كلثوم بنت عليّ بن أبي طالب، تَعْلَق منها بسَببٍ من رسول الله ﷺ .
قال المدائنيّ: وخطب أمّ أبان بنت عُتبة بن ربيعة، فكرهتْه، وقالت: يُغلِق بابه، ويمنع خيرَه، ويَدخل عابسًا، ويخرج عابسًا (١). (٤: ١٩٨/ ١٩٩/ ٢٠٠).
ذكر وقت إسلامه
قال أبو جعفر: ذُكِر أنه أسلم بعد خمسة وأربعين رجلًا وإحدى وعشرين امرأة.
ذكر من قال ذلك:
٦٠٣ - حدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابنُ سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني محمد بن عبد الله، عن أبيه، قال: ذكرت له حديث عمر، فقال: أخبرَني عبد الله بن ثعلبة بن صُعَير، قال: أسلم عمر بعد خمسة وأربعين رجلًا وإحدى وعشرين امرأةً (٢). (٤: ٢٠٠).
ذكر بعض سِيَره
٦٠٤ - حدّثني أبو السائب، قال: حدّثنا ابنُ فُضَيل، عن ضرار، عن حصين المرّيّ، قال: قال عمر: إنما مثلُ العرب مثل جمل أنِفٍ اتبع قائدَه، فلينظرْ قائدُه حيث يقوده؛ فأمّا أنا فوربّ الكعبة لأحملنّهم على الطريق (٣). (٤: ٢٠٠/ ٢٠١).
٦٠٥ - حدّثنا خلّاد بن أسلم، قال: حدّثنا النَّضْر بن شُمَيل، قال: أخبرنا قَطَن، قال: حدّثنا أبو يزيد المدينيّ، قال: حدّثنا مولى لعثمان بن عفان، قال: كنت رديفًا لعثمان بن عفان؛ حتى أتى على حظيرة الصدقة في يوم شديد الحرّ
стр. 3121
شديد السَّموم؛ فإذا رجل عليه إزار ورداء، قد لفّ رأسَه برداء يطرُد الإبل يُدخلها الحظيرة؛ حظيرة إبل الصدقة؛ فقال عثمان: مَنْ ترى هذا؟ قال: فانتهينا إليه؛ فإذا هو عمر بن الخطاب، فقال: هذا والله القويّ الأمين (١). (٤: ٢٠١).
٦٠٦ - حدّثني جعفر بن محمد الكوفيّ، وعباس بن أبي طالب؛ قالا: حدّثنا أبو زكرياء يحيى بن مصعب الكلبي، قال: حدّثنا عمر بن نافع عن أبي بكر العبسيّ، قال: دخلت عيْر الصّدقة مع عمر بن الخطاب وعليّ بن أبي طالب، قال: فجلس عثمان في الظلّ يكتب، وقام على رأسه يملّ عليه ما يقول عمر، وعمر في الشمس قائم في يوم حارّ شديد الحر، عليه بُرْدان أسودان؛ متّزرًا بواحد، وقد لفّ على رأسه آخر، يعدّ إبل الصدقة، يكتب ألوانها وأسنانها، فقال عليّ لعثمان - وسمعته يقول: نعتَ بنت شعيب في كتاب الله: ﴿يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾، ثم أشار عليّ بيده إلى عمر، فقال: هذا القويّ الأمين! (٢) (٤: ٢٠١).
٦٠٧ - حدّثني محمد بن عوْف؛ قال: حدثنا أبو المغيرة عبد القدّوس بن الحجّاج، قال: حدثّنا صفوان بن عمرو، قال: حدّثني أبو المخارق زهير بن سالم: أنّ كعب الأحبار، قال: نزلتُ على رجل يقال له: مالك - وكان جارًا لعمر بن الخطاب - فقلت له: كيف بالدخول على أمير المؤمنين؟ فقال: ليس عليه باب ولا حجاب، يصلّي الصلاة ثم يَقْعُد فيكلّمه مَن شاء (٣). (٤: ٢٠٢).
٦٠٨ - حدّثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن زيد عن أبيه، عن جدّه: أن عمر بن الخطاب ﵁ خطب الناس، فقال: والذِي بعث محمدًا بالحق؛ لو أنَّ جملًا هلك ضياعًا بشطّ الفرات خشيت أن يسأل الله عنه آل الخطاب! قال أبو زيد: آل الخطاب: يعني نفسَه، ما يعني غيرها (٤). (٤: ٢٠٢/ ٢٠٣).
٦٠٩ - حدّثنا ابنُ المثنّى، قال: حدّثنا ابن أبي عدّي عن شعبة، عن أبي
стр. 3122
عمران الجونيّ، قال: كتب عمر إلى أبي موسى: إنه لم يزل للناس وجوه يرفعون حوائجهم؛ فأكرمْ مَن قِبلك من وجوه الناس، وبحسْب المسلم الضعيف من العدل أن يُنْصَف في الحُكْم، وفي القَسْم (١). (٤: ٢٠٣).
٦١٠ - وحدّثنا أبو كريب، قال: حدّثنا ابن إدريس، قال: سمعت مطرّفًا، عن الشعبيّ، قال: أتى أعرابيّ عمر، فقال: إن ببعيري نُقَبًا، ودَبَرًا فاحملني؛ فقال له عمر: ما ببعيرك نُقَب ولا دَبَر، قال: فولّى؛ وهو يقول:
أقْسَمَ باللهِ أبو حَفْص عُمَرْ ... ما مَسَّها مِن نُقَبٍ ولا دَبَرْ
فاغْفِرْ له اللهمّ إن كان فَجَر
فقال: اللهمّ اغفر لي! ثم دعا الأعرابيّ فحمله (٢). (٤: ٢٠٣).
٦١١ - وحدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا إسماعيل، قال: أخبرنا أيّوب عن محمد، قال: نُبِّئتُ: أنّ رجلًا كان بينه وبين عمر قَرابة، فسأله، فزَبره، وأخرجه فكُلِّم فيه، فقيل: يا أميرَ المؤمنين! فلان سألك فزبرتَه وأخرجتَه، فقال: إنه سألني من مال الله؛ فما معذرتي إنْ لقيتُه ملكًا خائنًا! فلولا سألني من مالي! قال: فأرسل إليه بعشرة آلاف. وكان عمر ﵀ إذا بعث عاملًا له على عمل يقول (٣). (٤: ٢٠٣).
٦١٢ - وحدّثنا أبو كريب، قال: حدّثنا أبو بكر بن عيّاش، قال: سمعت أبا حصين، قال: كان عمر إذا استعمل العمّال خرج معهم يشيّعهم، فيقول: إنّي لم أستعملْكم على أمة محمد ﷺ على أشعارهم، ولا على أبشارهم؛ إنما استعملتُكم عليهم لتقيموا بهم الصلاة، وتقضُوا بينهم بالحق، وتقسِموا بينهم بالعدل؛ وإنّي لم أسلّطكم على أبشارهم ولا على أشعارهم؛ ولا تجلدوا العربَ فتُذِلّوها، ولا تُجمّروها فتفتِنوها، ولا تغفلوا عنها فتحرِموها؛ جرّدوا القرآن، وأقلّوا الرواية عن محمّد ﷺ ؛ وأنا شريككم. وكان يقتصّ من عمّاله، وإذا شُكي
стр. 3123
إليه عامل له جمع بينه وبين مَنْ شكاه؛ فإن صحّ عليه أمرٌ يجب أخْذُه به أخَذَه به (١). (٤: ٢٠٤).
٦١٣ - وحدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: أخبرنا سعيد الجُرَيريّ عن أبي نَضْرة، عن أبي فراس، قال: خطب عمر بن الخطاب، فقال: يا أيها الناس! إني والله ما أرسل إليكم عمّالًا ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم؛ ولكني أرسلهم إليكم ليعلّموكم دينكم وسنّتكم؛ فمن فُعِل به شيء سوى ذلك؛ فليرفعْه إليّ؛ فو الذي نفس عمر بيده لأقصّنّه منه! فوثب عمرو بن العاص، فقال: يا أميرَ المؤمنين! أرأيتُك إن كان رجل من أمراء المسلمين على رعيّة، فأدّب بعض رعيّته، إنك لتقصّه منه! قال: إي والذِي نفس عمر بيده إذًا لأقصنّه منه! وكيف لا أقصّه منه وقد رأيتُ رسول الله ﷺ يُقِصّ من نفسه! ألا لا تضربوا المسلمين فتُذِلُّوهم، ولا تجمّروهم فتفتِنوهم، ولا تمنعوهم حقوقهم فتُكفروهم، ولا تنزِلُوهم الغِياض فتضيّعوهم.
وكان عمر ﵁ فيما ذكر عنه - يُعسّ بنفسه، ويرتاد منازل المسلمين، ويتفقّد أحوالهم بيديه (٢). (٤: ٢٠٤/ ٢٠٥).
٦١٤ - وحدّثني أحمد بن حرب، قال: حدّثنا مصعب بن عبد الله الزبيريّ، قال: حدّثني أبي عن ربيعة بن عثمان، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: خرجتُ مع عمر بن الخطاب ﵀ إلى حَرّة واقم، حتى إذا كنا بصرار؛ إذا نار تؤرّث؛ فقال: يا أسلم! إني أرى هؤلاء ركبًا قصّر بهم الليل والبرد؛ انطلق بنا؛ فخرجنا نهرول حتى دنونا منهم، فإذا امرأة معها صِبيان لها، وقِدْر منصوبة على النار، وصِبيانها يضاغُوْن؛ فقال عمر: السّلام عليكم يا أصحابَ الضَّوء! - وكره أن يقول: يا أصحاب النار - قالت: وعليك السلام؛ قال: أأدنو؟ قالت: ادنُ بخير أو دَعْ؛ فدنا فقال: ما بالُكم؟ قالت: قصّر بنا الليل والبرد، قال: فما بال هؤلاء الصبية يتضاغوْن؟ قالت: الجوع، قال: وأيّ شيء في هذه القدر؟ قالت: ماء أسكِّتهم به حتى يناموا، اللهُ بيننا وبين عمر! قال: أيْ رحِمَك الله، ما يُدرِي عمرَ
стр. 3124
بكم! قالت: يتولّى أمرَنا، ويغفل عنّا! فأقبل عليّ، فقال: انطلق بنا؛ فخرجنا نهرول؛ حتى أتينا دارَ الدقيق؛ فأخرج عِدْلًا فيه كُبّة شحم؛ فقال: احمله عليّ، فقلت: أنا أحمله عنك. قال: احمله عليّ؛ مرتين أو ثلاثًا، كلّ ذلك أقول: أنا أحمله عنك. فقال لي في آخر ذلك: أنت تحمل عني وزْري يوم القيامة، لا أمّ لك! فحمّلته عليه؛ فانطلق وانطلقت معه نهرول، حتى انتهينا إليها، فألقى ذلك عندها، وأخرج من الدقيق شيئًا، فجعل يقول لها: ذُرّي عليّ، وأنا أحرِّك لكِ؛ وجعل ينفخ تحت القِدْر - وكان ذا لحية عظيمة - فجعلتُ أنظر إلى الدخان من خَلَل لحيته حتى أنضج وأدُمَ القِدرُ ثم أنزلها، وقال: ابغِني شيئًا، فأتته بصحْفة، فأفرغها فيها، ثمّ جعل يقول: أطعميهم، وأنا أسطِّح لك؛ فلم يزل حتى شبِعوا، ثم خلّى عندها فضل ذلك، وقام وقمت معه، فجعلتْ تقول: جزاك الله خيرًا! أنت أوْلى بهذا الأمر من أمير المؤمنين! فيقول: قولي خيرًا، إنك إذا جئتِ أمير المؤمنين وجدتني هناك إن شاء الله. ثم تنحى ناحية عنها؛ ثم استقبلها ورَبض مربَض السّبع، فجعلت أقول له: إنّ لك شأنًا غير هذا، وهو لا يكلمني حتى رأيت الصبية يصطرعون، ويضحكون، ثم ناموا، وهدؤوا، فقام وهو يحمَد الله، ثم أقبل عليّ فقال: يا أسلَم! إنّ الجوع أسهرهم وأبكاهم، فأحببت ألّا أنصرف حتى أرى ما رأيت منهم.
وكان عمر إذا أراد أن يأمر المسلمين بشيء، أو ينهاهم عن شيء مما فيه صلاحهم بدأ بأهله، وتقدّم إليهم بالوعظ لهم، والوعيد على خلافهم أمره (١). (٤: ٢٠٥/ ٢٠٦).
