← История

История · id 145435

صحيح وضعيف تاريخ الطبري

محمد بن طاهر البرزنجي

Полный текст (6 167 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

أطّلع منه على غير ما قال. وقال: إن كان كما قلتَ يا كميل فاقتدْ منّي -وجثا- فوالله ما حسبتك إلّا تريدني، وقال: إن كنتَ صادقًا فأجزل الله، وإن كنتَ كاذبًا فأذلّ الله. وقعد له على قدميه، وقال: دونك! قال: قد تركمتُ. فبقيا حتى أكثر الناس في نجائهما، فلمّا قدم الحجّاج قال: مَن كان من بعْث المهلّب فليوافِ مكتبه؛ ولا يجعل على نفسه سبيلًا. فقام إليه عمير، وقال: إني شيخ ضعيف، ولي ابنان قويّان؛ فأخرِجْ أحدهما مكاني أو كليهما، فقال: من أنت؟ قال: أنا عمير بن ضابئ، فقال: والله لقد عصيتَ الله منذ أربعين سنة؛ ووالله لأنكِّلن بك المسلمين، غضبْت لسارق الكلب ظالمًا، إنّ أباك إذْ غُل لَهمَّ؛ وإنك هممت ونكلت، وإني أهُمّ، ثم لا أنكل. فضرِبت عنقه (١). (٤: ٤٠٣). ٨٥٧ - كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، قال: حدّثنا رجل من بني أسد، قال: كان من حديثه: أنه كان قد غزا عثمان ﵁ فيمن غزاه؛ فلما قدم الحَجّاج، ونادى بما نادى به؛ عرض رجل عليه ما عِوَض نفسه، فقبل منه، فلما ولّى قال أسماء بن خارجة: لقد كان شأن عمير مما يهمّني، قال: ومَن عمير؟ قال: هذا الشيخ، قال: ذكّرتني الطعن وكنت ناسيًا أليس فيمن خرج إلى عثمان؟ قال: بلى، قال: فهل بالكوفة أحد غيره؟ قال: نعم، كُمَيل، قال: عليّ بعُمير، فضرب عنقه، ودعا بكُميل فهرب؛ فأخذ النّخَع به، فقال له الأسود بن الهيثم: ما تريد من شيخ قد كفاكه الكِبَر! فقال: أما والله لتحبسنّ عني لسانك أو لأحُسَّنَّ رأسك بالسيف. قال: أفعل. فلما رأى كُميل ما لقيَ قومه من الخوف وهم ألفا مقاتل، قال: الموت خير من الخوف إذا أخيف ألفان من سَبَبي، وحرموا. فخرج حتى أتى الحجّاج، فقال له الحجّاج: أنت الذي أردت ثم لم يكشفك أمير المؤمنين، ولم ترضَ حتى أقعدته للقصاص إذْ دفعك عن نفسه؟ فقال: على أيّ ذلك تقتلني! تقتلني على عفوه، أو على عافيتي؟ قال: يا أدهم بن المحرِز، اقتله؛ قال: والأجر بيني وبينك؟ قال: نعم، قال أدهم: بل الأجر لك؛ وما كان من إثْم فعليّ. وقال مالك بن عبد الله - وكان من المسيّرين:

стр. 3292

مَضَتْ لابنِ أروَى في كُمَيل ظُلامَةٌ ... عفاها له والمُستقِيدُ يُلامُ وقال له لا أُقبِحُ اليومَ مُثْلَةً ... علَيكَ أبا عَمْرٍو وأنت إمام رُوَيدَكَ رأسي والذي نَسَكَتْ له ... قرَيشٌ بِنا على الكبير حرامُ ولِلعَفْوِ أمنٌ يَعرِفُ الناسُ فَضلَهُ ... ولَيسَ عَلَينا في القصاصِ أثامُ ولو علِمَ الفاروق ما أنت صانِعٌ ... نهى عَنكَ نَهيًا ليس فيه كلامُ (١) (٤: ٤٠٣/ ٤٠٤). ٧٥٨ - حدّثني عمر بن شبّة، قال: حدّثنا عليّ بن محمد عن سُحَيم بن حَفص، قال: كان ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب شريكَ عثمان في الجاهليّة، فقال العباس بن ربيعة لعثمان: اكتب لي إلى ابن عامر يُسلفني مئة ألف؛ فكتب، فأعطاه مئة ألف وصلَه بها، وأقطعه دارَه؛ دار العباس بن ربيعة اليوم (٢). (٤: ٤٠٤). ٨٥٩ - وحدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ عن إسحاق بن يحيى، عن موسى ابن طلحة، قال: كان لعثمان علَى طلحة خمسون ألفًا، فخرج عثمان يومًا إلى المسجد، فقال له طلحة: قد تهيّأ مالُكَ فاقبضه، قال: هو لك يا أبا محمد معونة لك على مروءتك (٣)! (٤: ٤٠٤/ ٤٠٥). ٨٦٠ - وحدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ عن عبد ربّه، عن نافع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن حَكيم بن جابر، قال: قال عليّ لطلحة: أنشدك الله إلّا رددتَ الناس عن عثمان! قال: لا والله حتى تُعْطِيَ بنو أمية الحقّ من أنفسها (٤). (٤: ٤٠٥). ٨٦١ - وحدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ، قال: حدثنا أبو بكر البكريّ عن هشام بن حسان، عن الحسن: أنّ طلحة بن عبيد الله باع أرضًا له من عثمان بسبعمئة ألف، فحملها إليه، فقال طلحة: إنّ رجلًا تتّسق هذه عنده وفي بيته لا يدري ما يطرُقه من أمر الله لعزيزٌ بالله سبحانه! فبات ورسوله يختلف

стр. 3293

بها في سكك المدينة يقسمها حتى أصبح، فأصبح وما عنده منها درهم. قال الحسن: وجاء هاهنا يطلب الدينار والدرهم- أو قال: الصفراء والبيضاء (١). (٤: ٤٠٥). ٨٦٢ - وحجّ بالناس في هذه السنة -أعني: سنة خمس وثلاثين- عبد الله بن عباس بأمر عثمان إياه بذلك؛ حدّثني بذلك أحمد بن ثابت الرازيّ، عمّن حدّثه، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر (٢). (٤: ٤٠٥). ذكر الخبر عن السبب الذي من أجله أمر عثمان ﵁ عبد الله ابن عباس ﵁ أن يحجّ بالناس في هذه السنة ٨٦٣ - ذكر محمد بن عمر الواقديّ: أنّ أسامة بن زيد حدّثه عن داود بن الحصين، عن عِكرمة، عن ابن عباس، قال: لما حُصِر عثمان الحصْر الآخر -قال عكرمة: فقلت لابن عبّاس: أو كَانا حَصْرين؟ فقال ابن عباس: نعم، الحصْر الأوّل، حُصر اثنتي عشرة- وقدم المصريون فلقيَهم عليٌّ بذي خُشب؟ فردّهم عنه؛ وقد كان والله عليّ له صاحبَ صدق، حتى أوغَر نفسَ عليّ عليه؛ جعل مروان، وسعيد، وذووهما يحملونه على عليّ فيتحمَّل؛ ويقولون: لو شاء ما كلّمك أحد؛ وذلك أن عليًّا كان يكلمه، وينصحه، ويُغلِظ عليه في المنطق في مرْوان وذويه، فيقولون لعثمان: هكذا يستقبلك؛ وأنت إمامه، وسلْفه، وابن عمّه، وابن عمته؛ فما ظنّك بما غاب عنك منه! فلم يزالوا بعليّ حتى أجمع ألّا يقوم دونه؛ فدخلتُ عليه اليوم الذي خرجتُ فيه إلى مكة، فذكرتُ له: أن عثمان دعاني إلى الخروج، فقال لي: ما يريد عثمان أن ينصحه أحدٌ؛ اتّخذ بطانة أهل غِشّ ليس منهم أحد إلّا قد تسبّب بطائفة من الأرض يأكل خراجها ويستذل أهلها؛ فقلت له: إنّ له رحمًا، وحقًّا؛ فإن رأيت أن تقوم دونه؛ فعلتَ؛ فإنك لا تُعذِر إلا بذلك. قال ابن عباس: فالله يعلم: أنّي رأيت فيه الانكسار، والرّقة لعثمان؛ ثم إني

стр. 3294

لأراه يؤتَى إليه عظيم. ثم قال عكرمة: وسمعت ابنَ عباس يقول: قال لي عثمان: يا بنَ عباس! اذهب إلى خالد بن العاص وهو بمكة، فقل له: يقرأ عليك أمير المؤمنين السلام، ويقول لك: إني محصور منذ كذا وكذا يومًا، لا أشرب إلّا من الأُجَاج من داري، وقد مُنعتُ بئرًا اشتريتها من صُلْب مالي، رُومةَ؛ فإنما يشربها الناس ولا أشرب منها شيئًا، ولا آكل إلّا مما في بيتي، منعت أن آكل مما في السوق شيئًا وأنا محصور كما ترى؛ فاؤمره وقل له: فليحج بالناس؛ وليس بفاعِل؛ فإنْ أبى فاحجُج أنت بالناس. فقدمت الحج في العَشْر، فجئت خالد بن العاص، فقلت له ما قال لي عثمان، فقال لي: هل طاقة بعداوة مَن ترى؟ فأبى أن يحجّ وقال: فحُجّ أنت بالناس: فأنت ابن عمّ الرجل؛ وهذا الأمر لا يُفضي إلّا إليه -يعني عليًّا- وأنت أحقّ أن تحمل له ذلك، فحججت بالناس، ثم قفلت في آخر الشهر، فقدمت المدينة وإذا عثمان قد قتل؛ وإذا الناس يتواثبون على رَقَبة علي بن أبي طالب. فلما رآني عليّ ترك الناس، وأقبل على فانتجاني، فقال: ما ترى فيما وقع؟ فإنه قد وقع أمر عظيم كما ترى لا طاقة لأحد به؛ فقلت: أرى أنه لا بدّ للناس منك اليوم؛ فأرى أنه لا يبايَع اليوم أحدٌ إلّا اتُّهم بدم هذا الرجل، فأبى إلّا أن يبايَع، فاتُّهم بدمه (١). (٤: ٤٠٥/ ٤٠٦/ ٤٠٧). ٨٦٤ - قال محمد: فحدّثني ابنُ أبي سَبْرة، عن عبد المجيد بن سهيل، عن عكرمة، قال: قال ابنُ عباس: قال لي عثمان ﵁؛ إني قد استعملتُ خالد بن العاص بن هشام على مكة؛ وقد بلغ أهلَ مكة ما صنع الناس؛ فأنا خائف أن يمنعوه الموقف فيأبى، فيقاتلهم في حرَم الله جلّ وعز وأمنه. وإن قومًا جاؤوا من كلّ فجّ عميق، ليشهدوا منافع لهم؛ فرأيت أن أولِّيَك أمر الموسم. وكتب معه إلى أهلِ الموسم بكتاب يسألهم أن يأخذوا له بالحقّ ممن حصره. فخرج ابنُ عباس، فمرَّ بعائشة في الصُّلصُل؛ فقالت: يا بنَ عباس! أنشدك الله -فإنك قد أعطِيت لسانًا إزعيلًا- أن تخذل عن هذا الرجل، وأن تشكّك فيه الناس! فقد بانت لهم بصائرهم وأنهجت، ورفعت لهم المنار، وتحلّبوا من البلدان لأمر قد

стр. 3295

حُمّ؛ وقد رأيت طلحة بن عبيد الله قد أتخذ على بيوت الأموال والخزائن مفاتيحَ، فإن يَلِ يَسِرْ بسيرة ابن عمه أبي بكر، قال: قلتُ يا أمّهْ لو حدث بالرّجل حدث ما فزع الناس إلّا إلى صاحبنا. فقالت: إيهًا عنك! إني لست أريدُ مكابرتك، ولا مجادلتك. قال ابن أبي سَبْرة: فأخبرني عبد المجيد بن سهيل: أنه انتسخ رسالة عثمان التي كتب بها من عكرمة، فإذا فيها: بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله عثمان أمير المؤمنين إلى المؤمنين والمسلمين؛ سلام عليكم، فإنّي أحمَد الله إليكم الذي لا إله إلا هو؛ أمّا بعد؛ فإنّي أذكّركم بالله جلّ وعزّ الذي أنعم عليكم، وعلّمكم الإسلام، وهداكم من الضلالة، وأنقذكم من الكفر، وأراكم البيّنات، وأوسع عليكم من الرزق، ونصركم على العدوّ، وأسبغ عليكم نعمته؛ فإنّ الله يقول وقوله الحق: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾. وقال : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾. ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ إلى قوله: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. وقال وقوله الحقّ: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ وقال وقوله الحق: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ إلى قوله: ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨)﴾ وقوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ إلى قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. وقال وقوله الحقّ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ إلى ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. وقال وقوله الحقّ: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ إلى قوله: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وقال وقوله الحق: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ إلى ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ وقال وقوله الحق: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ وقال وقوله الحق: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ إلى ﴿فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإنّ الله رضي لكم السمع، والطاعة، والجماعة، وحذّركم المعصية، والفُرقة، والاختلاف، ونبّأكم ما قد فعله الذين من قبلكم، وتقدّم إليكم فيه ليكون له الحُجةُ عليكم إن عصيتموه، فاقبلوا نصيحة الله

