← История

История · id 145435

صحيح وضعيف تاريخ الطبري

محمد بن طاهر البرزنجي

Полный текст (6 167 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.

стр. 3326

بالنَّواصف. قال: مَن معهما؟ قلت: أبو سعيد بن الحارث بن هشام في فِئة من قُريش. فقال عليّ: أما إنهم لن يَدَعوا أن يخرجوا يقولون: نطلب بدم عثمان؛ والله نعلم: أنهم قتلة عثمان. قال ابن عباس: يا أمير المؤمنين! أخبِرْني عن شأن المغيرة، ولمَ خلا بك؟ قال: جاءني بعد مَقْتل عثمان بيومين، فقال لي: أخْلِني، ففعلت؛ فقال: إنّ النّصح رخيص، وأنت بقيّة الناس، وإني لك ناصح، وإني أشير عليك بردّ عمال عثمان عامَك هذا؛ فاكتب إليهم بإثْباتهم على أعمالهم، فإذا بايَعوا لك، واطمأنّ الأمْرُ لك؛ عزَلْت من أحْببت، وأقرَرْت من أحبَبْت. فقلتُ: والله لا أدهِن في ديني، ولا أعطي الدّنيّ في أمري! قال: فإن كنت قد أبَيْتَ عليّ؛ فانزعْ من شئت، واترك معاوية، فإن لمعاوية جُرْأة، وهو في أهل الشأم يُسمع منه، ولك حُجّة في إثباته؛ كان عمر بن الخطاب قد ولّاه الشأم كلها، فقلتُ: لا والله! لا أستعمل معاويةَ يومين أبدًا. فخرج من عندي على ما أشار به، ثمّ عاد فقال لي: إنّي أشرتُ عليك بما أشرتُ به، فأبيتَ علَيَّ، ثمّ نظرتُ في الأمر، فإذا أنتَ مصيبٌ، لا ينبغي لك أن تأخُذَ أمرك بخَدْعة، ولا يكون في أمرك دُلْسة. قال: فقال ابن عباس: فقلت لعلى: أمَّا أوّل ما أشار به عليك؛ فقد نصَحك، وأما الآخر؛ فغَشّك؛ وأنا أشيرُ عليك بأن تُثْبِت معاوية، فإن بايع لك؛ فعليّ أن أقلعَهُ من منزله. قال عليٌّ: لا والله، لا أعطيه إلّا السيف! قال: ثم تمثَّل بهذا البيت: ما ميتة إن مُتُّها غيْرَ عاجزٍ ... بعارٍ إذا ما غالَتِ النفسَ غولُها فقلت: يا أمير المؤمنين! أنت رجلٌ شجاع لست بأرِب بالحرْب، أما سمعت رسولَ الله ﷺ يقول: "الحرب خُدعة"! فقال عليّ: بلى! فقال ابن عباس: أما والله لئن أطَعْتَني لأصدُرَنّ بهم بعد ورْد، ولأتركنّهم ينظرون في دُبُر الأمور لا يعرفون ما كان وجهها في غير نُقصان عليك، ولا إثم لك. فقال: يا بن عباس! لستُ من هُنياتك وهنيات معاوية في شيء، تُشير عليّ وأرى، فإذا عصيتُك؛ فأطعني. قال: فقلت: أفْعل، إنّ أيسر مَالَكَ عندي الطاعة (١). (٤: ٤٤٠/ ٤٤١).

стр. 3327

مسيرُ قُسْطنطين ملك الرّوم يُريد المسلمين ٩٢٢ - وفي هذه السنة -أعني: سنة خمس وثلاثين- سار قسطنطين بن هِرَقل -فيما ذكر محمد بن عمر الواقديّ عن هشام بن الغاز، عن عبادة بن نسيّ- في ألف مَركب يُريد أرضَ المسلمين، فسقط الله عليهم قاصِفًا من الرّيح، فغرّقهم، ونجا قسطنطين بن هِرَقل، فأتى صِقليّة، فصنعوا له حمّامًا، فدخله، فقتلوه فيه؛ وقالوا: قتلتَ رجالنا (١). (٤: ٤٤١). ثم دخلت سنة ستّ وثلاثين تفريق عليّ عمّاله على الأمصار ٩٢٣ - ولمّا دخلت سنة ستّ وثلاثين فرّق عليٌّ عمّالَه؛ فممّا كتب إليّ السريّ عن شُعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، قالا: بعث عليٌّ عماله على الأمصار، فبعث عُثمان بن حُنَيف على البصْرة، وعُمارة بن شهاب على الكوفة، وكانت له هجرة؛ وعبيدَ الله بن عباس على اليَمن، وقيسَ بن سعد على مصر، وسهل بن حُنَيف على الشأم؛ فأمَّا سهل فإنه خرج حتى إذا كان بتَبوك لقيته خيلٌ، فقالوا: مَنْ أنت؟ قال: أمير، قالوا: على أيّ شيء؟ قال: على الشأم، قالوا: إن كان عثمان بعثَك فحيَّهلا بك، وإن كان بعثك غيرُه فارجع! قال: أوَما سمعتم بالذي كان؟ قالوا: بلَى؛ فرجع إلى عليّ. وأما قيس بن سعد؛ فإنه لما انتهى إلى أيلَة لقيَتْهُ خيلٌ، فقالوا: مَنْ أنت؟ قال: من فالَّة عثمان، فانا أطلبُ من آوى إليه، وأنتصر به، قالوا: من أنت؟ قال: قيس بن سعد، قالوا: امضِ؛ فمضَى حتى دخل مصرَ، فافترق أهلُ مصرِ فِرَقًا؛ فرقة دخلت في الجمَاعة، وكانوا معه. وفِرْقة وقَفت، واعتزلت إلى خرْبِتَا، وقالوا: إن قُتِل قتَلةُ عثمان فنحن معكم، وإلّا فنحن على جديلتنا؛ حتى نحرّك، أو نصيب حاجتنا. وفرقةٌ قالوا: نحن مع عليّ ما لم يُقِدْ إخواننَا، وهم في ذلك مع الجماعة؛ وكتب قَيْس إلى أمير المؤمنين بذلك. وأمّا عثمان بن حُنَيف؛ فسار فلم يردّه أحدٌ عن دُخول

стр. 3328

البصرة، ولم يوجد في ذلك لابن عامر رأيٌ، ولا حزم، ولا استقلال بحرب. وافترق الناس بها، فاتّبعت فرقةٌ القومَ، ودخلت فرقةٌ في الجماعة، وفرقةٌ قالت: ننظرُ ما يصنع أهلُ المدينة، فنصنع كما صنعوا. وأمّا عُمارة فأقبل حتى إذا كان بزُبالة؛ لقيه طليحة بن خُويلد؛ وقد كان حين بلغهم خبرُ عثمان خرج يدعو إلى الطلب بدمه، ويقول: لهفي على أمْرٍ لم يسبقني، ولم أدْرِكْهِ! يا لَيتَني فيها جَذَعْ ... أكرُّ فيها وأضَعْ فخرج حين رجع القعقعاعُ من إغاثة عثمان فيمن أجابه حتى دخل الكوفَة، فطلع عليه عُمارة قادمًا على الكوفة، فقال له: ارجع فإنّ القومَ لا يريدون بأميرهم بدلًا، وإن أبيت؛ ضربتُ عنقَك. فرجعَ عمارة وهو يقول: احذر الخطَر ما يماسُّكَ، الشرُّ خير من شرّ منه. فرجع إلى عليّ بالخبر، وغلب على عُمارة بن شهاب هذا المثلُ من لدُنْ اعتاصَت عليه الأمور إلى أن مات. وانطلق عبيدُ الله بن عباس إلى اليَمن، فجمع يَعْلَى بن أميّة كلّ شيء من الجباية، وتركه، وخرج بذلك وهو سائرٌ على حاميته إلى مكة فقَدِمَها بالمال. ولما رجع سهلُ بن حُنيف من طريق الشأم، وأتَتْه الأخبار، ورجِع من رجع؛ دعا عليٌّ طلحةَ والزُّبير، فقال: إنّ الذي كنت أحذركم قد وقع يا قوم! وإنّ الأمر الذي وقع لا يُدرَك إلا بإمَاتَتِه، وإنها فِتنة كالنار؛ كلَّما سُعّرَت ازدادت، واستنارت. فقالا له: فَائْذَن لنا أن نخرج من المدينة، فإمّا أن نكابر، وإما أن تَدَعنا، فقال: سأمسِك الأمر ما استَمْسك؛ فإذا لم أجد بُدًّا فآخِر الدواء الكيّ. وكتب إلى معاوية، وإلى أبي موسى. وكتب إليه أبو موسى بطاعة أهْل الكوفة، وبيْعتهم، وبيَّنَ الكاره منهم للّذي كان، والرَّاضيَ بالذي قد كانَ، ومن بَيْن ذَلك حتى كأن عليًّا على المُواجَهَة من أمْر أهل الكوفة. وكان رسول عليّ إلى أبي موسى مَعْبد الأسلميّ؛ وكان رسول أمير المؤمنين إلى مُعاوية سَبْرة الجُهَنيّ، فقدم عليه فلم يكتب معاوية بشيء، ولم يُجِبْه وردَّ رسولَه، وجعل كلما تنجّز جوابَه لم يزد على قوله: أدِمْ إدامَةَ حِصن أو خُدًا بِيَدي ... حرْبًا ضَروسًا تَشُبُّ الجزْلَ والضّرَمَا في جارِكُم وابنِكُمْ إذ كان مَقْتَلهُ ... شنعاءَ شَيَّبَتِ الأصداغَ واللَّمَما

стр. 3329

أعْيا المَسودُ بها والسَّيَدون فلَم ... يوجَد لها غَيْرُنا مولىً ولا حَكَما وجعل الجُهنيُّ كلما تنجّز الكتاب لم يزِدْه على هذه الأبيات؛ حتى إذا كان الشّهر الثالث من مَقْتل عثمان في صفر؛ دعا معاويةُ برجُل من بني عبْس، ثم أحد بَني رواحة يُدْعى قبيصة، فدفع إليه طُومارًا مَخْتومًا، عنوانهُ: من معاوية إلى عليّ. فقال: إذا دخلتَ المدينة؛ فاقبض على أسفل الطّومار، ثمّ أوصاه بما يقولُ وسَرَّح رسولَ عليّ. وخرجا فقدما المدينة في ربيع الأوّل لغُرّته، فلما دخلا المدينة رفع العبسيّ الطُّومار كما أمره، وخرج الناس ينظُرون إليه، فتفرّقوا إلى منازلهم وقد علموا: أن معاوية معترض، ومضى حتى يدخل على عليّ، فدفع إليه الطُومار، ففضَّ خاتمه فلم يجد في جَوْفه كتابةً، فقال للرّسول: ما وراءك؟ قال: آمن أنا؟ قال: نعم، إنّ الرّسل آمنة لا تُقتل؛ قال: ورائي أني تركتُ قومًا لا يرضوْن إلا بالقود، قال: ممن؟ قال: من خَيْط نفسك، وتركتُ ستين ألف شَيْخٍ يبكي تحت قَميص عُثمان وهو منصوب لهم، قد ألبسوه منْبَر دمشق. فقال: منِّي يطلبون دمَ عثمان! ألستُ موتورًا كترَة عثمان! اللهمّ إني أبرَأ إليك من دَم عثمان؛ نجا والله قتلةُ عثمان إلّا أن يشاء الله، فإنه إذا أراد أمرًا أصابه؛ اخرج! قال: وأنا آمنٌ؟ قال: وأنت آمن. فخرج العبسيّ وصاحت السّبئيّة قالوا: هذا الكلبُ، هذا وافد الكلاب، اقتلوه! فنادى: يا آل مُضر! يا آل قَيس! الخيل والنَّبْل، إني أحلف بالله جلّ اسمُه ليرُدّنَّها عليكم أربعة آلاف خَصيّ، فانظروا كم الفحولة، والرّكاب! وتعاوَوْا عليه، ومنَعنه مُضَر، وجعلوا يقولون له: اسكْت، فيقول: لا والله! لا يفلح هؤلاء أبدًا، فلقد أتاهم ما يوعَدُون. فيقولون له: اسكت، فيقول: لقد حلّ بهم ما يحذَرون، انتهت والله أعمالُهم، وذهبَتْ ريحُهم! فو الله ما أمسوا حتى عرف الذلّ فيهم (١)! (٤: ٤٤٢/ ٤٤٣/ ٤٤٤).

