Полный текст (6 167 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١٧) حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ(١٨) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَال رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾.
يخبر تعالى عن عبده ونبيه وابن نبيه سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام أنه ركب يومًا في جيشه جميعه من الجن والإنس والطير، فالجن والإنس يسيرون معه والطير سائرة معه تظله بأجنحتها من الحر وغيره، وعلى كل من هذه الجيوش الثلاثة وزعة -أي نقباء- يردون أوله على آخره. فلا يتقدم أحد عن موضعه الذي يسير فيه ولا يتأخر عنه، قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ فأمرت وحذرت واعتذرت عن سليمان وجنوده بعدم الشعور.
والمقصود أن سليمان ﵇ فهم ما خاطبت به تلك النملة لأمتها من الرأي السديد والأمر الحميد، وتبسم من ذلك على وجه الاستبشار، والفرح والسرور بما أطلعه الله عليه دون غيره، وليس كما يقوله بعض الجهلة من أن الدواب كانت تنطق قبل سليمان، وتخاطب الناس حتى أخذ عليهم سليمان بن داود العهد وألجمها فلم تتكلم مع الناس بعد ذلك، فإن هذا لا يقوله إلا الذين لا يعلمون، ولو كان هذا هكذا لم يكن لسليمان في فهم مقالها مزية على غيره، إذ قد كان الناس كلهم يفهمون ذلك، ولو كان قد أخذ عليها العهد ألا تتكلم مع غيره وكان هو يفهمها, لم يكن هذا أيضًا فائدة يعوّل عليها ولهذا قال: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ أي: ألهمني وأرشدني ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ فطلب من الله أن يقيضه للشكر على ما أنعم به عليه وعلى ما خصه به من المزية على غيره، وأن ييسر عليه العمل الصالح، وأن يحشره إذا توفاه مع عباده الصالحين، وقد استجاب الله تعالى له.
وقال الله تعالى: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيرَ فَقَال مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ(٢٠) لَأُعَذِّبَنَّهُ =стр. 352
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٢١) فَمَكَثَ غَيرَ بَعِيدٍ فَقَال أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإ بِنَبَإ يَقِينٍ(٢٢) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ(٢٣) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيطَانُ أَعْمَالهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ(٢٤) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ(٢٥) اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ(٢٦) قَال سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ(٢٧) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ(٢٨) قَالتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ(٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ(٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ(٣١) قَالتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ(٣٢) قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ(٣٣) قَالتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ(٣٤) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ(٣٥) فَلَمَّا جَاءَ سُلَيمَانَ قَال أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ(٣٦) ارْجِعْ إِلَيهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [النمل: ٢٠ - ٣٧].
يذكر تعالى ما كان من أمر سليمان والهدهد، وذلك أن الطيور كان على كل صنف منها مقدمون يقدمون بما يطلب منهم، ويحضرون عنده بالنوبة، كما هي عادة الجنود مع الملوك، فلما تطلبه سليمان ﵇ ذات يوم فقده ولم يجده في موضعه من محل خدمته ﴿فَقَال مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ أي: ما له مفقود من ها هنا، أو قد غاب عن بصري فلا أراه بحضرتي ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ توعده بنوع من العذاب اختلف المفسرون فيه، والمقصود حاصل على تقدير ﴿أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ أي: بحجة تنجيه من هذه الورطة.
قال الله تعالى: ﴿فَمَكَثَ غَيرَ بَعِيدٍ﴾ أي: فغاب الهدهد غيبة ليست بطويلة ثم قدم منها ﴿فَقَال﴾ لسليمان: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ أي: اطلعت على ما لم تطلع عليه ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ أي: بخبر صادق ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ يذكر ما كان عليه ملوك سبأ في بلاد اليمن من المملكة العظيمة والتبابعة المتوجين، وكان الملك قد آل في ذلك الزمان إلى امرأة منهم ابنة ملكهم لم يخلف غيرها فملكوها عليهم.
وقال الثعلبي: أخبرني أبو عبد الله بن قبحونة، حدثنا أبو بكر بن حرجة، حدثنا ابن أبي الليث، حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو معاوية، عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن أبي بكرة، قال: ذكرت بلقيس عند رسول الله ﷺ فقال: "لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" إسماعيل بن مسلم هذا هو المكي الضعيف.
وقد ثبت في صحيح البخاري من حديث عوف، عن الحسن، عن أبي بكرة أن رسول الله ﷺ لما بلغه أن أهل فارس ملكوا عليهم ابنة كسرى قال: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة". =стр. 353
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ ثم شاروتهم في أمرها وما قد حل بها وتأدبت معهم وخاطبتهم وهم يسمعون: ﴿قَالتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ يعني: ما كنت لأبُتَّ أمرًا إلا وأنتم حاضرون ﴿قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ يعنون لنا قوة وقدرة على الجلاد والقتال ومقاومة الأبطال، فإن أردت منا ذلك فإنا عليه من القدارين ﴿وَ﴾ مع هذا ﴿وَالْأَمْرُ إِلَيكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ فبذلوا لها السمع والطاعة، وأخبروها بما عندهم من الاستطاعة، وفوضوا إليها في ذلك الأمر لترى فيه ما هو الأرشد لها ولهم.
فكان رأيها أتم وأشد من رأيهم، وعلمت أن صاحب هذا الكتاب لا يغالب ولا يمانع ولا يخالف ولا يخادع ﴿قَالتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ تقول برأيها السديد: إن هذا الملك لو قد غلب على هذه المملكة لم يخلص الأمر من بينكم إلا إليَّ، ولم تكن الحدة والشدة والسطوة البليغة إلا عليَّ ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ أرادت أن تصانع عن نفسها، وأهل مملكتها بهدية ترسلها وتحف تبعثها. ولم تعلم أن سليمان ﵇ لا يقبل منهم والحالة هذه صرفًا ولا عدلًا, لأنهم كافرون، وهو وجنوده عليهم قادرون.
ولهذا: ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيمَانَ قَال أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ هذا =стр. 354
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٣٨) قَال عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيهِ لَقَويٌّ أَمِينٌ(٣٩) قَال الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَال هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ(٤٠) قَال نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ(٤١) فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ(٤٢) وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ(٤٣) قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيهَا قَال إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ [النمل: ٣٨ - ٤٤].
لما طلب سليمان من الجان أن يحضروا له عرش بلقيس، وهو سرير مملكتها التي تجلس عليه وقت حكمها، قبل قدومها عليه ﴿قَال عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ يعني: قبل أن ينقضي مجلس حكمك، وكان فيما يقال من أول النهار إلى قريب الزوال يتصدى لمهمات بني إسرائيل وما لهم من الأشغال ﴿وَإِنِّي عَلَيهِ لَقَويٌّ أَمِينٌ﴾ أي: وإني لذو قدرة على إحضاره إليه وأمانة على ما فيه من الجواهر النفيسة لديك ﴿قَال الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ وقيل: هو رجل من مؤمني الجان، أو جبريل: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيكَ طَرْفُكَ﴾ قيل: معناه قبل أن تبعث رسولًا إلى أقصى ما ينتهي إليه طرفك من الأرض ثم يعود إليك. وقيل: قبل أن يصل إليك أبعد من تراه الناس. وقيل: قبل أن يكلّ طرفك إذا أدمت النظر به، قبل أن تطبق جفنك. وقيل: قبل أن يرجع إليك طرفك إذا نظرت به إلى أبعد غاية منك ثم أغمضته. وهذا أقرب ما قيل.
﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾ أي: فلما رأى عرش بلقيس مستقرًا عنده في هذه المدة القريبة من بلاد اليمن إلى بيت المقدس في طرفة عين ﴿قَال هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ أي: هذا من فضل الله عليّ، وفضله على عبيده، ليختبرهم على الشكر أو خلافه ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا =стр. 355
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٤١) فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾ وهذا من فطنتها وغزارة فهمها, لأنها استبعدت أن يكون عرشها لأنها خلفته وراءها بأرض اليمن، ولم تكن تعلم أن أحدًا يقدر على هذا الصنع العجيب الغريب، قال الله تعالى إخبارًا عن سليمان وقومه: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ(٤٢) وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ أي: ومنعها عبادة الشمس التي كانت تسجد لها هي وقومها من دون الله اتباعًا لدين آبائهم وأسلافهم، لا لدليل قادهم إلى ذلك ولا جادلهم على ذلك.
وكان سليمان قد أمر ببناء صرح من زجاج وعمل في ممره ماء، وجعل عليه سقفًا من زجاج، وجعل فيه السمك وغيرها من دواب الماء، وأمرت بدخول الصرح وسليمان جالس على سريره فيه ﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيهَا قَال إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾.
وقال تعالى في سورة ص: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ(٣٠) إِذْ عُرِضَ عَلَيهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ(٣١) فَقَال إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ(٣٢) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ(٣٣) وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيمَانَ وَأَلْقَينَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ(٣٤) قَال رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ(٣٥) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيثُ أَصَابَ(٣٦) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ(٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ(٣٨) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيرِ حِسَابٍ(٣٩) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٣٠ - ٤٠].
يذكر تعالى أنه وهب لداود سليمان ﵉، ثم أثنى الله تعالى عليه فقال: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ أي: رجاع مطيع لله، ثم ذكر تعالى ما كان من أمره في الخيل ﴿الصَّافِنَاتُ﴾ وهي التي تقف على ثلاثة وطرف حافر الرابعة، ﴿الْجِيَادُ﴾ وهي المضمرة السراع.
﴿فَقَال إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ يعني: الشمس. وقيل: الخيل على ما سنذكره من القولين ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ قيل: مسح عراقيبها وأعناقها بالسيوف. وقيل: مسح عنها العرق لما أجراها وسابق بينها بين يديه على القول اآخر.
والذي عليه أكثر السلف الأول، فقالوا: اشتغل بعرض تلك الخيول حتى خرج وقت العصر وغربت الشمس. وروي هذا عن علي بن أبي طالب وغيره. والذي يقطع به أنه لم يترك الصلاة عمدًا من غير عذر، اللهم إلا أن يقال إنه كان سائغًا في شريعتهم، فأخر الصلاة لأجل أسباب الجهاد وعرض الخيل من ذلك. =стр. 356
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيمَانَ وَكُلًّا آتَينَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ وقد ذكر شريح القاضي وغير واحد من السلف أن هؤلاء القوم كان لهم كرم فنفشت فيه غنم قوم آخرين، أي: رعته بالليل فأكلت شجره بالكلية، فتحاكموا إلى داود ﵇ فحكم لأصحاب الكرم بقيمته، فلما خرجوا على سليمان قال: بم حكم لك نبي الله؟ فقالوا: بكذا وكذا، فقال: أما لو كنت أنا لما حكمت إلا بتسليم الغنم إلى أصحاب الكرم فيستغلونها نتاجًا ودرًّا حتى يصلح أصحاب الغنم كرم أولئك ويردوه إلى ما كان عليه، ثم يتسلموا غنمهم، فبلغ داود ﵇ ذلك فحكم به.