стр. 3296

عزّ وجلّ، واحذروا عذابه؛ فإنكم لن تجدوا أمةً هلكت إلّا من بعد أن تختلف؛ إلا أن يكون لها رأس يجمعها، ومتى ما تفعلوا ذلك لا تقيموا الصلاة جميعًا، وسُلِّط عليكم عدوّكم، ويستحلّ بعضكم حرَم بعض؛ ومتى يفعل ذلك لا يقم لله سبحانه دين، وتكونوا شيعًا، وقد قال الله جلّ وعزّ لرسوله ﷺ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾. وإني أوصيكم بما أوصاكم الله، وأحذّركم عذابه؛ فإن شعيبًا ﷺ قال لقومه: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ﴾ إلى قوله: ﴿رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾. أما بعد؛ فإنّ أقوامًا ممن كان يقول في هذا الحديث أظهروا للناس أنَّمَا يدعون إلى كتاب الله والحقّ، ولا يُريدون الدّنيا ولا منازعةً فيها؛ فلما عرِض عليهم الحقّ؛ إذا الناس في ذلك شتى؛ منهم آخذ للحق، ونازع عنه حين يعطاه؛ ومنهم تارك للحقّ ونازلٌ عنه في الأمر، يريد أن يبتزّه بغير الحقّ؛ طال عليهم عمري، وراثَ عليهم. أمَلُهم الإمْرة؛ فاستعجلوا القَدَر؛ وقد كتبوا إليكم أنهم قد رجعوا بالذي أعطيتهم؛ ولا أعلم أنّي تركت من الذي عاهدتهم عليه شيئًا؛ كانوا زعموا أنهم يطلبون الحُدود، فقلت: أقيموها على مَن علمتم تعدّاها في أحَد، أقيموها على مَن ظلمكم من قريب أو بعيد. قالوا: كتاب الله يُتَلى، فقلت: فَلْيتلُه مَنْ تلاه غير غال فيه بغير ما أنزل الله في الكتاب. وقالوا: المحروم يرزق، والمال يوفَّى ليُسْتَنّ فيه السنّة الحسنة، ولا يُعتدى في الخُمس ولا في الصدقة، ويؤمَّر ذو القوّة والأمانة، وتردُّ مظالم الناس إلى أهلها؛ فرضيت بذلك واصطبرت له؛ وجئت نسوة النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم حتى كلمتهنّ، فقلت: ما تأمرنني؛ فقلن: تُؤَمِّر عمرو بن العاص، وعبد الله بن قَيْس، وتَدَع معاوية؛ فإنما أمّره أمير قبلك؛ فإنه مصلح لأرضه، راضٍ به جنده؛ واردد عمرًا؛ فإنّ جنده راضون به، وأمّرْه فليصلح أرضه؛ فكلّ ذلك فعلت. وإنه اعتُديَ عليّ بعد ذلك، وعُدِي على الحقّ. كتبت إليكم وأصحابي الذين زعموا في الأمر؛ استعجلوا القَدَر، ومنعوا مني الصلاة، وحالوا بيني وبين المسجد، وابتزُّوا ما قدروا عليه بالمدينة. كتبت إليكم كتابي هذا؛ وهم يخيّرونني إحدى ثلاث: إما يُقيدونَني بكلّ رجل أصبته خطأ أو صوابًا، غير متروك منه شيء؛ وإمّا أعتزل الأمر فيؤمِّرون آخرَ

стр. 3297

غيري، وإما يُرسلون إلى من أطاعهم من الأجناد وأهل المدينة فيتبرّؤون من الذي جعل الله سبحانه لي عليهم من السمع والطاعة. فقلت لهم: أمّا إقادتي من نفسي فقد كان من قبلي خلفاء تخطئ وتصيب؛ فلم يُسْتَقد من أحد منهم؛ وقد علمت أنما يريدون نفسي؛ وأمّا أن أتبرأ من الإمارة فأنْ يكْلُبوني أحبّ إلى من أن أتبرّأ من عمل الله وخلافته. وأما قولكم: ترسلون إلى الأجناد وأهل المدينة فيتبرؤون من طاعتي؛ فلست عليكم بوكيل؛ ولم أكن استكرهتهم من قبل على السمع والطاعة؛ ولكن أتوها طائعين، يبتغون مرضاةِ الله وإصلاح ذات البين؛ ومن يكن منكم إنما يبتغي الدنيا فليس بنائل منها إلّا ما كتب الله له، ومن يكن إنما يريد وجه الله، والدار الآخرة، وصلاح الأمة، وابتغاء مرضاة الله ، والسنة الحسنة التي استنّ بها رسول الله ﷺ والخليفتان من بعده ﵄؛ فإنما يجْزِي بذلكم الله؛ وليس بيدِي جزاؤكم؛ ولو أعطيتكم الدنيا كلها لم يكن في ذلك ثمن لدينكم؛ ولم يُغْنِ عنكم شيئًا، فاتقوا الله واحتسبوا ما عنده؛ فمن يرضَ بالنكث منكم فإني لا أرضاه له، ولا يرضى الله سبحانه أن تنكُثوا عهده. وأما الذي يخيّرونني فإنما كله النزع والتأمير. فملَكْت نفسي ومَنْ معي؛ ونظرت حكم الله وتغيير النعمة من الله سبحانه، وكرهت سنَّة السوء، وشقاق الأمّة، وسفك الدماء؛ فإني أنشدكم بالله والإسلام ألّا تأخذوا إلّا الحق، وتعطُوه مني، وتركَ البغي على أهله، وخذوا بيننا بالعدل كما أمركم الله ، فإني أنشدكم الله سبحانه الذي جعل عليكم العهد والمؤازرة في أمر الله؛ فإنّ الله سبحانه قال وقوله الحق: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾، فإن هذه معذرة إلى الله، ولعلكم تذكّرون. أما بعد، فإني لا أبرئ نفسي، ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)﴾، وإن عاقبت أقوامًا فما أبتغي بذلك إلّا الخير، وإني أتوب إلى الله من كلّ عمل عملته، وأستغفره إنه لا يغفر الذنوب إلّا هو، إنّ رحمة ربي وسعت كلّ شيء، إنه لا يقنط من رحمة الله إلّا القومُ الضَّالون، وإنه يقبلُ التَّوبةَ عَنْ عباده، ويعفو عن السّيئات، ويعلم ما يفعَلُون. وأنا أسأل الله أن يغفر لي ولكم، وأن يؤلّف قلوبَ هذه الأمة على الخير، ويكرّه إليها الفسق. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أيها المؤمنون والمسلمون.

стр. 3298

قال ابن عباس: فقرأت هذا الكتاب عليهم قبل التَّروية بمكة بيوم (١). (٤: ٤٠٧/ ٤٠٨ / ٤٠٩/ ٤١٠/ ٤١١). ٨٦٥ - قال: وحدّثني ابن أبي سَبْرة عن عبد المجيد بن سهيل، عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة، عن ابن عباس، قال: دعاني عثمان، فاستعملني على الحجّ. قال: فخرجت إلى مكة، فأقمتُ للناس الحجّ، وقرأت عليهم كتاب عثمان إليهم؛ ثم قدمت المدينة وقد بويع لعليّ (٢). (٤: ٤١١). ذكر الخبر عن الموضع الذي دفن فيه عثمان ﵁ ومن صلّى عليه وولي أمره بعد ما قتل إلى أن فرِغ من أمره ودفنِه ٨٦٦ - حدّثني جعفر بن عبد الله المحمّديّ، قال: حدّثنا عمرو بن حمّاد، وعلي بن حسين، قالا: حدّثنا حسين بن عيسى، عن أبيه، عن أبي ميمونة، عن أبي بشير العابديّ، قال: نبذ عثمان ﵁ ثلاثة أيام لا يُدفن؛ ثم إن حَكيم بن حزام القرشيّ، ثم أحد بني أسد بن عبد العزّى، وجُبير بن مطعِم بن عديّ بن نوفل بن عبد مناف، كلّما عليًّا في دفنه، وطلبا إليه أن يأذن لأهله في ذلك، ففعل، وأذن لهم عليّ، فلما سُمِع بذلك، قعدوا له في الطريق بالحجارة، وخرج به ناس يسيرٌ من أهله؛ وهم يريدون به حائطًا بالمدينة، يقال له: حشّ كَوْكب، كانت اليهود تدفن فيه موتاهم؛ فلما خرج به على الناس رجموا سريرَه، وهمّوا بطرحه، فبلغ ذلك عليًّا، فأرسل إليهم يعزم عليهم ليكفّنّ عنه، ففعلوا، فانطلق حتى دفن ﵁ في حَشّ كوكب؛ فلما ظهر معاوية بن أبي سفيان على الناس أمر بهدْم ذلك الحائط حتى أفضى به إلى البَقيع؛ فأمر الناس أن يدفنوا موتاهم حَوْل قبره حتى اتّصل ذلك بمقابر المسلمين (٣). (٤: ٤١٢). ٨٦٧ - وحدّثني جعفر، قال: حدّثنا عمرو وعليّ قالا: حدثنا حُسَين، عن

стр. 3299

أبيه، عن المجالد بن سعيد الهمْدانيّ، عن يسار بن أبي كرِب، عن أبيه -وكان أبو كَرِب عاملًا على بيت مال عثمان- قال: دفن عثمان ﵁ بين المغرب والعَتَمة؛ ولم يشهد جنازته إلّا مروان بن الحكم وثلاثة من مواليه وابنته الخامسة، فناحت ابنته، ورفعت صوتها تندبه، وأخذ الناس الحجارة، وقالوا: نعثَل نعثل! وكادت ترجَم؛ فقالوا: الحائط الحائط؛ فدفن في حائط خارجًا (١). (٤: ٤١٢). ٨٦٨ - وأما الواقديّ فإنه ذكر: أنّ سعد بن راشد حدّثه عن صالح بن كيسان: أنه قال: لما قتل عثمان ﵁ قال رجل: يدفن بدير سَلْع مقبرة اليهود، فقال حَكيم بن حزام: والله لا يكونُ هذا أبدًا وأحدٌ من ولد قصيّ حيٌّ؛ حتى كاد الشرّ يلتحم، فقال ابنُ عُدَيس البَلَويّ: أيّها الشيخ! وما يضرّك أين يدفن! فقال حكيم بن حزام: لا يدفن إلا ببقيع الغَرقَد حيث دفن سَلَفُه وفَرَطُه؛ فخرج به حكيم بن حزام في اثني عشر رجلًا، وفيهم الزّبير، فصلّى عليه حكيم بن حزام. قال الواقديّ: الثبت عندنا: أنه صلّى عليه جُبير بن مطعِم (٢). (٤: ٤١٣). ٨٦٩ - قال محمد بن عمر: وحدّثني الضّحّاك بن عثمان، عن مخرَمة بن سليمان الوالبيّ، قال: قتل عثمان ﵁ يوم الجمعة ضحْوةً، فلم يقدروا على دفنه، وأرسلت نائلة بنة الفَرافصة إلى حُويطب بن عبد العُزَّى، وجُبير بن مطعم، وأبي جهم بن حُذَيفة، وحكيم بن حزام، ونيار الأسلميّ، فقالوا: إنّا لا نقدر أن نخرج به نهارًا، وهؤلاء المصريّون على الباب، فأمهلوا حتى كان بين المغرب والعشاء، فدخل القوم، فحيل بينهم وبينه، فقال أبو جهم: والله لا يحولُ بيني وبينه أحد إلا مِتّ دونه؛ احملوه، فحمل إلى البقيع؛ قال: وتبعتهم نائلة بسراج استسرجته بالبقيع، وغلام لعثمان، حتى انتهوا إلى نَخَلات عليها حائط؛ فدقّوا الجدار، ثم قبروه في تلك النَّخَلات، وصلّى عليه جبير بن مطعم، فذهبت نائلة تريد أن تتكلم، فزبرها القوم، وقالوا: إنا نخاف عليه من هؤلاء الغوغاء أن يَنْبِشوه، فرجعت نائلة إلى منزلها (٣). (٤: ٤١٣).