٦١٥ - كالذي حدّثنا أبو كُريب محمد بن العلاء، قال: حدّثنا أبو بكر بن عيّاش، قال: حدّثنا عبيد الله بن عمر بالمدينة، عن سالم، قال: كان عمر إذا صعِد المنبر فنهى الناس عن شيء جمع أهله، فقال: إني نهيت الناس عن كذا وكذا، وإنّ الناس ينظرون إليكم نَظرَ الطير - يعني: إلى اللحم - وأقسم بالله لا أجدُ أحدًا منكم فعله؛ إلا أضعفت عليه العقوبة (٢). (٤: ٢٠٧).
стр. 3125
٦١٦ - وحدّثنا أبو كُريب، قال: حَدّثنا أبو بكر، عن عاصم، قال: استعمل عُمَر رجلًا على مصر، فبينا عمر يومًا مارٌّ في طريق من طُرق المدينة؛ إذْ سمع رجلًا وهو يقول: الله يا عمر! تستعمل مَن يخون وتقول: ليس عليّ شيء، وعاملك يفعل كذا! قال: فأرسل إليه، فلما جاءه أعطاه عصًا وجُبّة صوف وغنمًا، فقال: ارعها - واسمه عياض بن غَنْم - فإنّ أباك كان راعيًا، قال: ثم دعاه، فذكر كلامًا، فقال: إن أنا رددتك! فردّه إلى عمله، وقال: لي عليك ألّا تلبس رقيقًا، ولا تركب بِرْذَونًا! (١) (٤: ٢٠٧).
٦١٧ - حدّثنا أبو كريب، قال: حدّثنا أبو أسامة عن عبد الله بن الوليد، عن عاصم، عن ابن خزيمة بن ثابت الأنصاريّ، قال: كان عمر إذا استعمل عاملًا كتب له عهدًا، وأشهد عليه رهطًا من المهاجرين والأنصار، واشترط عليه ألّا يركب برذونًا، ولا يأكلَ نقيًّا، ولا يلبس رقيقًا، ولا يتخذ بابًا دون حاجات الناس (٢). (٤: ٢٠٧/ ٢٠٨).
٦١٨ - وحدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابن سعد، قال: حدّثنا مسلم بن إبراهيم عن سلّام بن مسكين، قال: حدّثنا عمران: أنّ عمر بن الخطاب كان إذا احتاج أتى صاحب بيت المال، فاستقرضه؛ قال: فربما أعسر فيأتيه صاحب بيت المال يتقاضاه فيلزمه، فيحتال له عمر، وربما خرج عطاؤه فقضاه (٣). (٢٠٨: ٤).
٦١٩ - وعن أبي عامر العَقَدِيّ، قال: حدّثنا عيسى بن حفص، قال: حدّثني رجل من بني سلمة، عن ابن البَراء بن معرور: أن عمر ﵁ خرج يومًا حتى أتى المنبر، وقد كان اشتكى شكوى له، فنعت له العسل، وفي بيت المال عُكّة، فقال: إن أذنتم لي فيها أخذتها، وإلّا فهي عليّ حرام (٤). (٤: ٢٠٨).
стр. 3126
تسمية عمر ﵁ أمير المؤمنين
٦٢٠ - حدّثني أحمد بن عبد الصمد الأنصاريّ، قال: حدّثتْني أمّ عمرو بنت حسّان الكوفيّة عن أبيها، قال: لما ولي عمر قيل: يا خليفة خليفة رسول الله! فقال عمر ﵁: هذا أمر يطول، كلّما جاء خليفة قالوا: يا خليفة خليفة خليفة رسول الله! بل أنتم المؤمنون، وأنا أميركم؛ فسمِّيَ أمير المؤمنين.
قال أحمد بن عبد الصمد: سألتها كم أتى عليكِ من السنين؟ قالت: مئة وثلاث وثلاثون سنة (١). (٤: ٢٠٨).
٦٢١ - حدّثنا ابن حُميد، قال: حدّثنا يحيى بن واضح، قال: حدّثنا أبو حمزة عن جابر، قال: قال رجل لعمر بن الخطاب: يا خليفة الله! قال: خالف الله بك! فقال: جعلني الله فداءك! قال: إذًا يُهينك الله! (٢) (٤: ٢٠٩).
٦٢٢ - وأمرهم به، وذلك - فيما حدّثني به الحارث، قال: حدّثنا ابنُ سعد عن محمد بن عمر - في سنة أربع عشرة، وجعل للناس قارئيْنِ: قارئًا يصلّي بالرجال وقارئًا يصلّي بالنساء (٣). (٤: ٢٠٩).
٦٢٣ - حدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابنُ سعد، قال: حدّثنا محمد بن عمر، قال: حدّثني عائذ بن يحيى عن أبي الحويرث، عن جُبَير بن الحُوَيْرث بن نُقَيد: أنّ عمر بن الخطاب ﵁ استشار المسلمين في تدوين الدواوين، فقال له عليّ بن أبي طالب: تقسم كلّ سنة ما اجتمع إليك من مال، فلا تمسك منه شيئًا. وقال عثمان بن عفان: أرى مالًا كثيرًا يسعُ الناس، وإن لم يحصَوْا حتى تعرِف مَن أخذ ممن لم يأخذ؛ خشيتُ أن ينتشر الأمر. فقال له الوليد بن هشام بن المغيرة: يا أميرَ المؤمنين! قد جئت الشأم، فرأيت ملوكها قد دوّنوا ديوانًا، وجنّدوا جندًا، فدوِّن ديوانًا، وجند جندًا. فأخذ بقوله، فدعا عَقِيل بن أبي طالب ومَخْرمة بن نوفل، وجُبَير بن مطعِم، وكانوا من نسّاب قريش - فقال:
стр. 3127
اكتبوا الناس على منازلهم؛ فكتبوا فبدؤوا ببني هاشم؛ ثم أتبعوهم أبا بكر وقومه، ثم عمر وقومه على الخلافة؛ فلما نظر فيه عمر قال: لوددت والله أنه هكذا! ولكن ابدؤوا بقرابة رسول الله ﷺ ؛ الأقرب فالأقرب، حتى تضعوا عمر حيث وضعه الله (١). (٤: ٢٠٩/ ٢١٠).
٦٢٤ - حدّثني الحارث، قال: حدثنا ابنُ سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني أسامة بن زيد بن أسلم عن أبيه، عن جدّه، قال: رأيتُ عمر بن الخطاب ﵁ حين عُرِض عليه الكتاب، وبنو تَيْم على أثر بني هاشم، وبنو عديّ على أثر بني تَيْم، فأسمعُه يقول: ضعوا عمر موضعه، وابدؤوا بالأقرب فالأقرب من رسول الله، فجاءت بنو عديّ إلى عمر، فقالوا: أنت خليفة رسول الله، قال: أو خليفة أبي بكر، وأبو بكر خليفة رسول الله، قالوا: وذاك، فلو جعلتَ نفسك حيث جعلك هؤلاء القوم! قال: بخٍ بخٍ بني عديّ! أردتم الأكْل على ظهري؛ وأن أذهب حسناتي لكم! لا والله حتى تأتيَكم الدعوة، وإن أطبق عليكم الدَّفتر ولو أن تُكتَبوا في آخر الناس؛ إن لي صاحبين سَلَكا طريقًا، فإن خالفتهما خولف بي؛ والله ما أدركْنا الفضل في الدنيا، ولا نرجو ما نرجو من الآخرة من ثواب الله على ما عملنا إلّا بمحمّد ﷺ ؛ فهو شرفنا، وقومه أشرف العرب، ثم الأقرب فالأقرب؛ إن العرب شَرُفت برسول الله، ولعلّ بعضها يلقاه إلى آباء كثيرة، وما بيننا وبين أن نلقاه إلى نسبه ثم لا نفارقه إلى آدم إلا آباء يسيرة؛ مع ذلك والله لئن جاءت الأعاجم بالأعمال، وجئنا بغير عمل، فهم أوْلى بمحمّد منّا يوم القيامة، فلا ينظر رجل إلى قَرابة، وليعمل لما عند الله، فإنّ مَنْ قصّر به عملُه لم يُسرع به نسبه (٢). (٤: ٢١٠).
٦٢٥ - حدّثنى الحارث، قال: حدّثنا ابنُ سعد؛ قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني حزام بن هشام الكعبيّ، عن أبيه، قال: رأيتُ عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يحمل ديوان خُزاعة حتى ينزل قُدَيدًا، فنأتيه بقُدَيد، فلا يغيب عنه امرأة بِكْر ولا ثيّب، فيعطيهنّ في أيديهنّ، ثم يروح فينزل
стр. 3128
عُسفان، فيفعل مثل ذلك أيضًا حتى تُوُفّي (١). (٤: ٢١٠/ ٢١١).
٦٢٦ - حدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابنُ سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني عبد الله بن جعفر الزهريّ وعبد الملك بن سليمان، عن إسماعيل بن محمد بن سعد، عن السائب بن يزيد، قال: سمعتُ عمر بن الخطاب، يقول: والله الذي لا إله إلا هو! ثلاثًا ما من أحد إلّا له في هذا المال حقّ أعطيَه أو مُنعَه؛ وما أحد أحقّ به من أحد إلا عبد مملوك؛ وما أنا فيه إلّا كأحدهم؛ ولكنّا على منازلنا من كتاب الله، وقسمنا من رسول الله ﷺ ، والرجل وبلاؤه في الإسلام، والرّجل وقدَمه في الإسلام، والرّجل وغَناؤه في الإسلام، والرّجل وحاجته؛ والله! لئن بقيتُ؛ ليأتينّ الراعيَ بجبَل صنعاء حظُّه من هذا المال وهو مكانه. قال إسماعيل بن محمد: فذكرت ذلك لأبي، فعرف الحديث (٢). (٤: ٢١١).
٦٢٧ - حدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابنُ سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني محمد بن عبد الله عن الزهريّ، عن السائب بن يزيد، قال: رأيتُ خيلًا عند عمر بن الخطاب موسومة في أفخاذها: "حبيس في سبيل الله" (٣). (٢١١: ٤).
٦٢٨ - حدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني قيس بن الربيع عن عطاء بن السائب؛ عن زاذان، عن سلمان: أنّ عمر قال له: أملِك أنا أم خليفة؟ فقال له سلمان: إن أنت جبيت من أرض المسلمين درهمًا أو أقلّ أو أكثر؛ ثمّ وضعتَه في غير حقه؛ فأنت ملِك غير خليفة. فاستعبر عمر (٤). (٤: ٢١١).
٦٢٩ - حدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابنُ سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني أسامة بن زيد، قال: حدّثني نافع مولى آل الزبير، قال:
стр. 3129
سمعتُ أبا هريرة يقول: يرحم الله ابن حَنْتمة! لقد رأيتُه عام الرّمادة؛ وإنه ليحمل على ظهره جرابين وعُكّة زيت في يده، وإنه ليعتقِب هو وأسلم؛ فلمّا رآني قال: من أين يا أبا هريرة؟ ! قلت: قريبًا. فأخذت أعقبه؛ فحملناه حتى انتهينا إلى صِرار؛ فإذا صِرْم نحو من عشرين بيتًا من محارب، فقال عمر: ما أقدمكم؟ قالوا: الجهد؛ وأخرجوا لنا جلد الميتة مشويًّا كانوا يأكلونه، ورمّة العظام مسحوقة كانوا يستفّونها؛ فرأيت عمر طرح رداءه، ثم اتّزر، فما زال يطبخ لهم حتى شبعوا، فأرسل أسلم إلى المدينة فجاء بأبعرة فحملهم عليها حتى أنزلهم الجبّانة، ثم كساهم. وكان يختلف إليهم وإلى غيرهم حتى رفع الله ذلك (١). (٤: ٢١١/ ٢١٢).
٦٣٠ - حدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابنُ سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: أخبرني موسى بن يعقوب عن عمه، عن هشام بن خالد، قال: سمعتُ عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يقول: لا تَذُرّنَ إحداكنّ الدقيق حتى يسخن الماء ثم تذرّه قليلًا قليلًا، وتسوطه بمسوْطها، فإنه أريَع له؛ وأحرى ألّا يتقرّد (٢). (٢١٢: ٤).
٦٣١ - حدثني الحارث قال: حدّثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن مصعب القرْقسانيّ، قال: حدّثنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم عن راشد بن سعد: أنّ عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أتِيَ بمال؛ فجعل يقسمه بين الناس، فازدحموا عليه، فأقبل سعد بن أبي وقاص يزاحم الناس؛ حتى خلص إليه، فعلاه عمر بالدِّرّة، وقال: إنّك أقبلت لا تهاب سلطان الله في الأرض؛ فأحببتُ أن أعلمك: أنّ سلطان الله لن يهابَك (٣). (٤: ٢١٢).
