فقال له مولاه: ما رأيك؟ قد دنونا منهم، قال: انهزِموا على بركة الله، وموْعدكم بئر ميمون، فانهزموا؛ ودخلها الحسن بن معاوية، وخرج الحسين بن صَخْر - رجل من آل أوَيس - من ليلته، فسار إلى أبي جعفر تسعًا فأخبره فقال: "قد أنصف الْقَارة من رَاماها" (١)، وأجازه بثلاثمئة درهم.
قال: وحدّثني أيوب بن عمر، قال: حدّثني محمد بن صالح بن معاوية، قال: حدّثني أبي، قال: كنت عند محمد حين عقد للحسن بن معاوية على مكة، فقال له الحسن: أرأيت إن التحم القتال بيننا وبينهم، ما ترى في السريّ؟ قال: يا حسن، إن السريّ لم يزل مجتنبًا لما كرهنا، كارهًا للذي صنع أبو جعفر، فإن ظفرتَ به فلا تقتله؛ ولا تحركنّ له أهلًا، ولا تأخذنّ له متاعًا، وإن تنحّى فلا تطلبنّ له أثرًا، قال: فقال له الحسن: يا أميرَ المؤمنين، ما كنت أحسبك تقول هذا في أحد من آل العباس، قال: بلى، إن السريّ لم يزل ساخطًا لما صنع أبو جعفر.
قال: وحدّثني عمر بن راشد مولى عَنْج، قال: كنت بمكة، فبعث إلينا محمد حين ظهر الحسن بن معاوية والقاسم بن إسحاق ومحمد بن عبد الله بن عنبسة يدعى أبا جبرة، أميرهم الحسنُ بن معاوية، فبعث إليهم السريّ بن عبد الله كاتبه مسكين بن هلال في ألف، ومولى له يدعى مسكين بن نافع في ألف، ورجلًا من أهل مكة يقال له ابن فرس - وكان شجاعًا - في سبعمئة، وأعطاه خمسمئة دينار، فالتقوْا ببطن أذاخر بين الثنيّتيْن وهي الثنيّة التي تهبط على ذي طُوىً، منها هبط النبي ﷺ وأصحابه إلى مكة، وهي داخلة في الحَرم، فتراسلوا؛ فأرسل حسن إلى السريّ أن خلّ بيننا وبين مكة، ولا تُهريقوا الدماء في حرم الله، وحلف الرسولان للسريّ: ما جئناك حتى مات أبو جعفر، فقال لهما السريّ: وعليّ مثل ما حلفتما به؛ إن كانت مضت لي أربعة؛ منذ جاءني رسول من عند أمير المؤمنين، فأنظروني أربع ليال؛ فإني أنتظر رسولًا لي آخر، وعليّ ما يصلحكم، ويصلح دوابكم، فإن يكن ما تقولونه حقًّا سلّمتها إليكم؛ وإن يكن باطلًا أجاهدكم حتى تغلبوني أو أغلبكم؛ فأبى الحسن، وقال: لا نبرح حتى
стр. 4482
نناجزَك، ومع الحسن سبعون رجلًا وسبعة من الخيل، فلما دنوْا منه، قال لهم الحسن: لا يقدَمنّ أحد منكم حتى ينفخ في البوق؛ فإذا نفخ فلتكن حملتُكم حملة رجل واحد، فلما رهِقْناهم وخشى الحسن أن يغشاه وأصحابَه، ناداه: انفخ ويحك في البوق! فنفخ ووثبوا وحملوا علينا حَمْلة رجل واحد، فانهزم أصحاب السريّ، وقتل منهم سبعة نفر، قال: واطلع عليهم بفرسانٍ من أصحابه وهم من وراء الثنيّة في نفر من قريش قد خرج بهم، وأخذ عليهم لينصُرُنَّه، فلما رآهم القرشيّون قالوا: هؤلاء أصحابَك قد انهزموا، قال: لا تعجلوا، إلى أن طلعت الخيل والرجال في الجبال؛ فقيل له: ما بقي؟ فقال: انهزِموا على بركة الله، فانهزموا حتى دخلوا دار الإمارة، وطرحوا أداة الحرْب، وتسوّروا على رجل من الجند يكنى أبا الرزام، فدخلوا بيته فكانوا فيه، ودخل الحسن بن معاوية المسجد، فخطب الناس ونعى إليهم أبا جعفر ودعا لمحمد.
قال: وحدّثني يعقوب بن القاسم، قال: حدّثني الغمر بن حمزة بن أبي رملة، مولى العباس بن عبد المطلب، قال: لما أخذ الحسن بن معاوية مكة، وفرّ السريّ بلغ الخبر أبا جعفر، فقال: لهفِي على ابن أبي العَضَل.