стр. 3300

٨٧٠ - قال محمد: وحدّثني عبد الله بن يزيد الهذليّ عن عبد الله بن ساعدة، قال: لبِث عثمان بعد ما قتل ليلتين لا يستطيعون دفنَه، ثم حمله أربعة: حكيم بن حزام، وجُبير بن مطعم، ونيار بن مكرم، وأبو جهم بن حذيفة؛ فلما وُضِع ليصلَّى عليه؛ جاء نفر من الأنصار يمنعونهم الصلاة عليه، فيهم أسلم بن أوس بن بجرة الساعديّ، وأبو حيّة المازنيّ، في عدّة؛ ومنعوهم أن يدفن بالبقيع؛ فقال أبو جهم: ادفنوه، فقد صلى الله عليه وملائكته، فقالوا: لا والله، لا يدفن في مقابر المسلمين أبدًا، فدفنوه في حَشّ كوكب. فلما ملَكت بنو أميّة أدخلوا ذلك الحشّ في البَقِيع؛ فهو اليوم مقبرة بني أميّة (١). (٤: ٤١٣). ٨٧١ - قال محمد: وحدّثني عبد الله بن موسى المخزوميّ، قال: لما قتل عثمان ﵁؛ أرادوا حزَّ رأسه، فوقعت عليه نائلة وأمّ البنين، فمنعنَهم، وصِحْنَ، وضربن الوجوه، وخرقن ثيابهنّ، فقال ابن عُدَيس: اتركوه؛ فأخرِج عثمان ولم يُغسل إلى البقيع، وأرادُوا أن يصلّوا عليه في موضع الجنائز؛ فأبت الأنصار، وأقبل عُمير بن ضابئ، وعثمانُ موضوع على باب، فنَزَا عليه، فكسر ضلعًا من أضلاعه، وقال: سجنتَ ضابئًا حتى مات في السجن (٢). (٤: ٤١٤). ٨٧٢ - وحدّثني الحارث، قال: حدثنا ابنُ سعد، قال: حدّثنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي أويس، قال: حدّثني عمّ جدّي الرّبيع بن مالك بن أبي عامر، عن أبيه، قال: كنت أحد حملة عثمان ﵁ حين قتل؛ حملناه على باب، وإن رأسه لتقرع الباب لإسراعنا به؛ وإنّ بنا من الخوف لأمرًا عظيمًا حتى واريناه في قبره في حَشّ كَوكب (٣). (٤: ٤١٤). ٨٧٣ - وأما سيف؛ فإنه روى فيما كتب به إليّ السريّ، عن شعيب، عنه، عن أبي حارثة وأبي عثمان، ومحمد، وطلحة: أنّ عثمان لما قتل؛ أرسلت نائلة إلى عبد الرحمن بن عُدَيس، فقالت له: إنك أمسّ القوم رَحِمًا، وأولاهم بأن تقوم بأمري؛ أغرِبْ عنِّي هؤلاء الأموات. قال: فشتمها وزجرها؛ حتى إذا كان في

стр. 3301

جوف الليل خرج مروان حتى أتى دار عثمان، فأتاه زيد بن ثابت، وطلحة بن عبيد الله، وعليّ، والحسن، وكعب بن مالك، وعامّة من ثمَّ من أصحابه، فتوافَى إلى موضع الجنائز صبيان، ونساء؛ فأخرجوا عثمان فصلّى عليه مروان، ثمّ خرجوا به حتى انتهوْا إلى البقيع، فدفنوه فيه مما يلي حَشّ كوكب؛ حتى إذا أصبحوا أتوا أعبُد عثمان الذين قتلوا معه فأخرجوهم فرأوهم فمنعوهم من أن يدفنوا، فأدخلوهم حَشّ كَوكب؛ فلما أمسوْا؛ خرجوا بعبدين منهم فدفنوهما إلى جنب عثمان، ومع كلّ واحد منهما خمسة نفر، وامرأة؛ فاطمة أم إبراهيم بن عديّ. ثم رجعوا فأتوا كنانة بن بشر، فقالوا: إنك أمسّ القوم بنا رَحمًا، فاؤْمُرْ بهاتين الجَيفتين اللّتين في الدار أن تُخرَجا، فكلّمهم في ذلك، فأبوْا، فقال: أنا جار لآل عثمان من أهل مصر، ومَن لفّ لفّهم، فأخرِجوهما فارموا بهما؛ فجُرّا بأرجلهما فرمى بهما على البلاط، فأكلتْهما الكلاب؛ وكان العبدان اللذان قتلا يوم الدار يقال لهما: نُجيح، وصُبيح؛ فكان اسماهما الغالب على الرقيق لفضلهما وبلائهما؛ ولم يحفظ الناس اسم الثالث، ولم يغسَل عثمان، وكُفّن في ثيابه، ودمائه، ولا غُسِل غلاماه (١). (٤: ٤١٤/ ٤١٥). ٨٧٤ - وكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن مجالد، عن الشعبيّ قال: دفن عثمان ﵁ من اللّيل، وصلّى عليه مَرْوان بن الحكم، وخرجت ابنتُه تبكي في أثره، ونائلة بنة الفَرافصة، ﵏ (٢). (٤: ٤١٥). ذكر الخبر عن الوقت الذي قتل فيه عثمان ﵁ اختُلف في ذلك بعد إجماع جميعهم على أنه قتل في ذي الحجّة، فقال بعضهم: قتل لثماني عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة ست وثلاثين من الهجرة، فقال الجمهور منهم: قتل لثماني عشرة ليلة مضت من ذي الحجّهَ سنة خمس وثلاثين.

стр. 3302

ذكر الرواية بذلك عن بعض من قال: إنه قتل في سنة ست وثلاثين ٨٧٥ - حدّثني الحارث بن محمد، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني أبو بكر بن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص عن عثمان بن محمد الأخنسيّ، قال الحارث: وحدّثنا ابنُ سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرة عن يعقوب بن زيد، عن أبيه، قال: قتل عثمان ﵁ يوم الجمعة لثماني عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة ست وثلاثين بعد العصر، وكانت خلافته اثنتي عشرة سنة غير اثني عشر يومًا؛ وهو ابن اثنتين وثمانين سنة (١). (٤: ٤١٥). ٨٧٦ - وقال أبو بكر: أخبرنا مُصعب بن عبد الله، قال: قتل عثمان ﵁ يوم الجمعة لثماني عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة ست وثلاثين بعد العصر. وقال آخرون: قتل في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين لثماني عشرة ليلة خلت منه (٢). (٤: ٤١٥/ ٤١٦). ذكر من قال ذلك: ٨٧٧ - حدثني جعفر بن عبد الله، قال: حدثنا عمرو بن حماد، وعلي، قالا: حدّثنا حسين عن أبيه، عن المجالد بن سعيد الهمْدانيّ، عن عامر الشعبيّ: أنه قال: حُصِر عثمان بن عفان ﵁ في الدّار اثنتين وعشرين ليلة، وقتل صُبْحة ثماني عشرة ليلة مضت من ذي الحجّة سنة خمس وعشرين من وفاة رسول الله ﷺ (٣). وحدّثني أحمد بن ثابت الرازيّ عمّن حدّثه، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، قال: قتل عثمان ﵁ يوم الجمعة لثمانيَ عشرة ليلة

стр. 3303

مضت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، وكانت خلافته اثنتي عشرة سنة إلّا اثني عشر يومًا (١) (٤: ٤١٦). ٨٧٩ - وحُدّثت عن زكرياء بن عديّ، قال: حدّثنا عبيد الله بن عمرو عن ابن عَقِيل، قال: قتل عثمان ﵁ سنة خمس وثلاثين (٢). (٤: ٤١٦). ٨٨٠ - وكتب إليَّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي حارثة، وأبي عثمان ومحمد وطلحة، قالوا: قتل عثمان ﵁ لثمانيَ عشرة ليلة خلَتْ من ذي الحجّة يوم الجمعة في آخر ساعة (٣). (٤: ٤١٦). ٨٨١ - حدّثنا الحارث، عن ابن سعد، عن محمد بن عمر، قال: حدّثني الضّحاك بن عثمان عن مخرمة بن سليمان الوالبيّ، قال: قتل عثمان ﵁ يوم الجمعة ضحوةً لثماني عشرة ليلة مضت من ذي الحجّة سنة خمس وثلاثين (٤). (٤: ٤١٧). وقال آخرون: قتل في أيام التّشريق. ذكر من قال ذلك: ٨٨٢ - حدّثني أحمد بن زهير، قال: حدّثنا أبي أبو خيثمة، قال: حدّثنا وهب بن جرير، قال: سمعت أبي قال: سمِعت يونس بن يزيد الأيْليّ، عن الزُّهريّ، قال: قتل عثمان ﵁، فزعم بعض الناس: أنه قتل في أيام التّشريق. وقال بعضهم: قتل يوم الجمعة لثماني عشرة ليلة خلت من ذي الحجة (٥) (٤: ٤١٧). ذكر الخبر عن قدر مدَّة حياته اختلف السلف قبلنا في ذلك، فقال بعضهم: كانت مدّة ذلك اثنتين وثمانين سنه.

стр. 3304

ذكر من قال ذلك: ٨٨٣ - حدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابنُ سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر: أنّ عثمان ﵁ قتل وهو ابن اثنتين وثمانين سنة (١). (٤: ٤١٧). ٨٨٤ - قال محمد بن عمر: وحدثني الضحاك بن عثمان عن مخرمة بن سليمان الوالبيّ، قال: قتل عثمان ﵁ وهو ابن اثنتين وثمانين سنة (٢). (٤: ٤١٧). ٨٨٥ - قال محمد: وحدثني سعد بن راشد عن صالح بن كيسان، قال: قتل عثمان ﵁ وهو ابن اثنتين وثمانين سنة وأشهر (٣). (٤: ٤١٨). وقال آخرون: قتل وهو ابن تسعين أو ثمان وثمانين. ذكر من قال ذلك: ٨٨٦ - حُدّثت عن الحسن بن موسى الأشيب، قال: حدّثنا أبو هلال عن قتادة: أنّ عثمان ﵁ قتل وهو ابن تسعين، أو ثمان وثمانين سنة. وقال آخرون: قتل وهو ابن خمس وسبعين سنة؛ وذلك قولٌ ذكر عن هشام بن محمد (٤). (٤: ٤١٨). ٨٨٧ - وقال بعضهم: قتل وهو ابن ثلاث وستين، وهذا قول نسبه سيف بن عمر إلى جماعة. كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف: أن أبا حارثة، وأبا عثمان، ومحمدًا، وطلحة، قالوا: قُتِل عثمان ﵁ وهو ابن ثلاث وستين سنة (٥). (٤: ٤١٨). وقال آخرون: قتل وهو ابن ستّ وثمانين. ذكر من قال ذلك:

стр. 3305

٨٨٨ - حدّثني محمد بن موسى الحَرَشيّ، قال: حدّثنا معاذ بن هشام، قال: حدّثني أبي عن قتادة، قال: قتل عثمان ﵁ وهو ابن ستّ وثمانين (١). (٤: ٤١٨). ذكر الخبر عن صفة عثمان ٨٨٩ - حدّثني زياد بن أيوب، قال: حدّثنا هُشيم، قال: زعم أبو المقدام عن الحسن بن أبي الحسن، قال: دخلت المسجد؛ فإذا أنا بعثمان ﵁ متّكئًا على ردائه، فنظرت إليه؛ فإذا رجلٌ حسن الوجه؛ وإذا بوجهه نكتَات من جُدَرِيّ؛ وإذا شعره قد كسا ذراعيْه (٢). (٤: ٤١٨). ٨٩٠ - حدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابن سعد، قال: حدثنا محمد بن عمر، قال: سألت عمرو بن عبد الله بن عَنْبسة، وعروة بن خالد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، وعبد الرحمن بن أبي الزناد عن صفة عثمان، فلم أرَ بينهم اختلافًا، قالوا: كان رجلًا ليس بالقصير ولا بالطويل، حسنَ الوجه، رقيق البشرَة، كثّ اللحية عظيمها؛ أسمر اللون، عظيم الكراديس؛ عظيمَ ما بين المنكبين، كثير شعر الرأس، يصفّر لحيته (٣). (٤: ٤١٩). ٨٩١ - وحدّثني أحمد بن زهير، قال: حدّثنا أبي، قال: حدّثنا وهب بن جرير بن حازم، قال: سمعت أبي يقول: سمعت يونس بن يزيد الأيْليّ عن

стр. 3306

الزُّهريّ، قال: كان عثمان رجلًا مربوعًا، حسن الشعر، حسن الوجه، أصلع، أرْوَح الرّجلين (١). (٤: ٤١٩). ذكر الخبر عن وقت إسلامه وهجرته ٨٩٢ - حدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: كان إسلام عثمان قديمًا قبل دخول رسول الله ﷺ دار الأرقم. قال: وكان ممن هاجر من مكة إلى أرض الحبشة الهجرة الأولى، والهجرة الثانية، ومعه فيهما جميعًا امرأته رُقيّة بنت رسول الله ﷺ (٢). (٤: ٤١٩). ذكر الخبر عما كان يكنى به عثمان بن عفان ﵁ ٨٩٣ - حدّثني الحارث بن محمد، قال: حدّثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر: أنّ عثمان بن عفان ﵁ كان يُكنى في الجاهلية أبا عمرو، فلما كان في الإسلام ولد له من رقيّة بنت رسول الله ﷺ غلامٌ فسمّاه عبد الله، واكتنى به، فكناه المسلمون أبا عبد الله، فبلغ عبد الله ستّ سنين، فنقره ديكٌ على عينه، فمرض فمات في جمادى الأولى سنة أربع من الهجرة، فصلّى عليه رسولُ الله ﷺ ، ونزل في حُفرته عثمان ﵁. وقال هشام بن محمد: كان يكنى أبا عمرو (٣) (٤: ٤١٩/ ٤٢٠). ذكر أولاده وأزواجه وقال هشام بن الكلبيّ: ولدت أمّ البنين بنت عيَينة بن حصن لعثمان عبد الملك وعتبة. وقال أيضًا: ولدت نائلة عنبسةَ. وزعم الواقديّ: أن لعثمان ابنة تدعَى أمّ البنين بنت عثمان من نائلة، قال: وهي التي كانت عند عبد الله بن يزيد بن أبي سفيان.