وقريب من هذا ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "بينما امرأتان معهما ابناهما إذ عدا الذئب فأخذ ابن إحداهما فتنازعتا في الآخر فقالت الكبرى: إنما ذهب بابنك. وقالت الصغرى: بل إنما ذهب بابنك. فتحاكمتا إلى داود فحكم به للكبرى، فخرجتا على سليمان فقال: اتوني بالسكين أشقه نصفين لكل واحدة منكما نصفه. فقالت الصغرى: يرحمك الله هو ابنها. فقضى به لها" (البخاري / ح ٣٤٢٧). =стр. 357
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٧٩) وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾.
ثم قال: ﴿وَلِسُلَيمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً﴾ أي: وسخرنا لسليمان الريح عاصفة ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيءٍ عَالِمِينَ(٨١) وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾ وقال في سورة ص: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيثُ أَصَابَ(٣٦) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ(٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ(٣٨) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيرِ حِسَابٍ(٣٩) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾.
لما ترك الخيل ابتغاء وجه الله عوضه الله منها الريح التي هي أسرع سيرًا وأقوى وأعظم ولا كلفة عليه لها ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيثُ أَصَابَ﴾ أي: حيث أراد من أي البلاد.
قال تعالى: ﴿وَلِسُلَيمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَينَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَينَ
يَدَيهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ(١٢) يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ
وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:
١٢ - ١٣].
وقوله: ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَينَ يَدَيهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ أي: وسخر الله له من الجن عمالًا يعملون له ما يشاء لا يفترون ولا يخرجون عن طاعته ومن خرج منهم عن الأمر عذبه ونكل به ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ﴾ وهي الأماكن الحسنة وصدور المجالس ﴿وَتَمَاثِيلَ﴾ وهي الصور في الجدران، وكان هذا سائغًا في شريعتهم وملتهم ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ﴾ قال ابن عباس: الجفنة كالجوبة من الأرض، وعنه كالحياض. وكذا قال مجاهد والحسن وقتادة والضحاك وغيرهم. وعلى هذه الرواية يكون الجواب جمع جابية وهي الحوض الذي يجبى فيه الماء.
وأما القدور الراسيات فقال عكرمة: أثافيها منها، يعني: أنهن ثوابت لا يزلن عن أماكنهن، وهكذا قال مجاهد وغير واحد. ولما كان هذا بصدد إطعام الطعام والإحسان إلى الخلق من إنسان وحيوان قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ(٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ أي: قد عصوا فقيدوا مقرنين اثنين اثنين في الأصفاد وهي القيود، وهذا كله من جملة ما هيأه الله وسخر له من الأشياء التي هي من تمام الملك؛ الذي لا ينبغي لأحد من بعده، ولم يكن أيضًا لمن كان قبله.
وقد قال البخاري: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إن عفريتًا من الجن تفلت عليَّ البارحة ليقطع عليَّ صلاتي فأمكنني الله منه فأخذته فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد =стр. 358
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا(٢) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا(٣) قَال رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا(٤) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا(٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا(٦) يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا(٧) قَال رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا(٨) قَال كَذَلِكَ قَال رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيئًا(٩) قَال رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَال آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَويًّا(١٠) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ =стр. 359
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١١) يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَينَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا(١٢) وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا(١٣) وَبَرًّا بِوَالِدَيهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا(١٤) وَسَلَامٌ عَلَيهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ١ - ١٥].
وقال تعالى: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَال يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيرِ حِسَابٍ(٣٧) هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَال رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ(٣٨) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ(٣٩) قَال رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَال كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ(٤٠) قَال رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَال آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إلا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [آل عمران: ٣٧ - ٤١].
وقال تعالى في سورة الأنبياء: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيرُ الْوَارِثِينَ(٨٩) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٩ - ٩٠].
وقال تعالى: ﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنعام: ٨٥].
والمقصود أن الله تعالى أمر رسوله ﷺ أن يقص على الناس خبر زكريا ﵇ وما كان من أمره حين وهبه الله ولدًا على الكبر، وكانت امرأته مع ذلك عاقرًا في حال شبيبتها قد أسنت أيضًا؛ حتى لا ييأس أحد من فضل الله ورحمته ولا يقنط من فضله تعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا(٢) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ قال قتادة عند تفسيرها: إن الله يعلم القلب النقي ويسمع الصوت الخفي، وقال بعض السلف: قام من الليل فنادى ربه مناداة أسرَّها عمن كان حاضرًا عنده مخافتة فقال: يا رب يا رب يا رب. فقال الله: لبيك لبيك لبيك. ﴿قَال رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ أي: ضعف وخار من الكبر ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيبًا﴾ استعارة من اشتعال النار في الحطب، أي: غلب على سواد الشعر شيبة، وقوله: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ أي: ما عودتني فيما أسألك إلا الإجابة وكان الباعث له على هذه المسألة أنه لما كفل مريم بنت عمران وكان كلما دخل عليها محرابها وجد عندها فاكهة في غير إبانها ولا في أوانها وهذه من كرامات الأولياء، فعلم أن الرزاق للشيء في غير أوانه قادر على أن يرزقه ولدا وإن كان قد طعن في سنه ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَال رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ وقوله: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾ قيل: المراد بالموالي العصبة، وكأنه خاف من تصرفهم بعده في بني إسرائيل بما لا يوافق شرع الله وطاعته فسأل وجود ولد من صلبه يكون برًّا تقيًّا مرضيًا ولهذا قال: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ﴾ أي: من عندك بحولك وقوتك ﴿وَلِيًّا(٥) يَرِثُنِي﴾ أي: في النبوة والحكم في بني إسرائيل ﴿وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ يعني: كما كان آباؤه وأسلافه من ذرية يعقوب أنبياء فاجعله مثلهم في الكرامة التي أكرمتهم بها من النبوة والوحي، وليس المراد =стр. 360
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٧٢) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيكُمْ =стр. 361
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٧٣) فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٢ - ٧٤].
وهكذا أجيب زكريا ﵇، قال له الملك الذي يوحى إليه بأمر ربه: ﴿كَذَلِكَ قَال رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ أي: هذا سهل يسير عليه ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيئًا﴾ أي: قدرته أوجدتك بعد أن لم تكن شيئًا مذكورا، أفلا يوجد منك ولد وإن كنت شيئًا؟ !
وقال تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ ومعنى إصلاح زوجته أنها كانت لا تحيض فحاضت. وقيل: كان في لسانها شيء، أي: بذاءة.
﴿قَال رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ أي: علامة على وقت تعلق مني المرأة بهذا الولد المبشر به ﴿قَال آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَويًّا﴾ يقول علامة ذلك أن يعتريك سكوت لا تنطق معه ثلاثة أيام إلا رمزًا، وأنت في ذلك سويّ الخلق صحيح المزاج معتدل البنية، وأمر بكثرة الذكر في هذه الحال بالقلب، واستحضار ذلك بفؤاده بالعشي والإبكار، فلما بشر بهذه البشارة خرج مسرورًا بها على قومه من محرابه ﴿فَأَوْحَى إِلَيهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ والوحي ها هنا هو الأمر الخفي إما بكتابة، كما قاله مجاهد والسدي، أو إشارة كما قاله مجاهد أيضًا ووهب وقتادة، قال مجاهد وعكرمة ووهب والسدي وقتادة: اعتقل لسانه من غير مرض. وقال ابن زيد: كان يقرأ ويسبح ولكن لا يستطيع كلام أحد.
وقوله تعالى: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَينَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ يخبر تعالى عن وجود الولد، وفق البشارة الإلهية لأبيه زكريا ﵇، وأن الله علمه الكتاب والحكمة وهو صغير في حال صباه.
وأما قوله: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ وعن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة والضحاك: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ أي: رحمة من عندنا، رحمنا بها زكريا فوهبنا له هذا الولد، وعن عكرمة: ﴿وَحَنَانًا﴾ أي: محبة عليه، ويحتمل أن يكون ذلك صفة لتحنن يحيى على الناس ولا سيما على أبويه، وهو محبتهما والشفقة عليهما وبره بهما.
وأما الزكاة فهي طهارة الخلق وسلامته من النقائص والرذائل. والتقوى طاعة الله بامتثال أوامره وترك زواجره. ثم ذكر بره بوالديه وطاعته لهما أمرًا ونهيًا وترك عقوقهما قولًا وفعلًا فقال: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ ثم قال: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ هذه الأوقات الثلاثة أشد ما تكون على الإنسان، فإنه ينتقل في كل منها من عالم إلى عالم آخر، فيفقد الأول بعد ما كان ألفه وعرفه، ويصير إلى الآخر ولا يدري ما بين يديه، ولهذا يستهل صارخًا إذا خرج من بين الأحشاء وفارق لينها وضمها، وينتقل إلى هذه الدار ليكابد همومها وغمها! .
وكذلك إذا فارق هذه الدار وانتقل إلى عالم البرزخ بينها وبين دار القرار، وصار بعد الدور =стр. 362
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = والقصور إلى عرصة الأموات سكان القبور، وانتظر هناك النفخة في الصور ليوم البعث والنشور، فمن مسرور ومحبور ومن محزون ومثبور، وما بين جبير وكسير وفريق في الجنة وفريق في السعير.
ولما كانت هذه المواطن الثلاثة أشق ما تكون على ابن آدم سلم الله على يحيى في كل موطن منها فقال: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾.
وأما قوله في الآية الأخرى: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ فقيل: المراد بالحصور الذي لا يأتي النساء، وقيل غير ذلك، وهو أشبه لقوله: ﴿هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾.
وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، أنبأنا أبو خلف موسى بن خلف، وكان يعد من البدلاء حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن جده ممطور، عن الحارث الأشعري أن النبي ﷺ قال: "إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات أن يعمل بهن وأن يأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن، فإما أن تبلغهن وإما أن أبلغهن. فقال: يا أخي إني أخشى إن سبقتني أن أعذب أو يخسف بي، قال: فجمع يحيى بني إسرائيل في بيت المقدس حتى امتلأ المسجد فقعد على الشرف فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الله أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن وآمركن أن تعملوا بهن. وأولهن أن تعبدوا الله لا تشركوا به شيئًا، فإن مثل ذلك مثل من اشترى عبدًا من خالص ماله بورق أو ذهب فجعل يعمل ويؤدي غلته إلى غير سيده، فأيكم يسره أن يكون عبده كذلك، وإن الله خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئًا. آمركم بالصلاة فإن الله ينصب وجهه قبل عبده ما لم يلتفت فإذا صليتم فلا تلتفتوا. وآمركم بالصيام فإن الله مثل ذلك كمثل رجل معه صرة من مسك في عصابة كلهم يجد ريح المسك، وإن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك.