٦٣٢ - حدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابنُ سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثنا عمر بن سليمان بن أبي حَثْمة، عن أبيه، قال: قالت الشّفا ابنة عبد الله - ورأتْ فتيانًا يقصُدون في المشي، ويتكلّمون رويدًا، فقالت: ما هذا؟ قالوا: نُسّاك، فقالت: كان والله عمر إذا تكلّم أسمع، وإذا مشى أسرع،
стр. 3130
وإذا ضرب أوجع، هو والله النّاسك حقًّا (١)! (٤: ٢١٢).
٦٣٣ - حدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ بن محمد، قال: حدّثنا عبد الله بن عامر، قال: أعان عمر رجلًا على حَمْل شيء، فدعا له الرجل، وقال: نفعك بنوك يا أميرَ المؤمنين! فقال: بل أغناني الله عنهم (٢). (٤: ٢١٢/ ٢١٣).
٦٣٤ - حدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ بن محمد عن عمر بن مجاشع، قال: قال عمر بن الخطاب: القوّة في العمل ألّا تؤخّر عمل اليوم لغدٍ، والأمانة ألّا تخالف سريرة علانية؛ واتَّقوا الله ، فإنما التقوى بالتّوقي، ومَنْ يتّق الله يقِه (٣). (٢١٣: ٤).
٦٣٥ - حدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ عن عَوانة، عن الشعبيّ -وغير عوانة زاد أحدهما على الآخر-: أنّ عمر رضي الله تعالى عنه كان يطوف في الأسواق، ويقرأ القرآن، ويقضِي بين الناس حيث أدركه الخصوم (٤). (٤: ٢١٣).
٦٣٦ - حدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ عن محمد بن صالح: أنه سمع موسى بن عُقْبة يحدّث: أنّ رهطًا أتوا عمر، فقالوا: كثر العيال، واشتدّت المؤونة، فزدنا في أعطياتنا، قال: فعلتموها، جمعتم بين الضرائر واتّخذتم الخَدَم في مال الله ! أما والله لوددت أني وإيّاكم في سفينة في لجّة البحر، تذهب بنا شرقًا وغربًا، فلن يُعجز الناس أن يولوا رجلًا منهم؛ فإن استقام؛ اتّبعوه، وإن جَنَف؛ قتلوه، فقال طلحة: وما عليك لو قلت: إن تعوّج عزلُوه! فقال: لا، القتل أنْكَلُ لمن بعده، احذروا فتى قريش وابن كريمها الذي لا ينام إلّا على الرضا، ويضحك عند الغضب؛ وهو يتناول مَنْ فوقه ومَنْ تحته (٥). (٤: ٢١٣).
٦٣٧ - حدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ عن عبد الله بن داود الواسطيّ، عن
стр. 3131
زيد بن أسلم، قال: قال عمر: كنا نعدّ المقرِض بخيلًا، إنما كانت المواساة (١). (٢١٣: ٤).
٦٣٨ - حدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ عن ابن دأب، عن أبي معبد الأسلميّ، عن ابن عباس: أنّ عمر قال لناس من قريش: بلغني أنكم تتّخذون مجالس؛ لا يجلس اثنان معًا حتى يقال: مَن صحابة فلان؟ مَن جلساء فلان؟ حتى تُحوميت المجالس؛ وأيم الله! إنّ هذا لسريع في دينكم، سريع في شرفكم، سريع في ذات بينكم؛ ولكأني بمن يأتي بعدكم يقول: هذا رأي فلان، قد قسموا الإسلام أقسامًا؛ أفيضوا مجالسَكم بينكم، وتجالسوا معًا؛ فإنّه أدوم لألفتكم، وأهيَب لكم في الناس. اللهمّ ملّوني، ومللتهم، وأحسست من نفسي وأحسُّوا مني، ولا أدري بأيّنا يكون الكوْن، وقد أعلم: أن لهم قبيلًا منهم؛ - فاقبضني إليك (٢)! (٤: ٢١٣/ ٢١٤).
٦٣٩ - حدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ، قال: حدّثنا إبراهيم بن محمد عن أبيه، قال: اتّخذ عبد الله بن أبي ربيعة أفراسًا بالمدينة، فمنعَه عمر بن الخطاب، فكلّموه في أن يأذن له، قال: لا آذن له، إلّا أن يجيء بعلَفها من غير المدينة. فارتبط أفراسًا، وكان يحمل إليها عَلَفًا من أرض له باليمن (٣). (٢١٤: ٤).
٦٤٠ - حدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ، قال: حدّثنا أبو إسماعيل الهمدانيّ عن مجالد، قال: بلغني أنّ قومًا ذكروا لعمر بن الخطاب رجلًا؛ فقالوا: يا أمير المؤمنين! فاضِل لا يعرف من الشرّ شيئًا، قال: ذاك أوقعُ له فيه! (٤) (٤: ٢١٤).
ذكر بعض خطبه رضي الله تعالى عنه
٦٤١ - حدّثني عمر، قال: حدّثني عليّ عن أبي معشر، عن ابن المُنْكدر وغيره، وأبي معاذ الأنصاريّ عن الزّهريّ، ويزيد بن عياض عن عبد الله بن
стр. 3132
أبي بكر، وعليّ بن مجاهد عن ابن إسحاق، عن يزيد بن عياض، عن عبد الله بن أبي إسحاق، عن يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير: أنّ عمر رضي الله تعالى عنه خطب، فحمد الله، وأثنى عليه بما هو أهله، ثم ذكّر الناس بالله واليِوم الآخر، ثم قال: يا أيّها الناس! إني قد وُلِّيت عليكم، ولولا رجاءُ أن أكون خيركم لكم، وأقواكم عليكم، وأشدكم استضلاعًا بما ينوب من مُهِمّ أموركم؛ ما تولّيت ذلك منكم، ولكفى عمر مُهمًّا محزنًا انتظار موافقة الحساب بأخذ حقوقكم كيف آخذها، ووضعها أين أضعها؛ وبالسير فيكم كيف أسير؟ ! فربّي المستعان؛ فإنّ عمر أصبح لا يثق بقوّة ولا حيلة إن لم يتداركْه الله برحمته وعَوْنه وتأييده.
ثم خطب فقال:
إن الله قد ولّاني أمرَكم، وقد علمت أنفع ما بحضرتكم لكم، وإني أسأل الله أن يعينني عليه، وأن يحرُسني عنده، كما حرسني عند غيره، وأن يلهِمني العدل في قَسْمكم كالذي أمر به؛ وإنّي امرؤ مسلم وعبد ضعيف، إلا ما أعان الله ، ولن يغيّر الذي ولِيتُ من خلافتكم من خُلُقي شيئًا إن شاء الله؛ إنما العظمة لله ، وليس للعباد منها شيء، فلا يقولنّ أحد منكم: إنّ عمر تغيّر منذ ولي. أعقِلُ الحقّ من نفسي وأتقدم؛ وأبيّن لكم أمري؛ فأيّما رجل كانت له حاجة، أو ظلم مظلمة، أو عتب علينا في خلق؛ فليؤذنّي، فإنّما أنا رجل منكم؛ فعليكم بتقوى الله في سرّكم وعلانيتكم، وحُرماتكم وأعراضكم؛ وأعطوا الحقّ من أنفسكم؛ ولا يحمل بعضكم بعضًا على أن تحاكموا إليّ؛ فإنّه ليس بيني وبين أحد من الناس هَوادة؛ وأنا حبيب إليّ صلاحكم، عزيز عليّ عَتَبُكم. وأنتم أناس عامّتكم حضرٌ في بلاد الله؛ وأهل بلد لا زرع فيه ولا ضَرْع إلّا ما جاء الله به إليه. وإنّ الله قد وعدكم كرامة كثيرة، وأنا مسؤول عن أمانتي وما أنا فيه؛ ومطّلع على ما بحضرتي بنفسي إن شاء الله؛ لا أكله إلى أحد، ولا أستطيع ما بعُد منه إلّا بالأمناء وأهل النصح منكم للعامّة، ولست أجعل أمانتي إلى أحد سواهم إن شاء الله (١). (٤: ٢١٤/ ٢١٥).
стр. 3133
٦٤٢ - وخطب أيضًا، فقال بعد ما حمد الله وأثنى عليه وصلّى على النبي ﷺ :
أيها الناس! إنّ بعض الطمع فقر، وإن بعض اليأس غنىً، وإنكم تجمعون ما لا تأكلون، وتأملون ما لا تدركون، وأنتم مؤجّلون في دار غرور. كنتم على عهد رسول الله ﷺ تؤخذون بالوحي، فمن أسرّ شيئًا أخذ بسريرته، ومن أعلن شيئًا أخذ بعلانيته؛ فأظهروا لنا أحسن أخلاقكم؛ والله أعلمُ بالسرائر؛ فإنه مَن أظهر شيئًا، وزعم أن سريرته حسنة، لم نصدّقه، ومَنْ أظهر لنا علانية حسنة؛ ظننّا به حسنًا. واعلموا: أنّ بعض الشحّ شعبة من النفاق، فأنفقوا خيرًا لأنفسكم، ومن يوقَ شحّ نفسه فأولئك هم المفلحون.
أيّها الناس! أطيبوا مثواكم، وأصلحوا أموركم؛ واتّقوا الله ربكم، ولا تُلبسوا نساءكم القَباطِيّ؛ فإنه إن لم يشفّ فإنه يصف.
أيها الناس! إني لوددت أن أنجوَ كَفافًا لا لي ولا عليّ، وإني لأرجو إن عُمّرت فيكم يسيرًا أو كثيرًا أن أعمل بالحقّ فيكم إن شاء الله، وألّا يبقى أحد من المسلمين وإن كان في بيته إلّا أتاه حقُّه ونصيبه من مال الله، ولا يُعمِل إليه نفسه؛ ولم ينصُب إليه يومًا. وأصلحوا أموالكم التي رزقكم الله؛ ولقليل في رفق خير من كثير في عنف، والقتل حَتْف من الحتوف، يصيب البرّ والفاجر، والشهيد مَن احتسب نفسه. وإذا أراد أحدكم بعيرًا، فليعمِد إلى الطويل العظيم فليضرْبه بعصاه؛ فإن وجده حديد الفؤاد فليشتره.
قالوا: وخطب أيضًا فقال:
إنّ الله سبحانه وبحمده قد استوجب عليكم الشكر، واتّخذ عليكم الحجّ فيما آتاكم من كرامة الآخرة والدنيا عن غير مسألة منكم له، ولا رغبة منكم فيه إليه، فخلقكم ﵎ ولم تكونوا شيئًا لنفسه، وعبادته، وكان قادرًا أن يجعلكم لأهونِ خلقه عليه، فجعل لكم عامّة خلقه، ولم يجعلكم لشيء غيره، وسخّر لكم ما في السّموات وما في الأرض، وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة، وحملكم في البرّ والبحر، ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون.
ثم جعل لكم سمعًا وبصرًا. ومن نعَم الله عليكم نعم عمّ بها بني آدم، ومنها
стр. 3134
نعَم اختصّ بها أهل دينكم؛ ثم صارت تلك النعم خواصّها وعوامّها في دولتكم وزمانكم، وطبقتكم؛ وليس من تلك النعم نعمة وصلت إلى امرئ خاصة إلّا لو قسم ما وصل إليه منها بين الناس كلهم أتعبهم شكرها، وفدحهم حقها، إلّا بعون الله مع الإيمان بالله ورسوله؛ فأنتم مستخلَفون في الأرض، قاهرون لأهلها، قد نصر الله دينكم، فلم تصبِحْ أمة مخالفة لدينكم إلّا أمّتان؛ أمّة مستعبدة للإسلام وأهله، يجزون لكم، يُستصفَوْن معايشهم وكدائحهم ورشْح جباههم؛ عليهم المؤونة ولكم المنفعة، وأمّة تنتظر وقائع الله وسطواته في كلّ يوم وليلة، قد ملأ الله قلوبهم رعبًا، فليس لهم معقل يلجؤون إليه، ولا مهرب يتّقون به، قد دهمتهم جنود الله ونزلت بساحتهم، مع رفاغة العيش، واستفاضة المال، وتتابع البعوث، وسدّ الثغور بإذن الله، مع العافية الجليلة العامة التي لم تكُن هذه الأمة على أحسن منها مذ كان الإسلام؛ والله المحمود، مع الفتوخ العظام في كلّ بلد. فما عسى أن يبلغ مع هذا شكر الشاكرين، وذكر الذاكرين، واجتهاد المجتهدين؛ مع هذه النعم التي لا يحصى عددها, ولا يقدَر قدرها, ولا يستطاع أداء حقها إلا بعون الله ورحمته ولطفه! فنسأل الله الذي لا إله إلا هو الذي أبلانا هذا أن يرزقنا العمل بطاعته، والمسارعة إلى مرضاته.