стр. 3307

وقتل عثمان ﵁ وعنده رملة بنة شيبة ونائلة وأمّ البنين بنت عيينة، وفاختة بنة غَزْوان؛ غير أنه -فيما زعم عليّ بن محمد- طلّق أمّ البنين؛ وهو محصور (١). (٤: ٤٢١). ذكر أسماء عمَّال عثمان ﵁ في هذه السنة على البلدان ٨٩٤ - قال محمد بن عمر: قتل عثمان ﵁ وعمّاله على الأمصار - فيما حدّثني عبد الرحمن بن أبي الزّناد -: على مكة عبد الله بن الحضرميّ، وعلى الطائف القاسم بن ربيعة الثَّقفيّ، وعلى صنعاء يعلى بن مُنْية، وعلى الجَنَد عبد الله بن أبي ربيعة، وعلى البصرة عبد الله بن عامر بن كُريز - خرج منها فلم يولِّ عليها عثمان أحدًا - وعلى الكوفة سعيد بن العاص - أخرج منها فلم يترك يدخلها - وعلى مصر عبد الله بن سعد بن أبي سرْح - قدم على عثمان، وغلب محمد بن أبي حذيفة عليها. وكان عبد الله بن سعد استخلف على مصر السائب بن هشام بن عمرو العامريّ، فأخرجه محمد بن أبي حذيفة - وعلى الشأم معاوية بن أبي سفيان (٢). (٤: ٤٢١). ٨٩٥ - وفيما كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي حارثة، وأبي عثمان، قالا: مات عثمان ﵁ وعلى الشأم معاوية، وعامل معاوية على حمص عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وعلى قنَّسرين حبيب بن مسلمة، وعلى الأردن أبو الأعور بن سفيان، وعلى فلسطين علقمة بن حَكيم الكنانيّ، وعلى البحر عبد الله بن قيس الفزاريّ. وعلى القضاء أبو الدّرداء (٣). (٤: ٤٢١). ٨٩٦ - وكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عطيّة، قال: مات عثمان ﵁ وعلى الكوفة؛ على صلاتها أبو موسى، وعلى خراج السَّواد جابر بن عمرو المزنيّ - وهو صاحب المسنّاة إلى جانب الكوفة - وسماك

стр. 3308

الأنصاريّ. وعلى حربها القعقاع بن عمرو، وعلى قَرْقيسياء جرير بن عبد الله، وعلى أذْرَبيجان الأشعث بن قيس، وعلى حُلْوان عُتَيبة بن النَّهّاس، وعلى ماه مالك بن حبيب، وعلى هَمذَان النُّسَير، وعلى الرّيّ سعيد بن قيس، وعلى أصبَهان السائب بن الأقرع، وعلى ماسَبَذان حُبَيش، وعلى بيت المال عُقبة بن عمرو. وكان على قضاء عثمان يومئذ زيد بن ثابت (١). (٤: ٤٢٢). ذكر بعض خطب عثمان ﵁ ٨٩٧ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن القاسم بن محمد، عن عون بن عبد الله بن عُتبة، قال: خطب عثمان الناس بعد ما بويع، فقال: أمَّا بعد: فإني قد حُمِّلت وقد قبلت. ألا وإني متّبع ولست بمبتدع. ألا وإنّ لكم عليّ بعد كتاب الله وسنَّة نبيه ﷺ ثلاثًا: اتّباع مَن كان قبلي فيما اجتمعتم عليه، وسننتم، وسنُّ سنة أهلِ الخير فيما لم تسنُّوا عن ملأ، والكفّ عنكم إلّا فيما استوجبتم ألا وإن الدنيا خضِرة قد شهّيتْ إلى الناس، ومال إليها كثير منهم، فلا تركنوا إلى الدنيا، ولا تثقوا بها، فإنها ليست بثقة، واعلموا: أنها غير تاركة إلا مَن تركها (٢). (٤: ٤٢٢). ٨٩٨ - وكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن بدر بن عثمان، عن عمّه، قال: آخر خطبة خطبها عثمان ﵁ في جماعة: إن الله إنما أعطاكم الدنيا؛ لتطلبوا بها الآخرة، ولم يعطكموها؛ لتركنوا إليها؛ إن الدنيا تفنَى والآخرة تبقى، فلا تبطرنَّكم الفانية، ولا تشغلَنَّكم عن الباقية، فآثروا ما يبقى على ما يفنى، فإنّ الدنيا منقطعة، وإنّ المصير إلى الله. اتّقوا الله جلّ وعز؛ فإن تقواه جُنّةٌ من بأسه، ووسيلة عنده، واحذروا من الله الغِيَر، والزموا جماعتكم، لا تصيروا أحزابًا، ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾. إلى آخر القصة (٣). (٤: ٤٢٢/ ٤٢٣).

стр. 3309

ذكر الخبر عمَّن كان يصلّي بالناس في مسجد رسول الله ﷺ حين حصِر عثمان ٨٩٩ - قال محمد بن عمر: حدّثني ربيعة بن عثمان: جاء المؤذن سعدُ القَرَظ إلى عليّ بن أبي طالب في ذلك اليوم، فقال: مَن يصلّي بالناس؟ فقال عليّ: ناد خالد بن زيد، فنادَى خالد بن زيد، فصلّى بالناس -فإنه لأوّل يوم عرِف أن أبا أيُّوب خالد بن زيد- فكان يصلّي بهم أيامًا، ثم صلى عليّ بعد ذلك بالناس (١). (٤: ٤٢٣). ٩٠٠ - قال: وحدّثني عبد الله بن نافع عن أبيه، عن ابن عمر، قال: لما حُصِر عثمان صلى بالناس أبو أيُّوب أيامًا، ثم صلى بهم عليّ الجمعة والعيد، حتى قتل ﵁ (٢). (٤: ٤٢٣). ذكر ما رُثي به من الأشعار وتقاول الشعراء بعد مقتله فيه، فمن مادح وهاجٍ، ومن نائح باكٍ، ومن سارّ فَرِح، فكان ممّن يمدحه حسّان بن ثابت، وكعب بن مالك الأنصاريّان، وتميم بن أبيّ بن مقبل في آخرين غيرهم. مما مدحه به وبكاه حسان، وهجا به قاتله: أتركتُمُ غَزْوَ الدُّروبِ وراءكُم ... وغَزَوتُمونا عند قبرِ محمَّدِ! فلبئسَ هَدْيُ المسلمين هَدَيْتُمُ ... ولبِئسَ أمرُ الفاجر المُتَعَمِّدِ! إن تُقْدِموا نجْعلْ قِرَى سَرَواتِكمْ ... حوْلَ المدينةِ كلَّ ليْنٍ مِذْوَدِ أو تُدْبِروا فلبئسَ ما سافَرتُمُ ... ولَمِثْلُ أمْرِ أميرِكم لم يَرْشَدِ وكأنَّ أصحابَ النَّبي عَشِيَّةً ... بدْنٌ تُذَبِّحُ عِندَ بابِ المسجد أبكي أبا عَمْرٍو لحُسْنِ بلائِه ... أمْسَى مُقِيمًا في بَقيعِ الغَرْقَدِ وقال أيضًا:

стр. 3310

إنْ تُمْسِ دارُ ابْن أرْوَى مِنْه خاوِيَةً ... بابٌ صَريعٌ وبابٌ مُحْرَق خرِبُ فقد يُصادِفُ باغي الخَيْرِ حاجتَهُ ... فيها ويهوي إليها الذكرُ والحَسَبُ يا أيُّها الناسُ أبْدوا ذاتَ أنْفُسِكُمْ ... لا يَسْتَوي الصّدْقُ عند الله والكذِبُ قوموا بِحَقِّ مليكِ الناسِ تَعْتَرفوا ... بغارةٍ عُصَبٍ مِنْ خَلفِها عُصَبُ فيهم حبيبٌ شِهابُ المَوْتِ يَقْدُمُهُمْ ... مسْتَلئِمًا قد بدَا في وَجْهِه الغَضَبُ وله فيه أشعار كثيرة. وقال كعب بن مالك الأنصاريّ: يا للرِّجالِ لِلُبِّكَ المخْطوفِ ... ولِدمْعِك المُتَرَقْرِقِ المنزوفِ وَيْحٌ لأمْر قد أتاني رائع ... هدَّ الجبالَ فأنقَضتْ بِرُجوفِ قَتْلُ الخليفةِ كان أمرًا مُفْظِعًا ... قامَتْ لِذاك بَليَّةُ التخْويفِ قتْلُ الإمامِ له النجومُ خَواضعٌ ... والشمسُ بازغةٌ له بكُسوفِ يا لَهْفَ نفسي إذ تَوَلَّوْا غُدْوَةً ... بالنعش فوقَ عواتقٍ وكُتوفِ! وَلَّوْا ودَلَّوْا في الضَّريحِ أخاهُمُ ... ماذا أجنَّ ضريحُهُ المَسْقوفُ! مِن نائلٍ أو سُودَدٍ وحَمالَةٍ ... سبَقَتْ له في الناس أو معروفِ كم مِنْ يَتيمٍ كانَ يَجْبُرُ عظمَهُ ... أمْسى بمنزِلِه الضَّياع يطوف ما زال يقْبَلُهُمْ ويَرْأَبُ ظُلْمَهمْ ... حتى سمعْتُ بِرَنَةِ التَّلهيف أمْسَى مُقيمًا بالبَقيعِ وأصبحوا ... متَفرَّقين قَد أجمعوا بخفوفِ النارُ موعِدُهُمْ بقتل إمامِهِمْ ... عثمانَ ظَهْرًا في البلادِ عَفيف جَمَعَ الحمالَة بعدَ حِلْمٍ راجح ... والخيْرُ فيه مُبَيَّن معروف يا كعب لا تَنْفكّ تَبْكي مالكا ... ما دُمْتَ حيًّا في البلاد تطوف فأبكي أبا عمرو عَتيقًا واصلًا ... ولواءهم إذ كان غيْرَ سَخيفِ ولَيَبْكِهِ عِنْدَ الحفاظِ لمُعْظِمٍ ... والخيْلُ بين مَقانبٍ وصُفوف قَتلوك يا عثمانُ غيْرَ مُدنَّسٍ ... قتْلًا لَعَمْرُكَ واقفًا بسَقيف وقال حسَّان: من سَرَّهُ الموتُ صِرْفًا لا مِزَاجَ له ... فليأتِ مأسَدَةً في دارِ عُثْمانا مُستشْعري حَلَقِ الماذِيّ قدْ شفِعَتْ ... قبلَ المخاطِمِ بَيْضٌ زانَ أبْدانا صبْرًا فِدى لكُمُ أمّي وما وَلَدَتْ ... قد ينفعُ الصَّبْرُ في المَكْروهِ أحيانا فقد رَضينا بأهل الشأم نافِرةً ... وبالأمير وبالإخْوانِ إخْوانا