آمركم بالصدقة، فإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدو فشدوا يده إلى عنقه وقدموه ليضربوا عنقه فقال: هل لكم أن أفتدي نفسي منكم فجعل يفتدي نفسه منهم بالقليل والكثير حتى فك نفسه.
آمركم بذكر الله كثيرًا، فإن مثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سراعًا في إثره فأتى حصنا حصينًا فتحصن فيه، وإن العبد أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر الله .
قال: وقال رسول الله ﷺ : "وأنا آمركم بخمس الله أمرني بهن: بالجماعة والسمع والطاعة والهجرة والجهاد في سبيل الله، فإن من خرج عن الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يرجع، ومن دعا بدعوى الجاهلية فهو من جثا جهنم، قال: يا رسول الله وإن صام وصلى؟ قال: وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم، ادعوا المسلمين بأسمائهم بما سماهم الله المسلمين المؤمنين عباد الله " (أحمد / ح ١٧١٧٠).
وهكذا رواه أبو يعلى عن هدبة بن خالد، عن أبان بن زيد، عن يحيى بن أبي كثير به. =стр. 363
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(٣٤) إِذْ قَالتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ(٣٦) فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَال يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٣٣ - ٣٧].
يذكر تعالى أنه اصطفى آدم ﵇ والخلص من ذريته المتبعين شرعه الملازمين طاعته، ثم خصّص فقال: ﴿وَآلَ إِبْرَاهِيمَ﴾ فدخل فيهم بنو إسماعيل، ثم ذكر فضل هذا البيت الطاهر الطيب وهم آل عمران، والمراد بعمران هذا والد مريم ﵍.
﴿وَإِنِّي سَمَّيتُهَا مَرْيَمَ﴾ وقرئ بضم التاء ﴿وَلَيسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ أي: في خدمة بيت المقدس، وكانوا في ذلك الزمان ينذرون لبيت المقدس خدامًا من أولادهم.
وقولها: ﴿وَإِنِّي سَمَّيتُهَا مَرْيَمَ﴾ استدل به على تسمية المولود يوم يولد، وكما ثبت في الصحيحين عن أنس في ذهابه بأخيه إلى رسول الله ﷺ فحنك أخاه وسماه عبد الله. وجاء في حديث الحسن عن سمرة مرفوعًا: "كل غلام رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه ويسمى ويحلق رأسه" رواه أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي. [أحمد / ٤/ ٢٠١، والترمذي / ح ١٥٢٢].
وقولها: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ﴾ قد استجيب لها في هذا كما تقبل منها نذرها، فقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن ابن =стр. 364
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٤٢) يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ(٤٣) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ(٤٤) إِذْ قَالتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ(٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ(٤٦) قَالتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَال كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ(٤٧) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ(٤٨) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيئَةِ الطَّيرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي =стр. 365
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٤٩) وَمُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ(٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [آل عمران: ٤٢ - ٥١].
يذكر تعالى أن الملائكة بشرت مريم باصطفاء الله لها من بين سائر نساء عالم زمانها، بأن اختارها لإيجاد ولد منها من غير أب، وبشرت بأن يكون نبيًّا شريفًا ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾ أي: في صغره يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وكذلك في حال كهولته، فدل على أنه يبلغ الكهولة ويدعو إلى الله فيها، وأمرت بكثرة العبادة والقنوت والسجود والركوع لتكون أهلًا لهذه الكرامة، ولتقوم بشكر هذه النعمة.
فقول الملائكة: ﴿يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾ أي: اختارك واجتباك ﴿وَطَهَّرَكِ﴾ أي: من الأخلاق الرذيلة، وأعطاك الصفات الجميلة ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالمِينَ﴾ يحتمل أن يكون المراد عالمي زمانها كقوله لموسى: ﴿إِنِّي اصْطَفَيتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾ وكقوله عن بني إسرائيل: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالمِينَ﴾ ومعلوم أن إبراهيم ﵇ أفضل من موسى، وأن محمدًا ﷺ أفضل منهما، وكذلك هذه الأمة أفضل من سائر الأمم قبلها وأكثر عددًا وأفضل علمًا وأزكى عملا من بني إسرائيل وغيرهم.
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالمِينَ﴾ محفوظ العموم فتكون أفضل نساء الدنيا ممن كان قبلها أو وُجِد بعدها لأنها إن كانت نبية على قول من يقول بنبوتها ونبوة سارة أم إسحاق ونبوة أم موسى محتجًّا بكلام الملائكة والوحي إلى أم موسى، كما يزعم ذلك ابن حزم وغيره، فلا يمتنع على هذا أن تكون مريم أفضل من سارة وأم موسى لعموم قوله: ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالمِينَ﴾ إذ لم يعارضه غيره ... والله أعلم.
وأما قول الجمهور كما قد حكاه أبو الحسن الأشعري وغيره عن أهل السنة والجماعة من أن النبوة مختصة بالرجال، وليس في النساء نبية فيكون أعلى مقامات مريم، كما قال الله تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ فعلى هذا لا يمتنع أن تكون أفضل الصديقات المشهورات ممن كان قبلها وممن يكون بعدها ... والله أعلم. وقد جاء ذكرها مقرونًا مع آسية بنت مزاحم وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد ﷺ ورضي الله عنهن وأرضاهن.
وقد روى الإمام أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي من طرق عديدة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد" [البخاري / ح ٣٤٣٢] و [أحمد ٦٤٠] و [مسلم ٢٤٣٠].
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن قتادة، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : "حسبك من نساء العالمين بأربع: مريم بنت عمران، واسية امرأة فرعون، =стр. 366
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد" [أحمد / ح ١٢٣٩٤].
ورواه الترمذي عن أبي بكر بن زنجويه، عن عبد الرزاق به وصححه، ورواه ابن مردويه من طريق عبد الله بن أبي جعفر الرازي وابن عساكر من طريق تميم بن زياد، كلاهما عن أبي جعفر الرازي، عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "خير نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد رسول الله".
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، قال: كان أبو هريرة يحدث أن النبي ﷺ قال: "خير نساء ركبن الإبل صالح نساء قريشٍ أحناه على ولد في صغره وأرعاه لزوج في ذات يده" قال أبو هريرة: لم تركب مريم بعيرًا قط. [مسند أحمد / ٧٦٥٤].
وقد رواه مسلم في صحيحه عن محمد بن رافع وعبد بن حميد، كلاهما عن عبد الرزاق به. [صحيح مسلم / ٢٠١/ ٢٥٢٧].
وقال أحمد: حدثنا زيد بن الحباب، حدثني موسى بن علي، سمعت أبي يقول: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : "خير نساء ركبن الإبل نساء قريش أحناه على ولد في صغره وأرأفه بزوج على قلة ذات يده"، قال أبو هريرة: وقد علم رسول الله ﷺ أن ابنة عمران لم تركب الإبل. تفرد به وهو على شرط الصحيح. ولهذا الحديث طرق أخرى عن أبي هريرة.
وقال أبو يعلى الموصلي: حدثنا يونس بن محمد، حدثنا داود بن أبي الفرات، عن علباء بن أحمر، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: خطَّ رسول الله ﷺ في الأرض أربع خطوط فقال: "أتدرون ما هذا"؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، فقال رسول الله ﷺ : "أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد ومريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون" ورواه النسائي من طرق عن داود بن أبي هند.
وقد رواه ابن عساكر من طريق أبي بكر عبد الله بن أبي داود سليمان بن الأشعث، حدثنا يحيى بن حاتم العسكري: أنبأنا بشر بن مهران بن حمدان، حدثنا محمد بن دينار، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : "حسبك منهن أربع سيدات نساء العالمين: فاطمة بنت محمد، وخديجة بنت خويلد، وآسية بنت مزاحم، ومريم بنت عمران".
وقال أبو القاسم البغوي: حدثنا وهب بن بقية، حدثنا خالد بن عبد الله الواسطي، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن عائشة، أنها قالت لفاطمة: "أرأيت حين أكببت على رسول الله ﷺ فبكيت ثم ضحكت؟ قالت: أخبرني أنه ميت من وجعه هذا فبكيت، ثم أكببت عليه فأخبرني أني أسرع أهله لحوقًا به وأني سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم بنت عمران =стр. 367
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = فضحكت". وأصل هذا الحديث في الصحيح. وهذا إسناد على شرط مسلم وفيه أنهما أفضل الأربع المذكورات.
وهكذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا عثمان بن محمد، حدثنا جرير، عن يزيد -هو ابن أبي زياد- عن عبد الرحمن بن أبي نعيم، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : "فاطمة سيدة نساء أهل الجنة إلا ما كان من مريم بنت عمران" إسناد حسن وصححه الترمذي ولم يخرجوه، وقد روي نحوه من حديث علي بن أبي طالب ولكن في إسناده ضعف.
والمقصود أن هذا يدل على أن مريم وفاطمة أفضل هذه الأربع. ثم يحتمل الاستثناء أن تكون مريم أفضل من فاطمة ويحتمل أن يكونا على السواء في الفضيلة.
ولكن ورد حديث إن صح عين الاحتمال الأول فقال الحافظ أبو القاسم بن عساكر: أنبأنا أبو الحسين بن الفراء وأبو غالب وأبو عبد الله ابنا البنا، قالوا: أنبأنا أبو جعفر بن المسلمة، أنبأنا أبو طاهر المخلص، حدثنا أحمد بن سليمان، حدثنا الزبير هو ابن بكار، حدثنا محمد بن الحسن، عن عبد العزيز بن محمد، عن موسى بن عقبة، عن كريب، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "سيدة نساء أهل الجنة مريم بنت عمران ثم فاطمة ثم خديجة ثم آسية امرأة فرعون". فإن كان هذا اللفظ محفوظًا بثم النبي للترتيب فهو مبيّن لأحد الاحتمالين اللذين دل عليهما الاستثناء، وتقدم على ما تقدم من الألفاظ التي وردت بواو العطف التي لا تقتضي الترتيب ولا تنفيه، والله أعلم.