стр. 3330

استئذان طلحة والزبير عليًّا ٩٢٤ - كتب إليّ السَّريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، قالا: استأذن طلحةُ، والزبير عليًّا في العُمرة، فأذن لهما، فلحقا بمكة؛ وأحبّ أهلُ المدينة أن يعلموا ما رَأي عليّ في معاوية وانتقاضه، ليعرفوا بذلك رأيَه في قتال أهل القبلة؛ أيجسُر عليه، أو ينكُلُ عنه! وقد بلغَهم: أن الحسن بن عليّ دخل عليه، ودعاه إلى القُعود وترْك النّاس، فدسّوا إليه زيادَ بن حنظلة التميمى -وكان مُنقطعًا إلى عليّ- فدخل عليه فجلس إليه ساعةً ثمّ قال له عليّ: يا زياد! تيسَّر؛ فقال: لأيّ شيء؟ فقال: تغزو الشأم، فقال زياد: الأناةُ والرفق أمْثل، فقال: ومَنْ لا يُصانِعْ في أمور كثيرةٍ ... يُضَرَّسْ بأنيابٍ ويوطأْ بمنْسِمِ فتمثّل عليٌّ؛ وكأنه لا يريده: متى تَجمَعِ القلبَ الذّكى وصارِمًا ... وأنْفًا حَمِيًّا تَجْتَنِبْكَ المظَالِمُ فخرج زياد على النّاس والناس ينتَظرونه، فقالوا: ما وراءك؟ فقال: السَّيف يا قوم! فعرفوا ما هو فاعل. ودعا عليٌّ محمد بن الحنفيّة فدَفَعَ إليه اللواء، وولّى عبد الله بن عباس ميمَنَته، وعمر بن أبي سَلمةَ - أو عمرو بن سفيان بن عبد الأسد - ولّاه ميسرته، ودعا أبا ليلى بن عمر بن الجرّاح؛ ابن أخي أبي عُبيدة بن الجرّاح، فجعله على مقدّمته، واستخلف على المدينة قثم بن عبّاس، ولم يولّ ممن خرج على عثمان أحدًا، وكتب إلى قيس بن سعد أن يندب الناس إلى الشأم، وإلى عثمان بن حُنَيف وإلى أبي موسى مثلَ ذلك، وأقبل على التهيُّؤ والتجهز، وخطب أهلَ المدينة فدعاهم إلى النهوض في قتال أهل الفُرْقة، وقال: إنّ الله بعث رسولًا هاديًا مهديًا بكتاب ناطِق وأمْر قائم واضح؛

стр. 3331

لا يهلك عنه إلا هالك، وإنّ المبتدَعات والشبهات هنّ المهلكات إلّا من حفظ الله، وإن في سُلْطان الله عصمة أمركم، فأعطوه طاعَتَكم غيرَ مَلْويَّة ولا مستكرَه بها، والله لتفعلُنّ أو لينقُلنّ الله عنكم سلطانَ الإسلام ثمّ لا ينقلُه إليكم أبدًا حتى يأرِزَ الأمر إليها! انهضوا إلى هؤلاء القوم الذين يريدون يفرّقون جماعَتكم، لعلّ الله يصلح بكم ما أفْسد أهلُ الآفاق، وتقضُون الذي عليكم. بينا هم كذلك إذ جاءَ الخبرُ عن أهل مكة بنحو آخر وتمامٍ على خلاف، فقام فيهم بذلك؛ فقال: إن الله جعل لظالم هذه الأمة العفو والمغفرة، وجعل لمن لزم الأمْر واستقام الفوزَ والنَّجاة، فمن لم يسعه الحقّ أخذ بالباطل. ألا وإنّ طلحة والزّبير وأمّ المؤمنين قد تمالؤوا على سخط إمارتي، ودَعوا النّاس إلى الإصلاح، وسأصبر ما لم أخَفْ على جماعتكم، وأكفّ إن كفوا، وأقتصر على ما بلغني عنهم. ثمّ أتاه: أنهم يريدون البصرة لمشاهدة النّاس والأصلاح، فتعبّى للخروج إليهم، وقال: إن فعلوا هذا فقد انقَطع نظامُ المسلمين وما كان عليهم في المقام فينا مَؤُونة ولا إكْراه. فاشتدّ على أهل المدينة الأمرُ، فتثاقَلُوا، فبعث إلى عبد الله بن عمر كُميْلًا النَّخَعِيّ، فجاء به فقال انهض معي، فقال: أنا مع أهل المدينة، إنما أنا رجل منهم وقد دخلوا في هذا الأمر فدخلت معهم لا أفارقهم، فإن يخرجوا؛ أخرجْ وإن يقعدوا؛ أقعد. قال: فأعطني زعيمًا بألّا تخرج، قال: ولا أعطيك زعيمًا، قال: لولا ما أعرف من سوء خُلقك صغيرًا وكبيرًا لأنكرْتني، دعوه فأنا به زعيم. فرجع عبد الله بن عمر إلى المدينة وهم يقولون: لا والله ما ندري كيف نصنع، فإنّ هذا الأمر لمشتَبه علينا، ونحن مُقيمون حتى يُضيء لنا، ويسفر. فخرج من تحت ليلته وأخبر أمّ كلثوم بنت عليّ بالذي سمع من أهْل المدينة، وأنه يخرج معتمرًا مقيمًا على طاعة علىّ ما خلا النهوض؛ وكان صدوقًا فاستقَرَّ عندها؛ وأصبح عليّ، فقيل له: حدث البارحةَ حدَثٌ هو أشدّ عليك من طلحة، والزبير، وأمّ المؤمنين، ومعاوية. قال: وما ذلك؟ قال: خرج ابن عُمر إلى الشّأم! فأتى عليّ السوق، ودعا بالظَّهر، فحمل الرّجال، وأعدَّ لكل طريق طُلّابًا. وماج أهل المدينة، وسمعت أمّ كلثوم بالذي هو فيه، فدعت ببغْلتها، فركبتْها في رَحْل، ثمّ أتت عليًّا وهو واقفٌ في السوق يفرّق الرّجالَ في طلبه،

стр. 3332

فقالت: مَا لك لا تَزَنَّد من هذا الرّجل؟ إنّ الأمر على خلاف ما بُلِّغتَه، وحُدّثته. قالت: أنا ضامنَة له، فطابت نفسُه وقال: انصرفوا، لا والله ما كذبَتْ، ولا كذَب، وإنه عندي ثِقة، فانصرفوا (١). (٤: ٤٤٤/ ٤٤٥/ ٤٤٦). ٩٢٥ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سَيف، عن محمد، وطلحة، قالا: ولما رأى عليّ من أهل المدينة ما رأى لم يَرْضَ طاعتَهم حتى يكون معها نُصرته، قام فيهم وجمع إليه وجُوهَ أهْلِ المدينة، وقال: إنّ آخر هذا الأمر لا يَصْلُح إلّا بما صلَح أوّله، فقد رأيتم عواقِبَ قضاء الله على من مضى منكم، فانصروا الله؛ يَنْصركم ويصلح لكم أمركم. فأجابه رجلان من أعلام الأنصار؛ أبو الهيثم بن التَّيِّهان -وهو بدريّ- وخزيمة بن ثابت؛ وليس بذي الشهادتين؛ مات ذو الشهادتين في زمن عثمان ﵁ (٢). (٤: ٤٤٧). ٩٢٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، عن عبيد الله، عن الحَكم، قال: قيل له: أشَهِد خُزَيمة بن ثابت ذو الشَّهادتين الجَمَل؟ فقال:

стр. 3333

ليس به، ولكنّه غيره من الأنصار؛ مات ذو الشهادتين في زمان عثمان بن عفان ﵁ (١). (٤: ٤٤٧). ٩٢٧ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن مجالد، عن الشّعبي، قال: بالله الذّي لا إله إلّا هو! ما نهض في تلك الفتنة إلّا ستَّة بدريِّين ما لهم سابع، أو سَبْعة ما لهم ثامن (٢). (٤: ٤٤٧). ٩٢٨ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عمرو بن محمد، عن الشعبيّ، قال: بالله الذّي لا إله إلّا هو! ما نهض في ذلك الأمر إلّا ستة بدريين ما لهم سابع. فقلتُ: اختلفتما. قال: لم نختلف، إن الشّعبيَّ شكَّ في أبي أيوب: أخَرج حيثُ أرسلتْه أمّ سَلَمة إلى عليّ بعد صفين، أم لم يخرج؟ ! إلّا أنه قدِم عليه فمضى إليه، وعليٌّ يومَئِذ بالنَّهروان (٣). (٤: ٤٤٧). ٩٢٩ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عبد الله بن سعيد بن ثابت، عن رجل، عن سعيد بن زيد، قال: ما اجتمع أربعةٌ من أصحاب النبي ﷺ ففازوا على الناس بخَيْر يحوزونَه إلّا وعليّ بن أبي طالب أحدهم. ثم إنّ زياد بن حنظلة لما رأى تثاقُل الناس عن عليّ؛ ابتدر إليه، وقال: مَن تثاقل عنك فإنا نخفّ معك، ونقاتل دونك. وبينما عليٌّ يمشي في المدينة؛ إذ سمع زينب ابنة أبي سُفيان وهي تقول: ظلامتنا عند مُدَمَّم وعند مكحلة، فقال: إنها لتَعلم ما هما لها بثأر (٤). (٤: ٤٤٧/ ٤٤٨). ٩٣٠ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة: أن عُثمان قُتل في ذي الحجة لثماني عشرة خلَتْ منه، وكان على مكة عبدُ الله بن عامر الحضرميّ، وعلى الموسم يومئذ عبد الله بن عباس، بعثه عثمان وهو مَحْصور، فتعجّل أناسٌ في يومين، فأدركوا مع ابن عباس، فقدموا المدينة بعد ما قُتِل وقبل أن يُبايَع عليّ، وهرب بنو أميَّة فلحقوا بمكة، وبويع عليّ لخمس

стр. 3334

بقين من ذي الحجَّة يوم الجمعة؛ وتساقط الهرّاب إلى مكة، وعائشة مقيمة بمكّة تريد عُمرة المحرّم، فلما تساقط إليها الهرّاب استخْبرتهم فأخبروها أنْ قد قُتِل عثمان ﵁، ولم يُجبْهم إلى التأمير أحدٌ، فقالت عائشة ﵂: ولكن أكياس، هذا غِبَّ ما كان يدور بينكم من عتاب الاستصلاح؛ حتى إذا قضَتْ عمرتَها وخرجت فانتهت إلى سَرِف لقِيهَا رجلٌ عن أخوالها من بني لَيْث -وكانت واصلة لهم، رفيقة عليهم- يُقال له عبيد بن أبي سلمة يعرف بأمّه أمّ كلاب، فقالت: مَهْيم! فأصمّ، ودمدم، فقالت: ويحك! علينا أو لنا؟ فقال: لا تدري، قُتل عثمان وبقوا ثمانيًا، قالت: ثمّ صنعوا ماذا؟ فقال: أخذوا أهلَ المدينة بالاجتماع على عليّ، والقومُ الغالبون على المدينة. فرجحت إلى مكّة وهي لا تقول شَيئًا ولا يخرج منها شيء، حتى نزلت على باب المَسْجد وقصدت للحِجْر فستَّرَتْ فيه، واجتمع الناس إليها فقالت: يا أيّها الناس! إنّ الغوْغاء من أهل الأمصار، وأهل المياه، وعبيد أهل المدينة اجتَمعُوا أن عاب الغوغاءُ على هذا المقتول بالأمس الإرب، واستعمال مَنْ حدثت سنُّه، وقد استُعمل أسنانهم قبله، ومواضع من مواضع الحِمَى حماها لهم، وهي أمورٌ قد سُبق بها لا يصلح غيرها، فتابعهم ونزع لهم عنها استصلاحًا لهم، فلما لم يجدوا حجَّةً ولا عذرًا؛ خلجوا وبادوْا بالعدْوان، ونَبَا فِعْلُهم عن قَوْلهم؛ فسفكوا الدَّمَ الحرامَ، واستحلّوا البلَدَ الحرام؛ وأخذوا المالَ الحرامَ، واستحلّوا الشهر الحرام. والله لإصبَع عثمان خيرٌ من طِباق الأرْض أمثالهم! فنجاة من اجتماعكم عليهم حتى يَنْكل بهم غيرهم ويشرَّد مَنْ بعدهم، ووالله لو أن الَّذي اعتدّوا به عليه كان ذنبًا لخلّص منه كما يخلّص الذّهب من خَبثه أو الثّوب من دَرَنِه؛ إذ ماصُوه كما يماصُ الثوب بالماء. فقال عبد الله بن عامر الحضرميّ: ها أنذا لها أوّل طالب - وكان أوّلَ مُجيب، ومنتدب (١). (٤: ٤٤٨/ ٤٤٩).

стр. 3335

٩٣١ - حدّثني عمر بن شبّه، قال: حدّثنا أبو الحسن المدائنيّ، قال: حدّثنا سُحيم مولى وبرة التميميّ عن عبيد بن عمرو القُرشيّ، قال: خرجت عائشة ﵂ وعُثمان محصورٌ، فقدم عليها مكّة رجل يقال له: أخضر، فقالت: ما صنع الناس؟ فقال: قَتَلَ عثمانُ المصريين، قالت: إنا لله وإنا إليه راجعون! أيقْتلُ قومًا جاؤوا يطلبون الحقّ، وينكرون الظلم! والله لا نَرضَى بهذا! ثمّ قدِم آخرُ فقالت: ما صنع الناس؟ قال: قَتَل المصريون عثمان، قالت: العجبُ لأخْضر، زَعم أنّ المقتول هو القاتل! . فكان يُضْرب به المثلُ: "أكْذبُ من أخْضر" (١). (٤: ٤٤٩). ٩٣٢ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عمرو بن محمد، عن الشعبيّ، قال: خرجَتْ عائشةُ ﵂ نحو المدينة من مكَّة بعد مقتل عثمان، فلقيَها رجلٌ من أخْوالها، فقالت: ما وراءَك؟ قال: قُتِل عثمان، واجتمع الناس على عليّ، والأمرُ أمرُ الغَوْغاء. فقالت: ما أظنّ ذلك تامًّا، رُدُّوني. فانصرفَتْ راجعة إلى مكة، حتى إذا دخَلَتْها؛ أتاها عبد الله بن عامر الحضرميِّ -وكان أميرَ عثمان عليها- فقال: ما ردَّك يا أمّ المؤمنين؟ قالت: ردّني أنّ عثمان قُتِل مظلومًا، وأنّ الأمرَ لا يستقيم ولهذه الغوغاء أمرٌ، فاطلبوا بدَم عُثمان تُعِزّوا الإسلامَ. فكان أوّل من أجابَها عبد الله بن عامر الحضرميّ، وذلك أوّل ما تكلمت بنو أميّة بالحجاز، ورفعوا رؤوسَهم، وقام معهم سعيد بن العاص، والوليد بن عقبة، وسائرُ بني أميّة. وقد قدِم عليهم عبد الله بن عامر من البصْرة؛ ويَعْلَى بن أميّة من اليَمن، وطلحة، والزّبير من المدينة، واجتَمَع