قال: وحدّثني ابن أبي مُساور بن عبد الله بن مساور مولى بني نائلة من بني عبد الله بن مُعيْص، قال: كنت بمكة مع السريّ بن عبد الله، فقدم عليه الحسنُ بن معاوية قبل مخرج محمد - والسريّ يومئذ بالطائف وخليفته بمكة ابن سُراقة من بني عديّ بن كعب - قال: فاستعدى عتبة بن أبي خداش اللِّهْبيّ على الحسن بن معاوية في دَيْنٍ عليه فحبسه، فكتب له السريّ إلى ابن أبي خداش: أما بعد فقد أخطأتَ حظّك، وساء نظرك لنفسك حين تحبس ابنَ معاوية؛ وإنما أصبت المال من أخيه، وكتب إلى ابن سراقة يأمره بتخليته وكتب إلى ابن معاوية يأمره بالمقام إلى أن يقدَم فيقضي عنه، قال: فلم يلبث أن ظهر محمد، فشخص إليه الحسن بن معاوية عاملًا على مكة، ققيل للسريّ: هذا ابن معاوية قد أقبل إليك، قال: كلا ما يفعل وبلائي عنده [بلائي] وكيف يخرج إليّ أهل المدينة! فوالله ما بها دار إلا وقد دخلها لي معروف، فقيل له: قد نزل فجاء. قال: فشخص إليه ابن جريج، فقال له: أيها الرجل، إنك والله ما أنتَ بواصل إلى مكة وقد اجتمع أهلُها مع السريّ، أتُراك قاهرًا قريشًا وغاصبها على دارها! قال: يا بن
стр. 4483
الحائك، أبأهل مكة تخوّفني! والله ما أبيت إلا بها أو أموت دونها، ثم وثب في أصحابه، وأقبل إليه السريّ، فلقيه بفخَّ، فضرب رجل من أصحاب الحسن مسْكين بن هلال كاتب السريّ على رأسه فشجّه، فانهزم السريّ وأصحابه، فدخلوا مكة، والتفّ أبو الرزام - رجل من بني عبد الدار ثم أحد آل شيبة - على السريّ، فواراه في بيته، دخل الحسن مكة، ثم إن الحسن أقام بمكة يسيرًا، ثم ورد كتاب محمد عليه يأمره باللحاق به.
وذكر عمر عن عبد الله بن إسحاق بن القاسمم، قال: سمعتُ من لا أحصى من أصحابنا يذكر أنّ الحسن والقاسم لما أخذا مكة، تجهّزا وجمعا جمعًا كثيرًا، ثم أقبلا يريدان محمدًا ونُصرته على عيسى بن موسى؛ واستخلفا على مكة رجلًا من الأنصار؛ فلما كانا بقُدَيْد لقيهما قتْلُ محمد، فتفرّق الناس عنهما، وأخذ الحسن على بَسْقة - وهي حرّة في الرمل تدعى بسَقة قُدَيد - فلحق بإبراهيم؛ فلم يزل مقيمًا بالبصرة حتى قُتل إبراهيم، وخرج القاسمم بن إسحاق يريد إبراهيم؛ فلما كان ببديع من أرض فدَك، لقيه قتلُ إبراهيم، فرجع إلى المدينة، فلم يزل مختفيًا حتى أخذت ابنة عبد الله بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن جعفر؛ زوجة عيسى بن موسى، له ولإخوته الأمان فظهر بنو معاوية، وظهر القاسمم.
قال: وحدّثني عمر بن راشد مولى عنج، قال: لما ظهر الحسن بن معاوية على السريّ أقام قليلًا حتى أتاه كتاب محمد يأمره بالشخوص إليه؛ ويخبره أن عيسى قد دنا من المدينة، ويستعجله بالقدوم، قال: فخرج من مكة يوم الإثنين في مطر شديد - زعموا أنه اليوم الذي قُتِل فيه محمد - فتلقاه بريدٌ لعيسى بن موسى بأمَج - وهو ماء لخزاعة بين عُسفان وقُديد - بقتل محمد، فهرب وهرب أصحابه.
قال عمر: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني عبد العزيز بن أبي ثابت عن أبي سيار، قال: كنت حاجبَ محمد بن عبد الله فجاءني راكبٌ من الليل، قال: قدمتُ من البصرة، وقد خرج بها إبراهيم، فأخذها قال: فجئتُ دار مَرْوان، ثم جئت المنزل الذي فيه محمد، فدققتُ الباب، فصاح بأعلى صوته: من هذا؟ قلت: أبو سيّار، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ اللهم إني أعوذ بك من شرّ طوارق الليل؛ إلا طارق يطرق منك بخير، قال: خير! قلت: خير، قال: ما وراءك؟ قلت: أخذ إبراهيم البَصرة -[قال]: وكان محمد إذا صلى المغرب
стр. 4484
والصبح صاح صائح: ادعوا الله لإخوانكم من أهل البصرة، وللحسن بن معاوية واستنصروه على عدوّكم.
* * *
قال: وحدّثني عيسى، قال: قدِم علينا رجل من أهل الشأم، فنزل دارنا - وكان يكنى أبا عمرو - فكان أبي يقول له: كيف ترى هذا الرجل؟
فيقول: حتى ألقاه فأسبُره ثم أخبرك، قال عيسى: فلقيه أبي بعد، فسأله فقال: هو والله الرجل كلّ الرجل؛ ولكن رأيتُ شحم ظهره ذراعًا، وليس هكذا يكون صاحبَ الحرب، قال: ثم بايعه بعد، وقاتل معه.
قال: وحدّثني عبد الله بن محمد بن سلْم - يدعَى ابنَ البواب مولَى المنصور - قال: كتب أبو جعفر إلى الأعمش كتابًا على لسان محمد، يدعوه إلى نصرته، فلما قرأه قال: قد خَبرناكم يا بني هاشم؛ فإذا أنتم تحبّون الثريد، فلما رجع الرسول إلى أبي جعفر فأخبره، قال: أشهد أنّ هذا كلام الأعمش.
وحدّثني الحارث، قال: حدّثني ابنُ سعد، عن محمد بن عمر، قال: غلب محمد بن عبد الله على المدينة، فبلغنا ذلك، فخرجنا ونحن شباب، أنا يومئذ ابنُ خمس عشرة سنة، فانتهينا إليه؛ وهو قد اجتمع إليه الناس ينظرون إليه؛ ليس يُصَدّ عنه أحد؛ فدنوتُ حتى رأيته وتأملته؛ وهو على فَرَس، وعليه قميص أبيض محشوّ وعمامة بيضاء؛ وكان رجلًا أحزم؛ قد أثَر الجُدريّ في وجهه، ثم وجّه إلى مكة فأخِذت له، وبيّضوا؛ ووجّه أخاه إبراهيم بن عبد الله إلى البصرة، فأخذها وغلبها وبيّضوا معه [٧/ ٥٦٤ - ٥٧٧].
