اليشكريّ، فولَّاه خُراسان، وبلغ ابنَ الكوّاء ذلك فقال ما قال (١). (٥: ٢١٣).
حدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ، قال: لما ضعف ابن عامر عن عمله، وانتشر الأمر بالبصرة عليه، كتب إليه معاوية يستزيره، قال عمر: فحدّثني أبو الحسن: أنّ ذلك كان في سنة أربع وأربعين، وأنه استخلف على البَصرة قيسَ بن الهيثم، فقَدِم على معاوية، فردّه على عمله، فلما ودّعه قال له معاوية: إني سائلك ثلاثًا، فقل: هنّ لك. قال: هُنَّ لك، وأنا ابن أمّ حكيم، قال: تردّ عليّ عملي، ولا تَغضَب، قال: قد فعلت؛ قال: وتهب لي مالَكَ بعَرَفة؛ قال: قد فعلت. قال: وتهب لي دُورَك بمكة؛ قال: قد فعلتُ، قال: وصلَتْك رَحِم! قال: فقال ابن عامر: يا أميرَ المؤمنين! إني سائلك ثلاثًا فقل: هنّ لك؛ قال: هُنّ لك، وأنا ابن هند؛ قال: تردّ عليّ مالي بعَرَفة، قال: قد فعلت، قال: ولا تُحاسب لي عاملًا، ولا تتّبع لي أثرًا. قال: قد فعلت، قال: وتُنكِحني ابنتك هندًا؛ قال: قد فعلت.
قال: ويقال: إنّ معاوية قال له: اخِترْ بين أن أتتبّع أثرك وأحاسبَك بما صار إليك، وأردّك إلى عمَلك، وبين أن أسوّغك ما أصبت، وتعتزل، فاختار أن يسوِّغه ذلك ويَعتزل (٢). (٥: ٢١٣/ ٢١٤).
استلحاق معاوية نسب زياد ابن سمية بأبيه
وفي هذه السنة استلحق معاويةُ نسبَ زياد بن سميّه بابيه أبي سُفيان فيما قيل.
حدّثني عمرُ بن شبّه، قال: زعموا: أنّ رجلًا من عبد القيس كان مع زياد لمّا وفد على معاوية، فقال لزياد: إنّ لابن عامر عندي يدًا، فإن أذنتَ لي أتيتُه، قال: على أن تحدّثني ما يجري بينَك وبينَه؛ قال: نعم، فأذن له فأتاه، فقال له ابن عامر: هيه هيه! وابن سميّة يقبّحُ آثاري، ويعرّض بعُمّالي! لقد هممتُ أن آتيَ بقَسَامة من قريش يَحلفون أنّ أبا سُفيان لم يرَ سُمية؛ قال: فلما رجع سأله زياد، فأبى أن يُخبره، فلم يَدَعْه حتى أخبره، فأخبر ذلك زيادٌ معاويةَ، فقال معاوية لحاجبه: إذا جاء ابن عامر فاضرب وجهَ دابّته عن أقصى الأبواب، ففعل ذلك
стр. 3642
به، فأتى ابن عامر يزيد، فشكا إليه ذلك، فقال له: هل ذكرتَ زيادًا؟ قال ت نعم، فركب معه يزيدُ حتى أدخلَه، فلما نظر إليه معاوية قام فدخل، فقال يزيد لابن عامر: اجلس فكم عسى أن تَقعُد في البيت عن مجلسه! فلما أطالا خرج معاويةُ وفي يده قَضيبٌ يَضرِب به الأبواب، ويتمثّل:
لنا سِياقٌ ولكمْ سِياقُ ... قد عَلِمَت ذلكمُ الرِّفاقُ
ثم قعد فقال: يابن عامر! أنت القائل في زياد ما قلت! أما والله لقد علمَت العربُ أني كنت أعزَّها في الجاهليَّة، وإنّ الإسلام لم يزدني إلا عزًّا، وأنّي لم أتكثر بزيادٍ من قلّة، ولم أتعزّز به من ذِلّة، ولكن عرفتُ حقًّا له فوضعتهُ موضعَه، فقال: يا أمير المؤمنين! نرجع إلى ما يحبّ زياد، قال: إذًا نرجع إلى ما تحبّ؛ فخرج ابن عامر إلى زياد فترضَّاه (١). (٥: ٢١٤/ ٢١٥).
حدّثني أحمد بن زهير، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن صالح، قال: حدّثنا عمرو بن هاشم عن عُمر بن بشير الهمْدانيّ، عن أبي إسحاق: أنّ زيادًا لما قدم الكُوفة، قال: قد جئتُكم في أمرٍ ما طلبتُه إلا إليكم، قالوا: ادعنا إلى ما شئتَ، قال: تُلحِقون نسبي بمعاوية؛ قالوا: أمّا بشهادة الزُّور فلا؛ فأتى البَصرة، فشهد له رجل (٢). (٥: ٢١٥).
وحجّ بالناس في هذه السنة معاوية.
وفيها عَمِل مروانُ المقصورةَ، وعَمِلها - أيضًا فيما ذكر - معاوية بالشأم (٣). (٢١٥: ٥).
ثم دخلت سنة خمس وأربعين ذكر الأحداث المذكورة التي كانت فيها
فمن ذلك استعمال معاويةَ الحارث بن عبدِ الله الأزديّ فيها على البصرة.
стр. 3643
فحدّثني عمرُ، قال: حدّثني عليُّ بن محمد، قال: عزل معاويةُ ابنَ عامر وولَّى الحارثَ بنَ عبد الله الأزديّ البَصرة في أوّل سنة خمس وأربعين، فأقام بالبصرة أربعةَ أشهر، ثم عَزَله. قال: وقد قيل: هو الحارث بن عَمرو وابن عَبْد عَمْرو. وكان من أهل الشأم، وكان معاوية عزل ابنَ عامر ليوليَ زيادًا، فولّى الحارث كالفرس المحلِّل، فولّى الحارثُ شُرْطَته عبدَ الله بن عمرو بن غيلان الثَّقَفيّ، ثم عَزَله معاوية وولّاها زيادًا (١). (٥: ٢١٦).
ذكر الخبر عن ولاية زياد البصرة
حدّثني عمر، قال: حدّثنا عليٌّ، قال: حدّثنا بعضُ أهلِ العلم: أنّ زيادًا لما قدِم الكوفة ظَنّ المغيرة أنه قدم واليًا على الكوفة، فأقام زياد في دار سَلْمان بن ربيعة الباهليّ، فأرسل إليه المغيرة وائلَ بنَ حُجر الحضرميّ أبا هُنَيدة، وقال له: اعلم لي عِلمَه. فأتاه فلم يَقدر منه على شيء، فخرج من عنده يريد المغيرة، وكان زاجرًا، فرأى غُرابًا يَنعَق، فرجع إلى زياد فقال: يا أبا المغيرة، هذا الغراب يرحِّلك عن الكوفة. ثم رجع إلى المغيرة، وقدم رسولُ معاويةَ على زياد من يومه: أن سِرْ إلى البَصْرة (٢). (٥: ٢١٦).
وأما عبد الله بن أحمد المَروَزيّ فحدّثني، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني سليمان، قال: حدّثني عبد الله عن إسحاق - يعني ابن يحيى - عن معبد بن خالد الجدَليّ، قال: قَدِم علينا زيادٌ - الذي يقال له: ابنُ أبي سُفْيان - من عندِ معاويةَ، فنزل دارَ سلمان بن ربيعة الباهليّ ينتظر أمرَ معاوية قال: فبلغ المغيرةَ بن شعبة - وهو أميرٌ على الكوفة - أنّ زيادًا ينتظر أن تجيءَ إمارتُه على الكوفة، فدعا قطَن بن عبد الله الحارثيّ فقال: هل فيك من خير؟ تكفيني الكُوفة حتى آتيَك من عندِ أمير المؤمنين؛ قال: ما أنا بصاحب ذا، فدعا عتيبة بن النهّاس العِجْليّ، فعرض عليه فقبل، فخرج المغيرة إلى معاوية، فلما قدم عليه سأله أن يَعزِله، وأن يَقطَع له منازلَ بقَرْقِيسيَا بين ظهريْ قيس، فلما سمع بذلك معاوية خاف
стр. 3644
بائقتَه، وقال: والله لترجعنّ إلى عملكَ يا أبا عبد الله! فأبى عليه، فلم يزدْه ذلك إلا تُهمة، فردّه إلى عمله، فطرقَنا ليلًا، وإني لفَوْق القَصْر أحرُسه، فلما قرع البابَ أنكرْناه، فلما خاف أن ندَلِّيَ عليه حَجَرًا تسمَّى لنا، فنزلتُ إليه فرحّبت له وسلّمت، فتمثّل:
بمثلي فافْزعي يا أُمَّ عَمْرٍو ... إذا ما هاجَني السَّفَرُ النَّعُورُ
اذهب إلى ابن سُميّة فرحِّله حتى لا يصبح إلا من وراء الجسر. فخرجْنا فأتينا زيادًا، فأخرجْناه حتى طرحناه من وراء الجسر قبل أن يصبح (١). (٢١٦: ٥/ ٢١٧).
فحدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ، قال: حدّثنا مسلمةَ والهُذلىّ وغيرُهما: أنّ معاوية استَعمل زيادًا على البصرة وخراسان وسِجسْتان، ثم جمع له الهند والبحرَيْن وعُمان، وقَدِم البصرة في آخر شهر ربيع الآخر - أو غرّة جُمادَى الأولى - سنة خمس، والفِسْق بالبَصرة ظاهر، فاشٍ، فخطب خُطبةً بَتْراءَ لَم يَحمَد الله فيها، وقيل: بل حَمِد الله فقال:
الحمدُ لله على إفضاله وإحسانه، ونسأله المزيدَ من نِعَمه، اللهمّ كما رزقْتنا نعمًا، فألهِمْنا شكرًا على نعمتك علينا.
أمّا بعد، فإنّ الجهالة الجَهْلاء، والضّلالة العَمْياء، والفَجْر المُوقِد لأهله النارَ الباقيَ عليهم سعيرُها، ما يأتي سفهاؤكم، ويشتَمل عليه حُلَماؤكم من الأمور العظام، ينبت فيها الصغير، ولا يتحاشى منها الكبير، كأن لم تَسمعوا بآي الله، ولم تقرؤوا كتابَ الله، ولم تَسمَعوا ما أعدّ الله من الثواب الكريم لأهل طاعته، والعذاب الأليم لأهل معصيته في الزمن السَّرمد الذي لا يزول. أتكونون كمن طرفتْ عينه الدنيا، وسدّت مسامعه الشهوات، واختار الفانيةَ على الباقية، ولا تذكرون أنكم أحدَثتم في الإسلام الحدَث الذي لم تُسْبَقوا به من ترككم هذه المَواخير المنصوبة والضعيفة المسلوبة في النهار المبصر؛ والعدد غير قليل! ألم تكن منكم نُهاةٌ تَمنع الغُواةَ عن دَلجٍ الليل وغارةِ النهار! قرّبتم القرابة، وباعدتم الدّين، تعتذرون بغير العذر، وتُغطُّون على المختلس، كلّ امرئ منكم يذبُّ
стр. 3645
عن سفيهه، صنيعُ من لا يخاف عقابًا، ولا يرجو مَعادًا. ما أنتم بالحُلَماء، ولقد اتّبعتم السفهاء، ولم يزل بهم ما تروْن من قيامكم دونَهم، حتى انتهكوا حُرَم الإسلام، ثم أطرَقوا وراءكم كُنوسًا في مَكانس الرِّيَب. حُرِّم عليَّ الطعامُ والشرابُ حتى أسوّيَها بالأرض هَدْمًا وإحراقًا. إنّي رأيت آخرَ هذا الأمرِ لا يَصلُح إلّا بما صلَح [به] أوّلُه، لينٌ في غير ضَعْف، وشدّة في غير جَبريّة وعُنْف. وإنّي أقسم بالله لآخذنّ الوليّ بالوليّ، والمقيمَ بالظاعن، والمقْبِل بالمدبِر، والصحيحَ منكم بالسقيم، حتى يَلقَى الرجلُ منكم أخاه فيقول: انجُ سَعْد فقد هَلَك سعيد، أو تستقيم لي قَناتُكم. إنّ كذبة المنبر تَبقَى مشهورة، فإذا تعلّقتم عليّ بكذبة فقد حلّت لكم معصيتي، [وإذا سمعتموها مني فاغتمزوها فيّ واعلموا أن عندي أمثالها] مَنْ بُيِّت منكم فأنا ضامنٌ لما ذهب له. إيّاي ودَلَج اللّيل، فإنّي لا أوتَى بمدلج إلا سفَكْتُ دَمه، وقد أجَّلتكم في ذلك بقدْر ما يأتي الخبر الكُوفة ويرجعُ إليّ. وإيّايَ ودعوى الجاهليّة، فإنّي لا أجد أحدًا دعَا بها إلا قطعت لسانَه. وقد أحدثتم أحداثًا لم تكن، وقد أحدثْنا لكلّ ذنب عقوبة، فمن غَرّق قومًا غرّقتُه، ومن حرّق على قوم حرّقناه، ومن نَقَب بيتًا نقبتُ عن قلبه، ومن نَبَش قبرًا دفنتهُ [فيه] حيًّا؛ فكفّوا عنّي أيديَكم وألسنتَكم أكفُفْ يدي وأذايَ، لا يَظهر من أحد منكم خلافُ ما عليه عامّتكم إلّا ضربتُ عنقَه.