стр. 3336

ملؤهم بعد نظر طويل في أمرهم على البصرة، وقالت: أيُّها الناس! إنّ هذا حدَث عظيمٌ، وأمْرٌ منكر، فانهضوا فيه إلى إخوانكم من أهْل البصرة فأنكروه، فقد كفاكم أهل الشأم ما عندهم، لعلّ الله يدرك لعثمان وللمسلمين بثأرهم (١). (٤: ٤٤٩/ ٤٥٠). ٩٣٣ - كتب إليّ السريّ عن شُعَيْب، عن سَيْف، عن محمد، وطلحة، قالا: كان أوّل من أجاب إلى ذلك عبد الله بن عامر، وبنو أميّة؛ وقد كانوا سقَطِوا إليها بعد مَقْتل عثمان، ثم قدم عبد الله بن عامِر، ثمّ قدِم يَعْلَى بن أميّة، فاتَّفقَا بمكة، ومع يَعْلَى ستمئة بَعير وستمئة ألف، فأناخ بالأبْطح معسكرًا؛ وقدِم مَعهُما طلحةُ، والزّبير، فلقيا عائشةَ ﵂، فقالت: ما وراءَكُما؟ فقالا: وراءَنا أنا تحملنا بقلِّيَّتنا هُرّابًا من المدينة من غوغاء وأعْراب، وفارَقْنا قومًا حيارَى لا يعرفون حقًّا، ولا ينكرون باطِلًا، ولا يمنعون أنفسَهم. قالت: فائتمِرُوا أمرًا؛ ثمّ انهضوا إلى هذه الغوغاء. وتمثَّلت: ولو أنَّ قومي طاوَعتني سَراتُهمْ ... لأنْقَذْتُهمْ من الحِبالِ أو الخَبْلِ وقال القومُ فيما ائتمروا به: الشأم. فقال عبد الله بن عامر: قد كفاكم الشأمَ من يستمرّ في حَوْزَته، فقال له طلحة والزّبير: فأين؟ قال: البصرة، فإنّ لي بها

стр. 3337

صنائعَ ولهم في طَلْحة هوى، قالوا: قبحك الله! فوالله ما كُنْت بالمسالم، ولا بالمحارب، فهلّا أقمتَ كما أقام مُعاوية فَنكتَفي بك، ونأتي الكوفَة فنسدّ على هؤلاء القوم المذاهبَ! فلم يجِدُوا عنده جوابًا مقبولًا، حتى إذا استقام لهم الرّأيُ على البصرة قالوا: يا أمّ المؤمنين! دعي المدينةَ فإنّ مَن معنا لا يُقرنون لتلك الغوغاء التي بها، واشْخصي مَعنا إلى البصرة، فإنّا نأتي بلدًا مضيَّعًا، وسيحْتجّون علينا فيه ببيعة عليّ بن أبي طالب فتُنهضينهم كما أنْهَضْت أهلَ مكّة ثم تقعدين، فإن أصْلَح الله الأمْرَ كان الذي تُريدين، وإلّا؛ احتسبنا، ودَفَعْنا عن هذا الأمر بجَهْدنا حتى تقْضيَ الله ما أراد. فلما قالوا ذلك لها -ولم يكن ذلك مستقيمًا إلَّا بها- قالت: نعم؛ وقد كان أزواج النبيّ ﷺ معها على قصْد المدينة، فلمّا تحوّل رأيها إلى البصرة تركنَ ذلك؛ وانطلق القومُ بعدها إلى حَفْصة، فقالت: رأيي تَبَع لرأي عائشة؛ حتى إذا لم يبق إلّا الخروج قالوا: كيف نستقلّ وليس معنا مالٌ نجهّز به الناس! فقال يَعْلَى بن أميَّة: معي ستمئة ألف وستمئة بَعير فاركبوها؛ وقال ابن عامر: معي كذا وكذا فتجهّزوا به. فنادى المنادي: إنّ أمّ المؤمنين، وطلحة، والزّبير شاخصون إلى البصرة، فمن كان يُريد إعْزاز الإسلام، وقتال المحلّين، والطلب بثأر عثمان، ومن لم يكن عِنْده مَرْكَب، ولم يَكن له جِهاز؛ فهذا جِهازٌ، وهذه نفقة، فحملوا ستمئة رجُل على ستمئة ناقَةٍ سوى مَن كان له مَرْكب -وكانوا جميعًا ألفًا- وتجهّزوا بالمال، ونادَوْا بالرّحيل، واستقلُّوا ذاهبين. وأرادت حَفصة الخروجَ، فأتاها عبد الله بن عمر فطلب إليها أن تقعد، فقَعدت، وبعثت إلى عائشة: أنّ عبد الله حال بيني وبَيْن الخروج، فقالت: يغفر الله لعبد الله! وبعثَتْ أمّ الفَضْل بنت الحارث رجلًا من جُهَيْنة يُدْعى ظفْرًا، فاستأجَرَتْه على أن يطويَ ويأتي عليًّا بكتابها، فقدِم على عليّ بكتاب أمّ الفضل بالخَبر (١). (٤: ٤٥٠/ ٤٥١).

стр. 3338

٩٣٤ - حدّثني عمر بن شبّة، قال: حدّثنا عليّ عن أبي مخنف، قال: حدّثنا عبد الله بن عبد الرّحمن بن أبي عمرة عن أبيه، قال: قال أبو قَتادة لعليّ: يا أميرَ المؤمنين! إنّ رسول الله ﷺ قلّدني هذا السيف وقد شِمْته فطال شَيْمه، وقد أنَى تَجْرِيدُه على هؤلاء القوم الظالمين الذين لم يألُوا الأمّة غشًّا، فإن أحببتَ أن تُقَدّمني؛ فقدّمني. وقامت أمّ سلمة فقالت: يا أميرَ المؤمنين! لولا أنْ أعصيَ الله وأنك لا تقبله منِّي؛ لخرجتُ معك؛ وهذا ابني عُمر -والله لهو أعزّ عليّ من نَفسي- يَخْرج معك فيشهد مشاهدَك. فخرج فلم يَزَل معه، واستَعمَله على البَحْرين، ثم عَزله، واستعمل النُّعمان بن عَجْلان الزُّرَقيّ (١). (٤: ٤٥١/ ٤٥٢). ٩٣٥ - حدّثني عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن، قال: حدّثنا مسلمة عن عوف، قال: أعان يَعْلَى بن أميّة الزُّبير بأربعمئة ألف، وحمل سبعين رجلًا من قُريش، وحَمَل عائِشة ﵂ على جَمَل يقال له: عسكر، أخذه بثمانين دينارًا، وخرجوا. فنظر عبد الله بن الزّبير إلى البَيْت؛ فقال: ما رأيتُ مثلك بركةَ طالب خير، ولا هاربٍ من شرّ (٢). (٤: ٤٥٢). ٩٣٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب عن سَيْف، عن محمّد، وطلحة، قالا: خرج المغيرة، وسعيد بن العاص معهم مرحلة من مكّة، فقال سعيد للمغيرة: ما الرّأي؟ قال: الرّأي والله الاعتزال، فإنَّهم ما يفلح أمرهم، فإن أظفره الله أتَيْناه، فقلنا: كان هَوَانَا، وصَغْوُنا معك؛ فاعتَزلا فجلسا، فجاء سعيدٌ مكة، فأقامَ بها، ورجع معهما عبد الله بن خالد بن أسيد (٣). (٤: ٤٥٢). ٩٣٧ - حدّثني أحمد بن زُهَيْر، قال: حدّثنا أبي، قال: حدّثنا وَهبْ بن جَرير بن حازم، قال: سمِعْتُ أبي، قالْ سمعتُ يونس بن يزيد الأيْلي، عن الزّهريّ، قال: ثمّ ظهرَا -يعني: طلحة والزّبير- إلى مكة بعد قتل عثمان ﵁ بأربعة أشْهر وابن عامر بها يجزُّ الدّنيا، وقدم يَعْلى بن أميّة معه بمال كثير، وزيادة على أربعمئة بَعير، فاجتمعوا في بَيت عائشة ﵂ فأرادوا

стр. 3339

الرّأي، فقالوا: نسيرُ إلى عليّ فنقاتِله، فقال بعضُهم: ليس لكم طاقة بأهل المدينة، ولكنَّا نسيرُ حتى نَدْخل البصرة، والكوفةَ، ولطلحة بالكوفَة شيعَةٌ، وهَوىً، وللزّبير بالبصرة هوىً، ومعونة. فاجتمع رأيُهم على أن يسيروا إلى البصرة وإلى الكوفة، فأعطاهم عبد الله بن عامر مالًا كثيرًا وإبلًا، فخرجوا في سبعمئة رَجُلٍ من أهل المدينة ومكة، ولحقَهم الناس حتى كانوا ثلاثةَ آلاف رَجُل، فبلغ عليًّا مسيرهم، فأمّر على المدينة سَهْل بن حُنَيف الأنصاريّ، وخَرَجَ فسار حتى نزل ذَا قارٍ، وكان مسيره إليها ثماني ليال، ومعه جماعةٌ من أهل المدينة (١). (٤: ٤٥٢/ ٤٥٣). ٩٣٨ - حدّثني عمر بن شبّة، قال: حدّثنا أبو الحسن، قال: أخبرنا أبو عمرو عن عتبة بن المغيرة بن الأخنَس، قال: لَقِيَ سعيد بن العاص مَرْوان بن الحكم وأصحابه بذَاتِ عِرْق، فقال: أيْن تَذْهبون وثأركم على أعجاز الإبل! اقتلوهم ثمّ ارجعوا إلى مَنازلكم لا تقتلوا أنفسكم؛ قالوا: بل نسير فلَعلّنا نقتل قتلَةَ عثمان جميعًا. فخلا سعيدٌ بطلحة، والزّبير، فقال: إنْ ظفِرْتُما لمن تَجْعلان الأمْر؟ أصدِقاني؛ قالا: لأحَدِنا أيَّنَا اختارَه الناس. قال: بل اجعلوه لوَلَد عُثمان فإنكم خَرَجْتم تطْلبون بدَمِه، قالا: نَدَع شيوخَ المُهاجرين ونَجْعلُها لأبنائهم! قال: أفلا أراني أسْعى لأخرِجَها من بني عَبد مناف. فرجَع ورجع عبدُ الله بن خالد بن أسيد، فقال المغيرة بن شعبة: الرّأي ما رأى سعيد، مَن كان ها هنا من ثَقيف فلْيرجع؛ فرجَع ومضى القومُ، معهم أبَان بن عثمان والوليد بن عثمان، فاختلفوا في الطريق فقالوا: من ندعو لهذا الأمر؟ فخلا الزّبير بابنه عبد الله، وخلا طلحةُ بعَلْقمة بن وقّاص الليثيّ -وكان يُؤثِره على ولَده- فقال أحدهما: ائت الشأم، وقال الآخر: ائت العِراق، وحَاورَ كلُّ واحد منهما صاحبَه، ثم اتّفقا على البصرة (٢). (٤: ٤٥٣).

стр. 3340

٩٣٩ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن قيس، عن الأغرّ، قال: لما اجتمع إلى مكّة بنو أميَّة، ويَعْلَى بن مُنْية، وطلحةُ، والزّبير؛ ائتَمَرُوا أمْرَهم، وأجمَع ملؤهم على الطلب بدَمِ عُثمان وقتال السبئيّة حش يثأروا وينْتقموا؛ فأمرتهم عائشةُ ﵂ بالخُروج إلى المدينة، واجتَمع القومُ على البصرة وردّوها عن رأيها، وقال لها طلحة، والزّبير: إنا نأتي أرضًا قد أضيعت، وصارت إلى عليّ، وقد أجبرنا عليّ على بَيْعته، وهم محتجّون علَيْنا بذلك، وتاركو أمْرنا إلّا أن تَخْرجي فتأمُري بمثل ما أمرت بمكة، ثمّ ترجعي. فنادى المنادي: إن عائِشة تريد البصرة وليس في ستمئة بعير ما تُغْنون به غوغاء وجَلَبة الأعراب وعبيدًا قد انتشروا وافترشوا أذرعهم مسعدين لأوّل واعية. وبعثَتْ إلى حَفْصة، فأرادت الخُروج، فعزم عليها ابن عمر فأقامَتْ؛ فخرجت عائِشةُ ومعها طلحةُ والزّبير، وأمّرَت على الصّلاة عبدَ الرّحمن بن عتَّاب بن أسيد، فكان يُصلِّي بهم في الطريق وبالبصرة حتى قُتل، وخرج معها مروانُ وسائر بني أميّة إلّا من خَشع، وتيامنت عن أوطاس؛ وهم ستمئة راكب سوى من كانت له مطيّة، فتركت الطّريق ليلةً وتيامنت عنها كأنهم سيَّارة ونَجَعة، مساحلين لم يَدْنُ من المنكدر، ولا واسط، ولا فلْج منهم أحَدٌ، حتَّى أتوا البصرة في عام خصيب. وتمثّلت: دَعي بلادَ جُموع الظُّلْمِ إذ صلُحَت ... فيها المياهُ وسيري سيْرَ مذْعور تخَيَّرِي النَّبْتَ فارْعيْ ثَمَّ ظَاهِرَةً ... وبَطْنَ وَادٍ من الضِّمَّارِ مَمْطُورِ (١) (٤: ٤٥٣/ ٤٥٤). ٩٤٠ - حدّثني عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن عن عمر بن راشد اليماميّ، عن أبي كثير السُّحَيميّ، عن ابن عباس، قال: خرج أصحابُ الجمل في ستمئة، معهم عبد الرّحمن بن أبي بَكْرة، وعبد الله بن صفوان الجُمَحِىّ، فلما جاوزا بئْر مَيمون إذا هم بجَزُور قد نُحرت ونَحْرُها ينثعب، فتطيّروا. وأذّن مَروانُ حين فصل من مكة ثمّ جاء حتى وقف عليهما، فقال: أيّكما أسَلِّم بالإمرة وأؤذّن بالصّلاة؟ فقال عبد الله بن الزّبير: على أبي عبد الله، وقال محمد بن طلحة: على