* * *
رجع الحديث إلى حديث عمر، قال عمر: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: ندَب أمير المؤمنين أبو جعفر عيسى بن موسى لقتال محمد، وقال: لا أبالي أيّهما قتل صاحبه؛ وضمّ إليه أربعة آلاف من الجُنْد، وبعث معه محمد بن أبي العباس أمير المؤمنين.
قال: وحدّثني عبد الملك بن شيبان، عن زيد مولى مسمع، قال: لما أمر
стр. 4485
أبو جعفر عيسى بن موسى بالشخوص، قال: شاوِرْ عمومَتك، فقال له: امضِ أيها الرجل؛ فوالله ما يراد غيري وغيرك؛ وما هو إلّا أن تشخص أو أشخص؛ قال: فسار حتى قدم علينا ونحن بالمدينة.
قال: وحدّثني عبد الملك بن شيبان، قال: دعا أبو جعفر ابنَ حنظلة البَهرانيّ - وكان أبرص طُوالًا، وأعلم الناس بالحرب، وقد شهد مع مَرْوان حروبه - فقال: يا جعفر، قد ظهر محمد، فما عندك؟ قال: وأين ظهر؟ قال: بالمدينة، قال: فاحمد الله، ظهر حيث لا مالَ ولا رجال ولا سلاح ولا كُراع؛ ابعث مولىً لك تثق به فليسِرْ حتى ينزل بوادي القرى؛ فيمنعه مِيرة الشأم، فيموت مكانه جوعًا، ففعل.
قال: وحدّثني عبد الملك بن راشد بن يزيد، قال: سمعتُ أصحابنا إسماعيل بن موسى وعيسى بن النّضْر وغيرهما يذكرون أنّ أبا جعفر قدّم كَثير بن حُصَيْن العبدّي، فعسكر بفيد، وخندق عليه خندقًا؛ حتى قدم عليه عيسى بن موسى، فخرج به إلى المدينة، قاله عبد الله: فأنا رأيتُ الخندق قائمًا في هرًا طويلًا، ثم عفا ودَرس.
قال: وحدّثني يعقوب بن القاسم، قال: حدّثني عليّ بن أبي طالب، - ولقيته بصنعاء - قال: قال أبو جعفر لعيسى حين بعثه إلى محمد: عليك بأبي العسكر مسمع بن محمد بن شيبان بن مالك بن مسمع، فسرْ به مَعك؛ فإني قد رأيته منعَ سعيد بن عمرو بن جعَدة بن هبيرة من أهل البصرة؛ وهم محلبون عليه (١)؛ وهو يدعو إلى مَرْوان؛ وهو عند أبي العسكر يأكل المخَّ بالطَّبرْزَد، فخرج به عيسى؛ فلما كان ببطن نخل، تخلّف هو والمسعوديّ بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود حتى قُتِل محمد، فبلغ ذلك أبا جعفر، فقال لعيسى بن موسى: ألّا ضربت عنقه!
وحدّثني عيسى بن عبد الله بن محمد بن عليّ بن أبي طالب، قال: أخبرني أبي، قال: قال أبو جعفر لعيسى بن موسى حين ودّعه: يا عيسى؛ إني أبعثك إلى ما بَيْن هذين - وأشار إلى جنبيه - فإن ظفرت بالرجل فشِمْ سيفك، وابذل الأمان؛
стр. 4486
وإن تغيب فضمّنهم إياه حتى يأتوك به، فإنهم يعرفون مذاهبه، قال: فلما دخلها عيسى فعل ذلك.
فحدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: قال محمد بن عمر: وجّه أبو جعفر إلى محمد بن عبد الله بالمدينة عيسى بن موسى بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن عباس، ووجّه معه محمد بن أبي العباس أمير المؤمنين وعدّةً من قُوّاد أهل خراسان وجندهم، وعلى مقدّمة عيسى بن سوسى حُميد بن قحطبة الطائي، وجهزهم بالخيل والبغال والسلاح والمِيرة، فلم ينزل، ووجّه مع عيسى بن موسى ابن أبي الكرام الجعفريّ؛ وكان في صحابة أبي جعفر، وكان مائلًا إلى بني العباس، فوثق به أبو جعفر فوجّهه ...
* * *
رجع الحديث إلى حديث عمر بن شبّة، قال عمر: وحدّثني عيسى، عن أبيه، قال: كتب أبو جعفر إلى عيسى بن موسى: مَنْ لقيَك من آل أبي طالب فاكتب إليّ باسمه، ومَنْ لم يلقك فاقبض ماله، قال: فقبض عين أبي زياد - وكان جعفر بن محمد تغيَّب عنه - فلما قدم أبو جعفر كلمه جعفر، وقال: مالي، قال: قد قبضه مهديُّكم. [٧/ ٥٧٧ - ٥٧٩].
* * *
قال: وحدّثِني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: لما صار عيسى بفيْد كتب إلى رجال من أهل المدينة في خِرَقِ الحرير؛ منهم عبد العزيز بن المطّلب المخزوميّ وعبيد الله بن محمد بن صفوان الجمحيّ، فلما وردتْ كتبه المدينة، تفرقّ ناسٌ كثير عن محمد، منهم عبد العزيز بن المطلب؛ فأخِذ فُردَّ، فأقام يسيرًا؛ ثم خرج، فرُدّ مرّة أخرى؛ وكان أخوه علي بن المطلب من أشدّ الناس مع محمد؛ فكلم محمّدًا في أخيه حتى كفّه عنه.