واذكروا عباد الله بلاء الله عندكم، واستتِمّوا نعمة الله عليكم وفي مجالسكم مثنى وفرادى، فإنّ الله قال لموسى: ﴿أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ وقال لمحمد ﷺ : ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ فلو كنتم إذ كنتم مستضعفين محرومين خيرَ الدنيا على شعبة من الحق، تؤمنون بها، وتستريحون إليها مع المعرفة بالله ودينه، وترجون بها الخير فيما بعد الموت؛ لكان ذلك؛ ولكنكم كنتم أشدّ الناس معيشة، وأثبتهم بالله جهالة. فلو كان هذا الذي استشلاكم به لم يكن معه حظّ في دنياكم؛ غير أنه ثقة لكم في آخرتكم التي إليها المعاد والمنقلب؛ وأنتم من جهد المعيشة على ما كنتم عليه؛ أحرياء أن تشحّوا على نصيبكم منه، وأن تظهروه على غيره؛ فبلْهَ ما إنه قد جمع لكم فضيلة الدنيا وكرامة الآخرة، ومن شاء أن يجمع له ذلك منكم؛ فأذكّركم الله الحائل بين قلوبكم إلا ما عرفتم حقّ الله فعملتم له، وقسرتم أنفسكم على طاعته، وجمعتم مع السرور بالنعم خوفًا لها ولانتقالها، ووجلًا منها ومن
стр. 3135
تحويلها، فإنه لا شيء أسلب للنعمة من كُفرانها، وإنّ الشكر أمنٌ للغَير، ونماء للنعمة، واستيجاب للزيادة؛ هذا لله عليّ من أمركم ونهيكم واجب (١). (٤: ٢١٥/ ٢١٦/ ٢١٧/ ٢١٨).
مَن ندب عمر ورثاه ﵁. ذكر بعض ما رُثِيَ به
٦٤٣ - حدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ، قال: حدّثنا أبو عبد الله البُرجميّ عن هشام بن عروة: أنّ باكية بكت على عمر، فقالت: واحرّى على عمر! حرّ انتشر، فملأ البشر. وقالت أخرى: واحرّى على عمر! حرّ انتشر، حتى شاع في البشر (٢). (٤: ٢١٨).
٦٤٤ - حدثني عمر، قال: حدثنا عليّ، قال: حدّثنا ابن دأب، وسعيد بن خالد عن صالح بن كَيْسان، عن المغيرة بن شعبة، قال: لما مات عمر ﵁ بكتْه ابنة أبي حَثْمة، فقالت: واعُمَراه! أقام الأَود، وأبرأ العَمَد، أمات الفتن، وأحيا السُّنن؛ خرج نقيّ الثوب، بريئًا من العيب.
قال: وقال المغيرة بن شعبة: لما دفن عمر؛ أتيت عليًّا وأنا أحبّ أن أسمع منه في عمر شيئًا، فخرج ينفض رأسَه، ولحيته؛ وقد اغتسل، وهو ملتَحف بثوب، لا يشكّ: أنّ الأمر يصير إليه، فقال: يرحم الله ابن الخطاب! لقد صدقت ابنة أبي حَثْمة؛ لقد ذهب بخيرِها، ونجا من شرّها، أما والله ما قالت، ولكن قُوّلت.
وقالت عاتكة بنة زيد بن عمر بن الخطاب ﵁:
فَجَّعَني فَيْروزُ لا دَرَّ دَرُّهُ ... بأَبْيَضَ تالٍ للكتاب مُنيبِ
رَؤُوفٍ على الأدْنى غَليظٍ على العِدَا ... أخي ثِقَةٍ في النائباتِ مُجيبِ
مَتَى ما يَقُلْ لا يُكْذِبِ القَولَ فِعْلُه ... سريعٍ إلى الخَيْراتِ غَيْرِ قَطوبِ
وقالت أيضًا:
عَيْنِ جُودي بعَبْرَةٍ ونَحيبِ ... لا تَمَلّي على الإمام النجيبِ
فَجَعَتْني المَنونُ بالفارِس المُعـ ... ـلم يَوْمَ الهياجِ والتَّلْبيبِ
стр. 3136
عِصمةِ الناس والمُعين على الدَّهـ ... ـرِ وَغَيْثِ المُنتابِ والمَحْروبِ
قُلْ لأهْلِ السَّرَاءِ والبُؤسِ موتوا ... قد سَقَتْهُ المنونُ كَأْسَ شعوبِ
وقالت امرأة تبكيه:
سَيَبْكِيكَ نساءُ الحَيِّ ... يَبْكينَ شَجيَّاتِ
وَيَخْمِشْنَ وُجوهًا كَالدَّ ... نانيرِ نقيَّاتِ
وَيَلْبَسْنَ ثياب الحزْ ... ن بَعْدَ القَصَبِيَّاتِ (١)
(٤: ٢١٨/ ٢١٩).
شيء من سيرته ممّا لم يمض ذكره
٦٤٥ - حدّثنا عمر بن شبّة، قال: حدّثنا عليّ بن محمد عن ابن جُعْدبة، عن إسماعيل بن أبي حكيم، عن سعيد بن المسيّب، قال: حجّ عمر، فلما كان بضَجْنان قال: لا إله إلا الله العظيم العليّ، المعطي ما شاء من شاء! كنت أرعى إبل الخطاب بهذا الوادي في مِدْرعةِ صوف، وكان فَظًّا، يُتعبني إذا عملت، ويضربني إذا قصّرت، وقد أمسيتُ وليس بيني وبين الله أحد؛ ثم تمثل:
لا شَيْءَ فيما تَرَى تَبْقى بَشَاشَتهُ ... يبْقَى الإلهُ وَيُودي المال والوَلَدُ
لَمْ تُغْن عَن هُرْمُزٍ يَوْمًا خَزَائنُهُ ... والخُلْدَ قد حاوَلَتْ عادٌ فما خَلَدُوا
ولا سُلَيْمانُ إذْ تجري الرِّياحُ له ... والإنسُ والجِنُّ فيما بَينها تَرِدُ
أين الملوكُ التي كانت نوافِلُها ... من كلِّ أوْبٍ إليها راكِبٌ يَفِدُ
حَوْضًا هُنَالِكَ مَوْرودًا بلا كذِبٍ ... لا بُد مِنْ وَرْدِهِ يَوْمًا كما وَردُوا (٢)
(٤: ٢١٩/ ٢٢٠).
٦٤٦ - حدّثني عمر بن شبّة، قال: حدّثنا عليّ، قال: حدثنا أبو الوليد المكّيّ، قال: بينما عمر جالس إذ أقبل رجل أعرج يقول ناقة تظلَع؛ حتى وقف عليه، فقال:
إنَّكَ مُسْترْعىً وَإنّا رَعِيَّةٌ ... وإنَّكَ مَدْعُوٌّ بسيماك يا عُمَرْ
стр. 3137
إذا يَوْمُ شَرٍّ شَرُّهُ لِشِرَارِهِ ... فقَدْ حَمَّلَتْك اليَوْمَ أَحْسَابَها مُضَرْ
فقال: لا حول ولا قوّة إلّا بالله. وشكا الرجل ظلَع ناقته، فقبض عمر الناقة وحمله على جمل أحمر وزوّده؛ وانصرف. ثم خرج عمر في عقب ذلك حاجًّا، فبينا هو يسير إذ لحق راكبًا يقول:
ما ساسَنا مِثلُك يَا بْنَ الخَطَّابْ ... أبَرُّ بالأقْصَى ولا بالأصحابْ
بَعْدَ النبيِّ صاحب الكتاب
فنخسه عمر بمِخصرة معه، وقال: فأين أبو بكر (١) (٤: ٢٢٠)!
٦٤٧ - حدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ بن محمد، عن محمد بن صالح، عن عبد الملك بن نوفل بن مساحق، قال: استعمل عمر عُتْبة بن أبي سفيان على كنانة، فقدم معه بمال، فقال: ما هذا يا عتبة؟ ! قال: مال خرجت به معي وتجرت فيه، قال: وما لَكَ تخرج المال معك في هذا الوجه! فصيّره في بيت المال. فلما قام عثمان قال لأبي سفيان: إن طلبتَ ما أخذ عمر من عُتبة رددته عليه، فقال أبو سفيان: إنك إن خالفت صاحبك قبلك ساء رأي الناس فيك، إيّاك أن تردّ على من كان قبلك، فيردَّ عليك مَن بعدك (٢)! (٤: ٢٢٠).
٦٤٨ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن الربيع بن النعمان وأبي المجالد جراد بن عمرو، وأبي عثمان، وأبي حارثة، وأبي عمرو مولى إبراهيم بن طلحة، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قالوا: إنّ هند بنة عُتبة قامت إلى عمر بن الخطّاب ﵁، فاستقرضته من بيت المال أربعة آلاف تتّجر فيها وتضمَنها، فأقرضها، فخرجت فيها إلى بلاد كَلْب، فاشترت وباعت؛ فبلغها: أنّ أبا سفيان وعمرو بن أبي سفيان قد أتيا معاوية، فعدلت إليه من بلاد كَلْب، فأتت معاوية، وكان أبو سفيان قد طلّقها، قال: ما أقدَمِك أي أمّه؟ ! قالت: النّظر إليك أي بنيّ؛ إنه عمر؛ وإنما يعمل لله، وقد أتاك أبوك فخشيت أن تُخرج إليه من كلّ شيء؛ وأهل ذلك هو؛ فلا يعلم الناس من أين أعطيتَه فيؤنّبونك
стр. 3138
ويؤنّبك عمر، فلا يسستقيلها أبدًا، فبعث إلى أبيه وإلى أخيه بمئة دينار، وكساهما وحملهما؛ فتعظّمها عمرو؛ فقال أبو سفيان: لا تَعظّمها، فإنّ هذا عطاء لم تغِبْ عنه هند، ومشورة قد حضرتها هند، ورجعوا جميعًا، فقال أبو سفيان لهند: أربحتِ؟ فقالت: الله أعلم، معي تجارة إلى المدينة. فلما أتت المدينة وباعت شكت الوضيعة، فقال لها عمر: لو كان مالي لتركتُه لك، ولكنه مال المسلمين، وهذه مشورة لم يَغِب عنها أبو سفيان، فبعث إليه فحبسه حتى أوفتْه، وقال لأبي سفيان: بكم أجازك معاوية؟ فقال: بمئة دينار (١). (٤: ٢٢٠/ ٢٢١).
٦٤٩ - حدّثني عمر، قال: حدّثنا علي، قال حدّثنا: أبو الوليد المكّيّ عن رجل من ولد طلحة، عن ابن عبّاس، قال: خرجت مع عمر في بعض أسفاره، فإنا لنسير ليلة، وقد دنوت منه، إذ ضرب مقدّم رحله بسوطه، وقال:
كَذَبْتُمْ وَبَيْتِ اللهِ يُقْتلُ أحْمَدٌ ... ولمَّا نُطاعِن دونَه ونناضل
ونُسلِمُه حتى نُصَرَّعَ حوله ... ونَذْهَلَ عن أبنائِنا والحلائلِ
ثم قال: أستغفر الله! ثم سارَ فلم يتكلم قليلًا، ثم قال:
ومَا حَمَلَتْ مِن ناقة فَوْقَ رَحْلها ... أبَرَّ وأوْفَى ذِمَّةً من مُحَمَّدِ
وأكْسَى لِبُرْدِ الخالِ قبْلَ ابْتِذَالِهِ ... وأعْطَى لرأسِ السابقِ المُتَجَرِّدِ
ثم قال: أستغفر الله! يا بن عباس! ما منع عليًّا من الخروج معنا؟ قلت: لا أدري، قال: يا بن عباس، أبوك عمّ رسول الله ﷺ ، وأنت ابن عمه، فما منع قومكم منكم؟ قلت: لا أدري، قال: لكني أدري؛ يكرهون ولا يتكم لهم! قلت: لم، ونحن لهم كالخير؟ قال: اللهمّ غفرًا، يكرهون أن تجتمع فيكم النبوّة والخلافة، فيكون بجَحًا بجحًا، لعلكم تقولون: إن أبا بكر فعل ذلك، لا والله ولكن أبا بكر أتى أحزم ما حضره، ولو جعلها لكم ما نفعكم مع قربكم، أنشدني لشاعر الشعراء زهير قوله:
إذا ابْتَدَرَتْ قَيْسُ بْنُ عَيْلانَ غايَةً ... منَ المَجْدِ مَنْ يَسْبِقْ إليْها يُسَوَّدُ
стр. 3139
فأنشدته، وطلع الفجر، فقال: اقرأ "الواقعة" فقرأتها، ثم نزل فصلى، وقرأ بالواقعة (١). (٤: ٢٢٢).
