← История

История · id 145435

صحيح وضعيف تاريخ الطبري

محمد بن طاهر البرزنجي

Полный текст (6 167 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.

стр. 3676

قال هشام: عن أبي مخنف، قال: حدّثني إسماعيل بن نُعَيم النّمَريّ، عن حسين بن عبد الله الهمْدانيّ، قال: كنت في شُرَط زياد، فقال زياد: لينطلِقْ بعضُكم إلى حُجْر فليدْعُه؛ قال: فقال لي أمير الشُّرْطة - وهو شدّاد بن الهيثم الهلاليّ: اذهب إليه فادْعه؛ قال: فأتيتُه، فقلت: أجِبِ الأميرَ؛ فقال أصحابه: لا يأتيه ولا كرامة! قال: فرجعت إليه فأخبرته، فأمر صاحبَ الشُّرْطة أن يبعث معي رجالًا، قال: فبعث نفرًا؛ قال: فأتيناه فقلنا: أجب الأمير، قال: فسبّونا وشتَمَونا، فرجعنا إليه فأخبرناه الخبر، قال: فوثب زياد بأشراف أهل الكوفة، فقال: يا أهل الكوفة! أتشجّون بيدٍ وتأسُون بأخرى! أبدانكم معي وأهواؤكم مع حُجْر! هذا الهَجهاجة الأحمق المذبوب أنتم معي وإخوانُكم وأبناؤكم وعشائركم مع حُجر! هذا والله من دَحْسكم وغِشّكم! والله لتظهرَنّ لي براءَتُكم أو لآتينّكم بقوم أقيم بهم أوَدكم وصَعَركم! فوَثَبوا إلى زياد، فقالوا: معاذ الله سبحانه أن يكون لنا فيما هاهنا رأي إلا طاعتك وطاعة أمير المؤمنين، وكلّ ما ظننا أنّ فيه رضاك، وما يَستبين به طاعتَنا وخلافنا لحُجر فمُرْنا به، قال: فليقم كلّ امرئ منكم إلى هذه الجماعة حول حُجر فليدْعُ كلّ رجل منكم أخاه وابنه وذا قرابته ومن يطيعه من عشيرته، حتى تقيموا عنه كلّ مَن استطعتم أن تقيموه، ففعلوا ذلك، فأقاموا جُلّ من كان مع حُجْر بن عدّي، فلما رأى زياد أنّ جُلَّ مَن كان مع حُجْر أقيم عنه، قال لشدّاد بن الهيثم الهلاليّ - ويقال: هيثم بن شدّاد أمير شرطته -: انْطلِق إلى حُجْر، فإن تَبِعك فائْتني به، وإلا فمرْ مَن معك فلينتزعوا عُمُد السوق، ثم يشدّوا بها عليهم حتى يأتوني به ويضربوا من حال دونَه، فأتاه الهلاليّ فقال: أجب الأميرَ؛ قال: فقال أصحاب حُجْر: لا ولا نُعمةَ عين! لا نجيبه، فقال لأصحابه: شُدّوا على عُمُد السوق، فاشتدّوا إليها، فأقبلوا بها قد انتزعوها، فقال عمير بن يزيدَ الكنديّ من بني هند - وهو أبو العَمَرَّطة: إنه ليس معك رجل معه سيفٌ غيري، وما يغني عنك! قال: فما ترى؟ قال: قُمْ من هذا المكان

стр. 3677

فالحق بأهلِك يَمنَعْك قومُك، فقام زياد ينظر إليهم وهو على المنبر، فغشوا بالعُمُد، فضرب رجل من الحمراء - يقال له: بكر بن عبيد - رأس عمرو بن الحَمِق بعمود فوقع، وأتاه أبو سُفْيان بن عُوَيمر والعَجْلان بن ربيعة - وهما رجلان من الأزْد - فحَمَلاه؛ فأتَيَا به دار رَجل من الأزْد - يقال له: عبيد الله بن مالك - فخبّأه بها، فلم يزل بها متواريًا حتى خرج منها. ثم رجع إلى أوّل الحديث، قال: فلما ضرب عمرًا تلك الضربة وحمَلَه ذانك الرّجلان، انحاز أصحابُ حُجْر إلى أبواب كِنْدة، ويضرب رجلٌ من جُذام كان في الشُّرْطة رجلًا يقال له: عبدُ الله بن خليفة الطائيّ بعمود، فضَرَبه ضربةً فصرعه، فقال وهو يرتجز: قد علِمَتْ يَوْمَ الهِياج خُلَّتي ... أني إذا ما فِئتِي تَولّتِ وكَثُرَتْ عُداتُها أو قلَّتِ ... أَنِّي قتَّالٌ غداةَ بَلَّتِ وضُرِبتْ يد عائذ بن حملة التميميّ، وكُسرتْ نابه، فقال: إِنْ تَكْسِروا نابي وعَظْمَ ساعِدِي ... فإِنَّ فيَّ سوْرةَ المُناجِدِ وبعضَ شَغْبِ البَطَلِ المُبالِدِ وينتزع عمودًا من بعض الشُّرْطة، فقاتل به وحمَى حُجْرًا وأصحابه؛ حتى خرجوا من تلقاء أبواب كِنْدة، وبغلة حُجْر موقوفة، فأتى بها أبو العمرطة إليه، ثم قال: اركب لا أبَ لغيرك! فوالله ما أراك إلّا قد قتلتَ نفسك، وقتلتَنا معك؛ فوضع حُجْر رجلَه في الرِّكاب؛ فلم يستطع أن ينهض، فحمله أبو العمرّطةَ على بغلته، ووثب أبو العمرّطة على فرسه؛ فما هو إلا أدا استوى عليه حتى انتهى إليه يزيد بن طريف المسْلِيّ - وكان يغْمِز - فضرب أبا العمّرطة بالعمود على فخذه، ويخترط أبو العمرّطة سيفه، فضرب به رأس يزيد بن طريف، فخرّ لوجهه، ثم إنه برأ بعدُ، فله يقول عبد الله بن همّام السّلوليّ: أَلُؤمَ ابْنَ لُؤمٍ ما عدا بك حاسِرًا ... إلى بَطَلٍ ذي جُرْأَةٍ وشَكِيمِ! معاود ضَرْبِ الدَّارِعين بسَيْفِهِ ... على الهام عند الرَّوْغ غَيْرَ لئيم إلى فارِسِ الغارَيْنِ يومَ تلَاقَيا ... بصفِّين قَرْمٍ خَيْرِ نَجل قُرُوم حَسِبْتَ ابنَ بَرصاءَ الحِتار قِتالَهُ ... قِتالَك زَيْدًا يَوْمَ دارِ حَكيم وكان ذلك السيف أوّل سيف ضُرب به في الكوفة في الاختلاف بين الناس،

стр. 3678

ومضى حُجْر وأبو العَمرّطة حتى انتهيا إلى دار حُجْر، واجتمع إلى حُجْر ناس كثير من أصحابه، وخرج قيس بن فهدان الكِنديّ على حمار له يسير في مجالس كِنْدة، يقول: يا قَوْمَ حُجْرٍ دافِعُوا وصاوِلوا ... وعَنْ أخيكمْ ساعَةً فقاتِلوا لا يُلْفَيا مِنكمْ لحُجْرٍ خاذِلُ ... ألَيْسَ فيكُمْ رامحٌ ونابلُ وفارِسٌ مُسْتَلْئِمٌ وراجلٌ ... وضارِبٌ بالسَّيْفِ لا يُزايلُ! فلم يأته من كِنْدة كثير أحد، وقال زياد وهو على المنبر: ليقم همْدان وتميم وهَوازن وأبناء أعصُر ومذحِج وأسد وغَطفان فليأتوا جبّانةَ كِنْدة، فليَمْضوا مِنْ ثمّ إلى حُجْر فليأتوني به، ثم إنه كره أن يسيّرَ طائفةً من مضرَ مع طائفة من أهل اليَمن فيقع بينهم شَغَب واختلاف، وتفسُد ما بينهم الحميّة، فقال: لتقُم تميم وهَوازنُ وأبناء أعصُر وأسَد وغَطَفان ولتمضِ مَذحِج وهَمْدان إلى جبّانة كِنْدة، ثم لينهضوا إلى حُجْر فليأتوني به، وليَسِر سائرِ أهلِ اليمن حتى ينزلوا جبانة الصائديّين، فليمضوا إلى صاحبهم، فليأتوني به، فخرجَتِ الأزْدُ وبَجيلةُ وخثعم والأنصار وخُزاعة وقضاعة، فنزلوا جبّانة الصائديّين، ولم تخرج حضر موت مع أهل اليَمن لمكانهم من كِنْدة، وذلك أنّ دعوة حضر موتَ مع كِنْدة، فكرهوا الخروجَ في طلب حجر (١). (٥: ٢٥٨/ ٢٥٧، تكملة ٢٥٨/ ٢٦٠/٢٥٩/ ٢٦١). قال أبو مخنف: فحدّثني يوسف بن يزيد عن عبد الله بن عوف بن الأحمر، قال: لما انصرفنا من غزوة باجُمَيرا قبل مَقتل مُصعب بعام، فإذا أنا بأحمريّ يسايرني - ووالله ما رأيتُه من ذلك اليوم الذي ضرب فيه عمرو بن الحَمِق، وما كنت أرى لو رأيتُه أن أعرفه - فلما رأيته ظننتُ أنه هو هو؛ وذاك حين نظرْنا إلى أبيات الكوفة، فكرهتُ أن أسألَه: أنت الضارب عمرو بن الحَمِق؟ فيُكابرني، فقلت له: ما رأيتُك من اليوم الذي ضربتَ فيه رأسَ عمرو بن الحمق بالعمود في المسجد إلى يومي هذا، ولقد عرفتُك الآن حين رأيتُك؛ فقال لي: لا تَعْدم بصرَك، ما أثبتَ نظرَك! كان ذلك أمرُ الشيطان، أما إنه قد بلغني أنه كان امرأ صالحًا، ولقد ندمتُ على تلك الضربة، فأستغفر الله، فقلت له: ألا ترى والله

стр. 3679

لا أفترق أنا وأنت حتى أضربَك على رأسك مِثلَ الضّربة التي ضربتَها عمرو بن الحمق أو أموت أو تموت! فناشدَني الله وسألني الله، فأبَيْتُ عليه، ودعوتُ غلامًا لي يُدعَى رشيدًا من سَبْي أصبهان معه قَناة له صلْبة، فأخذتُها منه، ثم أحمل عليه بها، فنزل عن دابّته، وألحقه حين استوت قَدَماه بالأرض، فأصفع بها هامَتَه، فخرّ لوجهه، ومضيتُ وتركته، فبَرأ بعدُ؛ فلقيتُه مرّتين من الدهر، كلّ ذلك يقول: الله بيني وبينك! وأقول: الله بينك وبين عمرو بن الحَمِق (١)! (٥: ٢٥٨/ ٢٥٩). قال أبو مخنف: حدّثني يحيى بن سعيد بن مخنف عن محمد بن مخنف، قال: إني لمع أهل اليَمَن في جبّانة الصائديّين؛ إذ اجتمع رؤوس أهلِ اليَمَن يتشاورون في أمر حُجْر، فقال لهم عبد الرحمن بن مِخنف: أنا مشير عليكم برأي إذا قبلتموه رجوتُ أن تسلموا من اللائمة والإثم، أرى لكم أن تَلبثوا قليلًا فإنْ سُرْعان شباب هَمْدان ومذحِج يُكفونكم ما تكرهون أن تلُوا من مساءة قومكم في صاحبكم قال: فأجمع رأيهم على ذلك، قال: فوالله ما كان إلا كلا ولا حتى أتينا، فقيل لنا: إن مذحِج وهَمْدان قد دخلوا فأخَذوا كلّ من وجدوا من بني جَبَلَة قال: فمرّ أهل اليمن في نواحي دور كِندة معذِّرة، فبلغ ذلك زيادًا، فأثنَى على مذحِج وهَمْدان وذمّ سائرَ أهل اليمن، وإنّ حُجرًا لَما انتهى إلى داره فنظر إلى قلّة مَنْ معه من قومه، وبلغه أنّ مذحِج وَهَمْدان نزلوا جبّانة كندة وسائر أهل اليمن جبّانة الصائديّين قال لأصحابه: اِنصرفوا فوالله ما لكم طاقةٌ بمن قد اجتمع عليكم من قومكم، وما أحبّ أن أعرّضكم للهلاك؛ فذهبوا لينصرفوا، فلحقتْهم أوائلُ خيل مذحِج وهَمْدان، فعطف عليهم عمير بن يزيد وقيس بن يزيد وعبيدة بن عمرو البدِيّ وعبد الرحمن بن مُحرِز الطّمحيّ، وقيس بن شمر، فتقاتلوا معهم، فقاتلوا عنه ساعة فجرِحوا، وأسِر قيس بن يزيد، وأفلت سائر القوم، فقال لهم حجر: لا أبَا لكم! تفرّقوا لا تقاتلوا فإني آخُذُ في بعض السِّكك، ثم آخذ طريقَّا نَحوَ بني حرب، فسار حتى انتهى إلى دارِ رجل منهم يقال له: سليم بن يزيد، فدخل دارَه، وجاء القومُ في طلبه حتى انتهوا إلى تلك الدار، فأخذ سليم بن يزيد سيفه، ثم ذهب ليخرج إليهم، فبكتْ بناتُه؛ فقال له حُجْر:

стр. 3680

ما تريد؟ قال: أريد والله أسألهم أن ينصرفوا عنك، فإن فعلوا وإلا ضاربتُهم بسيفي هذا ما ثبتَ قائمُه في يدي دونك؛ فقال حُجر: لا أبا لغيرك! بئس ما دخلتَ به إذًا على بناتك! قال: إنّي والله ما أمُونُهنّ، ولا رزقُهنّ إلا على الحيّ الذي لا يموت؛ ولا أشتري العارَ بشيء أبدًا، ولا تخرج من داري أسيرًا أبدًا وأنا حيّ أملك قائمَ سيفي، فإنْ قتِلتُ دونك فاصنع ما بدا لك. قال حُجر: أما في دارك هذه حائط أقتحمه، أو خَوْخة أخرج منها، عسى أن يسلمني الله منهم ويسلّمك، فإذا القوم لم يقَدرِوا عليّ عندك لم يضروك! قال: بلى هذه خَوْخة تخرجك إلى دور بني العنبر وإلى غيرهم من قومك، فخرج حتى مرّ ببني ذُهْل، فقالوا له: مَرَّ القومُ آنفًا في طلبك يقْفون أثرَك. فقال: منهم أهرُب؛ قال: فخرج ومعه فِتْية منهم يتقصّوْن به الطريق، ويسلُكون به الأزقّة حتى أفضَى إلى النَّخَع، فقال لهم عند ذلك: انصرِفوا رحمكم الله! فانصرَفوا عنه، وأقبل إلي دار عبد الله بن الحارث أخي الأشتر فدخلها، فإنّه لكذلك قد ألقى له الفرُشَ عبدُ الله، وبسط له البُسُط، وتلقاه ببَسْط الوجه، وحُسن البِشْر، إذ أتي فقيل له: إنّ الشُّرَط تسأل عنك: في النَّخَع- وذلك أنّ أمةً سوداء يقال لها: أدماء، لقيتْهم، فقالت: مَنْ تطلبون قالوا: نطلب حُجْرًا؛ قالت: ها هو ذا قد رأيتُه في النَّخَع، فانصرَفوا نحو النَّخَع- فخرج من عند عبد الله متنكِّرًا، ورَكِب معه عبدُ الله بنُ الحارث ليلًا حتى أتى دارَ ربيعة بن ناجد الأزديّ في الأزْد، فنزلها يومًا وليلة، فلما أعجَزَهم أن يقدروا عليه دعا زياد بمحمد بن الأشعث فقال له: يا أبا مَيْثاء، أما والله لتأتينّي بحُجْر أو لا أدَع لك نخلةً إلا قطعتُها، ولا دارًا إلا هدمتها ثم لا تسلَم مني حتى أقطِّعكَ إرْبًا إرْبًا؛ قال: أمهِلني حتى أطلبه؛ قال: قد أمهلتك ثلاثًا، فإن جئتَ به وإلا عُدّ نفسك مع الهَلْكَى. وأخرِج محمدًا نحو السجن منتقع اللون يُتلّ تلًّا عنيفًا، فقال حُجر بن يزيد الكنديّ لزياد: ضَمنِّيه وخلّ سبيلَه يطلب صاحبه؛ فإنه مخلَّى سَرْبُه أحْرى أن يقدر عليه منه إذا كان محبوسًا، فقال: أتضْمنه؟ قال: نعم؛ قال: أما والله لئن حاصَ عنك لأزيرنّك شَعوب، وإن كنت الآن عليَّ كريمًا، قال: إنه لا يفعل فخلّى سبيله. ثمّ إن حُجر بن يزيد كلمه في قيس بن يزيد، وقد أُتِيَ به أسيرًا، فقال لهم: ما على قيس بأس، قد عرفْنا رأيَه في عثمان، وبلاءَه يومَ صِفّين مع أمير المؤمنين،

стр. 3681

ثم أرسل إليه فأتِيَ به، فقال له: إني قد علمتُ أنك لم تقاتل مع حُجْر: أنك ترى رأيَه، ولكن قاتلتَ معه حميّة قد غفرتُها لك لما أعلَم من حُسن رأيك، وحُسن بلائك؛ ولكن لن أدعَك حتى تأتيَني بأخيك عمير؛ قال: أجيئك به إن شاء الله؛ قال: فهات من يضمَنُه لي معك، قال: هذا حُجر بن يزيد يضْمنه لك معي؛ قال: حُجْر بن يزيد: نعم أضمنه لك، على أن تؤمّنه على ماله ودمِه، قال: ذلك لك، فانطلَقا، فأتيا به وهو جريح، فأمَرَ به فأوقِر حديدًا، ثم أخذتْه الرجال ترفعه، حتى إذا بلغ سُرَرَها ألقَوْه، فوقع على الأرض، ثم رفعوه وألقوه، ففعلوا به ذلك مِرارًا، فقام إليه حُجر بن يزيدَ فقال: ألم تؤمّنه على ماله ودمِه أصلحك الله! قال: بلى، قد آمنته عِلى ماله ودمه، ولست أهريق له دمًا، ولا آخذ له مالًا، قال: أصلحك الله! يُشفى به على الموت، ودنا منه وقامَ من كان عنده من أهل اليمن، فدنَوا منه وكلَّموه، فقال: أتضمنونه لي بنفسه، فمتى ما أحدث حدثًا أتيتموني به؟ قالوا: نعم؛ قال: وتضمنون لي أرْش ضربة المسلّى، قالوا: ونضمنها؛ فخلّى سبيلَه. ومكث حُجر بن عديّ في منزل ربيعة بن ناجد الأزديّ يومًا وليلة، ثم بعث حُجر إلى محمد بن الأشعث غلامًا له يدعى رشيدًا من أهل إصبهان: إنه قد بلغني ما استقبلك به هذا الجبّار العنيد، فلا يهولنّك شيء من أمره، فإنّي خارج إليك، أجمع نفرًا من قومك ثم أدخل عليه فأسأله أن يُؤمِّنَني حتى يبعث بي إلى معاوية فيرى فيّ رأيه. فخرج ابن الأشعث إلى حُجْر بن يزيد وإلى جرير بن عبد الله وإلى عبد الله بن الحارث أخي الأشتر، فأتاهم فدخلوا إلى زياد فكلّموه وطلبوا إليه أن يؤمّنه حتى يبعث به إلى معاوية فيرى فيه رأيه، ففعل، فبعثوا إليه رسوله ذلك يعلمونه أنه قد أخذْنا الذي تسأل، وأمروه أن يأتي؛ فأقبل حتى دخل على زياد فقال زياد: مرحبًا بك أبا عبد الرحمن! حرب في أيام الحرب، وحربٌ وقد سالم الناس! على أهلها تَجنِي بَراقِش، قال: ما خالعت طاعة، ولا فارقت جماعة، وإني لَعلى بيعتي؛ فقال: هيهات هيهات يا حُجر! تَشُجّ بيد وتأسو بأخرى، وتريد إذا أمكَن الله منك أن نرضى! كلّا والله! . قال: ألم تؤمّنّي حتى آتيَ معاوية فيرى فيّ رأيه! قال: بلى قد فعلْنا، انطلقوا

стр. 3682

به إلى السجن، فلما قُفّيَ به من عنده قال زياد: أما والله لولا أمانُه ما برح أو يلفظ مهجة نفسه (١). (٥: ٢٦١/ ٢٦٣/٢٦٢/ ٢٦٤). قال هشام بن عروة: حدّثني عوانة، قال: قال زياد: واللهِ لأحرِصنّ على قطع خيط رقبته (٢). (٥: ٢٦٤) قال هشام بن محمد: عن أبي مخنف، وحدثني المجالد بن سعيد عن الشعبيّ، وزكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق: أنّ حُجرًا لما قُفِّيَ به من عند زياد نادَى بأعلى صوْتِهِ: اللهمّ إنّي على بيْعتي، لا أقِيلُها ولا أستقيلُها، سماعَ اللهِ والناس، وكان عليه بُرنُس في غداة باردة، فحبس عشرَ ليال، وزيادٌ ليس له عمل إلا طلب رؤساء أصحاب حُجر، فخرج عمرو بن الحَمَق، ورفاعة بن شدّاد؛ حتى نزلا المدائن، ثم ارتَحلا حتى أتيا أرض الموصل، فأتيا جبلًا فَكمَنا فيه، وبلغ عاملَ ذلك الرّستاق: أنّ رجلين قد كمَنا في جانب الجبل، فاستنكر شأنهما -وهو رجل من هَمْدان يقال له: عبد الله بن أبي بَلْتعة- فسار إليهما في الخيل نحو الجبل ومعه أهل البلد، فلما انتهى إليهما خرجا، فأما عمرو بن الحَمِق فكان مريضًا، وكان بطنُه قد سُقِيَ فلم يكن عنده امتناع؛ وأما رفاع بن شدّاد -وكان شابًّا قويًّا- فوثب على فرس له جواد، فقال له: أقاتل عنك؟ قال: وما ينفعني أن تقاتل! انجُ بنفسك إن استطعتَ، فحمل عليهم، فأفرجوا له، فخرج تنفِر به فرسُه، وخرجت الخيلُ في طلبه -وكان راميًا- فأخذ لا يلحقه فارسٌ إلا رماه فجرحه أو عَقَره، فانصرفوا عنه، وأخذ عمرو بن الحَمِق، فسألوه: مَن أنت؟ فقال: مَن إن تركتموه كان أسَلَم لكم، وإن قتلتموه كان أضرّ لكم؛ فسألوه: فأبَى أن يخبرهم، فبعث به ابن أبي بَلْتعة إلى عامل الموصل -وهو عبد الرحمن بن عبد الله بن عثمان الثقفيّ- فلما رأى عمَرو بن الحَمِقِ عَرفه، وكتب إلى معاوية بخبره، فكتب إليه معاوية: إنه زعم أنه طعن عثمان بن عفّان تسع طَعَنات بمَشاقصَ كانت معه، وإنا لا نريد أن نعتديَ عليه، فأطعنه تسعَ

стр. 3683

طَعَنات كما طعن عثمان، فأُخرِج، فطُعِن تسعَ طَعَنات، فمات في الأولى منهنّ أو الثانية (١). (٥: ٢٦٤/ ٢٦٥). قال أبو مخنف: وحدّثني المجالد عن الشعبيّ وزكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق، قال: وجّه زياد في طلب أصحاب حُجر، فأخذوا يَهرُبون منه، ويأخذ من قَدَر عليه منهم، فبعث إلى قَبيصة بن ضُبيعة بن حرْملة العبسيِّ صاحب الشُّرْطة -وهو شدّاد بن الهيثم- فدعا قَبيصة في قومه، وأخذ سيفه، فأتاه ربعيّ بن خراش بن جَحْش العبسيّ ورجال من قومه ليسوا بالكثير، فأراد أن يقاتل، فقال له صاحب الشُّرْطة: أنت آمن على دمك ومالك، فلِمَ تقتل نفسك؟ فقال له أصحابُه: قد أومِنتَ، فعَلام تقتل نفسَك وتقتلنا معك؟ ! قال: ويحكم! إنّ هذا الدَّعيَّ ابن العاهرة، واللهِ لئن وقعت في يده لا أفلت منه أبدًا أو يقتلني؛ قالوا: كلا! فوضع يدَه في أيديهم، فأقبَلوا به إلى زياد، فلما دخلوا عليه قال زياد: وحيّ عَبْسٍ تُعِزّوني على الدّين، أما والله لأجعلنّ لك شاغلًا عن تلقيح الفِتَنِ، والتوثُّب على الأمراء! قال: إني لم آتك إلا على الأمان؛ قال: انطلقوا به إلى السجن، وجاء قيس بن عباد الشيبانيّ إلى زياد، فقال له: إنّ امرأً منّا من بني همام يقال له: ضيفى بن فَسيل من رؤوس أصحاب حُجْر، وهو أشدّ الناس عليك، فبعث إليه زياد، فأتِيَ به، فقال له زياد: يا عدوّ الله! ما تقول في أبي تراب؟ قال: ما أعرف أبا تراب؛ قال: ما أعرَفَك به! قال: ما أعرفه! قال: أما تعرف عليّ بن أبي طالب؟ قال: بلى، قال: فذاك أبو تراب، قال: كلا، ذاك أبو الحسن والحسين، فقال له صاحب الشُّرْطة: يقول لك الأمير: هو أبو تُراب، وتقول أنتَ: لا! قال: وإن كذب الأمير أتريد أن أكذب وأشهدَ له على باطل كما شهد! قال له زياد: وهذا أيضًا مع ذنبك! عليَّ بالعصا، فأتي بها، فقال: ما قولك [في عليّ؟ ]، قال: أحسن قول أنا قائله في عبد من عباد الله [أقوله في] المؤمنين، قال: اضرِبوا عاتِقه بالعصا حتى يلصق بالأرض، فضرب حتى لزمَ الأرض، ثمّ قال: أقلِعوا عنه، إيهٍ، ما قولُك في عليّ؟ قال: والله لو شرَّحْتَني بالموَاسي والمُدَى ما قلتُ إلا ما سمعتَ منّي؛ قال لتلعَننّه أو لأضربنّ عنقكَ؛ قال: إذًا تضربها والله قبل ذلك، فإن أبيتَ إلا أن تضربَها رضيت بالله،

стр. 3684

وشقيتَ أنت؛ قال: ادفعوا في رقبته، ثم قال: أوقِروه حديدًا، وألقُوه في السجن. ثم بعث إلى عبد الله بن خليفة الطائيّ -وكان شهد مع حُجْر وقاتَلهم قتالًا شديدًا- فبعث إليه زيادٌ بُكَيرَ بن حُمران الأحمريّ -وكان تبيعَ العمّال- فبعثه في أناس من أصحابه، فأقبلوا في طلبه فوجدوه في مسجد عديّ بن حاتم، فأخرجوه، فلما أراد أن يذهبوا به -وكان عزيز النفس- امتنَع منهم فحارَبَهم وقاتلهم، فشجّوه ورَمْوه بالحجارة حتى سقط، فنادتْ ميثاء أخته: يا معشرَ طيّئ أتسلمون ابنَ خليفة لسانَكم وسِنانَكم! فلما سمع الأحمريّ نداءها خشيَ أن تجتمع طيّئ فيهلك، فهرب وخرج نسوةٌ من طيّئ فأدخلنَه دارًا، وينطلق الأحمريّ حتى أتى زيادًا، فقال: إنّ طيّئًا اجتمعتْ إليَّ فلم أطِقهم، فأتيتك، فبعث زيادٌ إلى عديّ -وكان في المسجد- فحبسه وقال: جئني به -وقد أخبر عديّ بخبر عبد الله- فقال عديّ: كيف آتيك برجل قد قتلَه القوم: قال: جئْني حتى أرى أن قد قتلوه، فاعتلّ له، وقال: لا أدري أين هو، ولا ما فعل! فحبسه، فلم يبق رجلٌ من أهل المِصْر من أهل اليَمَن وربيعة ومضرَ إلا فزع لعديّ، فأتَوا زيادًا فكلّموه فيه، وأخرج عبد الله فتغيَّب في بُحْتر، فأرسل إلى عديّ: إن شئتَ أن أخرجَ حتى أضع يَدِي في يدِك فعلتُ؛ فبعث إليه عديّ: والله لو كنت تحتَ قدميَّ ما رفعتُهما عنك، فدعا زياد عديًّا، فقال له: إني أخلّي سبيلَك على أن تجعل لي لِتنفِيَه من الكوفة، ولتسيرَ به إلى الجبلين؛ قال: نعم، فرجع وأرسل إلى عبد الله بن خليفة: اخْرج، فلو قد سكن غضبه لكلّمته فيك حتى ترجع إن شاء الله؛ فخرج إلى الجبلين. وأتِيَ زياد بكريم بن عَفيف الخثعميّ فقال: ما اسمك؟ قال: أنا كريم بن عفيف؛ قال: ويحْك، أو وَيلك! ما أحسن اسمَك واسمَ أبيك، وأسوأ عَمَلك ورأيَك! قال: أما والله إنّ عهدك برأيي لمنذ قريب، ثم بعث زيادٌ إلى أصحاب حُجْر حتى جمع اثني عشر رجلًا في السجن، ثم إنه دعا رؤوسَ الأرباع، فقال: اشهَدوا على حُجْر بما رأيتم منه -وكان رؤوس الأرباع يومئذ: عمرو بن حُرَيث على رُبْع أهل المدينة، وخالد بن عُرْفطة على رُبع تميم وهَمْدان، وقيس بن الوليد بن عبد شمس بن المغيرة على رُبع ربيعة وكِنْدة، وأبو بُرْدة بن أبي موسى