وقد كانت بيني وبين أقوام إحَن، فجعلت ذلك دَبْرَ أذُني وتحتَ قدمي، فمن كان منكم محسنًا فليزدَدْ إحسانًا، ومن كان مسيئًا فلينزع عن إساءته. إني لو علمت: أنّ أحدكم قد قتلَه السُّلّ من بغضي لم أكشف له قناعًا، ولم أهتك له سترًا؛ حتى يُبديَ لي صفحتَه، فإذا فعل لم أناظرْه؛ فاستأنفوا أمورَكم، وأعينوا على أنفسِكم، فربّ مبتئسٍ بقدومنا سيُسَرّ، ومسرورٍ بقدومِنا سَيبْتئس.
أيّها الناس، إنا أصبحنا لكم ساسةً، وعنكم ذادة، نَسوسُكم بسلطان الله الذي أعطانا، ونذود عنكم بفيء الله الذي خوّلنا، فلنا عليكم السمعُ والطاعة فيما أحببْنا، ولكم علينا العدلُ فيما وُلِّينا، فاستوجبوا عدلَنا وفيئنا بمناصَحتكم. واعلَموا أني مهما قصّرت عنه فإني لا أقصّر عن ثلاث: لستُ محتجبًا عن طالبِ حاجة منكم ولو أتاني طارقًا بليل، ولاحابسًا رِزْقَا ولا عطاءً عن إبّانه، ولا مجمِّرَا لكم بعْثًا. فادعوا الله بالصّلاح لأئمتكم، فإنهم ساسَتُكم المؤدِّبون
стр. 3646
لكم، وكَهْفُكم الذي إليه تأوون، ومتى تَصلحوا يصلحوا. ولا تُشرِبوا قلوبَكم بغضَهم، فيشتدَّ لذلك غيظُكم، ويطولَ له حُزنكم، ولا تُدرِكوا حاجَتكم؛ مع أنه لو استجيبَ لكم؛ كان شرًّا لكم.
أسأل الله أن يعين كلًّا على كلّ، وإذا رأيتموني أنفذ فيكم الأمرَ فأنفذوه على أذلاله، وايمُ الله إن لي فيكم لصرعَى كثيرة! فليحذر كلّ امرئٍ منكم أن يكون من صَرْعاي.
قال: فقام عبد الله بن الأهتم فقال: أشهد أيّها الأمير أنك قد أُوتيتَ الحكمةَ، وفَصْلَ الخِطاب، فقال: كذبتَ، ذاك نبيّ الله داود ﵇.
قال الأحنف: قد قلتَ فأحسَنت أيّها الأمير، والثناء بعد البلاء، والحمدُ بعدَ العطاء، وإنا لن نُثنيَ حتى نُبتلَى؛ فقال زياد: صَدقت.
فقام أبو بلال مِرْداس بن أديَّه يَهمِس وهو يقول: أنبأ الله بغير ما قلت، قال الله : ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾؛ فأوعَدَنا الله خيرًا مما واعدت يا زياد، فقال زياد: إنا لا نَجِد إلى ما تريد أنتَ وأصحابُك سبيلًا حتى نخوضَ إليها الدماء (١). (٥: ٢١٧/ ٢١٨ / ٢١٩/ ٢١٠ / ٢٢١).
حدّثني عمرُ، قال: حدّثنا خلّاد بن يزيد، قال: سمعتُ من يخبر عن الشعبيّ، قال: ما سمعتُ متكلّمًا قطّ تكلَّم فأحسن إلا أحببتُ أن يَسكُت خوفًا أن يسيء إلا زيادًا، فإنه كان كلّما أكثر كان أجَود كلامًا (٢). (٥: ٢٢١).
حدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ عن مسلمة، قال: استعمل زيادٌ على شُرْطته عبدَ الله بن حصن، فأمهَل الناس حتى بلغ الخبرُ الكوفةَ، وعاد إليه وصولُ الخبر إلى الكوفة، وكان يؤخّر العشاء حتى يكون آخر مَن يصلّي ثم يصلّي؛ يأمر رجلًا فيقرأ سورةَ البقرة ومثلها، يرتّل القرآن، فإذا فرغ أمهل بقدر ما يَرَى أنّ إنسانًا يبلغ الخُرَيْبة، ثم يآمر صاحب شُرطته بالخروج، فيخرج ولا يرى إنسانًا إلا
стр. 3647
قتله. قال: فأخذ ليلةً أعرابيًّا، فأتى به زيادًا، فقال: هل سمعتَ النداء؟ قال: لا والله، قدمتُ بحَلوبة لي، وغشيني الليلُ، فاضطررْتها إلى موضع، فأقمتُ لأصبح، ولا علمَ لي بما كان من الأمير. قال: أظنك واللهِ صادقً، ولكن في قتلك صلاحُ هذه الأمّة؛ ثم أمر به فضُربتْ عُنقُه.
وكان زياد أوّلَ من شدّ أمرَ السلطان، وأكّد الملك لمعاوية، وألزَم الناسَ الطاعة، وتقدّم في العقوبة، وجرّد السيف، وأخذ بالظِّنّة، وعاقب على الشبهة، وخافه الناسُ في سُلطانه خوفًا شديدًا، حتى أمِن الناسُ بعضُهم بعضًا، حتى كان الشيء يَسقُط من الرجل أو المرأة فلا يَعرِض له أحد حتى يأتيَه صاحبه فيأخذه، وتَبيت المرأة فلا تُغلِق عليها بابها، وساس الناسَ سياسةً لم يُرَ مثلُها، وهابه الناس هَيْبةً لم يهابوها أحدًا قبلَه، وأدرَّ العطاءَ، وبنى مدينَة الرّزق.
قال: وسمع زياد جَرْسًا من دارِ عُمير، فقال: ما هذا؟ فقيل: محترس. قال: فليكفّ عن هذا، أنا ضامنٌ لما ذهب له؛ ما أصاب من إصْطَخْر.
قال: وجعلَ زياد الشُّرَط أربعةَ آلاف، عليهم عبد الله بن حِصْن، أحد بني عُبيد بن ثعلبة صاحب مقبرة ابن حصن، والجَعْد بن قيس النميريّ صاحب طاقِ الجَعْد، وكانا جميعًا على شُرَطه، فبينا زياد يومًا يسير وهما بين يديه يسيران بحرْبتيْن؛ تَنازَعا بين يديه، فقال زياد: يا جَعد، ألقِ الحربة! فألقاها، وثبت ابن حصن على شرَطه حتى مات زياد.
وقيل: إنه ولّى الجعْد أمرَ الفُسّاق، وكان يتتبّعهم؛ وقيل لزياد: إن السُّبُل مَخُوفة؛ فقال: لا أعاني شيئًا سوى المِصْر حتى أغلب على المِصر وأُصلِحه، فإنْ غلبني المِصر فغيره أشدّ غلبة؛ فلما ضبط المِصْر تكلف ما سوى ذلك فأحكَمَه. وكان يقول: لو ضاع حَبْلٌ بيني وبين خُراسانَ علمتُ مَن أخَذَه.
وكتب خمسمئة من مشيخة أهلِ البَصرة في صحابته، فرزقهم ما بين الثلاثمئة إلى الخمسمئة، فقال فيه حارثةُ بن بدر الغُدَانيّ:
ألا منْ مُبْلغٌ عنّي زِيادًا ... فنعْم أخو الخليفة والأميرُ!
فأَنتَ إمامُ مَعْدَلة وقَصْدٍ ... وحَزْمٍ حين تَحضُرك الأُمورُ
أخُوكَ خليفةُ الله ابْنُ حَرْبٍ ... وأَنْتَ وزيرُهُ، نِعْمَ الوزيرُ!
تُصيب على الهَوَى منه وتأْتي ... محِبَّك ما يُجِنُّ لنا الضَّميرُ
стр. 3648
بأَمر الله مَنْصُورٌ مُعانٌ ... إذا جارَ الرعِيةُ لا تَجُورُ
يَدِرُّ على يَدَيْك لما أَرادوا ... من الدُّنيا لهم حَلَبٌ غزِيرُ
وتقسم بالسّواءِ فلا غَنيٌّ ... لضَيْمٍ يَشْتَكيكَ ولا فقيرُ
وكنتَ حيًّا وجئتَ على زمانٍ ... خبيث، ظاهرٌ فيه شُرُورُ
تَقاسَمَتِ الرّجالُ به هواها ... فما تُخْفِي ضغائِنَها الصُّدُورُ
وخافَ الحاضرون وكلّ بادٍ ... يقِيمُ على المخافة أَو يَسِيرُ
فلمّا قام سيْفُ الله فيهم ... زيادٌ قام أَبْلَجُ مُسْتَنيرُ
قويٌّ لا مِنَ الحَدَثانِ غِرٌّ ... ولا جزِعٌ ولا فانٍ كبيرُ (١)
(٥: ٢٢١/ ٢٢٣/٢٢٢/ ٢٢٤).
حدّثني عمرُ بن شبّة، قال: حدّثنا عليّ بن محمد، قال: استعان زيادٌ بعدّةٍ من أصحاب النبيّ ﷺ ، منهم عمران بن الحصين الخُزاعيّ ولّاه قضاءَ البصرة، والحَكَم بن عمرو الغِفاريَّ ولّاه خُراسان، وسَمُرة بن جُندب، وأنَس بن مالك، وعبد الرحمن بن سَمُرة؛ فاستعفاه عمران فأعفاه. واستقضى عبدَ الله بن فضالة الليثيّ، ثم أخاه عاصمَ بن فَضالة، ثم زُرارة بن أوفَى الحَرشيّ، وكانت أختُه لُبابة عند زياد.
وقيل: إنّ زيادًا أوّل مَن سِير بين يَديه بالحراب، ومُشِيَ بين يديه بالعُمُد، واتّخذ الحرس رابطة خمسمئة، واستعمل عليهم شَيْبان صاحب مَقبُرة شيبان، من بني سعد، فكانوا لا يَبرَحون المسجد (٢). (٥: ٢٢٤).
حدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ، قال: جعل زيادٌ خُراسانَ أرباعًا، واستعمل على مَرْوَ أمَيْر بن أحمر اليشكريّ، وعلى أبْرَشهر خُلَيد بن عبد الله الحنفيّ، وعلى مَرْوَ الرُّوذ والفارِياب والطالَقان قيسَ بن الهيثم، وعلى هَراةَ وباذغيس وقادس وبوشَنْج نافع بن خالد الطاحِيّ (٣). (٥: ٢٢٤).
حدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ، قال: حدّثنا مسلمة بن محارب وابن
стр. 3649
أبي عمرو؛ شيخ من الأزْد: أنّ زيادًا عَتَب على نافع بن خالد الطاحيّ، فحبسه، وكتب عليه كتابًا بمئة ألف، وقال بعضهم: ثمانمئة ألف، وكان سبب مَوْجِدته عليه: أنه بعث بِخُوان بازهر قوائمه منه، فأخذ نافع قائمة، وجعل مكانها قائمة من ذهب، وبعث بالخُوان إلى زياد مع غلام له يقال له: زيد، كان قيّمَه على أمرِه كلّه، فسعى زيدٌ بنافع، وقال لزياد: إنه قد خانك، وأخَذَ قائمةً من قوائم الخوان، وجعل مكانها قائمة من ذهب، قال: فمشى رجال من وُجوه الأزْد إلى زياد، فيهم سَيْف بن وهب المَعْوَليّ، وكان شريفًا وله يقول الشاعر:
اعْمِدْ بسَيْفٍ للسماحة والنَّدَى ... واعْمِدْ بِصَبْرَةَ للفعال الأعظمِ
قال: فدخلوا على زياد وهو يَسْتاك، فتمثّل زيادٌ حين رآهم:
اذكر بنا مَوْقِفَ أَفْراسنا ... بالحِنْوِ إذ أَنت إلينا فَقِيرْ
قال: وأمّا الأزد فيقولون: بل تمثّل سيِفُ بن وهب أبو طلحة المَعْوَليّ بهذا البيت حين دخل على زياد، فقال: نعم. قال: وإنما ذكّره أيَّام أجارَه صَبْرة، فدعا زياد بالكتاب فمحاه بسِواكه وأخرَج نافعا" (١). (٥: ٢٢٤/ ٢٢٥).
حدّثني عمرُ بن شبّة، قال: حدّثنا عليّ عن مَسلَمة: أنّ زيادًا عزل نافعَ بن خالد الطاحيّ وخُلَيد بنَ عبد الله الحنفيّ وأمَيْر بن أحمر اليشكُريّ، فاستعمل الحَكَم بن عَمرو بن مجدّع بن حذيْمَ بن الحارث بن نُعيلة بن مُليك - ونُعيلة أخو غفار بن مُليك - ولكنهم قليل، فصاروا إلى غفار.
قال مسلمة: أمَرَ زيادٌ حاجبَه فقال: ادعُ لي الحَكَم - وهو يريد الحكم بنَ أبي العاص الثَقَّفي - فخرج الحاجبُ فرأى الحَكَم بن عَمرو الغِفاريّ فأدخله، فقال زيادٌ: رجل له شَرَف وله صحبةٌ من رسول الله ﷺ ، فعَقَد له على خُراسان، ثم قال له: ما أردْتُك، ولكنّ الله أرادَك (٢). (٥: ٢٢٥).