стр. 3311

إنِّي لَمِنْهُمْ وإن غابوا وإن شَهِدُوا ... ما دُمْتُ حيًّا وما سُمّيتُ حَسَّانا لَتَسْمَعَنَّ وشيكًا في دِيارِهِمُ ... اللهُ أكبرُ يا ثاراتِ عثمانا يا ليتَ شعري وليتَ الطيْرَ تُخبرُني ... ما كان شأنُ عَلِيٍّ وابْنِ عَفّانا! وقال الوليد بن عقبة بن أبي مُعَيْط يحرّض عُمارة بن عُقبة: ألا إنَّ خيْر الناسِ بعد ثلاثةٍ ... قتيلُ التُّجيبيّ الذي جاء من مِصْرِ فإن يكُ ظَنِّي بابْنِ أمِّي صادقًا ... عمارةَ لا يَطْلُبْ بِذَحْلٍ ولا وِتْرِ يَبيتُ وأوتارُ ابْنِ عفّانَ عِنْدَهُ ... مخيّمهُ بين الخورْنَقِ والقَصْرِ فأجابه الفضل بن عباس: أتطلُبُ ثأرًا لستَ مِنْهُ ولا لَهُ ... وأيْنَ ابْنُ ذكوان الصَّفوريّ من عمرو! كما اتَّصلَتْ بِنْتُ الحِمَارِ بأُمَّها ... وتَنسَى أباها إذ تُسامي أولي الفَخرِ ألا إنَّ خيْرَ الناسِ بعد محمَّدٍ ... وصيّ النَّبيّ المصطفى عِنْدَ ذي الذِّكرِ وأوَّلُ مَنْ صلّى وصِنْوُ نَبيّه ... وأوَّلُ من أردَى الغُواةَ لدَى بَدْرِ فلوْ رَأَتِ الأنصارُ ظُلْمَ ابنِ عمِّكُمْ ... لكانوا له من ظلمِهِ حاضري النَّصْر كفَى ذاكَ عَيْبًا أن يشيروا بقَتْلِه ... وأن يُسْلِمُوهُ للأَحابيشِ من مِصرِ وقال الحُباب بن يزيد المجاشعيّ، عمّ الفرزدق: لَعَمْرُ أبيكَ فلا تَجْزَعَن ... لقد ذهبَ الخيْرُ إلّا قليلا لقد سَفِهَ الناسُ في دينهم ... وخَلّى ابنُ عَفّانَ شَرًّا طويلا أعاذِلَ كُلُّ امرئٍ هالكٌ ... فسيري إلى اللهِ سيْرًا جميلا (١) (٤: ٤٢٣/ ٤٢٤/ ٤٢٥/ ٤٢٦). * * *

стр. 3312

ضعيف تاريخ علي بن أبي طالب ﵁

стр. 3313

خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب البيعة ٩٠١ - وحدّثني عمر بن شبّة، قال: حدّثنا عليّ بن محمد، قال: أخبرنا أبو بكر الهُذَليّ عن أبي الملَيح، قال: لما قتل عثمان ﵁؛ خرج عليّ إلى السوق، وذلك يوم السبت لثماني عشرة ليلة خلت من ذي الحجة، فاتّبعه الناس، وبهَشوا في وجهه، فدخل حائطَ بني عمرو بن مبذول، وقال لأبي عمرة بن عمرو بن محْصَن: أغلق الباب، فجاء الناس، فقرعوا الباب، فدخلوا، فيهم طلحة، والزّبير، فقالا: يا عليّ ابسُط يَدك. فبايعه طلحة، والزّبير، فنظر حبيب بن ذُؤَيْب إلى طلحة حين بايع، فقال: أوّل من بدأ بالبَيْعة يدٌ شلّاء؛ لا يتمّ هذا الأمر! وخرج عليٌّ إلى المسجد فصعِد المنبر وعليه إزارٌ، وطاقٌ، وعمامة خزّ، ونعلاه في يده، متوكئًا على قوس؛ فبايعه الناس. وجاؤوا بسَعْد، فقال عليّ: بايع، قال: لا أبايعُ حتى يبايع الناس، والله ما عليك مني بأس! قال: خلّوا سبيله. وجاؤوا بابن عمر، فقال: بايع، قال: لا أبايع حتى يبايع الناس، قال: ائتني بحميل، قال: لا أرى حميلًا، قال الأشتر: خلَّ عنّي أضربْ عنقه، قال عليّ: دعوه، أنا حميلُه، إنك - ما علمت - لسيِّئ الخلق صغيرًا وكبيرًا (١). (٤: ٤٢٨).

стр. 3314

٩٠٢ - وحدّثني أحمد بن زُهير، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثنا وهب بن جرير، قال: سمعتُ أبي، قال: سمعت يونس بن يزيد الأيْليّ عن الزُهريّ، قال: بايع الناس عليّ بن أبي طالب، فأرسل إلى الزبير، وطلحة، فدعاهما إلى البيعة، فتلكّأ طلحة، فقام مالك الأشتر، وسلّ سيفه، وقال: والله لتبايعن، أو لأضربن به ما بين عينيك! فقال طلحة: وأين المهرب عنه! فبايعه، وبايعه الزّبير والناس. وسأل طلحة، والزبير أن يؤمّرهما على الكوفَة والبصرة، فقال: تكونان عندي فأتحمَّل بكما، فإني وَحْشٌ لفراقكما. قال الزّهريّ: وقد بلغنا: أنه قال لهما: إنْ أحببتما أن تُبايعا لي، وإن أحببتما بايعتكما، فقالا: بل نبايعك؛ وقالا بعد ذلك: إنما صنعنا ذلك خشية على أنفسنا، وقد عرفنا أنه لم يكن ليُبايعَنا. فظهرا إلى مكة بعد قَتْل عثمان بأربعة أشهر (١). (٤: ٤٢٩). ٩٠٣ - وحدّثني عمر بن شبّة، قال: حدّثنا أبو الحسن، قال: حدّثنا أبو مِخْنف عن عبد الملك بن أبي سُليمان، عن سالم بن أبي الجَعْد، عن محمد بن الحنفيَّة، قال: كنت أُمْسِي مع أبي حين قُتِل عثمان ﵁ حتى دخل بيتَه، فأتاه ناسٌ من أصحاب رسول الله ﷺ ، فقالوا: إنّ هذا الرجل قد قُتِل، ولا بدّ من إمام للناس، قال: أوَ تكون شورى؟ قالوا: أنت لنا رضًا، قال: فالمسجد إذًا يكون عن رضًا من الناس. فخرج إلى المسجد فبايعه مَن بايعه؛ وبايعت الأنصار عليًّا إلّا نُفَيرًا يسيرًا، فقال طلحة: ما لنا من هذا الأمر إلا كحِسَّة أنف الكلب (٢). (٤: ٤٢٩).

стр. 3315

٩٥٤ - وحدّثني عمر، قال: حدثنا أبو الحسن، قال: أخبرنا شيخٌ من بني هاشم عن عبد الله بن الحسن، قال: لما قتل عثمان ﵁ بايعت الأنصار عليًّا إلّا نُفيرًا يسيرًا، منهم حسّان بن ثابت، وكعب بن مالك، ومسلمة بن مخلَّد، وأبو سعيد الخُدْريّ، ومحمد بن مسلمة، والنعمان بن بشير، وزيد بن ثابت، ورافع بن خَدِيج، وفَضالة بن عُبَيد، وكعب بن عُجْرة، كانوا عثمانيّة، فقال رجل لعبد الله بن حسن: كيف أبَى هؤلاء بيعة عليّ! وكانوا عثمانية. قال: أما حسّان فكان شاعرًا لا يُبالي ما يصنع؛ وأما زيد بن ثابت فولّاه عثمان الديوانَ وبيتَ المال، فلما حُصِر عثمان، قال: يا معشر الأنصار! كونوا أنصارًا لله ... مرّتين، فقال أبو أيُّوب: ما تنصره إلا أنه أكثر لك من العِضْدان. فأما كعب بن مالك فاستعمله على صَدَقة مُزَيْنة وترك ما أخذ منهم له (١). (٤: ٤٢٩/ ٤٣٠). ٩٠٥ - قال: وحدّثني منْ سمع الزّهريّ يقول: هرب قوم من المدينة إلى الشام ولم يبايعوا عليًّا، ولم يبايعه قُدامة بن مظعون، وعبد الله بن سلَام، والمغيرة بن شعبة. وقال آخرون: إنما بايع طلحة، والزبير عليًّا كَرهًا. وقال بعضهم: لم يُبايِعْه الزّبير (٢). (٤: ٤٣٠). ذكرُ من قال ذلك: ٩٠٦ - حدّثني عبد الله بن أحمد المروزيّ، قال: حدثني أبي، قال: حدّثني سليمان، قال: حدّثني عبد الله عن جرير بن حَازم، قال: حدّثني هشام بن أبي هشام مولى عثمان بن عفان عن شيخ من أهل الكوفة، يحدّثه عن شيخ آخر،

стр. 3316

قال: حُصِر عثمان وعليّ بخَيْبر، فلما قدِم أرسل إليه عثمان يدعوه، فانطلق، فقلت: لأنطلقنّ معه ولأسمعن مقالتهما، فلما دخل عليه كلّمه عثمان، فحمِد الله وأثنى عليه ثمّ قال: أمّا بعد: فإنّ لي عليك حقوقًا؛ حقّ الإسلام، وحقّ الإخاء -وقد علمتَ: أن رسولَ الله ﷺ حين آخَى بين الصّحابة آخى بيني وبينك- وحق القرابة والصِّهْر، وما جعلتَ لي في عنقك من العهد والميثاق، فوالله لو لم يكن من هذا شيء ثم كنا إنما نحن في جاهليّة، لكان مُبَطَّأ على بني عبد مناف أن يبتزّهم أخو بني تَيْم مُلْكَهم. فتكلم عليٌّ، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد: فكلّ ما ذكرتَ من حقّك عليَّ على ما ذكرتَ، أمّا قولك: لو كنا في جاهليّة لكان مبطَّأ على بني عبد مناف أن يبتزّهم أخو بني تَيْم ملكَهم فصدقتَ، وسيأتيك الخبر. ثمّ خرج فدخل المسجدَ فرأى أسامَة جالسًا، فدعاه، فاعتمد على يده، فخرج يمشي إلى طلحة وتبعتُه، فدخلنا دار طلحة بن عبيد الله وهي دِحَاس من الناس، فقام إليه، فقال: يا طلحة! ما هذا الأمر الّذي وقعتَ فيه؟ فقال: يا أبا حسن! بعد ما مسّ الحزام الطبيين! فانصرف عليّ ولم يُحِرْ إليه شيئًا حتى أتى بيتَ المال، فقال: افتحوا هذا الباب، فلم يقدر على المفاتيح، فقال: اكسروه؛ فكُسر باب بيت المال، فقال: أخرجوا المال، فجعل يُعْطي الناس فبلغ الذين في دار طلحة الذي صنع عليّ، فجعلوا يتسلّلون إليه حتى تُرِك طلحة وحده. وبلغ الخبرُ عثمانَ؛ فسُرّ بذلك، ثمّ أقبل طلحة يمشي عائدًا إلى دار عثمان، فقلت: والله لأنظرن ما يقول هذا؛ فتبعتُه، فاستأذن على عثمان، فلمّا دخل عليه قال: يا أميرَ المؤمنين! أستغفر الله وأتوب إليه، أردتُ أمرًا فحال الله بيني وبينه، فقال عثمان: إنك والله ما جئت تائِبًا، ولكنك جئت مغلوبًا، الله حسيبك يا طلحة! (١) (٤: ٤٣٠/ ٤٣١). ٩٠٧ - وحدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني أبو بكر بن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقّاص عن أبيه، عن سعد، قال: قال طلحة: بايعتُ والسيف فوق رأسي- فقال سعد:

стр. 3317

لا أدري والسيف على رأسه أم لا، إلّا أني أعلم أنه بايع كارهًا- قال: وبايع الناس عليًّا بالمدينة، وتربّص سبعة نفر، فلم يبايعوه؛ منهم: سعد بن أبي وقّاص، ومنهم ابن عمر، وصهيب، وزيد بن ثابت، ومحمد بن مسلمة، وسلَمة بن وقْش، وأسامة بن زيد، ولم يتخلَّف أحدٌ من الأنصار إلّا بايع فيما نعلم (١). (٤: ٤٣١). ٩٠٨ - وحدّثنا الزّبير بن بكّار، قال: حدّثني عمي مصعب بن عبد الله، قال: حدّثني أبي عبد الله بن مصِعب عن موسى بن عقبة، عن أبي حبيبة مولى الزّبير، قال: لما قَتل الناس عثمان ﵁، وبايعوا عليًّا؛ جاء عليٌّ إلى الزّبير، فاستأذن عليه، فاعلمته به، فسلّ السيفَ، ووضعه تحت فراشه، ثم قال: ائذن له، فأذنت له، فدخل؛ فسلّم على الزّبير؛ وهو واقفٌ بنحره، ثمّ خرج، فقال الزبير: لقد دخَلَ المرء ما أقْصاه، قُمْ في مقامه فانظر هل ترى من السيف شيئًا؟ فقمتُ في مقامه فرأيت ذُباب السيف، فأخبرته فقال: ذاك أعجلَ الرّجلَ. فلما خرج عليّ سأله الناس، فقال: وجدتُ أبرَّ ابن أخْتٍ، وأوصلَه. فظنّ الناس خيرًا، فقال علي: إنه بايعه (٢). (٤: ٤٣١/ ٤٣٢). ٩٠٩ - ومما كتب به إليّ السريّ عن شعيب، عن سَيْف بن عمر، قال: حدّثنا محمد بن عبد الله بن سواد بن نُوَيرة، وطلحة بن الأعلم، وأبو حارثة، وأبو عثمان، قالوا: بقِيَت المدينة بعد قَتْل عثمان ﵁ خمسةَ أيام - وأميرها الغافقيّ بن حرب - يلتمسون من يُجيبهم إلى القيام بالأمر، فلا يجدونه، يأتي المصريّون عليًّا فيخْتبئ منهم، ويلوذُ بحيطان المدينة، فإذا لَقوْه؛ باعدهم، وتبرّأ منهم ومن مقالتهم مرّة بعد مرّة؛ ويطلب الكوفيون الزّبير فلا يجدونه، فأرسلوا إليه حيث هو رسُلًا، فباعدهم، وتبرّأ من مقالتهم. ويطلب البصرّيون طلحةَ، فإذا لقيهم؛ باعَدهم، وتبرّأ من مقالتهم مرّة بعد مرّة؛ وكانوا مجتمعين على قَتْل عثمان مختلفين فيمن يهوَوْن، فلما لم يجدوا ممالئًا، ولا مُجيبًا؛ جمعهم الشرّ على أوّل من أجابهم، وقالوا: لا نولّي أحدًا من هؤلاء

стр. 3318

الثلاثة، فبعثوا إلى سعد بن أبي وقاص وقالوا: إنك من أهل الشورى، فرَأيُنا فيك مجتمع، فاقدُم؛ نبايعك، فبعث إليهم: إني، وابن عمر خرجنا منها، فلا حاجة لي فيها على حال. وتمثل: لا تَخلِطَنَّ خبيثاتٍ بطَيبَةٍ ... واخلع ثيابَك منها وانجُ عُريانا ثم إنهم أتوْا ابنَ عمر عبد الله، فقالوا: أنت ابن عمر فقم بهذا الأمر، فقال: إن لهذا الأمر انتقامًا، واللهِ لا أتعرّض له! فالتمسوا غيري. فبقُوا حيارَى لا يدرون ما يصنعون والأمر أمرهم (١). (٤: ٤٣٢). ٩١٠ - وكتب إليَّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن سهل بن يوسف، عن القاسم بن محمد، قال: كانوا إذا لقوا طلحة؛ أبى، وقال: ومن عَجَبِ الأيامِ والدَّهرِ أنني ... بقيتُ وحيدًا لا أمرُّ ولا أُحلِي فيقولون: إنَّك لتوعدنا. فيقومون فيتركونه، فإذا لقُوا الزّبير، وأرادوه؛ أبى، وقال: متى أنت عن دارٍ بفَيْحان راحلٌ ... وباحتها تَخْنُو عليك الكتائبُ فيقولون: إنك لتوعدنا! فإذا لقوا عليًّا، وأرادوه؛ أبى، وقال: لو أنَّ قومي طاوَعَتني سَراتُهُمْ ... أمَرْتُهُمْ أمرًا يُديخ الأعاديا فيقولون: إنك لتوعدنا! فيقومون، ويتركونه (٢). (٤: ٤٣٣). ٩١١ - وحدّثني عمر بن شبّة، قال: حدّثنا أبو الحسن المدائنيّ، قال: أخبرنا مسلمة بن محارب عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، قال: لما قتل

стр. 3319

عثمان ﵁؛ أتى الناسُ عليًّا وهو في سوق المدينة، وقالوا له: ابسُط يدك نبايعْك، قال: لا تعجلوا فإنّ عمر كان رجلًا مباركًا، وقد أوصى بها شورى، فأمهِلوا يجتمع الناس، ويتشاورون. فارتدّ الناس عن عليّ؛ ثم قال بعضهم: إن رجع الناس إلى أمصارهم بقَتْل عثمان ولم تقْم بعده قائم بهذا الأمر؛ لم نأمن اختلافَ الناس، وفساد الأمة، فعادوا إلى عليّ، فأخذ الأشْتَرُ بيده فقبضها عليّ، فقال: أبعد ثلاثة! أمَا والله لئن تركتها لتقصرنّ عَنيتَك عليها حينًا، فبايعته العامَّة. وأهل الكوفة يقولون: إنّ أوّل من بايعه الأشْتر (١). (٤: ٤٣٣). ٩١٢ - وكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي حارثة وأبي عثمان، قالا: لما كان يوم الخميس على رأس خمسة أيام من مقتل عثمان ﵁؛ جمعوا أهل المدينة فوجدوا سعدًا، والزّبير خارجيْن، ووجدوا طلحة في حائط له، ووجدوا بني أميَّة قد هربوا إلّا من لم يُطِق الهرب، وهرب الوليد، وسعيد إلى مكة في أوّل من خرج، وتبعهم مروان، وتتابع على ذلك مَنْ تتابع، فلما اجتمع لهم أهلُ المدينة، قال لهم أهل مصر: أنتم أهل الشورى، وأنتم تعقدون الإمامةَ، وأمركم عابر على الأمة، فانظروا رجلًا تنصّبونه، ونحن لكم تبَع. فقال الجمهور: عليّ بن أبي طالب نحن به راضون (٢). (٤: ٤٣٣/ ٤٣٤). ٩١٣ - وكتب إليّ السريّ عن شُعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، قالا: فقالوا لهم: دونكم يا أهل المدينة فقد أجّلناكم يومين، فوالله لئن لم تفرُغوا لنقتلنّ غدًا عليًّا، وطلحة، والزّبير، وأناسًا كثيرًا! فغشي الناس عليًّا، فقالوا: نُبايعك فقد ترى ما نزل بالإسلام؛ وما ابتُلينا به من ذوي القُربى، فقال عليّ: دعوني، والتَمِسوا غيري، فإنّا مستقبلون أمرًا له وجوه، وله ألوان، لا تقوم له القلوب، ولا تثبت عليه العقول. فقالوا: ننشدُك الله ألا ترى ما نرى؟ ! ألا ترى الإسلام؟ ! ألا ترى الفتنة! ألا تخاف الله؟ ! فقال: قد أجبتكم لما أرى، واعلموا إن أجبتكم، ركبتُ بكم ما أعلم، وإن تركتموني؛ فإنما أنا كأحدكم، إلّا أني أسمعكم، وأطوَعكم لمن ولّيتموه أمركم. ثمّ افترقوا على ذلك، واتّعدوا الغد. وتشاور الناس فيما بينهم وقالوا: إن دخل طلحة، والزبير، فقد استقامت. فبعث

стр. 3320

البصريّون إلى الزبير بصريًّا، وقالوا: احذر لا تحادّه -وكان رسولهم حُكَيم بن جبلة العبديّ في نفر- فجاؤوا به يحِدّونه بالسيف. وإلى طلحة كوفيًّا، وقالوا له: احذر لا تحادّه، فبعثوا الأشتر في نَفر، فجاؤوا به يحدّونه بالسيف. وأهلُ الكوفة وأهل البصرة شامتون بصاحبهم، وأهل مصر فرحون بما اجتمع عليه أهلُ المدينة، وقد خشّع أهلَ الكوفة وأهل البصرة أن صاروا أتباعًا لأهل مصر وحِشْوة فيهم، وازدادوا بذلك على طلحة، والزّبير غيظًا، فلما أصبحوا من يوم الجمعة؛ حضر الناس المسجد، وجاء عليّ حتى صعد المنبر، فقال: يا أيّها الناس -عن ملأ وإذن- إنّ هذا أمرُكم ليس لأحد فيه حق إلّا من أمرتم، وقد افترقنا بالأمس على أمر، فإن شئتم قعدت لكم، وإلّا فلا أجد على أحد. فقالوا: نحن على ما فارقناك عليه بالأمس. وجاء القوم بطلحة، فقالوا: بايع، فقال: إني إنّما أبايع كرهًا، فبايع -وكان به شلل- أوّل الناس، وفي الناس رجل يعتاف، فنظر من بعيد، فلما رأى طلحة أوّل من بايع قال: إنا لله وإنا إليه راجعون! أوّل يدٍ بايعت أمير المؤمنين يدٌ شلّاء، لا يتمّ هذا الأمر! ثم جيء بالزبير، فقال مثل ذلك، وبايع -وفي الزّبير اختلاف- ثمّ جيء بقوم كانوا قد تخلّفوا، فقالوا: نُبايع على إقامة كتاب الله في القريب، والبعيد، والعزيز، والذّليل، فبايعهم؛ ثمّ قام العامَّة، فبايعوا (١). (٤: ٤٣٤/ ٤٣٥). ٩١٥ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي زُهير الأزديّ، عن عبد الرحمن بن جندَب، عن أبيه، قال: لما قتل عثمان ﵁، واجتمع الناس على عليّ؛ ذهب الأشْتَر فجاء بطلحة، فقال له: دعنى أنظر ما يصنع الناس، فلم يدَعه، وجاء به يتُلُّه تَلًّا عنيفًا، وصعد المنبر فبايع (٢). (٤: ٤٣٥). ٩١٦ - وكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة،

стр. 3321

قالا: وبايع النّاس كلهم (١). (٤: ٤٣٥). قال أبو جعفر: وسمح بعد هؤلاء الذين اشترطوا الذين جيء بهم، وصار لأمر أمر أهل المدينة، وكانوا كما كانوا فيه، وتفرّقوا إلى منازلهم لولا مكان النّزاع، والغوغاء فيهم (٢). (٤: ٤٣٥). اتساق الأمر في البيعة لعليّ بن أبي طالب ﵇ ٩١٧ - وبويع عليّ يوم الجمعة لخمسٍ بقين من ذي الحجّة -والناس يحسبُون من يوم قتل عثمان ﵁ فأوّل خطبة خطبها عليّ حين استُخلف -فيما كتب به إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن سليمان بن أبي المغيرة، عن عليّ بن الحسين- حمِد الله وأثنى عليه، فقال: إنّ الله أنزل كتابًا هاديًا بيَّن فيه الخير، والشرّ، فخذوا بالخير، ودعوا الشرّ. الفرائض أدّوها إلى الله سبحانه يؤدكم إلى الجنَّة. إنّ الله حرّم حُرَمًا غير مجهولة، وفضّل حُرْمة المسلم على الحُرم كلّها، وشدّ بالإخلاص، والتوحيد المسلمين. والمسلم مَن سلم النّاس من لسانه ويده إلا بالحقّ، لا يحلّ أذى المسلم إلّا بما يجب. بادروا أمر العامة، وخاصّة أحدكم الموتُ، فإنّ الناس أمامكم، وإن ما من خلفكم الساعةُ تحدوكم. تخفّفوا؛ تلحقوا، فإنما ينتظر الناس أخراهم. اتقوا الله عبادَه في عباده، وبلاده، إنكم مسؤولون حتى عن البقاع والبهائم، أطيعوا الله ولا تعصوه، وإذا رأيتم الخير؛ فخذوا به، وإذا رأيتم الشرّ؛ فدعوه، ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ﴾. ولما فرغ عليّ من خطبته وهو على المنبر قال المصريون: خُذْها ... واحْذَرًا أبا حَسَنْ ... إنَّا نمِرُّ الأمْرَ إمْرارَ الرَّسَنْ وإنما الشعر: خذها إليكَ واحذرًا أبا حَسَنْ فقال عليٌّ مجيبًا:

стр. 3322

إني عَجَزتُ عَجْزةً ما أعْتَذرْ ... سَوْفَ أكيسُ بعْدَها وأستَمِرّ (١) (٤: ٤٣٦). ٩١٨ - وكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، قالا: ولما أراد عليّ الذهاب إلى بيته قالت السّبئيّة: خذها إليك واحذرًا أبا حسنْ ... إنَّا نُمِرُّ الأمرَ إمرارَ الرَّسَنْ صَوْلَةَ أقْوامٍ كَأَسْدادِ السُّفُنْ ... بمَشْرَفيَّات كَغُدْرانِ اللّبَنْ ونطعن المُلكَ بِلَيْنٍ كالشَّطَنْ ... حتى يُمَرَّنَّ على غَيرِ عَننْ فقال عليّ وذكر تركهم العسكر والكينونة على عِدَة ما مُنُّوا حين غمزوهم، ورجعوا إليهم، فلم يستطيعوا أن يمتنعوا حتى .... إنِّي عجزتُ عجزةً لا أعتذِرْ ... سوف أكيسُ بعدها وأستمرّ أرْفَعُ مِنْ ذَيلي ما كنْتُ أجُرّ ... وأَجْمَعُ الأمْرَ الشَّتيتَ المُنْتَشِرْ إن لم يُشاغِبْني العَجُولُ المُنْتَصِرْ ... أو يترُكوني والسِّلاحُ يُبتَدَرْ واجتمع إلى عليّ بعد ما دخل طلحة، والزّبير في عدّة من الصّحابة، فقالوا: يا عليّ! إنّا قد اشترطنا إقامةَ الحدُود، وإنّ هؤلاء القوم قد اشتركوا في دم هذا الرّجل وأحلّوا بأنفسهم. فقال لهم: يا إخوتاه! إني لست أجهل ما تعلمون، ولكني كيف أصنع بقوم يملكوننا، ولا نملكهم! ها هُمْ هؤلاء قد ثارت معهم عُبدانكم، وثابت إليهم أعرابُكم، وهم خِلالَكم يسومونكم ما شاؤوا، فهل تروْن موضعًا لقُدْرة على شيء مما تريدون؟ قالوا: لا، قال: فلا والله لا أرى إلّا رأيًا ترونه إن شاء الله؛ إنّ هذا الأمر أمرُ جاهليّة، وإنّ لهؤلاء القوم مادّة؛ وذلك أن الشيطان لم يشرَع شريعة قطّ فيبرح الأرضَ من أخذ بها أبدًا. إنّ الناس من هذا الأمر إن حُرِّك على أمور: فرْقة ترى ما تروْن، وفرْقة ترى ما لا ترون، وفرْقة لا ترى هذا، ولا هذا؛ حتى يهدأ الناس، وتقع القلوبُ مواقعَها، وتؤخَذ الحقوق، فاهدؤوا عني، وانظروا ماذا يأتيكم، ثمّ عودوا. واشتدّ على قريش، وحالَ بينهم وبين الخروج على حال، وإنما هَيّجه على ذلك هربُ بني أميّة. وتفرّق القوم؛ وبعضهم يقول: والله لئن ازداد الأمرُ لا قدرنا

стр. 3323

على انتصارٍ من هؤلاء الأشرار؛ لتَرْك هذا إلى ما قال عليّ أمثل. وبعضهم يقول: نقضي الّذي علينا ولا نؤخّره، ووالله إنّ عليًّا لمستغنٍ برأيه وأمره عنا، ولا نراه إلّا سيكون على قُريش أشدّ من غيره. فذُكر ذلك لعليّ، فقام، فحمد الله، وأثنى عليه، وذكر فَضْلهم، وحاجته إليهم، ونظرَه لهم، وقيامه دونهم، وأنه ليس له من سلطانهم إلّا ذلك، والأجر من الله عليه، ونادى: برئت الذمة من عبدٍ لم يرجع إلى مواليه. فتذامَرت السّبئيّة، والأعْراب، وقالوا: لنا غدًا مثلها، ولا نستطيع نحتجّ فيهم بشيء (١). (٤: ٤٣٦/ ٤٣٧/ ٤٣٨). ٩١٩ - وكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، قالا: خرج عليٌّ في اليوم الثالث على الناس، فقال: يا أيُّها الناس! أخرجوا عنكم الأعْراب. وقال: يا معشر الأعراب! الحقوا بمياهكم. فأبت السَّبئيَّة، وأطاعهم الأعراب. ودخل عليٌّ بيته، ودخل عليه طلحة، والزّبير، وعدّة من أصحاب النبيّ ﷺ ، فقال: دونكم ثأركم فاقتلوه؛ فقالوا: عَشوا عن ذلك، قال: هم والله بعد اليوم أعْشى، وآبى. وقال: لو أنَّ قومي طاوعَتْني سَرَاتُهُمْ ... أمَرْتهُمُ أمْرًا يُديخُ الأعاديا وقال طلحة: دعني فلآت البصرة، فلا يفْجؤك إلّا وأنا في خيل، فقال: حتى أنظر في ذلك. وقال الزّبير: دعني آتِ الكوفة، فلا يفجؤك إلّا وأنا في خيل، فقال: حتى أنظر في ذلك؛ وسمع المغيرة بذلك المجلس فجاء حتى دخل عليه، فقال: إنّ لك حقّ الطاعة، والنصيحة، وإنّ الرّأي اليوم تُحرز به ما في غد، وإنّ الضَّيَاع اليومَ تضيِّع به ما في غد؛ أقْرِرْ معاويةَ على عمله، وأقرر ابنَ عامر على عمله، وأقرر العمّال على أعمالهم، حتى إذا أتتك طاعتهم، وبيعةُ الجنود استَبْدَلْت، أو تركت. قال: حتى أنظر. فخرج من عنده وعاد إليه من الغد، فقال: إني أشرت عليك بالأمس برَأي، وإنّ الرأي أن تعاجلهم بالنزوع، فيعرف السامع من غيره ويستقبل أمرك؛ ثمّ

стр. 3324

خرج، وتلقّاه ابن عباس خارجًا؛ وهو داخل، فلما انتهى إلى عليّ؛ قال: رأيت المغيرَة خرج من عندك، ففيم جاءك؟ قال: جاءني أمس بذيّة، وذيّةَ، وجاءني اليوم بذَيَّة، وذيَّة، فقال: أمَّا أمس فقد نَصَحك، وأما اليوم فقد غشّك. قال: فما الرّأي؟ قال: كان الرّأي أن تخرج حين قُتِل الرّجل، أو قبل ذلك، فتأتيَ مكة، فتدخل دارك، وتغلق عليك بابَك، فإن كانت العربُ جائِلة مضطربة في أثرك لا تجد غيرك؛ فأمّا اليوم فإنّ في بني أميّة من يستَحْسنون الطلب بأن يلزموك شعبةً من هذا الأمر، ويشبّهون على الناس، ويطلبون مثل ماطلب أهلُ المدينة، ولا تقدر على ما يريدون، ولا يقدرون عليه، ولو صارت الأمور إليهم حتى يصيروا في ذلك أمْوَت لحقوقهم؛ وأترك لها إلا ما يعجّلون من الشبهة. وقال المغيرة: نصحتُه والله، فلما لم يقبل غشَشْتُه. وخرج المغيرة حتى لحق بمكة (١). (٤: ٤٣٨/ ٤٣٩). ٩٢٠ - حدّثني الحارث عن ابن سعد، عن الواقديّ، قال: حدّثني ابن أبي سَبْرة، عن عبد المجيد بن سهيل، عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتْبة، عن ابن عباس، قال: دعاني عثمان، فاستَعْملني على الحجّ، فخرجت إلى مكة فأقمت للناس الحجّ، وقرأتُ عليهم كتابَ عثمان إليهم، ثمّ قدِمْت المدينة؛ وقد بويع لعليّ؛ فأتيتُه في داره، فوجدتُ المغيرة بن شُعبة مستَخْليًا به، فحبسني حتى خرج من عنده، فقلت: ماذا قال لك هذا؟ فقال: قال لي قبل مَرّته هذه: أرْسِلْ إلى عبد الله بن عامر، وإلى معاوية، وإلى عمّال عثمان بعهُودهم تُقرّهم على أعمالهم، ويبايعون لك الناس، فإنّهم يهدّئون البلاد، ويسكّنون الناس؛ فأبيتُ ذلك عليه يومئذ، وقلتُ: والله لو كان ساعة من نهار؛ لاجتهدتُ فيها رأي، ولا ولّيتُ هؤلاء، ولا مثلُهم يُوَلَّى. قال: ثمّ انصرف من عندي وأنا أعرفُ فيه: أنه يرى أني مخطئ؛ ثمّ عاد إليَّ الآن، فقال: إني أشرتُ عليك أوّل مرَّة بالذي أشرتُ عليك، وخالَفْتني فيه، ثمّ

стр. 3325

رأيتُ بعد ذلك رأيًا، وأنا أرى أن تصنع الذي رأيتَ، فتنزعهم، وتستعين بمن تَثِق به، فقد كفى الله، وهم أهْوَنُ شوكة مما كان. قال ابن عباس: فقلتُ لعليّ: أما المرّة الأولى؛ فقد نصحك، وأما المرّة الآخرة، فقد غَشّك؛ قال له عليّ: ولم نصحني؟ قال ابن عباس: لأنَّك تعلم أن مُعاوية وأصحابه أهل دنيا، فمتى تثْبتهم؛ لا يبالوا بمن ولي هذا الأمر، ومتى تعزلْهم؛ يقولوا: أخَذَ هذا الأمْرَ بغير شورى، وهو قتلَ صاحبَنا؛ ويؤلِّبون عليك فينتقض عليك أهلُ الشأم، وأهلُ العراق، مع أني لا آمن طلحة، والزبير أن يكرّا عليك. فقال عليّ: أمَّا ما ذكرت من إقرارهم فوالله ما أشكّ أن ذلك خيرٌ في عاجل الدّنيا لإصلاحها، وأما الذي يلزمني من الحقّ، والمعرفة بعمّال عثمان فوالله لا أولِّي منهم أحدًا أبدًا؛ فإن أقبلوا؛ فذلك خير لهم، وإن أدْبروا؛ بذلت لهم السيف. قال ابن عباس: فأطِعْني، وادخل دارَك، والحق بمالِك بينْبُع، وأغلق بابك عليك، فإنّ العرب تجول جولة، وتضطربُ، ولا تجد غيرَك، فإنك والله لئن نَهَضْت مع هؤلاء اليوم ليُحَمّلَنَّك الناس دمَ عثمان غدًا. فأبى على، فقال لابن عباس: سر إلى الشأم فقد ولّيتُكَها؛ فقال ابن عباس: ما هذا برأي؛ معاويةُ رجل من بني أميّة، وهو ابنُ عمّ عثمان، وعامله على الشأم، ولست آمن أن يضرب عُنُقي لعثمان، أو أدْنى ما هو صانِعٌ أن يحبسني فيتحكم على. فقال له عليّ: ولم؟ قال: لقرابة ما بيني وبينك، وإنّ كلّ ما حمل عليك حمِل عليّ، ولكن اكتب إلى معاوية، فمنِّه، وعِده. فأبى عليّ، وقال: والله لا كان هذا أبدًا (١). (٤: ٤٣٩/ ٤٤٠). ٩٢١ - قال محمّد: وحدّثني هشام بن سعد عن أبي هلال، قال: قال ابن عبّاس: قدِمْت المدينة من مكة بعد قتل عثمان ﵁ بخمسة أيام، فجئْتُ عليًّا أدخل عليه، فقيل لي: عنده المغيرةُ بن شعبة؛ فجلستُ بالباب ساعةً، فخرج المغيرة، فسلّم عليّ، فقال: متَى قدِمت؟ فقلت: الساعةَ. فدخلتُ على على، فسلّمت عليه، فقال لي: لقيتَ الزّبير، وطلحة؟ قال: قلت: لقيتهما

стр. 3326

بالنَّواصف. قال: مَن معهما؟ قلت: أبو سعيد بن الحارث بن هشام في فِئة من قُريش. فقال عليّ: أما إنهم لن يَدَعوا أن يخرجوا يقولون: نطلب بدم عثمان؛ والله نعلم: أنهم قتلة عثمان. قال ابن عباس: يا أمير المؤمنين! أخبِرْني عن شأن المغيرة، ولمَ خلا بك؟ قال: جاءني بعد مَقْتل عثمان بيومين، فقال لي: أخْلِني، ففعلت؛ فقال: إنّ النّصح رخيص، وأنت بقيّة الناس، وإني لك ناصح، وإني أشير عليك بردّ عمال عثمان عامَك هذا؛ فاكتب إليهم بإثْباتهم على أعمالهم، فإذا بايَعوا لك، واطمأنّ الأمْرُ لك؛ عزَلْت من أحْببت، وأقرَرْت من أحبَبْت. فقلتُ: والله لا أدهِن في ديني، ولا أعطي الدّنيّ في أمري! قال: فإن كنت قد أبَيْتَ عليّ؛ فانزعْ من شئت، واترك معاوية، فإن لمعاوية جُرْأة، وهو في أهل الشأم يُسمع منه، ولك حُجّة في إثباته؛ كان عمر بن الخطاب قد ولّاه الشأم كلها، فقلتُ: لا والله! لا أستعمل معاويةَ يومين أبدًا. فخرج من عندي على ما أشار به، ثمّ عاد فقال لي: إنّي أشرتُ عليك بما أشرتُ به، فأبيتَ علَيَّ، ثمّ نظرتُ في الأمر، فإذا أنتَ مصيبٌ، لا ينبغي لك أن تأخُذَ أمرك بخَدْعة، ولا يكون في أمرك دُلْسة. قال: فقال ابن عباس: فقلت لعلى: أمَّا أوّل ما أشار به عليك؛ فقد نصَحك، وأما الآخر؛ فغَشّك؛ وأنا أشيرُ عليك بأن تُثْبِت معاوية، فإن بايع لك؛ فعليّ أن أقلعَهُ من منزله. قال عليٌّ: لا والله، لا أعطيه إلّا السيف! قال: ثم تمثَّل بهذا البيت: ما ميتة إن مُتُّها غيْرَ عاجزٍ ... بعارٍ إذا ما غالَتِ النفسَ غولُها فقلت: يا أمير المؤمنين! أنت رجلٌ شجاع لست بأرِب بالحرْب، أما سمعت رسولَ الله ﷺ يقول: "الحرب خُدعة"! فقال عليّ: بلى! فقال ابن عباس: أما والله لئن أطَعْتَني لأصدُرَنّ بهم بعد ورْد، ولأتركنّهم ينظرون في دُبُر الأمور لا يعرفون ما كان وجهها في غير نُقصان عليك، ولا إثم لك. فقال: يا بن عباس! لستُ من هُنياتك وهنيات معاوية في شيء، تُشير عليّ وأرى، فإذا عصيتُك؛ فأطعني. قال: فقلت: أفْعل، إنّ أيسر مَالَكَ عندي الطاعة (١). (٤: ٤٤٠/ ٤٤١).