стр. 3685

على مَذْحِج وأسد- فشهِد هؤلاء الأربعةُ أنَّ حُجْرًا جمع إليه المجموع، وأظهر شتمَ الخليفة، ودعا إلى حرب أمير المؤمنين، وزعم أن هذا الأمر لا يَصلح إلا في آل أبي طالب، ووثب بالمصْر وخرج عاملَ أمير المؤمنين، وأظهر عذرَ أبي تراب والترحُّم عليه، والبراءة من عدوّه وأهل حربه، وأنّ هؤلاء النفر الذين معه هم رؤوس أصحابه، وعلى مثِل رأيه وأمره، ثم أمر بهم ليخرجوا، فأتاه قيس بن الوليد فقال: إنه قد بلغني أنّ هؤلاء إذا خُرج بهم عَرَض لهم، فبعث زياد إلى الكُناسة فابتاع إبلًا صِعابًا، فشدّ عليها المَحامِل، ثم حملهم عليها في الرّحَبة أوّل النهار، حتى إذا كان العشاء قال زياد: مَن شاء فليعرِض، فلم يتحرّك من الناس أحد، ونظر زياد في شهادة الشهود فقال: ما أظنّ هذه الشهادة قاطعة، وإني لأحب أن يكون الشهود أكثرَ من أربعة (١). (٥: ٢٦٦/ ٢٦٧/ ٢٦٨). قال أبو مخنف: فحدّثني الحارث بن حُصَيرة عن أبي الكَنُود -وهو عبد الرحمن بن عبيد- وأبو مخنف عن عبد الرحمن بن جندب وسليمان بن أبي راشد عن أبي الكنود بأسماء هؤلاء الشهود: بسم الله الرّحمن الرّحيم، هذا ما شَهِد عليه أبو بُرْدة بن أبي موسى لله ربّ العالمين؛ شهد: أنّ حُجْر بن عديّ خلعَ الطاعة، وفارقَ الجماعة، ولعن الخليفة، ودعا إلى الحرب والفتنة، وجمع إليه الجموعَ يدعوهم إلى نَكْث البيعة وخَلْعِ أمير المؤمنين معاوية، وكفر بالله كَفْرةً صَلْعاء. فقال زياد: على مِثل هذه الشهادة فاشهدوا، أما والله لأجْهَدنّ على قطع خيط عنق الخائن الأحمق، فشَهِد رؤوس الأرباع [الثلاثة الآخرون] على مِثل شهادته -وكانوا أربعة- ثم إنّ زيادًا دعا الناس فقال: اشهَدوا على مثل شهادة رؤوس الأرباع، فقرأ عليهم الكتاب، فقام أوّل الناس عناق بن شُرَحبيل بن أبي دَهم التيميّ تيم الله بن ثعلبة، فقال: بيّنوا اسمي، فقال زياد: ابدؤوا بأسامي قريش، ثمّ اكتبوا اسمَ عناق في الشهود، ومَنْ نعرفه ويعرفه أمير المؤمنين بالنّصيحة والاستقامة. فشهد إسحاق بن طلحة بن عبيد الله، وموسى بن طلحة، وإسماعيل بن

стр. 3686

طلحة بن عبيد الله، والمنذر بن الزبير، وعُمارة بن عُقْبة بن أبي مُعَيْط، وعبد الرحمن بن هنَّاد، وعمر بن سعد بن أبي وقّاص، وعامر بن مسعود بن أميّة بن خلف، ومحرِز بن جارية بن ربيعة بن عبد العزّى بن عبد شمس، وعبيد الله بن مسلم بن شعبة الحضرميّ، وعناق بن شُرحبيل بن أبي دَهْم، ووائل بن حُجْر الحضرميّ، وكثِير بن شهاب بن حصين الحارثيّ، وقَطن بن عبد الله بن حُصين، والسريّ بن وقّاص الحارثيّ -وكتب شهادتَه وهو غائب في عمله- والسائب بن الأقرع الثقفيّ، وشَبث بن رِبْعيّ، وعبد الله بن أبي عَقِيل الثقفيّ، ومصقَلة بن هبيرة الشيبانيّ، والقعقاع بن شور الذهليّ، وشدّاد بن المنذر بن الحارث بن وَعْلة الذّهليّ -وكان يدعى ابن بُزَيعة، فقال: ما لهذا أبٌ ينسب إليه! ألقوا هذا من الشهود، فقيل له: إنه أخو الحضَين، وهو ابن المنذر، قال: فانسبوه إلى أبيه، فنُسب إلى أبيه. فبلغتْ شدّادًا، فقال: وَيْلي على ابن الزانية! أوَليست أمُّه أعَرفَ من أبيه! واللهِ ما ينسب إلّا إلى أمّه سمية، وحَجّار بن أبجر العجليّ فغضبتْ ربيعة على هؤلاء الشهود الذين شهدوا من ربيعة وقالوا لهم: شهدتهم على أوليائنا وحلفائنا! فقالوا: ما نحن إلا من الناس، وقد شهد عليهم ناس من قومهم كثير -وعمرو بن الحجاج الزّبيديّ ولبيد بن عُطارد التميميّ، ومحمد بن عُمَير بن عطارد التّميميّ، وسُوَيد بن عبد الرحمن التميميّ من بني سعد، وأسماء بن خارجة الفَزاريّ- كان يعتذر من أمره- وشمِر بن ذي الجَوْشن العامريّ، وشدّاد ومَرْوان ابنا الهيثم الهلاليّان، ومحفّز بن ثعلبة من عائذةِ قريش، والهيثم بن الأسود النخعيّ- وكان يعتذر إليهم - وعبد الرحمن بن قيس الأسديّ، والحارث وشداد ابنا الأزمع الهَمْدانيّان، ثم الوادِعيّان، وكُرَيب بن سلمة بن يزيد الجعفيّ، وعبد الرحمن بن أبي سَبْرة الجُعفيّ، وزحْر بن قيس الجُعفي، وقُدامة بن العَجْلان الأزْديّ وعَزرة بن عَزْرة الأحمسيّ- ودعا المختار بن أبي عُبيد وعُرْوة بن المغيرة بن شعبة ليشهَدوا عليه، فراغًا- وعمر بن قيس ذي اللحية وهانئ بن أبي حية الوادعيّان. فشهد عليه سبعون رجلًا، فقال زياد: ألقُوهم إلا من قد عُرف بحسَب وصَلاح في دِينه، فألقُوا حتى صُيّرُوا إلى هذه العدّة، وألقيتْ شهادة عبد الله بن الحجّاج الثعلبيّ وكتِبتْ شهادة هؤلاء الشهود في صحيفة، ثم دفعها إلى وائل بن حُجْر

стр. 3687

الحضرميّ وكثير بن شهاب الحارثيّ، وبعثهما عليهم، وأمرهما أن يخرجا بهم، وكتب في الشهود شُريح بن الحارث القاضي وشريح بن هانئ الحارثيّ؛ فأما شريح فقال: سألني عنه، فأخبرتُه: أنه كان صوّامًا قوّامًا، وأما شريح بن هانئ الحارثيّ فكان يقول: ما شهدتُ، ولقد بلغني أن قد كتبتْ شهادتي، فأكذبته ولُمْتُه، وجاء وائل بن حُجْر، وكَثِير بن شهاب، فأخرج القوم عشيّة، وسار معهم صاحبُ الشرطة حتى أخرجهم من الكوفة. فلما انتهوا إلى جبّانة عَرْزَم نظر قَبِيصة بن ضُبَيعة العبسيّ إلى داره وهي في جبّانة عرْزم، فإذا بناتُه مشرِفات، فقال لوائل وكَثير: ائْذَنا لي فأوصى أهلي، فأذِنا له، فلمّا دنا منهنّ وهنّ يبكين، سكت عنهنّ ساعة ثم قال: اسكتْنَ؛ فسكَتْن، فقال: اتَّقين الله ، واصبْرن فإني أرجو من ربيّ في وجهي هذا إحدى الحُسْنَيَين: إمَّا الشهادة، وهي السعادة؛ وإما الانصراف إليكنّ في عافية، وإن الذي كان يرزُقكُنّ ويكفيني مُؤنتكُنّ هو الله تعالى -وهو حيّ لا يموت- ألّا يضيّعَكُنّ وأن يحفظني فيكنّ ثم انصرف فمرّ بقومه، فجعل القوم يدعون الله له بالعافية، فقال: إنه لمِمّا يعدل عندي خطرَ ما أنا فيه هلاكُ قومي، يقول: حيث لا ينصرونني، وكان رجا أن يتخلّصوه (١). (٥: ٢٦٨/ ٢٦٩/ ٢٧٠/ ٢٧١). قال أبو مخنف: فحدّثني النضر بن صالح العبسيّ عن عبيد الله بن الحرّ الجعفي، قال: والله إني لواقف عند باب السريّ بن أبي وقّاص حين مرّوا بحُجر وأصحابه، قال: فقلتُ: ألا عشرة رَهْط أستنقِذ بهم هؤلاء! ألَا خمسة! قال: فجعل يتلهّف، قال: فلم يجبني أحدٌ من الناس، قال: فمضَوا بهم حتى انتهوا بهم إلى الغَريّيْنِ، فلَحِقهم شُريح بن هانئ معه كتاب، فقال لكثير: بلّغ كتابي هذا إلى أمير المؤمنين، قال: ما فيه؟ قال: لا تسألْني فيه حاجتي؛ فأبى كثير وقال: ما أحبّ أن آتيَ أميرَ المؤمنين بكتاب لا أدري ما فيه، وعسى ألّا يوافقه! فأتى به وائلَ بن حُجْر فقَبِله، ثم مَضَوا بهم حتى انتهَوا بهم إلى مَرْج عَذْراء، وبينها وبين دمشقَ اثنا عشر مِيلًا (٢). (٥: ٢٧١).

стр. 3688

تسمية الذين بعث بهم إلى معاوية حُجر بن عديّ بن جَبَلة الكنديّ، والأرقم بن عبد الله الكنديّ من بني الأرقم، وشريك بن شدّاد الحضرميّ، وصيفيّ بن فسيل، وقَبِيصة بن ضبيعة بن حرملة العبسيّ، وكريم بن عفيف الخثعميّ من بني عامر بن شهران، ثم من قحافة، وعاصم بن عوف البَجَليّ، وورقاء بن سُمَيّ البَجليّ، وكدام بن حيّان، وعبد الرحمن بن حَسّان العَنَزِيّان من بني هُمَيم، ومحرز بن شهاب التميميّ من بني مِنْقَر، وعبد الله بن حَوّية السعديّ من بني تميم، فمضَوا بهم حتى نزلوا مرْجَ عذراء، فحُبسوا بها، ثم إنّ زيادًا أتبعهم برجلين آخَرَين مع عامر بن الأسْود العِجْليّ بعتبة بن الأخنس من بني سعد بن بكر بنِ هوازن، وسعيد بن نمران الهمْدانيّ، ثم الناعطيّ، فتمّوا أربعة عشر رجلًا، فبعث معاوية إلى وائل بن حُجر، وكَثير بن شهاب فأدخلهما، وفضّ كتابهما، فقرأه على أهل الشام، فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله معاويةَ أمير المؤمنين من زياد بن أبي سُفْيان، أمّا بعد: فإنّ الله قد أحسن عند أمير المؤمنين البلاء، فكاد له عدوّه، وكفاه مؤنة من بَغَى عليه. إن طواغيتَ من هذه التُّرابيّة السبئيّة؛ رأسهم حُجْر بن عديّ خالَفوا أميرَ المؤمنين، وفارَقوا جماعةَ المسلمين، ونصبوا لنا الحرب، فأظهرَنا الله عليهم، وأمكننا منهم، وقد دعوتُ خيارَ أهل المِصر، وأشرافهم، وذوي السنّ والدين منهم، فشهدوا عليهم بما رأوا وعملوا، وقد بعثتُ بهم إلى أمير المؤمنين، وكتبت شهادةَ صلحاء أهلِ المِصْر وخيارِهم في أسفل كتابي هذا. فلما قرأ الكتابَ وشهادةَ الشهود عليهم، قال: ماذا تَرَوْن في هؤلاء النّفر الذين شهد عليهم قومُهم بما تستمعون؟ فقال له يزيد بن أسد البَجَليّ: أرَى أن تفرّقهم في قُرَى الشام فيكفيكَهم طواغيتُها. ودفَع وائل بن حُجر كتابَ شُريح بن هانئ إلى معاوية، فقرأه فإذا فيه: بسم الله الرّحمن الرحيم، لعبد الله معاوية أميرِ المؤمنين من شُريح بن هانئ أما بعد: فإنه بلغني أنّ زيادًا كتب إليك بشهادتي على حُجْر بن عديّ، وأن