حدّثني عمر قال: حدّثنا عليّ قال: أخبرَنا أبو عبد الرحمن الثَّقَفيّ ومحمد بن الفضل عن أبيه: أنّ زيادًا لمّا ولي العراقَ استعمل الحكمَ بنَ عَمرو الغفاريَّ على خُراسان، وجعل معه رجالًا على كُوَرٍ، وأمرَهم بطاعته، فكانوا على جِباية
стр. 3650
الخَراج، وهم: أسلم بن زُرعة، وخُلَيد بن عبد الله الحنفيّ، ونافع بنُ خالد الطاحيّ، وربيعةُ بن عَسَل اليربوعيّ، وأميرُ بن أحمرَ اليشكريّ، وحاتمُ بن النعمان الباهليّ؛ فمات الحَكَم بن عمرو، وكان قد غزا طُخارِسْتان، فغَنم غنائمَ كثيرة، واستَخلف أنسَ بن أبي أناس بن زُنيم، وكان كتَبَ إلى زياد: إني قد رضيتُه لله وللمسلمين ولك، فقال زياد: اللهمّ إنّي لا أرضاه لدينك ولا للمسلمين ولا لي. وكتب زيادٌ إلى خُلَيد بنِ عبدِ الله الحنفيّ بولاية خُراسان، ثم بعث الربيعَ بنَ زياد الحارثيّ إلى خُراسان في خمسين ألفًا؛ من البَصرة خمسة وعشرين ألفًا، ومن الكوفة خمسة وعشرين ألفًا، على أهل البَصرة الربيع، وعلى أهل الكُوفة عبدُ الله بن أبي عَقِيل، وعلى الجماعة الرَّبيع بن زياد (١). (٥: ٢٢٥/ ٢٢٦).
وقيل: حجّ بالناس في هذه السنة مَرْوانُ بن الحَكَم وهو على المدينة (٢). (٥: ٢٢٦).
وفي هذه السنة كان مَشتَى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بأرضِ الرُّوم (٣). (٥: ٢٢٦).
ثم دخلت سنة ست وأربعين ذكر ما كان فيها من الأحداث
فمما كان فيها من ذلك مَشتَى مالك بن عبد الله بأرضِ الرّوم، وقيل: بل كان ذلك عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وقيل بل كان مالك بن هُبيرة السَّكونيّ (٤). (٥: ٢٢٧).
стр. 3651
خبر انصراف عبد الرحمن بن خالد إلى حمص وهلاكه
وفيها انصراف عبدُ الرحمن بن خالد بن الوليد من بلاد الرُّوم إلى حِمْص فدَسّ ابن أثال النَّصرانيّ إليه شَرْبةً مسمومةً - فيما قيل - فشرِبهَا فقتَلَتْه.
ذكر الخبر عن سبب هلاكه:
وكان السبب في ذلك ما حدّثني عمر، قال: حدثني عليّ عنَ مسلمة بن محارب: أنّ عبد الرحمن بن خالد بن الوليد كان قد عَظُم شأنُه بالشأم، ومالَ إليه أهلُها، لما كان عندَهم من آثار أبيه خالد بنِ الوليد، ولغَنائه عن المسلمين في أرض الرُّوم وبأسِه، حتى خافه معاويةُ، وخشيَ على نفسه منه، لميل الناس إليه، فأمر ابن أثال أن يحتال في قتله، وضَمِن له إنْ هو فعل ذلك أن يضع عنه خَراجَه ما عاش، وأن يولِّيَه جبايةَ خراج حمصَ، فلمّا قدم عبد الرحمن بن خالد حِمْصَ منصرفًا من بلاد الروم دَسّ إليه ابن أثال شربةً مسمومةً مع بعض مماليكه، فشَربها فمات بحِمْص، فوفَّى له معاويةُ بما ضَمِن له، وولّاه خراجَ حِمْص، ووضع عنه خراجَه.
قال: وقَدِم خالد بنُ عبد الرحمن بن خالد بن الوليد المدينةَ، فجلس يومًا إلى عُرْوة بن الزُّبير، فسلّم عليه، فقال له عُروة: مَن أنت؟ قال: أنا خالد بن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد؛ فقال له عُرْوة: ما فعل ابن أثال؟ فقام خالد من عنده، وشخص متوجِّهًا إلى حمصَ، ثم رَصَد بها ابنَ أثال، فرآه يومًا راكبًا، فاعترض له خالدُ بن عبد الرحمن، فضَرَبه بالسيف، فقَتَله، فرفع إلى معاوية، فحبسه أيامًا، وأغرَمَه ديتَه، ولم يقدْه منه. ورجع خالدٌ إلى المدينة، فلمّا رجع إليها أتَى عروةَ فسلم عليه، فقال له عُرْوة: ما فعل ابن أثال؟ فقال: قد كفيتُك ابنَ أثال، ولكن ما فَعل ابن جُرْموز؟ فسكت عروةُ. وقال خالدُ بن عبد الرحمن حين ضرب ابن أثال:
أَنا ابنُ سيْفِ الله فاعْرِفُوني ... لم يبْقَ إلا حَسَبي وديني
وصارِمٌ صلَّ به يَميني (١)
(٥: ٢٢٧/ ٢٢٨).
стр. 3652
ذكر خروج سهم والخَطيم
وفيها خرج الخَطِيم، وسهم بن غالبِ الهُجَيميّ، فحكّما، وكان من أمرهما ما حدّثني به عمر، قال: حدّثنا عليّ، قال: لمّا وُلِّيَ زياد خافه سهم بنُ غالب الهُجيميّ، والخَطيم - وهو يزيد بن مالك الباهليِّ - فأما سهم فخرج إلى الأهواز فأحدَث؛ وحكَّم، ثم رَجَع فاختفى وطلب الأمان، فلم يؤمّنه زياد، وطلبه حتى أخذه، وقَتَله، وصلَبه على بابه. وأما الخَطيم فإنّ زيادًا سيّره إلى البحرين، ثم أذن له فقَدِم، فقال له: الزَم مصرَك؛ وقال لمسلم بن عمرو: اضمَنْه؛ فأبَى، وقال: إن بات عن بيته أعلمتُك. ثم أتاه مسلم فقال: لم يبت الخَطيم الليلةَ في بيته، فأمر به فقُتل، وألقي في باهلة (١). (٥: ٢٢٨).
وحج بالناس في هذه السنة عتبة بن أبي سفيان (٢).
ثم دخلت سنة سبع وأربعين ذكر الأحداث التي كانت فيها
ففيها كان مَشتَى مالك بن هُبيرة بأرض الرّوم، ومشتَى أبي عبد الرحمن القينيّ بأنطاكيَةَ (٣). (٥: ٢٢٩).
ذكر عزل عبد الله بن عمرو عن مصر وولاية ابن حُدَيج
وفيها عُزِل عبدُ الله بنِ العاص عن مصر، وولِيهَا معاويةُ بن حُدَيج، وسار - فيما ذكر الواقديّ - في المغرب، وكان عثمانيًّا.
قال: ومرّ به عبد الرحمن بن أبي بكر وقد جاء من الإسكَندِرّية، فقال له: يا معاوية! قد لَعَمْري أخذتَ من معاوية جزاءَك، قتلت محمد بن أبي بكر لأنْ تليَ مصرَ، فقد وليتَها، قال: ما قتلتُ محمد بنَ أبي بكر إلا بما صنع بعُثمان؛
стр. 3653
فقال عبد الرحمن: فلو كنتَ إنما تَطلب بدم عثمان لم تشرك معاوية فيما صنع حيث صنَع عمرو بن العاص بالأشعريّ ما صَنَع، فوثبتَ أوّل الناس فبايعته (١). (٥: ٢٢٩).
* * *
ذكر غزو الغَوْر
وقال بعضُ أهلِ السيَر: وفي هذه السنة وجّه زياد الحَكَم بن عمرو الغِفاريَّ إلى خُراسان أميرًا، فغزا جبالَ الغَور وفراونده، فقهرهم بالسيف عَنْوةً ففتحها، وأصاب فيها مغانمَ كثيرة وسبايا، وسأذكر من خَالَف هذا القولَ بعدُ إنْ شاء الله تعالى.
وذكَر قائل هذا القول: أن الحَكم بن عمرو قَفَل من غَزْوته هذه، فمات بمرو (٢). (٥: ٢٢٩).
واختلفوا فيمن حجّ بالناس في هذه السنة، فقال الواقديّ: أقام الحجَّ في هذه السنة عُتبةُ بن أبي سُفيان، وقال غيره: بل الذي حجّ في هذه السنة عَنْبسة بن أبي سُفْيان (٣). (٥: ٢٢٩).
ثم دخلت سنة ثمان وأربعين ذكر الأحداث التي كانت فيها
وكان فيها مَشْتَى أبي عبد الرحمن القَيْني أنطاكيَة، وصائفة عبد الله بن قيس الفزاريّ، وغزوة مالك بنِ هُبيرة السَّكونيّ البحر، وغزوة عُقبة بن عامر الجهنيّ بأهل مصرَ البحر، وبأهل المدينة، وعلى أهل المدينة المنذرُ بنُ الزّهير، وعلى جميعهم خالد بن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد.
وقال بعضهم: فيها وجّه زيادٌ غالبَ بن فَضالة الليثيّ على خُراسان، وكانت له صحبةٌ مِن رسول الله ﷺ (٤). (٥: ٢٣١).
стр. 3654
وهو يتوقع العزلَ لمَوْجِدة كانت من معاويةَ عليه، وارتجاعِه منه فَدَك، وقد كان وهَبَها له (١). (٥: ٢٣١)
ثم دخلت سنة تسع وأربعين
ذكر ما كان فيها من الأحداث
وفيها كانت غَزوةُ فضالة بن عبيد جَربّة، وشتا بجَربّة، وفتِحتْ على يديه، وأصاب فيها سَبْيًا كثيرًا.
وفيها كانت صائفةُ عبد الله بن كُرْز البَجَلّي.
وفيها كانت غزوة يزيد بن شَجَرة الرّهاويّ في البحر، فَشتَا بأهل الشام.
وفيها كانت غزوةُ عقبةَ بن نافع البحر، فشتا بأهلِ مصرَ.
وفيها كانت غزوةُ يزيدَ بن معاوية الرّوم حتى بلغ قُسْطَنطينيّة، ومعه ابن عباس وابن عمر وابن الزّبير وأبو أيوبَ الأنصاريَ.
وفيها عَزَل معاويةُ مروان بن الحَكَم عن المدينة في شهر ربيع الأوّل.
وأمَّرَ فيها سعيدَ بن العاص على المدينة في شهر ربيع الآخر؛ وقيل: في شهر ربيع الأوّل.
وكانت ولايةُ مروانَ كلّها بالمدينة لمعاويةَ ثمان سنينَ وشهرين.
وكان على قضاء المدينة لمرْوان - فيما زعم الواقديّ - حين عُزِل عبد الله بن الحارث بن نوفل، فلما ولي سعيد بن العاص عزَلَه عن القضاء، واستَقضَى أبا سَلَمة بن عبد الرّحمن بن عوف.
وقيل: في هذه السنة وقع الطاعون بالكُوفة، فهرب المغيرةُ بن شُعبة من الطاعون، فلما ارتفع الطاعون قيل له: لو رجعتَ إلى الكُوفة! فقَدِمها فُطعِن فمات؛ وقد قيل: مات المغيرة سنة خمسين، وضمّ معاويةُ الكوفَة إلى زياد، فكان أوّل من جمِع له الكُوفة والبَصرة (٢). (٥: ٢٣٢).
стр. 3655
وحجّ بالناس في هذه السنة سعيدُ بن العاص (١). (٥: ٢٣٣).
ثم دخلت سنة خمسين ذكر ما كان فيها من الأحداث
ففيها كانت غزوة بُسر بن أبي أرطاة، وسُفْيان بن عوف الأزديّ أرضَ الرُّوم. وقيل: كانت فيها غَزْوة فَضالَة بن عبيد الأنصاريّ البحرَ (٢). (٥: ٢٣٤).
* * *
ذكر وفاة المغيرة بن شعبة وولاية زياد الكوفة
وفيها - في قول الواقديّ والمدائنيّ - كانت وفاةُ المُغيرة بن شعْبة، قال محمد بن عمر: حدّثني محمد بن أبي موسى الثقفيّ عن أبيه، قال: كان المغيرة بنُ شُعبةَ رجلًا طُوالًا، مصابَ العَين، أصيب باليَرْمُوك، توفِّيَ في شعبان سنة خمسين وهو ابن سبعين سنة (٣). (٥: ٢٣٤).
وأما عَوانة فإنه قال - فيما حدّث عن هشام بن محمد، عنه - هلَك المغيرُة سنة إحدى وخمسين.
وقال بعضهم: بل هلك سنة تسع وأربعين (٤). (٥: ٢٣٤).
حدّثني عمرُ بن شبّة، قال: حدّثني عليّ بن محمد، قال: كان زيادٌ على البَصرة وأعمالِها إلى سنة خمسين، فمات المغيرة بن شعبةَ بالكُوفة وهو أميرُها، فكتب معاويةُ إلى زياد بعَهْده على الكُوفة والبَصْرة، فكان أوّل من جمع له الكُوفة والبَصْرة، فاستخلف على البصرة سَمُرَة بن جُنْدَب، وشَخَصَ إلى الكُوفة، فكان زياد يقيم ستة أشهر بالكُوفة، وستة أشهرُ بالبَصْرة (٥).
стр. 3656
حدّثني عمر، قال: حدّثني عليّ عن مسلمة بن محارب، قال: لما مات المغيرة؛ جُمِعت العراقُ لزياد، فأتى الكوفةَ فصَعِد المنبرَ، فحمِد اللهَ وأثنَى عليه، ثم قال: إن هذا الأمر أتاني وأنا بالبَصْرة، فأردت أن أشخص إليكم فِي ألفين من شُرْطة البَصْرة، ثمّ ذكرتُ أنكم أهل حقّ، وأنّ حقّكم طالما دفع الباطل، فأتيتُكم في أهل بيتي، فالحمد لله الذي رَفَع مني ما وَضَع الناس، وحَفِظ مني ما ضَيَّعوا ... حتى فَرَغ من الخطبة، فحُصب على المِنبر، فجلس حتى أمسكُوا، ثم دعا قومًا من خاصّته، وأمرَهم، فأخذوا أبوابَ المسجد، ثم قال: ليأخذْ كلّ رجل منكم جليسَه، ولا يقولنّ: لا أدْرِي من جليسي؟ ثم أمر بكرسيّ فوضع له على باب المسجد، فدعاهم أربعةً أربعةً يحلفون بالله ما مِنّا مَنْ حَصَبَك، فمن حَلَف خلّاه، ومن لم يَحلِف حبَسه وعَزَله، حتى صار إلى ثلاثين، ويقال: بل كانوا ثمانين، فقطَّع أيديَهم على المكان (١). (٥: ٢٣٤/ ٢٣٥).
