← История

История · id 145435

صحيح وضعيف تاريخ الطبري

محمد بن طاهر البرزنجي

Полный текст (6 167 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّينَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١). (٢: ١١). حدثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلمة عن ابن إسحاق، عن يزيد بن زياد، عن عبد الله بن أبي سلمة، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، قال: خرج به - يعني الحوت - حتى لفظه في ساحل البحر، فطرحه مثل الصبيّ المنفوس، لم ينقص من خلقه شيء (٢). (٢: ١٦). إرسال الله رسله الثلاثة الذين ذكرهم في تنزيله، فقال: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيهِمُ اثْنَينِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيكُمْ مُرْسَلُونَ ... ﴾ الآيات التي ذكر تعالى ذكره في خبرهم (٣). (٢: ١٨). ذكر بقية خبر تُبّع أيام قباذ وزمن أنوشروان حدَّثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمَة، عن ابن إسحاق، عن أبي مالك بن ثعْلبة بن أبي مالك القُرَظيّ، قال: سمعتُ إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله يحدّث أنّ تُبّعًا لما دنا من اليمن ليدخلها، حالت حِمْير بينه وبين ذلك، وقالوا: لا تدخلْها علينا وقد فارقت دينَنا، فدعاهم إلى دينه، وقال: إنّه دينٌ خير من دينكم، قالوا: فحاكمْنا إلى النار، قال: نعم - قال: وكانت باليمن فيما يزعُم أهل اليمن نارٌ تحكُم بينهم فيما يختلفون فيه، تأكل الظالم ولا تضرّ المظلوم - فلما قالوا ذلك لتُبّع قال: أنصفتم، فخرج قومُه بأوثانهم وما يتقرّبون به في دينهم، وخرج الحَبْران بمصاحفهما في أعناقهما متقلّديها حتى قعدوا للنار عند مخرجها الذي تخرج النار منه، فخرجت النار إليهم، فلما أقبلت نحوهم حادُوا عنها وهابوها، فذمَرهم مَنْ حضرهم من الناس، وأمروهم بالصّبر فصبروا،

стр. 387

حتى غشيتْهم وأكلت الأوثان وما قرّبوا معها، ومَنْ حمل ذلك من رجال حِمْير، وخرج الحَبْران بمصاحفهما في أعناقهما تعرَق جباههما، لم تضرّهما، فأصفقت حِمْير عند ذلك على دينه؛ فمن هناك وعن ذلك كان أصلُ اليهوديّة باليمن (١). (٢: ١٠٨/ ١٠٩). ذكر مولد رسول الله ﷺ - حدَّثنا ابن المثنّى، قال: حدَّثنا وهب بن جرير، قال: حدَّثنا أبي، قال: سمعت محمد بن إسحاق يحدّث عن المطّلب بن عبد الله بن قَيس بن محرمة، عن أبيه، عن جدّه، قال: ولدت أنا ورسول الله ﷺ عامَ الفيل (٢). (٢: ١٥٥). وحُدّثت عن يحيى بن معين، قال: حدَّثنا حجّاج بن محمد، قال: حدَّثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عبّاس، قال: وُلد رسول الله ﷺ عامَ الفيل (٣). (٢: ١٥٥). حدّثت عن إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنا عبدُ العزيز بن أبي ثابت، قال: حدَّثنا الزُّبَيْر بن موسى، عن أبي الحُويرث، قال: سمعت عبدَ الملك بن مَرْوان يقول لقُباث بن أشْيَم الكِنانيّ اللّيثيّ: يا قباث، أنتَ أكبر أم رسول الله ﷺ ؟ قال: رسول الله ﷺ أكبر مني وأنا أسنّ منه، ولد رسول الله ﷺ عامَ الفيل، ووقفت بي أميّ على روث الفيل محيلًا أعقله (٤). (٢: ١٥٦).

стр. 388

حدثنا ابن حُميد، قال: حدثنا سَلمة، عن محمد بن إسحاق، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن مَعْدان الكَلاعيّ، أنّ نفرًا من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: يا رسول الله، أخبرْنا عن نفسك، قال: نعم، أنا دَعْوَةُ أبي إبراهيم، وبُشْرَى عيسى، ورَأتْ أمي حين حَمَلت بي أنَّه خرَج منها نورٌ أضاءَ لها قصورَ بُصْرى من أرْضِ الشام، واسْتُرْضِعْت في بني سعد بن بَكْر، فَبَينَا أنا مع أخٍ لي خلفَ بُيوتِنا نرعى بَهْمًا لنا، أتاني رجلان عليهما ثياب بيض بطسْتٍ من ذهب مملوءةٍ ثلجًا، فأخذاني، فشقّا بطني، ثم استخْرجا منه قلبي، فشقّاه فاستخرجا منه عَلَقَة سوداء، فَطَرَحاها، ثم غسلا بطني وقلبي بذلك الثَّلج حتى أنْقَيَاه، ثم قال أحدهما لصاحبه: زنْه بعشرة من أمّته، فَوَزَنني بهم فوزْنتهُم، ثم قال: زِنْهُ بمئةٍ من أمَّتِه، فوزَنَنِي بهم فَوَزَنْتُهم، ثم قال: زمنه بألف من أمَّتِهِ، فوزنني بهم فوزَنْتهُم، ثم قال: دعْه عنْك، فلو وَزَنتهُ بأمَّتِه لوَزَنَها (١). (٢: ١٦٥). ذكر منْ قال ذلك: حدّثني القاسم بن الحسن، قال: حدَّثني الحسين، قال: حدَّثني حجاج، عن أبي بكر بن عبد الله، عن عكرمة: أن الرّوم وفارس اقتتلوا في أدنى الأرض. قال: وأدنى الأرض يومئذ أذْرِعات، بها التقوْا فهُزمَت الرُّوم، فبلغ ذلك

стр. 389

النبيّ ﷺ وأصحابَه وهم بمكة؛ فشقَّ ذلك عليهم - وكان النبيّ ﷺ يكرَهُ أن يظهر الأمِّيُّون من المجوس على أهل الكتاب من الرّوم - وفرح الكفّار بمكَّة وشمِتوا، فلقوا أصحاب النبيّ ﷺ ، فقالوا: إنَّكم أهل كتاب والنَّصارى أهل كتاب ونحن أمِّيُّون، وقد ظهر إخوانُنا من أهل فارس على إخوانكم من أهْل الكتاب، وإنَّكم إن قاتلتمونا لنظهرَّنَ عليكم؛ فأنزل الله: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ - إلى - ﴿وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾، فخرج أبو بكْر الصدّيق إلى الكفّار فقال: أفرحتم بظهور إخْوانكم على إخْواننا! فلا تفرحوا ولا يقرّنَّ الله أعيُنكم، فوالله ليظْهَرَنَّ الرُّوم على فارس، أخبرنا بذلك نبيُّنا، فقام إليه أُبيّ بن خَلَف الجمحيّ، فقال: كذبتَ يا أبا فَصيل! فقال له أبو بكر: أنت أكذبُ يا عدوَّ الله! فقال: أناحبك! عشرَ قلائص منِّي، وعشر قلائص منك، فإن ظهرت الروم على فارس غرِمتُ، وإن ظهرت فارس غرِمتَ إلى ثلاث سنين، ثم جاءَ أبو بكر إلى النبيّ ﷺ ، فأخبره، فقال: ما هكذا ذكرتُ، إنَّما البِضع ما بين الثَّلاث إلى التِّسع، فزَايِدْه في الخطر ومادّه في الأجل. فخرج أبو بكر فلقيَ أبَيًّا فقال: لعلَّك ندمتَ، قال: لا، تعال أزايِدْك في الخطَر وأمادّك في الأجَل، فاجْعَلْها مئة قلوص إلى تسعِ سنين، قال: قد فعلْت (١). (٢: ١٨٤/ ١٨٥). حدّثني إبراهيم بن سعيد الجوهريّ، قال: حدَّثنا يحيى بن صالح، عن الحسن بن أيوب الحضرميّ، قال: حدَّثنا عبد الله بن بُسْر، قال: قال لي رسول الله ﷺ : "لتدركنّ قرنًا"، فعاش مئة سنة (٢). (٢: ٢٣٦). ذكر رسول الله ﷺ - فتوفّي عبد المطلب بعد الفيل بثماني سنين؛ كذلك حدَّثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلَمة، قال: حدّثني محمّد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر: وكان عبد المطّلب يوصي برسول الله ﷺ عَمّه أبا طالب، وذلك أن أبا طالب، وعبد الله أبا رسول الله ﷺ كانا لأمّ، فكان أبو طالب هو الذي يلِي أمرَ