стр. 3689

شهادتي على حُجْر أنه ممن يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويديم الحجّ والعمرة، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، حرام الدّم والمال، فإن شئتَ فاقتله، وإن شئت فدَعْه! فقرأ كتابَه على وائل بن حُجْر وكثِير، فقال: ما أرى هذا إلا قد أخرج نفسَه من شهادتكم. فحبس القوم بمرْج عذراء، وكتب معاوية إلى زياد: أما بعد، فقد فهمتُ ما اقتصصتَ به من أمر حُجر وأصحابه، وشهادة من قبَلك عليهم، فنظرتُ في ذلك، فأحيانًا أرى قتلهم أفضل من تركهم، وأحيانًا أرى العفو عنهم أفضل من قتلهم والسلام. فكتب إليه زيادٌ مع يزيد بن حُجيّة بن ربيعة التيميّ: أما بعد، فقد قرأت كتابك، وفهمت رأيَك في حُجْر وأصحابه، فعجبت لاشتباه الأمر عليك فيهم، وقد شهد عليهم بما قد سمعت من هو أعلم بهم، فإن كانت لك حاجةٌ في هذا المِصْر فلا تَرُدنّ حجرًا وأصحابه إليّ. فأقبل يزيد بن حُجَيّة حتى مرّ بهم بعذراء، فقال: يا هؤلاء أما والله ما أرى براءَتَكم، ولقد جئتُ بكتاب فيه الذّبح، فمرُوني بما أحببتم مما ترون: أنه لكم نافع أعمل به لكم وأنطِق به، فقال حُجر: أبلغ معاوية أنّا على بيعتنا، لا نستقيلها ولا نُقيلها، وأنه إنما شهد علينا الأعداء والأظِنّاء. فقدم يزيدُ بالكتاب إلى معاويةَ فقرأه، وبلَّغه يزيد مقالةَ حُجْر؛ فقال معاوية: زياد أصدق عندنا من حُجْر؛ فقال عبد الرحمن بن أمّ الحكم الثقفيّ- ويقال: عثمان بن عمير الثقفيّ: جَذَاذُها جَذَاذُها، فقال له معاوية: لا تَعَنِّ أبْرًا، فخرج أهل الشام ولا يدرون ما قال معاوية وعبد الرحمن، فأتَوا النعمان بن بشير فقالوا له مقالة ابنِ أمّ الحكم، فقال النّعمان: قتل القوم، وأقبل عامر بن الأسوَد العجليّ وهو بعذراء يريد معاويةَ ليُعلِمه علمَ الرجلين اللَّذَين بَعَث بهما زياد، فلما ولّى ليمضي؛ قام إليه حُجر بن عديّ- يَرْسُف في القيود، فقال: يا عامر! اسمع مني، أبلِغْ معاويةَ أنّ دماءنا عليه حرام، وأخبره أنا قد أو مِنّا وصالَحناه، فليتق الله، ولينظر في أمرنا، فقال له نحوًا من هذه الكلام، فأعاد عليه حُجْر مرارًا، فكان الآخر عرّض، فقال قد فهمت لك- أكثرت، فقال له حُجْر: إنّي ما سمعْت بعيب، وعلى أيّةٍ تلوم! إنك والله تُحبَى وتُعْطَى، وإن حُجرًا يُقَدّمُ ويقتل، فلا ألومك أن تستثقل كلامي،

стр. 3690

اذهب عنك، فكأنه استحيا، فقال: لا والله ما ذلك بي، ولأبلغنّ ولأجهَدنّ، وكأنه يزعم أنه قد فعل وأنّ الآخر أبى. فدخل عامر على معاويةَ فأخبره بأمر الرّجلين، قال: وقام يزيد بن أسد البجَليّ، فقال: يا أمير المؤمنين! هب لي ابنَيْ عمِّي -وقد كان جرير بن عبد الله كتب فيهما: إنّ امرَأيْن من قومي من أهل الجماعة والرأي الحسن، سَعَى بهما ساعٍ ظَنِين إلى زياد، فبعث بهما في النّفر الكوفيّين الذين وجّه بهم زياد إلى أمير المؤمنين وهما ممن لا يُحدِث حدَثًا في الإسلام ولا بغيًا على الخليفة، فلينفعهما ذلك عند أمير المؤمنين- فلما سألهما يزيدُ ذكرَ معاوية كتاب جرير، فقال: قد كتب إليّ ابنُ عمّك فيهما جرير محسنًا عليهما الثناء، وهو أهلٌ أن يصدَّق قولُه، وتُقبل نصيحتُه، وقد سألتَني ابنَيْ عمك، فهُما لك، وطلب وائل بن حُجْر في الأرقم، فتركه له، وطلب أبو الأعور السُّلميّ في عُتْبة بن الأخنس، فوهبه له، وطلب حُمرة بن مالك الهمْدانيّ في سعيد بن نمران الهمْداني، فوهبه له، وكلّمه حبيب بن مسلمة في ابن حَويّة، فخلّى سبيله. وقام مالك بن هُبيرة السَّكونيّ، فقال لمعاوية: يا أمير المؤمنين! دَعْ لي ابنَ عمِّي حُجْرًا، فقال: إنّ ابن عمك حُجرًا رأس القوم، وأخاف إنْ خلّيت سبيلَه أن يُفسد على مِصرِي، فيضطرنا غدًا إلى أن نُشخِصك وأصحابك إليه بالعراق، فقال له: والله ما أنصفتَني يا معاوية! قاتلتُ معك ابن عمك فتلقّاني منهم يومٌ كيومِ صِفِّين، حتى ظفرتْ كفّك، وعلا كعبُك ولم تُخَف الدوائر، ثم سألتُك ابنَ عمي فسطوتَ وبسطت من القول بما لا أنتفع به؛ وتخوّفت فيما زعمت عاقبة الدوائر! ثم انصرف فجلس في بيته، فبعث معاويةُ هُدبةَ بنَ فيّاض القُضاعيّ من بني سَلامان بن سعد والحُصين بن عبد الله الكلابيّ وأبا شريف البدّيّ، فأتَوْهم عند المساء، فقال الخثعميّ حين رأى الأعور مقبلًا: يُقتَل نصفُنا وينجو نصفُنا؛ فقال سعيد بن نمران: اللهمّ اجعلني ممّن ينجو وأنت عني راضٍ؛ فقال عبد الرحمن بن حسن العَنَزيّ: اللهمّ اجعلني ممّنْ يُكْرَمُ بهوانِهم وأنت عنّي راضٍ؛ فطالما عرّضتُ نفسي للقتل، فأبى اللهُ إلا ما أراه! . فجاء رسول معاوية إليهم بتخلية ستّة وبقتل ثمانية، فقال لهم رسول معاوية: إنّا قد أمرنا أن نعرض عليكم البراءة من عليّ واللعنَ له، فإن فعلتم تركناكم،

стр. 3691

وإن أبيتم قتلناكم، وإنّ أمير المؤمنين يزعم أنّ دماءكم قد حلّت له بشهادة أهكِ مصْركم عليكم، غير أنه قد عفا عن ذلك، فابرؤوا من هذا الرجل نُخَلّ سبيلَكم، قالوا: اللهمّ إنّا لسنا فاعلِي ذلك، فأمر بقبورهم فحفرتْ، وأدنيتْ أكفانُهم، وقاموا الليلَ كلَّه يصلّون، فلما أصبحوا قال أصحاب معاوية: يا هؤلاء، لقد رأيناكم البارحة قد أطلتم الصلاة، وأحسنتم الدعاء، فأخبرونا ما قولكم في عثمان؟ قالوا: هو أوّل من جار في الحكم، وعَمِل بغير الحقّ؛ فقال أصحاب لمعاوية: أميرُ المؤمنين كان أعلمَ بكم، ثم قاموا إليهم فقالوا: تبرؤون من هذا الرجل! قالوا: بل نتولّاه ونتبرّأ ممن تبرّأ منه؛ فأخذ كلّ رجل منهم رجلًا ليقتلَه، ووقع قَبِيصة بن ضبيعة في يديْ أبي شريف البدّي، فقال له قَبِيصة: إنّ الشّر بين قَومي وقومك أمِنٌ، فليقتلْني سواك؛ فقال له: برّتك رَحِم! فأخذ الحضرميّ فقتله، وقتل القضاعيّ قَبِيصة بن ضُبَيعة. قال: ثم إنّ حُجرًا قال لهم: دعوني أتوضأ، قالوا له: توضّأ، فلما أن توضّأ قال لهم: دعوني أصلّ ركعتين فأيْمُنُ الله ما توضأت قطّ الأصلّيت ركعتين؛ قالوا: لتُصلّ، فصلَّى، ثم انصرف فقال: والله ما صليت صلاةً قطّ أقصرَ منها، ولولا أن تروْا أن ما بي جَزع من الموت لأحببتُ أن أستكثرَ منها، ثم قال: اللهمّ إن نستعديك على أمّتنا، فإنّ أهل الكوفة شهدوا علينا، وإن أهل الشام يقتلوننا، أما والله لئن قتلتموني بها إني لأوّل فارس من المسلمين هَلَك في واديها، وأوّل رجل من المسلمين نبحَتْه كلابها، فمشى إليه الأعور هُدْبة بن فيّاض بالسيف، فأرعِدت خَصائله، فقال: كلّا، زعمتَ أنك لا تجزع من الموت؛ فأنا أدَعك فابرأ من صاحبك، فقال: ما لي لا أجزعُ وأنا أرى قبرًا محفورًا، وكفنًا منشورًا، وسيفًا مشهورًا؛ وإني والله إنْ جزعتُ من التهتل لا أقول ما يُسخط الرّب، فقَتَله؛ وأقبلوا يقتلونهم واحدًا واحدًا حتى قَتلوا ستة، فقال عبد الرحمن بن حسّان العَنَزي وكريم بن عَفيف الخثعميّ: ابعثَوا بنا إلى أمير المؤمنين، فنحن نقول في هذا الرّجل مِثلَ مقالته؛ فبعثوا إلى معاوية يخبرونه بمقالتهما، فبعث إليهم أن ائتوني بهما. فلما دخلا عليه قال الخثعميّ: اللهَ اللهَ يا معاوية! فإنك منقول من هذه الدار الزائلة إلى الدار الآخرة الدائمة، ثم مسؤول عمّا أردت بقتلنا، وفيمَ سفكت

стр. 3692

دماءَنا، فقال معاوية: ما تقول في عليّ؟ قال: أقول فيه قولك، قال: أتبرأ من دين عليّ الذي كان يَدِينُ اللهَ به؟ فسكَت، وكَرِه معاوية أن يجيبَه. وقام شَمِر بن عبد الله من بني قحافة، فقال: يا أميرَ المؤمنين! هب لي ابن عمّي؛ قال: هو لك، غير أني حابسُه شَهْرًا، فكان يرسل إليه بين كلّ يومين فيكلمه، وقال له: إني لأنفس بك على العراق أن يكون فيهم مثلك. ثمّ إنّ شَمِرًا عاوده فيه الكلام، فقال: نُمِرُّك على هبة ابن عمك، فدعاه فخلّى سبيله على ألا يدخل إلى الكوفة ما كان له سلطان، فقال: تخيّر أيّ بلاد العرب أحبّ إليك أن أسيّرك إليها، فاختار المَوْصلَ فكان يقول: لو قد مات معاوية قدمتُ المِصْر، فمات قبل معاوية بشهر. ثم أقبل عبد الرحمن العَنَزيّ فقال: إيه يا أخا ربيعة! ما قولك في عليّ؟ قال: دَعْني ولا تسألْني فإنه خيرٌ لك؛ قال: والله لا أدَعك حتى تخبرَني عنه؛ قال: أشهد أنه كان من الذّاكرين اللهَ كثيرًا، ومن الآمرين بالحقّ والقائمين بالقِسط، والعافينِ عن الناس؛ قال: فما قولك في عثمان؟ قال: هو أوّل مَن فتح باب الظلم، وأرْتجَ أبواب الحقّ؛ قال: قتلتَ نفسَك؛ قال: بل إيّاك قتلتُ؛ ولا ربيعة بالوادي -يقول حين كلّم شَمِر الخعثميّ في كريم بن عَفيف الخثعميّ، ولم يكن له أحدٌ من قومه يكلّمه فيه- فبعث به معاوية إلى زياد، وكتب إليه: أما بعد، فإنّ هذا العَنَزيّ شرّ مَن بَعثْت فعاقبْه عقُوبته التي هو أهلها، واقتلْه شر قِتلة. فلما قُدِم به على زياد بعث به زياد إلى قُسّ الناطف، فدُفِن به حيًّا. قال: ولما حُمِل العَنَزيّ والخثعميّ إلى معاوية قال العَنزي لحُجْر: يا حُجْر! لا يبعدَنْك الله، فنِعم أخو الإسلام كنتَ! وقال الخثعميّ: لا تَبْعَدْ ولا تُفْقَد، فقد كنتَ تأمر بالمعروف وتَنهى عن المنكر، ثم ذهب بهما وأتبعَهُما بصرَه، وقال: كَفَى بالموت قطّاعًا لحبل القرائن! فذهب بعُتبة بن الأخنس وسعيد بن نَمِران بعد حُجْر بأيام، فخلَّى سبيلهما. * * * تسمية من قتل من أصحاب حُجْر ﵀: حُجْر بن عديّ، وشريك بن شدّاد الحضرميّ، وصَيْفيّ بن فسيل الشيبانيّ،