قال الشعبيّ: فوالله ما تعلَّقنا عليه بكذْبة، وما وعدنا خيرًا ولا شرًّا إلا أنفَذَه.
حدّثني عمر قال: حدّثنا عليّ عن سلمة بن عثمان، قال: بلغني عن الشعبيّ أنه قال: أوّل رجل قَتلَه زيادٌ بالكوفة أوفَى بن حصن، بلغه عنه شيء فطلبه فهرب، فعرض الناسَ زياد، فمرّ به، فقال: مَن هذا؟ قالوا: أوفَى بن حصن الطائيّ؛ فقال زياد: أتتك بحائن رِجْلاه، فقال أوْفَى:
إنَّ زيادًا أبَا المغيرة لا ... يعجَلُ والناسُ فيهِمْ عَجَلهْ
خِفتُكَ والله فاعْلَمْن حَلِفي ... خوفَ الحَفافِيثِ صَولَةَ الأَصَلهْ
فجِئتُ إذْ ضاقَتِ البلاد فَلم ... يكنْ عليها لخِائِفٍ وأَلَهْ
قال: ما رأيُك في عثمان؟ قال ختَن رسولِ الله ﷺ على ابنتَيه، ولم أنكِره، ولي محصولُ رأي، قال: فما تقول في معاوية؟ قال:
جوَاد حليم؛ قال: فما تقول فيَّ؟ قال: بلغني أنك قلتَ بالبصَرة: والله لآخذن البرئ بالسقيم، والمقبلَ بالمدبر؛ قال: قد قلتُ ذاك، قال: خبطتَها عَشْواء؛ قال زياد: ليس النفاخ بشَرِّ الزَّمَرة، فقتَله؛ فقال عبد الله بن همّام السَّلوليّ:
стр. 3657
خَيَّبَ اللهُ سَعْيَ أَوفَى بنِ حِصنٍ ... حين أَضْحَى فَرُّوجَةَ الرَّقَاءِ
قادَهُ الحَيْنُ والشقاءُ إلى لَيْـ ... ـثِ عَرِينٍ وحَيَّةٍ صَمّاءِ
قال: ولما قدم زياد الكوفةَ؛ أتاه عُمَارة بن عُقبة بن أبي مُعَيط، فقال: إنّ عمرو بن الحَمِق يجتمع إليه من شيعة أبي تُراب، فقال له عمرو بن حُرَيث: ما يدعوك إلى رفع ما لا تيقَّنُه ولا تدري ما عاقبتُه! فقال زياد: كلاكما لم يُصِب، أنت حيث تكلمني في هذا علانيةً وعمرو حِينَ يردُّك عن كلامك، قُومَا إلى عمرو بن الحَمِق فقولا له: ما هذه الزُّرافات التي تجتمع عندك! من أرادك، أو أردتَ كلامَه ففي المسجد.
قال: ويقال: إنّ الذي رفع على عمرو بن الحَمِق، وقال له: قد أنْغَل المِصرَيْن يزيد بن رُوَيْم، فقال عمرو بن الحريث: ما كان قطّ أقبل على ما يَنفعه منه اليوم؛ فقال زياد ليزيدَ بن رُوَيم: أما أنت فقد أشطْت بدَمِه، وأما عمرو فقد حَقَن دمه، ولو علمت: أن مخّ ساقه قد سال من بغضي ماهِجته حتى يخرج عليّ.
واتخذ زيادٌ المقصورة حين حَصبه أهلُ الكوفة (١). (٥: ٢٣٥/ ٢٣٦).
وولّى زياد حين شَخَص من البصرة إلى الكُوفة سَمُرة بن جُنْدب، فحدّثني عمر، قال: حدّثني إسحاق بن إدريس، قال: حدّثني محمد بن سليم، قال: سألت أنس بن سيرينَ: هِل كان سَمُرة قَتَل أحدًا؟ قال: وهل يُحصَى من قَتَل سَمُرة بن جندب! استخلفَه زيادٌ على البصرة، وأتى الكوفة، فجاء وقد قتل ثمانيةَ آلافٍ من الناس، فقال له: هل تخاف أن تكون قد قتلتَ أحدًا بريئًا؟ قال: لو قتلتُ إليهم مثلهم ما خشيتُ - أو كما قال (٢). (٥: ٢٣٦/ ٢٣٧).
حدّثني عمر، قال: حدّثني موسى بن إسماعيل، قال: حدّثنا نوح بن قيس، عن أشعث الحُدّانيّ، عن أبي سوّار العدويّ، قال: قتل سَمُرة من قومي في غَداةٍ سبعة وأربعين رجلًا قد جَمَع القرآن (٣). (٥: ٢٣٧)
стр. 3658
حدّثني عمر، قال: حدّثني عليّ بن محمد عن جعفر الصّدَفيّ، عن عوف، قال: أقبل سَمُرة من المدينة، فلما كان عند دور بني أسد خرج رجل من بعض أزقّتهم، ففجأ أوائلَ الخيل، فحمل عليه رجلٌ من القوم فأوْجَرَه الحرْبَة، قال: ثم مضت الخيل، فأتَى عليه سَمُرة بن جندب، وهو متشحِّط في دمه، فقال: ما هذا؟ قيل: أصابتْه أوائلُ خيل الأمير، قال: إذا سمعتم بنا قد ركبْنا فاتّقوا أسنّتنا (١). (٥: ٢٣٧).
حدّثني عمر، قال: حدّثنا أبو عبيدة، قال: قال زياد يومئذ على المِنبر: يا أهل البصرة! والله لتَكفُنِّي هؤلاء أو لأبْدأنّ بكم، والله لئن أفلتَ منهم رجلٌ لا تأخذون العامَ من عطائكم درهمًا، قال: فثار الناسُ بهم فقتلوهم (١). (٥: ٢٣٨)
ذكر إرادة معاوية نقل المنبر من المدينة
قال محمد بن عمر: وفي هذه السنة أمر معاوية بمنبر رسول الله ﷺ أن يُحمَل إلى الشام، محُرّك فكُسِفت الشمس حتى رُئيت النجوم باديةً يومئذ، فأعظم الناس ذلك، فقال: لم أرِدْ حملَه، إنما خفت أن يكون قد أرِضَ، فنظرت إليه، ثم كساه يومئذ (٢). (٥: ٢٣٨).
وذكر محمد بن عمرَ: أنه حدّثه بذلك خالد بن القاسم عن شعيب بن عمرو الأمويّ (٣). (٥: ٢٣٩).
قال محمد بن عمر: حدّثني يحيى بن سعيد بن دينار عن أبيه، قال: قال معاوية: إني رأيتُ أنّ منبرَ رسول الله ﷺ وعصاه لا يُتركَان بالمدينة، وهم قَتَلة أمير المؤمنين عثمان وأعداؤه، فلمّا قدم طلب العصا وهي عند سعد القَرَظ، فجاءه أبو هريرة، وجابرُ بن عبد الله، فقالا: يا أمير المؤمنين؛ نذكّوك الله أن تفعل هذا، فإنّ هذا لا يصلح، تُخرِج منبرَ رسولِ الله ﷺ من موضع وضعه، وتُخرِج عصاه إلى الشام؛ فانقل المسجد! فأقصر وزاد فيه ستّ درجات، فهو اليوم ثماني درجات، واعتذر إلى الناس مما صنع (٤). (٥: ٢٣٩)
стр. 3661
قال محمد بن عمر: وحدّثني سُويد بن عبد العزيز عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فَرْوة، عن أبان بن صالح، عن قبِيصة بن ذُؤَيب، قال: كان عبد الملك قد همّ بالمنبر، فقال له قَبيصة بن ذؤيب: اذكِّرك اللهَ أن تفعل هذا، وأن تحوّله! إنّ أمير المؤمنين معاوية حرّكه فكُسفت الشمس، وقال رسولُ الله ﷺ : "من حلف على مِنبري آثمًا فليتبوّأ مقعَدَه من النار"، فتخرجه من المدينة وهو مقطّع الحقوق بينهم بالمدينة! فأقصَر عبدُ الملك عن ذلك، وكفّ عن أن يذكره، فلما كان الوليد وحجّ همّ بذلك وقال: خبّرانِي عنه، وما أراني إلا سأفعل: فأرسل سعيد بن المسيِّب إلى عمرَ بن عبد العزيز، فقال: كلِّم صاحبَك يتّق الله ولا يتعرّض لله سبحانه ولسُخْطه، فكلّمه عمر بن عبد العزيز، فأقصَر وكفّ عن ذِكره، فلمّا حجّ سليمان بن عبد الملك أخبَرَه عمر بن عبد العزيز بما كان الوليد همّ به وإرسال سعيد بن المسّيب إليه، فقال سليمان: ما كنت أحبّ أن يذكر هذا عن أمير المؤمنين عبد الملك ولا عن الوليد، هذا مكابَرة، وما لَنا ولهذا! أخذنا بالدنيا فهي في أيدينا، ونريد أن نَعمد إلى عَلَم من أعلام الإسلام يوفَد إليه، فنحمله إلى ما قِبلَنا! هذا ما لا يَصلُح (١). (٥: ٢٣٩/ ٢٤٠).
وفيها عُزِلَ معاوية بن حُدَيْج عن مصرَ ووُلِّيَ مسلمة بن مخلّد مصر وإفريقيّة، وكان معاويةُ بن أبي سُفيان قد بعث قبل أن يولّي مسلمة مصر وإفريقيَة عُقْبَة بن نافع الفهِريّ إلى إفريقية، فافتتحها، واختطّ قَيْروانَها وكان موضعه غَيْضَةً - فيما زعم محمد بن عمر - لا تُرام من السباع والحيّات وغير ذلك من الدّوابّ، فدعا الله عليها فلم يَبق منها شيء إلا خرج هاربًا، حتى إنّ
стр. 3662
السباع كانت تحمِل أولادها (١). (٥: ٢٤٠).
قال محمد بن عمر: حدّثني موسى بن علي، عن أبيه، قال: نادى عُقبة بن نافع:
إنّا نازلونا فاظْعَنوا عِزينا
فخرجن من جِحرَتهنّ هوارب (٢). (٥: ٢٤٠).
قال: وحدّثني المفضّل بن فَضالة، عن زيد بن أبي حبيب، عن رجل من جند مصر، قال: قَدِمنا مع عُقْبة بن نافع، وهو أوّل الناس اختطّها وأقطعها للناس مساكن ودورًا، وبنى مسجدها، فأقمْنا معه حتى عُزل، وهو خير والٍ وخير أمير. (٥: ٢٤٠).
ثم عَزَل معاويةُ في هذه السنة - أعني سنة خمسين - معاويةَ بن حُدَيج عن مصر، وعُقْبة بن نافع عن إفريقيَة، وولّى مسلَمة بن مخلّد مصر والمغرب كلّه، فهو أوّل من جُمِع له المغرب كله ومصر وبَرْقة وإفريقيَة وطرابلُس، فولّى مسلمة بن مخلّد مولىً له يقال له: أبو المهاجِر أفريقيَة، وعزل عُقبة بن نافع، وكشَفَه عن أشياءَ، فلم يزل واليًا على مصر والمغرب، وأبو المهاجر على إفريقية من قِبَله حتى هلك معاوية بن أبي سُفْيان (٣). (٥: ٢٤٠).
واختُلِف فيمن حجّ بالناس في هذه السنة، فقال بعضهم: حجّ بهم معاوية، وقال بعضهم: بل حجّ بهم ابنه يزيد، وكان الوالي في هذه السنة على المدينة سعيد بن العاص، وعلى البَصْرة والكوفة والمشرق وسِجسْتان وفارس والسّند والهند زياد (٤). (٥: ٢٤٠/ ٢٤١).
ذكر هرب الفرزدق من زياد
وفي هذه السنة طَلب زيادٌ الفرزدقَ، واستَعْدت عليه بنو نَهْشل وفُقَيم،
стр. 3663
فهرب منه إلى سعيد بن العاص - وهو يومئذ والي المدينة من قِبَل معاوية - مستجِيرًا به، فأجاره (١). (٥: ٢٤١).
* ذكر الخبر عن ذلك:
حدّثني عمرُ بن شبّة، قال: حدّثنا أبو عبيدة، وأبو الحسن المدائنيّ، وغيرهما: أنّ الفرزدق لما هجا بني نهشل، وبني فُقَيم لم يزد أبو زيد في إسناده خبره على ما ذكرت (٢). (٥: ٢٤١).
وأما محمد بن عليّ فإنه حدّثني عن محمد بن سعد عن أبي عبيدة، قال: حدّثني أعيَن بن لَبَطة بن الفرزدق، قال: حدّثني أبي عن أبيه، قال: لما هاجَيْت الأشهبَ بنَ رُمَيلة والبَعيث فَسَقَطا، استعدَتْ عليّ بنو نَهْشل، وبنو فقَيم زيادَ بن أبي سُفيان، وزعم غيرُه: أنّ يزيد بن مسعود بن خالد بن مالك بن رِبْعيّ بن سلمي بن جندل بن نهشل استعدى أيضًا عليه، فقال أعين: فلم يعرفه زياد حتى قيل له: الغلام الأعرابيّ الذي أنهبَ ورقه، وألقى ثيابه؛ فعرفه.