٦٥٠ - حدّثني ابنُ حميد، قال: حدّثنا سلمة عن محمد بن إسحاق. عن رجل، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: بينما عمر بن الخطاب ﵁ وبعض أصحابه يتذاكرون الشعر، فقال بعضهم: فلان أشعر. وقال بعضهم: بل فلان أشعر. قال: فأقبلت، فقال عمر: قد جاءكم أعلم الناس بها، فقال عمر: مَنْ شاعر الشعراء يا بن عباس؟ ! قال: فقلت: زهير بن أبي سُلمى، فقال عمر: هلمّ مِنْ شعره ما نستدلّ به على ما ذكرت؛ فقلت: امتدح قومًا من بني عبد الله بن غَطفان، فقال:
لو كان يَقْعُدُ فَوْق الشَّمْسِ مِنْ كَرم ... قوْمٌ بِأَوَّلِهِمْ أو مَجْدِهِمْ قَعَدُوا
قَوْمٌ أبوهُمْ سِنانٌ حين تَنْسُبُهُمْ ... طابوا وطابَ مِنَ الأوْلادِ ما وَلَدُوا
إنْسٌ إذا أمِنوا، جِنٌّ إِذا فزعوا ... مرَزَّؤونَ بها ليلٌ إذا حشدُوا
محَسَّدون على ما كان من نِعَمٍ ... لا يَنْرعُ اللهُ مِنْهُمْ مالَه حُسِدوا
فقال عمر: أحسن! وما أعلم أحدًا أولَى بهذا الشعر من هذا الحيّ من بني هاشم لفضل رسول الله ﷺ وقرابتهم منه! فقلت: وفِّقت يا أميرَ المؤمنين! ولم تزل موفّقًا، فقال: يا بن عباس! أتدري ما منع قومكم منهم بعد محمد؟ فكرهتُ أن أجيبه، فقلت: إن لم أكن أدري فأمير المؤمنين يُدريني، فقال عمر: كرهوا أن يجمعوا لكم النبوّة والخلافة، فتبجحوا على قومكم بَجَحًا بجَحًا، فاختارت قريش لأنفسها، فأصابت ووُفِّقتْ. فقلت: يا أميرَ المؤمنين! إن تأذن لي في الكلام، وتُمِطْ عني الغضب؛ تكلمتُ. فقال: تكلم يا بن عباس! فقلت: أمّا قولك يا أميرَ المؤمنين: اختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفّقت، فلو أنّ قريشًا اختارت لأنفسها حيث اختار الله لها لكان الصواب بيدها غير مردود ولا محسود. وأما قولك: إنهم كرهوا أن تكون لنا النبوّة والخلافة، فإنّ الله وصف قومًا بالكراهية فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ فقال عمر: هيهات والله يا بن عباس! قد كانت تبلغني عنك أشياء كنت أكره أن
стр. 3140
أفُرّك عنها، فتزيل منزلتك مني؛ فقلت: وما هي يا أمير المؤمنين؟ فإن كانت حقًّا فما ينبغي أن تزيل منزلتي منك، وإن كانت باطلًا فمثلي أماط الباطل عن نفسه، فقال عمر: بلغني أنك تقول: إنما صرفوها عنا حسدًا، وظلمًا! فقلت: أمّا قولك يا أمير المؤمنين: ظلمًا؛ فقد تبيّن للجاهل والحليم، وأما قولك: حسدًا، فإنّ إبليس حسد آدم؛ فنحن ولده المحسودون؛ فقال عمر: هيهات! أبت والله قلوبكم يا بني هاشم إلّا حسدًا ما يحول، وضِغْنًا وغشًّا ما يزول. فقلت: مهلًا يا أمير المؤمنين! لا تصِف قلوب قوم أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا بالحسد والغشّ، فإنّ قلب رسول الله ﷺ من قلوب بني هاشم. فقال عمر: إليك عني يا بن عباس! فقلت: أفعل؛ فلما ذهبت لأقوم استحيا منّي فقال: يا بن عباس! مكانَك، فوالله إني لراعٍ لحقّك، محبّ لما سرّك! فقلت: يا أمير المؤمنين! إنّ لي عليك حقًّا وعلى كلِّ مسلم، فمن حفظه فحظَّه أصاب، ومن أضاعه فحظَّه أخطأ. ثم قام فمضى (١). (٤: ٢٢٢/ ٢٢٣/ ٢٢٤).
٦٥١ - حدّثني أحمد بن عمرو، قال: حدثنا يعقوب بن إسحاق الحضرميّ، قال: حدّثنا عِكْرمة بن عمّار عن إياس بن سلَمة، عن أبيه، قال: مرّ عمر بن الخطاب ﵁ في السوق ومعه الدّرّة، فخفقني بها خفقة، فأصاب طرف ثوبي، فقال: أمِطْ عن الطريق، فلما كان في العام المقبل لقيَني، فقال: يا سلمة! تريد الحجّ؟ فقلت: نعم، فأخذ بيدي، فانطلق بي إلى منزله فأعطاني ستمئة درهم، وقال: استعن بها على حجّك، واعلم أنها بالخفقة التي خفقتك؛ قلت: يا أمير المؤمنين ما ذكرتها! قال: وأنا ما نسيتُها (٢). (٤: ٢٢٤).
٦٥٢ - حدثني عبد الحميد بن بيان، قال: أخبرنا محمد بن يزيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن سلمة بن كُهَيل، قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: أيّها الرعيّة! إن لنا عليكم حقًّا. النصيحة بالغيب، والمعاونة على الخير، إنه ليس من حلم أحبّ إلى الله ولا أعمّ نفعًا من حلم إمام ورفقه. أيها الرعيّة! إنه ليس من جهل أبغض إلى الله ولا أعمّ شرًّا من جهل إمام وخُرْقه. أيها
стр. 3141
الرعيّة! إنه مَنْ يأخذ بالعافية لمن بين ظهرانَيْه، يؤتي الله العافية من فوقه (١). (٤: ٢٢٤).
٦٥٣ - حدّثني محمد بن إسحاق، قال: حدّثنا يحيى بن معين، قال: حدّثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا عيسى بن يزيد بن دأب عن عبد الرحمن ابن أبي زيد، عن عمران بن سوادة، قال: صليت الصبح مع عمر، فقرأ: "سبحان" وسورة معها، ثم انصرف وقمت معه، فقال: أحاجة؟ قلت: حاجة، قال: فالحقْ، قال: فلحقت؛ فلما دخل أذن لي؛ فإذا هو على سرير ليس فوقه شيء، فقلت: نصيحة، فقال: مرحبًا بالناصح غدوًّا وعشيًّا؛ قلت: عابت أمتك منك أربعًا، قال: فوضع رأس دِرّته في ذقنه، ووضع أسفلها على فخذه، ثم قال: هاتِ! قلت: ذكروا: أنك حرّمت العُمْرة في أشهر الحجّ، ولم يفعل ذلك رسول الله ﷺ ولا أبو بكر ﵁؛ وهي حلال، قال: هي حلال، لو أنهم اعتمرُوا في أشهر الحجّ رأوها مجزيةً من حجِّهم؛ فكانت قائبةَ قُوبٍ عامها، فقَرع حجُّهم، وهو بَهاء من بهاء الله، وقد أصبتَ. قلت: وذكروا: أنك حرّمت مُتْعة النساء وقد كانت رُخصة من الله نستمتع بقُبْضة، ونفارق عن ثلاث. قال: إنّ رسول الله ﷺ أحلّها في زمان ضرورة، ثمّ رجع الناس إلى السَّعة، ثم لم أعلم أحدًا من المسلمين عمل بها ولا عاد إليها، فالآن مَنْ شاء نكح بقُبضة وفارق عن ثلاث بطلاق، وقد أصبت. قال: قلت: وأعتقتَ الأمة أن وضعتْ ذا بطنها بغير عتاقة سيّدها، قال: ألحقتُ حرمة بحرمة، وما أردت إلّا الخير، وأستغفر الله! قلت: وتشكَّوْا منك نَهْر الرعيّة، وعُنْف السيَاق. قال: فشرع الدّرّة، ثم مسحها حتى أتى على آخرها، ثم قال: أنا زميل محمد - وكان زَاملَه في غزوة قرقرة الكُدْر - فوالله إنّي لأرتِع فأشبع، وأسقي فأروِي، وأنهز اللَّفوت، وأزجر العَروض، وأذبّ قدْرِي، وأسوق خَطْوي، وأضمّ العَنود، وألحِق القَطوف، وأكثر الزّجر، وأقِلّ الضرب، وأشهِر العصا؛ وأدفع باليد؛ لولا ذلك لأغدَرت. قال: فبلغ ذلك معاوية، فقال: كان والله عالمًا برعيّتهم (٢). (٤: ٢٢٥/ ٢٢٦).
٦٥٤ - حدّثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا ابن عُلَيّة عن ابن عون، عن
стр. 3142
محمد، قال: نُبِّئت أن عثمان قال: إنّ عمر كان يمنع أهله وأقرباءه ابتغاء وجه الله، واني أعطي أهلي وأقربائي ابتغاء وجه الله، ولن يُلقَى مثل عمر ثلاثة (١). (٤: ٢٢٦).
٦٥٥ - وحدّثني عليّ بن سهل، قال: حدّثنا ضمْرة بن ربيعة، عن عبد الله بن أبي سليمان، عن أبيه، قال: قدمت المدينة، فدخلت دارًا من دُورِها، فإذا عمر بن الخطاب ﵁ عليه إزار قِطْريّ، يدهُن إبلَ الصدقة بالقَطِران (٢). (٤: ٢٢٦).
٦٥٦ - وحدّثنا ابنُ حُميد، قال: حدثنا الحكم بن بشير، قال: حدّثنا عمرو، قال: كان عمر بن الخطاب يقول: أربع من أمر الإسلام لست مضيِّعهنّ، ولا تاركهنّ لشيء أبدًا: القوّة في مال الله، وجمعه؛ حتّى إذا جمعناه؛ وضعناه حيث أمر الله، وقعدنا آلَ عمر ليس في أيدينا ولا عندنا منه شيء. والمهاجرون الذين تحت ظلال السيوف؛ ألّا يحبَسوا ولا يجمَّروا، وأن يوفَّر فيء الله عليهم وعلى عيالاتهم، وأكون أنا للعيال حتى يقدَموا. والأنصار الذين أعطوا الله نصيبًا، وقاتلوا الناس كافة؛ أن يقبَل من محسنهم، ويُتجاوَز عن مسيئهم؛ وأن يُشاوروا في الأمر. والأعراب الذين هم أصل العرب ومادة الإسلام؛ أن تؤخذ منهم صدقتهم على وجهها, ولا يؤخذ منهم دينار ولا درهم، وأن يردّ على فقرائهم ومساكينهم (٣). (٤: ٢٢٧).
٦٥٧ - كتب إليّ السري عن شعيب، عن سيف، عن ابن جُرَيج، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، قال: قال عمر: إنّي لأعلم: أنّ الناس لا يعدلون بهذيْن الرّجلين اللذَيْن كان رسول الله ﷺ يكون نجيًّا بينهما وبين جبريل يتبلَّغ عنه، ويُملّ عليهما (٤). (٤: ٢٢٧).