стр. 3341

أبي محمد. فأرْسلَتْ عائشةُ ﵂ إلى مروان فقالت: مَا لَك؟ أتُريد أن تفرّق أمْرنا! ليُصَلِّ ابنُ أخْتي، فكان يصلّي بهم عبد الله بن الزبير حتى قدم البصرة، فكان معاذ بن عبيد الله يقول: والله لو ظفرنا لافْتَتَنَّا ما خلّى الزّبير بين طلحة والأمر، ولا خلّى طلحة بين الزّبير والأمر (١) (٤: ٤٥٤/ ٤٥٥). خروج عليّ إلى الرَّبَذَة يُريد البصرة ٩٤١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سَيْف، عن سهل بن يوسف، عن القاسم بن محمد، قال: جاء عليًّا الخبرُ عن طلحة والزّبير وأمّ المؤمنين، فأمّر على المدينة تمام بن العباس، وبعث إلى مكّة قُثَم بن العباس، وخرج وهو يَرْجو أن يأخذهم بالطريق، وأراد أن يَعْتَرضهم، فاستَبان له بالرَّبَذَة أن قد فَاتُوه، وجاءه بالخَبَر عطاءُ بن رئاب مولى الحارث بن حَزْن (٢). (٤: ٤٥٥). ٩٤٢ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، قالا: بلغ عليًّا الخبرُ -وهو بالمدينة- باجْتماعهم على الخروجِ إلى البصرة وبالَّذي اجتمع عليه ملؤهم؛ طلحةُ، والزّبيرُ، وعائشةُ، ومَنْ تبعهم، وبلغه قولُ عائشة، وخَرجَ عليٌّ يبادِرُهم في تعْبيته التي كان تعبَّى بها إلى الشام، وخرج معه من نشط من الكوفيّين، والبصريّين متخفِّفين في سبعمئة رجُل، وهو يرجو أن يُدْرِكَهم فيَحُول بينهم وبين الخروج، فلقيَه عبد الله بن سَلام فأخذ بعنانِه، وقال: يا أميرَ المؤمنين! لا تَخْرج منها؛ فوالله لئن خَرَجْتَ منها لا ترجع إلَيْها ولا يعود إليها سُلطان المسلمين أبدًا. فسبُّوه، فقال: دَعُوا الرّجل؛ فنعم الرّجل من أصحاب محمد ﷺ ! وسار حتى انتهى إلى الزَّبَذَة فبلغه مَمَرُّهم، فأقام حين فاتُوه يأتمر بالرَّبَذَة (٣). (٤: ٤٥٥).

стр. 3342

٩٤٣ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سَيْف، عن خالد بن مهران البَجَليّ، عن مروان بن عبد الرحمن الخُميسيّ، عن طارق بن شهاب، قال: خَرَجْنا من الكوفة معتمرين حين أتانا قَتْلُ عثمانَ ﵁، فلما انتَهَيْنا إلى الرَّبَذة -وذلك في وجه الصّبح- إذا الرّفاق وإذا بعضهم يحدو بعضًا، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: أمير المؤمنين، فقلتُ: ما لَه؟ قالوا: غَلَبَهُ طلحة، والزّبير، فخرج يعترض لهما ليردّهما، فبلغَهُ أنهما قد فاتاه، فهو يُريد أن يخرج في آثارِهما، فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون! آتي عليًّا فأقاتل معه هذين الرّجلين، وأمَّ المؤمنين، أو أخالفه؟ ! إنّ هذا لشديد. فخرجتُ فأتَيْتُه، فأقيمت الصّلاة بغَلَس، فتقدّم فصلّى، فلما انصرَفَ؛ أتاه ابنهُ الحسن، فجلس، فقال: قد أمَرتك فعصيتَني، فتقتل غدًا بمَضيعَة لا ناصر لك، فقال عليّ: إنك لا تزال تخنّ خنين الجارية! وما الَّذي أمرتَني فعصيتك؟ قال: أمَرْتُك يوم أُحيطَ بعثمان ﵁ أن تَخْرج من المدينة فيُقْتل ولست بهَا، ثمّ أمَرْتُك يومَ قُتِل ألّا تُبايع حتى يأتيَك وُفود أهل الأمصار والعرب وبَيْعةُ كلّ مصر، ثمّ أمرتك حين فَعل هذان الرّجلان ما فعلا أن تَجْلس في بيتك حتى يَصْطَلحوا، فإن كان الفساد كان على يديْ غَيْرك؛ فعَصَيْتَني في ذلك كله. قال: أيْ بُنيّ! أمّا قولُك: لو خرجتَ من المدينة حين أحيط بعُثمان؛ فو الله لقد أحيط بنا كما أحيط به. وأما قولُك: لا تُبايع حتى تأتيَ بَيْعةُ الأمصار، فإنّ الأمْر أمرُ أهل المدينة، وكَرِهْنا أن يضيع هذا الأمر. وأما قولُك حين خرج طلحةُ، والزّبير، فإن ذلك كان وهْنًا على أهل الإسلام، وواللهِ ما زلتُ مقهورًا مذ وليتُ، منقوصًا لا أصِل إلى شيء مما ينبغي. وأما قولك: اجلسْ في بيتك، فكيف لي بما قد لَزمني! أوَ مَن تُريدني؟ أتريد أن أكون مثل الضبُع التي يُحاط بها، ويقال: دَبابِ دبابِ! ليست ها هنا حتى يحلّ عُرْقوباها ثم تُخْرج؛ وإذا لم أنظرْ فيما لزمني من هذا الأمر، ويعنيني فمن يَنْظر فيه! فكفّ عنك أي بُنيّ (١)! (٤: ٤٥٥/ ٤٥٦).

стр. 3343

شراءُ الجمل لعائشة ﵂، وخبرُ كلاب الحوْءب ٩٤٤ - حدّثني إسماعيلُ بن موسى الفزاريّ، قال: أخْبرنا عليّ بن عابس الأزْرَق، قال: حدّثنا أبو الخطّاب الهجَريّ عن صفْوان بن قبيصة الأحمسيّ، قال: حدّثني العُرَنيّ صاحب الجَمَل، قال: بينما أنا أسيرُ على جَمَل إذ عَرَض لي راكبٌ، فقال: يا صاحبَ الجمل، تبيعُ جملَك؟ قلت: نعم، قال: بكم؟ قلتُ: بألْف درهم، قال: مَجنون أنت! جَمَلٌ يُباع بألف درهم! قال: قلت: نعم، جملي هذا، قال: وممّ ذلك؟ قلت: ما طلبتُ عليه أحدًا قَطُّ إلّا أدركته، ولا طَلبني وأنا عليه أحدٌ إلا فُتّه. قال: لو تَعْلم لمن نُريده لأحْسَنْتَ بيعنا، قال: قلت: ولمن تريده؟ قال: لأمّك، قلتُ: لقد تركتُ أمي في بيتها قاعِدةً ما تريد بَراحًا، قال: إنما أريدُه لأمّ المؤمنين عائشة، قلت: فهو لك، فخُذْه بغَيْر ثمن، قال: لا، ولكن ارجع معنا إلى الرّحل فَلْنُعْطِك ناقة مهريّة ونزيدُك دراهِمَ، قال: فرجعْتُ، فأعطوْني ناقةً لها مَهْرية، وزادوني أربعمئة أو ستمئة درهم، فقال لي: يا أخا عُرَيْنة! هل لك دَلالة بالطريق؟ قال: قلت: نعم، أنا من أدْرك الناس، قال: فسِرْ معنا، فسِرْتُ معهم فلا أمرّ على واد ولا ماء إلّا سألوني عنه؛ حتى طرقْنا ماء الحوْءب فنبحتْنا كلابُها، قالوا: أيّ ماء هذا؟ قلتُ: ماء الحوْءب، قال: فصرخت عائشةُ بأعْلَى صوتها، ثم ضربت عَضُد بعيرها فأناخَتْه، ثم قالت: أنا والله صاحِبةُ كلاب الحوْءب طرُوقًا، رُدّوني! تقول ذلك ثلاثًا. فأناخَتْ وأناخوا حَوْلَها وهم على ذلك، وهي تأبى حتى كانت الساعة التي أناخوا فيها من الغَد. قال: فجاءها ابن الزّبير فقال: النّجاء النّجاء! فقد أدْركَكُم والله عليّ بن أبي طالب! قال: فارتَحلوا، وشَتموني، فانصرفْتُ، فما سِرْت إلَّا قليلًا وإذا أنا بعليّ ورَكْب معه نحو من ثلاثمئة، فقال لي عليّ: يا أيّها الراكب! فأتَيْته، فقال:

стр. 3344

أين أتيت الظعينة؟ قلت: في مكان كذا وكذا، وهذه ناقَتها، وبعتُهم جَمَلي، قال: وقد ركِبَتْه؟ قلت: نعم؛ وسِرْتُ معهم حتى أتينا ماء الحَوْءب فنبحَتْ عليها كلابها، فقالت كذا وكذا، فلما رأيتُ اختلاط أمْرهم؛ انفتَلْتُ وارتَحلُوا؛ فقال عليّ: هل لك دلالة بذي قار؟ قلت: لعلّي أدَلّ الناس، قال: فَسِر معنا؛ فسِرْنا حتى نزلنا ذا قار، فأمر عليّ بن أبي طالب بجُو القين فضمَّ أحدَهُما إلى صاحبه، ثم جيء برحْل فوضع عليهما، ثم جاء يمشي حتى صعد عليه، وسدَل رجليه من جانبٍ واحدٍ، ثمّ حمِد الله وأثنى عليه، وصلّى على محمّد ﷺ ، ثم قال: قد رأيتم ما صنع هؤلاء القَوْمُ، وهذه المرأة. فقام إليه الحسنُ فبكى، فقال له عليّ: قد جئتَ تخنُّ خنين الجارية! فقال: أجَلْ، أمرتُك فعصَيْتَني، فأنت اليوم تقتل بمضِيعة لا ناصِر لك، قال: حَدِّث القوْم بما أمرتَني به، قال: أمرتُك حينَ سار الناس إلى عثمان ألّا تبسط يدك ببَيْعة حتى تجول جائِلةُ العرب، فإنهم لن يقطعوا أمرًا دونك، فأبيتَ عَلَيَّ، وأمرتُك حين سارت هذه المرأة، وصَنَع هؤلاء القَوْم ما صَنَعُوا أن تلزم المدينةَ، وترسل إلى من استَجاب لك من شيعتك، قال عليّ: صدق والله، ولكنْ والله يا بنيّ ما كنتُ لأكون كالضّبُع تستمع لِلدّم، إن النبي ﷺ قُبِض وما أرى أحدًا أحق بهذا الأمر مني، فبايع الناس أبا بكر، فبايَعْتُ كما بايعوا، ثم إن أبا بكر ﵁ هلك؛ وما أرى أحدًا أحقّ بهذا الأمر مني، فبايع الناس عُمرَ بن الخطاب، فبايَعْتُ كما بايعوا، ثمّ إنّ عمر ﵁ هلك؛ وما أرى أحدًا أحقّ بهذا الأمر مني، فجعلني سهمًا من ستّ أسهم، فبايع الناس عثمان، فبايعتُ كما بايعوا، ثم سار الناس إلى عثمان ﵁، فقَتلُوه، ثم أتوْني، فبايعوني طائعين غير مكرَهين، فأنا مُقاتِلٌ مَن خالَفني بمن اتَّبعني حتى يحكم الله بيني وبينهم وهو خَيْر الحاكمين (١). (٤: ٤٥٦/ ٤٥٧/ ٤٥٨).

стр. 3345

قول عائشة ﵂: والله لأطلبنَّ بدم عُثمان وخروجُها وطلحة والزّبير فيمن تبعهم إلى البصرة ٩٤٥ - كتب إليّ عليّ بن أحمد بن الحسن العجليّ: أن الحسين بن نصر العطار، قال: حدّثنا أبي نصر بن مُزاحم العطار، قال: حدّثنا سيف بن عمر، عن محمد بن نُويرة، وطلحة بن الأعلم الحنفيّ. قال: وحدّثنا عمر بن سعد، عن أسد بن عبد الله، عمّن أدرك من أهل العِلْم: أنّ عائشة ﵂ لما انتَهتْ إلى سَرِف راجعة في طريقها إلى مكة؛ لقيها عبد بن أمّ كلاب -وهو عبد بن أبي سلمة، ينسب إلى أمه- فقالت له: مَهْيم؟ قال: قتلوا عثمان ﵁، فمكثوا ثمانيًا؛ قالت: ثم صنعوا ماذا؟ قال: أخَذَها أهل المدينة بالاجتماع، فجازت بهم الأمور إلى خيْر مجاز؛ اجتمعوا على عليّ بن أبي طالب. فقالت: والله ليت أن هذه انطبقت على هذه إن تمَّ الأمرُ لصاحبك! رُدّوني! ردّوني! فانصَرَفَتْ إلى مكَّة وهي تقول: قُتِل والله عُثمان مظلومًا، والله لأطلبنّ بدَمِه، فقال لها ابن أمّ كلاب: ولمَ؟ فوالله إنّ أول من أمالَ حرفه لأنت! ولقد كُنْتِ تقولين: اقتلوا نعْثلًا فقد كفر؛ قالت: إنهم استَتَابوه ثم قَتَلُوه، وقد قلت وقالوا، وقولي الأخير خيرٌ من قولي الأوّل؛ فقال لها ابن أمّ كلاب: فَمِنكِ البَداءُ ومِنكِ الغِير ... ومنكِ الرِّياحُ ومنكِ المَطَرْ وأنْتِ أمَرْتِ بقَتْل الإمام ... وقُلْتِ لنا إنّه قد كَفَرْ فَهَبْنا أطَعناكِ في قَتلهِ ... وقاتِلُهُ عِندنا مَن أمَرْ ولَمْ يَسْقُطِ السّقْفُ مِن فَوْقِنَا ... ولَمْ تَنْكَسفْ شَمْسُنَا والقَمَرْ وقَدْ بايَعَ النَّاسُ ذا تُدْرَأ ... يزيلُ الشَّبَا ويُقيمُ الصَّعَرْ وَيلْبَسُ للْحَرْبِ أثْوابَها ... وما مَنْ وَفى مِثْلُ مَنْ قد غَدَرْ فانصرفت إلى مكة فنزلت على باب المسجد فقصدت للحِجْر، فستَّرت واجتمع إليها الناس، فقالت: يا أيُّها الناس! إنّ عثمان قُتِل مظلومًا، ووالله لأطلبنّ بدَمِه (١). (٤: ٤٥٨/ ٤٥٩).