стр. 390

رسول الله ﷺ بعد جدّه، وكان يكون معه. ثم إن أبا طالب خرج في ركب من قريش إلى الشَّام تاجرًا، فلمّا تهيّأ للرحيل وأجمع السير ضَبّ به رسول الله ﷺ فيما يزعمون- فرقّ له أبو طالب، فقال: والله لأخرجنّ به معي، ولا يفارقني ولا أفارقه أبدًا، أو كما قال: فخرج به معه، فلمّا نزل الركب بُصْرى من أرض الشأم، وبها واهب يقال له بَحِيرَى في صومعة له، وكان ذا علم من أهل النّصرانية، ولم يزل في تلك الصومعة مذ قطّ واهب، إليه يصير علمهم عن كتاب - فيما يزعمون - يتوارثونه كابرًا عن كابر، فلما نزلوا ذلك العام ببحِيرَى، صنع لهم طعامًا كثيرًا، وذلك أنه رأى رسول الله ﷺ وهو في صومعته، عليه غمامة تُظلّه من بين القوم، ثم أقبلوا حتى نزلوا في ظلّ شجرة قريبًا منه، فنظر إلى الغمامة حين أظلّت الشّجرة، وتهصّرت أغصان الشجرة على رسول الله ﷺ ، حتى استظلّ تحتها، فلما رأى ذلك بحيرى، نزل من صومعته، ثم أرسل إليهم فدعاهم جميعًا، فلما رأى بحِيرَى رسول الله ﷺ جعل يلحظه لحظًا شديدًا، وينظر إلى أشياء من جَسده قد كان يجدُها عنده من صفته. فلما فرغ القوم من الطّعام وتفرّقوا، سأل رسول الله ﷺ عن أشياء في حاله؛ في يقَظتِهِ وفي نومه، فجعل رسول الله ﷺ يُخبِرُه فيجدُها بَحيرى موافقةً لما عنده من صِفته، ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتَم النبوّة بين كَتِفَيه، ثم قال بَحِيرى لعمّه أبي طالب: ما هذا الغلام منك؟ قال: ابني، فقال له بَحِيرى: ما هو بابنك، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حَيًّا. قال: فإنه ابنُ أخي، قال: فما فعل أبوه؟ قال: مات وأمّه حُبْلى به، قال: صدقتَ، ارجع به إلى بلدك، واحذَرْ عليه يَهُود؛ فوالله لِئنْ رأوه وعرفوا منه ما عرفْتُ، ليبغُنَّه شرًّا، فإنه كائن له شأن عظيم، فأسرع به إلى بلده، فخرج به عمّهُ سريعًا حتى أقدمه مكَّة. وقال هشام بن محمَّد: خرج أبو طالب برسول الله ﷺ إلى بُصْرَى من أرْضِ الشأم؛ وهو ابنُ تسع سنين (١). (٢: ٢٧٧). حدّثني العباس بن محمد، قال: حدَّثنا أبو نوح، قال: حدَّثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي بكر بن أبي موسى، عن أبي موسى، قال: خرج

стр. 391

أبو طالب إلى الشأم، وخرج معه رسول الله ﷺ في أشْيَاخ من قُريش، فلما أشرفُوا على الرّاهب هَبطُوا فحلُّوا رحالهم، فخرج إليهم الراهب - وكانوا قبل ذلك يمرُّون به فلا يخرج إليهم ولا يلتفت. قال: فهم يحلُّون رحالهم؛ فجعل يتخلَّلُهُم حتى جاء فأخَذ بيد رسول الله ﷺ ، فقال: هذا سيّدُ العالمين، هذا رسولُ ربّ العالمين؛ هذا يبعثه الله رحمةً للعالمين. فقال له أشياخ قُريش: ما عَلّمَك؟ قال: إنّكم حين أشرفتم من العَقَبة لم تبق شَجرَة ولا حَجَر إلّا خَرّ ساجدًا؛ ولا يسجدون إلا لنبيّ، وإني أعرِفه بخاتَم النبوّة، أسفلَ من غُضْروفِ كتفه مثل التّفاحة. ثم رجع فصَنَع لهم طعامًا، فلما أتاهم به كان هو في رِعْيَة الإبل. قال: أرسلوا إليه، فأقبل وعليه غَمامة، فقال: انظروا إليه؛ عليه غمامة تُظلُّه! فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فَيء الشجرة فلما جلس مال فيء الشجرة عليه فقال: انظروا إلى فيء الشجرة مال عليه؛ قال: فبينما هو قائم عليهم؛ وهو يناشدُهم ألّا يذهبوا بهِ إلى الرّوم؛ فإنّ الرّوم إن رأوْه عرفوه بالصّفة فقتلوه؛ فالتفتَ فإذا هو بسبعة نفرٍ قد أقبلوا من الرُّوم؛ فاستقبلهم، فقال: ما جاء بكم؟ قالوا: جئنا أنّ هذا النبيّ خارج في هذا الشهر، فلم يبقَ طريق إلا بُعِثَ إليها ناس، وإنا اخْترْنا خيرةَ بعثِنا إلى طريقك هذا؛ قال لهم: هل خَلَّفتم خَلْفَكُم أحدًا هو خَيرٌ منكم؟ قالوا: لا؛ إنما اخترنا خيرة لطريقك هذا، قال: أفرأيتم أمرًا أراد الله أن يقضِيَه، هل يستطيع أحد من الناس رَدّه! قالوا: لا؛ فتابعوه وأقاموا معه، قال: فأتاهم، فقال: أنشدكم الله، أيّكم وليّه؟ قالوا: أبو طالب، فلم يزلْ يناشِده حتى ردّه، وبعث معه أبو بكر رضي الله تعالى عنه بلالًا، وزوّده الراهب من الكَعْك والزّيت (١). (٢: ٢٧٨/ ٢٧٩).

стр. 392

حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سَلمة، قال: حدّثني محمّد بن إسحاق عن محمّد بن عبد الله بن قيس بن مخْرمة، عن الحسن بن محمّد بن عليّ بن أبي طالب، عن أبيه محمّد بن عليّ، عن جَدّه عليّ بن أبي طالب، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ ، يقول: ما هممتُ بشيء ممّا كان أهلُ الجاهليّة يعملون به غيرَ مرَّتين، كلّ ذلك يحول الله بيني وبين ما أريد من ذلك. ثمّ ما هممتُ بسوء حتى أكرَمنِي الله برسالته؛ فإنّي قد قلت ليلة لغلامٍ من قريش كان يرعى مَعِي بأعلى مكة: لو أبصرتَ لي غَنَمِي حتى أدخلَ مكّة، فأسمرَ بها كما يسمُر الشباب! فقال: أفعل؛ فخرحتُ أريد ذلك؛ حتى إذا جئتُ أوّلَ دارٍ من دُور مكّة، سمعت عَزْفًا بالدّفوف والمزامير، فقلت: ما هذا؟ قالوا: فلان بن فلان تزوّج بفلانة بنت فلان. فجلست أنظر إليهم، فضرب الله على أذني فنمْت فما أيقظني إلّا مَسّ الشمس؛ قال: فجئت صاحِبِي، فقال: ما فعلت؟ قُلت: ما صنعت شيئًا، ثم أخبرتُه الخبر. قال: ثم قلتُ له ليلةً أخرى مثلَ ذلك، فقال: أفعل، فخرجتُ فسمعتُ حين جئت مكّة مثلَ ما سمعت حين دخلتُ مكّة تلك اللّيلة، فجلستُ أنظر، فضرب الله على أذني؛ فوالله ما أيقظني إلّا مَسُّ الشمس؛ فرجعت إلى صاحبي فأخبرتُه الخبر. ثم ما هممتُ بعدها بسوء حتى أكرمني الله برسالته (١). (٢: ٢٧٩).