وقد روى هذا الحديث أبو حاتم الرازي عن داود الجعفري، عن عبد العزيز بن محمد وهو الدراوردي، عن إبراهيم، عن عقبة، عن كريب، عن ابن عباس مرفوعًا، فذكره بواو العطف لا بثم الترتيبية، فخالفه إسنادًا ومتنًا .... فالله أعلم.
فأما الحديث الذي رواه ابن مردويه من حديث شعبة، عن معاوية بن قرة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا ثلاث: مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وخديجة بنت خويلد، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" وهكذا الحديث الذي رواه الجماعة إلا أبا داود من طرق، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن مرة الهمداني، عن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ : "كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون ومريم بنت عمران، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام".
فإنه حديث صحيح كما ترى اتفق الشيخان على إخراجه، ولفظه يقتضي حصر الكمال في النساء في مريم وآسية، ولعل المراد بذلك في زمانهما فإن كلًّا منهما كفلت نبيًّا في حال صغره، فآسية كفلت موسى الكليم، ومريم كفلت ولدها عبد الله ورسوله، فلا ينفي كمال غيرهما في هذه الأمة كخديجة وفاطمة. =стр. 368
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَويًّا(١٧) قَالتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا(١٨) قَال إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا(١٩) قَالتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا(٢٠) قَال كَذَلِكِ قَال رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا(٢١) فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا(٢٢) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالتْ يَاليتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا(٢٣) فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا(٢٤) وَهُزِّي إِلَيكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيكِ رُطَبًا جَنِيًّا(٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَينًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا(٢٦) فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيئًا فَرِيًّا(٢٧) يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا(٢٨) فَأَشَارَتْ إِلَيهِ قَالُوا كَيفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا(٢٩) قَال إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا(٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَينَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا(٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا(٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا(٣٣) ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ(٣٤) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ(٣٥) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ(٣٦) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَينِهِمْ فَوَيلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [مريم: ١٦ - ٣٧].
ذكر تعالى هذه القصة بعد قصة زكريا التي هي كالمقدمة لها والتوطئة قبلها، كما ذكر في =стр. 369
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٨٩) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ(٩٠) وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٩ - ٩١].
وقد تقدم أن مريم لما جعلتها أمها محررة تخدم بيت المقدس، وأنه كفلها زوج أختها أو خالتها نبي ذلك الزمان زكريا ﵇، وأنه اتخذ لها محرابًا وهو المكان الشريف من المسجد، لا يدخله أحد عليها سواه، وأنها لما بلغت اجتهدت في العبادة، فلم يكن في ذلك الزمان نظيرها في فنون العبادات، وظهر عليها من الأحوال ما غبطها به زكريا ﵇، وأنها خاطبتها الملائكة بالبشارة لها باصطفاء الله لها وبأنه سيهب لها ولدًا زكيًّا يكون نبيًّا كريمًا طاهرًا مكرمًا مؤيدًا بالمعجزات، فتعجبت من وجود ولد من غير والد, لأنها لا زوج لها, ولا هي ممن تتزوج، فأخبرتها الملائكة بأن الله قادر على ما يشاء إذا قضى أمرًا فإنما يقول له: كن فيكون، فاستكانت لذلك وأنابت وسلمت لأمر الله، وعلمت أن هذا فيه محنة عظيمة لها، فإن الناس يتكلمون فيها بسببه, لأنهم لا يعلمون حقيقة الأمر، وإنما ينظرون إلى ظاهر الحال من غير تدبر ولا تعقل.
وكانت إنما تخرج من المسجد في زمن حيضها أو لحاجة ضرورية لا بد منها من استقاء ماء أو تحصيل غذاء، فبينما هي يومًا قد خرجت لبعض شؤونها و ﴿انْتَبَذَتْ﴾ أي: انفردت وحدها شرقي المسجد الأقصى إذ بعث الله إليها الروح الأمين جبريل ﵇ ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَويًّا﴾ فلما رأته ﴿قَالتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ قال أبو العالية: علمت أن التقي ذو نهية. وهذا يرد قول من زعم أنه كان في بني إسرائيل رجل فاسق مشهور بالفسق اسمه "تقي" فإن هذا قول باطل بلا دليل، وهو من أسخف الأقوال.
﴿قَال إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ أي: خاطبها الملك ﴿قَال إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ أي: لست ببشر ولكني ملك بعثني الله إليك ﴿لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ أي: ولدًا زكيًّا.
﴿قَالتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ أي: كيف يكون لي غلام أو يوجد لي ولد ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ أي: ولست ذات زوج وما أنا ممن يفعل الفاحشة ﴿قَال كَذَلِكِ قَال رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ أي: فأجابها الملك عن تعجبها من وجود ولد منها والحالة هذه قائلًا: ﴿كَذَلِكِ قَال رَبُّكِ﴾ أي: وعد أنه سيخلق منك غلامًا ولست بذات بعل، ولا تكونين ممن تبغين ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ أي: وهذا سهل عليه ويسير لديه، فإنه على ما يشاء قدير.
وقوله: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ أي: ولنجعل خلقه والحالة هذه دليلًا على كمال قدرتنا على أنواع الخلق، فإنه تعالى خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر، وخلق بقية الخلق من ذكر وأنثى. وقوله: ﴿وَرَحْمَةً =стр. 370
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = مِنَّا﴾ أي: نرحم به العباد بأن يدعوهم إلى الله في صغره وكبره في طفولته وكهولته، بأن يفردوا الله بالعبادة وحده لا شريك له، وينزهوه عن اتخاذ الصاحبة والأولاد والشركاء والنظراء والأضداد والأنداد.
وقوله: ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ يحتمل أن يكون هذا من تمام كلام جبريل معها، يعني: أن هذا أمر قضاه الله وحتمه وقدره وقرره، وهذا معنى قول محمد بن إسحاق واختيار ابن جرير، ولم يحك سواه ... والله أعلم. ويحتمل أن يكون قوله: ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ كناية عن نفخ جبريل فيها كما قال تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾.
والصحيح أن تعقيب كل شيء بحسبه، كقوله: ﴿فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ وكقوله: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ ومعلوم أن بين كل حالين أربعين يومًا كما ثبت في الحديث المتفق عليه. قال محمد بن إسحاق: شاع واشتهر في بني إسرائيل أنها حامل، فما دخل على أهل بيت ما دخل على آل بيت زكريا.
وقوله: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ أي: فألجأها واضطرها الطلق إلى جذع النخلة، وهو بنص الحديث الذي رواه النسائي بإسناد لا بأس به عن أنس مرفوعًا والبيهقي بإسناد وصححه عن شداد بن أوس مرفوعًا أيضًا ببيت لحم الذي بني عليه بعض ملوك الروم فيما بعد على ما سنذكره هذا البناء المشاهد الهائل.
﴿قَالتْ يَاليتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ فيه دليل على جواز تمني الموت عند الفتن، وذلك أنها علمت أن الناس يتهمونها ولا يصدقونها بل يكذبونها حين تأتيهم بغلام على يدها، مع أنها قد كانت عندهم من العابدات الناسكات المجاورات في المسجد المنقطعات إليه المعتكفات فيه، ومن بيت النبوة والديانة فحملت بسبب ذلك من الهم ما تمنت أن لو كانت ماتت قبل هذا الحال أو كانت ﴿نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ أي: لم تخلق بالكلية. وقوله: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ وقرئ (مَنْ تَحْتَها).
وفي المضمر قولان، أحدهما أنه جبريل، قاله العوفي عن ابن عباس قال: ولم يتكلم عيسى إلا بحضرة القوم. وبهذا قال سعيد بن جبير وعمرو بن ميمون والضحاك والسدي وقتادة. وقال مجاهد والحسن وابن زيد وسعيد بن جبير في رواية: هو ابنها عيسى، واختاره ابن جرير.
وقوله: ﴿أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ قيل: النهر، وإليه ذهب الجمهور. وجاء فيه حديث رواه الطبراني لكنه ضعيف واختاره ابن جرير وهو الصحيح. وعن الحسن والربيع بن أنس وابن أسلم وغيرهم أنه ابنها. والصحيح الأول لقوله: ﴿وَهُزِّي إِلَيكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ فذكر الطعام والشراب، ولهذا قال: ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَينًا﴾. =стр. 371
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٢٧) يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ ﴿يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيئًا فَرِيًّا﴾ أي: أمرا عظيمًا منكرًا. ظاهر سياق القرآن العظيم يدل على أنها حملته بنفسها وأتت به قومها وهي تحمله. والمقصود أنهم لما رأوها تحمل معها ولدها ﴿قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيئًا فَرِيًّا﴾ والفرية هي الفعلة المنكرة العظيمة من الفعال والمقال:
ثم قالوا لها: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ قيل: شبهوها بعابد من عباد زمانهم كانت تساميه في العبادة، وكان اسمه هارون. قاله سعيد بن جبير. وقيل: أرادوا بهارون أخا موسى شبهوها به في العبادة، وأخطأ محمد بن كعب القرظي في زعمه أنها أخت موسى وهارون نسبًا فإن بينهما من الدهور الطويلة ما لا يخفى على أدنى من عنده من العلم ما يرده عن هذا القول الفظيع، وكأنه غره أن في التوراة أن مريم أخت موسى وهارون ضربت بالدف يوم نجى الله موسى وقومه وأغرق فرعون وملأه، فاعتقد أن هذه هي هذه.
وهذا في غاية البطلان والمخالفة للحديث الصحيح مع نص القرآن كما قررناه في التفسير مطولًا ولله الحمد والمنة. وقد ورد في الحديث الصحيح الدال على أنه قد كان لها أخ اسمه هارون، وفي ذكر قصة ولادتها وتحرير أمها لها ما يدل على أنها ليس لها أخ سواها، والله أعلم.
قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن إدريس، سمعت أبي يذكره، عن سماك، عن علقمة بن وائل، عن المغيرة بن شعبة قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى نجران فقالوا: أرأيت ما تقرؤُون: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ وموسى قبل عيسى بكذا وكذا؟ قال: فرحت فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بالأنبياء والصالحين قبلهم" [مسند أحمد / ح ١٨٢٢٦].
وكذا رواه مسلم والنسائي والترمذي من حديث عبد الله بن إدريس، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديثه، وفي رواية: "ألا أخبرتهم أنهم كانوا يتسمون بأسماء صالحيهم وأنبيائهم" [مسلم / ٩/ ٢١٣٥] والترمذي [ح / ٣١٥٥].