قال: وحدّثني عيسى، قال: كتب عيسى بن موسى إلى أبي في حريرة صفراء جاء بها أعرابيٌ بين خصافيْ نعله، قال عيسى: فرأيتُ الأعرابي قاعدًا في دارنا، وإني لصبيٌّ صغير؛ فدفعها إلى أبي فإذا فيها:
إن محمدًا تعاطى ما ليس يعطيه الله، وتناول ما لم يُؤته الله، قال في
стр. 4487
كتابه: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١).
فعجل التخلص وأقلّ التربُّص، وادعُ مَنْ أطاعك من قومك إلى الخروج معك.
قال: فخرج وخرج معه عمربن محمد بن عمر، وأبو عَقِيل محمد بن عبد الله بن محمد بن عَقِيل، قال: ودعوا الأفطس حسن بن عليّ بن أبي طالب إلى الخروج معهم فأبَى، وثبت مع محمد؛ وذُكر خروجهم لمحمد فأرسل إلى ظَهْرهم فأخذه؛ فأتاه عمر بن محمد، فقال: أنت تدعو إلى العَدْل ونفْي الجور؛ فما بال إبلي تؤخذ! فإنما أعددتها لحجّ أو عُمْرة، قال: فدفعها إليه - فخرجوا من تحت ليلتهم؛ فلقوا عيسى على أربع - أو خمس - من المدينة.
قال: وحدّثني - أيوب بن عمر بن أبي عمرو بن نعيم بن ماهان، قال: كتب أبو جعفر إلى رجال من قريش وغيرهم كتبًا، وأمر عيسى: إذا دنا من المدينة أن يبعث بها إليهم، فلما دنا بعث بها إليهم؛ فأخذ حرسُ محمد الرسولَ والكتب، فوجد فيها كتابًا إلى إبراهيم بن طلحة بن عمر بن عبيد الله بن معمر وإلى جماعة من وؤساء قريش، فبعث محمد إلينا جميعًا ما خلا ابن عمر وأبا بكر بن سبْرة، فحُبسنا في دار ابن هشام التي في المصلّى.
قال أبي: وبعث إليّ وإلى أخي، فأتِيَ بنا فضُرِبنا ثلاثمئة، قال: فقلت له وهو يضربني ويقول: أردتَ أن تقتلني! تركتُك وأنت تستتر بحجر وبيت شعر؛ حتى إذا صارت المدينة في يدك، وغلُظ أمرك، قمتُ عليك فبِمَنْ أقوم! أبطاقتي أم بمالي، أم بعشيرتي! قال: ثم أمر بنا إلى الحبس، وقُيّدنا بكُبول وسلاسل تبلغ ثمانين رطلًا، قال: فدخل عليه محمد بن عجلان، فقال: إني ضربتُ هذين الرجلين ضربًا فاحشًا، وقيّدتهما بما منعهما من الصلاة، قال: فلم يزالا محبوسين حتى قدم عيسى.
قال: وحدّثني محمد بن يحيى قال: حدّثني عبد العزيز بن أبي ثابت، عن عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن أبي الحكم، قال: إنا لعند محمد ليلة -
стр. 4488
وذلك عند دُنوّ عيسى من المدينة - إذ قال محمد: أشيروا عليّ في الخروج والمقام، قال: فاختلفوا، فأقبل عليّ فقال: أشرْ عليّ يا أبا جعفر، قلت: ألستَ تعلم أنك أقلُّ بلاد الله فرسًا وطعامًا وسلاحًا، وأضعفها رجالًا؟ قال: بلى، قلت: ألست تعلم أنك تقاتل أشدّ بلاد الله رجلًا وأكثرها مالًا وسلاحًا؟ قال. بلى، قلت: فالرأي أن تسير بمن معك حتى تأتي مصرَ، فوالله لا يردّك رادّ، فتقاتل الرّجل بمثل سلاحه وكُراعه ورجاله وماله. فصاح حُنين بن عبد الله: أعوذ بالله أن تخرج من المدينة! وحدّثه أن النبيّ ﷺ قال: "رأيتُني في درع حصينة فأوّلتُها المدينة".
قال: وحدثني محمد بن إسماعيل بن جعفر، عن الثقة عنده، قال: أجاب محمدًا لما ظهر أهلُ المدينة وأعراضها وقبائل من العرب؛ منهم جُهينة ومُزَينة وسُليم وبنو بكر وأسْلَم وغِفار؛ فكان يقدّم جُهينة؛ فغصْبت من ذلك قبائل قيس.
قال محمد: فحدثني عبد الله بن معروف أحد بني رياح بن مالك بن عصيَّة بن خُفاف - وقد شهد ذاك - قال: جاءت محمدًا بنو سُلَيم على رؤسائها، فقال متكلّمهم جابر بن أنس الرياحيّ: يا أميرَ المؤمنين؛ نحن أخوالُك وجيرانُك، وفينا السلاح والكُراع، والله لقد جاء الإسلام والخيْل في بني سليم أكثر منها بالحجاز؛ لقد بقي فينا منها ما إن بقي مثلُه عند عربيّ تسكن إليه البادية، فلا تخندق الخندق؛ فإن رسول الله خندق خندقه لما الله أعلم به؛ فإنك إن خندقتَه لم يحسن القتال رجّالة، ولم تُوَجّه لنا الخيل بين الأزقّة؛ وإن الذين يخندقَ دونهم هم الذين يقاتلون فيها؛ وإن الذين يخندَق عليهم يحول الخندق دونهم، فقال أحد بني شجاع: خندقَ رسول الله فاقتدِ برأيه؛ أوَ تريد أن تَدَع رأي رسول الله ﷺ لرأيك! قال: إنه يا بن شجاع ما شيء أثقل عليك وعلى أصحابك من لقائهم؛ ولا شيء أحبّ إليّ وإلى أصحابي من مناجزتهم، فقال محمد: إنما اتّبعنا في الخندق أثر رسول الله ﷺ ، فلا يردّني عنه أحدٌ، فلست بتاركه.