стр. 393

واختلف السَّلَف في سنّ رسول الله ﷺ حين نُبّئ كم كانت؟ فقال بعضهم: نُبّئَ رسول الله ﷺ بعدما بنتْ قريش الكعبة بخمس سنين؛ وبعدما تمّت له من مولده أربعون سنة. ذكر من قال ذلك: حدّثني محمد بن خلَف العسقلانيّ، قال: حدَّثنا آدم، قال: حدَّثنا حمّاد بن سلَمة، قال: حدَّثنا أبو جَمْرة الضّبْعيّ، عن ابن عباس، قال: بُعِث رسول الله ﷺ لأربعين سنة (١). (٢: ٢٩٠). حدَّثنا عمرو بن علي وابن المثَنّى، قالا: حدَّثنا يحيى بن محمّد بن قيس قال: سمعتُ ربيعة بن أبي عبد الرحمن يذكر عن أنس بن مالك، أنّ رسولَ الله ﷺ بُعث على رأس أربعين (٢). (٢: ٢٩١). حدَّثنا العباس بن الوليد، قال: أخبرني أبي، قال: حدَّثنا الأوزاعيّ، قال: حدّثني ربيعة بن أبي عبد الرحمن، قال: حدثني أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ بُعث على رأس أربعين (٣). (٢: ٢٩١). حدّثني ابنُ عبد الرحيم البرْقيّ، قال: حدَّثنا عمرو بن أبي سلَمة، عن الأوزاعيّ، قال: حدّثني ربيعة بن أبي عبد الرحمن، قال: حدّثني أنس بن مالك، أنّ رسول الله ﷺ بُعث على رأس أربعين (٤). (٢: ٢٩١).

стр. 394

حدثني أبو شُرَحْبيل الحِمْصيّ، قال: حَدّثني أبو اليمان، قال: حدَّثنا إسماعيل بن عَيّاش، عن يحيى بن سعيد، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن أنس بن مالك، قال: أنزل على النبيّ ﷺ وهو ابن أربعين (١) (٢: ٢٩١). حدَّثنا ابن المثنّى، قال: حدَّثنا الحجّاج بن المنهال، قال: حدَّثنا حَمّاد، قال: حدَّثنا عَمْرو بن دينار، عن عُروة بن الزُّبَير، قال: بُعِث رسول الله ﷺ وهو ابن أربعين (٢). (٢: ٢٩١). حدثنا ابن المثنّى، قال: حَدّثنا الحجاج، عن حَمّاد، قال: أخبَرنا عمرو، عن يحيى بن جَعْدة، أنّ رسول الله ﷺ كما قال لفاطمة: إنّه كان يُعْرَض عليّ القرآن كل عام مَرّة؛ وإنه قد عُرِض عليَّ العامَ مرتين؛ وإنه قد خُيِّلَ إليّ أن أجَلِي قد حضر؛ وأنّ أوَّلَ أهلي لحاقًا بي أنتِ؛ وإنه لم يُبعث نبيّ إلّا بُعِث الذي بعده بنصفٍ من عمره، وبعث عيسى لأربعين، وبعثتُ لعشرين" (٣). (٢: ٢٩١). حدثني عبيد الله بن محمد الورّاق، قال: حدَّثنا روْح بن عبادة، قال: حدَّثنا هشام، قال: حدَّثنا عِكْرمة، عن ابن عباس، قال: بُعِث رسول الله ﷺ لأربعين سنة، فمكَثَ بمكّة ثلاث عشرة سنة (٤). (٢: ٢٩٢). حدَّثنا أبو كُريب، قال: حدَّثنا أبو أسامة ومحمّد بن ميمون الزّعفرانيّ، عن هشام بن حسّان، عن عِكْرمة، عن ابن عبّاس، قال: بُعِث رسول الله ﷺ وأنزل عليه وهو ابن أربعين سنة، فمكَث بمكّة ثلاث عشرة سنة (٥). (٢: ٢٩٢). * * *

стр. 395

صَحِيحُ تَارِيخ الطَّبَرِيِّ السيرة النبوية للإِمَامِ أبِي جَعْفَر بن جَرِير الطَّبَرِيِّ (٢٢٤ - ٣١٠ هـ) حقَّقَه وَخرَّج رَوَايَاته وعَلَّقَ عليه محمد بن طاهر البرزنجي بإشرافِ ومُراجعَة المحقِّق محمد صبحي حسن حلّاق المجلّد الثاني دَار ابْن كَثير دمشق- بَيروت

стр. 396

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 397

صحيحُ تاريخ الطبري السيرة النبوية

стр. 398

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الطبعة الأولى ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م جميع الحقوق محفوظة يمنع طبع هذا الكتاب أو جزء منه بكل طرق الطبع والتصوير والنقل والترجمة والتسجيل المرئي والمسموع والحاسوبي وغيرها من الحقوق إلا بإذن خطي من دَار ابن كَثير للطباعة والنشر والتوزيع دمشق- بيروت الرقم الدولي: الموضوع: تاريخ العنوان: صحيح وضعيف تاريخ الطبري ١/ ١٠ التأليف: الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري نوع الورق: أبيض ألوان الطباعة: لونان عدد الصفحات: ٥٦١٦ القياس: ١٧×٢٤ نوع التجليد: فني- كعب لوحة الوزن: ١٥ كغ التنفيذ الطباعي: مطابع المستقبل التجليد: مؤسسة فؤاد البعينو للتجليد دار ابن كثير دمشق- حلبونى- جادة ابن سينا- بناء الجابى ص. ب: ٣١١ - هاتف: ٢٢٢٥٨٧٧ - ٢٢٢٨٤٥٠ - فاكس: ٢٢٤٣٥٠٢ بيروت- برج أبي حيدر- خلف دبوس الأصلي- بناء الحديقة ص. ب: ٦٣١٨/ ١١٣ - تلفاكس: ٨١٧٨٥٧/ ٠١ - جوال: ٢٠٤٤٥٩/ ٠٣ www.ibn-katheer.com - info@ibn-katheer.com

стр. 399

ذكر اليوم الذي نُبّئ فيه رسول الله ﷺ من الشهر الذي نُبِّيء فيه وما جاء في ذلك ١ - قال أبو جعفر: صَحّ الخبرُ عن رسول الله ﷺ بما حدَّثنا به ابن المثنّى، قال: حدَّثنا محمّد بن جعفر، قال: حدَّثنا شُعبة، عن غَيلان بن جرير، أنه سمع عبد الله بن معبد الزِّمّانيّ، عن أبي قتَادة الأنصاريّ، أن رسول الله ﷺ سئل عن صوم الإثنين، فقال: ذلك يوم وُلدتُ فيه، ويوم بعثتُ -أو أنزل عليّ- فيه (١). (٢: ٢٩٣). ٢ - حدَّثنا أحمد بن منصور، قال: حدَّثنا الحسن بن موسى الأشيب، قال: حدَّثنا أبو هلال، قال: حدَّثنا غَيلان بن جرير المَعْوَليّ قال: حدَّثنا عبد الله بن معبد الزِّمّانيّ، عن أبي قَتادة، عن عمر ﵀ أنه قال للنبيّ ﷺ : يا نبيّ الله، صومُ يوم الإثنين؟ قال: ذاك يوم وُلدتُ فيه، ويوم أنزلت عليّ فيه النبوّة (٢). (٢/ ٢٩٣).