стр. 3693

وقَبيصة بن ضبيعة العبسيّ، ومُحرِز بن شهاب السعديّ ثم المِنْقَريّ، وكدام بن حيّان العَنَزيّ، وعبد الرحمن بن حسّان العَنَزيّ، فبعث به إلى زياد فدُفن حيًّا يقسّ الناطف، فهم سبعة قُتلوا وكفنوا وصُلى عليهم. قال: فزعموا أن الحسن لما بلغه قتل حُجْر وأصحابه، قال: صلُّوا عليهم، وكفّنوهم، وأستقبلوا بهم القبلة؟ قالوا: نعم، قال: حجّوهم وربّ الكعبة! * * * تسمية من نجا منهم: كريم بن عفيف الخثعميّ، وعبد الله بن حويّة التميميّ، وعاصم بن عوف البَجَليّ، وورقاء بن سُميّ البَجَليّ، والأرقم بن عبد الله الكِنْديّ، وعتبة بن الأخنس، من بني سعيد بن بكر، وسعيد بن نمران الهمدانيّ فهم سبعة. وقال مالك بن هُبيرة السَّكوني حين أبَى معاوية أن يهبَ له حُجْرًا وقد اجتمع إليه قومُه من كِندَة والسَّكون وناس من اليَمَن كثير، فقال: والله لنحن أغنَى عن معاوية من معاوية عنّا، وإنّا لنجد في قومه منه بدلًا، ولا يجد منّا في الناسِ خلَفًا، سيروا إلى هذا الرجل فلنُخلّه من أيديهم؛ فأقبَلوا يسيرون ولم يشكّوا أنهم بَعذْراء؛ لم يُقتلوا، فاستقبلَتْهم قتَلَتُهم قد خرجوا منها، فلما رأوْه في الناس ظنّوا أنما جاء بهم ليخلّص حُجْرًا من أيديهم، فقال لهم: ما وراءكم؟ قال: تاب القوم، وجئنا لنخبر معاوية، فسكت عنهم، ومضى نحو عذراء، فاستقبله بعضُ من جاء منها فأخبره أنّ القوم قد قُتلوا، فقال: عليّ بالقوم! وتبعتْهم الخيلُ وسبَقُوهم حتى دخلوا على معاوية فأخبروه خبرَ ما أتى له مالكَ بن هبيرة ومن معه من الناس، فقال لهم معاوية: اسكنُوا، فإنما هي حرارةٌ يجدها في نفسه، وكأنها قد طفئتْ، ورجع مالك حتى نزل في منزله، ولم يأتِ معاوية، فأرسل إليه معاوية فأبَى أن يأتيه، فلما كان الليل بعث إليه بمئة ألف درهم، وقال له: إنّ أمير المؤمنين لم يمنعه أن يشفِّعك في ابن عمّك إلا شَفقة عليك وعلى أصحابك أن يُعيدوا لكم حَرْبًا أخرى، وإن حُجْر بن عديّ لو قد بقي خشيت أن يكلِّفك وأصحابك الشخوص إليه، وأن يكون ذلك من البلاء على المسلمين ما هو أعظم من قَتْل

стр. 3694

حُجْر. فقَبلها، وطابت نفسهُ، وأقبل إليه من غده في جموع قومه حتى دخل عليه ورضيَ عنه (١). (٥: ٢٧١/ ٢٧٢/ ٢٧٣/ ٢٧٤/ ٢٧٥/ ٢٧٦/ ٢٧٧/ ٢٧٨). قال أبو مخنف: وحدّثني عبد الملك بن نوفل بن مساحق: أنّ عائشةَ ﵂ بعثتْ عبدَ الرحمن بن الحارث بن هشام إلى معاوية في حُجر وأصحابه، فقدِم عليه وقد قتلَهم فقال له عبد الرحمن: أين غاب عنك حلمُ أبي سُفْيان؟ قال: غاب عني حين غاب عني مِثلُك من حُلَماء قومي، وحَمّلني ابن سُميّة فاحتملت (٢). (٥: ٢٧٨/ ٢٧٩). قال أبو مخنف: قال عبد الملك بن نوفل: كانت عائشة تقول: لولا أنا لم نغيِّر شيئًا إلا آلت بنا الأمور إلى أشدّ مما كنا فيه لغيَّرنا قتل حُجْر، أما والله إن كان ما علمتُ لمَسلمًا حَجّاجًا معتمِرًا (٣). (٥: ٢٧٩). قال أبو مخنف: وحدّثني عبد الملك بن نوفل عن سعيد المقبريّ: أنّ معاوية حين حجّ مرّ على عائشة -رضوانُ الله عليهما- فاستأذن عليها، فأذِنتْ له، فلما قعد قالت له: يا معاوية، أأمِنْتَ أن أخبئ لك من يقتلك؟ قال: بيتَ الأمن دخلت، قالت: يا معاوية: أما خشيتَ الله في قَتْل حُجْر وأصحابه؟ ! قال: لستُ أنا قتلتُهم، إنما قتَلَهم من شهد عليهم (٤). (٥: ٢٧٩). قال أبو مخنف: حدّثني زكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق، قال: أدركتُ الناسَ وهم يقولون: إن أوّل ذُلّ دخل الكوفة موتُ الحسن بن عليّ وقتلُ حُجْر بن عديّ، ودعوةُ زياد (٥). (٥: ٢٧٩). قال أبو مخنف: وزعموا أنّ معاوية قال عند موته: يومٌ لي من ابن الأدبَرِ طويلٌ! ثلاثَ مرات- يعني: حُجرًا (٦). (٥: ٢٧٩).

стр. 3695

قال أبو مخنف: عن الصقعب بن زهير، عن الحسن، قال: أربع خصال كنّ في معاوية؛ لو لم يكن فيه منهنّ إلا واحدة لكانت مُوبِقة: انتزاؤه على هذه الأمّة بالسفهاء حتى ابْتزَّها أمرَها بغير مَشُورة منهم وفيهم بقايا الصّحابة وذو الفضيلة. واستخلافُه ابنه بعده سِكّيرًا خِمّيرًا، يلبس الحرير ويَضرِب بالطنابير. وادّعاؤه زيادًا، وقد قال رسول الله ﷺ : "الولد للفِراش، وللعاهِر الحجَرُ". وقتلهُ حُجْرًا، ويْلًا له من حُجْرٍ! مرّتين. وقالت هند ابنة زيد بن مخرمة الأنصاريّة، وكانت تَشَيَّع تَرثِي حُجْرًا: تَرفَّع أيّها القمرُ المنِيرُ ... تبَصَّرْ هل ترى حُجْرًا يَسيرُ يسيرُ إلى معاويةَ بن حرْبٍ ... ليقْتُلَهُ كما زعم الأَميرُ تجَبَّرَتِ الجَبابِرُ بعد حُجْرٍ ... وطابَ لها الخَوَرْنَقُ والسَّدِيرُ وأصَبَحَتِ البلادُ بها مُحُولًا ... كأَن لم يُحْيها مُزْنٌ مَطِيرُ ألا يا حُجْرُ حجْر بني عَدِيٍّ ... تلقَّتكَ السلامةُ والسُّرُور أخافُ عليك ما أَرْدَى عَدِيًّا ... وشَيخًا في دِمشقَ له زئيرُ يَرَى قتلَ الخِيارِ عليه حقًّا ... له من شَرٍّ أُمَّتِهِ وَزير ألا يا ليتَ حُجْرًا مات مَوْتًا ... ولم ينحَرْ كما نُحِرَ البعيرُ فإن تَهلِكْ فكلُّ زعيمِ قَومٍ ... من الدنيا إلى هُلكٍ يَصِيرُ وقالت الكنديّة ترثي حُجرًا- ويقال: بل قائلها هذه الأنصاريّة: دُموعُ عيْنِي دِيمةٌ تَقطُرُ ... تبكِي على حُجْرٍ وما تَفتُرُ لو كانت القوْس على أَسرِه ... ما حُمِّلَ السيفَ له الأَعورُ وقال الشاعر يحرّض بني هند من بني شَيْبانَ على قيس بن عُباد حين سعى بصَيفيّ بن فَسِيل: دَعا ابنُ فسيل يالَ مُرَّةَ دعوةً ... ولاقى ذبابَ السيف كَفًّا ومِعْصما فحَرِّضْ بني هِند إذا ما لَقِيتَهُمْ ... وقُلْ لِغِياثٍ وابنهِ يَتَكلَّما لِتَبْكِ بني هِندٍ قتيلةُ مِثلَ ما ... بكَتْ عِرْسُ صَيْفِيٍّ وتبعثُ مأْتما غياث بن عمران بن مرّة بن الحارث بن دُبّ بن مرّة بن ذهل بن شَيْبان، وكان شريفًا، وقُتيلَةُ أخت قيس بن عُباد، فعاش قيس بن عباد حتى قاتل مع ابن الأشعث في مواطنه، فقال حَوْشب للحجّاج بن يوسف: إن منّا امرأ صاحب

стр. 3696

فتن ووثوب على السلطان، لم تكن فتنةٌ في العراق قطّ إلا وثب فيها، وهو ترابيّ يلعن عثمان، وقد خرج مع ابن الأشعث فشهد معه في مواطنه كلها، يحرّض الناسَ حتى إذا أهلكهم الله؛ جاء فجلس في بيته، فبعث إليه الحجاجُ فضرب عنقَه، فقال بنو أبيه لآل حوشب: إنما سعيتمْ بنا سعيًا، فقالوا لهم: وأنتم إنما سعيتم بصاحبنا سعيًا (١). (٥: ٢٧٩/ ٢٨٠/ ٢٨١). فقال أبو مخنف: وقد كان عبد الله بن خليفة الطائيّ شهد مع حُجْر بن عدي، فطلبه زياد، فتوارَى، فبعث إليه الشُّرَط، وهم أهل الحمراء يومئذ، فأخذوه، فخرجتْ أخته النوّار فقالت: يا معشر طيئ، أتسلمون سنانَكم ولسانَكم عبدَ الله بن خليفة! فشدّ الطاليُّون على الشُّرَط فضربوهم وانتَزعوا منهم عبدَ الله بن خليفة! فرجعوا إلى زياد، فأخبروه، فوَثَب على عديّ بن حاتم، وهو في المسجد، فقال: ائتني بعبد الله بن خليفة؛ قال: وما له! فأخبره، قال: فهذا شيء كان في الحيّ لا علمَ لي به؛ قال: والله لتأتيَنِّي به؛ قال: لا، والله لا آتيك به أبدًا، أجيئك بابن عمّي تقتُله! والله لو كان تحت قدميّ ما رفعتُهما عنه، قال: فأمر به إلى السجن؛ قال: فلم يَبق بالكوفة يمانيٌّ ولا رَبَعيٌّ إلّا أتاه وكلّمه، وقالوا: تفعل هذا بعديّ بن حاتم صاحبِ رسول الله ﷺ ! قال: فإني أخرجه على شرط، قالوا: ما هو؟ قال: يخرج ابن عمّه عني فلا يدخل الكوفة ما دام لي بها سلطان، فأتِيَ عديّ فأخبر بذلك، فقال: نعم، فبعث عديّ إلى عبد الله بن خليفة فقال: يا بن أخي! إنّ هذا قد لجّ في أمرِك، وقد أبى إلا إخراجَك عن مِصْرِك ما دام له سلطان، فالحقْ بالجبلين، فخرج؛ فجعل عبد الله بن خليفة يكتب إلى عديّ، وجعل عديٌّ يمنّيه، فكتب إليه: تذكَّرتُ ليلى والشَّبِيبةَ أَعصُرا ... وذكْرُ الصِّبَا بَرْخٌ على من تذكَّرا ووَلّى الشَّبابُ فافتقدتُ غُضُونَهُ ... فيا لك من وَجْد به حين أَدْبَرا فدع عنك تذكار الشبابِ وفَقدهُ ... وآثارهُ إذ بانَ منك فأَقصَرا وبَكِّ على الخُلانِ لمّا تُخُرِّمُوا ... ولم يجدُوا عن مَنهَلِ الموتِ مَصدرا دعَتهمْ مَناياهمْ ومَنْ حانَ يَومُهُ ... من الناس فاعلم أنه لن يؤِخَّرا أولئك كانوا شِيعةً لي ومَوْئلًا ... إذا اليوم أُلفِي ذا احتِدَام مُذكَّرا

стр. 3697

وما كنتُ أهوى بعدهمْ مُتعَلّلًا ... بشيءٍ من الدنيا ولا أَن أُعَمَّرا أقولُ ولا والله أنَسى ادِّكارَهمْ ... سجِيسَ اللَّيالي أو أموتَ فأُقْبَرا على أَهلِ عذراءَ السلامُ مُضاعَفًا ... من الله وليُسْق الغمامَ الكَنهْوَرا ولاقى بها حُجْرٌ من الله رحمةً ... فقد كان أَرْضى اللهَ حجرٌ وأعذَرا ولا زالَ تَهْطال مُلِثٌّ وديمة ... على قبرِ حُجْرٍ أو ينادَى فيُحْشَرا فيا حُجْرُ مَنْ للخيل تُدْمَى نُحُورُها ... وللمَلِك المُغْزِي إذا ما تَغْشمَرا ومَن صادِعٌ بالحقّ بعدكَ ناطِق ... بتقَوى ومَنْ إن قيلَ بالجَوْرِ غيّرا فنِعْم أخو الإسلام كنتَ وإنني ... لأطمَعُ أن تُؤتى الخلودَ وتُحْبَرا وقد كنتَ تعطى السيفَ في الحرب حَقَّه ... وتَعرِفُ مَعرُوفًا وتنكِرُ مُنكَرا فيا أخَوَيْنا من هُمَيمٍ عُصِمْتُما ... ويُسّرْتُما للصالحاتِ فأَبْشِرا ويا أخَوَيَّ الخِندفِيَّين أَبْشِرا .... فقد كنتما حيِّيتُما أن تُبَشَّرا ويا إخْوَتا من حضرموتَ وغالب ... وشيبانَ لُقِّيتُمْ حسابًا مُيَسَّرا سَعِدْتُم فلم أسمع بأصوَبَ مِنكُمُ ... حِجاجًا لدَى الموتِ الجليل وأصبَرا سأبكِيكمُ ما لاح نجْم وعَرّدَ الـ ... ـحمامُ بِبَطْن الوادِيَيْنِ وقَرَقرا فقلتُ ولم أظلم اغَوثَ بنَ طيِّئٍ ... متى كنتُ أخشَى بينكم أن أُسَيّرا! هَبِلتُم أَلا قاتَلتُمُ عن أخيكمُ ... وقد ذَبَّ حتى مال ثم تجَوَّرا ففرّجتُمُ عني فغُودِرتُ مُسلَمًا ... كأني غريب في إِيادٍ وأعصُرا فمن لكم مثِلي لدَى كلِّ غارةٍ ... ومن لكُم مثلي إذا البأسُ أصحرا ومن لكمُ مثلي إذا الحربُ قلَّصَتْ ... وأوضعَ فيها المُسْتَمِيتُ وشَمَّرا فَها أَنا ذا دارِي بأجبَال طَيْئٍ ... طَرِيدًا ولو شاءَ الإلهُ لَغيّرَا نَفاني عَدُوِّي ظالمًا عن مُهاجَرِي ... رضيتُ بما شاءَ الإِلهُ وقَدَّرا وأسلَمَني قومي لغيرِ جِنايةٍ ... كأن لم يكونوا لي قَبيلًا ومَعشَرا فإنْ أُلْفَ في دارٍ بأَجبالِ طيّئٍ ... وكان معانًا من عُصَيْر ومحضَرا فما كنتُ أخشى أن أُرَى مُتغَرِّبا ... لحَا اللهُ من لاحَى عليه وكثَّرا لحا الله قتل الحضرميّين وائلا ... ولَاقى الفَنَا من السنان الموفَّرا ولَاقَى الرَّدى القومُ الذين تحزّبوا ... علينا وقالوا قَول زُورٍ ومُنكَرا فلا يَدْعُني قومٌ لَغوثِ بن طيئٍ ... لأنْ دَهرُهم أشقَى بهم وتغيّرا فلم أغزُهمْ في المُعلَمِينَ ولم أُثر ... عليهمْ عَجاجًا بالكُوَيفةِ أكَدَرا