стр. 3346

٩٤٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب عن سيف، عن محمد، وطلحة، قالا: كان عليٌّ في همّ مَنْ توجه القوم لا يدري إلى أين يأخذون! وكان أن يأتوا البصرةَ أحبَّ إليه. فلما تيقَّن: أن القوم يعارِضون طريقَ البصرة سُرّ بذلك، وقال: الكوفة فيها رجالُ العرب، وبُيوتاتهم، فقال له ابن عباس: إن الذي يسرّك من ذلك ليسوؤني، إن الكوفة فُسْطاطٌ فيه أعلام من أعلام العرب، ولا يحملهم عِدّة القوم، ولا يزال فيهم من يسمو إلى أمرٍ لا ينالُه؛ فإذا كان كذلك شغب عليّ الذي قد نال حتى يفْثَأه فيفسد بعضهم على بعض. فقال عليّ: إن الأمر ليشبِه ما تقول، ولكن الأُثْرة لأهْل الطاعة وألْحقُ بأحسنهم سابقةً وقُدْمة، فإن استووا أعفَيْناهم، واختبرناهم، فإن أقْنَعهم ذلك؛ كان خيرًا لهم، وإن لم يقنعهم كلّفونا إقامتهم وكان شرًّا على من هو شرّ له. فقال ابن عباس: إن ذلك لأمر لا يدرَك إلّا بالقنوع (١). (٤: ٤٥٩/ ٤٦٠). ٩٤٧ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، قالا: لمَّا اجتمع الرّأي من طلحة، والزبير، وأمِّ المؤمنين، ومَن بمكة من المسلمين على السّير إلى البصرة، والانتصار من قَتَلة عثمان ﵁؛ خرج الزّبير، وطلحة حتى لقيا ابن عمر، ودعَوَاه إلى الخفُوف، فقال: إني امرؤٌ من أهل المدينة، فإن يجتمعوا على النهوض؛ أنهض، وإن يجتمعوا على القُعود؛ أقعد، فتركاه، ورجعا (٢). (٤: ٤٦٠). ٩٤٨ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سَيْف، عن سعيد بن عبد الله، عن

стр. 3347

ابن أبي مُلَيكة، قال: جمع الزّبير بَنيه حين أراد الرّحيل، فودّع بعضَهم، وأخرج بَعْضَهم، وأخرج ابنَيْ أسْماء جميعًا، فقال: يا فلان أقِمْ، يا عمرو أقم. فلما رأى ذلك عبد الله بن الزّبير، قال: يا عُرْوة أقم، ويا مُنْذر أقِمْ، فقال الزّبير: وَيْحك! أستصحب ابنيّ، وأستمتع منهما، فقال: إن خرجتَ بهم جميعًا فاخرجْ، وإن خلّفت منهم أحدًا فخلّفهما ولا تُعَرّض أسماء للثُكْل من بين نسائك. فبكَى، وتركَهُما، فخرجُوا حتى إذا انتهوا إلى جبال أوطاس؛ تيامَنُوا، وسلَكوا طريقًا نحو البصرة، وتركوا طريقها يسارًا، حتى إذا دَنَوْا منها، فدخلوها؛ ركبوا المنكدِر (١). (٤: ٤٦٠).

стр. 3348

(رسم تقريبي لخط سير علي وأصحاب الجمل نحو العراق) [خريطة]

стр. 3349

٩٤٩ - كتب إليّ السريّ عن شُعيب، عن سَيْف، عن ابن الشَّهيد، عن ابن أبي مُلَيكة، قال: خرجَ الزّبير، وطلحة، ففصَلا، ثمّ خرجَتْ عائشةُ، فتَبِعها أمّهاتُ المؤمنين إلى ذات عِرْق، فلم يُرَ يومٌ كان أكثر باكيًا على الإسلام، أو باكيًا له من ذلك اليوم، كان يُسمّى يوم النَّحيب. وأمَّرَتْ عبدَ الرحمن بن عتّاب، فكان يصلّي بالناس، وكان عَدْلًا بينهم (١). (٤: ٤٦٠). ٩٥٠ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن عبد الله، عن يزيد بن معن السُّلَميّ، قال: لما تيامَنَ عسكرها عن أوطاس؛ أتَوْا على مَليح بن عوف السّلميّ، وهو مطلع ماله، فسلّم على الزبير، وقال: يا أبا عبد الله! ما هذا؟ قال: عُدِيَ على أمير المؤمنين ﵁، فقُتل بلا ترة، ولا عذر، قال: ومَن؟ قال: الغوغاءُ من الأمصار، ونزّاع القبائل، وظاهَرَهم الأعراب، والعبيد، قال: فتُريدون ماذا؟ قال: نُنْهض الناس فيدرَك بهذا الدّم لئلّا يُبْطَل، فإن في إبطاله توهينَ سُلطان الله بَيْنَنا أبدًا؛ إذا لم يُفطَم الناس عن أمثالها؛ لم يبق إمامٌ إلّا قتله هذا الضّرب، قال: والله إنّ تَرْك هذا لَشديد، ولا تدرون إلى أين ذلك يسير! فودَّع كلّ واحد منهما صاحبَه، وافترقا، ومضَى الناس (٢). (٤: ٤٦١). دخولهم البصرة والحربُ بينهم وبين عثمان بن حُنَيف ٩٥١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب عن سيف، عن محمد، وطلحة، قالا: ومضى الناس حتى إذا عاجوا عن الطريق وكانوا بفناء البصرة، لقيَهم عُمَير بن عبد الله التميميّ، فقال: يا أمّ المؤمنين! أنشدك بالله أن تقدَمي اليوم على قوم تُراسلي منهم أحدًا فيكفيَكِهم! فقالت: جئتَني بالرأي، امرؤٌ صالح، قال: فعجّلي ابن عامر؛ فليدخل، فإنّ له صنائع، فَلْيذهب إلى صنائعه، فليلقُوا الناس حتى تقدمي، ويسمعوا ما جئتم فيه. فأرسَلَتْه فاندَسَّ إلى البصرة، فأتَى القومَ. وكتبَتْ عائشة ﵂ إلى رجال من أهل البصرة، وكتبت إلى الأحنف بن قَيْس، وصبْرة بن شَيْمان، وأمثالهم من الوُجوه، ومضت حتى إذا كانت

стр. 3350

بالحُفَيْر؛ انتظرت الجوابَ بالخبر؛ ولما بلغ ذلك أهلَ البصرة؛ دعا عثمان بن حُنَيف عمران بن حُصَيْن -وكان رجلَ عامّة- وألزَّه بأبي الأسود الدؤليّ -وكان رجل خاصّة- فقال: انطلقا إلى هذه المرأة فاعْلما علمهَا وعلم من معها، فخرجا فانتهيا إليها وإلى الناس وهم بالحُفَير، فاستأذَنا فأذنتْ لهما، فسلّما وقالا: إن أميرَنا بعثنا إليك نسألك عن مَسيرك، فهل أنت مخبرتنا؟ فقالت: والله ما مثلي يَسير بالأمْر المكتوم، ولا يغطّي لبنيه الخبر. إنّ الغوغاءَ من أهل الأمصار، ونزّاع القبائل غزوْا حَرَم رسول الله ﷺ وأحدَثوا فيه الأحْداث، وآوَوْا فيه المحدثين، واستوجبوا فيه لَعْنة الله ولعنة رسوله، مع ما نالوا من قَتْلِ إمام المسلمين بلا تِرَة ولا عُذْر، فاستحلّوا الدَّمَ الحرام فسفكوه، وانتَهبوا المالَ الحرام، وأحلّوا البلدَ الحرام، والشهر الحرام، ومَزّقوا الأعْراض والجلُود، وأقاموا في دار قوم كانوا كارهين لمقَامهم ضارِّين مضِرّين، غير نافعين ولا متّقين؛ لا يقدرون على امتناع ولا يأمَنون، فخرجْتُ في المسلمين أُعْلمهم ما أتى هؤلاء القَوْمُ وما فيه الناس وراءَنا، وما ينبغي لهم أن يأتوا في إصلاح هذا. وقرأتْ: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾. ننهض في الإصلاح ممن أمر الله وأمر رسول الله ﷺ ؛ الصغير، والكبير، والذّكر، والأنْثى، فهذا شأننا إلى معروف نأمرُكم به، ونحضّكم عليه، ومنكر نَنْهاكم عنه، ونحثّكم على تغييره (١). (٤: ٤٦١/ ٤٦٢). ٩٥٢ - كتب إليّ السّريّ عن شُعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، قالا: فخرج أبو الأسود، وعمران من عندها، فأتيا طَلْحة، فقالا: ما أقْدَمَك؟ قال: الطلب بدم عثمان، قالا: ألم تُبايعْ عليًّا؛ قال: بلى، واللُّجُّ على عنقي، وما أستقيل عليًّا إن هو لم يحلْ بيننا وبين قَتَلَة عثمان. ثمَّ أتيا الزّبير، فقالا: ما أقدمك؟ قال: الطلب بدَم عُثمان، قالا: ألم تُبايعْ عليًّا؟ قال: بلى، واللجّ على عُنقي، وما أستقيل عليًّا إن هو لم يحل بيننا وبين قَتلة عثمان. فرجَعا إلى أتم المؤمنين فودّعاها، فودّعت عمران، وقالت: يا أبا الأسود! إيَّاك أن يقودَك الهوى إلى النار، ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ... ﴾ الآية. فسَرَّحَتْهما؛

стр. 3351

ونادى مُناديها بالرّحيل، ومضى الرجلان حتى دَخلا على عثمان بن حُنَيْف، فبدر أبو الأسود عمران فقال: يَا بْنَ حُنَيْفٍ قد أتيتَ فانْفِرِ ... وطاعنِ القَوْمَ وجالدْ واصْبِرِ وابْرُزْ لَهَمْ مُسْتَلئمًا وشَمِّر فقال عثمان: إنا لله وإنا إليه راجعون! دارت رَحا الإسلام وربِّ الكعبة! فانظروا بأيّ زَيَفان تزيف؟ ! فقال عمران: إي والله لتعْرُكنَّكم عركًا طويلًا ثم لا يساوي ما بقيَ منكم كثير شيء؛ قال: فأشرْ عَليَّ يا عمران! قال: إني قاعد فاقعد، فقال عثمان: بل أمنعُهم حتى يأتيَ أمير المؤمنين عليّ، قال عمران: بل يحكم الله ما يريد، فانصرف إلى بيته، وقام عثمان في أمْره، فأتاه هِشام بن عامر فقال: يا عثمان! إنّ هذا الأمر الذي تروم يُسلم إلى شرٍّ مما تكره، إنّ هذا فَتْق لا يُرتَق، وصَدْع لا يُجبر، فسامحهم حتى يأتيَ أمرُ عليّ، ولا تحادِّهم، فأبَى، ونادى عثمان في الناس، وأمَرهم بالتَّهيُّؤ، ولبسوا السِّلاح، واجتمعوا إلى المسجد الجامع، وأقبلَ عُثمان على الكَيْد فكاد الناسَ لينظر ما عندهم، وأمرهم بالتهيُّؤ، وأمر رجلًا ودسَّه إلى الناس خَدِعًا كوفيًّا قيسيًّا، فقام فقال: يا أيُّها الناس! أنا قيس بن العَقَديّة الحُميْسِيّ، إنّ هؤلاء القوم الذين جاؤوكم إن كانوا جاؤوكم خائِفين فقد جاؤوا من المكان الذي يأمَن فيه الطير، وإن كانوا جاؤوا يطلبون بدَم عثمان ﵁ فما نحن بقَتَلَة عثمان. أطيعوني في هؤلاء القَوْم فردّوهم من حيث جاؤوا. فقام الأسود بن سريع السعديّ، فقال: أوَ زعموا أنّا قتلة عثمان ﵁! فإنما فزعوا إلينا يَسْتعينون بنا على قَتَلة عثمان منا ومن غيرنا، فإن كان القوم أخرِجوا من ديارهم كما زعمت، فمن يمنعهم من إخراجهم الرجال أو البُلدان! فحصبه الناس، فعرف عثمان أنّ لهم بالبصرة ناصرًا ممن يقوم معهم، فكسره ذلك. وأقبلت عائشة ﵂ فيمن مَعَها، حتى إذا انتهوا إلى المِرْبد، ودخلوا من أعْلاه، أمسكوا ووقفوا حتى خرج عثمان فيمن معه، وخرج إليها من أهل البصرة من أراد أن يخرج إليها ويكونُ معَها، فاجتمعوا بالمِرْبد وجعلوا يثوبون حتى غصَّ بالناس. فتكلّم طلحةُ وهو في ميمنة المربد ومعه الزّبير وعثمان في ميسرته، فأنصتوا له، فحمد الله وأثنى عليه، وذكر عثمان ﵁ وفضْله والبلدَ وما استحلّ