стр. 400

٣ - حدثنا إبراهيم بن سعيد، قال: حدَّثنا موسى بن داود، عن ابن لَهيعة، عن خالد بن أبي عمران، عن حَنَش الضَنْعانيّ، عن ابن عباس، قال: ولد النبيّ ﷺ يوم الإثنين، واستنبِئ يوم الإثنين (١). قال أبو جعفر: وهذا ممَّا لا خلاف فيه بين أهل العلم. (٢: ٢٩٣). وقال آخرون: بل أنزل لأربع وعشرين ليلة خلَتْ منه. ذكر من قال ذلك: ٤ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلمَة، قال: حدّثني محمد بن إسحاق، قال: حدّثني مَنْ لا يُتّهم عن سَعِيد بن أبي عروبة، عن قتَادة بن دعامة السدُوسيّ، عن أبي الجلد، قال: نزَل الفرقان لأربع وعشرين ليلة خَلَتْ من رمضان (٢). (٢: ٢٩٤)

стр. 401

وقال آخرون: بل نزل لسبعَ عشرة خَلتْ من شهر رمضان؛ واستشهدوا لتحقيق ذلك بقول الله : ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾؛ وذلك مُلتقَى رسول الله ﷺ والمشركين ببدْر؛ وأنّ التقاء رسول الله ﷺ والمشركين ببدْر كان صبيحة سبع عشرة من رمضان. (٢: ٢٩٤). قال أبو جعفر: وكانَ رسول الله ﷺ من قبل أن يظهرَ له جبريل ﵇ برسالة الله إليه - فيما ذكر عنه- يرى ويعاين آثارًا وأسبابًا من آثار مَنْ يريد الله إكرامه واختصاصه بفضله؛ فكان مِنْ ذلك ما قد ذكرت فيما مضى من خبره عن المَلكَين اللذين أتياه فشقّا بطنه، واستخرجا ما فيه من الغِلّ والدَّنس؛ وهو عند أمّه من الرضاعة حَليمة (١)، ومن ذلك أنه كان إذا مَرّ في طريق لا يمرّ - فيما ذكر عنه - بشجرٍ ولا حَجَر فيه إلّا سلّم عليه (٢). (٢: ٢٩٤ - ٢٩٥). ٥ - حدّثني الحارث بن محمّد، قال: حدَّثنا محمّد بن سعد، قال: أخبرَنا محمّد بن عمر، قال: حدَّثنا عليّ بن محمّد بن عبيد الله بن عمر بن الخطّاب، عن منصور بن عبد الرحمن، عن أمّه، عن بَرّة بحْت أبي تجراة، قالت: إنّ رسول الله ﷺ حين أراد الله كرَامته وابتداءه بالنبوّة، كان إذا خرج لحاجته أبْعَدَ حتى لا يرى بيتًا، ويفضي إلى الشِّعَاب وبطون الأوْدية، فلا يمرّ بحجرٍ ولا شجرة إلّا قالت: السّلام عليك يا رسولَ الله، فكان يلتفِتُ عن يمينه وشماله وخلفه فلا يرى أحدًا (٣). (٢: ٢٩٥).

стр. 402

٦ - قال أبو جعفر: وكانت الأمم تتحدّث بمبعثه وتخبر علماء كلّ أمة منها قومها بذلك؛ وقد حَدّثني الحارث، قال: حدَّثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حَدّثني عليّ بن عيسى الحكميّ، عن أبيه، عن عامر بن ربيعة، قال: سمعت زيد بن عمرو بن نُفيل يقول: أنا أنتظر نبيًّا من ولد إسماعيل، ثم من بني عبد المطّلب ولا أراني أدركه؛ وأنا أؤمن به وأصدّقه، وأشهد أنه نبيّ، فإن طالت بك مدّة فرأيته، فأقرئه منِّي السلام، وسأخبرك ما نَعْتُه حتى لا يخفى عليك! قلت: هَلمّ، قال: هو رجل ليس بالقصير ولا بالطويل، ولا بكثير الشعر ولا بقليله، وليست تفارق عينيه حمرة، وخاتم النبوّة بين كتفيه، واسمه أحمد، وهذا البلد مولدهُ ومبعثه، ثم يخرِجه قومه منها، ويكرَهون ما جاء به، حتى يهاجرَ إلى يثرب فيظهرُ أمرُه؛ فإيّاك أن تُخدَعَ عنه، فإنّي طُفْت البلادَ كُلّها أطلب دين إبراهيم، فكلّ من أسأل من اليهود والنصارى والمجوس يقولون: هذا الدّين وراءك، وينعتونه مثل ما نعتهُ لك؛ ويقولون: لم يبق نبيٌّ غيره. قال عامر: فلمّا أسلمت أخبرتُ رسول الله ﷺ قول زيد بن عمرو وأقرأته منه السّلام، فردّ عليه رسول الله ﷺ ؛ وترحّم عليه، وقال: قد رأيتُه في الجنّة يسحب ذيولًا (١). (٢: ٢٩٥/ ٢٩٦).

стр. 403

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 404

٧ - حدّثني أحمد بن سنان القطان الواسطي، قال: حدَّثنا أبو معاوية قال: حدَّثنا الأعمش، عن أبي ظَبْيان، عن ابن عبّاس، أنّ رجلًا من بني عامر أتَى النبيّ ﷺ ، فقال: أرني الخاتَم الذي بين كتفيك؛ فإن يَكُ بك طِبٌّ داويتُك؛ فإني أطبّ العرب، قال: أتحبّ أن أريكَ آية؟ قال: نعم؟ ادعُ ذاك العذْق، قال: فنظر إلى عذْق في نخلة، فدعاه فجعلَ ينقُز؛ حتى قام بين يديه، قال: قل له فليرجعْ، فرجع، فقال العامريّ: يا بني عامر، ما رأيتُ كاليوم أسحر (١)! (٢: ٢٩٧). قال أبو جعفر: والأخبار عن الدلالة على نبوته ﷺ أكثر من أن تحصى، ولذلك كتاب يفرد إن شاء الله. (٢: ٢٩٧). ونرجع الآن إلى:

стр. 405

ذكر الخبر عمّا كان من أَمر نبيِّ الله ﷺ عند ابتداء الله تعالى ذكره إيّاه بِإكرامه بِإرسال جبريل ﵇ إِليه بوحيه ٨ - قال أبو جعفر: قد ذكرنا قبلُ بعضَ الأخبار الواردة عن أوّل وقت مجيء جبريل نبينا محمّدًا ﷺ بالوحْي من الله، وكم كان سنّ النبيّ ﷺ يومئذ؛ ونذكر الآن صفة ابتداء جبريل إياه بالمصير إليه، وظهوره له بتنزيل ربّه. فحدّثني أحمد بن عثمان المعروف بأبي الجوزاء، قال: حدَّثنا وهب بن جرير، قال: حدَّثنا أبي، قال: سمعتُ النُّعمان بن راشد، يحدّث عن الزّهريّ، عن عُرْوة، عن عائشة أنها قالت: كان أوّل ما ابتدئ به رسول الله ﷺ من الوَحْي الرؤيا الصادقة، كانت تجيء مثلَ فَلَق الصبْح، ثم حُبِّبَ إليه الخلاء، فكان بغار حراء يتحنَّث فيه الليالي ذوات العدد قبل أن يرجع إلى أهله، ثم يرجع إلى أهله، فيتزوّد لمثلها؛ حتى فجأه الحقّ، فأتاه، فقال: يا محمّد، أنتَ رسول الله! قال رسول الله ﷺ : فجثوْتُ لركبتي وأنا قائم، ثمّ زحفتُ ترجُفُ بوادِرِي، ثمّ دخلت على خديجة، فقلت: زمّلوني، زمّلوني! حتى ذهب عني الرَّوْع، ثم أتاني فقال: يا محمّد، أنت رسولُ الله. قال: فلقد هممت أن أطرَح نفسي من حَالِتي من جبل، فتبدَّى لي حين همصت بذلك، فقال: يا محمّد، أنا جبريل، وأنت رسول الله. ثم قال: اقرأ، قلت: ما أقرأ؟ قال: فأخذني فغطَّني ثلاث مرات، حتى بلغ منّي الجهد، ثم قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ فقرأتُ. فأتيتُ خديجة. فقلت: لقد أشفقتُ على نفسي، فأخبرتها خبرِي، فقالت: أبشِرْ، فوالله لا يُخزِيكَ الله أبدًا؛ ووالله إنّك لتَصِلُ الرَّحم، وتصدقُ الحديث، وتؤدّي الأمانة، وتحملُ الكَلَّ وتَقْرِي الضّيف، وتُعين على نوائب الحقّ، ثم انطلقتْ بي إلى ورقة بن نوفل بن أسد، قالت: اسمع من ابن أخيك، فسألني فأخبرته خبري، فقال: هذا الناموسُ الذي أنزل على موسى بن عمران، ليتني فيها جَذَعٌ! ليتني أكون حيًّا حينَ يخرجُك قومُك! قلت: أمُخْرِجيَّ هم؟ قال: نعم؛ إنه لم يجئ رجُلٌ قطُّ بما جئتَ به إلّا عُودِيَ، ولئن أدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزّرًا (١).