قال أبو عبيدة: أخبرَني أعين بن لَبَطة، قال: أخبَرني أبي عن أبيه، قال: بعثني أبي غالبٌ في عِير له وجَلَبٍ أبيعُه وأمتَار له وأشتَري لأهله كُسًا، فقدمتُ البصرة، فبعْتُ الجَلب، فأخذتُ ثمنَه فجعلتهُ في ثوبي أزاوله، إذ عرَض لي رجل أراه كأنه شيطان، فقال: لشَدّ ما تستوثق منها! فقلت: وما يمنعني! قال: أما لو كان مكانَك رجل أعرفه ما صبر عليها؛ فقلت: ومَن هو؟ قال: غالب بن صَعْصعة؛ قال: فدعوتُ أهل المِرْبد فقلت: دُونَكموها - ونثرتُها عليهم - فقال لي قائل: ألقِ رداءك يا بن غالب، فألقَيتُه، وقال آخر: ألق قميصَك؛ فألقَيتُه، وقال آخر: ألقِ عمامَتك فألقيتُها حتى بقيتُ في إزارٍ، فقالوا: ألْقِ إزارَك، فقلت: لن ألقيَه وأمشي مجرّدًا، إنّي لست بمجنون، فبلغ الخبرُ زيادًا، فأرسل خيلًا إلى المِرْبد ليأتوه بي، فجاء رجل من بني الهُجَيم على فَرس؛ قال: أتِيتَ فالنَّجاء! وأرْدَفني خلفَه، ورَكَض حتى تغيّب، وجاءت الخيلُ وقد سبقت، فأخذ زياد عَمّين لي: ذهيلًا والزحّاف ابني صعصة - وكانا في الدّيوان على ألفين
стр. 3664
ألفين، وكانا معه - فحبسهما فأرسلتُ إليهما: إن شئتما أتيتُكما، فبعَثَا إليّ: لا تَقرَبْنا، إنّه زياد! وما عسى أن يَصنَع بنا، ولم نُذنِب ذنبًا! فمكثا أيّامًا، ثم كُلّم زياد فيهما، فقالوا: شيخان سامعان مطيعان، ليس لهما ذنب مما صنع غلام أعرابيّ من أهل البادية؛ فخلّى عنهما؛ فقالا لي: أخْبرنا بجميع ما أمَرَك أبوك من مِيرةٍ أو كسوة؛ فخبّرتهما به أجمع، فاشترياه وانطلقتُ حتى لحقت بغالب، وحملتُ ذلك معي أجمع، فأتيتُه وقد بلغه خبري، فسألني: كيف صنعتَ؟ فأخبرتُه بما كان؛ قال: وإنك لتُحسن مِثلَ هذا! ومَسَح رأسي، ولم يكن يومئذ يقول الشّعر، وإنما قال الشعر بعد ذلك، فكانت في نفس زياد عليه.
ثمّ وفَد الأحنفُ بنُ قيس، وجاريةُ بنُ قدامة من بني ربيعة بن كعب بن سعد، والجوْن بن قَتادة العَبْشَميّ، والحُتات بن يزيد أبو منازل أحد بني حُويّ بن سُفيان بن مجاشع إلى معاوية بن أبي سُفْيان، فأعطى كلّ رجل منهم مئة ألف، وأعطى الحُتات سبعين ألفًا، فلما كانوا في الطريق سأل بعضهم بعضًا، فأخبروه بجوائزهم، فكان الحُتات أخذ سبعين ألفًا، فرجع إلى معاوية، فقال: ما ردّك يا أبا منازل؟ قال: فضَحْتَني في بني تميم، أما حسبي بصحيح! أوَلَسْتُ ذا سِنّ! أوَلَسْتُ مطاعًا في عشيرتي! فقال معاوية: بلى! قال: فما بالك خَسَسْت بي دون القوم! فقال: إني اشتريت من القوم دينَهم ووكَلْتُك إلى ديِنك ورأيك في عثمان بن عفان - وكان عثمانيًّا - فقال: وأنا فاشترِ منِّي دِيني، فأمر له بتمامِ جائزةِ القوم، وطعن في جائزته، فحبسها معاوية، فقال الفرزدق في ذلك:
أَبوك وعمي يا معاوِيَ أَوْرثا ... تراثًا فيخْتارُ التُّراثَ أقاربُهْ
فما بالُ ميراث الحُتات أَخذتَه ... وميراثُ حرْبٍ جامدٌ لك ذائبُهْ!
فلو كانَ هذا الأَمر في جاهليَّةٍ ... علِمْتَ من المرءُ القليلُ حَلائبهْ
ولو كان في دينٍ سوى ذا شنِئتُمُ ... لنا حقّنا أو غَصَّ بالماء شاربُهْ
ولو كان إذ كنَّا وفي الكفّ بسطةٌ ... لَصمّم عَضْبٌ فيك ماضٍ مَضارِبُهْ
- وأنشد محمد بن عليّ "وفي الكفّ مبسط" -
وقد رُمْتَ شيئًا يا معاوِيَ دونَهُ ... خياطِف عِلْودٍّ صعاب مراتبُهْ
وما كنتُ أُعطى النّصَف من غير قدرةٍ ... سواكَ، ولو مالتْ عليَّ كتائبه
ألَستُ أعزَّ الناس قومًا وأسرةً ... وأمنعَهُمْ جارًا إذا ضِيمَ جانبُهْ
стр. 3665
وما ولدَتْ بعدَ النبيِّ وآلِهِ ... كمِثْلي حَصانٌ في الرجالِ يقارِبهْ
أبي غالبٌ والمرءُ ناجيةُ الَّذي ... إلى صعصعٍ يُنمَى فمن ذا يناسبه!
وبيْتي إلى جنب الثرَيّا فِناؤه ... ومن دونِه البدْرُ المضِيءُ كواكبُه
أنا ابنُ الجبال الصُّمِّ في عدَدِ الحَصَى ... وعرْقُ الثَّرَى عِرقي، فمن ذا يُحاسبه!
أَنا ابنُ الَّذي أحيا الوئيدَ وضامِنٌ ... على الدهرِ إذْ عزَّتْ لِدهرٍ مكاسبُهْ
وكم من أَبٍ لي يا معاوِيَ لم يَزَل ... أغَرَّ يباري الريح ما أزْوَرَّ جانبُهْ
نمتْهُ فروعُ المالكيْنِ ولم يكُن ... أبوك الذي من عبدِ شمسٍ يقاربُهْ
ترهُ كنَصْلِ السَّيف يهتَزُّ للندى ... كرِيمًا يُلافى المجدَ ما طَرَّ شاربه
طويل نِجاد السيف مذ كان لم يكنْ ... قصيٌّ وعبدُ الشمس ممَّنْ يخاطبُهْ
فردّ ثلاثين ألفًا على أهله، وكانت أيضًا قد أغضبت زيادًا عليه، قال: فلما استعدتْ عليه نهشل، وفُقَيم ازدادَ عليه غضبًا، فطلبه فهرب، فأتى عيسى بنَ خُصَيلة بن معتّب بن نصر بن خالد البَهْزيّ، ثم أحد بني سُليم، والحجّاج بن عِلاط بن خالد السَّلَميّ (١). (٥: ٢٤١/ ٢٤٣/٢٤٢/ ٢٤٤).
قال ابن سعد: قال أبو عبيدةَ: فحدّثني أبو موسى الفضل بن موسى بن خُصَيلة، قال: لما طرد زياد الفرزدقَ جاء إلى عمِّي عيسى بن خُصَيلة ليلًا فقال: يا أبا خُصَيلة! إنّ هذا الرجل قد أخافني، وإنّ صديقي وجميع من كنت أرجو قد لفظونِي، وإني قد أتيتك لتغيِّبَني عندك؛ قال: مَرْحبًا بك! فكان عنده ثلاثَ ليالٍ، ثم قال: إنه قد بدا لي أن ألحق بالشام، فقال: ما أحببتَ! إنْ أقمتَ معي ففي الرّحب والسعة؛ وإن شَخَصتَ فهذه ناقة أرحبيّة أمتِّعُك بها، قال: فركب بعدَ ليل، وبعث عيسى معه حتى جاوز البيوت، فأصبح وقد جاوز مسيرة ثلاث ليالٍ، فقال الفرزدق في ذلك:
حَباني بها البَهزيُّ حُمْلان مَنْ أبى ... من الناس والجانِيُّ تُخافُ جرائمهْ
ومنْ كان يا عيسى يونّبُ ضيْفهُ ... فضَيْفُكَ محْبُورٌ هنيٌّ مطاعِمُهْ
وقال تعلَّمْ أنَّها أَرْحَبِيّةٌ ... وأَنَّ لها الليلَ الذي أَنت جاشمُهْ
فأصبحتُ والملقَى ورائي وحَنْبَلٌ ... وما صَدَرَتْ حتى علا النَّجْم عاتِمُهْ
стр. 3666
تَزاوَرُ عن أَهلِ الحُفَير كأنّها ... ظليمٌ تبارَى جنحَ ليلٍ نَعائمهْ
رأتْ بين عينيها دُويَّةَ وانجلى ... لها الصّبح عن صَعْلٍ أَسيلٍ مخاطِمُهْ
كأن شراعًا فيه مَجْرَى زمامها ... بدِجْلَةَ إلَّا خَطمُهُ وملاغمُهْ
إذا أَنتِ جاوَزتِ الغَرِيَّيْنِ فاسلَمِي ... وأعرَضَ من فَلْجٍ ورائي مخارمُهْ
وقال أيضًا:
تدارَكني أسبابُ عيسى من الرَّدى ... ومن يَكُ مَولاهُ فليْسَ بواحِدِ
وهي قصيدة طويلة.
قال: وبلغ زيادًا أنه قد شَخَص، فأرسل عليّ بن زَهْدم أحد بني نَوْلة بن فُقَيم في طلبه.
قال أعيَن: فطلبه في بيت نصرانّية يقال لها: ابنة مرّار، من بني قيس بن ثعلبة تنزل قَصِيمة كاظمة؛ قال: فسلَّتْه مِنْ كِسْرِ بيتها، فلم يقدر عليه؛ فقال في ذلك الفرزدق:
أتيت ابنَةَ المَرّار أهبِلتَ تبتغِي ... وما يُبتَغى تحت السَّويَّةِ أَمثالِي
ولكن بُغائي لو أردتَ لقاءَنا ... فضاءُ الصحارى لا ابتغاءٌ بأدغال
وقيل: إنها ربيعة بنت المرّار بن سلامة العِجليّ أمّ أبي النجم الرّاجز.
قال أبو عبيدة: قال مِسمَع بن عبد الملك: فأتى الرَّوحاءَ، فنزل في بكر بن وائل، فأمِن، فقال يمدحهم:
وقد مثَلتْ أَين المسيرُ فلم تجدْ ... لفَوْرتها كالحيِّ بكْر بن وائل
أعفَّ وأوفى ذمةً يعْقِدونها ... إذا وازنتَ شُمَّ الذُّرَا بالكواهِل
وهي قصيدة طويلة، ومدحهم بقصائدَ أُخَر غيرها.
قال: فكان الفرزدق إذا نزل زياد البَصرة نزل الكوفة، وإذا نزل زيادٌ الكوفة نزل الفرزدق البَصرة، وكان زياد ينزل البصرة ستّة أشهر والكوفة ستّة أشهر، فبلغ زيادًا ما صنع الفرزدق، فكتب إلى عامله على الكوفة عبدِ الرحمن بن عُبيد: إنّما الفرزدق فحلُ الوحوش يَرعَى القِفار، فإذا ورد عليه الناس ذُعِر ففارقهم إلى أرض أخرى فرتع؛ فاطلبه حتى تظفَر به، قال الفرزدق: فطُلبت أشدّ طلب، حتى جعل مَن كان يُؤْويني يُخرجني من عنده، فضاقت عليّ الأرض،
стр. 3667
فبينا أنا ملفِّف رأسي في كسائي على ظهر الطريق، إذ مرّ بي الذي جاء في طلبي، فلمّا كان الليل أتيتُ بعضَ أخوالي من بني ضَبّة وعندهم عُرْس - ولم أكن طعمتُ قبلَ ذلك طعامًا، فقلت: آتيهم فأصيب من الطعام - قال: فبينا أنا قاعد إذ نظرت إلى هادِي فرسٍ وصدرِ رُمح قد جاوَز بابَ الدار داخلًا إلينا، فقاموا إلى حائط قصب فرفعوه، فخرجت منه، وألقَوا الحائط فعاد مكانَه، ثم قالوا: ما رأيناه، وبحثوا ساعةً ثم خرجوا، فلمّا أصبحنا جاؤوني فقالوا: اخرُج إلى الحجاز عن جوار زياد لا يظفر بك، فلو ظفر بك البارحَة أهلكتَنَا؛ وجمعوا ثمن راحلتين، وكلّموا لي مقاعِسًا أحد بني تَيْم الله بن ثعلبة - وكان دليلًا يسافر للتجار - قال: فخرجْنا إلي بانِقْبا حتى انتهينا إلى بعض القصور التي تُنزل، فلم يُفتح لنا الباب، فألقينا رحالَنا إلى جنب الحائط والليلة مُقمِرة، فقلت: يا مقاعس! أرأيت إن بعث زياد بعدما نصبح إلى العتيق رجالًا، أيقدرون علينا؟ قال: نعم، يَرصُدوننا - ولم يكونوا جاوزوا العتيق وهو خَندَق كان للعَجَم - قال: فقلت: ما تقول العرب؟ قال: يقولون: أمهِلْه يومًا وليلة ثم خذه، فارتحل؛ فقال إني أخاف السباعَ، فقلت: السباعُ أهوَن من زياد، فارتحلْنا لا نرى شيئًا إلا خلّفناه، ولزِمَنا شخصٌ لا يُفارقنا، فقلت: يا مُقاعس، أترى هذا الشخص! لم نمررْ بشيء إلّا جاوزناه غيره، فإنه يسايرنا منذ الليلة، قال: هذا السَّبُع، قال: فكأنه فهِمَ كلامَنا، فتقدّم حتى رَبَض على مَتْن الطريق، فلما رأينا ذلك نزلْنا فشددْنا أيدي ناقتَيْنا بثِنايَيْن وأخذتُ قوسي، وقال مقاعس:
يا ثعلب، أتدري ممّن فرْرنا إليك؟ من زياد، فأحْصَب بذَنَبه حتى غشيَنا غبارُه وغشيَ ناقتَيْنا، قال: فقلت: أرميه، فقال: لا تَهجْه، فإنه إذا أصبح ذهب، قال: فجعل يُرعِد ويُبرِق ويزئِر ومُقاعس يتوعّده حتى انشقّ الصبح، فلما رآه ولّى، وأنشأ الفرزدق يقول:
ما كنتُ أحْسِبُني جَبانًا بعدما ... لاقَيْتُ ليلةَ جانِبِ الأَنهارِ
ليْثًا كأَنّ على يدَيْه رِحالةً ... شثْنَ البراثِنِ مُؤجَدَ الأَظفار
لما سَمعْتُ له زَمازمَ أجْهَشَتْ ... نفْسي إليّ وقلت أَينَ فِراري!