стр. 3327

مسيرُ قُسْطنطين ملك الرّوم يُريد المسلمين ٩٢٢ - وفي هذه السنة -أعني: سنة خمس وثلاثين- سار قسطنطين بن هِرَقل -فيما ذكر محمد بن عمر الواقديّ عن هشام بن الغاز، عن عبادة بن نسيّ- في ألف مَركب يُريد أرضَ المسلمين، فسقط الله عليهم قاصِفًا من الرّيح، فغرّقهم، ونجا قسطنطين بن هِرَقل، فأتى صِقليّة، فصنعوا له حمّامًا، فدخله، فقتلوه فيه؛ وقالوا: قتلتَ رجالنا (١). (٤: ٤٤١). ثم دخلت سنة ستّ وثلاثين تفريق عليّ عمّاله على الأمصار ٩٢٣ - ولمّا دخلت سنة ستّ وثلاثين فرّق عليٌّ عمّالَه؛ فممّا كتب إليّ السريّ عن شُعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، قالا: بعث عليٌّ عماله على الأمصار، فبعث عُثمان بن حُنَيف على البصْرة، وعُمارة بن شهاب على الكوفة، وكانت له هجرة؛ وعبيدَ الله بن عباس على اليَمن، وقيسَ بن سعد على مصر، وسهل بن حُنَيف على الشأم؛ فأمَّا سهل فإنه خرج حتى إذا كان بتَبوك لقيته خيلٌ، فقالوا: مَنْ أنت؟ قال: أمير، قالوا: على أيّ شيء؟ قال: على الشأم، قالوا: إن كان عثمان بعثَك فحيَّهلا بك، وإن كان بعثك غيرُه فارجع! قال: أوَما سمعتم بالذي كان؟ قالوا: بلَى؛ فرجع إلى عليّ. وأما قيس بن سعد؛ فإنه لما انتهى إلى أيلَة لقيَتْهُ خيلٌ، فقالوا: مَنْ أنت؟ قال: من فالَّة عثمان، فانا أطلبُ من آوى إليه، وأنتصر به، قالوا: من أنت؟ قال: قيس بن سعد، قالوا: امضِ؛ فمضَى حتى دخل مصرَ، فافترق أهلُ مصرِ فِرَقًا؛ فرقة دخلت في الجمَاعة، وكانوا معه. وفِرْقة وقَفت، واعتزلت إلى خرْبِتَا، وقالوا: إن قُتِل قتَلةُ عثمان فنحن معكم، وإلّا فنحن على جديلتنا؛ حتى نحرّك، أو نصيب حاجتنا. وفرقةٌ قالوا: نحن مع عليّ ما لم يُقِدْ إخواننَا، وهم في ذلك مع الجماعة؛ وكتب قَيْس إلى أمير المؤمنين بذلك. وأمّا عثمان بن حُنَيف؛ فسار فلم يردّه أحدٌ عن دُخول

стр. 3328

البصرة، ولم يوجد في ذلك لابن عامر رأيٌ، ولا حزم، ولا استقلال بحرب. وافترق الناس بها، فاتّبعت فرقةٌ القومَ، ودخلت فرقةٌ في الجماعة، وفرقةٌ قالت: ننظرُ ما يصنع أهلُ المدينة، فنصنع كما صنعوا. وأمّا عُمارة فأقبل حتى إذا كان بزُبالة؛ لقيه طليحة بن خُويلد؛ وقد كان حين بلغهم خبرُ عثمان خرج يدعو إلى الطلب بدمه، ويقول: لهفي على أمْرٍ لم يسبقني، ولم أدْرِكْهِ! يا لَيتَني فيها جَذَعْ ... أكرُّ فيها وأضَعْ فخرج حين رجع القعقعاعُ من إغاثة عثمان فيمن أجابه حتى دخل الكوفَة، فطلع عليه عُمارة قادمًا على الكوفة، فقال له: ارجع فإنّ القومَ لا يريدون بأميرهم بدلًا، وإن أبيت؛ ضربتُ عنقَك. فرجعَ عمارة وهو يقول: احذر الخطَر ما يماسُّكَ، الشرُّ خير من شرّ منه. فرجع إلى عليّ بالخبر، وغلب على عُمارة بن شهاب هذا المثلُ من لدُنْ اعتاصَت عليه الأمور إلى أن مات. وانطلق عبيدُ الله بن عباس إلى اليَمن، فجمع يَعْلَى بن أميّة كلّ شيء من الجباية، وتركه، وخرج بذلك وهو سائرٌ على حاميته إلى مكة فقَدِمَها بالمال. ولما رجع سهلُ بن حُنيف من طريق الشأم، وأتَتْه الأخبار، ورجِع من رجع؛ دعا عليٌّ طلحةَ والزُّبير، فقال: إنّ الذي كنت أحذركم قد وقع يا قوم! وإنّ الأمر الذي وقع لا يُدرَك إلا بإمَاتَتِه، وإنها فِتنة كالنار؛ كلَّما سُعّرَت ازدادت، واستنارت. فقالا له: فَائْذَن لنا أن نخرج من المدينة، فإمّا أن نكابر، وإما أن تَدَعنا، فقال: سأمسِك الأمر ما استَمْسك؛ فإذا لم أجد بُدًّا فآخِر الدواء الكيّ. وكتب إلى معاوية، وإلى أبي موسى. وكتب إليه أبو موسى بطاعة أهْل الكوفة، وبيْعتهم، وبيَّنَ الكاره منهم للّذي كان، والرَّاضيَ بالذي قد كانَ، ومن بَيْن ذَلك حتى كأن عليًّا على المُواجَهَة من أمْر أهل الكوفة. وكان رسول عليّ إلى أبي موسى مَعْبد الأسلميّ؛ وكان رسول أمير المؤمنين إلى مُعاوية سَبْرة الجُهَنيّ، فقدم عليه فلم يكتب معاوية بشيء، ولم يُجِبْه وردَّ رسولَه، وجعل كلما تنجّز جوابَه لم يزد على قوله: أدِمْ إدامَةَ حِصن أو خُدًا بِيَدي ... حرْبًا ضَروسًا تَشُبُّ الجزْلَ والضّرَمَا في جارِكُم وابنِكُمْ إذ كان مَقْتَلهُ ... شنعاءَ شَيَّبَتِ الأصداغَ واللَّمَما

стр. 3329

أعْيا المَسودُ بها والسَّيَدون فلَم ... يوجَد لها غَيْرُنا مولىً ولا حَكَما وجعل الجُهنيُّ كلما تنجّز الكتاب لم يزِدْه على هذه الأبيات؛ حتى إذا كان الشّهر الثالث من مَقْتل عثمان في صفر؛ دعا معاويةُ برجُل من بني عبْس، ثم أحد بَني رواحة يُدْعى قبيصة، فدفع إليه طُومارًا مَخْتومًا، عنوانهُ: من معاوية إلى عليّ. فقال: إذا دخلتَ المدينة؛ فاقبض على أسفل الطّومار، ثمّ أوصاه بما يقولُ وسَرَّح رسولَ عليّ. وخرجا فقدما المدينة في ربيع الأوّل لغُرّته، فلما دخلا المدينة رفع العبسيّ الطُّومار كما أمره، وخرج الناس ينظُرون إليه، فتفرّقوا إلى منازلهم وقد علموا: أن معاوية معترض، ومضى حتى يدخل على عليّ، فدفع إليه الطُومار، ففضَّ خاتمه فلم يجد في جَوْفه كتابةً، فقال للرّسول: ما وراءك؟ قال: آمن أنا؟ قال: نعم، إنّ الرّسل آمنة لا تُقتل؛ قال: ورائي أني تركتُ قومًا لا يرضوْن إلا بالقود، قال: ممن؟ قال: من خَيْط نفسك، وتركتُ ستين ألف شَيْخٍ يبكي تحت قَميص عُثمان وهو منصوب لهم، قد ألبسوه منْبَر دمشق. فقال: منِّي يطلبون دمَ عثمان! ألستُ موتورًا كترَة عثمان! اللهمّ إني أبرَأ إليك من دَم عثمان؛ نجا والله قتلةُ عثمان إلّا أن يشاء الله، فإنه إذا أراد أمرًا أصابه؛ اخرج! قال: وأنا آمنٌ؟ قال: وأنت آمن. فخرج العبسيّ وصاحت السّبئيّة قالوا: هذا الكلبُ، هذا وافد الكلاب، اقتلوه! فنادى: يا آل مُضر! يا آل قَيس! الخيل والنَّبْل، إني أحلف بالله جلّ اسمُه ليرُدّنَّها عليكم أربعة آلاف خَصيّ، فانظروا كم الفحولة، والرّكاب! وتعاوَوْا عليه، ومنَعنه مُضَر، وجعلوا يقولون له: اسكْت، فيقول: لا والله! لا يفلح هؤلاء أبدًا، فلقد أتاهم ما يوعَدُون. فيقولون له: اسكت، فيقول: لقد حلّ بهم ما يحذَرون، انتهت والله أعمالُهم، وذهبَتْ ريحُهم! فو الله ما أمسوا حتى عرف الذلّ فيهم (١)! (٤: ٤٤٢/ ٤٤٣/ ٤٤٤).

стр. 3330

استئذان طلحة والزبير عليًّا ٩٢٤ - كتب إليّ السَّريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، قالا: استأذن طلحةُ، والزبير عليًّا في العُمرة، فأذن لهما، فلحقا بمكة؛ وأحبّ أهلُ المدينة أن يعلموا ما رَأي عليّ في معاوية وانتقاضه، ليعرفوا بذلك رأيَه في قتال أهل القبلة؛ أيجسُر عليه، أو ينكُلُ عنه! وقد بلغَهم: أن الحسن بن عليّ دخل عليه، ودعاه إلى القُعود وترْك النّاس، فدسّوا إليه زيادَ بن حنظلة التميمى -وكان مُنقطعًا إلى عليّ- فدخل عليه فجلس إليه ساعةً ثمّ قال له عليّ: يا زياد! تيسَّر؛ فقال: لأيّ شيء؟ فقال: تغزو الشأم، فقال زياد: الأناةُ والرفق أمْثل، فقال: ومَنْ لا يُصانِعْ في أمور كثيرةٍ ... يُضَرَّسْ بأنيابٍ ويوطأْ بمنْسِمِ فتمثّل عليٌّ؛ وكأنه لا يريده: متى تَجمَعِ القلبَ الذّكى وصارِمًا ... وأنْفًا حَمِيًّا تَجْتَنِبْكَ المظَالِمُ فخرج زياد على النّاس والناس ينتَظرونه، فقالوا: ما وراءك؟ فقال: السَّيف يا قوم! فعرفوا ما هو فاعل. ودعا عليٌّ محمد بن الحنفيّة فدَفَعَ إليه اللواء، وولّى عبد الله بن عباس ميمَنَته، وعمر بن أبي سَلمةَ - أو عمرو بن سفيان بن عبد الأسد - ولّاه ميسرته، ودعا أبا ليلى بن عمر بن الجرّاح؛ ابن أخي أبي عُبيدة بن الجرّاح، فجعله على مقدّمته، واستخلف على المدينة قثم بن عبّاس، ولم يولّ ممن خرج على عثمان أحدًا، وكتب إلى قيس بن سعد أن يندب الناس إلى الشأم، وإلى عثمان بن حُنَيف وإلى أبي موسى مثلَ ذلك، وأقبل على التهيُّؤ والتجهز، وخطب أهلَ المدينة فدعاهم إلى النهوض في قتال أهل الفُرْقة، وقال: إنّ الله بعث رسولًا هاديًا مهديًا بكتاب ناطِق وأمْر قائم واضح؛
следующие страницы →