والمقصود أنهم قالوا: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ ودل الحديث على أنها قد كان لها أخ نسبي اسمه هارون، وكان مشهورًا بالدين والصلاة والخير، ولهذا قالوا: ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ =стр. 372
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَينَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا(٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا(٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣٠ - ٣٣].
هذا أول كلام تفوه به عيسى ابن مريم، فكان أول ما تكلم به أن ﴿قَال إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ اعترف لربه تعالى بالعبودية، وأن الله ربه، فنزه جناب الله عن قول الظالمين في زعمهم أنه ابن الله، بل هو عبده ورسوله وابن أمته، ثم برأ أمه مما نسبها إليه الجاهلون وقذفوها به ورموها بسببه بقوله: ﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ فإن الله لا يعطي النبوة من هو كما زعموا لعنهم الله وقبحهم، وكما قال تعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ وذلك أن طائفة من اليهود في ذلك الزمان قالوا: إنها حملت به من زنى في زمن الحيض، لعنهم الله فبرأها الله من ذلك، وأخبر عنها أنها صديقة واتخذ ولدها نبيًّا مرسلًا أحد أولي العزم الخمسة الكبار، ولهذا قال: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَينَ مَا كُنْتُ﴾ وذلك أنه حيث كان دعا إلى عبادة الله وحده لا شريك له ونزه جنابه عن النقص والعيب من اتخاذ الولد والصاحبة تعالى وتقدس ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ وهذه وظيفة العبيد في القيام بحق العزيز الحميد بالصلاة، والإحسان إلى الخليقة بالزكاة، وهي تشتمل على طهارة النفوس من الأخلاق الرذيلة وتطهير الأموال الجزيلة بالعطية للمحاويج على اختلاف الأصناف وقرى الأضياف والنفقات على الزوجات والأرقاء والقرابات وسائر وجوه الطاعات وأنواع القربات.
ثم قال: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ أي: وجعلني برًا بوالدتي، وذلك أنه تأكد حقها عليه لتمحض جهتها إذ لا والد له سواها، فسبحان من خلق الخليقة وبرأها وأعطى كل نفس هداها. ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ أي: لست بفظ ولا غليظ، ولا يصدر مني قول ولا فعل ينافي أمر الله وطاعته. ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ وهذه المواطن الثلاثة التي تقدم الكلام عليها في قصة يحيى بن زكريا ﵉.
ثم لما ذكر تعالى قصته على الجلية وبيّن أمره ووضحه وشرحه قال: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ(٣٤) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ =стр. 373
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٥٨) إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَال لَهُ كُنْ فَيَكُونُ(٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ(٦٠) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ(٦١) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إلا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(٦٢) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ [آل عمران: ٥٨ - ٦٣].
ولهذا لما قدم وفد نجران وكانوا ستين راكبًا يرجع أمرهم إلى أربعة عشر منهم، ويؤول أمر الجميع إلى ثلاثة هم أشرافهم وساداتهم وهم العاقب والسيد وأبو حارثة بن علقمة، فجعلوا يناظرون في أمر المسيح فأنزل الله صدر سورة آل عمران في ذلك، وبيّن أمر المسيح وابتداء خلقه وخلق أمه من قبله. وأمر رسوله بأن يباهلهم إن لم يستجيبوا له ويتبعوه، رأوا ثم نكصوا وامتنعوا عن المباهلة، وعدلوا إلى المسالمة والموادعة، وقال قائلهم وهو العاقب عبد المسيح: يا معشر النصارى .. لقد علمتم أن محمدًا لنبي مرسل، ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم، ولقد علمتم أنه ما لاعن قوم نبيًّا قط فبقي كبيرهم ولا نبت صغيرهم، وإنها للاستئصال منكم إن فعلتم، فإن كنتم قد أبيتم إلا إلف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم، فطلبوا ذلك من رسول الله ﷺ وسألوه أن يضرب عليهم جزية وأن يبعث معهم رجلًا أمينًا، فبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح وقد بيّنا ذلك في تفسير آل عمران وقد بسطنا هذه القصة في السيرة النبوية.
والمقصود أن الله تعالى بيّن أمر المسيح فقال لرسوله: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ يعني من أنه عبد مخلوق من امرأة من عباد الله، ولهذا قال: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي: لا يعجزه شيء ولا يكربه ولا يؤوده بل هو القدير الفعال لما يشاء ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ هو من تمام كلام عيسى لهم في المهد، أخبرهم أن الله ربه وربهم وإلهه وإلههم، وأن هذا هو الصراط المستقيم.
قال الله تعالى: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَينِهِمْ فَوَيلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أي: فاختلف أهل الزمان ومن بعدهم فيه. فمن قائل من البهود: إنه ولد زِنْية، واستمروا على كفرهم وعنادهم. وقابلهم آخرون في الكفر فقالوا: هو الله، وقال آخرون: هو ابن الله.
وقال المؤمنون: هو عبد الله ورسوله، وابن أمته وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وهؤلاء هم الناجون المثابون والمؤيدون المنصورون، ومن خالفهم في شيء من هذه القيود فهم الكافرون الضالون الجاهلون، وقد توعدهم العلي العظيم الحكيم العلم بقوله: ﴿فَوَيلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.
قال البخاري: حدثنا صدقة بن الفضل، أنبأنا الوليد، حدثنا الأوزاعي، حدثني عمير بن =стр. 374
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيئًا إِدًّا(٨٩) ﴾ شيئًا عظيمًا من القول وزورًا ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا(٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا(٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا(٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا(٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا(٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾.
فبين أنه تعالى لا ينبغي له الولد لأنه خالق كل شيء ومالكه، وكل شيء فقير إليه، خاضع ذليل لديه وجميع سكان السموات والأرض عبيده، هو ربهم لا إله إلا هو لا رب سواه كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى عَمَّا يَصِفُونَ(١٠٠) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ(١٠١) ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إلا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ وَكِيلٌ(١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾.
فبيّن أنه خالق كل شيء فكيف يكون له ولد؟ والولد لا يكون إلا بين شيئين متناسبين، والله تعالى لا نظير له ولا شبيه ولا عديل له، فلا صاحبة له، فلا يكون له ولد كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ(١) اللَّهُ الصَّمَدُ(٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ(٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ يقرر أنه الأحد الذي لا نظير له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ﴿الصَّمَدُ﴾ وهو السيد الذي كمل علمه وحكمته ورحمته وبلغ جميع صفاته ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ أي: لم يوجد منه ولد ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ أي: ولم يتولد عن شيء قبله ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ أي: وليس له عدل ولا مكافئ ولا مساو، فقطع النظير المداني والأعلى والمساوي، فانتفى أن يكون له ولد، إذ لا يكون الولد إلا متولدًا بين شيئين متعادلين أو متقاربين، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
وقال ﵎ وتقدس: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إلا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا(١٧١) لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ =стр. 375
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١٧٢) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٧١ - ١٧٣].
وقال تعالى وهو أصدق القائلين: ﴿إِذْ قَال اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيئَةِ الطَّيرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ(١١٠) وَإِذْ أَوْحَيتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: ١١٠ - ١١١].
يذكره تعالى بنعمته عليه وإحسانه إليه في خلقه إياه من غير أب، بل من أم بلا ذكر، وجعله له آية للناس ودلالة على كمال قدرته تعالى ثم إرساله بعد هذا كله ﴿وَعَلَى وَالِدَتِكَ﴾ في اصطفائها واختيارها لهذه النعمة العظيمة وإقامة البرهان على براءتها مما نسبه إليها الجاهلون ولهذا قال: ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ وهو جبريل بإلقاء روحه إلى أمه وقرنه معه في حال رسالته ومدافعته عنه لمن كفر به ﴿تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ أي: تدعو الناس إلى الله في حال صغرك في مهدك وفي كهولتك ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ أي: الخط والفهم، نص عليه بعض السلف ﴿وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ وقوله: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيئَةِ الطَّيرِ بِإِذْنِي﴾ أي: تصوره وتشكله من الطين على هيئة الطير على أمر الله له بذلك ﴿فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيرًا بِإِذْنِي﴾ أي: بأمري، يؤكد تعالى بذكر الإذن له في ذلك لرفع التوهم.
وقوله: ﴿وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ﴾ وقال بعض السلف: وهو الذي يولد أعمى ولا سبيل لأحد من الحكماء إلى مداواته ﴿وَالْأَبْرَصَ﴾ هو الذي لا طب فيه بل قد مرض بالبرص وصار داؤه عضالًا ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى﴾ أي: من قبورهم أحياء ﴿بِإِذْنِي﴾ وقد تقدم ما فيه دلالة على وقوع ذلك مرارًا متعددة بما فيها كفاية.
وقوله: ﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ وذلك حين أرادوا صلبه فرفعه الله إليه وأنقذه من بين أظهرهم صيانة لجنابه الكريم عن الأذى، وسلامة له من الردى.
وقوله: ﴿وَإِذْ أَوْحَيتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ قيل: المراد بهذا الوحي وحي إلهام أي أرشدهم الله إليه ودلهم عليه كما قال: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾، ﴿وَأَوْحَينَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ وقيل: المراد وحي بواسطة الرسول وتوفيق في قلوبهم لفبول الحق، ولهذا استجابوا قائلين: ﴿آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾.
وهذا من جملة نعم الله على عبده ورسوله عيسى ابن مريم أن جعل له أنصارًا وأعوانًا ينصرونه =стр. 376
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٦٢) وَأَلَّفَ بَينَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَينَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَينَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، وقال تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ(٤٨) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيئَةِ الطَّيرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(٤٩) وَمُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ(٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ(٥١) فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَال مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَال الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ(٥٢) رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ(٥٣) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٤٨ - ٥٤].
كانت معجزة كل نبي في زمانه بما يناسب أهل ذلك الزمان، فذكروا أن موسى ﵇ كانت معجزته مما يناسب أهل زمانه وكانوا سحرة أذكياء، فبعث بآيات بهرت الأبصار وخضعت لها الرقاب، ولما كان السحرة خبيرين بفنون السحر وما ينتهي إليه وعاينوا ما عاينوا في الأمر الباهر الهائل الذي لا يمكن صدوره إلا عمن أيّده الله وأجرى الخارق على يديه تصديقًا له، أسلموا سراعا ولم يتلعثموا.
وهكذا عيسى ابن مريم بعث في زمن الطبائعية الحكماء، فأرسل بمعجزات لا يستطيعونها ولا يهتدون إليها، وأنَّى لحكيم إبراء الأكمه الذي هو أسوأ حالًا من الأعمى، والأبرص والمجذوم ومن به مرض مزمن، وكيف يتوصل أحد من الخلق إلى أن يقيم الميت من قبره؟ هذا - مما يعلم كل أحد - معجزة دالة على صدق من قامت به وعلى قدرة من أرسله.