стр. 3143
قصة الشورى
٦٥٨ - حدّثني عمر بن شبّة، قال: حدّثنا عليّ بن محمد عن وكيع، عن الأعمش، عن إبراهيم، ومحمد بن عبد الله الأنصاريّ، عن ابن أبي عَروبة، عن قتادة، عن شهر بن حَوْشب، وأبي مخنف، عن يوسف بن يزيد، عن عباس بن سهل، ومبارك بن فَضالة، عن عبيد الله بن عمر، ويونس بن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون الأوديّ: أنّ عمر بن الخطاب لما طُعِن قيل له: يا أميرَ المؤمنين! لو استخلفت! قال: مَنْ أستخلف؟ لو كان أبو عبيدة بن الجرّاح حيًّا؛ استخلفته، فإن سألني ربي قلت: سمعت نبيّك يقول: "إنه أمين هذه الأمّة"، ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيًّا، استخلفته، فإن سألني ربيّ؛ قلت: سمعت نبيّك يقول: "إنّ سالمًا شديد الحبّ لله". فقال له رجل: أدلُّك عليه؟ عبد الله بن عمر، فقال: قاتلك الله! والله ما أردتَ الله بهذا! ويحك! كيف أستخلف رجلًا عجز عن طلاق امرأته! لا أرَبَ لنا في أموركم، ما حمِدتُها، فأرغبَ فيها لأحد من أهل بيتي. إن كان خيرًا؛ فقد أصبنا منه، وإن كان شرًّا فشرٌّ عنَّا آل عمر؛ بحسب آل عمر أن يحاسَب منهم رجل واحد؛ ويُسأل عن أمر أمة محمد؛ أما لقد جهدت نفسي، وحرمت أهلي؛ وإن نجوتُ كفافًا لا وزْر ولا أجر؛ إني لسعيد؛ وانظر فإن استخلفتُ؛ فقد استخلف من هو خير منّي، وإن أترك؛ فقد ترك مَنْ هو خير مني، ولن يضيّع الله دينه. فخرجوا ثم راحوا، فقالوا: يا أميرَ المؤمنين! لو عهدتَ عهدًا! فقال: قد كنت أجمعت بعد مقالتي لكم أن أنظر فأولِّيَ رجلًا أمرَكم؛ هو أحراكم أن يحملكم على الحقّ - وأشار إلى عليّ - ورهِقتني غشية، فرأيت رجلًا دخل جنة قد غرسها، فجعل يقطف كل غضّة ويانعة، فيضمّه إليه، ويصيّره تحته؛ فعلمتُ: أنّ الله غالب أمره، ومتوفٍّ عمر؛ فما أريد أن أتحمّلها حيًّا وميتًا، عليكم هؤلاء الرّهط الذين قال رسول الله ﷺ : "إنهم من أهل الجنة"؛ سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفَيل منهم؛ ولست مدخله؛ ولكن الستّة: عليّ، وعثمان ابنا عبد مناف، وعبد الرحمن، وسعد خالا رسول الله ﷺ ، والزُّبير بن العوّام حواريّ رسول الله ﷺ وابن عمته، وطلحة الخير بن عبيد الله؛ فلْيختاروا منهم رجلًا؛ فإذا ولَّوا واليًا؛ فأحسِنوا مؤازرته، وأعينوه، إن ائتمن أحدًا منكم؛ فليؤدّ إليه أمانته. وخرجوا، فقال العباس لعليّ:
стр. 3144
لا تدخل معهم، قال: أكره الخلاف، قال: إذًا ترى ما تكره! فلما أصبح عمر دعا عليًّا، وعثمان، وسعدًا، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوّام، فقال: إنّي نظرت فوجدتكم رؤساء الناس وقادتهم؛ ولا يكون هذا الأمر إلّا فيكم؛ وقد قبِض رسول الله ﷺ وهو عنكم راضٍ؛ إنّي لا أخاف الناس عليكم إن استقمتم؛ ولكنّي أخافُ عليكم اختلافَكم فيما بينكم، فيختلف الناس، فانهضوا إلى حُجْرة عائشة بإذنٍ منها، فتشاوروا، واختاروا رجلًا منكم. ثم قال: لا تدخلوا حجرة عائشة؛ ولكن كونوا قريبًا، ووضع رأسه؛ وقد نزَفه الدم.
فدخلوا فتناجوْا، ثم ارتفعت أصواتهم، فقال عبد الله بن عمر: سبحان الله! إنّ أمير المؤمنين لم يمُتْ بعد؛ فأسمعَه فانتبه، فقال: ألا أعرضوا عن هذا أجمعون، فإذا متُّ فتشاوروا ثلاثة أيام، وليصلّ بالناس صهيب، ولا يأتينّ اليوم الرابع إلّا وعليكم أمير منكم؛ ويحضر عبدُ الله بن عمر مشيرًا، ولا شيءَ له من الأمر، وطلحة شريككم في الأمر؛ فإن قدم في الأيام الثلاثة؛ فأحضروه أمركم، وإن مَضت الأيَّام الثلاثة قبل قدومه فاقضوا أمركم، ومَنْ لي بطلحة؟ فقال سعد بن أبي وقاص: أنا لك به؛ ولا يخالف إن شاء الله. فقال عمر: أرجو ألّا يخالف إن شاء الله؛ وما أظنّ أن يليَ إلّا أحدُ هذين الرجلين: عليّ أو عثمان؛ فإن وليَ عثمان فرجل فيه لين، وإن ولي عليّ ففيه دُعابة، وأحْرِ به أن يحملَهم على طريق الحقّ؛ وإن تولوا سعدًا فأهلها هو؛ وإلّا فليستعن به الوالي، فإني لم أعزله عن خيانة ولا ضعف؛ ونِعْم ذو الرأي عبد الرحمن بن عوف! مسدّد رشيد، له من الله حافظ، فاسمعوا منه.
وقال لأبي طلحة الأنصاريّ: يا أبا طلحة، إنّ الله طالما أعزّ الإسلام بكم، فاختر خمسين رجلًا من الأنصار؛ فاستحِثّ هؤلاء الرّهط حتى يختاروا رجلًا منهم. وقال للمقداد بن الأسود: إذا وضعتموني في حُفْرتي فأجمع هؤلاء الرّهط في بيت حتى يختاروا رجلًا منهم، وقال لصُهيب: صلّ بالناس ثلاثة أيام، وأدخل عليًّا وعثمان والزبير وسعدًا وعبد الرحمن بن عوف وطلحة إن قدم؛ وأحضِر عبد الله بن عمر ولا شيء له من الأمر؛ وقم على رؤوسهم، فإن اجتمع خمسة ورضُوا رجلًا وأبى واحد فاشدَخْ رأسه - أو اضرب رأسه بالسيف - وإن اتّفق
стр. 3145
أربعة فرضُوا رجلًا منهم وأبى اثنان، فاضرب رؤوسهما، فإن رضيَ ثلاثةٌ رجلًا منهم وثلاثة رجلًا منهم، فحكّموا عبدَ الله بن عمر؛ فأيّ الفريقين حكم له فليختاروا رجلًا منهم؛ فإن لم يرضوْا بحكم عبد الله بن عمر فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف، واقتلوا الباقين إن رغبوا عمّا اجتمع عليه الناس.
فخرجوا، فقال عليّ لقوم كانوا معه من بني هاشم: إن أطيع فيكم قومُكم لم تؤمّروا أبدًا. وتلقّاه العباس، فقال: عُدِلَتْ عَنّا! فقال: وما علمك؟ قال: قرِن بي عثمان، وقال: كونوا مع الأكثر، فإن رضيَ رجلان رجلًا، ورجلان رجلًا فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف؛ فسعد لا يخالف ابنَ عمّه عبد الرحمن؛ وعبد الرحمن صهر عثمان؛ لا يختلفون، فيولّيها عبدُ الرحمن عثمانَ، أو يوليها عثمانُ عبد الرحمن؛ فلو كان الآخَران معي لم ينفعاني؛ بلْه إني لا أرجو إلّا أحدهما. فقال له العباس: لم أرفعْك في شيء إلّا رجعت إليّ مستأخرًا بما أكره؛ أشرتُ عليك عند وفاة رسول الله ﷺ أن تسألَه فيمن هذا الأمر؛ فأبيتَ، وأشرتُ عليك بعد وفاته أن تعاجلَ الأمر فأبيت، وأشرتُ عليك حين سمّاك عمر في الشورى ألّا تدخل معهم فأبيتَ؛ احفظ عنِّي واحدة؛ كلّما عرض عليك القوم، فقل: لا، إلّا أن يولُّوك؛ واحذر هؤلاء الرّهط، فإنهم لا يبرحون يدفعوننا عن هذا الأمر حتى يقوم لنا به غيرنا، وأيمُ الله لا يناله إلا بشرّ لا ينفع معه خير! فقال عليّ: أما لئن بقي عثمان لأذكِّرنه ما أتى ولئن مات ليتداولنّها بينهم، ولئن فعلوا ليجدنّي حيث يكرهون؛ ثم تمثل:
حَلَفْتُ برَبِّ الراقِصاتِ عشيةً ... غدَوْنَ خِفافًا فابْتَدَرْنَ المُحَصَّبَا
ليَختَلِيَنْ رَهْطُ ابْنِ يَعْمَرَ مارِئًا ... نجِيعًا بنو الشُّدَّاخِ وِرْدًا مُصلَّبَا
والتفت فرأى أبا طلحة فكره مكانه، فقال أبو طلحة: لم تُرَعْ أبا الحسن! فلمّا مات عمر وأخرجت جنازته، تصدّى عليّ وعثمان: أيّهما يصلي عليه، فقال عبد الرحمن: كلاكما يحبُّ الإمْرة، لستما من هذا في شيء، هذا إلى صهيب، استخلفه عمر، يصلّي بالناس ثلاثًا حتى يجتمع الناس على إمام. فصلّى عليه صُهيب، فلما دفن عمر جمع المقداد أهل الشُّورى في بيت المِسْوَر بن مخرَمة - ويقال: في بيت المال، ويقال في حجرة عائشة بإذنها - وهم خمسة، معهم ابنُ عمر، وطلحة غائب؛ وأمروا أبا طلحة أن يحجُبَهم، وجاء عمرو بن العاص،
стр. 3146
والمغيرة بن شعبة فجلسا بالباب، فحصبهما سعد، وأقامهما، وقال: تريدان أن تقولا: حضرنا وكنّا في أهل الشورى! فتنافس القوم في الأمر؛ وكثر بينهم الكلام؛ فقال أبو طلحة: أنا كنت لأنْ تدفعوها أخوفَ منِّي لأن تَنافسوها! لا والذي ذهب بنفس عمر؛ لا أزيدكم على الأيّام الثلاثة التي أمرتم، ثم أجلس في بيتي؛ فأنظر ما تصنعون! فقال عبد الرحمن: أيُّكم يخرج منها نفسه، ويتقلدها على أن يوليها أفضلَكم؟ فلم يجبه أحد، فقال: فأنا أنخلع منها؛ فقال عثمان: أنا أوّل من رضي، فإنّي سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "أمين في الأرض أمين في السماء"، فقال القوم: قد رضينا - وعليّ ساكت - فقال: ما تقول يا أبا الحسن؟ قال: أعطني موثِقًا لتؤثرنّ الحقّ ولا تتّبع الهوى، ولا تخصّ ذا رحم، ولا تألوا الأمة! فقال: أعطوني مواثيقكم على أن تكونوا معي على مَنْ بدّل وغيّر، وأن ترضوا من اخترت لكم، عليّ ميثاق الله ألّا أخصّ ذا رحِم لرحمه، ولا آلو المسلمين. فأخذ منهم ميثاقًا، وأعطاهم مثله، فقال لعليّ: إنك تقول: إني أحقُّ من حضر بالأمر لقرابتك وسابقتك وحسن أثرك في الدّين؛ ولم تبعد؛ ولكن أرأيت لو صرِف هذا الأمر عنك فلم تحضر، من كنت ترى من هؤلاء الرّهط أحقّ بالأمر؟ قال: عثمان. وخلا بعثمان؛ فقال: تقول: شيخ من بني عبد مناف؛ وصهر رسول الله ﷺ وابن عمه، لي سابقة وفَضْل - لم تبعد - فلن يصرف هذا الأمر عني، ولكن لو لم تحضر فأيّ هؤلاء الرهط تراه أحقّ به؟ قال: عليّ. ثم خلا بالزّبير، فكلمه بمثل ما كلم به عليًّا وعثمان؛ فقال: عثمان. ثم خَلا بسعد، فكلمه، فقال: عثمان. فلقي عليّ سعدًا، فقال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، أسألك برحمِ ابني هذا من رسول الله ﷺ ، وبرحم عمّي حمزة منك ألّا تكون مع عبد الرحمن لعثمان ظهيرًا عليّ؛ فإني أدْلي بما لا يُدْلي به عثمان. ودار عبد الرحمن لياليَه يلقى أصحاب رسول الله ﷺ ومَن وافَى المدينة من أمراء الأجناد وأشراف الناس، يشاورهم، ولا يخلُو برجل إلا أمره بعثمان؛ حتى إذا كانت الليلة التي يُسْتكمَل في صبيحتها الأجلُ، أتى منزل المِسْوَر بن مخرمة بعد ابهرار من الليل؛ فأيقظه فقال: ألا أراك نائمًا ولم أذق في هذه الليلة كثير غَمْض! انطلق فادعُ الزبير وسعدًا.
