← История

История · id 145435

صحيح وضعيف تاريخ الطبري

محمد بن طاهر البرزنجي

Полный текст (6 167 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.

стр. 3781

عبيد الله بن زياد لما قتل مسلمًا وهانئًا بعث برؤوسهما مع هانئ بن أبي حيّة الوادعيّ والزبير بن الأروح التميميّ إلى يزيدَ بن معاوية، وأمرَ كاتبَه عمرو بن نافع أن يكتب إلى يزيدَ بن معاوية بما كان من مسلم وهانئ، فكتب إليه كتابًا أطال فيه -وكان أولَ من أطال في الكتب- فلما نظر فيه عُبيد الله بن زياد كرهه وقال: ما هذا التطويل وهذه الفضول؟ اكتُب: أمّا بعد، فالحمد لله الذي أخذ لأمير المؤمنين بحقه، وكفاه مؤنة عدوّه. أخبر أمير المؤمنين أكرَمه الله: أن مسلم بن عَقِيل لجأ إلى دار هانئ بن عروة المُراديّ، وأنّي جعلت عليهما العيون، ودسستُ إليهما الرجال، وكِدْتُهما حتى استخرجتُهما، وأمكن الله منهما، فقدّمتهما فضربتُ أعناقهما، وقد بعثتُ إليك برؤوسهما مع هانئ بن أبي حيّة الهَمْدانيّ والزبير بن الأرْوَاح التميمي - وهما من أهل السمع والطاعة والنصيحة - فليسألهما أميرُ المؤمنين عما أحبّ من أمر، فإن عندهما عِلمًا وصدقًا، وفَهمًا ووَرعًا، والسلام. فكتب إليه يزيد: أما بعد، فإنك لم تَعْدُ أن كنت كما أحبّ، عملتَ عملَ الحازم، وصُلتَ صَوْلة الشجاع الرابِط الجأش، فقد أغنيتَ وكفيتَ، وصدّقتَ ظنّي بك، ورأيي فيك، وقد دعوتُ رسولَيك فسألتُهما، وناجيتهما فوجدتهما في رأيهما وفضلهما كما ذكرت؛ فاستَوصِ بهما خيرًا، وإنه قد بلغني أن الحسين بن عليٍّ قد توجّه نحو العراق؛ فضَعِ المنَاظر والمَسالح، واحترس على الظنّ، وخُذ على التهمة، غير ألا تقتل إلا من قاتلك، واكتب إليّ في كل ما يَحدُث من الخبر؛ والسلام عليك ورحمة الله. (٥: ٣٨٠ - ٣٨١) (١). قال أبو مخنف: حدثني الصقعب بن زهير، عن عون بن أبي جُحَيفة، قال: كان مُخرج مسلم بن عَقِيل بالكوفة يوم الثلاثاء لثمانِ ليال مضَين من ذي الحجّة سنة ستين، ويقال يوم الأربعاء لسبع مضَيْن سنة ستين من يوم عرفة بعد مُخَرج الحسين من مكة مقبلًا إلى الكوفة بيوم - قال: وكان مُخرَج الحسين من المدينة إلى مكة يومَ الأحد لليْلتين بقيَتَا من رجب سنة ستّين، ودخل مكة ليلَة الجمعة لثلاث مضَين من شعبان، فأقام بمكة شعبان وشهر رمضان وشوّالًا وذا القعدة،

стр. 3782

ثم خرج منها لثمانٍ مضَين من ذي الحجة يوم الثلاثاء يوم الترْوَية في اليوم الذي خرج فيه مسلم بن عَقِيل. وذكر هارون بن مسلم عن عليّ بن صالح، عن عيسى بن يزيد، أن المختار بن أبي عُبيد وعبد الله بن الحارث بن نوفل كانا خرجا مع مسلم، خرج المختار براية خضراء، وخرج عبد الله براية حمراء، وعليه ثياب حُمْر، وجاء المختار برايته فركزها على باب عمرو بن حُريث، وقال: إنما خرجتُ لأمنع عمرًا، وإن ابن الأشعث والقعقاع بن شَوْر وشَبَث بن رِبعيّ قاتلوا مسلمًا وأصحابَه عشيّة سار مسلم إلى قصر ابن زياد قِتالًا شديدًا، وأن شَبَثًا جعل يقول: انتظروا بهم الليل يتفرقوا؛ فقال له القعقاع: إنك قد سددتَ على الناس وجَه مصيرهم، فافرُج لهم يَنسرِبوا، وإن عُبيد الله أمر أن يطلب المختار وعبد الله بن الحارث، وجعل فيهما جُعْلًا، فأتيَ بهما فحُبِسا. (٣٨١: ٥) (١). * * * ذكر مسير الحسين إلى الكوفة وفي هذه السنة كان خروج الحسين ﵇ من مكّة متوجِّهًا إلى الكوفة. * ذكر الخبر عن مسيره إليها وما كان أمره في مسيره ذلك: قال هشام عن أبي مخنف: حدثني الصقعب بن زهير، عن عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزوميّ، قال: لما قدمتْ كتُب أهل العراق إلى الحسين وتهيّأ للمسير إلى العراق، أتيتُه فدخلتُ عليه وهو بمكة، فحمِدت الله وأثنيتُ عليه، ثم قلت: أما بعد، فإني أتيتك يا بن عم لحاجة أريد ذكرها لك نصيحة، فإن كنتَ ترى أنك تستنصحني وإلا كففتُ عما أريد أن أقول؛ فقال: قل، فوالله ما أظنك بسيّئ الرأي، ولا هو للقبيح من الأمر والفعل؛ قال: قلت له: إنه قد بلغني أنك تريد المسير إلى العراق، وإني مشفقٌ عليك من مسيرك؛ إنك تأتي بلدًا فيه عماله وأمراؤه، ومعهم بيوتُ الأموال، وإنما الناسُ عَبيدٌ لهذا الدرهم والدينار، ولا آمَنُ عليك أن يقاتلك من وعدك نصرَه، ومن أنت أحبّ

стр. 3783

إليه ممن يقاتلك معه؛ فقال الحسين: جزاك الله خيرًا يا بن عمّ؛ فقد واللهِ علمتُ أنك مشيتَ بنُصح، وتكلّمت بعقل، ومهما يُقضَ من أمر؛ يكن، أخذتُ برأيك أو تركتُه، فأنت عندي أحمدُ مُشيرٍ، وأنصَح ناصح. قال: فانصرفتُ من عنده فدخلت على الحارث بن خالد بن العاص بن هشام، فسألني: هل لقيتَ حسينًا؟ فقلت له: نعم؛ قال: فما قال لك، وما قلت له؟ قال: فقلت له: قلت كذا وكذا، وقال كذا وكذا؛ فقال: نصحتَه وربِّ المَرْوَة الشَّهباء، أما وربّ البنيَّة إنّ الرأي لما رأيتَه قَبِلهُ أو تركه، ثم قال: رُبَّ مستنصَحٍ يَغُشُّ ويُرْدِي ... وظَنينٍ بالغَيْبِ يُلْفَى نَصِيحَا (٥: ٣٨٢) (١). قال أبو مخنف: وحدثني الحارث بن كعب الوالبيّ عن عقبة بن سِمْعان: أن حسينًا لما أجمع المسير إلى الكوفة أتاه عبد الله بن عباس فقال: يا بن عمّ، إنك قد أرجف الناسُ أنك سائر إلى العراق، فبيِّن لي ما أنت صانع؟ قال: إني قد أجمعتُ المسير في أحد يومَّيَ هذين إن شاء الله تعالى؛ فقال له ابن عبّاس: فإني أعيذك بالله من ذلك، أخبِرْني رحمك الله! أتسير إلى قوم قد قتلوا أميرَهم، وضبطوا بلادهم، ونَفوْوا عَدُوَّهم؟ فإن كانوا قد فعلوا ذلك فسرْ إليهم، وإن كانوا إنما دَعَوْك إليهم وأميرُهم عليهم قاهر لهم، وعمّاله تَجبِي بلادَهم، فإنهم إنما دعَوك إلى الحرب والقتال، ولا آمَن عليك أن يغرُّوك ويكذبوك، ويخالفوك ويخذلوك، وأن يستنفروا إليك فيكونوا أشدّ الناس عليك؛ فقال له حسين: وإني أستخير الله وأنظر ما يكون. قال: فخرج ابن عباس من عنده، وأتاه ابن الزبير فحدَّثه ساعةً، ثم قال: ما أدري ما تَرْكُنا هؤلاء القوم وكفُّنا عنهم، ونحن أبناء المهاجرين، ووُلاة هذا الأمر دونهم! خبّرْني ما تريد أن تصنع؟ فقال الحسين: واللهِ لقد حدّثتُ نفسي بإتيان الكوفة، ولقد كتب إليَّ شِيعتي بها وأشرافُ أهلِها، وأستخير الله، فقال له ابن الزبير: أما لو كان لي بها مثلُ شيعتك ما عدلتُ بها؛ قال: ثم إنه خَشيَ أن يتّهمه، فقال: أما إنك لو أقمتَ بالحجاز ثم أردتَ هذا الأمر هاهنا ما خُولفَ

стр. 3784

عليك إن شاء الله؛ ثم قام فخرج من عنده، فقال الحسين: ها إنّ هذا ليس شيء يُؤتاه من الدنيا أحبّ إليه من أن أخرج من الحجاز إلى العراق، وقد علم: أنه ليس له من الأمر معي شيء، وأن الناس لم يَعدِلوه بي، فودّ أني خرجت منها لتخلو له. قال: فلما كان من العشيّ أو من الغد، أتى الحسينَ عبدُ الله بن العباس فقال: يا بن عمّ إني أتصبّر ولا أصبر، إني أتخوّف عليك في هذا الوجه الهلاك والاستئصال؛ إن أهلَ العراق قوم غُدُر، فلا تقربنَّهم، أقم بهذا البلد فإنك سيّد أهل الحجاز؛ فإنْ كان أهل العراق يريدونك كما زعموا فاكتب إليهم فلينفُوا عدوهم، ثم أقدم عليهم فإن أبيْتَ إلا أنه تَخرج فسر إلى اليَمن فإن بها حصونًا وشِعابًا، وهي أرضٌ عريضة طويلة، ولأبيك بها شيعة، وأنت عن الناس في عُزْلة، فتكتب إلى الناس وترسل، وتبثّ دُعاتك، فإني أرجو أن يأتيَك عند ذلك الذي تحبُّ في عافية؛ فقال له الحسين: يا بن عمّ، إني والله لأعلم أنك ناصحٌ مشْفِق، ولكنّي قد أزمعتُ وأجمعتُ على المسير؛ فقال له ابن عباس: فإن كنتَ سائرًا فلا تَسِرْ بنسائك وصبْيَتِك، فوالله إني لخائف أن تُقْتلَ كما قُتِل عثمان ونساؤه وولده ينظرون إليه. ثم قال ابن عباس: لقد أقررتَ عينَ ابنِ الزبير بتخلِيَتك إياه والحجازَ والخروج منها، وهو اليوم لا ينظر إليه أحدٌ معك، والله الذي لا إله إلا هو لو أعلم أنك إذا أخذتُ بشعرِك وناصيتِك حتى يجتمعَ عليَّ وعليك الناسُ أطعتَني؛ لفعلتُ ذلك، قال: ثم خرج ابن عباس من عنده، فمرَّ بعبد الله بن الزبير، فقال: قرَّت عينُك يا بن الزبير! ثم قال: يا لكِ من قُبَّرة بمعَمْرِ ... خَلا لَكِ الجوُّ فبيِضي وأصْفِرِي ونَقّرِي ما شِئتِ أَنْ تُنَقِّري هذا حسينُ يخرج إلى العراق، وعليك بالحجاز. (٥: ٣٨٣ - ٣٨٤) (١). قال أبو مخنف: قال أبو جناب يحيى بن أبي حيّة عن عديّ بن حرملة الأسديّ، عن عبد الله بن سُليم والمذريّ بن المشمعلّ الأسَديّين قالا: خرجنا حاجَّيْن من الكوفة حتى قدمنا مكة، فدخلنا يوم التروِيَة، فإذا نحن بالحسين

стр. 3785

وعبد الله بن الزبير قائمين عند ارتفاع الضحى فيما بين الحُجْر والباب، قالا: فتقرّبنا منهما، فسمعنا ابن الزبير، وهو يقول للحسين: إن شئتَ أن تقيم أقمت فولِّيتَ هذا الأمر، فآزرناك وساعدناك، ونصحْنا لك وبايعناك؛ فقال له الحسين: إنّ أبي حدثني: أن بها كبشًا يستحلّ حرمتها، فما أحبّ أن أكون أنا ذلك الكبش؛ فقال له ابن الزبير: فأقم إن شئتَ وتوِلّيني أنا الأمر فتطاع ولا تُعصَى؛ فقال: وما أريد هذا أيضًا؛ قالا: ثم إنّهما أخفيَا كلامهما دوننا، فما زالا يتناجيَان حتى سمعنا دعاء الناس رائحين متوجِّهين إلى منىً عند الظهر؛ قالا: فطاف الحسين بالبيت وبين الصَّفا والمروَة، وقصَّ من شعره، وحلّ من عُمرته، ثم توجّه نحو الكوفة، وتوجّهنا نحوَ الناس إلى منىً. (٥: ٣٨٤ - ٣٨٥) (١). قال أبو مخنف: عن أبي سعيد عَقيصَى، عن بعض أصحابه، قال: سمعتُ الحسينَ بن عليّ وهو بمكة وهو واقف مع عبد الله بن الزُّبير، فقال له ابن الزبير: إليّ يا بن فاطمة، فأصغَى إليه، فسارّه، قال: ثم التفت إلينا الحسين فقال: أتدرون ما يقول ابنُ الزبير؟ فقلنا: لا ندري، جعلَنا الله فداك! فقال: قال: أقمْ في هذا المسجد أجمع لك الناس؛ ثم قال الحسين: والله لأن أقتَلَ خارجًا منها بشبرٍ أحبّ إليّ من أقتلَ داخلًا منها بشبر، وايم الله لو كنت في جُحْر هامّة من هذا الهوامّ لاستخرجوني حتى يقضوا فيّ حاجتهم، ووالله ليعتدُن عليّ كما اعتدت اليهود في السَّبت. (٥: ٣٨٥) (٢). قال أبو مخنف: حدّثني الحارث بن كعب الوالبيّ، عن عُقبة بن سِمعان قال: لما خرج الحسين من مكة اعترضه رُسلُ عمرو بن سعيد بن العاص، عليهم يحيى بن سعيد، فقالوا له: انصرِف؛ أين تذهب! فأبى عليهم ومضى، وتَدافَع الفريقان، فاضطربوا بالسّياط، ثم إن الحسين وأصحابه امتنعوا امتناعًا قويًّا، ومضى الحسين ﵇ على وجهه، فنادَوه: يا حسين! ألا تتقي الله! تَخرُج من الجماعة، وتفرِّق بين هذه الأمة! فتأوَّل حسينٌ قولَ الله عز وجك: ﴿لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾.