قال: وحدثني محمد بن يحيى، عن الحارث بن إسحاق، قال: لما تيقّن محمد أن عيسى قد أقبل حَفَر الخندق، خندق النبيّ ﷺ الذي كان حفره للأحزاب.
قال: وحدّثني سعيد بن عبد الحميد بن جعفر، قال: حدّثني محمد بن عَطيّة
стр. 4489
مولى المطلبيّين، قال: لما حفر محمد الخندقَ ركب إليه وعليه قَباء أبيض ومِنطقة، وركب الناس معه؛ فلما أتى الموضع نزل فيه؛ بدأ هو فحفر بيده؛ فأخرج لبِنةً من خَنْدق النبيّ ﷺ ، فكبّر وكبّر الناس معه، وقالوا: أبشر بالنَّصْر؛ هذا خندق جدّك رسول الله ﷺ .
قال: وحدثني محمد بن الحسن بن زَبالة، قال: حدثني مصعب بن عثمان بن مصعب بن عروة بن الزبير، قال: لما نزل عيسى الأعوْصَ رقِيَ محمد المنبَر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن عدوّ الله وعدوّكم عيسى بن موسى قد نزل الأعوص؛ وإن أحقّ الناس بالقيام بهذا الدين، أبناء المهاجرين الأوّلين والأنصار المواسين.
قال: وحدّثني إبراهيم بن أبي إسحاق العبسيّ - شيخ من غطفان - قال: أخبرني أبو عمرو مؤدب محمد بن عبد الرحمن بن سليمان، قال: سمعت الزبيريّ الذي قتله أبو جعفر - يعني عثمان بن محمد بن خالد - قال: أجتمع مع محمّد جمع لم أر مثله ولا أكثر منه؛ إني لأحسب أنا قد كنا مئة ألف؛ فلما قرب عيسى خَطَبنا، فقال: يا أيها الناس، إنّ هذا الرجل قد قرُب منكم في عدد وعُدّة؛ وقد حللتُكم من بيعتي؛ فمن أحبّ المقام فليقم، ومن أحبّ الانصراف فلينصرف، فتسللوا حتى بقي في شِرْذمة ليست بالكثيرة.
قال: وحدّثني موهوب بن رشيد بن حيّان بن أبي سليمان بن سمعان؛ أحد بني قَرِيظ بن عبد الله بن أبي بكر بن كلاب، قال: حدّثني أبي، قال: لما ظهر محمّد جمع الناس وحشرهم، وأخذ عليهم المناقب فلا يخرج أحد؛ فلما سمع بعيسى وحُميد بن قحطبة قد أقبلا، صعِد المنبر، فقال: يا أيها الناس؛ إنَّا قد جمعناكم للقتال؛ وأخذنا عليكم المناقب؛ وإن هذا العدوّ منكم قريب؛ وهو في عدد كثير، والنصر من الله والأمر بيده؛ وإنه قد بدا لي أن آذن لكم وأفرج عنكم المناقب؛ فمن أحبَّ أن يقيم أقام، ومَنْ أحبّ أن يظعن ظعن، قال أبي: فخرج عَالمٌ من الناس؛ كنت فيهم؛ فلما كنا بالعُرَيض - وهو على ثلاثة أميال من المدينة - لقيتْنا مقدّمةُ عيسى بن موسى دون الرُّحبْة؛ فما شبَهت رجالهم إلّا رِجْلًا من جراد. قال: فمضينا وخالفونا إلى المدينة.
قال: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال:
стр. 4490
خرج ناس كثير من أهل المدينة بذراريّهم وأهليهم إلى الأعراض والجبال، فأمر محمد أبا القلَمّس، فرَدّ مَنْ قدر عليه منهم، فأعجزه كثير منهم، فتركهم.
قال: وحدّثني عيسى، قال: حدثني الغاضريّ، قال: قال لي محمد: أعطيك سلاحًا وتقاتل معي؟ قلت: نعم؛ إن أعطيتَني رمحًا أطعنهم به؛ وهم بالأعوص وسيفًا أضربهم به وهم بهيفَا، قال: ثمّ مكث غير كثير، ثم بعث إليّ فقال: ما تنتظر؟ قلت: ما أهون عليك - أبقاك الله - أن أقتَل وتمرّوا؛ فيقال: والله إن كان لباديًا! قال: ويحك! قد بيّض أهل الشأم وأهل العراق وخُراسان، قال: قلت: اجعل الدنيا زبدةً بيضاء وأنا في مثل صوفة الدواة، ما ينفعني هذا وعيسى بالأعوص!
قال: وحدّثني عيسى، عن أبيه، عن جدّه، قال: وجّه أبو جعفر مع عيسى بن موسى بابن الأصمّ يُنزله المنازل، فلما قدموا نزلوا على ميل من مسجد رسول الله ﷺ ، فقال ابن الأصمّ: ألّا إنّ الخيل لا عمل لها مع الرّجالة؛ وإني أخاف إن كشفوكم كشفةً أو يدخلوا عسكرهم.
فرفعهم إلى سقاية سليمان بن عبد الملك بالجُرْف - وهي على أربعة أميال من المدينة - وقال: لا يهرول الرّاجل أكثر من ميلين أو ثلاثة حتى تأخذَه الخيل.