стр. 3698

فبلِّغ خليلي إن رحَلتَ مُشَرِّقًا ... جَديلةَ والحَيَّيْن مَعْنًا وبُحتُرا ونَبْهانَ والأَفْناءَ من جِذْم طيئِ ... ألم أكُ فيكمْ ذا الغناءِ العَشنزرا! ألم تذكروا يومَ العُذَيب ألِيَّتي ... أمامكُمُ ألَّا أرَى الدّهرَ مُدبِرا! وكَرِّي على مِهران والجمعُ حاسر ... وقَتلِي الهُمام المُستَميتَ المُسَوّرا ويومَ جَلولاءِ الوَقيعة لم أُلَمْ ... ويومَ نِهاوَندِ الفُتُوح وتُستَرا وتَنسَونني يومَ الشَّريعةِ والقَنَا ... بصِفّينَ في أَكتافهم قد تَكَسَّرَا جَزَى رَبُّهُ عني عَديَّ بن حاتمٍ ... برَفضي وخِذلاني جزاءً مُوفَّرا أتَنسَى بَلائِي سادِرًا يا بنَ حاتمٍ ... عشيَّةَ ما أغنَت عَدِيُّكَ حِزْمَرا! فدافَعتُ عنك القومَ حتى تخَاذَلوا ... وكنتُ أنا الخصمَ الألَدَّ العَذَوَّرا فَوَلَّوا وما قاموا مقامي كأَنما ... رأَونِيَ لَيثًا بالأَبَاءَة مُخدرا نَصَرتُكُم إذ خامَ القريبُ وأبعَطَ الـ ... بَعِيدُ وقد أفرِدتُ نَصرًا مؤزرًا فكان جزائي أن أجَرَّد بينكم ... سَجينًا وأن أُولَى الهوانَ وأوسَرا وكم عِدَة لي منك أَنك راجعِي ... فلم تُغنِ بالميعادِ عنِّي حبتَرا فأَصبحتُ أرعَى النِّيبَ طَورًا وتارة ... أُهَرْهِرُ إن راعي الشُّوَيهات هرهَرا كأَني لم أَركَب جَوادًا لغارةٍ ... ولم أترُكِ القِرن الكميَّ مُقَطَّرا ولم أَعتَرِض بالسَّيفِ خَيلًا مُغِيرةً ... إذا النكسُ مَشى القَهقَرى ثم جَرجَرا ولم أستحِثَّ الركضَ في إثرِ عُضبةٍ ... مُيَمّمةٍ عُليا سِجاسٍ وأبهرَا ولم أذعرِ الأَبْلامَ مني بغارةٍ ... كَورْدِ القَطاثم انحدرتُ مُظَفَّرا ولم أَرَ في خَيلٍ تُطاعِن بالقَنَا ... بقَزوينَ أو شَروِينَ أو أغزُ كُندُرا فذلك دهرٌ زال عني حميدُهُ ... وأصبح لي معروفُه قد تَنكَّرا فلا يَبعَدَنْ قومي وإن كنت غائبًا ... وكنتُ المُضاعَ فيهمُ والمُكَفَّرا ولا خيرَ في الدنيا ولا العيش بعدهمْ ... وإن كنتُ عنهم نائِيَ الدار مُحصَرا فمات بالجبَلين قبل موت زياد. وقال عُبَيدة الكنديّ ثم البذيّ؛ وهو يعيّرِ محمد بن الأشعث بخِذْلانه حُجْرًا: أَسلمتَ عمَّك لم تُقاتِلْ دونَهُ ... فرَقًا ولولا أنتَ كان منيعَا وقتلتَ وافِدَ آلِ بَيت محمّدٍ ... وسَلَبتَ أَسيافًا له ودُروعا

стр. 3699

لو كنتَ من أَسدٍ عرفتَ كرامتي ... ورأيتَ لي بيتَ الحُباب شفيعا (١) (٥: ٢٨١/ ٢٨٢/ ٢٨٣/ ٢٨٤/ ٢٨٥). * * *

стр. 3700

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3701

ذكر استعمال الربيع بن زياد على خراسان وفي هذه السنة وجّه زيادٌ الربيعَ بن زياد الحارثيّ أميرًا على خُراسان بَعد موت الحكم بن عمرو الغِفاريّ، وكان الحكم قد استَخلف على عمله بعد موته أنسَ بن أبي أناس، وأنس هو الذي صلى على الحكم حين مات فدُفن في دار خالِد بن عبد الله أخي خُليد بن عبد الله الحنفيّ، وكتب بذلك الحَكَم إلى زياد، فعزَل زيادٌ أَنسًا، وولّى خُلَيد بن عبد الله الحنفيّ (١). (٥: ٢٨٥). فحدّثني عمر، قال: حدّثني عليّ بن محمد، قال: لما عزل زيادٌ أنسًا، وولى مكانَه خُليد بن عبد الله الحنفيّ قال أنسٌ: ألا مَنْ مُبلِغ عني زِيادًا ... مغَلغَلَةً يَخُبُّ بها البَرِيدُ أتعزِلني وتطعِمُها خُليدًا ... لقد لاقت حَنيفَهُ ما تريدُ عليكم باليمامةِ فاحرُثوها ... فأوّلُكم وآخرُكم عَبيدُ فولى خُليدًا شهرًا ثم عزله، وولى خُراسانَ ربيع بن زياد الحارثي في أول سنة إحدى وخمسين، فنقل الناسُ عيالاتِهم إلى خُراسان، ووطنوا بها، ثم عزل الربيع (٢). (٣: ٢٨٦). فحدّثني عمر، قال: حدّثني عليّ، عن مسلمة بن محارب وعبد الرحمن بن أبان القرشيّ، قالا: قدم الربيع خُراسان ففتح بلخ صُلْحًا، وكانوا قد أغلقوها بعدما صالحهم الأحنف بن قيس، وفتح قُهِسْتان عنوةً، وكانت بناحيتها أتراك، فقتلهم وهزمهم، وكان ممن بقي منهم نيزك طَرخان، فقتله قُتيبةُ بن مسلم في ولايته (٣). (٥: ٢٨٦).

стр. 3702

حدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ، قال: غزا الربيع فقطع النهر ومعه غلامه فرّوخ وجاريته شريفةُ، فغنم وسلم، فأعتَقَ فرّوخًا، وكان قد قطع النّهر قبله الحَكَم بن عمرو في ولايته ولم يفتح (١). (٥: ٢٨٦). فحدّثني عمر، عن عليّ بن محمد، قال: كان أوّل المسلمين شرب من النهر مولى للحَكم، اغترف بتُرسه فشرب، ثم ناوَلَ الحكم فشرب، وتوضّأ وصلى من وراء النهر ركعتين، وكان أوّل الناس فعلَ ذلك، ثم قَفَل (٢). (٥: ٢٨٦). وحجّ بالناس في هذه السنة يزيدُ بن معاوية؛ حدّثني بذلك أحمدُ بن ثابت عمّن ذكره عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، وكذلك قال الواقديّ (٣). (٥: ٢٨٦). ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين فزعم الواقديّ: أنّ فيها كانت غَزوة سُفْيان بن عوف الأزديّ، ومشتاه بارض الرّوم، وأنه توفِّي بها، واستخلف عبد الله بن مسعدة الفزاريّ. وقال غيره: بل الذي شتا بأرض الروم في هذه السنة بالناس بُسْر بن أبي أرْطاةَ، ومعه سُفْيان بن عوف الأزديّ، وغزا الصائفة في هذه السنة محمد بن عبد الله الثَّقَفي. وحجّ بالناس في هذه السنة سعيدُ بن العاص في قول أبي معشر، والواقديّ، وغيرِهما (٤). (٣: ٢٨٧). ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين ذكر ما كان فيها من الأحداث فمما كان فيها من ذلك مشتَى عبد الرحمن بن أمّ الحَكَم الثقفيّ بأرض الرّوم.

стр. 3703

وفيها فتحت رُودُس -جزيرة في البحر- ففتحها جُنادة بن أبي أميّة الأزْديّ، فنزلها المسلمون -فيما ذكر محمد بن عمر- وزَرَعوا واتّخذوا بها أموالًا ومواشيَ يَرْعَوْنها حولَها، فإذا أمسَوْا أدخلوها الحصن، ولهم ناطورٌ يحذرهم ما في البحر ممن يريدهم بكَيْد، فكانوا على حَذرٍ منهم، وكانوا أشدّ شيء على الرّوم، فيعترضونهم في البحر فيقطعون سفنَهم، وكان معاوية يُدِرّ لهم الأرزاق والعطاء، وكان العدوّ قد خافهم، فلما مات معاوية أقفلهم يزيدُ بن معاوية (١). (٥: ٢٨٨). وفيها كانت وفاةُ زياد بن سُميّة. حدّثني عمر، قال: حدّثنا زهير، قال: حدّثنا وهيب، قال: حدّثني أبي عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن الزّبير، عن فيل مولَى زياد، قال: ملك زياد العراقَ خمسَ سنين، ثم مات سنة ثلاث وخمسين (٢). (٥: ٢٨٨). حدّثني عمر، قال، حدّثنا عليّ بن محمد، قال: لما نزل زياد على العراق بقيَ إلى سنة ثلاث وخمسين، ثم مات بالكوفة في شهر رمضان وخليفته على البصرة سَمُرة بن جندَب (٣). (٥: ٢٨٨). ذكر سبب مهلك زياد بن سُمَية حدّثني عبد الله بن أحمدَ المروزيّ، قال: حدّثنا أبي، قال حدثني سليمان، قال: حدّثني عبد الله بن المبارك، قال: أخبرني عبدُ الله بن شَوْذب، عن كثير بن زياد: أنّ زيادًا كتب إلى معاوية: إني ضبطت العراقَ بشمالي، ويميني فارغة. فضمّ إليه معاوية العَرُوض -وهي اليمامة وما يليها- فدعا عليه ابن عمَر، فطُعِن ومات. فقال ابن عمرَ حين بلغه الخبر: اذهبْ إليك ابنَ سُميّة، فلا الدّنيا بقيَتْ لك، ولا الآخرةَ أدركتَ (٤). (٥: ٢٨٨/ ٢٨٩).

стр. 3704

حدثني عمر، قال: حدثني عليّ، قال: كتب زيادٌ إلى معاوية: قد ضبطتُ لكَ العراق بشمالي؛ ويميني فارغة، فاشغلها بالحجاز، وبعث في ذلك الهيثم بن الأسودَ النخعيّ، وكتب له عهدَه مع الهَيْثم، فلما بلغ ذلك أهل الحجاز أتى نفر منهم عبدَ الله بن عمَر بن الخطاب، فذكروا ذلك له، فقال: ادعوا الله عليه يَكفيكموه، فاستقْبَل القبلةَ واستقبلوها فدَعوا ودعا، فخرجت طاعونةٌ على أصبعه، فأرسل إلى شريح -وكان قاضيَه- فقال: حَدَث بي ما تَرَى، وقد أمرْت بقطعها، فأشِرْ عليّ؛ فقال له شُريح: إني أخشى أن يكون الجراح على يدك، والألمُ على قلبك، وأن يكون الأجلُ قد دنا، فتلقَى اللهَ أجْذَم، وقد قطعْتَ يدَكَ كراهيةً للقائه، أو أن يكون في الأجل تأخير وقد قطعتَ يدكَ فتعيش أجذَمَ وتُعيّر ولدك. فتركها؛ وخرج شريح فسألوه، فأخبرَهم بما أشار به، فلامُوه، وقالوا: هلّا أشرتَ عليه بقطعها! فقال: قال رسولُ الله ﷺ : "المستشار مؤتمَن" (١). (٥: ٢٨٩). حدّثني عبد الله بن أحمد المروزيّ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني سليمان، قال: قال عبد الله: سمعتُ بعضَ مَنْ يحدّث: أنه أرسل إلى شُريح يستشيره في قطع يده، فقال: لا تفعل؛ إنك إن عشتَ صرتَ أجذَمَ، وإن هلكتَ إيّاك جانيًا على نفسك، قال: أنام والطاعون في لحاف! فعزم أن يفعل، فلما نظر إلى النار والمَكاوي جَزع وترك ذلك (٢). (٥: ٢٨٩). حدّثني عمر، قال: حدّثنا عبد الملك بن قُرَيب الأصمعيّ، قال: حدّثني ابن أبي زياد، قال: لما حضرتْ زيادًا الوفاةُ؛ قال له ابنه: يا أبتِ! قد هيّأت لك ستين ثوبًا أكفّنك فيها؛ قال: يا بنيّ، قد دنا من أبيك لباسٌ خيرٌ من لباسه هذا، أو سلبٌ سريع. فمات فدُفن بالثُّوَيَّة إلى جانب الكوفة، وقد توجه يزيد إلى الحجاز واليًا عليها، فقال مسكين بن عامر بن شُريح بن عَمرو بن عُدُس بن زيد بن عبد الله بن دارم:

стр. 3705

رَأَيتُ زيادَةَ الإسلامِ وَلَّت ... جِهارًا حينَ ودَّعَنا زيادُ (١) (٥: ٢٨٩/ ٢٩٥). وقال الفرزدق لمسكين- ولم يكن هجا زيادًا حتى مات: أَمِسْكِينُ أَبكى الله عيْنَك إنما ... جرَى في صلالٍ دَمعُها فَتَحَدَّرَا بَكيْتَ امرأً مِن آلِ مَيْسانَ كَافِرًا ... ككِسرى على عَدّانه أَو كقَيْصَرا أقولُ له لمّا أتاني نَعِيُّهُ ... به لا بِظَبْيٍ بالصَّريمةِ أَعْفَرا فأجابه مسكين، فقال: ألا أَيُّها المرءُ الذي لَسْتُ ناطقًا ... ولا قاعِدًا في القوم إلا انْبَرَى لِيَا فجِئني بِعَمٍّ مِثْلِ عمّيَ أَو أَبٍ ... كمثْلِ أبي أَو خالِ صدْقٍ كخاليا كعَمْرِو بن عمرٍو أَو زُرارةَ والدًا ... أَوِ البِشْرِ من كلٍّ فَرَعتُ الرَّوابيا وما زال بي مِثلُ القَناةِ وسابحٍ ... وخَطَّارةٍ غِبّ السُّرَى مِن عياليا فهذا لأيّام الحِفاظِ وهذِهِ ... لِرَحْلي وهذا عُدَّة لارتحاليا! وقال الفرزدق: أَبلغ زِيادًا إذا لاقَيْتَ مَصْرَعهُ ... أنَّ الحمامة قد طارت من الحَرَمِ طارَت فما زال يَنْمِيهَا قَوادِمُها ... حتى استَغاثتْ إلى الأنْهار والأَجَم (٢) (٥: ٢٩٠). حدّثني عبدُ الله بن أحمَد، قال: حدّثني أبي عن سليمان، قال: حدّثني عبد الله عن جَرير بن حازم، عن جرير بن يزيد، قال: رأيت زيادًا فيه حُمرةٌ، في عينه اليمنى انكسار، أبيض اللحية مخروطها، عليه قميص مرقوع، وهو على بغلة عليها لجامُها قد أرسنها (٣). (٥: ٢٩٠).

стр. 3706

ذكر الخبر عن وفاة الربيع بن زياد الحارثي ذكر الخبر عن سبب وفاته: حدّثِني عمر، قال: حدّثني عليّ بن محمد، قال: وَلي الربيعُ بنُ زياد خُراسان سنتين وأشهرًا، ومات في العام الذي مات فيه زياد، واستخلف ابنه عبدَ الله بن الربيع، فولي شهرين، ثم مات عبدُ اللهِ. قال: فقدم عهده من قبل زياد على خُراسانَ وهو يُدفن، واستَخلف عبدُ الله بن الربيع على خُراسان خُليدَ بن عبد الله الحنفيّ (١). (٥: ٢٩١). قال عليّ: وأخبرني محمد بن الفضل عن أبيه، قال: بلغني: أنّ الرّبيع بن زياد ذكر يومًا بَخُراسان حُجْرَ بن عديّ، فقال: لا تزال العَرَب تُقتل صبرًا بعدَه، ولو نفرتْ عند قتله لم يُقتل رجل منهم صَبْرًا، ولكنها أقرّت فذلّت، فمكث بعد هذا الكلام جمعةً، ثم خرج في ثياب بياض في يوم جمعة، فقال: أيّها الناس، إني قد مَلِلتُ الحياة، وإني داعٍ بدعوة فأمِّنوا. ثم رفع يده بعد الصلاة، وقال: اللهمّ إنْ كان لي عندك خيرٌ فاقبضني إليك عاجلًا. وأمّن الناسُ فخرج. فما توارتْ ثيابُه حتى سقط فحُمل إلى بيته، واستخلفَ ابنهُ عبد الله، ومات من يومه، ثم مات ابنه، فاستخلف خليد بن عبد الله الحنفيّ، فأقره زياد، فمات زياد وخُلَيد على خُراسان، وهلك زياد وقد استَخلف على عمله على الكوفة عبدَ الله بن خالد بن أسيد، وعلى البصرة سَمُرة بن جُندب الفَزاريّ (٢). (٥: ٢٩١). فحدثني عمر بن شبّة، قال: حدّثني عليّ، قال: مات زياد وعلى البصرة سَمُرة بن جُندب خليفة له، وعلى الكُوفة عبدُ الله بن خالد بن أسيد، فأقرّ سَمُرة على البصرة ثمانية عشر شهرًا (٣). (٥: ٢٩١). قال عمر: وبلَغني عن جعفر بن سليمان الضبعيّ، قال: أقرّ معاوية سَمُرة بعد زياد ستة أشهر، ثم عَزَله، فقال سَمُرة: لعن الله معاوية! والله لو أطعتُ اللهَ كما

стр. 3707

أطعتُ معاوية ما عذَّبني أبدًا (١). (٥: ٢٩١). حدّثني عمر، قال: حدّثني موسى بن إسماعيل، قال: حدّثني سليمان بن مسلم العِجليّ، قال: سمعتُ أبي يقول: مررت بالمسجد، فجاء رجلٌ إلى سَمُرة فأدّى زكاة ماله، ثم دخل فجعل يصلي في المسجد، فجاء رجل فضرب عنقَه، فإذا رأسُه في المسجد، وبدنُه ناحيةً، فمرّ أبو بكْرة، فقال: يقول الله سبحانه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾، قال أبي: فشهدتُ ذاك، فما مات سَمُرة حتى أخذه الزَّمْهرير، فمات شرّ ميتة، قال: وشهدته وأُتيَ بناسٍ كثير وأنَاس بين يديه فيقول للرجل: ما دينُك؟ فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأنّ محمدًا عبدُه ورسولُه وأني بريءٌ من الحَروريّة، فيقدَّم فيُضرَب عنقه حتى مرّ بضعةٌ وعشرون (٢). (٥: ٢٩٢). وحجّ بالناس في هذه السنة سعيدُ بن العاص في قول أبي معشر الواقديّ وغيرِهما (٣). (٣: ٢٩٢). ثم دخلت سنة أربع وخمسين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث ففيها كان مَشتَى محمد بن مالك أرض الرّوم، وصائفة مَعْن بن يزيد السُّلَميّ. وفيها -فيما زعم الواقديّ- فَتَح جُنادةُ بن أبي أميّة جزيرةً في البحر قريبةً من قُسْطنطينيّة يقال لها: أرْواد. وذكر محمد بن عمرَ: أنّ المسلمين أقاموا بها دهْرًا، فيما يقال سبع سنين، وكان فيها مجاهد بن جَبْر. قال: وقال تُبَيع ابنُ امرأةِ كعب: تروْن هذه الدرجة؟ إذا انقلعت جاءت قفْلتنا. قال: فهاجَتْ ريحٌ شديدة فقلعتْ الدّرجة، وجاء نعيّ

стр. 3708

معاوية وكتاب يزيد بالقَفْل فَقفَلْنا، فلم تَعْمُرْ بعد ذلك وخَرِبت، وأمِن الروم (١). (٥: ٢٩٣). ذكر عزل سعيد بن العاص عن المدينة واستعمال مروان وفيها عَزَل معاويةُ سعيدَ بن العاص عن المدينة، واستَعملَ عليها مَرْوانَ بنَ الحكم. ذكر سبب عزل معاوية سعيدًا واستعمال مَرْوان: حدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ بن محمد عن جُويرة بن أسماء، عن أشياخه: أنّ معاوية كان يُغرِي بين مرْوان وسعيد بن العاص، فكتب إلى سعيد بن العاص وهو على المدينة: اهدم دارَ مَرْوان؛ فلم يَهدِمها، فأعاد عليه الكتابَ بهدمها، فلم يَفعل، فعزَلَه وولَّى مروان. عاد الحديث إلى حديث عمر عن عليّ بن محمد، قال: فلما ولّى مَرْوان كتب إليه: اهدِم دارَ سعيد، فأرسل الفَعَلة، ورَكِب ليهدمَها، فقال له سعيد: يا أبا عبد الملك، أتهدم دارِي! قال: نعم، كتب إليّ أميرُ المؤمنين، ولو كتب في هدم داري لفعلتَ؛ قال: ما كنتُ لأفعلَ؛ قال: بلى، واللهِ لو كتب إليك لهدمتَها، قال: كلّا أبا عبد الملك. وقال لغلامه: انطلق فجئني بكتاب معاوية؛ فجاء بكتاب معاوية إلى سعيد بن العاص في هدم دار مَروانَ بن الحكم، قال: مَروانُ كَتبَ إليك يا أبا عثمان في هدم داري، فلم تَهْدم ولم تُعلمني. قال: ما كنتُ لأهدمَ دارَك، ولا أمُنَّ، عليك؛ وإنما أراد معاوية أن يحرّض بيننا، فقال مَرْوان: فِداك أبي وأمّي! أنت والله أكثرُ منا ريشًا وعَقبًا. ورجع مروانُ ولم يَهدِم دارَ سعيد (٢). (٥: ٢٦٣/ ٢٩٤/ ٢٩٥). وأما محمد بن عمر؛ فإنه ذكرة أنّ معاوية كتب إلى سعيد بن العاص يأمره بقبض أموالِ مروانَ كلّها فيجعلَها صافيةً، ويقبضَ فدَكَ منه- وكان وهبها له، فراجَعَه سعيد بن العاص في ذلك، وقال: قرابتُه قريبة. فكتب إليه ثانية يأمره

стр. 3709

باصطفاء أموالِ مَرْوان، فأبى، وأخذ سعيد بن العاص الكتابَيْن فوضعهما عند جارية، فلما عُزِل سعيد عن المدينة فوليهَا مروان، كتب معاويةُ إلى مَرْوان بن الحكم يأمره بقبض أموال سعيد بن العاص بالحجاز، وأرسل إليه بالكتاب مع ابنه عبد الملك، فخبّره أنه لو كان شيئًا غير كتاب أمير المؤمنين لتجافيتُ، فدعا سعيدُ بن العاص بالكتابيْن اللّذَين كتب بهما معاويةُ إليه في أموال مَرْوان يأمره فيهما بقبض أموالِه، فذهب بهما إلى مَرْوان، فقال: هوَ كان أوصَلَ لنا مِنّا له! وكفّ عن قبض أموالِ سعيد. وكتب سعيدُ بن العاص إلى معاوية. العَجبُ مما صنع أمير المؤمنين بنا في قَرابتنا، أن يُضْغن بعضَنا على بعض! فأمير المؤمنين في حلمه وصبره على ما يكره من الأجنبيْن، وعفوه وإدخاله القطيعة بيننا والشحناء، وتوارث الأولاد ذلك، فوالله لو لم نكن بني أب واحد إلّا بما جمعنا الله عليه من نَصْر الخليفة المظلوم، واجتماع كلمتنا؛ لكان حقًّا علينا أنْ نَرعَى ذلك، والذي أدركنا به خير. فكتب إليه يتنصّل من ذلك، وأنه عائدٌ إلى أحسن ما يَعهده (١). (٥: ٢٩٤/ ٢٩٣). حدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ، قال: حدّثنا أبو محمد بن ذَكْوان القرشيّ، قال: قدم سعيد بن العاص على معاوية، فقال له: يا أبا عثمان! كيف تركتَ أبا عبد الملك؟ قال: تركتُه ضابطًا لعَملِك، منفذًا لأمرك. قال: إنه كصاحب الخُبْزة كُفيَ نُضجَها فأكلَها، قال: كلّا، واللهِ يا أمير المؤمنين! إنه لمع قوم لا يُحمل بهم السوط، ولا يحلّ لهم السيف، يتهادَوْن كوَقْع النّبل، سهمٌ لك وسهمٌ عليك؛ قال: ما باعدَ بينك وبينه؟ قال: خافني على شرَفه، وخِفْتُه على شرفي، قال: فماذا له عندَك؟ قال: أسرّه غائبًا، وأسرّه شاهدًا؛ قال: تركتَنا يا أبا عثمان في هذه الهَنات! قال: نعم يا أمير المؤمنين، فتحمّلتُ الثِّقْل، وكفيتُ الحزم، وكنتُ قريبًا لو دعوتَ أجبتُ، ولو ذهبتَ رفعتُ (٢). (٥: ٢٩٥)

стр. 3710

وفي هذه السنة كان عزل معاوية سَمُرة بن جُنْدب عن البصرة، واستعمل عليها عبدَ الله بن عمرو بن غيلان. فحدثني عمر، قال: حدّثني عليّ بن محمد قال: عزل معاويةُ سمرةَ وولى عبدَ الله بن عمرو بن غيْلان، فأقرّه ستة أشهر، فولى عبدُ الله بن عمرو شرطتَه عبد الله بن حِصْن (١). (٥: ٢٩٥). ذكر تولية معاوية عبيد الله بن زياد على خراسان وفي هذه السنة ولى معاويةُ عبيدَ الله بن زياد خُراسان (٢). (٥: ٢٩٥). ذكر سبب ولاية ذلك: حدّثني عمر؛ قال: حدّثني عليّ بن محمد، قال: حدّثنا مسلمة بن محارب ومحمد بن أبَان القرشيّ، قالا: لما مات زيادٌ وفد عُبيد الله إلى معاوية، فقال له: مَن استخلَفَ أبي على عمله بالكُوفة؟ قال: عبدَ الله بن خالد بن أسِيد؛ قال: فمَن استعمل على البَصرة؟ قال: سَمُرة بن جُندب الفَزاريّ، فقال له معاوية: لو استعملك أبوك استعملتك، فقال له عبيد الله: أنشُدك الله أن يقولها إليّ أحدٌ بعدَك: لو ولّاك أبوك وعمّك لولّيتك! . قالا: وكان معاوية إذا أراد أن يولّي رجلًا من بني حَرْب ولّاه الطائف، فإن رأى منه خيرًا وما يعجبه ولّاه مكة معها، فإن أحسن الولايةَ وقام بما وُلِّيَ قيامًا حسنًا جمع له معهما المدينةَ، فكان إذا ولى الطائف رجلًا قيل: هو في أبي جاد، فإذا ولّاه مكة قيل: هو في القرآن، فإذا ولّاه المدينة قيل: هو قد حَذَق. قالا: فلما قال عبيد الله ما قال ولّاه خُراسان، ثم قال له حين ولّاه: إني قد عهدتُ إليك مثل عهدي إلى عمّالي، ثم أوصيك وصيّة القرابة لخاصّتك عندي: لا تبيعنّ كثيرًا بقليل، وخذْ لنفسك من نفسِك، واكتف فيما بيننك وبين عدوّك بالوفاء تخفّ عليك المؤونة وعلينا منك، وافتح بابَك للناس تكن في العلم منهم أنت وهم سواء، وإذا عزمتَ على أمر فأخرجه إلى الناس ولا يكن لأحد فيه