стр. 3786

قال: ثم إن الحسين أقبل حتى مرّ بالتَّنعيم، فلقيَ بها عِيرًا قد أقبِل بها من اليَمَن، بَعَث بها بَحِير بن رَيْسِانِ الحِميريّ إلى يزيدَ بن معاوية، -وكان عامله على اليمن- وعلى العِير الوَرْسُ والحُلَل يُنطلَقَ بها إلى يزيد فأخَذَها الحسين، فانطلق بها؛ ثم قال لأصحاب الإبل: لا أكرِهكمِ، مَن أحبَّ أن يمضيَ معنا إلى العراق أوْفينا كِراءه وأحسنا صحبته، ومن أحبّ أن يفارقنا من مكاننا هذا أعطيناه من الكِراء على قدر ما قطع من الأرض؛ قال: فمن فارقه منهم حوسب فأوفي حقّه، ومن مضى منهم معه أعطاه كِراءَه وكَساه. (٥: ٣٨٥ - ٣٨٦) (١). قال أبو مخنف: عن أبي جَناب، عن عدّي بن حَرْملة، عن عبد الله بن سليم والمذري قالا: أقبلنا حتى انتهينا إلى الصِّفاح، فلقينَا الفرزدق بن غالب الشاعر، فواقف حسينًا فقال له: أعطاك الله سُؤلَك وأملك فيما تحبّ، فقال له الحسين: بَيّنْ لنا نبأ الناس خلفك، فقال له الفرزدق: مِن الخبير سألتَ، قلوبُ الناس معك، وسيوفُهم مع بني أميّة، والقضاء ينزل من السماء، والله يفعل ما يشاء. فقال له الحسين: صدقتَ، لله الأمر، والله يفعل ما يشاء، وكلّ يوم ربُّنا في شأن، إن نزل القضاء بما نحبّ فنحمَد الله على نَعمائه، وهو المستعان على أداء الشكر، وإن حال القضاء دون الرّجاء؛ فلم يَعتدِ مَن كان الحقُّ نيّته، والتقوى سريرته. ثم حرّك الحسينُ راحلتَه فقال: السلام عليك؛ ثم افترقا. (٥: ٣٨٦) (٢). قال هشام: عن عوانة بن الحكم، عن لَبَطة بن الفرزدق بن غالب، عن أبيه، قال: حججتُ بأمّي، فأنا أسوق بعيرَها حين دخلت الحَرم في أيام الحجّ، وذلك في سنة ستين، إذ لقيت الحسينَ بن عليّ خارجًا من مكة معه أسيافه وتِراسُه، فقلت: لمن هذا الفطار؟ فقيل: للحُسين بن عليّ، فأتيته فقلت: بأبي وأمي يا بن رسول الله! ما أعجَلك عن الحجّ؟ فقال: لو لم أعجل لأخذتُ؛ قال: ثم سألني: ممّن أنت؟ فقلت له: امْرؤ من العراق؛ قال: فوالله ما فتّشني عن أكثرَ من ذلك، واكتفى بها منِّي، فقال: أخبِرنِي عن الناس خلفك؟ قال: فقلت له: القلوب معك، والسيوف مع بني أميّة، والقضاء بيد الله؛ قال: فقال لي:

стр. 3787

صدقتَ؛ قال: فسألته عن أشياءَ، فأخبرني بها من نذور ومناسك؛ قالَ: وإذا هو ثقيل اللسان من بِرسام أصابَه بالعراق، قال: ثم مضيتُ فإذا بفسطاط مضروب في الحرم، وهيئته حسنَة، فأتيته فإذا هو لعبد الله بن عمرو بن العاص، فسألني، فأخبرتُه بلقاء الحسين بن عليّ، فقال لي: ويلك: فهلّا اتّبعتَه، فوالله ليملكنّ، ولا يجوز السلاح فيه ولا في أصحابه، قال: فهممت والله أن ألحق به، ووقع في قلبي مقالته، ثمّ ذكرت الأنبياءَ وقَتْلَهم، فصدّني ذلك عن اللَّحاق بهم، فقدمتُ على أهلي بعُسْفانَ، قال: فوالله إني لعندهم؛ إذ أقبلت عِيرٌ قد امتارت من الكوفة، فلما سمعتُ بهم خرجتُ في آثارهم حتى إذا أسمعتُهم الصوت وعجِلْتُ عن إتيانهم صرختُ بهم: ألا ما فعل الحسينُ بنُ عليّ؟ قال: فردُّوا، عليّ: ألا قد قُتل؛ قال: فانصرفتُ وأنا ألعنُ عبدَ الله بن عمرو بن العاص؛ قال: وكان أهلُ ذلك الزمان يقولون ذلك الأمر، وينتظرونه في كلّ يوم وليلة، قال: وكان عبدُ الله بن عمرو يقول: لا تبلغ الشجرة ولا النخلة ولا الصّغير حتى يظهر هذا الأمر؛ قال: فقلت له: فما يمنعك أن تبيع الوَهْط؟ قال: فقال لي: لعنةُ الله على فلان -يعني معاوية- وعليك؛ قال: فقلت لا، بل عليك لعنة الله؛ قال: فزادني من اللعن ولم يكن عنده من حشمه أحدٌ فألقى منهم شرًّا؛ قال: فخرجتُ وهو لا يعرفني -والوَهْط حائطٌ لعبد الله بن عمرو بالطائف؛ قال: وكان معاوية قد ساوَمَ به عبدَ الله بن عمرو، وأعطاه به مالًا كثيرًا، فأبى أن يبيعه بشيء- قال: وأقبل الحسين مُغِذًّا لا يَلوِي على شيء حتى نزل ذاتَ عِرْق. (٥: ٣٨٦ - ٣٨٧). قال أبو مخنف: حدّثني الحارث بن كعب الوالبيّ، عن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب قال: لما خرجنا من مكة كتب عبدُ الله بن جعفر بن أبي طالب إلى الحسين بن عليّ مع ابنيه: عَون ومحمد: أما بعد، فإنّي أسألك بالله لَمَّا انصرفت حين تنظر في كتابي، فإنّي مُشفِقٌ عليك من الوجه الذي توجّه له أن يكون فيه هلاكُك واستئصالُ أهلِ بيتك، إن هلكتَ اليومَ طَفئ نورُ الأرض، فإنك عَلَمُ المهتدين: ورجاء المؤمنين؛ فلا تعجَل بالسير فإني في أثر الكتاب؛ والسلام. قال: وقام عبد الله بنُ جعفر إلى عمرو بن سعيد بن العاص فكلّمه. وقال: اكتبْ إلى الحسين كتابًا تَجعَل له فيه الأمان، وتمنّيه فيه البِرّ والصّلة، وتوثق له في كتابك، وتسأله الرجوع لعله يطمئنّ إلى ذلك فيرجع؛ فقال عمرو بن

стр. 3788

سعيد: اكتب ما شئتَ وائتِني به حتى أختمَه، فكتب عبد الله بن جعفر الكتاب، ثمّ أتى به عمرو بن سعيد فقال له: اختِمه، وابعثْ به مع أخيك يحيى بن سعيد، فإنه أحْرَى أن تطمئنّ نفسُه إليه، ويعلم: أنه الجِدّ منك، ففعل، وكان عمرو بن سعيد عاملَ يزيدَ بن معاوية على مكة، قال: فلحقه يحيى، وعبد الله بن جعفر، ثم انصرفا بعد أن أقرأه يحيى الكتاب، فقالا: أقرأناه الكتاب، وجهدْنا به، وكان مما اعتذَر به إلينا أن قال: إني رأيتُ رؤيا فيها رسول الله ﷺ ، وأمِرت فيها بأمر أنا ماضٍ له، عليّ كان أوْ لي؛ فقالا له: فما تلك الرؤيا؟ قال: ما حدّثت أحدًا بها، وما أنا محدّث بها حتى ألقَى ربِّي. قال: وكان كتاب عمرو بن سعيد إلى الحسين بن عليّ: بسم الله الرّحمن الرّحيم، من عمرو بن سعيد إلى الحسين بن عليّ، أما بعد: فإني أسأل الله أن يصرفك عمّا يوبقُك، وأن يهديَك لما يرشدُك؛ بلغني أنك قد توجّهت إلى العراق، وإني أعيذك بالله من الشقاق، فإنّي أخاف عليك فيه سلاك، وقد بعثتُ إليكَ عبدَ الله بن جعفر ويحيى بن سعيد، فأقبِلْ إليّ معهما، فإنّ لك عندي الأمان والصّلة والبرّ وحُسن الجوار لك، الله عليّ بذلك شهيدٌ، وكفيلٌ، ومُراعٍ ووكيلٌ؛ والسلام عليك. قال: وكتب إليه الحسين: أما بعد؛ فإنه لم يشاقِقِ الله ورسوله مَنْ دعا إلى الله وعمل صالحًا وقال إنني من المسلمين؛ وقد دعوتَ إلى الأمان والبرّ والصّلة، فخير الأمان أمانُ الله، ولن يؤمنَ الله يومَ القيامة مَنْ لم يخفْه في الدّنيا، فنسأل الله مخافةً في الدنيا تُوجب لنا أمانه يومَ القيامة، فإن كنتَ نوَيتَ بالكتاب صلتي وبرّي، فجُزيت خيرًا في الدنيا والآخرة؛ والسلام. (٥: ٣٨٧ - ٣٨٩) (١). رجع الحديث إلى حديث عمار الدّهنيّ عن أبي جعفر، فحدّثني زكريا بن يحيى الضرير، قال: حدَّثنا أحمد بن جناب المصّيصيّ قال: حدّثنا خالد بن يزيدَ بن عبد الله القسريّ قال: حدّثنا عمار الدُّهنيّ قال: قلت لأبي جعفر: حدّثني عن مَقتلِ الحسين حتى كأني حضرته؛ قال: فأقبَل حسينُ بن عليّ بكتاب مسلم بن عقيل كان إليه، حتى إذا كان بينه وبين القادسيّة ثلاثة أميال، لقيَه الحُرّ بن يزيدَ

стр. 3789

التميميّ، فقال له: أين تريد؟ قال: أريد هذا المِصْر؛ قال له: ارجع فإني لى أدعْ لك خلفي خيرًا أرجوه، فهمّ أن يرجع، وكان معه إخوةُ مسلم بن عَقِيل، فقالوا: واللهِ لا نرجع حتى نصيب بثأرنا أو نُقتَل؛ فقال: لا خيرَ في الحياة بعدكم! فسار فلقيَتْه أوائلُ خيلِ عُبيد الله، فلما رأى ذلك عدلَ إلى كربلاء فأسند ظهرَه إلى قصباء وخلًّا كيلا يقاتل إلا من وجه واحد، فنزل وضرب أبنيته، وكان أصحابُه خمسةً وأربعين فارسًا ومئة راجل، وكان عُمر بن سعد بن أبي وقاص قد ولّاه عبيد الله بن زياد الرّيّ وعهد إليه عهدَه فقال: اكفني هذا الرجل؛ قال: أعفني، فأبَى أن يُعفيَه؛ قال: فأنظرْني الليلة؛ فأخَّره، فنظر في أمره فلما أصبح غدا عليه راضيًا بما أمر به، فتوجّه إليه عُمر بن سعد، فلما أتاه قال له الحسين: اخترْ واحدةً من ثلاث: إما أن تدعوَني فأنصرِف من حيث جئتُ، وإما أن تدعوَني فأذهب إلى يزيد، وإما أن تدعوَني فألحق بالثغور؛ فقبل ذلك عمر، فكتب إليه عُبيد الله: لا ولا كرامة حتى يضع يده في يدي! فقال له الحسين: لا والله لا يكون ذلك أبدًا، فقاتله فقُتل أصحابُ الحسين كلُّهم، وفيهم بضعة عشَرَ شابًا من أهل بيته، وجاء سهمٌ فأصاب ابنًا له معه في حجره، فجعل يمسح الدم عنه ويقول: اللهمّ احكم بيننا وبين قوم دَعَوْنا لينصرونا فقتلونا؛ ثم أمر بحبرة فشقّقها، ثم لبسها وخرج بسيفه، فقاتل حتى قُتِل صلوات الله عليه؛ قتله رجلٌ من مذْحج وحزّ رأسه. وانطلق به إلى عبيد الله وقال: أَوْقِرْ ركابي فِضَّةً وذَهبَا ... فقد قَتَلْتُ المَلِكَ المُحجَّبا قَتَلتُ خَيْر الناسِ أُمًّا وأبَا ... وخَيْرهُمْ إذ يُنْسبُونَ نَسبا وأوفده إلى يزيدَ بن معاوية ومعه الرأس، فوضع رأسَه بين يديه وعنده أبو برزة الأسلميّ، فجعل ينكُتُ بالقَضيب على فيه ويقول: يُفَلِّقْنَ هامًا مِن رجالٍ أعِزَّة ... علَينا وَهُمْ كانوا أعقَّ وأظْلَمَا فقال له أبو برْزة: ارفع قضيبَك، فو الله لربما رأيتُ فا رسولِ الله ﷺ على فيه يلثمه! وسرّح عمر بن سعد بحرَمه وعياله إلى عبيد الله، ولم يكن بقيَ من أهل بيت الحسين بن علي ﵇ إلا غلام كان مريضًا مع النساء، فأمر به عُبيد الله ليُقتل، فطرحتْ زينْب نفسَها عليه وقالت: والله لا يُقتل حتى تقتلوني! فرقَّ لها، فتركه وكفّ عنه.

стр. 3790

قال: فجهَّزهم وحملهم إلى يزيدَ، فلما قدموا عليه جمع مَنْ كان بحضرته من أهلِ الشام، ثم أدخلوهم، فهنَّؤوه بالفتح، قال رجل منهم أزرق أحمر ونظر إلى وصيفةٍ من بناتهم، فقال: يا أمير المؤمنين! هبْ لي هذه، فقالت زينب: لا والله ولا كرامة لك ولا له إلا أن يخرُج من دين الله، قال: فأعادها الأزرق، فقال له يزيد: كُفَّ عن هذا! ثم أدخلهم على عياله، فجهّزهم وحملهم إلى المدينة، فلما دخلوها خرجت امرأةٌ من بني عبد المطلب ناشرةً شعرها، واضعةً كمَّها على رأسها تلقاهم وهي تبكي وتقول: ماذا تقولون إن قال النَّبيُّ لكم ... ماذا فَعلْتمْ وأنتُمْ آخِرُ الأُمَمِ! بعترتي وبأَهْلي بعْدَ مُفتَقَدِي ... منهم أُسارَى وقتلَى ضَرِّجوا بِدَمِ ما كان هذا جزائي إذ نصحتُ لكم ... أن تُخْلُوني بسوءٍ في ذوي رحِمي! (٥: ٣٨٩ - ٣٩٠) (١).