стр. 406

"ثم كان أول ما نزل علي من القرآن بعد "اقرأ" ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾ و ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾، و ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيلِ إِذَا سَجَى (٢)﴾ " (٢: ٢٩٨/ ٢٩٩). ٩ - حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهْب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: حَدّثني عُرْوة، أنّ عائشة أخبرته. ثم ذكر نحوه؛ غير أنه لم يَقُلْ: "ثم كان أوّل ما أنزل عليّ من القرآن" (١). إلى آخره. (٢: ٢٩٩). ١٠ - حدَّثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سَلمة، عن محمّد بن إسحاق، قال: حدّثني وهب بن كَيسان مولى آل الزُّبَيْر، قال: سمعتُ عبدَ الله بن الزُّبير، وهو يقول لعُبيد بن عمير بن قَتَادة الليثيّ: حدِّثنا يا عُبَيد كيف كان بدء ما ابتدئ به رسول الله ﷺ من النبوّة حين جاء جبريل ﵇؟ فقال عُبيد -وأنا حاضر يحدّث عبد الله بن الزُّبير ومَنْ عنده من النّاس-: كان رسول الله ﷺ في حراء من كلِّ سنة شهرًا، وكان ذلك مما تحنّثُ به قريش في الجاهلية -والتحنث: التبرّر- وقال أبو طالب: "وَرَاقٍ لِيَرْقى في حِرَاءَ ونَازِل" فكان رسول الله ﷺ يجاورُ ذلك الشهر من كلّ سنة، يطعم مَنْ جاءه من المساكين، فإذا قَضَى رسول الله ﷺ جواره من شهره ذلك، كان أوّل ما يبدأ به -إذا انصرف من جواره- الكعبة قبل أن يدخُل بيته، فيطوف بها سبعًا، أو ما شاء الله من ذلك، ثم يرجع إلى بيته، حتى إذا كان الشهر الذي أراد الله فيه

стр. 407

ما أراد من كرامته، من السّنة التي بعثه فيها، وذلك في شهر رمضان، خرج رسول الله ﷺ إلى حِرَاء -كما كان يخرج لجواره- معه أهله؛ حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه الله فيها برسالته ورحم العباد بها، جاءه جبريل بأمر الله فقال رسول الله ﷺ : فجاءني وأنا نائم بنَمَطٍ من ديباج، فيه كتاب، فقال: اقرأ، فقلت: ما أقرأ؟ فغتّني، حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ماذا أقرأ؟ وما أقول ذلك إلا افتداءً منه أن يعود إليّ بمثل ما صنع بي؛ قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ إلى قوله: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾، قال: فقرأته، قال: ثم انتهى، ثم انصرفَ عنّي وهببْت من نومي؛ وكأنّما كتب في قلبي كتابًا. قال: ولم يكن من خَلْق الله أحدٌ أبغضَ إليّ من شاعر أو مجنون؛ كنت لا أطيق أن أنظر إليهما، قال: قلت إنّ الأبْعَدَ -يعني نفسه- لشَاعر أو مجنون، لا تحدّث بها عنّي قريش أبدًا! لأعمدنّ إلى حَالِقٍ من الجبل فلأطرحنّ نفسي منه فلأقتلنّها فلأستريحنّ. قال: فخرجت أريد ذلك؛ حتى إذا كنت في وسط من الجبل؛ سمعت صوتًا من السماء يقول: يا محمّد، أنتَ رسول الله، وأنا جبريل، قال: فرفعتُ رأسي إلى السّماء؛ فإذا جبْرئيلُ في صورة رجل صافّ قدميه في أفق السماء، يقول: يا محمّد، أنت رسول الله وأنا جبرئيل. قال: فوقفت أنظرُ إليه، وشغلني ذلك عمّا أردت؛ فما أتقدّم وما أتأخّر، وجعلت أصرفُ وجهي عنه في آفاق السماء فلا أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك، فما زلتُ واقفًا ما أتقدّم أمامي، ولا أرجع ورائي؛ حتى بعثتْ خديجة رسلَها في طلبي؛ حتى بلغوا مكة ورجعوا إليها وأنا واقف في مكاني. ثم انصرف عني وانصرفت راجعًا إلى أهلي؛ حتى أتيت خديجة، فجلست إلى فخذِها مُضيفًا فقالت: يا أبا القاسم؛ أين كنت؟ فوالله لقد بعثتُ رسلي في طلبك، حتى بلغوا مكة ورجعوا إليّ. قال: قلت لها: إنَّ الأبْعَدَ لشاعر أو مجنون، فقالت: أعيذك بالله من ذلك يا أبا القاسم! ما كان الله ليصنع ذلك بك مع ما أعلم منكَ من صدق حديثك، وعظم أمانتك، وحسن خلقك، وصلة رحمك! وما ذاك يا بن عمّ! لعلّك رأيت شيئًا؟ قال: فقلت لها: نعم. ثمّ حدّثتُها بالذي رأيت؛ فقالت: أبشرْ يابن عمّ واثبت، فوالذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبيّ هذه الأمة، ثم قامت فجمعت عليها ثيابها،

стр. 408

ثم انطلقتْ إلى ورقة بن نوفل بن أسد - وهو ابن عمّها، وكان ورقة قد تنصّر وقرأ الكتب، وسمع من أهلِ التوراة والإنجيل- فأخبرته بما أخبرها به رسول الله ﷺ أنه رأى وسمع، فقال ورقة: قُدُّوس، قُدُّوس! والذي نفس ورَقَة بيده، لئن كنت صدقتني يا خديجة، لقد جاءه النّاموس الأكبر -يعني بالنّاموس جبْرئيل ﵇ الذي كان يأتي موسى- وإنه لنبيّ هذه الأمّة، فقولي له فليثبُتْ. فرجعت خديجة إلى رسول الله ﷺ ، فأخبرته بقول ورقة، فسهَّل ذلك عليه بعضَ ما هو فيه من الهمّ، فلما قضى رسول الله ﷺ جواره، وانصرف صنع كما كان يصنع؛ وبدأ بالكعبة فطاف بها، فلقيَه ورقة بن نوفل، وهو يطوفُ بالبيت، فقال: يابن أخي، أخبِرْني بما رأيت أو سمعت، فأخبره رسول الله ﷺ ، فقال له ورقة: والذي نفسي بيده، إنك لنبيّ هذه الأمّة، ولقد جاءك النّاموس الأكبر الذي جاء إلى موسى، ولتُكذبنَّهْ ولتؤذينَّهْ، وَلتُخرَجنَّهْ، ولتقاتلنّهْ؛ ولئن أنا أدركتُ ذلك لأنصرنّ الله نصرًا يعلمُه. ثم أدنى رأسَه فقبّل يافُوخه، ثم انصرف رسول الله ﷺ ، إلى منزله (١). (٢: ٣٠٠/ ٣٠١ / ٣٠٢). ١١ - حدثنا ابنُ المثنّى، قال: حدَّثنا عثمان بن عمر بن فارس، قال: حَدّثنا عليّ بن المبارك، عن يحيى -يعني ابن أبي كثير- قال: سألتُ أبا سلمة: أيّ القرآن أنزِل أوّل؟ فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾، فقلت: يقولون: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾! فقال أبو سلمَة: سألتُ جابرَ بن عبد الله: أيُّ القرآن أنزِل أوّل؟ فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾، فقلت: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، فقال: لا أخبرك إلّا ما حدَّثنا النبيّ ﷺ ، قال: جاورتُ في حِرَاء، فلما قضيتُ جِواري، هبطتُ فاستبطنت الوادي، فنوديتُ، فنظرتُ عن يميني وعن شمالي، وخلْفي وقُدّامي، فلم أرَ شيئًا، فنظرتُ فوقَ رأسي، فإذا هو جالسٌ عَلَى عرشٍ بين السّماء والأرض، فخشيتُ منه - قال