ورَبَطْتُ جِرْوتَها وقلتُ لها اصْبِري ... وشَدَدْتُ في ضِيقِ المقامِ إِزارِي
стр. 3668
فلأَنتَ أَهْوَنُ من زِيادٍ جانِبًا ... اذْهَبْ إليك مُخرِّم الأَسفارِ (١)
(٥: ٢٤٤/ ٢٤٦/٢٤٥/ ٢٤٤).
قال ابن سعد: قال أبو عُبيدة: فحدّثني أعيَن بن لَبطَة، قال: حدّثني أبي عن شَبَث بن رِبعيّ الرياحيّ، قال: فأنشدتُ زيادًا هذه الأبيات فكأنه رقَّ له، وقال: لو أتاني لآمنته وأعطيتُه، فبلغ ذلك الفرزدق؛ فقال:
تَذكَّرَ هذا القلبُ من شَوْقِه ذِكْرَا ... تذَكَّرَ شَوْقًا ليس ناسيَهُ عَصْرَا
تَذَكّرَ ظَمياءَ الَّتي ليس ناسِيا ... وإن كان أَدْنى عَهْدِها حِجَجًا عَشْرا
وما مُغْزِلٌ بالغَوْر غَوْرِ تِهامةٍ ... ترَعَّى أراكًا في منابتِهِ نَضْرا
من الأُدُمِ حَوَّاءِ المدامع تَرْعَوِي ... إلى رَشاءٍ طِفلٍ تخالُ به فَتْرا
أصابَتْ بِوادي الوَلْولَان حِبالةً ... فما اسْتَمْسَكَتْ حتى حسِبْنَ بها نفْرا
بأحْسَنَ من ظَمْياءَ يومَ تَعَرَّضَتْ ... ولامُزْنةٌ راحَتْ غمامتها قصْرا
وكم دونها من عاطفٍ في صريمة ... وأَعداءِ قومٍ يَنْذُرُونَ دمي نَذْرَا!
إذا أَوْعَدُوني عند ظَمياءَ ساءَها ... وعيدي وقالت لا تقولوا له هُجرا
دعاني زيادٌ للعطاءِ ولم أَكنْ ... لآتِيَهُ ما ساقَ ذو حَسَب وَفرا
وعند زيادٍ لو يُرِيدُ عطاءَهُمْ ... رجالٌ كثيرٌ قد يرَى بهِم فقرا
قُعُودٌ لدى الأَبواب طُلَّابُ حاجةٍ ... غَوانٍ من الحاجاتِ أو حاجةً بِكْرا
فلمّا خشيت أن يكون عطاؤه ... أداهِمَ سودًا أو مُحَدْرَجَةً سُمْرا
نميَتُ إلى حَرْفٍ أَضَرَّ بِنِيِّها ... سُرَى الليل واستعرَاضُها البلدَ القَفرا
تنَفَّس في بهوٍ من الجوف واسعٍ ... إذا مَدَّ حيزومَا شَراسيِفها الضَّفْرا
تَراها إذا صامَ النَّهارُ كأنَّما ... تسامِى فَنيقًا أو تُخالسُهُ خَطْرا
تخُوضُ إذا صاح الصَّدى بعد هَجعةٍ ... من الليل مُلتجًّا غياطلهُ خُضرا
فإِن أعرَضَتْ زَوراءُ أو شَمَّرَتْ بها ... فلاةٌ ترَى منها مخارِمَها غُبْرا
تعاديْنَ عن صُهبِ الحَصى وكأَنما ... طحنَّ به من كلّ رَضراضةٍ جَمْرا
وكم من عَدُوٍّ كاشحٍ قد تجاوَزَتْ ... مخافتَهُ حتى تكون لها جِسْرا
يَؤمُّ بها المَوماةَ منْ لا يرى له ... إلى ابن أَبي سُفيان جاهًا ولا عُذْرا
ولا تُعجلاني صاحبيَّ فربّما ... سَبَقتُ بوِرد الماءِ غاديةً كُدْرا
стр. 3669
وحِضْنين من ظلماءِ ليلٍ سَرَيتُهُ ... بأغيَدَ قد كان النعاس له سُكْرا
رماه الكرى في الرأْس حتى كأنَّه ... أميمُ جلامِيدٍ تركنَ به وَقْرا
من السَّيْرِ والإِدلاج تحْسِبُ أَنما ... سقاهُ الكرى في كلٌ منزلة خَمْرا
جرَرنا وفدَّيناه حتى كأَنما ... يرى بهوادِي الصُّبْح قَنبلةً شُقرا
قال: فمضينا وقَدِمنا المدينة وسعيد بن العاص بن أميّه عليها، فكان في جنازة، فتبعتُه فوجدتُه قاعدًا والميّت يُدفَن حتى قمت بين يديه، فقلت: هذا مَقامُ العائذ من رجل لم يُصِب دمًا ولا مالًا! فقال: قد أجَرْتُ إن لم تكن أصبتَ دمًا ولا مالًا؛ وقال: مَنْ أنت؟ قلت: أنا همّام بن غالب بن صعصعة، وقد أثنيتُ على الأمير، فإنْ رأى أن يأذن لي فأسمِعَه فليفعل؛ قال: هاتِ فأنشدتُه:
وكُومٍ تُنْعِمُ الأَضيافَ عينًا ... وتصْبِحُ في مَباركها ثِقالَا
حتى أتيتُ إلى آخرِها؛ قال: فقال مروان:
قُعُودًا ينظرون إلى سَعيد
قلتُ: والله إنك لقائم يا أبا عبد الملك.
قال: وقال كعب بن جُعَيل: هذه واللهِ الرّؤيا التي رأيت البارحة؛ قال سعيد: وما رأيتَ؟ قال: رأيتُ كأني أمشي في سكّة من سكك المدينة، فإذا أنا بابن قِتْرة في جُحْر، فكأنه أراد أن يتناولني، فاتّقيته، قال: فقام الحطيئة فشقّ ما بين رجُلين حتى تجاوز إليّ، فقال: قل ما شئت فقد أدركتَ من مضى، ولا يدركك من بقي، وقال لسعيد: هذا والله الشِّعر، لا يعلّل به منذ اليوم، قال: فلم نزل بالمدينة مرّة وبمكة مرّة، وقال الفرزدق في ذلك:
ألا من مُبلغٌ عنِّي زيادًا ... مغَلْغلةً يَخُبُّ بها البَرِيدُ
بأنّي قد فَررتُ إلى سَعيدٍ ... ولا يُسْطاعُ ما يَحْمِي سَعيدُ
فَرَرتُ إليه من لَيْثٍ هِزَبْرٍ ... تفادَى عن فرِيسَتِهِ الأُسُودُ
فإن شئتَ انتسبتُ إلى النَّصارى ... وإن شئتَ انتسبتُ إلى اليهود
وإن شئت انتسبتُ إلى فُقَيمٍ ... وناسبني وناسبتُ القُرُودُ
ويُروَى:
وناسبني وناسبت اليهودُ
وأبغَضُهم إليّ بنو فُقيمٍ ... ولكنْ سوف آتِي ما ترِيدُ
стр. 3670
وقال أيضًا:
أتاني وعيدٌ من زيادٍ فلم أَنم ... وسَيْلُ اللِّوَى دوني فَهضْبُ التَّهائمِ
فبتُّ كأَني مُشعَرٌ خَيبَريّةً ... سَرَت في عظامي أو سِمَامَ الأَراقمِ
زيادَ بن حَربٍ لن أظُنَّكَ تاركي ... وذا الضِّغْنِ قد خَشَّمْتَهُ غيرَ ظالم
قال: وأنشدَنيه عمرو:
وبالضّغن قد خشّمتني غير ظالم
وقد كافَحت منِّي العراقَ قَصيدةٌ ... رَجُومٌ مع الماضي رؤوسَ المخارِم
خَفيفةُ أفواهِ الرُّواةِ ثقيلة ... على قِرْنها نَزالةٌ بالموَاسم
وهي طويلة.
فلم نزل بين مكة والمدينة حتى هلك زياد (١). (٥: ٢٤٧/ ٢٤٨ / ٢٤٩/ ٢٥٠)
* * *
ذكر الخبر عن غزوة الحكم بن عمرو جبل الأشل وسبب هلاكه
حدّثني عمرُ بن شبّة، قال: حدّثني حاتم بن قَبيصة، قال: حدّثنا غالب بن سليمان عن عبد الرحمن بن صبح، قال: كنتُ مع الحكَم بن عمرو بخُراسان، فكتب زيادٌ إلى عمرو: إنّ أهلَ جبل الأشلّ سلاحُهم اللُّبود، وآنيتهم الذّهب. فغزاهم حتى توسّطوا، فأخذوا بالشِّعاب والطرق، فأحدقوا به، فعيّ بالأمر، فولّى المهلّب الحرب، فلم يزل المهلب يحتال حتى أخذ عظيمًا من عظمائهم، فقال له: اخترْ بين أن أقتلَك، وبين أن تُخرِجَنا من هذا المَضيق؛ فقال له: أَوْقِد النارَ حيالَ الطريق من هذه الطُّرُق، ومر بالأثقال فلتُوجَّه نحوه، حتى إذا ظنّ القوم أنكم قد دخلتم الطريق لتسلكوه فإنّهم يستجمعون لكم، ويُعَرُّون ما سواه من الطرق، فبادِرْهم إلى غيره فإنهم لا يدركونك حتى تخرج منه، ففعلوا ذلك،
стр. 3671
فنجا وغَنِموا غنيمةً عظيمة (١). (٥: ٢٥٠/ ٢٥١).
حدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ بن محمد؛ قال: لما قفل الحَكم بن عمرو من غَزْوة جبل الأشلّ ولّى المهلّب ساقتَه، فسلكوا في شِعاب ضيّقة، فعارَضه التُّرك فأخذوا عليهم بالطُّرق، فوجدوا في بعض تلك الشِّعاب رجلًا يتغنّى من وراء حائط ببيتين:
تَعَزَّ بصبرٍ لا وجَدِّكَ لا تَرَى ... سَنام الحِمَى أُخرى اللّيالي الغوابر
كأنّ فؤادي من تذكُّرِيَ الحِمَى ... وأهلَ الحمى يهفُو به ريشُ طائرِ
فأتي به الحكَم، فسأله عن أمره، فقال: غايرتُ ابنَ عمّ لي، فخرجتُ تَرفَعني أرض وتَخفِضني أخرى، حتى هَبَطتُ هذه البلاد، فحمله الحكمُ إلى زياد بالعراق.
قال: وتخلّص الحَكم من وجهه حتى أتى هَراةَ، ثم رجع إلى مَرْو (٢). (٢٥١: ٥)
قال عمر: قال عليّ بن محمد: لما حَضَرت الحكَم الوفاةُ بمرْو، استخلفَ أنس بن أبي أناس، وذلك في سنة خمسين (٣). (٥: ٢٥٢)
ثم دخلت سنة إحدى وخمسين ذكر ما كان فيها من الأحداث
فممّا كان فيها مشتَى فضالة بن عُبيد بأرض الروم، وغزوة بُسْر بن أبي أرطاةَ الصائفة، ومقتلَ حُجْر بن عَدِيّ وأصحابه.
ذكر مقتل حُجْر بن عديّ وأصحابه
* ذكر سبب مقتله:
стр. 3672
قال هشام بن محمد: عن أبي مخنف، عن المجالد بن سعيد، والصقْعب بن زهير، وفضيل بن خَدِيج، والحسين بن عُقْبة المراديّ، قال: كلٌّ قد حدّثني بعضَ هذا الحديث، فاجتمع حديثهم فيما سُقت من حديث حُجْر بن عديّ الكِنْديّ وأصحابه: إنّ معاوية بن أبي سُفيان لما ولّى المغيرة بن شُعبة الكوفة في جمادى سنة إحدى وأربعين دَعاه، فحمِد الله وأثنَى عليه ثم قال: أمّا بعد فإن لذي الحِلْم قبل اليومِ ما تُقرَع العَصَا، وقد قال المتلمّس:
لِذِي الحِلْم قبلَ اليوم ما تُقْرَعُ العصا ... وما عُلِّمَ الإِنسانُ إلَّا ليعْلَما
وقد يجزي عنك الحكيم بغير التعليم، وقد أردت إيصاءك بأشياءَ كثيرة، فأنا تاركُها اعتمادًا على بَصرك بما يرضيني ويُسعِد سلطاني، ويُصْلَحُ به رعيّتي، ولست تاركًا إيصاءك بخَصْلة: لا تتحمَّ عن شتمِ عليّ وذمّه، والترحّم على عثمان والاستغفار له، والعيب على أصحاب عليّ، والإقصاء لهم، وترك الاستماع منهم؛ وبإطراء شيعة عثمان رضوان الله عليه، والإدناء لهم، والاستماع منهم، فقال المغيرة: قد جَرّبْتُ وجُرّبتُ، وعملتُ قَبْلك لغيرك، فلم يُذْممْ بي دَفع ولا رفع ولا وَضْع، فستبلو فَتحْمَد أو تَذُمَّ. قال: بل نحمَد إن شاء الله (١). (٥: ٢٥٣/ ٢٥٤)
قال أبو مخنف: قال الصقعب بن زهير: سمعتُ الشعبيّ يقول: ما ولِينَا والٍ بعده مثله، وإن كان لاحقًا بصالح مَن كان قبله من العمّال.