стр. 3791

قال حصين: فلما قتِل الحسين لبثوا شهرين أو ثلاثةً، كأنما تلطّخ الحوائط بالدماء ساعة تطلُع الشمس حتى ترتفع. (٥: ٣٩٣). قال: وحدّثني العلاء بن أبي عاثة قال: حدّثني رأس الجالوت عن أبيه قال: ما مررت بكربَلاء إلا وأنا أركُض دابتي حتى أخلّف المكان، قال: قلت: لِمَ؟ قال: كنا نتحدّث أنّ ولَد نَبيّ مقتول في ذلك المكان؛ قال: وكنت أخاف أن أكون أنا، فلمّا قتِل الحسين قلنا: هذا الذي كنا نتحدث. قال: وكنت بعد ذلك إذا مررت بذلك المكان أسير، ولا أركض. (٥: ٣٩٣). حدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابن سعد، قال: حدّثني عليّ بن محمّد عن جعفر بن سليمان الضّبَعيّ قال: قال الحسين: والله لا يدَعوني حتى يستخرجوا هذه العَلَقة من جَوْفي، فإذا فعلوا سلّط الله عليهم مَن يذلّهم حتى يكونوا أذلّ من فَرَم الأمَة؛ فقَدِم للعراق فقُتِل بنِينوَى يومَ عاشوراء سنة إحدى وستين. (٣٩٣: ٥ - ٣٩٤). قال الحارث: قال ابن سعد: أخبرنا محمد بن عمر، قال: قُتل الحسينُ بن

стр. 3792

علي ﵇ في صفر سنة إحدى وستين وهو يومئذ ابن خمس وخمسين. حدّثني بذلك أفلح بن سعيد، عن ابن كعب القُرَظيّ، قال الحارث: حدّثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر عن أبي معشر، قال: قُتِل الحسين لعشر خلوْن من المحرّم. قال الواقديّ: هذا أثبت. (٥: ٣٩٤). قال الحارث: قال ابن سعد: أخبَرَنا محمد بن عمر، قال: أخبرَنا عطاء بن مسلم عمّن أخبره، عن عاصم بن أبي النَّجود، عن زِرّ بن حُبَيْش، قال: أول رأس رُفع على خشبة. رأس الحسين ﵁ وصلّى الله على رُوحه. (٥: ٣٩٤). قال أبو مخنف: عن هشام بن الوليد، عمّن شهد ذلك، قال: أقبل الحسين بن عليّ بأهله من مكة ومحمد بن الحنفيّه بالمدينة؛ قال: فبلغه خبرُه، وهو يتوضّأ في طَسْت؛ قال: فبكى حتى سمعتُ وكْفَ دموعه في الطَّست. (٥: ٣٩٤) (١). قال أبو مخنف: حدّثني يونس بن أبي إسحاق السَّبِيعيّ، قال: ولما بلغ عبيدَ الله إقبال الحسين من مكة إلى الكوفة، بعث الحصين بن تميم صاحب شُرَطه حتى نزل القادسيّة ونظمِ الخيلَ ما بين القادسيَة إلى خَفّان، وما بين القادسيّة إلى القُطْقُطانة وإلى لَعْلع، وقال الناس: هذا الحسين يريدُ العراق. (٥: ٣٩٤) (٢). قال أبو مخنف: وحدّثني محمد بن قيس: أنّ الحسين أقبل حتى إذا بلغ الحاجر من بطن الرُّمَّة بعث قيس بن مُسهِر الصّيداويّ إلى أهل الكوفة، وكتب معه إليهم: بسم الله الرّحمن الرّحيم، من الحسين بن علي إلى إخوانه من المؤمنين والمسلمين، سلامٌ عليكم، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فإنّ كتابَ مسلم بن عَقِيل جاءني يخبرني فيه بحسن رأيكم، واجتماع مَلئكم على نصرنا، والطلبِ بحقِّنا، فسألتُ الله أن يُحسن لنا الصنعِ، وأن يثيبَكم على ذلك

стр. 3793

أعظم الأجر، وقد شخصتُ إليكم من مكّة يومَ الثلاثاء لثمان مضين من ذي الحجة يوم الترْويَة، فإذا قدم عليكم رسولي فاكمشوا أمرَكم وجدّوا، فإني قادم عليكم في أيّامي هذه إن شاء الله؛ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وكان مسلم بن عَقيل قد كان كتب إلى الحسين قبل أن يُقتل لسبع وعشرين ليلة: أما بعد، فإنّ الرائد لا يَكذِب أهلَه، إنَّ جَمْع أهل الكوفة معك، فأقبل حين تقرأ كتابي، والسلام عليك. قال: فأقبل الحسين بالصّبيان والنساء معه لا يَلوِي على شيء، وأقبل قيس بن مُسهر الصّيداويّ إلى الكُوفة بكتاب الحسين، حتى إذا انتهى إلى القادسيّة أخذه الحصين بن تميم فبعث به إلى عبيد الله بن زياد، فقال له عبيد الله: اصعَد إلى القصر فَسُبّ الكذّاب بن الكذّاب؛ فصعِد ثم قال: أيها الناس؛ إنّ هذا الحسين بن عليّ خير خَلق الله؛ ابن فاطمة بنتِ رسول الله، وأنا رسولَه إليكم، وقد فارقتُه بالحاجر، فأجيبوه؛ ثمّ لعن عُبيد الله بن زياد وأباه، واستغفر لعليّ بن أبي طالب، قال: فأمر به عُبيد الله بن زياد أن يُرمَى به من فوق القصر، فرُمي به، فتقطّع فمات، ثم أقبل الحسين سيرًا إلى الكوفة، فانتهى إلى ماء من مياه العرب، فإذا عليه عبدُ الله بن مطيع العدَويّ، وهو نازل هاهنا، فلما رأى الحسينَ قام إليه، فقال: بأبي أنت وأمّي يا بن رسول الله! ما أقْدَمَك! واحتَمله فأنزله، فقال له الحسين: كان من موت معاوية ما قد بلغك: فكتب إليّ أهلُ العراق يدعونني إلى أنفسهم، فقال له عبد الله بن مُطيع: أذكِّرك الله يا بن رسول الله وحرمةَ الإسلام أن تُنتهَك! أنشدكَ اللهَ في حُرمة رسولِ الله ﷺ ! أنشدك الله في حُرمة العرب! فوالله لئن طلبت ما في أيدي بني أميّة ليقتُلنَّك، ولئن قتلوك لا يهابون بعدك أحدًا أبدًا، والله إنها لحُرْمة الإسلام تُنتهَك، وحُرْمةُ قريش وحُرْمة العرب، فلا تَفعل، ولا تأتِ الكوفة، ولا تَعَرَّضْ لبني أميَّة؛ قال: فأبَى إلا أن يمضي؛ قال: فأقبل الحسين حتى كان بالماء فوق زَرُود. (٥: ٣٩٤ - ٣٩٦) (١). قال أبو مخنف: فحدّثني السدّي، عن رجل من بني فَزارة قال: لما كان زمن

стр. 3794

الحجّاج بن يوسف كنا في دار الحارث بن أبي ربيعة التي في التّمّارين؛ التي أقطعت بعدُ زهيرَ بن ألقَين، من بني عمرو بن يَشكرَ من بَجيلة، وكان أهل الشام لا يدخلونها، فكنا مُخْتَبِئين فيها، قال: فقلت للفَزاريّ: حدّثْني عنكم حين أقبلتم مع الحسين بن عليّ. قال: كنا مع زهير بن القيْن البَجَليّ حين أقبلنا من مكة نساير الحسينَ، فلم يكن شيء أبغضَ إلينا من أن نسايرَه في منزل، فإذا سار الحسين تخلف زهير بن القَيْن، وإذا نزل الحسينُ تقدّم زهير، حتى نزلنا يومئذ في منزل لم نجد بُدًّا من أن ننازله فيه، فنزل الحسين في جانب، ونزلنا في جانب، فبينا نحن جلوس نتغدّى من طعام لنا، إذ أقبل رسولُ الحسين حتى سلّم، ثم دخل فقال: يا زهير بن القَيْن! إنّ أبا عبد الله الحسين بن عليّ بعثني إليك لتأتيَه؛ قال: فطرح كلّ إنسان ما في يده حتى كأننا على رؤوسنا الطير. (٣٩٦: ٥) (١). قال أبو مخنف: فحدّثتْني دلهم بنت عَمرو امرأة زهير بن القَيْن، قالت: فقلت له: أيَبعث إليك ابن رسول الله ثمّ لا تأتيه! سبحان الله! لو أتيتَه فسمعتَ من كلامه! ثم انصرفت؛ قالت: فأتاه زهير بن القَيْن، فما لبث أن جاء مستبشرًا قد أسفر وجهُه؛ قالت: فأمر بفُسطاطه وثقَله ومتاعه فقُدّم، وحُمل إلى الحسين، ثم قال لامرأته: أنتِ طالقٌ، الحقي بأهلك، فإني لا أحبّ أن يصيبك من سبي إلا خير، لمّ قال لأصحابه: مَنْ أحبّ منكم أن يتبعني وإلا فإنه آخر العهد، إني سأحدّثكم حديثًا، غَزوْنا بلَنْجَر، ففتح الله علينا، وأصبْنا غنائم، فقال لنا سَلْمان الباهليّ: أفرِحْتم بما فتح الله عليكم، وأصبتم من الغنائم! فقلنا: نعم، فقال لنا: إذا أدركتم شبابَ آل محمد فكونوا أشدّ فرحًا بقتالكم معهم منكم بما أصبتم من الغنائم، فأمّا أنا فإنّي أستودعكم الله، قال: ثمّ والله ما زال في أوّل القوم حتى قُتل. قال أبو مخنف: حدّثني أبو جَناب الكلبيّ عن عديّ بن حرملة الأسَديّ، عن عبد الله بن سُليم والمذري بن المشمعلّ الأسديّين قالا: لما قضينا حجنا لم يكن لنا همّة إلا اللَّحاق بالحسين في الطريق لننظر ما يكون من أمره وشأنه، فأقبلنا

стр. 3795

تُرْقل بنا ناقتانا مسرعين حتى لحقناه بزَرودَ، فلما دنوْنا منه إذا نحن برجل من أهل الكوفة قد عدل عن الطريق حين رأى الحسين؛ قالا: فوقف الحسين كأنه يريده، ثم تركه، ومضى ومضينا نحوَه، فقال أحدنا لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا فلنسأله، فإن كان عنده خبر الكوفة علمناه، فمضينا حتى انتهينا إليه، فقلنا: السلام عليك، قال: وعليكم السلام ورحمة الله، ثم قلنا: فمَن الرجل؟ قال: أسديّ، فقلنا: فنحن أسديّان فمَن أنت؟ قال: أنا بكير بن المثعبة، فانتسبنا له، ثم قلنا: أخبرنا عن الناس وراءك، قال: نعم لم أخرج من الكوفة حتى قُتل مسلم بن عَقيل وهانئ بن عروة، فرأيتهما يُجَرّان بأرجلهما في السوق، قالا: فأقبلنا حتى لحقْنَا بالحسين، فسايرناه حتى نزل الثعلبيّة ممسيًا، فجئناه حين نزل، فسلّمنا عليه فردّ علينا، فقال له: يرحمك الله؛ إن عندنا خبرًا فإن شئت حدّثنا علانيةً، وإن شئتَ سرًّا؛ قال: فنظر إلى أصحابه وقال: ما دون هؤلاء سرّ؛ فقلنا له: أرأيت الراكبَ الذي استقبلك عشاءَ أمس؟ قال: نعم، وقد أردتُ مسألته؛ فقلنا: قد استبرأنا لك خبَره، وكفيناك مسألته، وهو امرؤ من أسد منا، ذو رأي وصدق، وفضل وعقل، وإنه حدّثنا أنه لم يخرج من الكوفة حتى قُتل مسلم بن عَقيل وهانئ بن عروة، وحتى رآهما يُجَرّان في السوق بأرجلهما، فقال: إنَّا لله وإنا إليه راجعون! رحمة الله عليهما، فردّد ذلك مرارًا، فقلنا: نَنشدُك الله في نفسك وأهلِ بيتك إلا انصرفتَ من مكانك هذا، فإنه ليس لك بالكوفة ناصرٌ ولا شيعة، بل نتخوّف أن تكون عليك! قال: فوثب عند ذلك بنو عقيل بن أبي طالب. (٥: ٣٩٦ - ٣٩٧). قال أبو مخنف: حدّثني عمر بن خالد عن زيد بن عليّ بن حسين، وعن داود بن عليّ بن عبد الله بن عباس، أنّ بني عقيل قالوا: لا والله لا نبرح حتى ندرك ثأرَنا، أو نذوقَ ما ذاق أخونا. (٥: ٣٩٧) (١). قال أبو مخنف: عن أبي جَناب الكلبيّ، عن عديّ بن حرملة، عن عبد الله بن سُلَيم والمذري بن المشمعلّ الأسديّين، قالا: فنظر إلينا الحسين فقال: لا خير في العيش بعد هؤلاء؛ قالا: فعلمنا أنه قد عزم له رأيه على المسير؛ قالا: فقلنا:

стр. 3796

خارَ الله لك! قالا: فقال: رحمكما الله! قالا: فقال له بعض أصحابه: إنك والله ما أنت مثل مسلم بن عَقيل، ولو. قدمتَ الكوفة لكان الناسُ إليك أسرع؛ قال الأسديّان: ثم انتظر حتى إذا كان السَّحَر قال لفتيانه وغلمانه: أكثروا من الماء فاستَقوا وأكثروا، ثمّ ارتحلوا وساروا حتى انتهَوْا إلى زُبالة. (٥: ٣٩٨) (١). قال أبو مخنف: حدّثني أبو عليّ الأنصاريّ، عن بكر بن مصعب المُزنيّ، قال: كان الحسين لا يمرّ بأهل ماء إلا اتبعوه حتى إذا انتهى إلى زُبَالة سقط إليه مَقْتل أخيه من الرّضاعة، مقتلُ عبد الله بن بُقْطُر، وكان سرّحه إلى مسلم بن عَقيل من الطريق وهو لا يدري أنه قد أصيب، فتلقاه خيلُ الحصين بن تميم بالقادسيّة، فسرّح به إلى عُبيد الله بن زياد، فقال: اصعد فوق القصر فالعَنِ الكذّاب ابنَ الكذّاب، ثم انزِل حتى أرى فيك رأيي! قال: فصعد، فلما أشرَف على الناس قال: أيّها الناس، إني رسول الحسين بن فاطمةَ بنت رسول الله ﷺ لتنصروه وتؤازِروه على ابن مَرْجانة بن سمّية الدعيّ، فأمر به عُبيد الله فألقيَ من فوق القصر إلى الأرض فكُسرت عظامُه وبقي به رَمَق، فأتاه رجل يقال له: عبد الملك بن عُمَير اللَّخْميّ فذبحه، فلمّا عيب ذلك عليه قال: إنما أردت أن أريحَه. (٥: ٣٩٨) (٢). قال هشام: حدّثنا أبو بكر بن عياش عمّن أخبره قال: والله ما هو عبد الملك بن عمير الذي قام إليه فذبحه، ولكنه قام إليه رجل جعْد طُوال يشبه عبَد الملك بن عمير، قال: فأتى ذلك الخبرُ حسينًا وهو بزُبالة، فأخرج للناس كتابًا، فقرأ عليهم: بسم الله الرّحمن الزحيم، أما بعد، فإنه قد أتانا خبر فظيع، قتل مُسلم بن عقيل، وهانئ بن عروة وعبد الله بن بُقْطُر، وقد خذلتْنا شيعتُنا، فمن أحبّ منكم الانصراف فلينصرفْ، ليس عليه منا ذِمام. قال: فتفرّق الناس عنه تفرّقًا، فأخذوا يمينًا وشمالًا حتى بقيَ في أصحابه الذين جاؤوا معه من المدينة، وإنما فعل ذلك لأنه ظنّ أنما اتبعه الأعراب،