قال: وحدّثني عيسى، قال: قال: حدثني محمد بن أبي الكرام، قال: لمّا نزل عيسى طَرَف القَدُوم أرسل إليّ نصفَ الليل، فوجدتُه جالسًا والشمع والأموال بين يديه، فقال: جاءتني العيون تخبرني أنّ هذا الرجل في ضعف؛ وأنا أخاف أن ينكشف؛ وقد ظننتُ ألَّا مسلك له إلّا إلى مكة، فاضمُم إليك خمسمئة رجل؛ فامضِ بهم معاندًا عن الطريق حتى تأتيَ الشجَرة فتقيم بها، قال: فأعطاهم على الشّمع، فخرجتُ بهم حتى مررتُ بالبصرة بالبطحاء - وهي بطحاء ابن أزْهر على ستة أميال من المدينة - فخاف أهلها؛ فقلتُ: لا بأس عليكم؛ أنا محمد بن عبد الله، هل من سويق؟ قال: فأخرجوا إلينا سويقًا، فشربنا وأقمنا بها حتى قتِل محمد.
قال: وحدّثني محمد بن إسماعيل؛ عن الثقة عنده، قال: لما قرُب عيسى أرسل إلى محمد القاسمَ بن الحسن بن زيد يدعوه إلى الرُّجوع عمّا هو عليه، ويخبره أن أمير المؤمنين قد آمنه وأهل بيته، فقال محمد للقاسم: والله لولا أنّ
стр. 4491
الرّسل لا تقتل لضربتُ عنقك؛ لأني لم أرك منذ كنت غلامًا في فرقتين؛ خير وشرّ، إلّا كنتَ مع الشرّ على الخير، وأرسل محمد إلى عيسى: يا هذا؛ إنّ لك برسول الله قرابةً قريبةً، وإني أدعوك إلى كتاب الله وسنة نبيه والعمل بطاعته، وأحذرك نقمته وعذابه؛ وإني والله ما أنا بمنصرف عن هذا الأمر حتى ألقى الله عليه؛ فإياك أن يقتلك مَنْ يدعوك إلى الله، فتكون شرّ قتيل، أو تقتله فيكون أعظمَ لوزرك، وأكثر لمأثمك، فأرسل هذه الرسالة مع إبراهيم بن جعفر، فبلّغه، فقال: ارجعْ إلى صاحبك، فقل له: ليس بيينا إلّا القتال.
قال: وحدّثني إبراهيم بن محمد بن أبي الكرام بن عبد الله بن عليّ بن عبد الله بن جعفر، قال: أخبرني أبي، قال: لما قرب عيسى من المدينة، أرسلني إلى محمد بأمانه، فقال لي محمد: علام تقاتلونني وتستحلّون دمي، وإنما أنا رجل فرَّ من أن يَقْتل! قال: قلت: إنّ القوم يدعونك إلى الأمان، فإن أبَيت إلّا قتالهم قاتلوك على ما قاتل عليه خير آبائك عليٌّ وطلحةَ والزبير؛ على نكث بيعتهم وكيد ملكهم، والسعي عليهم، قال: فأخبرتُ بذلك أبا جعفر، فقال: والله ما سرّني أنك قلت له غير ذلك، وأن لي كذا وكذا.
قال: وحدّثني هشام بن محمد بن عُروة بن هشام بن عروة، قال: أخبرني ماهان بن بخت مولى قحطبة، قال: لما صرْنا بالمدينة أتانا إبراهيم بن جعفر بن مصعب طليعة، فطاف بعسكرنا حتى حسّه كله، ثم ولّى ذاهبًا.
قال: فرعبنا منه والله رعْبًا شديدًا؛ حتى جعل عيسى وحميد بن قَحْطبة يعجبان فيقولان: فارس واحد طليعةً لأصحابه! فلما ولّى مَدَى أبصارنا نظرنا إليه مقيمًا بموضع واحد، فقال حميد: ويحكم! انظروا ما حالُ الرجل؛ فإني أرى دابته واقفًا (١) لا تَزول؛ فوجّه إليه حميد رجلين من أصحابه، فوجدا دابته قد عثر به؛ فصرعه فقوّس التنور عنقه، فأخذا سلبه، فأتِينا بتنور - قيل إنه كان لمصعب بن الزبير - مُذْهب لم يُرَ مثله قطّ.
قال: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: نزل عيسى بقصر سليمان بالجُرْف، صَبِيحة ثنتي عشرة من رمضان من سنة خمس
стр. 4492
وأربعين ومئة، يوم السبت، فأقام يوم السبت ويوم الأحد وغدا يوم الإثنين، حتى استوى على سَلْع، فنظر إلى المدينة وإلى مَنْ دخلها وخرج منها، وشحن (١) وجوهها كلها بالخيل والرّجال إلا ناحية مسجد أبي الجرّاح؛ وهو على بُطحان؛ فإنه تركه لخروج مَنْ هرب، وبرز محمد في أهل المدينة.
قال: وحدّثني عيسى، قال: حدّثنا محمد بن زيد، قال: قدمنا مع عيسى، فدعا محمدًا ثلاثًا: الجمعة والسبت والأحد.
قال: وحدّثني عبد الملك بن شيبان، قال: حدثني زيد مولى مِسمَع، قال: لمّا عسكر عيسى أقبل على دابة يمشي حواليه نحو من خمسمئة وبين يديه راية يُسار بها معه؛ فوقف على الثنيّة ونادى: يا أهل المدينة؛ إن الله قد حرّم دماء بعضنا على بعض؛ فهلمّوا إلى الأمان؛ فمن قام تحت رايتنا فهو آمن، ومَن دخل داره فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن؛ ومَن ألقى سلاحه فهو آمن، ومن خرج من المدينة فهو آمن، خلّوا بيننا وبين صاحبنا فإمّا لنا أو له، قال: فشتموه وأقذعوا له، وقالوا: يا بن الشاة، يا بن كذا، يا بن كذا، فانصرف يومه ذاك، وعاد من الغد ففعل مثل ذلك، فشتموه؛ فلما كان اليوم الثالث أقبل بما لم أر مثله قطّ من الخيل والرجال والسلاح؛ فوالله ما لبثنا أن ظهر علينا ونادى بالأمان، فانصرف إلى معسكره.