وهكذا محمد ﷺ وعليهم أجمعين بعث في زمن الفصحاء البلغاء، فأنزل الله عليه القرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، فلفظه معجز تحدى به الإنس والجن أن يأتوا بمثله أو بعشر سور من مثله أو بسورة، وقطع عليهم بأنهم لا يقدرون لا في الحال ولا في الاستقبال، فإن لم يفعلوا ولن يفعلوا وما ذاك إلا لأنه كلام الخالق ، والله تعالى لا يشبهه شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.
والمقصود أن عيسى ﵇ لما أقام عليهم الحجج والبراهين استمر أكثرهم على كفرهم وضلالهم وعنادهم وطغيانهم، فانتدب من بينهم طائفة صالحة فكانوا له أنصارًا وأعوانًا قاموا بمتابعته ونصرته ومناصحته، وذلك حين همّ به بنو إسرائيل ووشوا به إلى بعض ملوك ذلك الزمان، فعزموا على قتله وصلبه فأنقذه الله منهم ورفعه إليه من بين أظهرهم، وألقى شبهه على أحد أصحابه فأخذوه فقتلوه وصلبوه وهم يعتقدونه عيسى، وهم في ذلك غالطون، وللحق مكابرون، وسلم لهم كثير من النصارى ما ادعوه، وكلا الفريقين في ذلك مخطئون. =стр. 377
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٦) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(٧) يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ(٨) ﴾ إلى أن قال بعد ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَال عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَال الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾.
فعيسى ﵇ هو خاتم أنبياء بني إسرائيل، وقد قام فيهم خطيبًا فبشرهم بخاتم الأنبياء الآتي بعده ونوه باسمه وذكر لهم صفته ليعرفوه ويتابعوه إذا شاهدوه، إقامة للحجة عليهم وإحسانًا من الله إليهم كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَال الَّتِي كَانَتْ عَلَيهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
وقال محمد بن إسحاق: حدثني ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن أصحاب رسول الله ﷺ أنهم قالوا: يا رسول الله، أخبرنا عن نفسك. قال: "دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي حين حملت بي كأنه خرج منها نور أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام".
وقد رُوِيَ عن العرباض بن سارية وأبي أمامة عن النبي ﷺ نحو هذا وفيه: "دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى" وذلك أن إبراهيم لما بينى الكعبة قال: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ الآية. ولما انتهت النبوة في بني إسرائيل إلى عيسى قام فيهم خطيبًا فأخبرهم أن النبوة قد انقطعت عنهم، وأنها بعده في النبي العربي الأمي خاتم الأنبياء على الاطلاق أحمد، وهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم الذي هو من سلالة إسماعيل بن إبراهيم الخليل ﵇، وفيه قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ يحتمل عود الضمير إلى عيسى ﵇ ويحتمل عوده إلى محمد ﷺ .
ثم حرض تعالى عباده المؤمنين على نصرة الإسلام وأهله ونصرة نبيه ومؤازرته ومعاونته على إقامة الدين ونشر الدعوة فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَال عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ أي: من يساعدني في الدعوة إلى الله ﴿قَال الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾، قال الله تعالى: ﴿فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ﴾ يعني: لما دعا عيسى ابن مريم بني إسرائيل وغيرهم إلى الله تعالى، منهم من آمن ومنهم من كفر، وكان ممن آمن به أهل أنطاكية بكاملها فيما ذكره غير واحد من أهل السير والتواريخ والتفسير وكفر آخرون من بني إسرائيل وهم جمهور اليهود، فأيد الله من آمن به على من كفر فيما بعد وأصبحوا ظاهرين عليهم قاهرين لهم كما قال تعالى: ﴿إِذْ قَال اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا =стр. 378
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٥٤) إِذْ قَال اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَينَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [آل عمران: ٥٤ - ٥٥].
وقال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إلا قَلِيلًا(١٥٥) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا(١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا(١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا(١٥٨) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٥٥ - ١٥٩].
فأخبر تعالى أنه رفعه إلى السماء بعد ما توفاه بالنوم على الصحيح المقطوع به، وخلصه وأخبر تعالى بقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ أي: بعد نزوله إلى الأرض في آخر الزمان قبل قيام الساعة، فإنه ينزل ويقتل الخنزير ويكسر الصليب ويضع الجزية ولا يقبل إلا الإسلام، كما بينا ذلك بما ورد فيه من الأحاديث عند تفسير هذه الآية الكريمة من سورة النساء، كما أوردنا ذلك مستقصى في كتاب "الفتن والملاحم" عند أخبار المسيح الدجال، فذكرنا ما ورد في نزول المسيح المهدي ﵇ من ذي الجلال لقتل المسيح الدجال الكذاب الداعي إلى الضلال، وهذا ذكر ما ورد في الآثار في صفة رفعه إلى السماء: قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لما أراد الله أن يرفع عيسى إلى السماء خرج على أصحابه وفي البيت اثنا عشر رجلًا منهم من الحواريين، يعني فخرج عليهم من عين في البيت ورأسه يقطر ماء، فقال: إن منكم من يكفر بي اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن بي، ثم قال: أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني فيكون معي في درجتي؟ فقام شاب من أحدثهم سنًّا فقال له: اجلس. ثم أعاد عليهم فقام الشاب فقال: أنا. فقال: أنت هو ذاك. فألقي عليه شبه عيسى، ورفع عيسى من روزنة في البيت إلى السماء.
قال: وجاء الطلب من اليهود فأخذوا الشبه فقتلوه ثم صلبوه فكفر به يعضهم اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن به وافترقوا ثلاث فرق، فقالت طائفة: كان الله فينا ما شاء، ثم صعد إلى السماء، وهؤلاء اليعقوبية، وقالت فرقة: كان فينا ابن الله ما شاء ثم رفعه الله إليه، وهؤلاء النسطورية، وقالت فرقة: كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء ثم رفعه الله إليه، وهؤلاء =стр. 379
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّينَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧ - ٨٨].
وقال تعالى في سورة الصافات: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ(١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ(١٤٠) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ(١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ(١٤٢) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ(١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ(١٤٤) فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ(١٤٥) وَأَنْبَتْنَا عَلَيهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ(١٤٦) وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ(١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٣٩ - ١٤٨].
وقال تعالى في سورة القلم: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ(٤٨) لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ(٤٩) فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [القلم: ٤٨ - ٥٠].
[موقف أهل نينوى]:
قال أهل التفسير: بعث الله يونس ﵇ إلى أهل "نينوى" من أرض الموصل، فدعاهم إلى الله ، فكذبوه وتمردوا على كفرهم وعنادهم، فلما طال ذلك عليه من أمرهم خرج من بين أظهرهم، ووعدهم حلول العذاب بهم.
قال ابن مسعود ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة، وغير واحد من السلف والخلف: فلما خرج من بين ظهرانيهم، وتحققوا نزول العذاب بهم قذف الله في قلوبهم التوبة والإنابة، وندموا على لما كان منهم إلى نبيهم، ثم عجوا إلى الله ، وتضرعوا إليه، وتمسكنوا لديه، وكانت ساعة عظيمة هائلة. =стр. 380
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ(١٤٠) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ(١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾. وذلك أنه لما وقعت عليه القرعة أُلقي في البحر.
وبعث الله حوتًا عظيمًا من البحر، فعند ذلك وهنالك، قال ما قال بلسان الحال والمقال، كما أخبر عنه ذو العزة والجلال؛ الذي يعلم السر والنجوى، ويكشف الضر والبلوى، يسمع الأصوات وإن ضعفت، وعالم الخفيات وإن دقت، ومجيب الدعوات وإن عظمت، حيث قال في كتابه المبين، المنزل على رسوله الأمين، وهو أصدق القائلين ورب العالمين وإله المرسلين: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ﴾ أي إلى أهله ﴿مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ(٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّينَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيهِ﴾ أن نضيّق عليه، وقيل معناه: نقدر من التقدير وهي لغة مشهورة، قَدِرَ وقَدَّرَ كما قال الشاعر:
فلا عائد ذاك الزمان الذي مضى ... تباركت، ما تقدر يكن لك الأمر
﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾ قال ابن مسعود وابن عباس وعمرو بن ميمون وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب والحسن وقتادة والضحاك: ظلمة الحوت، وظلمة البحر، وظلمة الليل. وقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ(١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ قيل: معناه فلولا أنه =стр. 381
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّينَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ فهو شرط من الله لمن دعاه به. [جامع البيان ج ١٧/ ٨٢].
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن كثير بن زيد، عن المطلب بن حنطب قال أبو خالد: أحسبه عن مصعب -يعني ابن سعد- عن سعد قال: قال رسول الله ﷺ : "من دعا بدعاء يونس استجيب له" قال أبو سعيد الأشج، يريد به: ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾. وهذان طريقان عن سعد [وانظر أبو يعلى ٢/ ٧٠٧].