стр. 3797

لأنهم ظنّوا أنه يأتي بلدًا قد استقامت له طاعةُ أهله، فكره أن يسيروا معه إلا وهم يعلمون عَلَام يقدمون، وقد علم أنَّهم إذا بَيَّنَ لهم لم يصحبه إلا من يريد مواساته والموتَ معه، قال: فلما كان من السَّحَر أمر فتيانَه فاستقَوْا الماء وأكثَروا، ثم سار حتى مرَّ ببطْنِ العَقَبة، فنزَل بها. (٥: ٣٩٨ - ٣٩٩). قال أبو مخنف: فحدّثني لَوْذان أحدُ بني عكْرمة: أنّ أحدَ عمومته سأل الحسين ﵇ أين تريد؟ فحدَّثه، فقال له: إنّي أنشدُك الله لمّا انصرفت، فوالله لا تقدم إلا على الأسنَّة وحدّ السيوف، فإنّ هؤلاء الذين بعثوا إليك لو كانوا كفوْك مؤنة القتال، ووطَّؤوا لك الأشياء فقدمتَ عليهم كان ذلك رأيًا، فأمّا على هذا الحال التي تذكرها فإنّي لا أرى لك أن تفعل، قال: فقال له: يا عبدَ الله! إنه ليس يخفى عليّ، الرأيُ ما رأيتَ، ولكنّ الله لا يُغلَب على أمره؛ ثم ارتحل منها. (٣٩٩: ٥) (١). ونَزَع يزيدُ بن معاوية في هذه السنة الوليدَ بن عتبة عن مكة، وولّاها عمرو بن سعيد بن العاص، وذلك في شهر رمضانَ منها، فحجّ بالناس عمرو بن سعيد في هذه السنة؛ حدّثني بذلك أحمد بن ثابت، عمّن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر. وكان عامله على مكة والمدينة في هذه السنة بعدما عزل الوليد بن عُتبة عمرو بن سعيد، وعلى الكوفة والبصرة وأعمالها عبيد الله بن زياد، وعلى قضاء الكوفة شُرَيح بن الحارث، وعلى قضاء البصرة هشام بن هُبَيرة. (٥: ٣٩٩). ثم دخلت سنة إحدى وستين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك مقتل الحسين رضوان الله عليه حُدّثت عن هشام، عن أبي مخنف، قال: حدّثني أبو جناب عن عدّي بن حرملة، عن عبد الله بن سليم والمذري بن المشمعلّ الأسديّين قالا: أقبل الحسين ﵇ حتى نزل شَراف، فلما كان في السَّحَر أمر فتيانَه فاستَقَوْا من

стр. 3798

الماء فأكثرَوا، ثم ساروا منها، فرسموا صدرَ يومهم حتى انتصف النهار، ثم إنّ رجلًا قال: الله أكبر! فقال الحسين: الله أكبر ما كبَّرتَ؟ قال: رأيتُ النخل، فقال له الأسديان: إنّ هذا المكان ما رأينا به نخلةً قطّ؛ قالا: فقال لنا الحسين: فما تَرَيانه رأى؟ قلنا: نراه رأى هَوادِيَ الخيل؛ فقال: وأنا والله أرى ذلك؛ فقال الحسين: أما لنا ملجأ نلجأ إليه نجعله في ظهورنا، ونستقبل القومَ من وجه واحد؟ فقلنا له: بلى، هذا ذو حُسُمٍ إلى جنبك، تَميل إليه عن يسارك، فإن سبقتَ القوم إليه فهو كما تريد، قالا: فأخذ إليه ذاتَ اليسار؛ قالا: وملنا معه فما كان بأسرع من أن طلعتْ علينا هوادي الخيل، فتبينّاها، وعدنا، فلما رأونا وقد عدلنا عن الطريق عدلوا إلينا كأنّ أسنَّتهم اليعاسيب، وكأنّ راياتهم أجنحة الطير، قال: فاستبقنا إلى ذي حُسُم، فسبقناهم إليه، فنزل الحسين، فأمر بأبنيته فضُربتْ، وجاء القوم وهم ألف فارس مع الحُرِّ بن يزيد التميميّ اليربوعيّ حتى وقف هو وخيله مقابل الحسين في حَرّ الظَّهيرة، والحسين وأصحابه معتمّون متقلدو أسيافهم، فقال الحسين لفتيانه: اسقوا القوم وارووهم من الماء ورشِّفوا الخيل ترشيفًا، فقام فتيانه فرشّفوا الخيل ترشيفًا، فقام فتية وسقَوا القوم من الماء حتى أرِووهم، وأقبلوا يملؤون القصاع والأتْوار والطِّساس من الماء ثم يُدنونَها من الفرَس، فإذا عبَّ فيه ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا عُزلتْ عنه، وسقَوا آخَرَ حتى سَقَوا الخيل كلَّها. (٥: ٤٠٠ - ٤٠١) (١). قال هشام: حدّثني لَقيط عن عليّ بن الطّعان المحاربيّ: كنت مع الحُرّ بن يزيد، فجئت في آخر مَن جاء من أصحابه، فلما رأى الحسينُ ما بي وبفرسي من العطش قال: أنخ الرّاوية -والراوية عندي السقاء- ثم قال: يا بن أخِي! ، أنخ الجمل، فأنختُه، فقال: اشربْ، فجعلت كلما شربتُ سال الماء من السقاء، فقال الحسين: اخنث السقاء -أي: اعطفه- قال: فجعلتُ لا أدري كيف أفعل! قال: فقام الحسين فخنَثَه، فشربتُ وسَقَيتُ فَرسي، قال: وكان مجيء الحُرّ بن يزيد ومسيره إلى الحسين من القادسيّة، وذلك: أنّ عبيد الله بن زياد لما بلغه إقبالُ الحسين بعث الحصين بن تميم التميميّ -وكان على شُرَطه- فأمَرَه أن ينزل القادسيّة، وأن يضع المسَالحَ فينظم ما بين القُطْقطانة إلى خَفّان، وقدّم الحُرّ بن

стр. 3799

يزيد بين يديه في هذه الألف من القادسيّة، فيستقبل حسينًا. قال: فلَم يزل مواقفًا حسينًا حتى حضرت الصّلاة صلاة الظهر، فأمر الحسين الحجّاج بن مسروق الجعفيّ أن يؤذّن، فأذّن، فلمّا حضرت الإقامة خرج الحسين في إزار ورداء، ونعلين، فحَمِد الله وأثنَى عليه ثمّ قال: أيّها الناس، إنها معذرة إلى الله وإليكم؛ إنِّي لم آتكمْ حتى أتتْني كُتُبكم، وقدمتْ عليّ رُسُلكم: أن اقدمْ علينا، فإنه ليس لنا إمام، لعلّ الله يجمعنا بك على الهدى؛ فإن كنتم على ذلك فقد جئتكم، فإن تُعطوني ما أطمئنُّ إليه من عهودكم ومواثيقكم أقدم مصرَكم، وإن لم تفعلوا وكنتم لمقْدمي كارهين انصرفتُ عنكم إلى المكان الذي أقبلتُ منه إليكم، قال: فسكتوا عنه وقالوا للمؤذّن: أقم، فأقام الصلاة، فقال الحسين ﵇ للحُرّ: أتريدُ أن تصلّي بأصحابك! قال: لا، بل تصلّي أنت ونصلّي بصلاتك؛ قال: فصلّى بهم الحسين، ثم إنه دخل واجتمع إليه أصحابه، وانصرف الحُرّ إلى مكانه الذي كان به، فدخل خَيْمَةً قد ضُربت له، فاجتمع إليه جماعةٌ من أصحابه، وعاد أصحابُه إلى صَفِّهم الذي كانوا فيه، فأعادوه، ثم أخذ كلّ رجل منهم بعنان دابّته وجلس في ظلها، فلما كان وقت العصر أمر الحسين أن يتهيؤوا للرّحيل، ثم إنه خرج فأمر مناديَه فنادى بالعصر، وأقام فاستقدم الحسين فصلى بالقوم ثم سلم، وانصرف إلى القوم بوجهه فحَمِد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، أيها الناس، فإنكم إن تتقوا وتعرفوا الحقّ لأهله؛ يكن أرضى لله، ونحن أهل البيت أولَى بولاية هذا الأمر عليكم من هؤلاء المدَّعين ما ليس لهم، والسائرين فيكم بالجوْر والعدوان، وإن أنتم كرهتمونا، وجهلتم حقنا، وكان رأيكم غيرَ ما أتتْني كتبكم، وقدمتْ به عليَّ رُسُلكم؛ انصرفتُ عنكم، فقال له الحُرّ بن يزيد: إنّا والله ما ندري ما هذه الكُتُب التي تذكر! فقال الحسين: يا عقبة بن سِمْعان! أخرج الخرجَيْن اللَّذَين فيهما كتبهم إليّ، فأخرج خرْجين مملوءين صُحُفًا، فنشرها بين أيديهم؛ فقال الحُرّ: فإنا لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك، وقد أمرنا إذا نحن لقيناك؛ ألّا نفارقَك حتى نُقدمك على عبيد الله بن زياد، فقال له الحسين: الموتُ أدنَى إليك من ذلك، ثم قال لأصحابه: قوموا فاركبوا، فركبوا وانتظروا حتى ركبتْ نساؤهم، فقال لأصحابه: انصرفوا بنا، فلما ذهبوا لينصرفوا حالَ القومَ بينهم وبين الانصراف، فقال الحُسين للحر: ثكلتْك أمُّك! ما تريد! قال: أما والله لو غيرُك من العرب

стр. 3800

يقولها لي وهو على مثل الحال التي أنت عليها ما تركتُ ذكْر أمه بالثُّكل أن أقولَه كائنًا من كان، ولكنْ والله مالي إلى ذكْر أمِّك من سبيل إلّا بأحسن ما يقدَر عليه؛ فقال له الحسين: فما تريد؟ قال الحرّ: أريد والله أن أنطلق بك إلى عُبيد الله بن زياد! قال له الحسين: إذًا والله لا أتْبعك، فقال له الحُرُّ: إذًا والله لا أدَعك؛ فترادّا القولَ ثلاث مرّات، ولما كثر الكلامُ بينهما قال له الحرّ: إنّي لم أومَر بقتالك، وإنما أمِرت ألّا أفارقَك حتى أقدمَك الكُوفة، فإذا أبيتَ فخذ طريقًا لا تُدخلك الكوفة، ولا تردّك إلى المدينة، تكون بيني وبينك نصفًا حتى أكتب إلى ابن زياد، وتكتب أنتَ إلى يزيدَ بن معاوية إن أردتَ أن تكتب إليه، أو إلى عبيد الله بن زياد إن شئتَ، فلعلّ الله إلى ذاك أن يأتيَ بأمر يرزقني فيه العافية من أن ابتلَى بشئ من أمرك؛ قال: فخذ هاهنا فتياسرْ عن طريق العُذَيْب والقادسيّة، وبينه وبين العُذَيب ثمانية وثلاثون ميلًا، ثمّ إنّ الحسين سار في أصحابه والحُرّ يسايره. (٥: ٤٠١ - ٤٠٣). قال أبو مخنف: عن عقبة بن أبي العَيزار: إنّ الحسين خطب أصحابه وأصحاب الحُرّ بالبِيضَة، فحمِد الله وأثنى عليه ثمّ قال: أيها الناس! إنّ رسول الله ﷺ قال: "من رأى سلطانًا جائرًا مستحلًا لُحرَم الله، ناكثًا لعَهْد الله، مخالفًا لسنة رسول الله، يَعملُ في عباد الله بالإثم والعُدوان، فلم يغيّر عليه بفعل ولا قول كان حقًّا على الله أن يُدخله مُدخلَه". ألا وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرّحمن، وأظهروا الفساد، وعطلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلّوا حَرام الله، وحرّموا حلالَه، وأنا أحقّ من غَيّر، قد أتتْني كتبكم، وقدمتْ عليّ رُسُلكم ببيعتكم؛ أنكم لا تُسلموني ولا تَخذُلوني، فإنْ تممتم على بيعتكم تصيبُوا رشدَكم، فأنا الحسين بنُ عليّ، وابن فاطمةَ بنتِ رسول الله ﷺ ، نفسي مع أنفسكم، وأهلي مع أهليكم، فلكم فيَّ أسْوة، وإن لم تفعلوا ونقضْتم عهدكم، وخلعتُم بيعَتي من أعناقكم، فلَعَمْري ما هي لكم بنُكْر، لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمي مسلم، والمغرور من اغترّ بكم، فحظَّكم أخطأتم، ونصيبَكم ضيعتم، ومَن نكث فإنما يَنكُث على نفسه، وسيُغني الله عنكم، والسلام عليكم ورحمةُ الله وبركاته. وقال عقبة بن أبي العَيزار: قام حسين ﵇ بذي حُسُم، فحَمِد الله

стр. 3801

وأثنَى عليه ثمّ قال: إنه قد نزل من الأمر ما قد تروْن، وإنّ الدنيا قد تغيّرت وتنكرت، وأدبر معروفُها واستمرّت جدًّا، فلم يَبَقَ منها إلا صُبابة كصُبابة الإناء، وخسيسُ عيشٍ كالمَرعَى الوَبيل، ألا ترون أنّ الحق لا يُعْمَل به، وأنّ الباطل لا يتُناهى عنه! ليرغب المؤمن في لقاء الله مُحقًّا، فإني لا أرى الموت إلا شهادة، ولا الحياة مع الظالمين إلا بَرَمًا. قال: فقام زهير بن القَيْن البَجَليّ، فقال لأصحابه: تكلَّمون أم أتكلم؟ قالوا: لا؛ بل تكلم، فَحمِد الله فأثنَى عليه ثم قال: قد سمعْنا -هَداك الله- يا بنَ رسول الله مقالتَك، والله لو كانت الدنيا لنا باقية، وكنا فيها مخلَّدين إلا أنّ فراقها في نصرك ومواساتك؛ لآثرْنا الخروجَ معك على الإقامة فيها. قال: فدعا له الحسين ثم قال له خيرًا، وأقبل الحُرّ يسايره وهو يقول له: يا حسين! إني أذكّرك اللهَ في نفسك، فإنِّي أشهد لئن قاتلتَ لتُقتلن، ولئن قوتلتَ لتهلكنّ فيما أرى، فقال له الحسين: أفبالموت تخوّفني! وهل يعدو بكم الخَطْب أن تقتلوني! ما أدري ما أقول لك! ولكن أقول كما قال أخو الأوْس لابن عمه، ولقيَه وهو يريد نُصرةَ رسولِ الله ﷺ ، فقال له: أين تذهب؟ فإنك مقتول؟ فقال: سأَمضِي وما بالموتِ عارٌ على الفتَى ... إذا ما نَوَى حقًّا وجاهدَ مسلمَا وآسى الرجالَ الصالِحينَ بنفسِه ... وفارق مثبورًا يَغُشُّ ويُرْغما قال: فلما سمع ذلك منه الحُرّ تنحّى عنه، وكان يسير بأصحابه في ناحية وحسين في ناحية أخرى، حتى انتهوا إلى عُذيب الهِجانات، وكان بها هَجائن النعمان تَرعَى هنالك، فإذا هم بأربعة نفر قد أقبلوا من الكوفة على رواحلهم، يجنبُون فرسًّا لَنافع بن هلال يقال له: الكامل، ومعهم دليلُهم الطِّرِمّاح بن عديّ على فرسه، وهو يقول: يا ناقتِي لا تُذعَرِي من زَجْرِي ... وشمّري قبلَ طلوعِ الفَجْرِ بخير رُكْبانٍ وخير سَفْرِ ... حتَّى تَحِلِّي بكرِيم النَّجْرِ الماجدِ الحرِّ رَحيبِ الصدرِ ... أَتَى به اللهُ لخيرِ أَمْرِ ثُمّتَ أبقاه بقاءَ الدَّهر قال: فلما انتهوا إلى الحسين أنشَدوه هذه الأبيات، فقال: أما والله إني لأرجو