стр. 409

ابن المثنّى: هكذا قال عثمان بن عمر، وإنما هو "فجُئثت منه" (١) فلقيتُ خديجة، فقلت: دَثِّروني، فدَثّروني، وصبُّوا عليَّ ماءً، وأنزل عليّ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ (٢: ٣٠٣ - ٣٠٤). ١٢ - حدَّثنا أبو كُريب، قال: حدَّثنا وكيع عن علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كَثير، قال: سألتُ أبا سلَمة عن أوّلِ ما نزل من القرآن، قال: نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ أوّل، قال: قلت: إنّهم يقولُون: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ خَلَقَ﴾، فقال: سألت جابر بن عبد الله، فقال: لا أحدّثك إلا ما حدَّثنا رسول الله ﷺ ، قال: جاورتُ بحراء، فلمَا قضيت جواري، هبطت فسمعت صوتًا، فنظرت عن يميني فلم أرَ شيئًا وعن شمالي فلم أرَ شيئًا، ونظرت أمامي فلم أرَ شيئًا، ونظرت خَلْفي فلم أرَ شيئًا، فرفعت رأسي، فرأيت شيئًا، فأتيت خديجة، فقلت: دَثِّروني، وصبُّوا عليَّ ماءً، قال: فدثَّرُوني وصبُّوا عليَّ ماء باردًا، فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ (٢). (٢: ٣٠٤). ١٣ - حدّثني أحمد بن محمد بن حبيب الطّوسي، قال: حدَّثنا أبو داود الطيالسيّ، قال: أخبرنا جعفر بن عبد الله بن عثمان القُرشيّ، قال: أخبرني عمر بن عروة بن الزبير، قال: سمعتُ عروة بن الزبير يحدِّث عن أبي ذَرّ الغِفَاريّ

стр. 410

قال: قلتُ: يا رسولَ الله، كيف علمتَ أنك نبيّ أوّل ما علمت، حتى علمت ذلك واستيقنت؟ قال: يا أبا ذَرّ، أتاني مَلَكان وأنا ببعض بطْحَاء مكة، فوقع أحدُهما في الأرض والآخر بين السّماء والأرض، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: هو هو، قال: فزنْه برجُل، فوُزِنْت برجل فرجحتُه، ثم قال: زِنْه بعشرة، فوزنني بعشرة فرجحتهم، ثم قال: زنه بمئة، فوزنني بمئة فرجحتهم. ثم قال: زنه بألف، فوزنني بألف فرجحتهم، فجعلوا ينتثرون على كفّة الميزان، قال: فقال أحدهما للآخر: لو وزنته بأمّته رَجَحها، ثم قال أحدهُما لصاحبه: شُقَّ بطنَه فشقّ بطنِي، ثم قال أحدهما: أخرج قلبَه -أو قال: شقَّ قلبَه- فشقّ قلبي، فأخرج منه مغْمَز الشيطان وعلَقَ الدّم، فطرحها، ثم قال أحدهما للآخر: اغسِلْ بطنه غَسْل الإناء، واغسلْ قلبه غسْل الإناء -أو اغسِلْ قلبه غسل المُلاءة- ثم دعا بالسَّكينة، كأنّها وجه هِرَّة بيضاء فأدخِلَتْ قلبي، ثم قال أحدهما لصاحبه: خِطْ بطنَه، فخاطا بطنِي، وجعلا الخاتم بين كتِفيّ، فما هو إلا أن ولَّيا عنّي فكأنّما أعاين الأمرَ معاينة (١). (٢: ٣٠٤/ ٣٠٥).

стр. 411

١٤ - حدَّثنا محمّد بن عبد الأعلى، قال: حدَّثنا ابن ثَوْر، عن معمَر، عن الزّهريّ، قال: فَتَر الوحيُ عن رسول الله ﷺ فترةً، فحزن حزنًا شديدًا، جعل يغدو إلى رؤوس شواهق الجبال ليتردّى منها، فكلّما أوْفى بذرْوَة جَبل تبدّى له جبْرئيل، فيقول: إنك نبي الله؛ فيسكن لذلك جأشُهُ، وترجع إليه نفسه، فكان النبي ﷺ يحدّث عن ذلك، قال: بينا أنا أمشي يومًا، إذ رأيتُ الملَك الذي كان يأتيني بحراءٍ، على كرسيّ بين السّماء والأرض، فجُئثتُ منه رعبًا، فرجعت إلى خديجة، فقلت: زمِّلوني، فزمّلناه -أي دثّرناه، فأنزل الله : ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾، قال الزهري: فكان أوّل شيء أنزِل عليه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ حتى بلغ ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (١) (٢: ٣٠٥/ ٣٠٦). ١٥ - حدّثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابنُ وهْب، قال: أخبرَني يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرّحمن، أنّ جابر بنَ عبد الله الأنصاريّ، قال: قال رسول الله ﷺ وهو يحدّث عن فَتْرة الوحي: بينا أنا أمشي سمعتُ صوتًا من السّماء، فرفعت رأسي، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالسًا على كرسيّ بين السّماء والأرض. قال رسول الله ﷺ : فجُئثت منه فَرَقًا، وجئت فقلت: زمّلوني، زمّلوني! فدثّروني، فأنزل الله : ﴿يَا أَيُّهَا

стр. 412

الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ إلى قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾، قال: ثم تتابع الوحي (١). (٢: ٣٠٦). ١٦ - قال أبو جعفر: فلما أمرَ الله نبيه محمّدًا ﷺ أن يقوم بإنذار قومه عقابَ الله على ما كانوا عليه مقيمين من كفرهم بربّهم وعبادتهم الآلهة والأصنام دون الذي خلقهم ورزقهم؛ وأن يحدّث بنعمة ربه عليه بقوله: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾، وذلك -فيما زعم ابن إسحاق- النبوّة. حدثنا ابنُ حُميَد، قال: حدثنا سلمَة، عن ابن إسحاق: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾، أي ما جاءك من الله من نعمته وكرامته من النبوّة فحدّث؛ اذكرها وادعُ إليها. قال: فجعلَ رسول الله ﷺ يذكر ما أنعم الله عليه وعلى العباد به من النبوّة سرًّا إلى مَنْ يطمئنّ إليه من أهله؛ فكان أوّل مَنْ صدّقه وآمن به واتّبعه من خلْق الله -فيما ذكر- زوجته خديجة رحمها الله (٢). (٢: ٣٠٦/ ٣٠٧). ١٧ - حدّثني الحارث، قال: حدَّثنا ابنُ سعد، قال: قال الواقدي: أصحابُنَا مجمعون على أنّ أوّلَ أهل القبلة استجاب لرسول الله ﷺ خديجة بنت خويلد رحمها الله (٣). (٢: ٣٠٧).