قال: وحدثني إبراهيم الغَطفانيّ، قال: سمعت أبا عمرو مؤدّب محمد بن عبد الرحمن يحدّث عن الزبيريِّ - يعنى عثمان بن محمد بن خالد - قال: لما التقينا نادى عيسى بنفسه: أيا محمد، إن أمير المؤمنين أمرني ألّا أقاتلك حتى أعرض عليك الأمان، فلك عليَّ نفسك وأهلك وولدك وأصحابك، وتُعطَى من المال كذا وكذا، ويُقضى عنك دينك، ويُفعل بك ويفعل! قال: فصاح: محمد الهُ عن هذا، فوالله لو علمتَ أنه لا يثنيني عنكم فَزَع، ولا يقرّبني منكم طمع ما كان هذا، قال: ولجّ القتال، وترجّل محمد؛ فإني لأحسبه قتَل بيده يومئذ سبعين رجلًا.
قال: وحدّثني عيسى، قال: حدّثني محمد بن زيد، قال: لما كان يوم
стр. 4493
الإثنين، وقف عيسى على ذُباب، ثم دعا مولى لعبد الله بن معاوية كان معه؛ وكان على مجفّفته، قال: خذ عشرة من أصحابك؛ أصحاب التجافيف؛ فجاء بهم، فقال لنا: ليقم معه عشرة منكم يا آل أبي طالب، قال: فقمنا معه، ومعنا ابنا محمد بن عمر بن عليّ: عبد الله وعمر، ومحمد بن عبد الله بن عَقيل، والقاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي، وعبد الله بن إسماعيل بن عبد الله بن جعفر؛ في عشرة منّا، فقال: انطلقوا إلى القوم، فادعوهم وأعطوهم أمانًا؛ وبقيَ أمان الله، قال: فخرجنا حتى جئنا سوق الحطّابين؛ فدعوْناهم فسبُّونا ورشقونا بالنَّبل، وقالوا: هذا ابن رسول الله معنا ونحن معه؛ فكلمهم القاسم بن الحسن بن زيد، فقال: وأنا ابنُ رسول الله؛ وأكثر من ترون بنو رسول الله؛ ونحن ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه وحقْن دمائكم والأمان لكم؛ فجعلوا يسبُّوننا ويرشقوننا بالنبل، فقال القاسم لغلامه: القَطْ هذه النّبل، فلقطها فأخذها قاسم بيده، ثم دخل بها إلى عيسى، فقال: ما تنتظر! انظر ما صنعوا بنا، فأرسل عيسى بن حميد قَحْطبة في مئة.
قال: حدّثني أزهر بن سعيد بن نافع، قال: حدّثني أخواي عثمان ومحمد ابنا سعيد - وكانا مع محمد - قالا: وقف القاسم بن الحسن ورجل معه من آل أبي طالب على رأس ثنيّة الوداع، فدعَوْا محمدًا إلى الأمان، فسبّهما فرجعا، وأقبل عيسى وقد فرّق القواد فجعل هزارمرد عند حمّام بن أبي الصعْبة، وكثير بن حُصَين عند دار ابن أفلَح التي ببقيع الغرْقد، ومحمد بن أبي العباس على باب بني سلمة، وفرّق سائر القوّاد على أنقاب المدينة، وصار عيسى في أصحابه على رأس الثنيّة، فرَموا بالنشاب والمقاليع ساعة.
وحدثني أزهر، قال: جعل محمد ستور المسجد دراريع لأصحابه.
قال: وحدّثني عبد الله بن إسحاق بن القاسم، قال: حدّثني عمر؛ شيخ من الأنصار، قال: جعل محمد ظلال المسجد خَفاتين لأصحابه، فأتاه رجلان من جُهينة، فأعطى أحدهما خَفْتانًا ولم يعط الآخر، فقاتل صاحب الخَفْتان، ولم يقاتل الآخر معه، فلما حضرت الحرب أصابت صاحب الخَفْتان نُشابَة، فقتلته، فقال صاحبه:
يا ربِّ لا تجعَلني كمَنْ خانْ ... وباع باقي عَيْشِهِ بِخَفْتانْ
стр. 4494
قال: وحدّثني أيوب بن عمر، قال: حدّثني إسماعيل بن أبي عمرو، قال: إنا لَوقوف على خندق بني غِفار؛ إذ أقبل رجل على فَرس؛ ما يُرَى منه إلّا عيناه، فنادى: الأمان، فأعطي الأمان، فدنا حتى لصق بنا، فقال: أفيكم مَنْ يبلِّغ عني محمدًا؟ قلت: نعم، أنا، قال: فأبلِغْه عني - وحسر عن وجهه؛ فإذا شيخ مخضوب - فقال: قل له: يقول لك فلان التميميّ، بآية أنّى وإياك جلسنا في ظل الصخرة في جبل جُهينة في سنة كذا، اصبر إلى الليل؛ فإن عامة الجند معك، قال: فأتيته، قبل أن يَغْدُوَ - وذلك يوم الإثنين في اليوم الذي قُتل فيه - فوجدت بيين يديه قِرْبة عسل أبيض قد شُقَّت من وسطها، ورجل يتناول من العسل ملء كفه، ثم يغمسه في الماء، ثم يلقمه إياه، ورجل يحزم بطنه بعمامة؛ فأبلغتُه الرسالة فقال: قد أبلغتَ، فقلت: أخواي في يدك، قال: مكانُهما خير لهما.