стр. 3802

أن يكون خيرًا ما أراد الله بنا، قُتلنا أم ظَفرنا؛ قال: وأقبل إليهم الحرّ بن يزيدَ فقال: إن هؤلاء النفرَ الذين من أهل الكوفة ليسوا ممن أقبل معك، وأنا حابسهم أو رادّهم، فقال له الحسين: لأمنعنّهم مما أمنع منه نفسي، إنما هؤلاء أنصاري وأعواني، وقد كنتَ أعطيتَني ألّا تَعرض لي بشيء حتى يأتيَك كتاب من ابن زياد، فقال: أجلْ، لكن لم يأتوا معك، قال: هم أصحابي، وهم بمنزلة من جاء معي، فإن تممتَ على ما كان بيني وبينك وإلا ناجزتُك؛ قال: فكفَّ عنهم الحرّ؛ قال: ثمّ قال لهم الحسين: أخبِروني خبرَ الناس وراءكم، فقال له مجمِّع بن عبد الله العائذيّ، وهو أحد النَّفَر الأربعة الذين جاؤوه: أما أشراف الناس فقد أعظِمتْ رِشوَتُهم، ومُلئت غَرائرُهم، يُستمال ودّهم، ويستخلص به نصيحتهم، فهم ألْبٌ واحدٌ عليك، وأما سائر الناس بعد، فإنّ أفئدتهم تَهوي إليك، وسيوفَهم غدًا مشهورة عليك؛ قال: أخبروني، فهل لكم برسولي إليكم؟ قالوا: من هو؟ قال: قيس بن مُسْهر الصيْداويّ؛ فقالوا: نعم، أخذه الحصين بن تميم فبعث به إلى ابن زياد، فأمره ابنُ زياد أن يلعنك ويلعن أباك، فصلى عليك وعلى أبيك، ولعَنَ ابنَ زياد وأباه، ودعا إلى نُصْرتك، وأخبرهم بقدومك، فأمر به ابن زياد فأُلقيَ من طَمارِ القصر. فترقرقتْ عينا حُسين ﵇ ولم يملك دمعهَ، ثم قال: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ اللهم اجعلْ لنا ولهم الجنة نُزلا، واجمع بيننا وبينهم في مستقرّ من رحمتك، ورغائب مذخور ثوابك! (٥: ٤٠٣ - ٤٠٥) (١). قال أبو مخنف: حدّثني جميل بن مَرْثد من بني مَعْن، عن الطرمّاح بن عديّ: أنه دنا من الحسين فقال له: والله إني لأنظر فما أرى معك أحدًا، ولو لم يقاتلْك إلا هؤلاء الذين أراهم ملازِميك لكان كفى بهم؛ وقد رأيتُ قبل خروجي من الكوفة إليك بيوم ظهرَ الكوفة وفيه من الناس ما لم تَر عيناي في صعيد واحد جَمْعًا أكثر منه، فسألت عنهم، قيل: اجتَمعوا ليُعرَضوا، ثم يسرَّحون إلى الحسين، فأنشِدُك الله إن قدرتَ على ألّا تقدم عليهم شبرًا إلّا فعلت! فإن أردتَ أن تنزل بلدًا يمنعك الله به حتى ترى من رأيك. ويستبين لك ما أنت صانع، فسرْ حتى أنزلك مَناع جبلنا الذي يُدعَى أجَأ، امتنعْنا والله به من ملوك غسّانَ وحميَر ومن

стр. 3803

النعمان بن المنذر، ومن الأسود والأحمر. والله إن دخل علينا ذلّ قطُّ؛ فأسير معك حتى أنزلك القُرَيَّة، ثم نبعث إلى الرجال ممن بأجَأ وسَلمَى من طيىّء، فوالله لا يأتي عليك عشرة أيام حتى تأتيَك طيىَء رجالًا ورُكبانًا، ثم أقم فينا ما بدا لك، فإن هاجك هَيْج فأنا زعيم لك بعشرين ألف طائيّ يَضربون بين يديك بأسيافهم، والله لا يُوصَل إليك أبدًا ومنهم عين تَطرف؛ فقال له: جزاك الله وقومَك خيرًا! إنه قد كان بيننا وبين هؤلاء القوم قول لسنا نقدر معه على الانصراف، ولا ندري علامَ تَنصرف بنا وبهم الأمورُ في عاقبِه! (٥: ٤٠٦) (١). قال أبو مخنف: فحدّثني جميل بن مَرْثَد، قال: حدّثني الطِّرِماح بن عَديّ، قال: فودّعتُه وقلتُ له: دفع الله عنك شرّ الجن والإنس، إنّي قد امترتُ لأهلي من الكوفة ميرةً، ومعي نفقة لهم، فآتيهم فأضع ذلك فيهم، ثم أُقبل إليك إن شاء الله، فإن ألحقك فوالله لأكوننَّ من أنصارك؛ قال: فإن كنتَ فاعلًا فعجِّلْ رحمك الله؛ قال: فعلمتُ أنه مستوحشٌ إلى الرجال حتى يسألني التعجيل، قال: فلما بلغتُ أهلي وضعتُ عندهم ما يصلحهم، وأوصيت، فأخذ أهلي يقولون: إنك لتصنع مَرّتَك هذه شيئًا ما كنتَ تصنعه قبل اليوم، فأخبرتُهم بما أريد. وأقبلتُ في طريق بني ثُعَل حتى إذا دنوتُ من عُذَيب الهجانات، استقبلَني سَماعة بن بدر، فنعاه إليّ، فرجعت، قال: ومضى الحسين ﵇ حتى انتهى إلى قصر بني مقاتل، فنزل به، فإذا هو بفُسطاط مضروب. (٥: ٤٠٦ - ٤٠٧) (٢). قال أبو مخنف: حدّثني المجالد بن سعيد عن عامر الشَّعبي: أنّ الحسين بن عليّ ﵁ قال: لمَن هذا الفساط؟ فقيل: لعبيد الله بن الحُرّ الجعفيّ؛ قال: ادعوه لي، وبَعَثَ إليه، فلما أتاه الرسول، قال: هذا الحسين بن عليّ يدعوك؛ فقال عبيد الله بن الحُرّ: إنَا لله وإنا إليه راجعون! والله ما خرجتُ من الكوفة إلا كراهة أن يدخلها الحسين وأنا بها، والله ما أريد أن أراه ولا يراني، فأتاه الرسولُ فأخبَرَه، فأخذ الحسين نعليْه فانتعل، ثم قام فجاءه حتى دخل عليه، فسَلّم وجلس، ثمّ دعاه إلى الخروِج معه، فأعاد إليه ابن الحُرّ تلك المقالة، فقال: فإلا تنصرْنا فاتّق الله أن تكون ممّن يقاتلنا، فوالله لا يسمع واعيَتنا

стр. 3804

أحد ثم لا ينصرنا إلا هلك؛ قال: أمّا هذا فلا يكون أبدًا إن شاء الله، ثم قام الحسين ﵇ من عنده حتى دخل رَحلَه. (٥: ٤٠٧) (١). قال أبو مخنف: حدّثني عبد الرحمن بن جُنْدُب عن عقبة بن سِمْعان قال: لما كان في آخر الليل أمر الحسين بالاستقاء من الماء، ثم أمَرَنا بالرحيل، ففعلْنا؛ قال: فلما ارتحلنا من قصر بني مقاتل وسرْنا ساعةً خفق الحسين برأسه خَفْقة، ثم انتبه وهو يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، والحمد لله ربّ العالمين؛ قال: ففعل ذلك مرّتين أو ثلاثًا، قال: فأقبل إليه ابنُه عليّ بن الحسين على فرس له فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، والحمد لله ربّ الِعالمين، يا أبتِ جُعلْت فداك! مِمَّ حمِدتَ الله واسترجعتَ؟ قال: يا بنيّ، إني خفقتُ برأسي خَفْقةً فعنّ لي فارس على فرس فقال: القوم يسيرون والمنايا تَسرِي إليهم، فعلمتُ أنها أنفسُنا نُعيَتْ إلينا، قال له: يا أبتِ! لا أراك الله سوءًا، ألسْنا على الحقّ! قال: بلى والذي إليه مرجع العباد؛ قال: يا أبت، إذًا لا نبالي، نموت محقِّين، فقال له: جزاك الله من وَلدٍ خيرَ ما جزَى وَلَدًا عن والده؛ قال: فلما أصبح نزل فصلى الغداة، ثمّ عجّل الركوب، فأخذ يتياسر بأصحابه يريد أن يفرّقهم، فيأتيه الحُرّ بن يزيدَ فيردّهم فيردّه، فجعل إذا ردّهم إلى الكوفة ردًّا شديدًا امتنعوا عليه فارتفعوا، فلم يزالوا يتسايرون حتى انتَهوا إلى نِينَوَى؛ المكان الذي نزل به الحسين؛ قال: فإذا راكبٌ على نجيب له وعليه السلاح متنكّب قوسًا مُقبلٌ من الكوفة، فوقفوا جميعًا ينتظرونه، فلما انتهَى إليهم سلّم على الحُرّ بن يزيد وأصحابه، ولم يسلّم على الحسين ﵇ وأصحابه، فدفع إلى الحُرّ كتابًا من عبيد الله بن زياد فإذا فيه: أما بعد، فجَعْجِعْ بالحسين حين يبلغُك كتابي، ويَقدُم عليك رسولي، فلا تُنزله إلا بالعَراء في غير حصن وعلى غير ماء، وقد أمرتُ رسولي أن يلَزمك ولا يفارقك حتى يأتيَني بإنفاذك أمري؛ والسلام. قال: فلما قرأ الكتاب قال لهم الحرُّ: هذا كتاب الأمير عُبيد الله بنِ زياد يأمرني فيه أن أجعجع بكم في المكان الذي يأتيني فيه كتابُه، وهذا رسوله، وقد أمره ألا يفارقني حتى أنفِذ رأيَه، وأمْرَه، فنظر إلى رسول عُبيد الله يزيدُ بن زياد بن

стр. 3805

المهاصِر أبو الشعثاء الكِنْديّ ثم البهدليّ فعنّ له، فقال: أمالك بن النُّسير البَدّيّ؟ قال: نعم -وكان أحد كِنْدة- فقال له يزيد بن زياد: ثكلتْك أمك! ماذا جئتَ فيه؟ قال: وما جئتُ فيه! أطعتُ إمامي، ووفيتُ ببَيْعتي، فقال له أبو الشعثاء: عصيتَ ربَّك، وأطعتَ إمامك في هلاك نفسك، كسبت العار والنار، قال الله : ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾، فهو إمامك. قال: وأخذ الحرُّ بنِ يزيدَ القوم بالنزول في ذلك المكان على غير ماء ولا في قرية، فقالوا: دَعْنا ننزِلْ في هذه القرية، يعنون: نِينَوَى -أو هذه القرية- يعنون: الغاضريّة -أو هذه الأخرى- يعنون: شُفيّة. فقال: لا والله ما أستطيع ذلك، هذا رجل قد بعث إليّ عينًا، فقال له زهير بن القيْن: يا بن رسول الله، إن قتال هؤلاء أهوَن من قتال من يأتينا من بعدِهم، فلعَمري ليأتينا من بَعدُ من ترى ما لا قبَل لنا به؛ فقال له الحسين: ما كنتُ لأبدأهم بالقتال؛ فقال له زهير بن القين: سرْ بنا إلى هذه القرية حتى تَنزلها فإنها حصينة، وهي على شاطئ الفرات، فإنْ منعونا قاتلْناهم، فقتالُهم أهوَنُ علينا من قتال من يجيء من بعدهم؛ فقال له الحسين: وأية فرية هي؟ قال: هي العَقْر، فقال الحسين: اللهم إني أعوذ بك من العَقْر، ثم نزل، وذلك يوم الخميس، وهو اليوم الثاني من المحرّم سنة إحدى وستين فلما كان من الغد قدم عليهم عمرُ بن سعد بن أبي وقّاص من الكوفة في أربعة آلاف. قال: وكان سبب خروج ابن سعد إلى الحسين ﵇ أن عبيد الله بن زياد بعثه على أربعة آلاف من أهل الكُوفة يسير بهم إلى دَسْتَبَى، وكانت الديلَم قد خرجوا إليها وغلبوا عليها، فكتب إليه ابنُ زياد عهدَه على الرَّيّ، وأمَرَه بالخروج. فخرج معسكِرًا بالناس بحمّام أعيَن، فلمّا كان من أمر الحسين ما كان وأقبل إلى الكوفة دعا ابنُ زياد عمرَ بن سعد، فقال: سرْ إلى الحسين، فإذا فرغنا مما بيننا وبينه سرتَ إلى عملك، فقال له عمر بن سعد: إنْ رأيتَ -رحمك الله- أن تُعفِيَني فافعل، فقال له عبيد الله: نعم، على أن تردّ لنا عهدَنا؛ قال: فلما قال له ذلك قال عمر بن سعد: أمهلْني اليومَ حتى أنظرَ؛ قال: فانصرف عمر يستشير نُصَحاءه، فلم يكن يستشير أحدًا إلا نهاه، قال: وجاء حمزة بن المغيرة بن شعبة -وهو ابن أخته- فقال: أنشُدكَ الله يا خال أن تسير إلى الحسين فتأثم بربِّك،

стр. 3806

وتقطعَ رحِمَك! فوالله لأن تخرج من دنياك ومالك وسلطان الأرض كلِّها لو كان ذلك، خيرٌ لك من أن تَلقَى اللهَ بدم الحسين! فقال له عمر بن سعد: فإني أفعل إن شاء الله. (٥: ٤٠٧ - ٤٠٩) (١). قال هشام: حدّثني عوانة بن الحَكَم عن عمّار بن عبد الله بن يسار الجُهَنيّ، عن أبيه، قال: دخلتُ على عمرَ بن سعد، وقد أُمِر بالمسير إلى الحسين، فقال لي: إن الأمير أمرني بالمسير إلى الحسين، فأبيتُ ذلك عليه، فقلتُ له: أصاب الله بك، أرشَدَك الله، أحِلْ فلا تفعل ولا تَسِرْ إليه. قال: فخرجتُ من عنده، فأتاني آتٍ وقال: هذا عمُر بن سعد يَندب الناسَ إلى الحسين؛ قال: فأتيتُه فإذا هو جالس، فلما رآني أعرَض بوجهِه فعرفتُ أنه قد عزم على المسير إليه، فخرجتُ من عنده؛ قال: فأقبل عمر بن سعد إلى ابن زياد فقال: أصلحك الله! إنك ولَّيتَني هذا العمل، وكتبت لي العهد، وسَمع به الناسُ، فإن رأيتَ أن تنفذ لي ذلك فافعلْ وابعثْ إلى الحسين في هذا الجيش من أشراف الكوفة من لستُ بأغنى ولا أجزأ عنك في الحرب منه؛ فسمّى له أناسًا، فقال له ابن زياد: لا تُعلِمني بأشراف أهل الكُوفة، ولست أستأمرك فيمن أريد أن أبعث، إن سرتَ بجندنا، وإلا فابعث إلينا بعهدنا، فلما رآه قد لجّ قال: فإني سائر، قال: فأقبل في أربعة آلاف حتى نزل بالحسين من الغد من يوم نزل الحسين نِينوَى. قال: فبعث عُمر بن سعد إلى الحسين ﵇ عَزْرة بن قيس الأحمَسيّ، فقال: ائته فسَلْه ما الّذي جاء به؟ وماذا يريد؟ وكان عَزْرة ممن كتب إلى الحسين فاستحيا منه أن يأتيَه، قال: فعرض ذلك على الرؤساء الذين كاتبوه، فكلُّهم أبى وكرهه، قال: وقام إليه كثير بن عبد الله الشعبيّ -وكان فارسًا شجاعًا ليسَ يُردّ وجهَه شيءٌ- فقال: أنا أذهب إليه، والله لئن شئتَ لأفتكنّ به، فقال له عمر بن سعد: ما أريد أن يُفتك به، ولكن ائته فسَلْه ما الذى جاء به؟ قال: فأقبل إليه، فلما رآه أبو ثمامة الصائديّ قال للحسين: أصلحك الله أبا عبد الله! قد جاءك شرُّ أهل الأرض وأجرؤه على دم وأفتَكه، فقام إليه، فقال: ضَعْ سيفَك؛ قال: لا والله ولا كرامة، إنما أنا رسول، فإن سمعتم مني أبلغتُكم ما أرسِلتُ به