وثالث أحسن منهما: وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن عمير، حدثنا يونس بن أبي إسحاق الهمداني، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سعد، حدثني والدي محمد، عن أبيه سعد - وهو ابن أبي وقاص ﵁ قال: مررت بعثمان بن عفان في المسجد فسلمت عليه، فملأ عينيه مني ثم لم يرد عليّ السلام، فأتيت عمر بن الخطاب فقلت: يا أمير المؤمنين ... هل حدث في الإسلام شيء؟ قال: لا، وما ذاك؟ قلت: لا، إلا أني مررت بعثمان آنفًا في المسجد فسلمت عليه فملأ عينيه مني ثم لم يرد عليّ السلام قال: فأرسل عمر إلى عثمان فدعاه، فقال: ما منعك ألا تكون رددت على أخيك السلام؟ قال: ما فعلت، قال سعد: قلت: بلى، حتى حلف وحلفت، قال: ثم إن عثمان ذكر فقال: بلى، وأستغفر الله وأتوب إليه، إنك مررت بي آنفًا، وأنا أحدث نفسي بكلمة سمعتها من رسول الله ﷺ لا والله ما ذكرتها قط إلا تغشى بصري وقلبي غشاوة، قال سعد: فأنا أنبئك بها، إن =стр. 382
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيهِمُ اثْنَينِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيكُمْ مُرْسَلُونَ(١٤) قَالُوا مَا أَنْتُمْ إلا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيءٍ إِنْ أَنْتُمْ إلا تَكْذِبُونَ(١٥) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيكُمْ لَمُرْسَلُونَ(١٦) وَمَا عَلَينَا إلا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ(١٧) قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ(١٨) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ(١٩) وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَال يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ(٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ(٢١) وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيهِ تُرْجَعُونَ(٢٢) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيئًا وَلَا يُنْقِذُونِ(٢٣) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ(٢٤) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ(٢٥) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَال يَاليتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ(٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ(٢٧) وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ(٢٨) إِنْ كَانَتْ إلا صَيحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ [يس: ١٣ - ٢٩] اشتهر عن كثير من السلف والخلف أن هذه القرية "أنطاكية" رواه ابن إسحاق فيما بلغه عن ابن عباس وكعب الأحبار ووهب بن منبه، وكذا روي عن بريدة بن الخصيب وعكرمة وقتادة والزهري وغيرهم. قال ابن =стр. 383
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيهِمُ اثْنَينِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ أي أيدناهما بثالث في الرسالة، ﴿فَقَالُوا إِنَّا إِلَيكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ فردوا عليهم بأنهم بشر مثلهم، كما قالت الأمم الكافرة لرسلهم، يستبعدون أن يبعث الله نبيًّا بشريًّا، فأجابوا بأن الله يعلم أنا رسله إليكم، ولو كنا كذبنا عليه لعاقبنا وانتقم منا أشد الانتقام. ﴿وَمَا عَلَينَا إلا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ أي إنما علينا أن نبلغكم ما أرسلنا به إليكم، والله هو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ أي تشاءمنا بما جئتمونا به. ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾ قيل: بالمقال، وقيل: بالفعال، ويؤيد الأول قوله: ﴿وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وعدهم بالقتل والإهانة. ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ أي مردود عليكم ﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ أي بسبب أنا ذكرنا بالهدى ودعوناكم إليه، توعدتمونا بالقتل والإهانة ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ أي لا تقبلون الحق ولا تريدونه.
وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ يعني لنصرة الرسل وإظهار الإيمان بهم ﴿قَال يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ(٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ أي يدعونكم إلى الحق المحض بلا أجرة ولا جعالة. ثم دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ونهاهم عن عبادة ما سواه مما لا ينفع شيئًا لا في الدنيا ولا في الآخرة. ﴿إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي إن تركت عبادة الله وعبدت معه سواه. =стр. 384
ذكر الخبر عن أَصحاب الكهف
وكان أصحابُ الكهف فتيةً آمنوا بربِّهم؛ كما وصفهم الله به من
الحواشي
(٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ يعني: ليؤمنوا بما آمنت به فيحصل لهم ما حصل لي.
قال ابن عباس: نصح قومه في حياته بقوله: ﴿يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ وبعد مماته في قوله: ﴿يَاليتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ(٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ رواه ابن أبي حاتم. وكذلك قال قتادة: لا يلقى المؤمن إلا ناصحًا، لا يلقى غاشًّا، لما عاين ما عاين من كرامة الله. ﴿يَاليتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ(٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ تمنى والله أن يعلم قومه بما عاين من كرامة الله وما هو عليه! .
قال قتادة: فلا والله ما عاتب الله قومه بعد قتله: ﴿إِنْ كَانَتْ إلا صَيحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾ أي وما احتجنا في الانتقام منهم إلى إنزال جند من السماء عليهم.
هذا معنى ما رواه ابن إسحاق عن بعض أصحابه، عن ابن مسعود، قال مجاهد وقتادة: وما أنزل عليهم جندًا، أي رسالة أخرى. قال ابن جرير: والأول أولى.
قلت: وأقوى، ولهذا قال: ﴿وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾ أي وما كنا نحتاج في الانتقام إلى هذا حين كذبوا رسلنا وقتلوا ولينا ﴿إِنْ كَانَتْ إلا صَيحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾.
أي قد أخمدت أصواتهم، وسكنت حركاتهم، ولم يبق منهم عين تطرف.
وهذا كله مما يدل على أن القرية ليست أنطاكية, لأن هؤلاء أهلكوا بتكذيبهم رسل الله إليهم، وأهل أنطاكية آمنوا واتبعوا رسل المسيح من الحواريين إليهم، فلهذا قيل: إن أنطاكية أول مدينة آمنت بالمسيح.
فأما الحديث الذي رواه الطبراني من حديث حسين الأشقر، عن سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "السبق ثلاثة: فالسابق إلى موسى: يوشع بن نون، والسابق إلى عيسى: صاحب يس، والسابق إلى محمد: علي بن أبي طالب"، فإنه حديث لا يثبت, لأن حسينًا هذا متروك شيعي من الغلاة، وتفرده بهذا مما يدل على ضعفه بالكلية .. والله أعلم. [الحديث أخرجه الطبراني ١١/ ١١١٥٢].стр. 385
صفتهم في القرآن المجيد؛ فقال لنبيِّه محمد ﷺ : ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾.
والرّقيم هو الكتاب الذي كان القوم الذين منهم كان الفتية كتبوه في لوحٍ بذكر خبرهم وقصصهم، ثم جعلوه على باب الكهف الذي أووْا إليه، أو نقروه في الجبل الذي أووْا إليه، أو كتبوه في لوح وجعلوه في صندوق خلّفوه عندهم، "إذ أوى الفتيةُ إلى الكهف".
وكان عددُ الفتية - فيما ذكر ابنُ عباس - سبعةً، وثامنهم كلبهم (١) . (٢: ٥)
حدَّثنا ابن بشّار، قال: حدَّثنا عبد الرحمن، قال: حدَّثنا إسرائيل، عن سِماك، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس: ﴿ايَعْلَمُهُمْ إلا قَلِيلٌ﴾، قال: أنا من القليل، كانوا سبعة (٢) . (٢: ٥).
حدَّثنا بشر، قال: حدَّثنا يزيد، قال: حدَّثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا أنّ ابن عباس كان يقول: أنا من أولئك القليل الذين استثنى الله تعالى؛ كانوا سبعةً وثامنهم كلبهم (٣) . (٢: ٥).
يونس بن متى
فكان - فيما ذُكِر - من أهل قرية من قرى الموصِل يقال لها: نينَوى، وكان قومه يعبدون الأصنام، فبعث الله إليهم يونس بالنهْي عن عبادتها، والأمر بالتوبة إلى الله من كفرهم، والأمر بالتوحيد، فكان من أمره وأمر الذين بُعِث إليهم ما قصّه الله في كتابه، فقال : ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إلا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ وقال: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إلا أَنْتَ الحواشي
(١) صحيح.(٢) إسناده حسن وانظر ما بعده.(٣) صحيح.
قلنا: ذكر ابن كثير طرق هذا الأثر عن ابن عباس ثم قال: فهذه أسانيد صحيحة إلى ابن عباس أنهم كانوا سبعة وهو موافق لما قدمنا (تفسير القرآن العظيم / ٢١٥٤).стр. 386
سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّينَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١) . (٢: ١١).
حدثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلمة عن ابن إسحاق، عن يزيد بن زياد، عن عبد الله بن أبي سلمة، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، قال: خرج به - يعني الحوت - حتى لفظه في ساحل البحر، فطرحه مثل الصبيّ المنفوس، لم ينقص من خلقه شيء (٢) . (٢: ١٦).
إرسال الله رسله الثلاثة
الذين ذكرهم في تنزيله، فقال: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيهِمُ اثْنَينِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيكُمْ مُرْسَلُونَ ... ﴾ الآيات التي ذكر تعالى ذكره في خبرهم (٣) . (٢: ١٨).
ذكر بقية خبر تُبّع أيام قباذ وزمن أنوشروان
حدَّثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمَة، عن ابن إسحاق، عن أبي مالك بن ثعْلبة بن أبي مالك القُرَظيّ، قال: سمعتُ إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله يحدّث أنّ تُبّعًا لما دنا من اليمن ليدخلها، حالت حِمْير بينه وبين ذلك، وقالوا: لا تدخلْها علينا وقد فارقت دينَنا، فدعاهم إلى دينه، وقال: إنّه دينٌ خير من دينكم، قالوا: فحاكمْنا إلى النار، قال: نعم - قال: وكانت باليمن فيما يزعُم أهل اليمن نارٌ تحكُم بينهم فيما يختلفون فيه، تأكل الظالم ولا تضرّ المظلوم - فلما قالوا ذلك لتُبّع قال: أنصفتم، فخرج قومُه بأوثانهم وما يتقرّبون به في دينهم، وخرج الحَبْران بمصاحفهما في أعناقهما متقلّديها حتى قعدوا للنار عند مخرجها الذي تخرج النار منه، فخرجت النار إليهم، فلما أقبلت نحوهم حادُوا عنها وهابوها، فذمَرهم مَنْ حضرهم من الناس، وأمروهم بالصّبر فصبروا، الحواشي
(١) صحيح.(٢) صحيح.(٣) صحيح.стр. 387
حتى غشيتْهم وأكلت الأوثان وما قرّبوا معها، ومَنْ حمل ذلك من رجال حِمْير، وخرج الحَبْران بمصاحفهما في أعناقهما تعرَق جباههما، لم تضرّهما، فأصفقت حِمْير عند ذلك على دينه؛ فمن هناك وعن ذلك كان أصلُ اليهوديّة باليمن (١) . (٢: ١٠٨/ ١٠٩).
ذكر مولد رسول الله ﷺ -
حدَّثنا ابن المثنّى، قال: حدَّثنا وهب بن جرير، قال: حدَّثنا أبي، قال: سمعت محمد بن إسحاق يحدّث عن المطّلب بن عبد الله بن قَيس بن محرمة، عن أبيه، عن جدّه، قال: ولدت أنا ورسول الله ﷺ عامَ الفيل (٢) . (٢: ١٥٥).
وحُدّثت عن يحيى بن معين، قال: حدَّثنا حجّاج بن محمد، قال: حدَّثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عبّاس، قال: وُلد رسول الله ﷺ عامَ الفيل (٣) . (٢: ١٥٥).
حدّثت عن إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنا عبدُ العزيز بن أبي ثابت، قال: حدَّثنا الزُّبَيْر بن موسى، عن أبي الحُويرث، قال: سمعت عبدَ الملك بن مَرْوان يقول لقُباث بن أشْيَم الكِنانيّ اللّيثيّ: يا قباث، أنتَ أكبر أم رسول الله ﷺ ؟ قال: رسول الله ﷺ أكبر مني وأنا أسنّ منه، ولد رسول الله ﷺ عامَ الفيل، ووقفت بي أميّ على روث الفيل محيلًا أعقله (٤) . (٢: ١٥٦). الحواشي
(١) والخبر أخرجه ابن هشام (١/ ٢٧) وأبو مالك هذا مقبول عن ابن عمر وانظر البداية والنهاية ٢/ ٩٥.(٢) الحديث أخرجه أحمد (ح ٣٦٢٨) والحاكم في المستدرك (٢/ ٦٠٢) وأحمد(١٧٨٩١) وابن سعد في طبقاته (١/ ١٠١) ورجاله بين الثقة والصدوق والحديث حسن والله تعالى أعلم.(٣) بين الطبري وابن معين انقطاع إلا أن الحديث صحيح أخرجه الحاكم (٢/ ٦٠٢) وصححه على شرط الشيخين وأخرجه الطبراني(١٢٤٣٢) .