стр. 413

قال أبو جعفر: ثم اختلف السَّلف فيمن اتّبع رسول الله ﷺ وآمن به وصدّقه على ما جاء به من عندِ الله من الحقّ بعد زوجته خديجة بنت خويلد، وصلّى معه. فقال بعضهم: كان أوّل ذَكَرٍ آمن برسول الله ﷺ وصلّى معه وصدّقه بما جاءه من عند الله عليّ بن أبي طالب ﵇. ذكر بعض من قال ذلك ممن حضرنا ذكره ١٨ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا إبراهيم بن المختار، عن شعبة، عن أبي بلَج، عن عمرو بن ميمون، عن ابن عباس، قال: أوّل مَنْ صلّى عليّ (١). (٢: ٣٠٩/ ٣١٠). ١٩ - حدَّثنا زكريّاء بن يحيى الضّرير، قال: حدثنا عبد الحميد بن بحر، قال: أخبرنا شريك عن عبد الله بن محمّد بن عَقيل، عن جابر، قال: بُعث النبيّ ﷺ يوم الإثنين، وصلّى عليّ يوم الثلاثاء (٢). (٢: ٣١٠).

стр. 414

٢٠ - حدَّثنا ابن المثنّى، قال: حدَّثنا محمّد بن جعفر، قال: حدَّثنا شُعبة، عن عمرو بن مُرّة، عن أبي حمزة، عن زيد بن أرْقم، قال: أوّل مَنْ أسلمَ مع رسول الله ﷺ عليٌّ بن أبي طالب. قال: فذكرتُهُ للنَّخَعِيّ، فأنكره، وقال: أبو بكر أوّلُ مَنْ أسلم (١). (٢: ٣١٠). ٢١ - حدَّثنا أبو كُريب قال: حدَّثنا وكيع، عن شُعبة، عن عمرو بن مُرّة، عن أبي حَمْزة مولى الأنصار، عن زيد بن أرقم، قال: أوّلُ مَنْ أسلم مع رسول الله ﷺ عليٌّ بن أبي طالب ﵇ (٢). (٢: ٣١٠). ٢٢ - حدثنا أبو كريب، قال: حدَّثنا عبيد بن سعيد، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: سمعت أبا حمزة (رجلًا من الأنصار)، يقول: سمعت زيد بن أرقم، يقول: أوّلُ رجل صلّى مع رسول الله ﷺ عليٌّ ﵇ (٣). (٣١٠: ٢). ٢٣ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلمة، قال: حدّثني محمد بن إسحاق، قال: فحدّثني عبد الله بن أبي نَجِيح، عن مجاهد بن جبر أبي الحجّاج، قال: كان مِنْ نعمة الله على عليّ بن أبي طالب، وما صنعَ الله له وأراده به من الخير، أنّ قريشًا أصابتْهم أزمة شديدة، وكان أبو طالب ذا عيالٍ كثير؛ فقال رسول الله ﷺ للعبّاس عَمّه - وكان من أيسَرِ بني هاشم: يا عبّاس؛ إنّ أخاك أبا طالب كثيرُ العيال، وقد أصاب النّاس ما تَرى من هذه الأزْمة، فانطلِقْ بنا فلنخفِّف عنه من عياله؛ آخذ من بنيه رجلًا، وتأخذ من بنيه رجلًا، فنكفّهما عنه. قال العباس: نعم، فانطلقا حتى أتيا أبا طالب، فقالا: إنّا نريد أن نخفّف

стр. 415

عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه، فقال لهما أبو طالب: إذا تركتما لي عَقيلًا فاصنعا ما شئتما، فأخذ رسول الله ﷺ عليًّا فضمّه إليه، وأخذ العباس جعفرًا فضمّه إليه، فلم يزل عليّ بن أبي طالب مع رسول الله ﷺ حتى بعثَه الله نبيًّا، فاتّبعه عليّ فآمن به وصدّقه، ولم يزل جعفر عند العباس حتى أسلم واستغنى عنه (١). (٢: ٣١٣). ٢٤ - حدثني ابنُ عبد الرحيم البَرْقيّ، قال: حدَّثنا عمرو بن أبي سَلمة، قال: حدَّثنا صدقَة، عن نصر بن علقمة، عن أخيه، عن ابن عائذ، عن جبير بن نفير، قال: كان أبو ذرّ وابن عَبَسة كلاهما يقول: لقد رأيتُني رُبْع الإسلام، ولم يُسْلِم قَبْلِي إلا النبيّ وأبو بكر وبلال، كلاهما لا يدري متَى أسلم الآخر (٢). (٢: ٣١٥).

стр. 416

٢٥ - حدَّثنا أبو كُريَب، قال: حدَّثنا وكيع، قال: حدَّثنا شُعبة، عن عمرو بن مرّة، قال: قال إبراهيم النَّخعيّ: أبو بكر أوّل مَنْ أَسلم (١). (٢: ٣١٥). ٢٦ - وأما ابن إسحاق، فإنه قال في ذلك ما حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة عنه: ثم أسلمَ زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ فكان أوّل ذَكَرٍ أسلم، وصلّى بعد علي بن أبي طالب، ثم أسلم أبو بكر بن أبي قُحافة الصدّيق، فلما أسلم أظهر إسلامَه، ودعا إلى الله وإلى رسوله. قال: وكان أبو بكر رجلًا مألفًا لقومه، محببًا سهلًا، وكان أنسَب قريش لقريش، وأعلم قريش بها، وبما كان فيها من خير أو شرّ، وكان رجلًا تاجرًا ذا خُلق ومعروفٍ، وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر، لعلمه وتجاربِهِ وحسن مجالسته، فجعل يدعو إلى الإسلام مَنْ وثِق به من قومِه ممّن يغشاه ويجلس إليه، فأسلم على يديه -فيما بلغني-: عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، فجاء بهم إلى رسول الله ﷺ حين استجابوا له، فأسلموا وصلَّوْا، فكان هؤلاء الثمانية، النّفر الذين سبقوا إلى الإسلام، فصلَّوْا وصدّقُوا برسول الله ﷺ وآمنوا بما جاء به من عند الله؛ ثم تتابع الناسُ في الدخول في الإسلام؛ الرجال منهم والنساء؛ حتى فشا ذِكْرُ الإسلام بمكّة وتحدّث به الناس (٢). (٢: ٣١٦/ ٣١٧).

стр. 417

٢٧ - ثم إنّ الله أمر نبيّه محمّدًا ﷺ بعد مبعثه بثلاث سنين أن يصدِع بما جاءه منه، وأن يبادِيَ الناسَ بأمره، ويدعوَ إليه، فقال له: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ وكان قبل ذلك - في السّنين الثلاث من مبعثه؛ إلى أن أمر بإظهار الدّعاء إلى الله - مستسرًّا مخفيًا أمره ﷺ ، وأنزل عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾، قال: وكان أصحابُ رسول الله ﷺ إذا صلَّوْا ذهبوا إلى الشِّعاب، فاستخفوْا من قومهم؛ فبينا سعد بن أبي وقاص في نفر من أصحاب النبي ﷺ في شعب من شعاب مكة إذ ظهر عليهم نفر من المشركين وهم يصلُّون، فناكروهم وعابوا عليهم ما يصنعون؛ حتى قاتلوهم، فاقتتلوا، فضرب سعد بن أبي وقّاص يومئذ رجلًا من المشركين بلَحْيِ جملٍ فشجّه، فكان أوّلَ دم أهَرِيق في الإسلام. فحدّثنا أبو كُرَيب وأبو السائب، قالا: حدَّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سَعيد بن جُبير، عن ابن عبّاس، قال: صعِد رسول الله ﷺ ذات يوم الصَّفَا، فقال: يا صَبَاحاه! فاجتمعتْ إليه قريش، فقالوا: ما لك؟ قال: أرأيتكم إنْ أخبرتكم أنّ العدوّ مصبّحكم أو ممسِّيكم، أما كنتم تصدّقونني؟ ! قالوا: بَلى؟ قال: فإني نذير لكم بين يدي عذابٍ شديد. فقال أبو لهب: تبًّا لك! ألهذا دعوتنا -أو جمعتنا! فأنزل الله : ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (١) إلى آخر السورة. (٢: ٣١٨/ ٣١٩). ٢٨ - حدَّثنا أبو كُرَيب، قال: حدَّثنا أبو أسامة، عن الأعمش، عن عمرو بن مرّة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: لما نزلتْ هذه الآية: ﴿وَأَنْذِرْ