стр. 3807

إليكم، وإن أبيَتم انصرفتُ عنكم؛ فقال له: فإني آخذٌ بقائِم سيفك، ثم تكلمُ بحاجتك، قال: لا والله، لا تمسّه فقال له: أخبرني ما جئتَ به وأنا أبلِغه عنك، ولا أدعُك تدنو منه، فإنك فاجر؛ قال: فاستبّا، ثم انصرف إلى عمر بن سعد فأخبره الخبر، قال: فدعا عمر قرّة بن قيس الحنظليّ فقال له: وَيحْك يا قرّة! القَ حسينًا فسَله ما جاء به؟ وماذا يريد؟ قال: فأتاه قرّة بن قيس، فلما رآه الحسين مقبلًا قَال: أتعرفون هذا؟ فقال حبيب بن مُظاهر: نعم، هذا رجل من حنظلة تميميّ، وهو ابن أختنا، ولقد كنتُ أعرفه بحسن الرأي، وما كنتُ أراه يشهد هذا المشهد، قال: فجاءَ حتى سلَّم على الحسين، وأبلغه رسالةَ عمر بن سعد إليه له، فقال الحسين: كتب إليّ أهلُ مصركم هذا أنْ اقدَم، فأما إذ كَرهوني فأنا أنصرف عنهم؛ قال: ثم قال له حبيب بن مظاهر: وَيْحك يا قرة بن قيس! أنَّى ترجع إلى القوم الظالمين! انصرْ هذا الرجل الذي بآبائه أيّدك الله بالكرامة وإيَّانا معك؛ فقال له قرّة: أرجع إلى صاحبي بجواب رسالته، وأرَى رأيي؛ قال: فانصرف إلى عمر بن سعد فأخبره الخبر، فقال له عمر بن سعد: إني لأرجو أن يعافيَني الله من حربه وقتاله. (٥: ٤٠٩ - ٤١١). قال هشام: عن أبي مخنف، قال: حدّثني النضر بن صالح بن حبيب بن زهير العبسيّ، عن حسان بن فائد بن بكير العبسيّ، قال: أشهد: أن كتاب عمر بن سعد جاء إلى عبيد الله بن زياد وأنا عنده فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد، فإني حيث نزلتُ بالحسين بعثتُ إليه رسولي، فسألته عما أقدَمَه، وماذا يطلب ويسأل، فقال: كتب إليَّ أهلُ هذه البلاد وأتتْني رسُلهم، فسألوني القدومَ ففعلت؛ فأما إذ كرهوني فبدَا لهم غير ما أتتْني به رُسُلهم، فأنا منصرفٌ عنهم، فلما قُرئ الكتاب على ابن زياد قال: الآن إذا عَلِقَتْ مَخالِبُنا به ... يرجو النجاةَ ولاتَ حِينَ مناصِ! قال: وكتب إلى عمَر بن سعد: بسم الله الرّحمن الرّحيم، أما بعد، فقد بلغني كتابُك، وفهمتُ ما ذكرتَ، فاعرِض على الحسين أن يبايع ليزيدَ بن معاوية هو وجميع أصحابه، فإذا فعل ذلك رأينا رأينا، والسلام.

стр. 3808

قال: فلما أتى عمرَ بن سعد الكتابُ، قال: قد حسبتُ ألّا يقبل ابن زياد العافية. (٥: ٤١١ - ٤١٢) (١). قال أبو مخنف: حدّثني سليمان بن أبي راشد عن حميد بن مسلم الأزديّ، قال: جاء من عُبيد الله بن زياد كتاب إلى عمرَ بن سعد: أما بعد، فُحلْ بين الحسين وأصحابه وبين الماء، ولا يذوقوا منه قطرة، كما صُنع بالتقيّ الزّكيّ المظلوم أميرِ المؤمنين عثمان بن عفان، قال: فبعث عمر بن سعد عمرو بن الحجَّاج على خمسمئة فارس، فنزلوا على الشريعة، وحالوا بين حسين وأصحابه، وبين الماء أن يُسقَوا منه قطرة، وذلك قبل قتل الحسين بثلاث. قال: ونازَلَه عبد الله بن أبي حُصين الأزديّ -وعِداده في بَجيلة- فقال: يا حسين! ألا تنظر إلى الماء كأنه كَبد السماء! والله لا تذوق منه قطرة حتى تموت عَطشًا؛ فقال حسين: اللهمّ اقتُله عَطَشًا، ولا تَغفِرْ له أبدًا. قال حميد بن مسلم: والله لعُدتُه بعد ذلك في مرضه، فوالله الذي لا إله إلّا هو لقد رأيتُه يَشرَب حتى يبغر، ثم يقيء، ثم يعود فيَشَرب حتى يبغر فما يَروَى، فما زال ذلك دأبه حتى لَفَظ عصبه، يعني نفسه- قال: ولما اشتدَّ على الحسين وأصحابه العطش دعا العباس بن علي بن أبي طالب أخاه، فبعثه في ثلاثين فارسًا وعشرين راجلًا، وبعث معهم بعشرين قِربةً، فجاؤوا حتى دنَوا من الماء ليلًا واستقدم أمامهم باللواء نافع بن هلال الجمليّ، فقال عمرو بن الحجاج الزبيديّ: من الرجل؟ فجيء فقال: فاشربْ هنيئًا، قال: لا والله، لا أشرب منه قطرةً وحسينٌ عطشان ومن ترى من أصحابه، فطَلَعوا عليه، فقال: لا سبيلَ إلى سقي هؤلاء، إنما وُضِعنا بهذا المكان لنمنعهم الماء، فلما دنا منه أصحابه قال لرجاله: املؤوا قِرَبكم، فشدّ الرّجالة فملؤوا قِرَبهم، وثار إليهم عمرو بن الحجاج وأصحابه، فحمل عليهم العباس بن عليّ، ونافع بن هلال فكفّوهم، ثم انصرفوا إلى رحالهم، فقالوا: امضوا، ووقَفوا دونهم، فعطف عليهم عمرو بن الحجّاج وأصحابه واطَّردوا قليلًا، ثم إن رجلًا من صُداء طُعِن من أصحاب عمرو بن الحجاج طعنه نافع بن هلال، فظنّ: أنها ليست بشيء، ثم إنها انتقضت بعد ذلك، فمات

стр. 3809

منها، وجاءَ أصحابُ حسين بالقِرَب فأدخلوها عليه. (٥: ٤١٢ - ٤١٣) (١). قال أبو مخنف: حدّثني أبو جَنَاب، عن هانئ بن ثُبَيْت الحضرميّ -وكان قد شهد قتلَ الحسين، قال: بعث الحسينُ ﵇ إلى عمَر بن سعد عمرو بن قرظةَ بن كعب الأنصاريّ: أن القَني الليلَ بين عسكري وعسكرك. قال: فخرج عمر بن سعد في نحو من عشرين فارسًا، وأقبل حسين في مثلِ ذلك، فلما التقوْا أمر حسين أصحابهَ أن يتنحَّوا عنه، وأمر عمر بن سعد أصحابَه بمِثل ذلك؛ قال: فانكشفنا عنهما بحيث لا نسمَع أصواتَهما ولا كلامَهما؛ فتكلّما فأطالا حتى ذهب من الليل هَزِيعٌ، ثم انصرف كلُّ واحد منهما إلى عسكره بأصحابه، وتحدّث الناس فيما بينهم؛ ظنًّا يظنّونه أنّ حسينًا قال لعمر بن سعد: اخرُج معي إلى يزيدَ بن معاوية وندع العسكرَيْن؛ قال عمر: إذنْ تُهدَم داري؛ قال: أنا أبنيها لك، قال: إذنْ تؤخذ ضِياعي؛ قال: إذن أعطيك خيرًا منها من مالي بالحِجاز، قال: فتكرّه ذلك عمر؛ قال: فتحدَّث الناس بذلك، وشاع فيهم من غير أن يكونوا سمعوا من ذلك شيئًا ولا علموه. (٥: ٤١٣) (٢). قال أبو مخنف: وأمّا ما حدّثنا به المجالد بن سعيد والصَّقْعَب بن زهير الأزديّ وغيرهما من المحدّثين، فهو ما عليه جماعة المحدّثين، قالوا: إنه قال: اختاروا منّي خصالًا ثلاثًا: إمّا أن أرجع إلى المكان الذي أقبلتُ منه، وإمّا أن أضع يدي في يد يزيد بن معاوية فيرَى فيما بيني وبينه رأيَه، وإما أن تسيّروني إلى أيّ ثغر من ثغور المسلمين شئتم، فأكون رجلًا من أهلِه، لي ما لَهم وعليَّ ما عليهم. (٤١٣: ٥) (٣). قال أبو مخنف: فأما عبد الرحمن بن جندَب فحدّثني عن عقبة بن سمْعان قال: صحبتُ حسينًا فخرجتُ معه من المدينة إلى مكة، ومن مكّة إلى العراق، ولم أفارقْه حتى قتل وليس من مخاطبته الناس كلمة بالمدينة ولا بمكة ولا في الطريق، ولا بالعراق ولا في عسكر إلى يومِ مقتله إلا وقد سمعتُها ألا والله ما أعطاهم ما يتذاكر الناس، وما يزعمون من أن يضع يده في يد يزيد بن معاوية،

стр. 3810

ولا أن يسيّروه إلى ثغر من ثغور المسلمين، ولكنه قال: دعوني فلأذْهَبْ في هذه الأرض العريضة حتى ننظرَ ما يصير أمرُ الناس. (٥: ٤١٣ - ٤١٤) (١). قال أبو مخنف: حدّثني المجالد بن سعيد الهمْدانيّ والصّقعب بن زهير: أنهما كانا التقَيَا مرارًا ثلاثًا أو أربعًا؛ حسين وعمر بن سعد، قال: فكتب عمر بن سعد إلى عُبيد الله بن زياد: أما بعد، فإن الله قد أطفأ النائرة، وجمع الكلمة، وأصلَح أمر الأمة، هذا حسين قد أعطاني أن يرجع إلى المكان الذي منه أتَى، أو أن نسيّره إلى أيّ ثغر من ثغور المسلمين شئنا، فيكون رجلًا من المسلمين له ما لَهم، وعليه ما عليهم، أو أن يأتيَ يزيد أمير المؤمنين فيضع يده في يده، فيرى فيما بينه وبينه رأيه، وفي هذا لكم رضًا، وللأمة صلاحٌ، قال: فلما قرأ عبيد الله الكتاب قال: هذا كتاب رجل ناصح لأميرِه، مشفِق على قومِه، نعمْ قد قبلتُ. قال: فقام إليه شمر بن ذي الجوشن. فقال: أتقبل هذا منه وقد نزل بأرضك إلى جنبك! والله لئن رحل من بلدك، ولم يضع يده في يدك، ليكوننّ أولى بالقوّة والعزة ولتكوننّ أولى بالضعف والعجز، فلا تُعطِه هذه المنزلَة فإنها من الوَهَن، ولكن لينزل على حكمك هو وأصحابه، فإن عاقبتَ فأنت وليّ العقوبة، وإن غفرتَ كان ذلك لك، واللهِ لقد بلغني: أنَّ حسينًا وعمر بن سعد يجلسان يبن العسكرين فيتحدّثان عامّة الليل، فقال له ابن زياد: نعم ما رأيتَ! الرأيُ رأيُك. (٥: ٤١٤) (٢). قال أبو مخنف: فحدّثني سليمان بن أبي راشد عن حميد بن مسلم، قال: ثمّ إنّ عبيد الله بن زياد دعا شَمِر بنَ ذي الجَوْشن فقال له: اخرجْ بهذ الكتاب إلى عُمَر بن سعد فلْيعرض على الحسين وأصحابه النزول على حُكمِي، فإن فعلوا فليبعث بهم إليّ مسلمًا، وإن هم أبَوا فليقاتلْهم فإن فعل فاسمع له وأطع، وإن هو أبى فقاتِلهم، فأنت أمير الناس. وثِبْ عليه فاضرب عنقه، وابعث إليَّ برأسه (٣). (٥: ٤١٤). قال أبو مخنف: حدّثني أبو جَناب الكلبيّ، قال: ثم كتب عبيد الله بن زياد

стр. 3811

إلى عمر بن سعد: أما بعد: فإني لم أبعثك إلى حسين لتكفّ عنه ولا لتطاوِلَه، ولا لتمنِّيَه السلامة والبقاء، ولا لتقعدَ له عندي شافعًا ... انظر، فإن نزل حسين وأصحابه على الحكم واستسلموا، فابعث بهم إليّ سلمًا، وإن أبوْا فازحف إليهم حتى تقتُلَهم وتمثِّل بهم، فإنهم لذلك مستحقون، فإن قتِل حسين فأوْطئ الخيلَ صدرَه وظهرَه، فإنه عاقّ مشاقّ، قاطع ظلوم، وليس دهري في هذا أن يُصَرّ بعد الموت شيئًا، ولكن عليَّ قول لو قد قلتُه فعلت هذا به، إن أنتَ مضيتَ لأمرِنا فيه جَزَيناك جزاء السامع المطيع، وإن أبيتَ فاعتزِلْ عمَلَنا وجندَنا، وخلّ بين شمِر بن ذي الجوْشن وبين العسكر، فإنا قد أمرناه بأمرنا، والسلام (١). (٥: ٤١٥). قال أبو مخنف: عن الحارث بن حَصيرة، عن عبد الله بن شريك العامريّ قال: لمّا قبض شمر بن ذي الجوشَن الكتاب قام هو وعبد الله بن أبي المحلّ وكانت عمته أمّ البنين ابنة حزام عنِد عليّ بن أبي طالب ﵇، فولدتْ له العبّاسَ وعبَد الله وجعفرًا وعثمانَ -فقال عبد الله بن أبي المحلّ بن حزام بن خالد بن ربيعة بن الوحيد بن كعب بن عامر بن كلاب: أصلح الله الأمير! إن بني أختنا مع الحسين، فإن رأيتَ أن تكتب لهم أمانًا فعلت؛ قال: نعم ونعمةَ عَيْن. فأمر كاتبه، فكتب لهم أمانًا، فبعث به عبد الله بن أبي المحلّ مع مولىً له يقال له: كُزمان، فلما قدم عليهم دعاهم، فقال: هذا أمانٌ بعثَ به خالكم، فقال له الفتية: اقرئ خالَنا السلام، وقل له: أن لا حاجةَ لنا في أمانكم، أمانُ الله خير من أمان ابن سمية. قال: فأقبل شمِر بن ذي الجَوْشن بكتاب عبَيد الله بن زياد إلى عمر بن سعد، فلما قدم به عليه فقرأه عليه قال له عمر: ما لَك ويْلَك! لا قرّب الله دارَك، وقبّح الله ما قدمت به عليّ! والله إني لأظنُّك أنت ثَنَيتَه أن يَقبَل ما كتبتُ به إليه، أفسدت علينا أمرًا كنا رجونا أن يصلح، لا يستسلم والله حسين، إنّ نفسًا أبيَّةً لبَيْن جنبَيْه، فقال له شَمِر: أخبِرْني ما أنت صانع؟ أتمضي لأمر أميرك وتقتل عدوّه، وإلا فخلّ بيني وبين الجند والعسكر؛ قال: لا ولا كرامةَ لك، وأنا أتولّى ذلك؛ قال: فدونك، وكن أنت على الرّجال؛ قال: فنهض إليه عشيّة الخميس لتسعٍ مضَين من المحرّم؛ قال: وجاء شمِر حتى وقف على أصحاب الحسين،