وقال الهيثمي: رجاله موثوقون (مجمع الزوائد ١/ ١٩٦) والبيهقي (١/ ٧٥).(٤) قال الحافظ ابن كثير: نص عليه ابن إسحاق ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن عفان عن سعيد بن مينا عن جابر وابن عباس أنهما قالا: ولد رسول الله ﷺ عام الفيل يوم الإثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول وفيه بعث وفيه عرج به إلى السماء وفيه هاجر وفيه مات، وهو المشهور عند الجمهور والله أعلم.стр. 388
حدثنا ابن حُميد، قال: حدثنا سَلمة، عن محمد بن إسحاق، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن مَعْدان الكَلاعيّ، أنّ نفرًا من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: يا رسول الله، أخبرْنا عن نفسك، قال: نعم، أنا دَعْوَةُ أبي إبراهيم، وبُشْرَى عيسى، ورَأتْ أمي حين حَمَلت بي أنَّه خرَج منها نورٌ أضاءَ لها قصورَ بُصْرى من أرْضِ الشام، واسْتُرْضِعْت في بني سعد بن بَكْر، فَبَينَا أنا مع أخٍ لي خلفَ بُيوتِنا نرعى بَهْمًا لنا، أتاني رجلان عليهما ثياب بيض بطسْتٍ من ذهب مملوءةٍ ثلجًا، فأخذاني، فشقّا بطني، ثم استخْرجا منه قلبي، فشقّاه فاستخرجا منه عَلَقَة سوداء، فَطَرَحاها، ثم غسلا بطني وقلبي بذلك الثَّلج حتى أنْقَيَاه، ثم قال أحدهما لصاحبه: زنْه بعشرة من أمّته، فَوَزَنني بهم فوزْنتهُم، ثم قال: زِنْهُ بمئةٍ من أمَّتِه، فوزَنَنِي بهم فَوَزَنْتُهم، ثم قال: زمنه بألف من أمَّتِهِ، فوزنني بهم فوزَنْتهُم، ثم قال: دعْه عنْك، فلو وَزَنتهُ بأمَّتِه لوَزَنَها (١) . (٢: ١٦٥).
ذكر منْ قال ذلك:
حدّثني القاسم بن الحسن، قال: حدَّثني الحسين، قال: حدَّثني حجاج، عن أبي بكر بن عبد الله، عن عكرمة: أن الرّوم وفارس اقتتلوا في أدنى الأرض. قال: وأدنى الأرض يومئذ أذْرِعات، بها التقوْا فهُزمَت الرُّوم، فبلغ ذلك الحواشي
(١) قلنا: الحديث في سيرة ابن هشام هكذا كما عند الطبري (١/ ١٤٦) وأما شق صدره ﵇ وغسله (وهو صغير) فصحيح كما أخرج مسلم (الإيمان / ٢٦١) عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ أتاه جبريل ﵇ وهو يلعب مع الغلمان فأخذه فصرعه فشق عن قلبه فاستخرج منه علقة فقال هذا حظ الشيطان منك ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم ثم لأمه ثم أعاده في مكانه وجاء الغلمان يسعون إلى أمه فقالوا إن محمدًا قد قتل فاستقبلوه وهو منتقع اللون، قال: إني كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره. والحديث أخرجه أحمد (ح / ١٢٢٢١).
وأورده البوصيري عن أبي يعلى بسنده إلى عتبة بن عبد أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ كيف كان أول شأنك يا رسول الله؟ قال: كانت حاضنتي من بني سعد بن بكر فانطلقت أنا وابن لها في بهم لنا ولم نأخذ معنا زادًا فقلت: يا أخي اذهب فائتنا بزاد من عند أمنا فانطلق أخي ومكثت عند البهم فأقبل إليّ طيران أبيضان كأنهما نسران فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: نعم فأقبلا يبتدراني فأخذاني فبطحاني للقفا فشقا بطني. إلخ الحديث وفي آخره: قالت: إني رأيت خرج مني نور أضاءت منه قصور الشام. =стр. 389
النبيّ ﷺ وأصحابَه وهم بمكة؛ فشقَّ ذلك عليهم - وكان النبيّ ﷺ يكرَهُ أن يظهر الأمِّيُّون من المجوس على أهل الكتاب من الرّوم - وفرح الكفّار بمكَّة وشمِتوا، فلقوا أصحاب النبيّ ﷺ ، فقالوا: إنَّكم أهل كتاب والنَّصارى أهل كتاب ونحن أمِّيُّون، وقد ظهر إخوانُنا من أهل فارس على إخوانكم من أهْل الكتاب، وإنَّكم إن قاتلتمونا لنظهرَّنَ عليكم؛ فأنزل الله: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ - إلى - ﴿وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾، فخرج أبو بكْر الصدّيق إلى الكفّار فقال: أفرحتم بظهور إخْوانكم على إخْواننا! فلا تفرحوا ولا يقرّنَّ الله أعيُنكم، فوالله ليظْهَرَنَّ الرُّوم على فارس، أخبرنا بذلك نبيُّنا، فقام إليه أُبيّ بن خَلَف الجمحيّ، فقال: كذبتَ يا أبا فَصيل! فقال له أبو بكر: أنت أكذبُ يا عدوَّ الله! فقال: أناحبك! عشرَ قلائص منِّي، وعشر قلائص منك، فإن ظهرت الروم على فارس غرِمتُ، وإن ظهرت فارس غرِمتَ إلى ثلاث سنين، ثم جاءَ أبو بكر إلى النبيّ ﷺ ، فأخبره، فقال: ما هكذا ذكرتُ، إنَّما البِضع ما بين الثَّلاث إلى التِّسع، فزَايِدْه في الخطر ومادّه في الأجل. فخرج أبو بكر فلقيَ أبَيًّا فقال: لعلَّك ندمتَ، قال: لا، تعال أزايِدْك في الخطَر وأمادّك في الأجَل، فاجْعَلْها مئة قلوص إلى تسعِ سنين، قال: قد فعلْت (١) . (٢: ١٨٤/ ١٨٥).
حدّثني إبراهيم بن سعيد الجوهريّ، قال: حدَّثنا يحيى بن صالح، عن الحسن بن أيوب الحضرميّ، قال: حدَّثنا عبد الله بن بُسْر، قال: قال لي رسول الله ﷺ : "لتدركنّ قرنًا"، فعاش مئة سنة (٢) . (٢: ٢٣٦).
ذكر رسول الله ﷺ -
فتوفّي عبد المطلب بعد الفيل بثماني سنين؛ كذلك حدَّثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلَمة، قال: حدّثني محمّد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر: وكان عبد المطّلب يوصي برسول الله ﷺ عَمّه أبا طالب، وذلك أن أبا طالب، وعبد الله أبا رسول الله ﷺ كانا لأمّ، فكان أبو طالب هو الذي يلِي أمرَ الحواشي
(١) هذا الخبر أخرجه الطبري هنا عن عكرمة مرسلًا، وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.(٢) صحيح.стр. 390
رسول الله ﷺ بعد جدّه، وكان يكون معه. ثم إن أبا طالب خرج في ركب من قريش إلى الشَّام تاجرًا، فلمّا تهيّأ للرحيل وأجمع السير ضَبّ به رسول الله ﷺ فيما يزعمون- فرقّ له أبو طالب، فقال: والله لأخرجنّ به معي، ولا يفارقني ولا أفارقه أبدًا، أو كما قال: فخرج به معه، فلمّا نزل الركب بُصْرى من أرض الشأم، وبها واهب يقال له بَحِيرَى في صومعة له، وكان ذا علم من أهل النّصرانية، ولم يزل في تلك الصومعة مذ قطّ واهب، إليه يصير علمهم عن كتاب - فيما يزعمون - يتوارثونه كابرًا عن كابر، فلما نزلوا ذلك العام ببحِيرَى، صنع لهم طعامًا كثيرًا، وذلك أنه رأى رسول الله ﷺ وهو في صومعته، عليه غمامة تُظلّه من بين القوم، ثم أقبلوا حتى نزلوا في ظلّ شجرة قريبًا منه، فنظر إلى الغمامة حين أظلّت الشّجرة، وتهصّرت أغصان الشجرة على رسول الله ﷺ ، حتى استظلّ تحتها، فلما رأى ذلك بحيرى، نزل من صومعته، ثم أرسل إليهم فدعاهم جميعًا، فلما رأى بحِيرَى رسول الله ﷺ جعل يلحظه لحظًا شديدًا، وينظر إلى أشياء من جَسده قد كان يجدُها عنده من صفته. فلما فرغ القوم من الطّعام وتفرّقوا، سأل رسول الله ﷺ عن أشياء في حاله؛ في يقَظتِهِ وفي نومه، فجعل رسول الله ﷺ يُخبِرُه فيجدُها بَحيرى موافقةً لما عنده من صِفته، ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتَم النبوّة بين كَتِفَيه، ثم قال بَحِيرى لعمّه أبي طالب: ما هذا الغلام منك؟ قال: ابني، فقال له بَحِيرى: ما هو بابنك، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حَيًّا. قال: فإنه ابنُ أخي، قال: فما فعل أبوه؟ قال: مات وأمّه حُبْلى به، قال: صدقتَ، ارجع به إلى بلدك، واحذَرْ عليه يَهُود؛ فوالله لِئنْ رأوه وعرفوا منه ما عرفْتُ، ليبغُنَّه شرًّا، فإنه كائن له شأن عظيم، فأسرع به إلى بلده، فخرج به عمّهُ سريعًا حتى أقدمه مكَّة.
وقال هشام بن محمَّد: خرج أبو طالب برسول الله ﷺ إلى بُصْرَى من أرْضِ الشأم؛ وهو ابنُ تسع سنين (١) . (٢: ٢٧٧).
حدّثني العباس بن محمد، قال: حدَّثنا أبو نوح، قال: حدَّثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي بكر بن أبي موسى، عن أبي موسى، قال: خرج следующие страницы →