وأقام المغيرةُ على الكوفة عاملًا لمعاوية سبعَ سنين وأشهرًا، وهو من أحسن شيء سيرةً، وأشدّه حبًّا للعافية، غير أنه لا يدَع ذمّ عليّ والوقوعَ فيه والعيبَ لقتَلة عثمان، واللّعن لهم، والدعاء لعثمان بالرحمة والاستغفار، والتزكيةَ لأصحابه، فكان حُجْر بن عديّ إذا سمع ذلك قال: بل إيّاكم فذمّم الله ولعن! ثم قال فقال: إنّ الله يقول: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾، وأنا أشهد أن من تذّمون وتعيّرون لأحقّ بالفضل، وأن من تزكّون وتُطْرُون أوْلى بالذّم؛ فيقول المغيرة: يا حُجْر، لقد رُمِيَ بسهمك؛ إذ كنتُ أنا الوالي عليك، يا حُجْر
стр. 3673
وَيْحك! اتّق السلطان اتق غضبَه وسطوتَه، فإنّ غضْبَة السلطان أحيانًا مما يُهلِك أمثالَك كثيرًا. ثم يكفّ عنه ويصفح.
فلم يزل حتى كان في آخر إمارته قام المغيرة فقال في عليّ وعثمان كما كان يقول، وكانت مقالته: اللهمّ ارحم عثمانَ بن عفان وتجاوَزْ عنه، وأجزِه بأحسنِ عمله، فإنه عَمِل بكتابك، واتّبع سنة نبيك ﷺ ، وجمَعَ كلمتنا، وحقَن دماءَنا، وقُتل مظلومًا؛ اللهم فارحم أنصارَه وأولياءه ومحبّيه والطالبين بدمه! ويدعو على قتَلته، فقام حُجْر بن عديّ فنَعَر نعرةً بالمغيرة سِمَعها كلّ مَن كان في المسجد وخارجًا منه، وقال: إنك لا تدري بمن تولع من هَرَمك! أيها الإنسان، مُر لنا بأرزاقنا وأعطِياتنا، فإنك قد حبستَها عنا، وليس ذلك لك، ولم يكن يطمع في ذلك من كان قبلَك، وقد أصبحت مولَعًا بذمِّ أمير المؤمنين، وتقريظِ المجرِمين، قال: فقام معه أكثر من ثُلُثي الناس يقولون: صدَق والله حُجْر وبَرَّ، مُرْ لنا بأرزاقنا وأعطِياتنا، فإنا لا ننتفع بقولك هذا، ولا يجدى علينا شيئًا؛ وأكثروا في مِثل هذا القول ونحوه، فنزل المغيرة، فدخل واستأذن عليه قومُه، فأذن لهم، فقالوا: علامَ تترك هذا الرجلَ يقول هذه المقالة، ويجترئ عليك في سلطانك هذه الجرأة! إنَّك تجمع على نفسك بهذا خصلتين: أما أوّلهما فتهوين سلطانِك، وأما الأخرى فإنّ ذلك إن بلغ معاوية كان أسخَطَ له عليه - وكان أشدّهم له قولًا في أمر حُجْر والتعظيم عليه عبد الله أبي عقيل الثَّقَفيّ - فقال لهم المغيرة: إنّي قد قتلته؛ إنه سيأتي أميرٌ بعدي فيحسَبه مثل فيصنع به شبيهًا بما ترونه يصنع بي، فيأخذه عند أوّل وهلة فيقتله شرّ قتلة، إنه قد اقترب أجلي وضَعُف عملي، ولا أحبّ أنْ ابتدئ أهلَ هذا المِصر بقتل خيارِهم، وسَفْكِ دمائهم، فيسعدوا بذلك وأشقى، ويعزّ في الدنيا معاوية ويذلّ يوم القيامة المغيرة؛ ولكني قابلٌ من محسنهم، وعافٍ عن مسيئهم، وحامدٌ حليمَهم، وواعظٌ سِفيهَهم، حتى يفرّق بيني وبينهم الموت، وسيذكرونني لو قد جرّبوا العمّال بعدي (١). (٢٥٤: ٥/ ٢٥٥)
قال أبو مخنف: سمعتُ عثمان بنَ عقبة الكنديّ، يقول: سمعت شيخًا للحيّ
стр. 3674
يذكر هذا الحديث يقول: قد واللهِ جرّبناهم فوجدناه خيرَهم أحمَدهم للبريء، وأغفرَهم للمسيء، وأقَبَلَهم للعذر (١). (٥: ٢٥٥).
قال هشام: قال عَوانة: فوِليَ المغيرة الكوفة سنة إحدى وأربعين في جُمادى، وهلك سنة إحدى وخمسين، فجُمِعت الكوفة والبَصرة لزياد بن أبي سُفيان، فأقبل زياد حتى دخل القصر بالكوفة، ثم صعد المنبر فحمِد الله وأثنى عليه، ثم قال: أمّا بعد، فإنّا قد جَرّبنا وجُرّبنا، وسُسْنا وساسَنا السائسون، فوجدْنا هذا الأمر لا يَصلُح آخره إلّا بما صلَح أوّله، بالطاعة اللّينة المشبّه سرّها بعلَانيتها، وغيْب أهلها بشاهدهم، وقلوبهم بألسنتهم، ووجدنا الناس لا يصلحهم إلّا لين في غير ضَعْف، وشدّة في غير عُنْف وإني والله لا أقوم فيكم بأمر إلا أمضيته على أذلاله، وليس من كذبة الشاهد عليها من الله والناس أكبر من كِذْبة إمام على المنبر، ثم ذكر عثمانَ وأصحابَه فقرّظهم، وذكَر قتلتَه ولعَنَهم فقام حُجر ففعل مِثل الذي كان يفعل بالمغيرة، وقد كان زيادٌ قد رجع إلى البصرة وولَّى الكوفة عمرو بن الحريث، ورجع إلى البصرة فبَلَغه أنّ حُجْرًا يجتمع إليه شيعة عليّ، ويُظهرون لعنَ معاوية والبراءة منه، وأنهم حَصَبوا عمرو بن الحريث، فشَخَص إلى الكوفة حتى دخلها، فأتى القصر فدخله، ثم خرج فصَعِد المنبر وعليه قَباء سُنْدس ومُطرَف خَزّ أخضر، قد فرق شعره، وحُجْر جالسٌ في المسجد حولَه أصحابُه أكثر ما كانوا، فحمِد الله وأثنَى عليه، ثم قال: أمّا بعد، فإنّ غِبَّ البَغْي والغيّ وخيم، إنّ هؤلاء جمّوا فأشِروا، وأمنوني فاجترؤوا عليَّ، وايمُ الله لئن لم تستقيموا لأداوينّكم بدوائكم؛ وقال: ما أنا بشيء إن لم أمنع باحةَ الكوفة من حُجْر وأدَعْه نكالًا لمن بعَده! ويلُ أمّك يا حُجر! سَقَط العَشاء بك على سِرْحان، ثم قال:
أبلغْ نُصَيحَة أنّ راعِي إبْلِها ... سَقط العَشاءُ بِه على سِرْحان
وأما غيرُ عوانة، فإنه قال في سبب أمر حُجْر (٢): (٥: ٢٥٥/ ٢٥٦)
حدّثني عليّ بن حسن قال: حدّثنا مسلم الجَرْمي، قال: حدّثنا مخلَد بن
стр. 3675
الحسن عن هشام، عن محمد بن سيرين، قال: خطب زياد يومًا في الجمعة فأطال الخطبة وأخّر الصلاة، فقال له حُجْر بن عديّ: الصلاة! فمضى في خطبته، ثم قال: الصلاة! فمضى في خطبته، فلما خشي حُجر فَوْتَ الصلاة ضرب بيده إلى كفّ من الحصا، وثارَ إلى الصلاة وثار الناسُ معه، فلما رأى ذلك زياد نزل فصلّى بالنّاس، فلما فرغ من صلاته كتب إلى معاوية في أمره، وكثَّر عليه.
فكتب إليه معاوية أن شُدَّه في الحديد، ثم احمله إليّ، فلما أن جاء كتاب معاوية أراد قومُ حُجر أن يمنَعوه، فقال: لا، ولكن سمعٌ وطاعة، فشدّ في الحديد، ثم حُمل إلى معاوية، فلما دخل عليه قال: السّلام عليك يا أميرَ المؤمنين ورحمةُ الله وبركاته، فقال له معاوية: أمير المؤمنين! أما والله لا أقِيلك ولا أستَقِيلك، أخرجوه فاضربوا عنقَه، فأخرج من عنده، فقال حُجر للذين يَلُون أمرَه: دعوني حتى أصلّي ركعتين؛ فقالوا: صلّ؛ فصلّى ركعتين خففّ فيهما، ثم قال: لولا أن تظنّوا بي غيرَ الذي أنا عليه لأحببتُ أن تكونا أطولَ مما كانتا، ولئن لم يكن فيما مضى من الصلاة خيرٌ فما في هاتين خير؛ ثم قال لمن حضره من أهله: لا تُطلِقوا عني حديدًا، ولا تغسلوا عني دمًا، فإني ألاقي معاوية غدًا على الجادّة، ثم قُدِّم فضربتْ عنقُه.
قال مخلد: قال هشام: كان محمد إذا سئل عن الشهيد يُغسَّل، حدَّثهم حديثَ حُجْر.
قال محمد: فلقيَتْ عائشة أمّ المؤمنين معاوية - قال مخلد: أظنّه بمكة - فقالت: يا معاوية، أين كان حِلمُك عن حُجْر! فقال لها: يا أمّ المؤمنين! لم يحضرني رشيد!
قال ابن سيرين: فبلغنا أنه لما حضرتْه الوفاة جعل يُغرغِر بالصوت ويقول: يومي منك يا حُجْر يومٌ طويل! (١) (٥: ٢٥٦/ ٢٥٧).
стр. 3676
قال هشام: عن أبي مخنف، قال: حدّثني إسماعيل بن نُعَيم النّمَريّ، عن حسين بن عبد الله الهمْدانيّ، قال: كنت في شُرَط زياد، فقال زياد: لينطلِقْ بعضُكم إلى حُجْر فليدْعُه؛ قال: فقال لي أمير الشُّرْطة - وهو شدّاد بن الهيثم الهلاليّ: اذهب إليه فادْعه؛ قال: فأتيتُه، فقلت: أجِبِ الأميرَ؛ فقال أصحابه: لا يأتيه ولا كرامة! قال: فرجعت إليه فأخبرته، فأمر صاحبَ الشُّرْطة أن يبعث معي رجالًا، قال: فبعث نفرًا؛ قال: فأتيناه فقلنا: أجب الأمير، قال: فسبّونا وشتَمَونا، فرجعنا إليه فأخبرناه الخبر، قال: فوثب زياد بأشراف أهل الكوفة، فقال: يا أهل الكوفة! أتشجّون بيدٍ وتأسُون بأخرى! أبدانكم معي وأهواؤكم مع حُجْر! هذا الهَجهاجة الأحمق المذبوب أنتم معي وإخوانُكم وأبناؤكم وعشائركم مع حُجر! هذا والله من دَحْسكم وغِشّكم! والله لتظهرَنّ لي براءَتُكم أو لآتينّكم بقوم أقيم بهم أوَدكم وصَعَركم! فوَثَبوا إلى زياد، فقالوا: معاذ الله سبحانه أن يكون لنا فيما هاهنا رأي إلا طاعتك وطاعة أمير المؤمنين، وكلّ ما ظننا أنّ فيه رضاك، وما يَستبين به طاعتَنا وخلافنا لحُجر فمُرْنا به، قال: فليقم كلّ امرئ منكم إلى هذه الجماعة حول حُجر فليدْعُ كلّ رجل منكم أخاه وابنه وذا قرابته ومن يطيعه من عشيرته، حتى تقيموا عنه كلّ مَن استطعتم أن تقيموه، ففعلوا ذلك، فأقاموا جُلّ من كان مع حُجْر بن عدّي، فلما رأى زياد أنّ جُلَّ مَن كان مع حُجْر أقيم عنه، قال لشدّاد بن الهيثم الهلاليّ - ويقال: هيثم بن شدّاد أمير شرطته -: انْطلِق إلى حُجْر، فإن تَبِعك فائْتني به، وإلا فمرْ مَن معك فلينتزعوا عُمُد السوق، ثم يشدّوا بها عليهم حتى يأتوني به ويضربوا من حال دونَه، فأتاه الهلاليّ فقال: أجب الأميرَ؛ قال: فقال أصحاب حُجْر: لا ولا نُعمةَ عين! لا نجيبه، فقال لأصحابه: شُدّوا على عُمُد السوق، فاشتدّوا إليها، فأقبلوا بها قد انتزعوها، فقال عمير بن يزيدَ الكنديّ من بني هند - وهو أبو العَمَرَّطة: إنه ليس معك رجل معه سيفٌ غيري، وما يغني عنك! قال: فما ترى؟ قال: قُمْ من هذا المكان
стр. 3677
فالحق بأهلِك يَمنَعْك قومُك، فقام زياد ينظر إليهم وهو على المنبر، فغشوا بالعُمُد، فضرب رجل من الحمراء - يقال له: بكر بن عبيد - رأس عمرو بن الحَمِق بعمود فوقع، وأتاه أبو سُفْيان بن عُوَيمر والعَجْلان بن ربيعة - وهما رجلان من الأزْد - فحَمَلاه؛ فأتَيَا به دار رَجل من الأزْد - يقال له: عبيد الله بن مالك - فخبّأه بها، فلم يزل بها متواريًا حتى خرج منها.