стр. 3812

فقال: أين بنو أختنا؟ فخرج إليه العباس وجعفر وعثمان بنو عليّ، فقالوا له: ما لَك وما تريد؟ قال: أنتم يا بني أختي آمنون؛ قال له الفتية: لعنك الله ولعن أمانك! لئن كنت خالنا أتؤمِّننا وابن رسول الله لا أمانَ له! قال: ثمّ إنّ عمر بن سعد نادى: يا خيلَ الله اركبي وأبشري، فركِب في الناس، ثم زحف نحوَهم بعد صلاة العصر، وحسين جالس أمامَ بيته محتبيًا بسيفه، إذ خفق برأسه على ركبَتَيْه، وسمعتْ أخته زينت الصيحة فدنتْ من أخيها، فقالت: يا أخي، أما تسمع الأصوات قد اقتربت! قال: فرفع الحسينُ رأسه فقال: إنّي رأيت رسول الله ﷺ في المنام فقال لي: إنك تروح إلينا؛ قال: فلطمتْ أختُه وجهَها وقالت: يا ويلنا! فقال: ليس لكِ الويل يا أخيّة، اسكّني رحمكِ الرّحمن! وقال العباس بن عليّ: يا أخي أتاك القومُ؛ قال: فنهض ثم قال: يا عباس اركَب بنَفْسي أنت يا أخي حتى تلقاهم فتقول لهم: ما لكم؟ وما بدَا لكم؟ وتسألهم عما جاء بهم؟ فأتاهم العباس؛ فأستقبلهم في نحو من عشرين فارسًا فيهم زهير بن القين وحبيب بن مظاهر، فقال لهم العباس: ما بدا لكم؟ وما تريدون؟ قالوا: جاء أمر الأمير بأن نَعرِض عليكم أن تنزلوا على حُكمه أو ننازِلكم؛ قال: فلا تعجلوا حتى أرجع إلى أبي عبد الله فأعرِض عليه ما ذكرتم؛ قال: فوقفوا ثم قالوا: القَه فأعلِمه ذلك، ثمّ القنَا بما يقول؛ قال: فانصرف العبّاس راجعًا يركض إلى الحسينَ يُخبره بالخبر، ووقف أصحابُه يخاطبون القومَ، فقال حبيب بن مظاهر لزهير بن القين: كلِّم القومَ إن شئتَ، وإن شئتَ كلمتُهم، فقال له زهير: أنت بدأت بهذا، فكن أنت تكلّمهم، فقال له حبيب بن مظاهر: أما والله لبئسَ القومُ عند الله غدًا قومٌ يقدَمون عليه قد قتلوا ذرّية نبيّه ﵇ وعترتَه وأهلَ بيته ﷺ وعبّاد أهل هذا المصر المجتهدين بالأسحار، والذاكرِين اللهَ كثيرًا؛ فقال له عَزْرة بن قيس: إنك لتُزكّي نفسك ما استطعتَ، فقال له زهير: يا عَزْرة، إنّ الله قد زكّاها وهداها، فاتَق الله يا عزرة، فإني لك من الناصحين، أنشُدُك اللهَ يا عَزْرة أن تكون ممن يعين الضلال على قتل النفوس الزكيّة! قال: يا زهير، ما كنت عندنا من شيعة أهل هذا البيت، إنما كنتَ عثمانيًّا، قال: أفَلستَ تستدلّ بموقفي هذا أنّي منهم! أما والله ما كتبتُ إليه كتابًا قطّ، ولا أرسلتُ إليه رسولًا قطّ، ولا وعدتُه نُصرتي قطّ، ولكن الطريق جمع بيني وبينه، فلما رأيته ذكرتُ به رسولَ الله ﷺ ومكانَه منه، وعرفت ما يقدم عليه من عدوّه وحزبكم، فرأيت أن أنصرَه، وأن أكون في

стр. 3813

حزبه، وأن أجعل نفسي دونَ نفسه، حِفظًا لما ضيّعتم من حقّ الله وحقّ رسوله ﵇، قال: وأقبل العبّاس بن عليّ يركض حتى انتهى إليهم، فقال: يا هؤلاء، إنّ أبا عبد الله يسألكم أن تَنصرِفوا هذه العشيّة حتى ينظر في هذا الأمر، فإنّ هذا أمرٌ لم يُجْرِ بينكم وبينه فيه مَنطقٌ، فإذا أصبحنا التقينا إن شاء الله، فإمّا رضيناه فأتينا بالأمر الذي تسألونه وتسومونه، أو كرهْنا فرددْناه، وإنما أراد بذلك أن يردّهم عنه تلك العشيّة حتى يأمر بأمره، ويوصي أهله، فلما أتاهم العباس بن عليّ بذلك قال عمر بن سعد: ما ترى يا شمِر؟ قال: ما ترى أنت، أنت الأمير والرأي رأيك؛ قال: قد أردت ألّا أكون؛ ثم أقبل على الناس فقال: ماذا ترون؟ فقال عمرو بن الحجّاج بن سلمة الزُّبيديّ: سبحان الله! والله لو كانوا من الدّيلم ثم سألوك هذه المنزلةَ لكان ينبغي لك أن تجيبهم إليها؛ وقال قيس بن الأشعث: أجِبْهم إلى ما سألوك، فلَعَمري ليصبحُنّك بالقتال غُدْوة؛ فقال: والله لو أعلم أن يفعلوا ما أخرجتُهم العشيّة؛ قال: وكان العباس بن عليّ حين أتى حسينًا بما عرض عليه عمر بن سعد قال: ارجع إليهم، فإن استطعتَ أن تؤخّرَهم إلى غُدْوة وتدفعَهم عند العشيّة لعلنا نصلّي لربنا الليلة وندعوه ونستغفره، فهو يَعلم أني قد كنتُ أحبّ الصلاة له وتلاوةَ كتابه وكثرةَ الدعاء والاستغفار! (١) (٥: ٤١٥ - ٤١٧). قال أبو مخنف: حدثني الحارث بن حَصيرة، عن عبد الله بن شريك العامريّ، عن عليّ بن الحسين قال: أتانا رسولٌ من قِبَل عمر بن سعد فقام مثل حيث يُسمَع الصوت، فقال: إنا قد أجّلناكم إلى غد، فإن استسلمتم سرّحنا بكم إلى أميرنا عُبيد الله بن زياد، وإن أبَيتم فلسنا تارِكِيكُمْ (٢). (٥/ ٤١٧ - ٤١٨). قال أبو مخنف: وحدّثني عبد الله بن عاصم الفائشيّ، عن الضحاك بن عبد الله المشرقي -بَطْن من هَمْدان-: أنّ الحسين بن عليّ ﵇ جمع أصحابه (٣). (٥: ٤١٨). قال أبو مِخْنف: وحدّثني أيضًا الحارث بن حَصيرة عن عبد الله بن شريك

стр. 3814

العامريّ، عن عليّ بن الحسين، قالا: جمع الحسين أصحابَه بعد ما رجع عمر بن سعد، وذلك عند قرب المساء، قال عليّ بن الحسين: فدنوتُ منه لأسمع وأنا مريض، فسمعتُ أبي وهو يقول لأصحابه: أُثني على الله ﵎ أحسنَ الثناء، وأحمده على السرّاء والضرّاء، اللهم إنِّي أحمدك على أن أكرمتنا بالنبوّة، وعلّمتنا القرآن، وفقّهتنا في الدين، وجعلت لنا أسماعًا وأبصارًا وأفئدة، ولم تجعلنا من المشركين؛ أما بعد، فإني لا أعلم أصحابًا أولَى ولا خيرًا من أصحابي، ولا أهل بيت أبرّ ولا أوصلَ لمن أهل بيتي، فجزاكم الله عني جميعًا خيرًا؛ ألا وإني أظنّ يومنا من هؤلاء الأعداء غدًا، ألا وإني قد رأيت لكم فانطلقوا جميعًا في حلّ، ليس عليكم منِّي ذِمام، هذا ليلٌ قد غشيكم، فاتّخِذوه جَمَلا (١). (٥: ٤١٨). قال أبو مخنف: حدّثنا عبد الله بن عاصم الفائشيّ -بطن من هَمْدان- عن الضّحاك بن عبد الله المشرقيّ، قال: قدمت ومالك بن النضر الأرحبيّ على الحسين، فسلّمنا عليه، ثم جلسنا إليه، فردّ علينا، ورحَّب بنا، وسألنا عما جئنا له، فقلنا: جئنا لنسلّم عليك، وندعوَ الله لك بالعافية، ونحدِثَ بك عهدًا، ونخبرك خبر الناس، وإنا نحدّثك أنهم قد جمعوا على حربك فرَ رأيك. فقال الحسين ﵇: حسبي الله ونعم الوكيل! قال: فتذممنا وسلمنا عليه، ودعَوْنَا اللهَ له، قال: فما يمنعكما من نُصرتي؟ فقال مالك بن النّضر: عليّ دَين، ولي عيال، فقلتُ له: إنّ عليّ دَينًا، وإنّ لي لعيالًا، ولكن إن جعلتني في حِلٍّ من الانصراف إذا لم أجد مقاتلًا قاتلت عنك ما كان لك نافعًا، وعنك دافعًا! قال: قال: فأنت في حلٍّ؛ فأقمتُ معه، فلما كان الليل قال: هذا الليل قد غشيكم، فاتَّخِذُوه جَمَلا، ثم ليأخذ كلّ رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي، تفرّقوا في سوادكم ومدائنكم حتى يفرّج الله، فإنّ القوم إنما يطلبوني، ولو قد أصابوني لهَوْا عن طَلِب غيري؛ فقال له إخوته وأبناؤه وبنو أخيه وابنا عبد الله بن جعفر: لِمَ نفعل؟ لنبقى بعدك! لا أرانا الله ذلك أبدًا؛ بدأهم بهذا القول العباس بن عليّ، ثم إنهم تكلّموا بهذا ونحوه، فقال الحسين ﵇: يا بني عقيل، حسبكم من القتل بمسلم، اذهبوا قد أذنتُ لكم؛ قالوا: فما يقول

стр. 3815

الناس! يقولون إنا تركنا شيخنا وسيدنا وبني عمومتنا خير الأعمام، ولم نرْم معهم بسهم، ولم نطعن معهم برُمح، ولم نضربْ سهم بسيف، ولا ندري ما صنعوا! لا والله لا نفعل ولكن تفدِيك أنفسنا وأموالُنا وأهلُونا، ونقاتل معك حتى نَرِدَ مَورِدكَ، فقبح الله العيش بعدَك (١)! (٥: ٤١٨ - ٤١٩). قال أبو مخنف: حدّثني عبد الله بن عاصم، عن الضّحاك بن عبد الله المِشرقيّ، قال: فقام إليه مسلم بن عَوْسجة الأسديّ فقال: أنحنُ نخلّي عنك ولمّا نُعذِر إلى الله في أداء حقك! أما والله حتى أكسرَ في صدورهم رُمْحي، وأضربَهم بسيفي ما ثبت قائمهُ في يدي، ولا أفارقك؛ ولو لم يكن معي سلاح أقاتلُهم به لقذفتُهم بالحجارة دونَك حتى أموت معك. قال: وقال سعيد بن عبد الله الحنفيّ: والله لا نخلّيك حتى يعلم الله أنا حفظنا غيبةَ رسول الله ﷺ فيك، والله لو علمتُ أني أقتل ثم أحيا ثمّ أُحرَق حيًّا ثم أذرّ؛ يُفعلُ ذلك بي سبعين مرّة ما فارقتُك حتى ألقَى حِمامي دونَك، فكيف لا أفعل ذلك! وإنما هي قَتْلة واحدة، ثم هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبدًا. قال: وقال زهير بن القَيْن: والله لوددتُ أنّي قُتِلت، ثم نشِرت، ثم قتِلت حتى أقتل كذا ألف قتلة، وأن الله يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن أنفس هؤلاء الفتية من أهل بيتك، قال: وتكلم جماعة أصحابه بكلام يشبه بعضُه بعضًا في وجه واحد، فقالوا: والله لا نفارِقُك، ولكنْ أنفسنا لك الفداء نَقِيك بنحورنا وجباهنا وأيدينا، فإذا نحن قُتلنا كنّا وَفيْنا، وقَضينا ما علينا (٢). (٥: ٤١٩ - ٤٢٠) قال أبو مخنف: حدّثني الحارث بن كعب وأبو الضحاك، عن عليّ بن الحسين بن عليّ قال: إني جالس في تلك العشيّة التي قُتِل أبي صبيحتَها، وعمتي زينب عندي تمرّضني؛ إذ اعتزلِ أبي بأصحابه في خِباء له، وعنده حُوَيّ مولَى أبي ذَرّ الغِفاريّ، وهو يعالج سيفه ويصلِحُه وأبي يقول: يا دهرُ أُفٍّ لك من خليلِ ... كم لك بالإِشراقِ والأَصيل مِن صاحبٍ أو طالبٍ قَتيل ... والدَّهر لا يقنعُ بالبَدِيل