стр. 3352

منه، وعظّم ما أتيَ إليه، ودعا إلى الطلب بدَمه، وقال: إنّ في ذلك إعزازَ دين الله وسلطانه، وأما الطلب بدم الخليفة المظلوم فإنه حدٌّ من حُدود الله، وإنكم إن فعلتم أصبتم وعادَ أمركم إليكم، وإن ترَكْتُم؛ لم يقُم لكم سلطانٌ، ولم يكن لكم نظام. فتكلم الزبير بمثل ذلك. فقال مَن في ميمنة المِرْبد: صَدَقا وبرّا، وقالا الحق، وأمرَا بالحقّ. وقال مَن في ميسرته: فَجَرا وغَدَرا، وقالا الباطل، وأمرا به، قد بايعا ثم جاءا يقولان ما يقولان! وتحاثى الناس، وتحاصَبُوا، وأرهجوا، فتكلّمت عائشة -وكانت جهورية يعلو صوتها كثرة كأنه صوت امرأة جليلة- فحمِدت الله جلّ وعزّ، وأثنت عليه، وقالت: كان الناس يتجنون على عثمان ﵁، ويُررُون على عمّاله، ويأتونَنا بالمدينة، فيَسْتَشيرونَنا فيما يخبروننا عنهم، ويروْن حسنًا من كلامنا في صلاح بينهم، فننظر في ذلك فنجده بريًّا، تقيًّا، وفيًّا، ونجدهم فجرَةً، كذبَة، يحاولون غير ما يظهرون. فلما قووا على المُكاثرة؛ كاثروه، فاقتحموا عليه دارَه، واستحلوا الدّمَ الحرامَ، والمال الحرامَ، والبلد الحرامَ، بلا تِرةٍ، ولا عُذْر، ألا إن مما ينبغي لا ينبغي لكم غيره، أخْذ قتلة عثمان ﵁ وإقامة كتاب الله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾. فافترق أصحابُ عثمان بن حنيف فِرقتَيْن، فقالت فرقة: صَدَقَتْ والله، وبرَّت! وجاءت والله بالمعروف! وقال الآخرون: كذبتم والله ما نعرف ما تقولون! فتحاثَوْا، وتحاصَبوا، وأرْهجوا، فلما رأت ذلك عائشةُ انحدرت، وانحدر أهل المَيْمَنة مفارقين لعثمان؛ حتى وقفوا في المِرْبد في موضع الدبّاغين، وبقيَ أصحابُ عثمان على حالهم يتدافَعون حتى تحاجزوا، ومال بعضُهم إلى عائشة، وبقي بعضُهم مع عثمان على فم السكة. وأتى عثمانُ بن حُنَيف فيمن معه، حتى إذا كانوا على فم السكة، سكة المسجد عن يمين الدّباغين؛ استقبلوا الناس، فأخذوا عليهم بفمها. رجع الحديث إلى حديث سيف عن محمد وطلحة، قال: فخرج أبو الأسود، وعمران، وأقبلَ حُكَيْم بن جَبَلة؛ وقد خرج وهو على الخيل، فأنشب القتال، وأشرع أصحابُ عائشة ﵂ رماحَهم، وأمسكوا

стр. 3353

ليُمسكوا، فلم يَنْتَهِ ولم يُثنَ، فقاتلهم؛ وأصحاب عائشة كافّون إلّا ما دَافَعُوا عن أنفسهم، وحُكيْم يذمُر خيله ويركبهم بها، ويقول: إنها قريش ليُرْديَنَّها جُبْنُها والطَّيش، واقتتلوا على فم السكة، وأشرفَ أهل الدور ممن كان له في واحد من الفريقين هوىً، فرموا باقي الآخرين بالحجارة، وأمرت عائشةُ أصحابها فتيامنوا حتى انتهوْا إلى مقبرة بني مازن، فوقفوا بها مليًّا، وثار إلهم الناس، فحجز الليل بينهم. فرجع عثمان إلى القصر، ورجع الناس إلى قبائلهم، وجاء أبو الجَرْباء؛ أحدُ بني عثمان بن مالك بن عمرو بن تميم إلى عائشة، وطلحة، والزّبير، فأشار عليهم بأمثل من مكانهم، فاستنصحوه، وتابعوا رَأيه، فساروا من مقبرة بني مازن، فأخذوا على مُسَنّاة البصرة من قبل الجبَّانة حتى انتهوْا إلى الزّابوقة، ثم أتوا مقبرة بني حِصْن وهي متنحيّة إلى دار الرّزق، فباتوا يتأهّبون، وبات الناس يسيرون إليهم، وأصبحوا وهم على رِجْل في ساحة دار الرّق، وأصبح عُثمان بن حُنَيف فغاداهم، وغدا حُكَيْم بن جَبَلة وهو يُبَرْبر وفي يده الرّمح، فقال له رجل من عبد القيس: مَن هذا الذي تسبّ، وتقول له ما أسمع؟ قال: عائشة، قال: يا بن الخبيثة! ألأمّ المؤمنين تقول هذا! فوضع حُكَيم السِّنان بين ثدييه فقتله. ثمّ مرّ بامرأة وهو يسبُّها - يعني عائشة - فقالت: مَنْ هذا الذّي ألجأك إلى هذا؟ قال: عائشة، قالت: يا بن الخبيثة! ألأمّ المؤمنين تقول هذا! فطعنها بين ثدييها فقتلها. ثمّ سار، فلما اجتمعوا؛ واقفوهم، فاقتتلوا بدار الرّزق قتالًا شديدًا من حين بزغت الشمس إلى أن زال النهار وقد كثر القَتْلى في أصحاب ابن حُنَيف، وفشت الجراحة في الفريقين، ومنادي عائشة يُناشدهم ويدعوهم إلى الكفّ، فيأبوْن، حتى إذا مسّهم الشرّ، وعضَّهم؛ نادوْا أصحابَ عائشة إلى الصّلح والمَتَات. فأجابوهم وتواعدوا، وكتبوا بينهم كتابًا على أن يبعثوا رسولًا إلى المدينة؛ وحتى يرجع الرّسول من المدينة، فإن كانا أكْرِها خرج عثمان عنهما، وأخلى لهما البصرة، وإن لم يكونا أكْرِها؛ خرج طلحة، والزبير: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما اصطلح عليه طلحة، والزّبير، ومن معهما من المؤمنين، والمسلمين، وعثمان بن حُنَيف، ومَنْ معه من المؤمنين، والمسلمين. إنّ عثمان يقيم حيث أدركه الصّلْح على ما في يده، وإنّ طلحة، والزّبير يُقيمان حيث أدركهما الصّلح على ما في أيديهما، حتى يرجع أمينُ

стр. 3354

الفريقين ورسولُهم كعب بن سُور من المدينة. ولا يضارّ واحدٌ من الفريقين الآخرَ في مسجد، ولا سوق ولا طريق ولا فُرْضة، بينهم عيْبة مفتوحة حتى يرجع كعب بالخبر؛ فإن رجع بأنّ القوم أكرهوا: طلحةَ، والزّبير؛ فالأمر أمرُهما، وإن شاء عثمان خرج حتى يلحق بطيَّته، وإن شاء دخل معهما؛ وإن رجع بأنَّهما لم يكرَها فالأمرُ أمر عثمان، فإن شاء طلحة، والزّبير؛ أقاما على طاعة عليّ، وإن شاءا؛ خرجا حتى يلحقا بطيّتهما؛ والمؤمنون أعوان الفالح منهما. فخَرجَ كعبٌ حتى يقدَم المدينةَ، فاجتمع الناس لقدومه، وكان قدومه يوم جمعة، فقام كعب فقال: يا أهلَ المدينة! إني رسول أهل البصرة إليكم؛ أأكرهَ هؤلاء القومُ هذين الرّجلين على بيعة عليّ، أم أتياها طائعيْن؟ فلم يجبْه أحدٌ من القوم إلّا ما كان من أسامة بن زَيْد، فإنه قام، فقال: اللهم إنهما لم يُبايعا إلّا وهما كارِهان. فأمر به تقام، فواثبه سهل بن حُنَيف والناس، وثار صُهيب بن سِنان، وأبو أيّوب بن زيد في عدّة من أصحاب رسول الله ﷺ ، فيهم محمد بن مسلمة، حين خافوا أن يُقتَل أسامة، فقال: اللهم نعم! فانفرِجُوا عن الرّجل! فانفرجوا عنه، وأخذ صهيب بيده حتى أخرجه فأدخله منزلَه، وقال: قد علمت أن أمّ عامر حامِقة، أما وَسعك ما وسعنا من السكوت! قال: لَا والله! ما كنت أرى أن الأمر يترامى إلى ما رأيت، وقد أبسَلَنا لِعظيم. فرجع كعبٌ؛ وقد اعتدّ طلحة، والزّبير فيما بين ذلك بأشياء كلها كانت مما يعتدّ به، منها: أنّ محمد بن طلحة -وكان صاحب صلاة- قام مقامًا قريبًا من عثمان بن حُنَيْف، فخشي بعضُ الزُّطّ والسيابجة أن يكون جاء لغير ما جاء له، فنحياه، فبعثا إلى عثمان، هذه واحدَة. وبلغ عليًّا الخبرُ الذي كان بالمدينة من ذلك، فبادر بالكتاب إلى عُثمان يعجّزه، ويقول: والله ما أكْرِها إلا كَرْهًا على فرقة، ولقد أكْرِها على جماعة وفضل، فإن كانا يُريدان الخلع؛ فلا عذرَ لهما، وإن كانا يُريدان غير ذلك؛ نَظَرْنا ونظرا. فقدِم الكتابُ على عثمان بن حُنيف، وقدم كعبٌ فأرسلوا إلى عثمان أن اخرج عنا، فاحتجّ عثمان بالكتاب وقال: هذا أمرٌ آخر غير ما كنا فيه؛ فجمع طلحة، والزّبير الرّجالَ في ليلة مظلمة باردة ذات رياح وندىً، ثمّ قصدا المسجدَ فوافقا صلاةَ العشاء -وكانوا يؤخّرونها- فأبطأ عثمانُ بن حُنيف فقدَّما عبد الرّحمن بن عتاب، فشهر الزّطُ والسيابجة السلاح ثم وضعوه فيهم. فأقبلوا

стр. 3355

عليهم فاقتتلوا في المسجد وصبروا لهم، فأناموهم وهم أربعون، وأدخلوا الرّجال على عُثمان ليُخرجوه إليهما، فلما وصل إليهما توطّؤوه وما بقيت في وجهه شعرة، فاستعظما ذلك، وأرسلا إلى عائشة بالذي كان، واستطلعا رأيها. فأرسلت إليهما أن خلّوا سبيلَه فليذهب حيث شاءَ ولا تحبسوه، فأخرجوا الحرَس الذين كانوا مع عثمان في القصر ودخلوه، وقد كانوا يعتقبون حرسَ عثمان في كلّ يوم وفي كلّ ليلة أربعون، فصلَّى عبد الرحمن بن عتاب بالناس العشاءَ والفجرَ، وكان الرّسول فيما بين عائشة، وطلحة، والزّبير هو، أتاها بالخبر، وهو رجع إليهما بالجواب، فكان رسول القوم. رجع الحديث إلى حديث سيف، عن محمد وطلحة؛ قالا؛ فأصبح طلحة، والزّبير، وبيتُ المال، والحرسُ في أيديهما، والناس معهما، ومن لم يكن معهما مغمور مستسرّ، وبعثا حين أصبَحا بأن حُكيمًا في الجمع، فبعثت: لا تحبسا عثمان وَدَعاه، ففعلا، فخرج عثمان فمضى لطلبته، وأصبح حُكيم بن جَبَلة في خيله على رجل فيمن تبعه من عبد القيس ومَنْ نزع إليهم من أفناء ربيعة، ثمَّ وجّهوا نحو دار الرّزق وهو يقولُ: لستُ بأخيه إن لم أنصره، وجعل يشتم عائشة ﵂، فسمعته امرأةٌ من قومه، فقالت: يا بنَ الخبيثة! أنت أوْلى بذلك! فطعنها فقتلَها، فغضبت عبد القيس إلّا من كان اغتُمِر منهم، فقالوا: فعلتَ بالأمس وعُدتَ لمثل ذلك اليوم! والله لندعنّك حتى يُقيدك الله. فرجعوا وتركوه، ومضى حُكيم بن جَبَلة فيمن غزا معه عثمان بن عفان وحصره من نزَّاع القبائل كلها، وعرفوا أن لا مقام لهم بالبصرة، فاجتمعوا إليه، فانتهى بهم إلى الزّابوقة عند دار الرّزق، وقالت عائشة: لا تقتلوا إلّا من قاتلكم، ونادوا من لم يكن من قَتَلة عثمان ﵁ فليكفف عنا، فإنا لانريد إلا قتلة عثمان ولا نبدأ أحدًا، فأنشب حُكيمٌ القتال ولم يرء للمنادي، فقال طلحة، والزّبير: الحمد لله الذي جمع لنا ثأرنا من أهل البصرة، اللهمّ لا تُبْقِ منهم أحدًا، وأقِدْ منهم اليوم فاقتلهم، فجادّوهم القتالَ فاقتتلوا أشدّ قتال ومعه أربعة قوّاد، فكان حُكَيم بحيال طلحة، وذَرِيج بحيال الزّبير، وابن المحرِّش بحيال عبد الرحمن بن عتّابٍ، وحُرْقوص بن زُهير بحيال عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فزحف طلحة لحكيم وهو في ثلاثمئة رجُل، وجعل حُكيم يضرب بالسيف ويقول:

стр. 3356

أضْرِبُهُمْ باليابِس ... ضَرْبَ غُلامِ عابسِ من الحياةِ آيس ... في الغُرُفات نافِس فضرب رجل رِجْله فقطعها، فحبا حتى أخذها فرمى بها صاحبه، فأصاب جسده فصرَعه، فأتاه حتى قتله، ثم اتّكأ عليه وقال: يا فخْذِ لن تراعي ... إنَّ مَعي ذراعي أحْمي بها كُراعي وقال وهو يرتجز: ليس عليَّ أنْ أمُوتَ عارُ ... والعارُ في الناس هو الفِرارُ والمَجْدُ لَا يَفْضَحُهُ الدَّمارُ فأتى عليه رجلٌ وهو رثيث، رأسه على الآخر، فقال: مَا لَك يا حُكيم؟ ! قال: قُتلتُ، قال: مَن قتلك؟ قال: وسادتي؛ فاحتمله فضمّه في سبعين من أصحابه، فتكلم يومئذ حُكيم وإنه لقائم على رِجل، وإن السيوف لتأخذهم فما يتعتَع، ويقول: إنا خلّفنا هذيْن وقد بايعا عليًّا وأعطياه الطاعة، ثم أقبلا مخالفين مُحاربين يطلبان بدم عثمان بن عفان، ففرّقا بيننا، ونحن أهلُ دار وجوار. اللهمَّ إنهما لم يريدا عثمان. فنادى مناد: يا خبيث! جزعت حين عضّك نكال الله إلى كلام من نَصبَك وأصحابك بما ركبتم من الإمام المظلوم، وفرّقْتُم من الجماعة، وأَصبتم من الدّماء، ونلتم من الدّنيا! فذُق وبال الله وانتقامه، وأقيموا فيمن أنتم. وقتِل ذَرِيح ومن معه، وأفلت حُرْقوص بن زهير في نَفَر من أصحابه، فلجؤوا إلى قومهم، ونادى مُنادي الزّبير وطلحة بالبصرة: ألَا من كان فيهم من قبائلكم أحدٌ ممن غزا المدينة فليأتِنا بهم. فجيء بهم كما يُجَاءُ بالكلاب، فقُتِلوا فما أفلت منهم من أهل البصرة جميعًا إلّا حرقوص بن زُهير؛ فإنّ بني سعد منعوه، وكان من بني سعد، فمسَّهم في ذلك أمر شديد، وضربوا لهم فيه أجلًا وخَشَّنوا صدورَ بني سعد وإنَّهم لعُثْمانية حتى قالوا: نَعتَزل؛ وغضبت عبدُ القَيْس حين غضبت سعد لمن قتل منهم بعد الوقعة ومَن كان هرب إليهم إلى ما هم عليه من لزوم طاعةِ عليّ، فأمرا للنَّاس بأعطياتهم وأرزاقهم وحُقوقهم، وفضّلا بالفضل أهل السمع والطاعة، فخرجت عبدُ القيس وكثيرٌ من بَكر بن وائل حين

стр. 3357

زَوَوْا عنهم الفضول، فبادروا إلى بيت المال، وأكبّ عليهم الناس فأصابوا منهم، وخرج القوم حتى نزلوا على طريق عليّ، وأقام طلحة، والزّبير ليس معهما بالبصرة ثأر إلّا حُرْقوص، وكتبوا إلى أهل الشأم بما صنعوا، وصاروا إليه: إنا خرجنا لوضْع الحرب، وإقامة كتاب الله بإقامة حُدوده في الشريف، والوضيع، والكثير، والقليل، حتى يكون الله هو الذي يردّنا عن ذلك، فبايَعَنا خيارُ أهل البصرة، ونجباؤهم؛ وخالَفنَا شرارهم ونزّاعهم، فرَدُّونا بالسلاح وقالوا فيما قالوا: نأخذُ أمَّ المؤمنين رهينة، أن أمَرتهم بالحقّ وحثَّتْهم عليه. فأعطاهم الله سُنَّة المسلمين مرّة بعد مرّة، حتى إذا لم يبقَ حجَّة ولا عذر؛ استبسل قتلةُ أمير المؤمنين فخرجوا إلى مضاجعهم فلم يُفلت منهم مخبر إلّا حرقُوص بن زُهير، والله سبحانه مُقيده إن شاء الله. وكانوا كما وصف الله ؛ وإن نناشدكم الله في أنفسكم إلا نهضتم بمثل ما نهضنا به؛ فنلقى الله وتلقوْنه وقد أعذرنا، وقضيْنا الذي علينا. وبعثوا به مع سيَّار العجليّ، وكتبوا إلى أهل الكوفة بمثله مع رجُل من بني عمرو بن أسد يدعَى مظفّر بن معرّض، وكتبوا إلى أهل اليمامة وعليها سَبْرة بن عمرو العنبريّ مع الحارث السَّدوسيّ. وكتبوا إلى أهل المدينة مع ابن قُدامة القُشيريّ، فدسّه إلى أهل المدينة. وكتبت عائشةُ ﵂ إلى أهل الكوفة مع رسولهم: أمّا بعد فإني أذكّركم الله والإسلام، أقيموا كتاب الله بإقامة ما فيه، اتقوا الله واعتصموا بحبله، وكونوا مع كتابه؛ فإنا قدمنا البصرة، فدعوناهم إلى إقامة كتاب الله بإقامة حُدوده، فأجابَنا الصالحون إلى ذلك؛ واستقبلَنا من لا خير فيه بالسلاح، وقالوا: لنُتبعنكم عثمانَ، ليَزِيدوا الحدود تعطيلًا، فعاندوا، فشهدوا علينا بالكفر، وقالوا لنا المنكر، فقرأنا عليهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾. فأذعن لي بعضهم، واختلفوا بينهم، فتركناهم وذلك، فلم يمنع ذلك مَن كان منهم على رأيه الأوّل من وضع السلاح في أصحابي، وعزم عليهم عثمان بن حُنيف إلّا قاتَلوني حتى منعني الله بالصّالحين، فردّ كيدهم في نحورهم، فمكثنا ستًّا وعشرين ليلة ندعوهم إلى كتاب الله وإقامة حُدوده - وهو حَقْن الدّماء أن تُهراق دون من قد حلّ دمُه - فأبوْا

стр. 3358

واحتجّوا بأشياء، فاصطلَحْنَا عليها، فخافوا، وغدروا، وخَانُوا، فجمع الله لعثمان ﵁ ثأرهم، فأقادهم فلم يُفلِت منهم إلّا رجلٌ، وأرْدَأنا الله، ومنَعنَا منهم بعُمير بن مرثَد، ومرثد بن قيس، ونفر من قيس، ونفر من الرِّباب والأزْد. فالزموا الرضا إلّا عن قتلة عثمان بن عفان حتى يأخذ الله حقّه، ولا تخاصموا الخائنين، ولا تمنعوهم، ولا ترضَوْا بِذُوِيِّ حدود الله فتكونوا من الظالمين. فكتبتُ إلى رجال بأسمائهم، فثبِّطوا الناس عن منع هؤلاء القوم، ونُصْرتهم، واجلسوا في بيوتكم، فإن هؤلاء القوم لم يرضوا بما صنعوا بعثمان بن عفان ﵁، وفرّقوا بين جماعة الأمة، وخالفوا الكتاب والسنَّة، حتى شهدوا علينا فيما أمرناهم به، وحثثناهم عليه من إقامة كتاب الله وإقامة حدوده بالكفر، وقالوا لنا المنكر، فأنكر ذلك الصّالحون وعظَّموا ما قالوا، وقالوا: ما رضيتم أن قتلتم الإمام حتى خرجتم على زوجة نبيكم ﷺ ؛ أن أمَرتكم بالحقّ لتقتلوها وأصحابَ رسول الله ﷺ وأئمة المسلمين! فعزموا وعثمان بن حُنيف معهم على من أطاعهم من جهّال الناس وغوغائهم على زُطّهم وسيابجهم، فلُذنا منهم بطائفة من الفُسْطاط؛ فكان ذلك الدّأب ستة وعشرين يومًا ندعوهم إلى الحقّ وألّا يحولوا بيننا وبين الحقّ، فغدَرُوا، وخانوا، فلم نُقايِسْهم، واحتجّوا ببيعة طلحة، والزّبير؛ فأبردُوا بريدًا فجاءهم بالحجّة فلم يعرفوا الحقّ، ولم يصبروا عليه، فغادَوْني في الغَلس ليقتلوني؛ والذي يحاربهم غيري، فلم يبرحوا حتى بلغوا سدَّة بيتي ومعهم هادٍ يهديهم إليّ، فوجدوا نفرًا على باب بيتي؛ منهم عُمير بن مرثَد، ومرثَد بن قيس، ويزيد بن عبد الله بن مَرْثدَ؛ ونفر من قيس، ونفر من الرِّباب والأزْد، فدارت عليهم الرّحا، فأطاف بهم المسلمون، فقتلوهم، وجمع الله كلمة أهل البصرة على ما أجمع عليه الزُّبير وطلحة؛ فإذا قتلنا بثأرنا وسعنا العذر، وكانت الوقعة لخمس ليال بقين من ربيع الآخر سنة ست وثلاثين، وكتب عبيد بن كعب في جُمادى (١). (٤: ٤٦٢/ ٤٦٣/ ٤٦٤ - ٤٦٦/ ٤٦٧/ ٤٦٨/ - / ٤٧٠/ ٤٧١/ ٤٧٢/ ٤٧٣/ ٤٧٤) ٩٥٣ - وفيما ذكر نَصْر بن مُزاحم عن سيف، عن سهل بن يوسف، عن

стр. 3359

القاسم بن محمد، قال: وأقبل جارية بن قُدامة السّعديّ، فقال: يا أمّ المؤمنين! والله لَقتلُ عثمان بن عفان أهونُ من خُروجكِ من بيتكِ على هذا الجَمل الملعون عُرْضةً للسلاح! إنه قد كان لك من الله سِتْر وحرمة، فهتكْتِ سِترك، وأبحتِ حُرْمتَك، إنه مَن رأى قتالك فإنه يرى قَتْلَكِ، وإن كنتِ أتَيْتِنا طائعة فارجعي إلى منزلك، وإن كنت أتيتِنا مستكرهةً فاستعيني بالناس، قال: فخرج غلام شابٌّ من بني سعد إلى طلحة، والزّبير، فقال: أمّا أنت يا زُبير؛ فحواريُّ رسول الله ﷺ ، وأمّا أنت يا طلحة؛ فوقَيْت رسول الله ﷺ بيدك، وأرى أمَّكما معكما فهل جئتما بنسائكما؟ قالا: لا، قال: فما أنا منكما في شيء، واعتزل. وقال السعديّ في ذلك: صُنْتمْ حلائلَكُمْ وقُدْتُمْ أمّكُمْ ... هذا لَعَمرُك قِلَّةُ الإنْصافِ أمِرَتْ بجِرِّ ذيولها في بيتها ... فهَوتْ تشُقُّ البيدَ بالإيجاف غَرَضًا يُقاتلُ دونَها أبْناؤها ... بالنَبْلِ والخَطِّيِّ والأسياف هُتكَتْ بطلْحَةَ والزُّبَيْرِ سُتورُها ... هذا المُخَبرُ عنْهمُ والكافي وأقبل غلامٌ من جُهينة على محمد بن طلحة -وكان محمد رجلًا عابدًا- فقال: أخبِرْني عن قَتَلة عثمان! فقال: نعم، دمُ عثمان ثلاثة أثلاث، ثلثٌ على صاحبة الهوْدَج -يعني: عائشة- وثلثٌ على صاحب الجمل الأحمر -يعني: طلحة- وثلثٌ على عليّ بن أبي طالب؛ وضحك الغلام؛ وقال: ألا أراني على ضلال! ولحق بعليّ، وقال في ذلك شعرًا: سَأَلْتُ ابْنَ طلْحةَ عنْ هالِكٍ ... بجوْفِ المَدينةِ لَمْ يُقبَرِ فقال ثلاثة رَهْطٍ هُمُ ... أماتوا ابنَ عفَّان واسْتعْبرِ فثلْثٌ على تلْكَ في خِدْرها ... وثلْثٌ على راكبِ الأحْمَر وثُلْثٌ على ابْنِ أبي طالبٍ ... ونَحْنُ بدَوِّيَّةٍ قَرْقَر فقلْتُ صدَقْتَ على الأوَّليْن ... وأخْطَأْتَ في الثالثِ الأزْهرِ (١) (٤: ٤٦٥/ ٤٦٦). ٩٥٤ - حدّثنا عمر بن شبّة، قال: حدّثنا أبو الحسن عن أبي مخنف عن

стр. 3360

يوسف بن يزيد، عن سهل بن سعد، قال: لما أخذوا عُثمان بن حُنيف؛ أرسلوا أبانَ بن عثمان إلى عائشة يستشيرونها في أمره، قالت: اقتلوه، فقالت لها امرأة: نشدتُك بالله يا أمّ المؤمنين في عُثمان وصحبته لرسول الله ﷺ ! قالت: ردّوا أبانًا، فردّوه، فقالت: احبسوه ولا تقتلوه، قال: لو علمتُ أنّكِ تدعينني لهذا لم أرجع، فقال لهم مجاشع بن مسعود: اضربوه وانتفوا شعرَ لحيته، فضربوه أربعينَ سوطًا، ونتفوا شعر لحيته ورأسه وحاجبيه وأشفار عينيه وحبسوه (١). (٤: ٤٦٨/ ٤٦٩). ٩٥٥ - حدّثني أحمد بن زُهير، قال: حدّثنا أبي، قال: حدّثني وهب بن جرير بن حازم، قال: سمعتُ يونس بن يزيد الأيْليّ عن الزهرّيّ، قال: بلغني أنه لما بلغ طلحة والزّبير منزل عليّ بذي قار انصرفوا إلى البصرة، فأخذوا على المُنكَدرِ، فسمِعَتْ عائشة ﵂ نُباح الكلاب، فقالت: أيّ ماء هذا؟ فقالوا: الحوْءب، فقالت: إنا لله وإنا إليه راجعون! إني لهِيَهْ، قد سمعتُ رسول الله ﷺ يقولُ وعنده نساؤه: "ليتَ شِعْري أيَّتكنّ تنبحها كلاب الحَوْءب! ". فأرادت الرّجوعَ، فأتاها عبد الله بن الزّبير، فزعم: أنه قال: كَذَب من قال إنّ هذا الحوءب. ولم يزل حتى مضت، فقدِموا البصرة؛ وعليها عثمان بن حُنيف، فقال لهم عثمان: ما نقَمتم على صاحبكم؟ فقالوا: لم نرَه أوْلى بها منَّا، وقد صنع ما صنع، قال: فإنَّ الرجل أمّرني فأكتب إليه فأعلمه ما جئتم له، على أن أصلّيَ بالناس حتى يأتيَنا كتابُه، فوقفُوا عليه وكتب، فلم يلبث إلّا يومين حتى وثبوا عليه فقاتلوه بالزّابوقة عند مدينة الرّزق، فظهروا، وأخذوا عثمان فأرادوا قَتْله، ثم خشُوا غضب الأنصار، فنالوه في شعره وجسَده، فقام طلحةُ، والزّبير