стр. 3711

مَطمَع، ولا يرجعنّ عليك وأنت تستطيع، وإذا لقيت عدوّك فغَلَبوك على ظهر الأرض فلا يَغلبوك على بطنها، وإن احتاج أصحابك إلى أن تؤاسيَهم بنفسِك فآسِهِم (١). (٢٩٥/ ٢٩٦). حدّثني عمر، قال: حدّثني عليّ، قال: أخبرنا عليّ بن مجاهد عن ابن إسحاق، قال: استعمل معاويةُ عبيدَ الله بن زياد وقال: استمسك الفَسْفاسَ إن لم يقطع وقال له: اتقّ الله ولا تؤثرنّ على تقوى الله شيئًا، فإن في تقواه عِوَضًا، عِرْضَك من أن تُدنِّسه، وإذا أعطيتَ عهدًا؛ فَفِ به، ولا تبيعنَّ كثيرًا ولا تُخرِجنّ منك أمرًا حتى تُبرِمَه، فإذا خرج فلا يُردنّ عليك، وإذا لقيت عدوّك فكن أكثرَ من معك، وقاسمهم على كتاب الله، ولا تُطْمِعَنَّ أحدًا في غير حقه، ولا تؤيسنّ أحدًا من حقّ له. ثم وَدَّعَه (٢). (٥: ٢٩٦/ ٢٩٧). حدثني عمر، قال: حدّثنا عليّ، قال: حدّثنا مسلمة، قال: سار عبيد الله إلى خراسان في آخر سنة ثلاث وخمسين وهو ابن خمس وعشرين سنة من الشام، وقدم إلى خُراسان أسلمُ بن زُرْعة الكلابيّ، فخرج، فخرج معه من عبْد بن قيس النَّمَريّ يَرجُز بين يديه بمرثية زياد يقول فيها: (٣) (٥: ٢٩٧). حدّثني عمرُ مرّة أخرى في كتابه الذي سمّاه كتاب "أخبار أهل البصرة"، حدّثني أبو الحسن المدائنيّ قال: لما عقد معاويةُ لعبيد الله بن زياد خراسان خرج وعليه عمامةٌ -وكان وَضيئا- والجعْد بن قيس يُنشِده مرثية زياد: أبقِ علَيّ عاذِلِي من اللّومْ ... فيما أُزِيلتْ نِعْمَتي قبلَ اليومْ قد ذَهَبَ الكَريمُ والظِّلُّ الدّومْ ... والنّعَمُ المُؤَثلُ الدّثرُ الْحَومْ والماشيات مِشْيةَ بعدَ النَّومْ ... ليْتَ الجيادَ كلَّها مع القومْ سقين سُمَّ ساعةٍ قَبْلَ اليومْ ... لأربَع مَضيْنَ من شهرِ الصّومْ وحجّ بالناس في هذه السنة مَروانُ بن الحَكَم، كذلك حدّثني أحمد بن ثابت،

стр. 3712

عمّن حدّثه عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، وكذلك قال الواقديّ وغيرُه (١). (٢٩٥: ٥). ثم دخلت سنة خمس وخمسين ذكر الخبر عن الكائن فيها من الأحداث فمما كان فيها من ذلك مَشتَى سُفْيان بن عوف الأزديّ بأرض الرّوم في قول الواقديّ. وقال بعضهم: بل الذي كان شَتَا بأرض الرُّوم في هذه السنة عَمرو بنُ محرز. وقال بعضهم: بل الذي شَتَا بها عبدُ الله بن قيس الفَزَاريّ. وقال بعضهم: بل ذلك مالكُ بن عبد الله (٢). (٥: ٢٩٩). وفيها عَزَل معاويةُ عبد الله بن عَمرو بن غَيْلانَ عن البَصرة وولاها عُبيد الله بنَ زياد (٣). (٥: ٢٩٩). ذكر الخبر عن سبب عزل معاوية عبد الله بن عمرو بن غيلان وتوليته عبيد الله البصرة حدّثني عمر، قال: حدّثنا الوليد بن هشام وعليّ بن محمد -قال: واختلفا في بعض الحديث- قالا: خطب عبدُ الله بنُ عمرو بن غيْلانَ على منبر البَصرة، فحصَبه رجل من بني ضَبّة -قال عمر: قال أبو الحسن: يُدعَى جبيرَ بن الضحاك أحد بني ضِرار- فأمَر به فقُطعتْ يده، فقال: السمعُ والطاعَةُ والتسليمْ ... خيرٌ وأعفى لبني تميمْ فأتتْه بنو ضَبّة، فقالوا: إنّ صاحبنا جَنى ما جنى على نفسه، وقد بالغَ الأميرُ في عقوبته، ونحن لا نأمن أن يَبلُغ خبرُه أميرَ المؤمنين، فيأتي من قِبله عقوبة تخصّ أو تَعمُّ، فإنْ رأى الأميرُ أن يكتب لنا كتابًا يخرج به أحدنا إلى أمير

стр. 3713

المؤمنين يُخبره أنه قطعه على شُبْهة وأمر لم يَضِحْ، فكتب لهم بعد ذلك إلى معاوية، فأمسكوا الكتاب حتى بلغ رأس السنة -وقال أبو الحسن: لم يَزد على ستة أشهر- فوجّه إلى معاوية، ووافاه الضَّبّيون، فقالوا: يا أمير المؤمنين، إنه قطع صاحبنا ظلمًا، وهذا كتابُه إليك، وقرأ الكتاب، فقال: أما القَودَ من عمّالي فلا يصحّ، ولا سبيل إليه، ولكن إن شئتم ودَيْتُ صاحبَكم؛ قالوا: فَدِه؛ فوَدَاه من بيت المال، وعَزَل عبدَ الله، وقال لهم: اختاروا مَن تحبون أن أولّي بلدَكم؛ قالوا: يتخيّر لنا أميرُ المؤمنين، وقد علم رأيَ أهل البصرة في ابن عامر؛ فقال: هل لكم في ابن عامر؟ فهو مَن قد عرفتم في شرفه وعفافه وطهارته، قالوا: أميرُ المؤمنين أعلمُ، فجعل يُردّد ذلك عليهم ليَسْبُرَهم، ثم قال: قد ولّيت عليكم ابنَ أخي عُبيد الله بن زياد (١). (٥: ٢٩٩/ ٣٠٠). قال عمر: حدّثني عليّ بن محمد، قال: عَزَل معاويةُ عبدَ الله بن عَمرو، وولى عُبيدَ الله بن زياد البصرة في سنة خمسٍ وخمسين وولى عبيد الله أسلم بن زُرْعة خُراسان فلم يغزُ، ولم يفتح بها شيئًا، وولّى شُرَطه عبدَ الله بن حصن، والقَضاء زُرارة بن أوفى، ثم عَزله، وولى القضاءَ ابن أذينة العبديّ (٢). (٥: ٣٠٠). وفي هذه السنة عزل معاويةُ عبدَ الله بن خالد بن أسيد عن الكُوفة، وولّاها الضحّاك بن قيس الفِهْريّ (٣). (٥: ٣٠٠). وحجّ بالناس في هذه السنة مَروانُ بنُ الحَكَم، حدّثني بذلك أحمدُ بن ثابت عمّن حدّثه، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر (٤). (٥: ٣٠٠). ثم دخلت سنة ست وخمسين ذكر ما كان فيها من الأحداث ففيها كان مشتَى جُنادة بن أبي أميّة بأرض الرّوم؛ وقيل: عبد الرحمن بن مسعود.

стр. 3714

وقيل غزا فيها في البحر يزيد بن شَجَرة الرّهاويّ، وفي البرّ عِياض بن الحارث (١). (٥: ٣٠١). وحجّ بالناس -فيما حدّثني أحمد بن ثابت عمن حدّثه، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر- الوليد بن عُتبة بن أبي سُفْيان. وفمِها اعتَمَر معاوية في رجب (٢). (٥: ٣٠١). ذكر خبر البيعة ليزيد بولاية العهد وفيها دعا معاويةُ الناسَ إلى بيعة ابنه يزيدَ من بعده، وجعله وليّ العهد. ذكر السبب في ذلك: حدّثني الحارث، قال: حدّثنا عليّ بن محمد، قال: حدّثنا أبو إسماعيل الهمْدانيّ وعليّ بن مجاهد، قالا: قال الشعبيّ: قَدِم المغيرةُ على معاويةَ واستعفاه وشكا إليه الضَّعف، فأعفاه، وأراد أن يولّيَ سعيدَ بن العاص، وبلغ كاتب المغيرة ذلك، فأتى سعيدَ بن العاص فأخبرَه وعنده رجل من أهل الكوفة يقال له: ربيعة -أو الربيع- من خُزاعة، فأتى المغيرة فقال: يا مغيرة! ما أرى أميرَ المؤمنين إلّا قد قلَاك، رأيتُ ابن خُنَيس كاتِبَك عند سعيد بن العاص يخبره: أنّ أمير المؤمنين يولّيه الكوفَة، قال المغيرة: أفلا يقول كما قال الأعشى: أَمْ غابَ رَبُّكَ فاعْتَرتْكَ خَصاصةٌ ... ولعلّ ربَّك أن يعودَ مؤيِّدَا رُوَيْدًا! ادخُل على يزيد؛ فدخل عليه فعرّض له بالبيعة، فأدّى ذلك يزيد إلى أبيه، فردَّ معاوية المغيرة إلى الكوفة، فأمره أن يعمل في بيعة يزيد، فشَخَص المغيرة إلى الكوفة، فأتاه كاتبُه ابن خُنَيْس، فقال: والله ما غششْتك ولا خُنْتُك، ولا كرهتُ ولايتَك، ولكنّ سعيدًا كانت له عندي يَدٌ وبلاء، فشكرتُ ذلك له، فرضيَ عنه وأعداه إلى كتابته، وعَمِل المغيرةُ في بيعة يزيد، وأوفد في ذلك وافدًا إلى معاوية (٣). (٥: ٣٠١/ ٣٠٢).

стр. 3715

حدّثني الحارث، قال: حدّثنا عليّ عن مَسلَمة، قال: لما أراد معاوية أن يبايع ليزيدَ كتب إلى زياد يستشيره، فبعث زياد إلى عبيد بن كعب النُّميريّ، فقال: إنّ لكلّ مستشير ثقة، ولكلّ سرٍّ مستودَع، وإنّ الناس قد أبدعت بهم خصلتان: إذاعة السرّ، وإخراج النصيحة إلى غير أهلها، وليس موضع السرّ إلا أحد رجلين، رجلُ آخرة يرجو ثوابًا، ورجل دُنْيا له شَرَف في نفسه وعَقْل يصون حَسبَه، وقد عجمْتُهما منك، فأحمدت الذي قِبَلك، وقد دعوتُك لأمر اتّهمتُ عليه بطونَ الصّحُف؛ إنّ أمير المؤمنين كتب إليّ يزعم أنه قد عزم على بيعة يزيد، وهو يتخوّف نَفْرةَ الناس، ويرجو مطابقَتهم، ويستشيرني، وعلاقةُ أمرِ الإسلام وضمانُه عظيم، ويزيد صاحبُ رَسْلَة وتهاون، مع ما قد أولِع به من الصيد، فالقَ أمير المؤمنين مؤدّيًا عني، فأخبره عن فَعَلات يزيد؛ فقال له: رُوَيْدَك بالأمر، فأقْمَنُ أن يتمّ لك ما تريد، ولا تَعجَل فإنّ دَرَكًا في تأخير خير من تعجيل عاقبتُهُ الفَوْت. فقال عُبيد له: أفلا غير هذا! قال: ما هو؟ قال: لا تُفسِد على معاويةَ رأيَه، ولا تمقِّت إليه ابنَه، وألقَى أنا يزيدَ سرًّا من معاوية فأخبِره عنك أنّ أمير المؤمنين كتب إليك يستشيرك في بيعته، وأنك تخوَّفُ خلاف الناس لهنَاتٍ ينقمونها عليه، وأنّك ترى له ترك ما يُنقَمُ عليه، فيستحكم لأمير المؤمنين الحجّة على الناس، ويسهل لك ما تريد، فتكونَ قد نصحت يزيد وأرضيتَ أميرَ المؤمنين؛ فسلمت مما تخاف من علاقة أمر الأمّة. فقال زياد: لقد رميت الأمر بحَجَرِهِ، اشخَص على بركة الله، فإن أصبت فما لا ينكر، وإن يكن خطأ فغير مستغَشّ وأبْعُد بك إن شاء الله من الخطأ، قال: تقول بما ترى، ويقضي الله بغيب ما يَعلمَ. فقدم على يزيدَ فذاكره ذلك. وكتب زياد إلى معاوية يأمره بالتؤدة، وألّا يَعجَل، فقبل ذلك معاوية، وكفّ يزيد عن كثير مما كان يصنع، ثم قدم عُبيد على زياد فأقطعه قطيعة (١). (٥: ٣٠٢/ ٣٠٣). حدّثني الحارث، قال: حدّثنا عليّ، قال: لما مات زياد دعا معاويةُ بكتاب فقرأه على الناس باستخلاف يزيد، إن حدَثَ به حدثُ الموت فيزيد وليّ عهد، فاستوسق له الناس على البيعة ليزيدَ غير خمسة نفر (٢). (٥: ٣٠٣).
следующие страницы →