ثم رجع إلى أوّل الحديث، قال: فلما ضرب عمرًا تلك الضربة وحمَلَه ذانك الرّجلان، انحاز أصحابُ حُجْر إلى أبواب كِنْدة، ويضرب رجلٌ من جُذام كان في الشُّرْطة رجلًا يقال له: عبدُ الله بن خليفة الطائيّ بعمود، فضَرَبه ضربةً فصرعه، فقال وهو يرتجز:
قد علِمَتْ يَوْمَ الهِياج خُلَّتي ... أني إذا ما فِئتِي تَولّتِ
وكَثُرَتْ عُداتُها أو قلَّتِ ... أَنِّي قتَّالٌ غداةَ بَلَّتِ
وضُرِبتْ يد عائذ بن حملة التميميّ، وكُسرتْ نابه، فقال:
إِنْ تَكْسِروا نابي وعَظْمَ ساعِدِي ... فإِنَّ فيَّ سوْرةَ المُناجِدِ
وبعضَ شَغْبِ البَطَلِ المُبالِدِ
وينتزع عمودًا من بعض الشُّرْطة، فقاتل به وحمَى حُجْرًا وأصحابه؛ حتى خرجوا من تلقاء أبواب كِنْدة، وبغلة حُجْر موقوفة، فأتى بها أبو العمرطة إليه، ثم قال: اركب لا أبَ لغيرك! فوالله ما أراك إلّا قد قتلتَ نفسك، وقتلتَنا معك؛ فوضع حُجْر رجلَه في الرِّكاب؛ فلم يستطع أن ينهض، فحمله أبو العمرّطةَ على بغلته، ووثب أبو العمرّطة على فرسه؛ فما هو إلا أدا استوى عليه حتى انتهى إليه يزيد بن طريف المسْلِيّ - وكان يغْمِز - فضرب أبا العمّرطة بالعمود على فخذه، ويخترط أبو العمرّطة سيفه، فضرب به رأس يزيد بن طريف، فخرّ لوجهه، ثم إنه برأ بعدُ، فله يقول عبد الله بن همّام السّلوليّ:
أَلُؤمَ ابْنَ لُؤمٍ ما عدا بك حاسِرًا ... إلى بَطَلٍ ذي جُرْأَةٍ وشَكِيمِ!
معاود ضَرْبِ الدَّارِعين بسَيْفِهِ ... على الهام عند الرَّوْغ غَيْرَ لئيم
إلى فارِسِ الغارَيْنِ يومَ تلَاقَيا ... بصفِّين قَرْمٍ خَيْرِ نَجل قُرُوم
حَسِبْتَ ابنَ بَرصاءَ الحِتار قِتالَهُ ... قِتالَك زَيْدًا يَوْمَ دارِ حَكيم
وكان ذلك السيف أوّل سيف ضُرب به في الكوفة في الاختلاف بين الناس،
стр. 3678
ومضى حُجْر وأبو العَمرّطة حتى انتهيا إلى دار حُجْر، واجتمع إلى حُجْر ناس كثير من أصحابه، وخرج قيس بن فهدان الكِنديّ على حمار له يسير في مجالس كِنْدة، يقول:
يا قَوْمَ حُجْرٍ دافِعُوا وصاوِلوا ... وعَنْ أخيكمْ ساعَةً فقاتِلوا
لا يُلْفَيا مِنكمْ لحُجْرٍ خاذِلُ ... ألَيْسَ فيكُمْ رامحٌ ونابلُ
وفارِسٌ مُسْتَلْئِمٌ وراجلٌ ... وضارِبٌ بالسَّيْفِ لا يُزايلُ!
فلم يأته من كِنْدة كثير أحد، وقال زياد وهو على المنبر: ليقم همْدان وتميم وهَوازن وأبناء أعصُر ومذحِج وأسد وغَطفان فليأتوا جبّانةَ كِنْدة، فليَمْضوا مِنْ ثمّ إلى حُجْر فليأتوني به، ثم إنه كره أن يسيّرَ طائفةً من مضرَ مع طائفة من أهل اليَمن فيقع بينهم شَغَب واختلاف، وتفسُد ما بينهم الحميّة، فقال: لتقُم تميم وهَوازنُ وأبناء أعصُر وأسَد وغَطَفان ولتمضِ مَذحِج وهَمْدان إلى جبّانة كِنْدة، ثم لينهضوا إلى حُجْر فليأتوني به، وليَسِر سائرِ أهلِ اليمن حتى ينزلوا جبانة الصائديّين، فليمضوا إلى صاحبهم، فليأتوني به، فخرجَتِ الأزْدُ وبَجيلةُ وخثعم والأنصار وخُزاعة وقضاعة، فنزلوا جبّانة الصائديّين، ولم تخرج حضر موت مع أهل اليَمن لمكانهم من كِنْدة، وذلك أنّ دعوة حضر موتَ مع كِنْدة، فكرهوا الخروجَ في طلب حجر (١). (٥: ٢٥٨/ ٢٥٧، تكملة ٢٥٨/ ٢٦٠/٢٥٩/ ٢٦١).
قال أبو مخنف: فحدّثني يوسف بن يزيد عن عبد الله بن عوف بن الأحمر، قال: لما انصرفنا من غزوة باجُمَيرا قبل مَقتل مُصعب بعام، فإذا أنا بأحمريّ يسايرني - ووالله ما رأيتُه من ذلك اليوم الذي ضرب فيه عمرو بن الحَمِق، وما كنت أرى لو رأيتُه أن أعرفه - فلما رأيته ظننتُ أنه هو هو؛ وذاك حين نظرْنا إلى أبيات الكوفة، فكرهتُ أن أسألَه: أنت الضارب عمرو بن الحَمِق؟ فيُكابرني، فقلت له: ما رأيتُك من اليوم الذي ضربتَ فيه رأسَ عمرو بن الحمق بالعمود في المسجد إلى يومي هذا، ولقد عرفتُك الآن حين رأيتُك؛ فقال لي: لا تَعْدم بصرَك، ما أثبتَ نظرَك! كان ذلك أمرُ الشيطان، أما إنه قد بلغني أنه كان امرأ صالحًا، ولقد ندمتُ على تلك الضربة، فأستغفر الله، فقلت له: ألا ترى والله
стр. 3679
لا أفترق أنا وأنت حتى أضربَك على رأسك مِثلَ الضّربة التي ضربتَها عمرو بن الحمق أو أموت أو تموت! فناشدَني الله وسألني الله، فأبَيْتُ عليه، ودعوتُ غلامًا لي يُدعَى رشيدًا من سَبْي أصبهان معه قَناة له صلْبة، فأخذتُها منه، ثم أحمل عليه بها، فنزل عن دابّته، وألحقه حين استوت قَدَماه بالأرض، فأصفع بها هامَتَه، فخرّ لوجهه، ومضيتُ وتركته، فبَرأ بعدُ؛ فلقيتُه مرّتين من الدهر، كلّ ذلك يقول: الله بيني وبينك! وأقول: الله بينك وبين عمرو بن الحَمِق (١)! (٥: ٢٥٨/ ٢٥٩).
قال أبو مخنف: حدّثني يحيى بن سعيد بن مخنف عن محمد بن مخنف، قال: إني لمع أهل اليَمَن في جبّانة الصائديّين؛ إذ اجتمع رؤوس أهلِ اليَمَن يتشاورون في أمر حُجْر، فقال لهم عبد الرحمن بن مِخنف: أنا مشير عليكم برأي إذا قبلتموه رجوتُ أن تسلموا من اللائمة والإثم، أرى لكم أن تَلبثوا قليلًا فإنْ سُرْعان شباب هَمْدان ومذحِج يُكفونكم ما تكرهون أن تلُوا من مساءة قومكم في صاحبكم قال: فأجمع رأيهم على ذلك، قال: فوالله ما كان إلا كلا ولا حتى أتينا، فقيل لنا: إن مذحِج وهَمْدان قد دخلوا فأخَذوا كلّ من وجدوا من بني جَبَلَة قال: فمرّ أهل اليمن في نواحي دور كِندة معذِّرة، فبلغ ذلك زيادًا، فأثنَى على مذحِج وهَمْدان وذمّ سائرَ أهل اليمن، وإنّ حُجرًا لَما انتهى إلى داره فنظر إلى قلّة مَنْ معه من قومه، وبلغه أنّ مذحِج وَهَمْدان نزلوا جبّانة كندة وسائر أهل اليمن جبّانة الصائديّين قال لأصحابه: اِنصرفوا فوالله ما لكم طاقةٌ بمن قد اجتمع عليكم من قومكم، وما أحبّ أن أعرّضكم للهلاك؛ فذهبوا لينصرفوا، فلحقتْهم أوائلُ خيل مذحِج وهَمْدان، فعطف عليهم عمير بن يزيد وقيس بن يزيد وعبيدة بن عمرو البدِيّ وعبد الرحمن بن مُحرِز الطّمحيّ، وقيس بن شمر، فتقاتلوا معهم، فقاتلوا عنه ساعة فجرِحوا، وأسِر قيس بن يزيد، وأفلت سائر القوم، فقال لهم حجر: لا أبَا لكم! تفرّقوا لا تقاتلوا فإني آخُذُ في بعض السِّكك، ثم آخذ طريقَّا نَحوَ بني حرب، فسار حتى انتهى إلى دارِ رجل منهم يقال له: سليم بن يزيد، فدخل دارَه، وجاء القومُ في طلبه حتى انتهوا إلى تلك الدار، فأخذ سليم بن يزيد سيفه، ثم ذهب ليخرج إليهم، فبكتْ بناتُه؛ فقال له حُجْر:
стр. 3680
ما تريد؟ قال: أريد والله أسألهم أن ينصرفوا عنك، فإن فعلوا وإلا ضاربتُهم بسيفي هذا ما ثبتَ قائمُه في يدي دونك؛ فقال حُجر: لا أبا لغيرك! بئس ما دخلتَ به إذًا على بناتك! قال: إنّي والله ما أمُونُهنّ، ولا رزقُهنّ إلا على الحيّ الذي لا يموت؛ ولا أشتري العارَ بشيء أبدًا، ولا تخرج من داري أسيرًا أبدًا وأنا حيّ أملك قائمَ سيفي، فإنْ قتِلتُ دونك فاصنع ما بدا لك. قال حُجر: أما في دارك هذه حائط أقتحمه، أو خَوْخة أخرج منها، عسى أن يسلمني الله منهم ويسلّمك، فإذا القوم لم يقَدرِوا عليّ عندك لم يضروك! قال: بلى هذه خَوْخة تخرجك إلى دور بني العنبر وإلى غيرهم من قومك، فخرج حتى مرّ ببني ذُهْل، فقالوا له: مَرَّ القومُ آنفًا في طلبك يقْفون أثرَك. فقال: منهم أهرُب؛ قال: فخرج ومعه فِتْية منهم يتقصّوْن به الطريق، ويسلُكون به الأزقّة حتى أفضَى إلى النَّخَع، فقال لهم عند ذلك: انصرِفوا رحمكم الله! فانصرَفوا عنه، وأقبل إلي دار عبد الله بن الحارث أخي الأشتر فدخلها، فإنّه لكذلك قد ألقى له الفرُشَ عبدُ الله، وبسط له البُسُط، وتلقاه ببَسْط الوجه، وحُسن البِشْر، إذ أتي فقيل له: إنّ الشُّرَط تسأل عنك: في النَّخَع- وذلك أنّ أمةً سوداء يقال لها: أدماء، لقيتْهم، فقالت: مَنْ تطلبون قالوا: نطلب حُجْرًا؛ قالت: ها هو ذا قد رأيتُه في النَّخَع، فانصرَفوا نحو النَّخَع- فخرج من عند عبد الله متنكِّرًا، ورَكِب معه عبدُ الله بنُ الحارث ليلًا حتى أتى دارَ ربيعة بن ناجد الأزديّ في الأزْد، فنزلها يومًا وليلة، فلما أعجَزَهم أن يقدروا عليه دعا زياد بمحمد بن الأشعث فقال له: يا أبا مَيْثاء، أما والله لتأتينّي بحُجْر أو لا أدَع لك نخلةً إلا قطعتُها، ولا دارًا إلا هدمتها ثم لا تسلَم مني حتى أقطِّعكَ إرْبًا إرْبًا؛ قال: أمهِلني حتى أطلبه؛ قال: قد أمهلتك ثلاثًا، فإن جئتَ به وإلا عُدّ نفسك مع الهَلْكَى. وأخرِج محمدًا نحو السجن منتقع اللون يُتلّ تلًّا عنيفًا، فقال حُجر بن يزيد الكنديّ لزياد: ضَمنِّيه وخلّ سبيلَه يطلب صاحبه؛ فإنه مخلَّى سَرْبُه أحْرى أن يقدر عليه منه إذا كان محبوسًا، فقال: أتضْمنه؟ قال: نعم؛ قال: أما والله لئن حاصَ عنك لأزيرنّك شَعوب، وإن كنت الآن عليَّ كريمًا، قال: إنه لا يفعل فخلّى سبيله.
ثمّ إن حُجر بن يزيد كلمه في قيس بن يزيد، وقد أُتِيَ به أسيرًا، فقال لهم: ما على قيس بأس، قد عرفْنا رأيَه في عثمان، وبلاءَه يومَ صِفّين مع أمير المؤمنين،