فدعاهما فبدأ بالزبير في مؤخر المسجد في الصُّفَّة التي تلي دارَ مروان، فقال
стр. 3147
له: خلّ ابنيْ عبد مناف وهذا الأمر، قال: نصيبي لعليّ، وقال لسعد: أنا وأنت كَلَالة، فاجعل نصيبك لي فأختار، قال: إن اخترتَ نفسك فنعم، وإن اخترتَ عثمان فعليّ أحبّ إليّ؛ أيها الرجل بايع لنفسك وأرِحْنا، وارفع رؤوسنا، قال: يا أبا إسحاق! إني قد خلعتُ نفسي منها على أن أختار، ولو لم أفعل وجُعل الخيار إليّ لم أرِدْها، إني أريت كروضة خضراء كثيرة العُشْب، فدخل فحلٌ فلم أر فحلًا قطّ أكرم منه، فمرّ كأنه سهم لا يلتفت إلى شيء مما في الرّوْضة حتى قطعها, لم يعرّج. ودخل بعير يتلوه فاتّبع أثره حتى خرج من الرّوضة، ثم دخل فحل عبقريٌّ يجرّ خِطامه، يلتفت يمينًا وشمالًا ويمضي قَصْد الأوليْن حتى خرج، ثمّ دخل بعير رابع فرتَع في الرّوْضة؛ ولا والله لا أكون الرابع؛ ولا يقوم مقام أبي بكر وعمر بعدهما أحدٌ فيرضى الناس عنه. قال سعد: فإني أخافُ أن يكون الضّعف قد أدركك، فامضِ لرأيك؛ فقد عرفت عهد عمر.
وانصرف الزبير، وسعد، وأرسل المِسْور بن مخرمة إلى عليّ، فناجاه طويلًا؛ وهو لا يشكّ: أنه صاحب الأمر، ثم نهض؛ وأرسل المِسوَر إلى عثمان. فكانا في نجيّهما؛ حتى فرّق بينهما أذان الصبح. فقال عمرو بن ميمون: قال لي عبد الله بن عمر: يا عمرو! مَنْ أخبرك أنه يعلم ما كلّم به عبد الرحمن بن عوف عليًّا، وعثمان، فقد قال بغير علم؛ فوقع قضاء ربّك على عثمان. فلما صلوا الصبح جمع الرهط، وبعث إلى من حضره من المهاجرين وأهل السابقة والفضل من الأنصار, وإلى أمراء الأجناد، فاجتمعوا حتى التجّ المسجد بأهله، فقال: أيُّها الناس! إنّ الناس قد أحبّوا أن يلحق أهلُ الأمصار بأمصارهم وقد علموا مَن أميرُهم. فقال سعيد بن زيد: إنّا نراك لها أهلًا، فقال: أشيروا عليّ بغير هذا، فقال عمّار: إن أردت ألّا يختلف المسلمون فبايع عليًّا. فقال المقداد بن الأسود: صَدق عمّار؛ إن بايعت عليًّا؛ قلنا: سمعنا، وأطعنا. قال ابنُ أبي سرح: إن أردت ألّا تختلف قريش فبايع عثمان. فقال عبد الله بن أبي ربيعة: صَدق؛ إن بايعتَ عثمان؛ قلنا: سمعنا وأطعنا. فشتم عمّار ابن أبي سَرْح، وقال: متى كنت تنصح المسلمين؟ !
فتكلم بنو هاشم وبنو أميّة، فقال عمار: أيُّها الناس! إنّ الله أكرمنا بنبيّه، وأعزّنا بدينه، فأنّى تصرفون هذا الأمر عن أهل بيت نبيكم! فقال رجل من
стр. 3148
بني مخزوم: لقد عدوتَ طورَك يا بن سميّة! وما أنت وتأمير قريش لأنفسها! فقال سعد بن أبي وقاص: يا عبد الرحمن! افرغ قبل أن يفتتن الناس، فقال عبد الرحمن: إني قد نظرت وشاورت، فلا تجعلُنَّ أيها الرهط على أنفسكم سبيلًا. ودعا عليًّا، فقال: عليك عهد الله وميثاقه لتعْمَلنّ بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخليفتين من بعده؟ قال: أرجو أن أفعل وأعمل بمبلغ علمي وطاقتي؛ ودعا عثمان فقال له مثل ما قال لعليّ، قال: نعم، فبايعه، فقال عليّ: حبوتَه حَبْوَ دهر؛ ليس هذا أوّل يوم تظاهرتم فيه علينا؛ فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون! والله ما ولّيتَ عثمان إلا ليردّ الأمر إليك؛ والله كلّ يوم هو في شأن؛ فقال عبد الرحمن: يا عليّ! لا تجعل على نفسك سبيلًا؛ فإني قد نظرت وشاورتُ الناس؛ فإذا هم لا يعدلون بعثمان. فخرج عليّ وهو يقول: سيبلغ الكتاب أجله. فقال المقداد: يا عبد الرحمن! أما والله لقد تركتَه من الذين يقضون بالحقّ وبه يعدلون. فقال: يا مقداد! والله لقد اجتهدتُ للمسلمين؛ قال: إن كنتَ أردت بذلك الله فأثابك الله ثواب المحسنين. فقال المقداد: ما رأيتُ مثل ما أوتي إلى أهل هذا البيت بعد نبيّهم. إني لأعجب من قريش: أنّهم تركوا رجلًا ما أقول إنّ أحدًا أعلم ولا أقضى منه بالعدل؛ أما والله لو أجد عليه أعوانًا! فقال عبد الرحمن: يا مقداد! اتق الله؛ فإني خائف عليك الفتنة! فقال رجل للمقداد: رحمك الله! مَن أهل هذا البيت، ومَن هذا الرجل؟ قال: أهل البيت بنو عبد المطلب، والرجل عليّ بن أبي طالب. فقال عليّ: إنّ الناس ينظرون إلى قريش، وقريش تنظر إلى بيتها، فتقول: إن وُليَ عليكم بنو هاشم لم تخرج منهم أبدًا، وما كانت في غيرهم من قريش تداولتموها بينكم. وقدم طلحة في اليوم الذي بويع فيه لعثمان، فقيل له: بايع عثمان، فقال: أكلّ قريش راضٍ به؟ قال: نعم، فأتى عثمانَ فقال له عثمان: أنت على رأس أمرك، إن أبيتَ رددتُها، قال: أتردّها؟ قال: نعم؛ قال: أكلّ الناس بايعوك؟ قال: نعم، قال: قد رضيتُ؛ لا أرغب عمّا قد أجمعوا عليه، وبايعه.
وقال المغيرة بن شعبة لعبد الرحمن: يا أبا محمد! قد أصبتَ إذ بايعتَ عثمان! وقال لعثمان: لو بايع عبد الرحمن غيرَك ما رضينا، فقال عبد الرحمن: كذبت يا أعور! لو بايعتُ غيره لبايعتَه، ولقلتَ هذه المقالة.
стр. 3149
وقال الفرزدق:
صلَّى صهَيْبٌ ثلاثًا ثمَّ أرْسَلَها ... على ابنِ عَفَّانَ مُلْكًا غير مقصور
خلافةً من أبي بكر لصاحبِهِ ... كانوا أخِلَّاءَ مَهْدِيٍّ ومأمورِ
وكان المِسْوَر بن مخرمة يقول: ما رأيت رجلًا بذّ قومًا فيما دخلوا فيه بأشدّ مما بذّهم عبد الرحمن بن عوف (١). (٤: ٢٢٨/ ٢٢٧/ ٢٢٩/ ٢٣٠/ ٢٣١/ ٢٣٢/ ٢٣٣/ ٢٣٤).
стр. 3150
٦٥٩ - قال أبو جعفر: وأما المِسْوَر بن مخرمة، فإنّ الرواية عندنا عنه ما حدّثني سلم بن جُنادة أبو السائب، قال: حدّثنا سُليمان بن عبد العزيز بن أبي ثابت بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف، قال: حدّثنا أبي عن عبد الله بن جعفر، عن أبيه، عن المِسْوَر بن مخرمة - وكانت أمه عاتكة بنة عوف - في الخبر الذي قد مضى ذكر أوله في مقتل عمر بن الخطّاب؛ قال: ونزل في قبره - يعني في قبر عمر - الخمسة، يعني أهل الشورى. قال: ثم خرجوا يريدون بيوتهم؛ فناداهم عبد الرحمن: إلى أين؟ هلمّوا! فتبعوه، وخرج حتى دخل بيت فاطمة بنت قيس الفهريّة، أخت الضخاك بن قيس الفهريّ - قال بعض أهل العلم: بل كانت زوجتُه؛ وكانت نَجودًا، يريد ذات رأي - قال: فبدأ عبد الرحمن بالكلام، فقال: يا هؤلاء؛ إنّ عندي رأيًا، وإنّ لكم نظرًا؛ فاسمعوا تعلّموا، وأجيبوا تفقهوا؛ فإنّ حابيًا خير من زاهق؛ وإن جُرعةً من شَرُوب بارد أنفع من عذب مُوبٍ؛ أنتم أئمة يهتدى بكم؛ وعلماء يصدَر إليكم؛ فلا تفلّوا المدَى بالاختلاف بينكم، ولا تُغمِدوا السيوف عن أعدائكم؛ فتُوتِروا ثأركم، وتؤلتوا أعمالكم؛ لكل أجل كتاب؛ ولكل بيت إمام بأمره يقومون، وبنهيه يَرعوون. قلّدوا أمركم واحدًا منكم تمشوا الهوينى وتلحقوا الطلب؛ لولا فتنة عمياء، وضلالة حيراء؛ يقول أهلها ما يرون، وتحلّهم الحَبَوْكَرَى، ما عدَتْ نياتكم معرفَتكم، ولا أعمالكم نياتكم. احذروا نصيحة الهوى، ولسان الفُرْقة؛ فإنّ الحيلة فِي المنطق أبلغُ من السيوف في الكلْم؛ علِّقُوا أمركم رَحْبَ الذراع فيما حل، مأمون الغيب فيما نزل، رضًا منكم وكلكم رضًا، ومقترَعًا منكم وكلّكم منتهى، لا تطيعوا مفسدًا ينتصح؛ ولا تخالفوا مرشدًا ينتصر؛ أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 3151
ثم تكلّم عثمان بن عفان، فقال: الحمدُ لله الذي اتّخذ محمّدًا نبيًّا، وبعثه رسولًا، صدقه وعده، ووهب له نصره على كلّ مَن بَعُد نسبًا، أو قرب رَحِمًا؛ ﷺ ؛ جعلنا الله له تابعين وبأمره مهتدين؛ فهو لنا نور؛ ونحن بأمره نقوم عند تفرّق الأهواء، ومجادلة الأعداء، جعلنا الله بفضله أئمة وبطاعته أمراء، لا يخرج أمرنا منّا, ولا يدخل علينا غيرنا إلا من سفِهَ الحقّ؛ ونكل عن القصد، وأحْرِ بها يا بن عوف أن تترك، وأحْذِر بها أن تكون إن خولف أمرك وترك دعاؤك؛ فأنا أوّل مجيب لك، وداعٍ إليك، وكفيل بما أقول زعيم؛ وأستغفر الله لي ولكم.
ثم تكلّم الزبير بن العوام بعده، فقال: أمّا بعد: فإنّ داعيَ الله لا يجهل، ومجيبه لا يخذَل، عند تفرّق الأهواء وليّ الأعناق؛ ولن يقصّر عمّا قلت إلا غويّ، ولن يترك ما دعوت إليه إلّا شقيّ، لولا حدود لله فرضت، وفرائض لله حُدّت، تراح على أهلها، وتحيا لا تموت؛ لكان الموت من الإمارة نجاة، والفرار من الولاية عصمة، ولكن لله علينا إجابة الدعوة، وإظهار السنّة؛ لئلا نموت ميتة عمِّيَّة، ولا نَعْمَى عمى جاهليّة، فأنا مجيبك إلى ما دعوت، ومعينك على ما أمرت، ولا حوْل ولا قوة إلا بالله، وأستغفر الله لي ولكم.
ثم تكلّم سعد بن أبي وقّاص، فقاله: الحمد لله بديئًا كان، وآخرًا يعود، أحمده لما نجّاني من الضلالة، وبصّرني من الغواية، فبهدي الله فاز مَن نجا، وبرحمته أفلح من زكا، وبمحمد بن عبد الله ﷺ أنارت الطرق، واستقامت السبل، وظهر كلّ حق، ومات كلّ باطل؛ إياكم أيها النّفر وقولَ الزور، وأمنيّة أهل الغرور، فقد سلبت الأمانيُّ قومًا قيلكم ورثوا ما ورثتم، ونالوا ما نلتم؛ فاتّخذهم الله عدوًّا, ولعنهم لعنًا كبيرًا. قال الله : ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ إنّي نكبت قرَني فأخذت سهمي الفالج، وأخذتُ لطلحة بن عبيد الله ما ارتضيت لنفسي؛ فأنا به كفيل، وبما أعطيتُ عنه زعيم، والأمر إليك يا بن عوف! بجهد النفس، وقصد النُّصْح، وعلى الله قصد السبيل، وإليه الرّجوع، وأستغفر الله لي ولكم؛ وأعوذ بالله من مخالفتكم.