стр. 418

عَشِيَرتَكَ الأقَرَبِينَ﴾، خرج رسول الله ﷺ حتى صعِد الصّفا، فهتف: يا صباحاه! فقالوا: من هذا الذي يهتف؟ قالوا: محمّد، فقال: يا بني فلان، يا بني عبد المطَلب، يا بني عبد مناف! فاجتمعوا إليه، فقال: أرأيتكم لو أخبرتُكم أنّ خيلًا تخرج بسفْح هذا الجَبَل، أكنتم مصَدِّقيَّ؟ قالوا: ما جرّبنا عليك كذبًا، قال: فإني نذيرٌ لكم بين يدي عذابٍ شديد. فقال أبو لهب: تبًّا لك! ما جمعتنا إلّا لهذا! ثم قام، فنزلت هذه السورة: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ إلى آخر السورة (١). (٣١٩: ٢). ٢٩ - فحدّثنا ابن حميد، قال: حدثنا سَلمة، حدثنا محمد بن إسحاق، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن بن أبي الحسن، قال: لما نزلتْ هذه الآية على رسول الله ﷺ : ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، قام رسول الله ﷺ بالأبطحِ، ثم قال: يا بني عبد المطّلب، يا بني عند مناف، يا بني قصيّ - قال: ثم فخَذ قريشًا قبيلة قبيلة، حتى مرّ على آخرهم - إني أدعوكم إلى الله وأنذركم عذابه (٢). (٣٢٢: ٢).

стр. 419

٣٠ - حدَّثنا علي بن نصر بن علي الجهضميّ، وعبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث -قال علي بن نصر: حدَّثنا عبدُ الصّمد بن عبد الوارث، وقال عبدُ الوارث: حدّثني أبي- قال: حدَّثنا أبان العطّار، قال: حدَّثنا هشام بن عُروة، عن عُروة، أنه كتب إلى عبد الملك بن مروان: أما بعد، فإنّه -يعني رسول الله ﷺ لمّا دعا قومه لمَا بعثه الله من الهُدى والنور الذي أنزل عليه، لم يبعُدوا منه أوّل ما دعاهم، وكادوا يسمعون له؛ حتى ذكر طواغيتَهم. وقدم ناس من الطائف من قُريش لهم أموال، أنكروا ذلك عليه، واشتدُّوا عليه، وكرهوا ما قال [لهم]، وأغرَوْا به مَنْ أطاعهم، فانصفق عنه عامّةُ الناس، فتركوه إلّا من حفظه الله منهم؛ وهم قليل؛ فمكث بذلك ما قدّر الله أن يمكث. ثم ائتمرت رؤوسهم بأن يفتِنوا مَنْ تبعه عن دين الله من أبنائهم وإخوانهم وقبائلهم، فكانت فتنة شديدة الزلزال على مَن اتَّبع رسول الله ﷺ من أهل الإسلام؛ فافتتن مَن افتتن، وعَصَم الله منهم مَنْ شاء؛ فلمّا فعل ذلك بالمسلمين، أمرهم رسول الله ﷺ أن يخرجُوا إلى أرض الحبَشة - وكان بالحبشة مَلِكٌ صالح يقال له النجاشيّ، لا يُظلَم أحدٌ بأرضه، وكان يُثْنَى عليه مع ذلك صلاح، وكانت أرض الحبشة مَتْجرًا لقريش يتّجرون فيها، يجدون فيها رَفاغًا من الرزق، وأمنًا ومتجرًا حسنًا - فأمرهم بها رسول الله ﷺ ، فذهب إليها عامّتهم لما قهِروا بمكّة، وخاف

стр. 420

عليهم الفتن، ومكث هو فلم يبْرح، فمكث بذلك سنوات؛ يشتدّون على مَنْ أسلم منهم. ثم إنه فشا الإسلام فيها، ودخل فيه رجال من أشرافهم (١). (٢: ٣٢٩/ ٣٢٨). قال أبو جعفر: فاختُلف في عدد مَنْ خَرَج إلى أرض الحبَشة، وهاجر إليها هذه الهجرة، وهي الهجْرة الأولى. فقال بعضهم: كانوا أحدَ عشرَ رجلًا وأرْبَعَ نسوة (٢). (٢: ٣٢٩).

стр. 421

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 422

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 423

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 424

اشتداد إيذاء المشركين لرسول الله ﷺ ودعوته قال أبو جعفر: ولما خرج مَنْ خرجَ من أصحاب رسول الله ﷺ إلى أرضِ الحبَشة مهاجرًا إليها، ورسولُ الله ﷺ مقيم بمكة، يدعُو إلى الله سرًّا وجهرًا، قد منَعه الله بعمّه أبي طالب وبمَن استجاب لنُصرته من عشيرته، ورأت قريش أنّهم لا سبيلَ لهم إليه، رموْه بالسحْر والكَهانة والجنون؛ وأنه شاعر، وجعلوا يصدّون عنه مَنْ خافوا منه أن يسمع قوله فيتَّبعه؛ فكان أشدّ ما بلغوا منه حينئذ - فيما ذكر. (٢: ٣٣٠/ ٣٣١ / ٣٣٢). ٣١ - ما حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدّثني محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عُروة بن الزبير، عن أبيه عُرْوة، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قلتُ له: ما أكثر ما رأيتَ قريشًا أصابت من رسول الله ﷺ فيما كانت تُظهر من عداوته! قال: قد حضرتُهم وقد اجتمع أشّرافهم يومًا في الحِجْر، فذكروا رسول الله ﷺ فقالوا: ما رأينا مثلَ ما صبرنا عليه من هذا الرجل قَطّ! سَفّه أحلامنا، وشتم آباءنا، وعاب ديننا، وفرَّق جماعتنا، وسبّ آلهتنا! لقد صبرْنا منه على أمر عظيم، أو كما قالوا. فبينا هُمْ كذلك إذْ طلَع رسول الله ﷺ فأقبل يمشي حتى استلم الركن، ثم مرّ بهم طائفًا بالبيت، فلما مرّ بهم غمزُوه ببعض القول. قال: فعرفت ذلك في وجه رسول الله ﷺ ، ثم مضى، فلمَّا مرَّ بهم الثانية غمزوه مثلها؛ فعرَفت ذلك في وجهه، ثم مضَى، ثم مرّ بهم الثالثة، فغمزوه بمثلها، فوقف فقال: أتسمعون يا معشرَ قريش! أما والذي نفسُ محمدٍ بيده، لقد جئتكم بالذبح! قال: فأخذت القومَ كلمته؟ حتى ما منهم رجلٌ إلا كأنما على رأسه طائر واقع؛ وحتى إنَّ أشدّهم فيه وصاةً قبل ذلك ليرفؤه بأحسن ما يجد من القول، حتى إنه ليقول: انصرف يا أبا القاسم راشدًا، فوالله ما كنتَ جهُولًا!

стр. 425

قال: فانصرف رسول الله ﷺ ؛ حتى إذا كان الغد، اجتمعوا في الحِجْر، وأنا معهم، فقال بعضُهم لبعض: ذكرتم ما بَلغ منكم، وما بلغَكم عنه؛ حتى إذا باداكم بما تكرهون تركتموه! فبينا هم كذلك إذْ طلع رسول الله ﷺ ، فوثبوا إليه وثبة رجل واحد؛ وأحاطوا به يقولون له: أنت الذي تقول كذا وكذا! لما يبلغهم من عيب آلهتهم ودينهم، فيقول رسول الله ﷺ : نعم أنا الذي أقول ذلك؛ قال: فلقد رأيتُ رجلًا منهم آخذًا بجُمْع ردائه. قال: وقام أبو بكر الصّديق دونه. يقول وهو يبكي: ويلكم! أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله! ثم انصرفوا عنه. فإنّ ذلك أشدّ ما رأيتُ قريشًا بلغت منه قطّ (١). (٢: ٣٣٣/ ٣٣٢).
следующие страницы →