стр. 3361

خطيبين فقالا: يا أهل البصرة! توبة بحوْبة، إنما أردنا أن يستعتب أميرُ المؤمنين عثمان ولم نرد قتله، فغلب سُفهاء الناس الحلماءَ حتى قتلوه، فقال الناس لطلحة: يا أبا محمد! قد كانت كُتبك تأتينا بغير هذا، فقال الزبير: فهل جاءكم مني كتاب في شأنه؟ ثمّ ذكر قتلَ عثمان ﵁ وما أتى إليه، وأظهر عيب عليّ، فقام إليه رجلٌ من عبد القيس، فقال: أيّها الرجل، أنصت حتى نتكلّم، فقال عبد الله بن الزبير: ومَالَك وللكلام! فقال العبديّ: يا معشر المهاجرين! أنتم أوّل من أجاب رسولَ الله ﷺ ، فكان لكم بذلك فضل، ثم دخل الناس في الإسلام كما دخلتم، فلما توفِّيَ رسول الله ﷺ بايعتم رجلًا منكم، والله ما استأمرتمونا في شيء من ذلك فرضينا واتّبعناكم، فجعل الله للمسلمين في إمارته بركة، ثمّ مات ﵁ واستخلف عليكم رجلًا منكم، فلم تشاورونا في ذلك، فرضينا وسلّمنا، فلما توُفّيَ الأمير جعل الأمر إلى ستّة نفر، فاخترتمْ عثمان وبايعتموه عن غير مشورة منا، ثمّ أنكرتم من ذلك الرّجل شيئًا، فقتلتموه عن غير مشورة منا، ثمّ بايعتم عليًّا عن غير مشورة منا، فما الذي نقَمتم عليه فنقاتله؟ هل استأثر بفيء، أو عمل بغير الحقّ؟ أو عمل شيئًا تنكرونه فنكون معكم عليه! وإلّا فما هذا! فهمُّوا بقتل ذلك الرّجل، فقام من دونه عشيرتُه؛ فلما كان الغد وثبوا عليه وعلى مَن كان معه، فقتلوا سبعين رجلًا (١). (٤: ٤٦٩/ ٤٧٠). ٩٥٦ - حدّثنا عمر بن شبّة، قال: حدثنا أبو الحسن عن عامر بن حفص، عن أشياخه، قال: ضَرب عنقَ حُكَيم بن جبلة رجل من الحُدّان يقال له: ضخَيم، فمال رأسهُ، فتعلّق بجلده، فصار وجههُ في قفاه، قال ابن المثنّى الحُدّاني: الذي قتل حُكَيْمًا يزيدُ بن الأسحم الحُدانيّ، وجُد حُكيَم قتيلًا بين يزيد بن الأسحم، وكعب بن الأسحم، وهما مقتولان (٢). (٤: ٤٧٤). ٩٥٧ - حدثني عمر، قال: حدثني أبو الحسن، قال: حدثنا أبو بكر

стр. 3362

الهُذليّ، عن أبي المليح، قال: لما قتل حُكَيم بن جبلة؛ أرادوا أن يقتلوا عثمان بن حُنيف، فقال: ما شئتم، أمَا إن سهل بن حُنيف والٍ على المدينة، وإن قتلتموني انتصر، فخلّوْا سبيله، واختلفوا في الصّلاة، فأمّرت عائشة ﵂ عبد الله بن الزبير فصلّى بالناس، وأراد الزّبير أن يعطيَ الناس أرزاقَهم ويقسم ما في بيت المال، فقال عبد الله ابنه: إن ارتزق الناس تفرّقوا. واصطلحوا على عبد الرحمن بن أبي بكر، فصيّروه على بيت المال (١). (٤: ٤٧٤). ٩٥٨ - حدّثني عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن عليّ عن أبي بكر الهُذَليّ، عن الجارود بن أبي سَبْرة، قال: لمّا كانت الليلة التي أخذ فيها عثمان بن حُنيف، وفي رَحَبَة مدينة الرّزق طعامٌ يرتزقه الناس، فأراد عبد الله أن يرزقه أصحابه وبلغ حُكَيم بن جبلة ما صنع بعثمان، فقال: لستُ أخاف الله إن لم أنصره، فجاء في جماعة من عبد القيس وبكر بن وائل وأكثرهم عبد القيس، فأتى ابن الزّبير مدينة الرزق، فقال: مَا لَك يا حُكيَم؟ قال: نريد أن نرتزق من هذا الطعام، وأن تخلّوا عثمان فيقيم في دار الإمارة على ما كتبتم بينكم حتى يقدَم عليّ، والله لو أجد أعوانًا عليكم أخبِطكم بهم ما رضيت بهذه منكم حتى أقتلَكم بمن قتلتم، ولقد أصبحتم وإنّ دماءكم لنا لحلال بمن قتلتم من إخواننا، أما تخافون الله ! بم تستحلّون سَفْك الدّماء! قال: بدم عثمان بن عفان، قال: فالّذين قتلتموهم قتلوا عثمان! أما تخافون مقتَ الله؟ فقال له عبد الله بن الزبير: لا نرزقكم من هذا الطعام، ولا نخلّي سبيل عثمان بن حُنيف حتى يخلع عليًّا، قال حُكيم: اللهمّ إنك حكَم عَدْل فاشهد. وقال لأصحابه: إنّي لست في شكّ من قتال هؤلاء، فمن كان في شكّ فلينصرف، وقاتلَهَم فاقتتلوا قتالًا شديدًا، وضرب رجل ساق حُكيَم، فأخذ حكيمٌ ساقَه، فرماه بها، فأصاب عنقه فصرعه، ووَقَذَه، ثم حبا إليه، فقتله، واتَّكأ عليه، فمرّ به رجلٌ فقال: من قتلك؟ قال: وسادتي، وقتل سبعون رجلًا من عبد القيس، قال الهذليّ: قال حكيم حين قطعت رجله: أقولُ لَما جَدَّ بي زَماعي ... للرِّجْل يا رجلِيَ لن تراعي إنَّ مَعي مِنْ نجْدَةٍ ذراعي

стр. 3363

قال عامر، ومسلمة: قتل مع حُكيم ابنهُ الأشرف، وأخوه الرّعِل بن جبَلة (١). (٤: ٤٧٤/ ٤٧٥). ٩٥٩ - حدَّثني عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن، قال: حدّثنا المثنَّى بن عبد الله عن عوف الأعرابيّ، قال: جاء رجل إلى طلحة والزّبير وهما في المسجد بالبصرة، فقال: نشدتكما بالله في مسيركما! أعَهِد إليكما فيه رسول الله ﷺ شيئًا! فقام طلحة ولم يجبْه، فناشد الزّبير، فقال: لا، ولكن بلغنا: أنّ عندكم دراهم، فجئنا نشارككم فيها (٢). (٤: ٤٧٥). ٩٦٠ - حدثني عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن، قال: حدّثنا سُليمان بن أرقم عن قتادة، عن أبي عمرة مولى الزبير، قال: لما بايع أهل البصرة الزّبيرَ وطلحة، قال الزّبير: ألا ألف فارس أسيرُ بهم إلى عليّ، فإما بيَّتُّه وإما صبَّحته، لعلِّي أقتله قبل أن يصل إلينا! فلم يُجبه أحدٌ، فقال: إن هذه لهي الفتنة التي كنا نحدّث عنها؛ فقال له مولاه: أتُسمّيها فتنة وتُقاتل فيها! قال: ويحك! إنا نُبصر ولا نبصر، ما كان أمر قطّ إلّا علمتُ موضع قدمي فيه، غير هذا الأمر فإني لا أدري أمُقْبل أنا فيه أم مُدبر (٣)! (٤: ٤٧٥/ ٤٧٦). ٩٦١ - حدّثني أحمد بن منصور، قال: حدّثني يحيى بن معين، قال: حدّثنا هشام بن يوسف -قاضي صَنْعاء- عن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، عن موسى بن عقبة، عن علقمة بن وقّاص الليثيّ، قال: لما خرج طلحة، والزّبير، وعائشة ﵃؛ رأيتُ طلحة وأحبّ المجالس إليه أخلاها، وهو ضاربٌ بلحيته على زَوْرِه، فقلت: يا أبا محمد! أرى أحبّ المجالس إليك أخلاها، وأنت ضارب بلحيتك على زَوْرك؛ إن كرهتَ شيئًا فاجلس. قال: فقال لي: يا علقمة بن وقّاص! بينا نحن يدٌ واحدة على مَن سوانا، إذ صرنا جبلين من حديد يَطلبُ بعضنا بعضًا، إنه كان منِّي في عثمان شيءٌ ليس توبتي إلّا أن يُسفك دمي في طلب دمه. قال: قلت: فرُدّ محمد بن

стр. 3364

طلحة فإنّ لك ضيعة وعيالًا؛ فإن يك شيء يخلفك؛ فقال: ما أحبّ أن أرى أحدًا يخِفّ في هذا الأمر فأمنعه، قال: فأتيت محمد بن طلحة، فقلت له: لو أقمتَ، فإن حدث به حدَث؛ كنتَ تخلفه في عياله وضيعته، قال: ما أحبّ أن أسأل الرجال عن أمره (١). (٤: ٤٧٦). ٩٦٢ - حدّثني عمر بن شبّة، قال: حدثنا أبو الحسن، قال: حدّثنا أبو مخنف عن مجالد بن سعيد، قال: لما قدمت عائشةُ ﵂ البصْرة كتبتْ إلى زيد بن صُوحان: من عائشة ابنة أبي بكر أمّ المؤمنين حبيبة رسول الله ﷺ إلى ابنها الخالص زيد بن صُوحان، أمّا بعد: فإذا أتاك كتابي هذا؛ فاقدم؛ فانصرنا على أمرنا هذا، فإن لم تفعل؛ فخذل الناس عن عليّ. فكتب إليها: من زيد بن صُوحان إلى عائشة ابنة أبي بكر الصدّيق حبيبةِ رسول الله ﷺ ، أمّا بعد: فأنا ابنك الخالص؛ إن اعتزلت هذا الأمر ورجعت إلى بيتك، وإلّا فأنا أوّل من نابَذَكِ. قال زيد بن صُوحان: رحم الله أمَّ المؤمنين! أمرت أن تلزم بيتها وأمِرنا أن نُقاتل، فتركتْ ما أمِرَتْ به، وأَمَرَتْنا به، وصنعت ما أمِرْنا به، ونَهتنا عنا (٢)! (٤: ٤٧٦/ ٤٧٧). ذكر الخبر عن مسير عليّ بن أبي طالب نحو البصرة ٩٦٣ - مما كتب به إليّ السريّ: أن شعيبًا حدّثه، قال: حدّثنا سيفٌ، عَن عُبيدة بن معتِّب، عن يزيد الضخم، قال: لما أتى عليًّا الخبرُ وهو بالمدينة بأمر عائشة، وطلحة، والزّبير: أنهم قد تَوَجّهوا نحو العراق؛ خرج يُبادر وهو يرجو أن يدركهم ويردّهم، فلما انتهى إلى الرّبَذة؛ أتاه عنهم أنهم قد أمعنوا، فأقام بالرَّبَذة أيامًا، وأتاه عن القوم: أنهم يُريدون البصرة، فسرّيَ بذلك عنه، وقال: إنَّ أهلَ الكوفة أشدُّ إليَّ حبًّا، وفيهم رؤوس العرب وأعلامهم. فكتب إليهم: إنّي

стр. 3365

قد اخترتكم على الأمصار وإنّي بالأُثْرة (١). (٤: ٤٧٧). ٩٦٤ - حدّثني عُمر، قال: حدّثنا أبو الحسن عن بشير بن عاصم، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه، قال: كتب عليّ إلى أهل الكوفة: بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد، فإني اخترتُكم والنزول بين أظهركم لما أعرف من مودَّتكم وحبكم لله ولرسوله ﷺ ، فمن جاءني، ونصرني؛ فقد أجاب الحقَّ وقضى الذي عليه (٢). (٤: ٤٧٧). ٩٦٥ - حدّثني عمر: قال: حدّثنا أبو الحسن. قال: حدّثنا حبّان بن موسى عن طلحة بن الأعلم، وبشر بن عاصم عن ابن أبي ليلَى، عن أبيه، قال: بُعِث محمد بن أبي بكر إلى الكوفة ومحمّدُ بن عون، فجاء الناس إلى أبي موسى يستشيرونه في الخروج، فقال أبو موسى: أمَّا سبيلُ الآخرة فأنْ تقيموا، وأمَّا سبيل الدّنيا فأن تخرجوا، وأنتم أعلم. وبلغ المحمديْن قولُ أبي موسى، فبايناه، وأغلظا له، فقال: أما والله إنَّ بيعة عثمان في عُنقي وعُنق صاحبكما الذي أرسلكما، إن أردْنا أن نُقاتِل لا نقاتل حتى لا يبقى أحد من قَتَلة عثمان إلا قُتل حيث كان. وخرج عليّ من المدينة في آخر شهر ربيع الآخر سنة ست وثلاثين، فقالت أخت عليّ بن عديّ من بني عبد العزى بن عبد شمس: لا هُمَّ فاعْقِرْ بِعَلِيّ جَملَهْ ... ولا تُبَارك في بعيرٍ حَمَلهْ ألا عليّ بنُ عَديٍّ ليس لَه (٣) (٤: ٤٧٧/ ٤٧٨). ٩٦٦ - حدّثني عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن عن أبي مخنف، عن نُمَير بن وعْلة، عن الشعبيّ؛ قال: لمَّا نزل عليٌّ بالرَّبَذَةَ أتته جماعة من طيئ، فقيل لعليّ: هذه جماعة من طَييء قد أتتك، منهم من يريد الخروج معك ومنهم من يريد التسليم عليك؛ قال: جزَى الله كلًّا خيرًا، وفَضَّل الله المجاهدين على القاعدين أجرًا عظيمًا، ثمّ دخلوا عليه فقال عليّ: ما شهدتمونا به؟ قالوا:
следующие страницы →