ثم تكلّم عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه؛ فقال: الحمدُ لله الذي بعث
стр. 3152
محمدًا منّا نبيًّا، وبعثه إلينا رسولًا، فنحن بيت النبوّة، ومعدن الحكمة؛ وأمان أهل الأرض، ونجاة لمن طلب، لنا حقّ إن نعطَه نأخذه؛ وإن نمنعه نركب أعجاز الإبل ولو طال السُّرَى؛ لو عهد إلينا رسول الله ﷺ عهدًا؛ لأنفذنا عهده، ولو قال لنا قولًا؛ لجادلنا عليه؛ حتى نموت. لن يسرع أحد قبلي إلى دعوة حقّ وصِلة رحم، ولا حول ولا قوة إلا بالله اسمعوا كلامي، وعوا منطقي؛ عسى أن تروا هذا الأمر من بعد هذا المجمع تُنتضَى فيه السيوف، وتُخان فيه العهود؛ حتى تكونوا جماعة، ويكون بعضكم أئمة لأهل الضلالة، وشيعةً لأهل الجهالة، ثم أنشأ يقول:
فإن تكُ جاسمٌ هَلَكَتْ فإنِّي ... بما فعلتْ بنو عبدِ بنِ ضخْمِ
مُطيعٌ في الهواجِرِ كلّ عَيّ ... بصيرٌ بالنَّوَى من كلِّ نَجْم
فقال عبد الرحمن: أيكم يطيب نفسًا أن يخرج نفسه من هذا الأمر، ويولّيه غيرَه؟ قال: فأمسَكوا عنه، قال: فإني أخرج نفسي، وابنَ عمّي، فقلده القوم الأمر، وأحلفهم عند المنبر؛ فحلفوا ليبايعُنّ مَن بايع، وإن بايع بإحدى يديه الأخرى! فأقام ثلاثًا في داره التي عند المسجد التي يقال لها اليوم رحبة القضاء - وبذلك سمّيت رَحْبة القضاء - فأقام ثلاثًا يصلِّي بالناس صهيب.
قال: وبعث عبد الرحمن إلى عليّ، فقال له: إن لم أبايعك فأشر عليّ؛ فقال: عثمان. ثم بعث إلى عثمان، فقال: إن لم أبايعك، فمن تشير عليّ؟ قال: عليّ. ثم قال لهما: انصرفا. فدعا الزبير، فقال: إن لم أبايعك؛ فمن تشير عليّ، قال: عثمان، ثم دعا سعدًا، فقال: مَنْ تشير عليّ؟ فأمّا أنا وأنت فلا نريدها، فمن تشير عليّ؟ قال: عثمان. فلمَّا كانت الليلة الثالثة، قال: يا مِسْوَر! قلت: لبّيك، قال: إنك لنائم؛ والله ما اكتحلت بغَماض منذ ثلاث. اذهب فادعُ لي عليًّا، وعثمان. قال: قلت: يا خال! بأيّهما أبدأ؟ قال: بأيّهما شئت، قال: فخرجت فأتيت عليًّا - وكان هواي فيه - فقلت: أجب خالي، فقال: بعثك معي إلى غيري؟ قلت: نعم؛ قال: إلى من؟ قلت: إلى عثمان، قال: فأيّنا أمرك أن تبدأ به؟ قلت: قد سألته فقال: بأيّهما شئت، فبدأت بك، وكان هواي فيك. قال: فخرج معي حتى أتينا المقاعد، فجلس عليها عليّ، ودخلت على عثمان فوجدته يوتر مع الفجر، فقلت: أجب خالي، فقال: بعثك
стр. 3153
معي إلى غيري؟ قلت: نعم، إلى عليّ، قال: بأيّنا أمرك أن تبدأ؟ قلت: سألته فقال: بأيّهما شئت؛ وهذا عليّ على المقاعد، فخرج معي حتى دخلنا جميعًا على خالي وهو في القبلة قائم يصلّي، فانصرف لمَّا رآنا، ثم التفت إلى عليّ، وعثمان، فقال: إنّي قد سألت عنكما وعن غيركما، فلم أجد الناس يعدلون بكما؛ هل أنت يا عليّ مبايعي على كتاب الله وسنّة نبيّه وفعل أبي بكر وعمر؟ فقال: اللهمّ لا, ولكن على جهدي من ذلك وطاقتي. فالتفت إلى عثمان، فقلت: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنّة نبيّه وفعل أبي بكر وعمر؟ قال: اللهمّ نعم، فأشار بيده إلى كتفيه، وقال: إذا شئتما! فنهضنا حتى دخلنا المسجد، وصاح صائح: الصلاة جامعة - قال عثمان: فتأخّرت والله حياء لما رأيت من إسراعه إلى عليّ؛ فكنت في آخر المسجد - قال: وخرج عبد الرحمن بن عوف وعليه عمامته التي عمَّمه بها رسول الله ﷺ ، متقلّدًا سيفه؛ حتى ركِب المنبر، فوقف وقوفًا طويلًا، ثم دعا بما لم يسمعه الناس.
ثم تكلّم، فقال: أيّها الناس! إني قد سألتكم سرًّا وجهرًا عن إمامكم؛ فلم أجدكم تعدلون بأحد هذين الرجلين، إما عليّ، وإما عثمان؛ فقم إليّ يا عليّ، فقام إليه عليّ، فوقف تحت المنبر؛ فأخذ عبد الرحمن بيده، فقال: هل أنتَ مبايعي على كتاب الله وسنة نبيّه وفعل أبي بكر وعمر؟ قال: اللهم لا؛ ولكن على جَهدي من ذلك وطاقتي؛ قال: فأرسل يده ثم نادَى: قم إليّ يا عثمان؛ فأخذ بيده - وهو في موقف عليّ الذي كان فيه - فقال: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنّة نبيّه وفعل أبي بكر وعمر؟ قال: اللهمّ نعم؛ قال: فرفع رأسه إلى سقف المسجد، ويده في يد عثمان، ثم قال: اللهمّ اسمع واشهد؛ اللهمّ إنِّي قد جعلت ما في رقبتي من ذاك في رقبة عثمان. قال: وازدحم الناس يبايعون عثمان حتى غَشُوه عند المنبر، فقعد عبد الرحمن مقعد النبي ﷺ من المنبر، وأقعد عثمان على الدرجة الثانية، فجعل الناس يبايعونه، وتلكّأ عليّ، فقال عبد الرحمن: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾؛ فرجع عليّ يشقّ الناس؛ حتى بايع وهو يقول: خدعة وأيَّما خدعة!
قال عبد العزيز: وإنما سبب قول علي: "خدعة"؛ أن عمرو بن العاص كان قد لقي عليًّا في ليالي الشورى، فقال: إن عبد الرحمن رجل مجتهد، وإنّه متى
стр. 3154
أعطيتَه العزيمة كان أزهدَ له فيك؛ ولكن الجهد والطاقة؛ فإنه أرغبُ له فيك. قال: ثم لقي عثمان، فقال: إنّ عبد الرحمن رجل مجتهد؛ وليس والله يبايعك إلّا بالعزيمة، فاقبَل؛ فلذلك قال عليّ: "خدعة".
قال: ثم انصرف بعثمان إلى بيت فاطمة بنة قيس، فجلس والناس معه، فقام المغيرة بن شعبة خطيبًا، فقال: يا أبا محمد! الحمد لله الذي وفّقك؛ والله ما كان لها غير عثمان - وعليّ جالس - فقال عبد الرحمن: يا بن الدّباغ! ما أنت وذاك؟ ! والله ما كنت أبايع أحدًا إلّا قلتَ فيه هذه المقالة!
قال: ثم جلس عثمان في جانب المسجد؛ ودعا بعبيد الله بن عمر - وكان محبوسًا في دار سعد بن أبي وقاص، وهو الذي نزع السيف من يده بعد قتله جُفينة والهُرمزان وابنة أبي لؤلؤة، وكان يقول: والله لأقتلنّ رجالًا ممن شرك في دم أبي - يعرّض بالمهاجرين والأنصار - فقام إليه سعد، فنزع السيف من يده؛ وجذب شعره حتى أضجعه إلى الأرض، وحبسه في داره حتى أخرجه عثمان إليه؛ فقال عثمان لجماعة من المهاجرين والأنصار: أشيروا عليّ في هذا الذي فتَق في الإسلام ما فتَق، فقال عليّ: أرى أن تقتله، فقال بعض المهاجرين: قتل عمر أمسِ ويقتل ابنه اليوم! فقال عمرو بن العاص: يا أميرَ المؤمنين! إن الله قد أعفاك أن يكون هذا الحَدَث كان ولك على المسلمين سلطان؛ إنما كان هذا الحدَث ولا سلطان لك؛ قال عثمان: أنا وليّهم، وقد جعلتها ديةً، واحتملتها في مالي.
قال: وكان رجل من الأنصار يقال له: زياد بن لبيد البيّاضيّ إذا رأى عبيد الله بن عمر، قال:
ألا يا عبيدَ الله مالك مهربٌ ... ولا مَلْجَأٌ مِنْ ابْنِ أرْوَى ولا خَفَرْ
أصبْتَ دمًا والله في غير حِلّه ... حرامًا وقتلُ الهُرْمُزانِ له خَطَرْ
على غيرِ شيءٍ غيرَ أن قال قائلٌ ... أتَتّهِمُونَ الهُرمزَان على عمرْ
فقال سَفيهٌ - والحوادث جَمَّة ... نعم اتَّهِمْه قد أشار وقد أمر
وكان سلاحُ العبدِ في جوف بيتِهِ ... يقَلّبها والأمرُ بالأمرِ يُعتَبرْ
قال: فشكا عبيد الله بن عمر إلى عثمان زياد بن لَبِيد وشعره، فدعا عثمان زياد بن لَبِيد، فنهاه. قال: فأنشأ زياد يقول في عثمان:
стр. 3155
أبا عمرٍو عبيدُ الله رَهْنٌ ... فلا تَشْكُكْ بقَتْلِ الهُرمزَان
فإنك إنْ غَفرْتَ الجرْمَ عنه ... وأسبابُ الخَطا فَرَسا رِهانِ
أتَعْفُو إذ عَفَوتَ بغير حَقّ ... فما لك بالذي تَحْكي يدان!
فدعا عثمان زياد بن لبيد فنهاه وشذّبه (١). (٤: ٢٣٤/ ٢٣٦/٢٣٥/ ٢٣٧ / ٢٣٨/ ٢٣٩/ ٢٤٠).
٦٦٠ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيّب: أن عبد الرحمن بن أبي بكر قال غداة طُعِن عمر: مررت على أبي لؤلؤة عشيّ أمس؛ ومعه جُفَينة والهرمزان، وهم نجيّ، فلما رهِقْتهم ثاروا، وسقط منهم خنجر له رأسان، نصابُه في وسطه؛ فانظروا بأيّ شيء قتل؛ وقد تخلل أهل المسجد، وخرج في طلبه رجل من بني تميم، فرجع إليهم التميميّ، وقد كان ألظَّ بأبي لؤلؤة منصرفَه عن عمر، حتى أخذه فقتله؛ وجاء بالخنجر الذي وصفه عبد الرحمن بن أبي بكر، فسمع بذلك عُبيد الله بن عمر؛ فأمسك حتى مات عمر؛ ثمّ اشتمل على السيف؛ فأتى الهرمزان فقتله؛ فلما عضّه السيف قال: "لا إله إلا الله". ثمّ مضى حتى أتى جُفينة - وكان نصرانيًّا من أهل الحيرة ظئرًا لسعد بن مالك، أقدمه إلى المدينة للصلح الذي بينه وبينهم، وليعلّم بالمدينة الكتابة - فلما علاه بالسيف صلّب بين عينيه. وبلغ ذلك صهيبًا؛ فبعث إليه عمرو بن العاص، فلم يزل به وعنه، ويقول: السيف بأبي وأمّي! حتى ناوله إياه، وثاوره سعدٌ فأخذ بشعره، وجاؤوا إلى صهيب (٢) (٤: ٢٤٠/ ٢٤١).