стр. 3816

وإنما الأَمرُ إلى الجليلِ ... وكلُّ حيٍّ لسَالكُ السّبيل قال: فأعادها مرّتين أو ثلاثًا حتى فهمتُها، فعرفتُ ما أراد، فخنقتْني عَبرتي، فرددتُ دمعي ولزمت السكون، فعلمتُ أنّ البلاء قد نزل؛ فأما عمتي فإنها سمعتْ ما سمعتُ، وهي امرأة، وفي النساء الرِّقَّة والجَزَع، فلم تملكْ نفسها أن وثبتْ تجرّ ثوبَها، وإنها لَحاسرة حتى انتهت إليه؛ فقالت: واثكْلاه! ليت الموتَ أعدَمَني الحياةَ! اليوم ماتت فاطمة أمي وعليّ أبي وحسن أخي، يا خليفة الماضي، وثِمال الباقي، قال: فنظر إليها الحسين ﵇ فقال: يا أُخَيّة! لا يُذهبنَّ حِلمك الشيطان؛ قالت: بأبي أنت وأمي يا أبا عبد الله! استقتلَت نفسي فِداك؛ فردّ غُصّته، وترقرقتْ عيناه، وقال: لو ترِك القَطَا لَيْلًا لنام؛ قالت: يا ويلَتي! أفتغصب نفسك اغتصابًا، فذلك أقْرَح لقلبي، وأشدُّ على نفسي! ولطمتْ وجهَها، وأهوَتْ إلى جَيْبها وشَقَّته، وخرَّت مغشيًّا عليها، فقام إليها الحسين فصبّ على وجهها الماء، وقال لها: يا أُخيّة! اتَّقي الله وتعزَّي بعزاء الله .. واعلمي: أنّ أهلَ الأرض يموتون، وأن أهل السماء لا يَبقْون، وأنّ كلّ شيء هالكٌ إلا وجه الله الذي خلق الأرض بقدرته، ويبعث الخلق فيعودون، وهو فرد وحدَه، أبي خيرٌ مني، وأمي خيرٌ مني، وأخي خيرٌ مني، ولي ولهم ولكل مسلم برسول الله أسوة؛ قال: فعزّاها بهذا ونحوه، وقال لها: يا أخيّة! إني أقسم عليك فأبرِّي قَسمي، لا تشقِّي عليّ جيبًا، ولاتَخمِشي عليّ وجهًا، ولا تَدْعي عليّ بالوَيْل والثبُور إذا أنا هلكتُ؛ قال: ثم جاء بها حتى أجلسها عندي، وخرج إلى أصحابه فأمرهم أن يقرّبوا بعضَ بيوتهم من بعض، وأن يُدخلوا الأطناب بعضها في بعض، وأن يكونوا هم بين البيوت إلا الوجه الذي يأتيهم منه عدوِّهم (١). (٥: ٤٢٠ - ٤٢١). قال أبو مخنف: عن عبد الله بن عاصم، عن الضحاك بن عبد الله المِشْرَقيّ، قال: فلما أمسى حسين وأصحابه قاموا الليلَ كلَّه يصلّون ويستغفرون، ويَدْعون ويتضرّعون، قال: فتمرّ بنا خيلٌ لهم تحرسنا، وإنّ حسينًا ليقرأ: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٧٨) مَا

стр. 3817

كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾. فسمِعَها رجل من تلك الخيل التي كانت تحرسنا فقال: نحن وربّ الكعبة الطيِّبون، مُيِّزنا منكم. قال: فعرفتُه فقلتُ لبُرَير بن حُضَير: تدري مَن هذا؟ قال: لا؛ قلت هذا أبو حَرْب السَّبِيعيّ عبد الله بن شهر -وكان مِضْحاكًا بَطّالًا، وكان شريفًا شُجاعًا فاتكًا، وكان سعيد بن قيس ربما حبسه في جناية- فقال له بُريَر بن حُضَير: يا فاسق! أنتَ يجعلك الله في الطيِّبين! فقال له: من أنت؟ قال: أنا بُرَير بن حُضَير، قال: إنا لله! عزّ عليَّ! هلكتَ والله، هلكت والله يا برَير! قال: يا أبا حرب! هل لَك أن تتوب إلى الله من ذنوبك العظام! فوالله إنا لنحن الطيِّبون، ولكنكم لأنتم الخَبيثون؛ قال: وأنا على ذلك من الشاهدينَ، قلتُ: ويحك! أفلا ينفعك معرفتُك! قال: جُعلت فداك! فمن ينادم يزيدَ بن عذرة العَنَزيّ من عَنَز بن وائل! قال: هاهو ذا معي؛ قال: قبح الله رأيَك على كلّ حال! أنت سفيه. قال: ثم انصرف عنّا، وكان الذي يحرُسنا بالليل في الخيل عَزْرة بن قيس الأحْمسيّ، وكان على الخيل؛ قال: فلما صلّى عمر بن سعد الغداةَ يوم السبت -وقد بلغَنا أيضًا أنه كان يوم الجمعة، وكان ذلك اليوم يوم عاشوراء- خرج فيمن معه من الناس. قال: وعبّأ الحسين أصحابه، وصلّى بهم صلاةَ الغَداة، وكان معه اثنان وثلاثون فارسًا وأربعون راجلًا، فجعل زهير بنَ القين في ميمنة أصحابه، وحبيبَ بن مُظاهر في ميسرة أصحابه، وأعطَى رايتَه العباس بن عليّ أخاه، وجعلوا البيوت في ظهورهم، وأمر بحطب وقصب كان من وراء البيُوت يُحرق بالنار مخافة أن يأتوهم من ورائهم، قال: وكان الحسين ﵇ أتى بقصب وحطب إلى مكان من ورائهم منخفِض كأنه ساقية، فحفروه في ساعة من الليل، فجعلوه كالخندق، ثمّ ألقَوْا فيه ذلك الحَطب والقصب، وقالوا: إذا عَدَوْا علينا فقاتَلُونا ألقَيْنا فيه النار كيلا نُؤتَى من ورائنا، وقاتلنا القوم من وجه واحد، ففعلوا، وكان لهم نافعًا (١). (٥: ٤٢١ - ٤٢٢). قال أبو مخنف: حدّثني فُضيل بن خَديج الكنديُّ عن محمد بن بشر، عن عمرو الحضرميّ، قال: لما خرج عمر بن سعد بالناس كان على رُبْع أهل المدينة

стр. 3818

يومئذ عبدُ الله بن زهير بن سُليم الأزديّ، وعلى رُبْع مُذْحِج وأسَد عبد الرحمن بن أبي سَبْرة الجعفيّ وعلى رُبْع ربيعة وكِنْدة قيس بن الأشعث بن قيس، وعلى ربع تميم وهمْدان الحرّ بن يزيد الرّياحيّ؛ فشهد هؤلاء كلُّهم مقتلَ الحسين إلا الحُرّ بن يزيد فإنه عدل إلى الحسين، وقُتل معه، وجعل عمرُ على ميمنته عمرو بن الحجّاج الزُّبيديّ، وعلى ميسرته شَمر بن ذي الجوْشن بن شُرَحبيل بن الأعور بن عمر بن معاوية -وهو الضِّباب بن كلاب- وعلى الخيل عزْرة بن قيس الأحمسيّ، وعلى الرّجال شَبَث بن ربْعيّ الرياحيّ، وأعطى الراية ذُوَيدًا مولاه (١). (٥: ٤٢٢). قال أبو مخنف: حدّثني عمرو بن مرَّة الجمَليّ عن أبي صالح الحنفيّ، عن غلام لعبد الرّحمن بن عبد ربّه الأنصاريّ، قال: كنت مع مولاي، فلما حضر الناس وأقبلوا إلى الحسين؛ أمر الحسينُ بفُساط فضُرب، ثم أمر بمسك، فميثَ في جَفْنة عظيمة أو صَحْفة؛ قال: ثم دخل الحسين ذلك الفُسْطاطَ فتطلَّى بالنُّورة، قال: ومولاي عبدُ الرحمن بنُ عبد رّبه وبُرَير بن حُضَير الهمْدانيّ على باب الفُسْطاط تحتكّ مناكبهما، فازدحما أيهما يَطّلى على أثره، فجعل بريَر يهازل عبدَ الرحمن، فقال له عبد الرحمن: دعنا، فوالله ما هذه بساعة باطل، فقال له بُرَير: والله لقد علم قومي أني ما أحببتُ الباطل شابًّا ولا كَهْلًا، ولكنْ والله إنّي لمستبشرٌ بما نحن لاقون، والله إنْ بيننا وبين الحُور العين إلا أن يميل هؤلاء علينا بأسيافهم، ولَوددتُ أنهم قد مالوا علينا بأسيافهم، قال: فلما فرغ الحسين دخلنا فاطّلينا، قال: ثمّ إن الحسين ركب دابّته ودعا بمصحف فوضعه أمامَه؛ قال: فاقتتل أصحابُه بين يديه قتالًا شديدًا، فلما رأيتُ القوم قد صُرِعوا أفلَتّ وتركتُهم (٢) (٤٢٢: ٥ - ٤٢٣). قال أبو مخنف: عن بعض أصحابه، عن أبي خالد الكاهليّ، قال: لما صبّحت الخيل الحسينَ رفع الحسين يديه، فقال: اللهمّ أنت ثقتِي في كلّ كرب، ورجائي في كلّ شدّة، وأنت لي في كلّ أمر نزَل بي ثقة وعُدّة، كم من همّ يَضعُف فيه الفؤاد، وتقلّ فيه الحيلة، ويخذل فيه الصديق، ويشمَت فيه العدوّ أنزلتَه

стр. 3819

بك، وشكوته إليك، رغبةً مني إليك عمّن سواك، ففرَّجته، وكشفتَه، فأنت وليّ كلّ نعمة، وصاحب كلّ حسنة، ومُنتَهى كلّ رغبة (١). (٥: ٤٢٣). قال أبو مخنف: فحدّثني عبد الله بن عاصم، قال: حدّثني الضحّاك المِشرقيّ قال: لما أقبلوا نحونا فنظروا إلى النار تضطرم في الحطب والقصب الذي كنا ألهبنا فيه النار من ورائنا لئلا يأتونا من خَلفنا؛ إذْ أقبل إلينا منهم رجل يَركُض على فرس كامل الأداة، فلم يكلّمنا حتى مرّ على أبياتنا، فنظر إلى أبياتنا فإذا هو لا يرى إلّا حطبًا تلتهب النار فيه، فرجع راجعًا، فنادى بأعلى صوته: يا حسين، استعجلتَ النارَ في الدنيا قبل يوم القيامة! فقال الحسين: مَن هذا؟ كأنه شَمِر بن ذي الجَوْشن! فقالوا: نعم، أصلحك الله! هو هو، فقال: يا بن راعية المِعْزَى، أنت أَوْلى بها صلِيًّا؛ فقال له مسلم بن عَوْسَجَة: يا بن رسول الله، جُعِلتُ فِداك! ألا أرميه بسهم! فإنه قد أمكنني، وليس يَسقُط [منّي] سهم، فالفاسق من أعظم الجَبّارين، فقال له الحسين: لا ترمِه، فإني أكره أن أبدأهم، وكان مع الحسين فرس له يُدْعى لاحقًا حمل عليه ابنَه عليّ بن الحسين؛ قال: فلما دنا منه القوم عاد براحلتِه فركبها، ثم نادى بأعلى صوته دُعاءً يُسمع جُلَّ الناس: أيها الناس! اسمَعوا قولي، ولا تُعجلوني حتى أعِظَكم بما لحقٍّ لكم عليّ، وحتى أعتذرَ إليكم من مقدَمي عليكم، فإن قبلتم عذري، وصدَّقتم قولي، وأعطيتموني النَّصف، كنتم بذلك أسعد، ولم يكن لكم عليّ سبيل، وإن لم تقبلوا منّي العذر، ولم تُعطُوا النَّصَف من أنفسكم ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ﴾؛ ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾. قال: فلما سمع أخواته كلامه هذا صِحْن وبكيْن، وبكى بناته فارتفعت أصواتُهنّ، فأرسل إليهن أخاه العباس بن عليّ وعليًّا ابنه، وقال لهما: أسْكِتاهنَّ، فلَعمري ليكثرن بكاؤهنّ؛ قال: فلما ذهبا ليُسكتاهنّ قال: لا يَبْعد ابن عباس؛ قال: فظننا أنه إنما قالها حين سمع بكاؤهنّ، لأنه قد كان نهاه أن يخرج بهنّ، فلما سكتن حَمِد الله وأثنى عليه، وذَكَر الله بما هو أهلُه، وصلى على محمد ﷺ وعلى ملائكته وأنبيائه، فذكر لمن ذلك ما الله أعلم وما لا يُحصى ذكرُه، قال: فوالله ما سمعتُ متكلِّمًا قطّ قبْلَه ولا بعدَه أبلغَ في

стр. 3820

منطق منه؛ ثم قال: أمّا بعد، فانسبوني فانظروا مَن أنا، ثم ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها، فانظروا؛ هل يحلّ لكم قتلي وانتهاكُ حرمتي؟ ألستُ ابن بنت نبيِّكم ﷺ وابنَ وصيِّه وابن عمّه، وأوَّل المؤمنين بالله والمصدّق لرسوله بما جاء به من عند ربّه! أوَليس حمزة سيد الشهداء عمّ أبي! أوَليس جعفر الشهيد الطيّار ذو الجناحين عمِّي! أوَ لم يبلغْكم قول مستفيض فيكم: إنَّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال لي ولأخي: "هذان سيّدا شباب أهل الجنة"! فإن صدَّقتموني بما أقول -وهو الحقّ- فوالله ما تعمَّدت كذبًا مذ علمتُ أنّ الله يمقت عليه أهله، ويضرّ به من اختلقه، وإن كذَّبتموني فإنّ فيكم من إن سألتموه عن ذلك أخَبَركم؛ سَلُوا جابرَ بنَ عبد الله الأنصاريّ، أو أبا سعيد الخُدْريّ، أو سهل بن سعد الساعديّ، أو زيد بن أرقم، أو أنس بن مالك؛ يخبروكم أنهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله ﷺ لي ولأخي، أفَما في هذا حاجز لكم عن سَفْك دمي؟ ! فقال له شَمِر بن ذي الجوشن: هو يَعبد الله على حَرْفٍ إن كان يدري ما يقول! فقال له حبيب بن مُظاهر: والله إني لأراك تَعبُد الله على سبعين حرفًا، وأنا أشهد أنك صادق ما تدري ما يقول؛ قد طبع اللهُ على قلبك؛ ثم قال لهم الحسين: فإنْ كنتم في شكّ من هذا القول أفتشكّون أثَرًا ما أنّى ابنُ بنت نبيّكم! فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبيّ غيري منكم ولا من غيركم، أنا ابن بنتِ نبيّكم خاصّة. أخبروني، أتطلبوني بقتيل منكم قتلتُه، أو مالٍ لكم استهلكته، أو بقِصاص من جراحة؟ قال: فأخذوا لا يكلمونه، قال: فنادى: يا شَبَث بن رِبْعيّ، ويا حجّار بن أبجر! ويا قيس بن الأشعث! ويا يزيد بن الحارث! ألم - تكتبوا إليّ أن قد أيْنعَت الثمار، واخضرّ الجنَاب، وطمَّت الجمام، وإنما تقدُم على جند لك مُجنَّد، فأقبِلْ؟ ! قالوا له: لم نفعل، فقال: سبحان الله! بلى والله، لقد فعلتم! ثم قال: أيها الناس! إذْ كرهتموني فدعوني أنصرف عنكم إلى مأمَني من الأرض، قال: فقال له قيس بن الأشعث: أوَ لا تنزل على حكم بني عمّك، فإنهم لن يُرُوك إلا ما تحبّ، ولن يصل إليك منهم مكروه؟ فقال الحسين: أنت أخو أخيك، أتريد أن يطلبك بنو هاشم بأكثرَ من دم مسلم بن عَقِيل، لا والله لا أعطيهم بيدي إعْطَاء الذليل، ولا أقرُّ إقرارَ العبيد، عباد الله! ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ﴾، ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾؛ قال: ثمّ إنه أناخ راحلته، وأمر عقبة بن سمِعْان فعقَلها،
следующие страницы →