قال: وحدّثني إبراهيم بن مصعب بن عمارة بن حمزة بن مصعب بن الزبير، قال: حدّثني محمد بن عثمان بن محمد بن خالد بن الزبير، قال: كانت راية محمد إلى أبي، فكنت أحملها عنه.
قال: وحدّثني عيسى، عن أبيه، قال: كان مع الأفطس حسن بن عليّ بن حسين عَلم أصفر، فيه صورةُ حيّة، ومع كلّ رجل من أصحابه، من آل على بن أبي طالب علَم، وشعارهم: أحَد أحَد، قال: وكذلك كان شعار النبيّ ﷺ يوم حُنَين.
قال: وحدّثني سعيد بن عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن أبي الحكم، قال: أخبرنا جَهْم بن عثمان مولى بني سُلَيم ثم أحد بني بَهْز، قال: قال لي عبد الحميد بن جَعْفر يوم لقيَنا أصحابُ عيسى: نحن اليوم على عِدّة أهل بدر يوم لَقُوا المشركين - قال: وكنا ثلاثمئة ونيّفًا (١).
قال: وحدّثني إبراهيم بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن عباس، قال: سمعت أبي يقول: وُلِد عيسى بن موسى في سنة ثلاث ومئة، وشهد حرب محمد وإبراهيم وهو ابن ثلاث وأربعين سنة، وعلى مقدّمته حميد بن قَحْطبة، وعلى مَيمنته محمد بن أبي العباس أمير المؤمنين، وعلى
стр. 4495
ميسرته داود بن كِرّاز من أهل خُراسان، وعلى ساقته الهيثم بن شعبة.
قال: وحدّثني عيسى، عن أبيه، قال: لقى أبو القلمّس محمد بن عثمان، أخا أسد بن المرزبان بسوق الحطابين، فاجتلدا بسيفيهما حتى تقطّعا ثم تراجعا إلى مواقفهما، فأخذ أخو أسد سيفًا، وأخذ أبو القلمّس بأثفيّة، فوضعها على قَرَبُوس سَرْجه، وستَرها بدِرْعه، ثم تعاودا، فلما تدانيا قام أبو القلمّس في ركائبه؛ ثم ضرب بها صَدْره فصرعه، ونزل فاحتزّ رأسه.
قال: وحدّثني محمد بن الحسن بن زَبالة، قال: حدثني عبدُ الله بن عمر بن القاسم بن عبد الله العمريّ، قال: كنا مع محمد، فبرز رجل من أهل المدينة؛ مولى لآل الزبير يدعى القاسم بن وائل، فدعا للبراز، فبرز إليه رجل لم أرَ مثل كماله وعُدّته؛ فلما رآه ابن وائل انصرف، قال: فوجَدنا من ذلك وجدًا شديدًا، فإنا لعلى ذلك إذ سمعتُ خَشْف (١) رجل ورائي، فالتفتّ فإذا أبو القلمّس، فسمعتُه يقول: لعن الله أميرَ السفهاء، إن ترك مثل هذا اجترأ علينا! وإن خرج رجل خرج إلى أمر عسى ألّا يكون من شأنه قال: ثم برز له فقتله.
قال: وحدّثني أزهر بن سعيد بن نافع، قال: خرج القاسم بن وائل يومئذ من الخندق، ثم دعا للبراز، فبرز له هزارمرد، فلما رآه القاسم هابه، فرجع فبرز له أبو القلمّس، فقال: ما انتفع في مثل هذا اليوم بسيفه قطّ، ثم ضربه على حبْل عاتقه فقتله، فقال: خذها وأنا ابن الفاروق، فقال رجل من أصحاب عيسى: قتلتَ خيرًا من ألف فاروق.
قال: وحدّثني عليّ أبو الحسن الحذّاء من أهل الكوفة، قال: حدّثني مسعود الرّحال، قال: شهدت مقتل محمد بالمدينة، فإنّى لأنظر إليهم عند أحجار الزّيت، وأنا مشرف عليهم من الجَبل - يعني سَلْعًا - إذ نظرت إلى رجل من أصحاب عيسى قد أقبل مستلئمًا في الحديد؛ لا يُرى منه إلّا عيناه، على فرس؛ حتى فَصَل من صفّ أصحابه، فوقف بين الصّفين، فدعا للبراز؛ فخرج إليه رجل من أصحاب محمد، عليه قَباء أبيض، وكُمّة بيضاء، وهو راجل، فكلمه مليًّا، ظننت أنه استرجله لتستوى حالاهما، فنظرتُ إلى الفارس ثَنَى رجله، فنزل،
стр. 4496
ثم التقيا فضربه صاحب محمد ضربة على خُوذة حديد على رأسه، فأقعده على استِه وقِيذًا لا حراك به، ثم انتزع الخُوذة، فضرب رأسه فقتله، ثم رجع فدخل في أصحابه، فلم ينشب أنْ خرج من صفّ عيسى آخر؛ كأنه صاحبه، فبرز له الرّجُل الأوّل، فصنع به مثل ما صنع بصاحبه، ثم عاد إلى صفّه، وبرز ثالث فدعاه، فبرز له فقتله، فلما قتل الثالث ولّى يريد أصحابه، فاعتوره أصحاب عيسى فرموْه فأثبتوه، وأسرع يريد أصحابَه، فلم يبلغهم حتى خرَّ صريعًا فقتلوه دونهم.
وحدّثني عيسى، قال: أخبرني محمد بن زيد، قال: لما أخبرْنا عيسى برميهم إيانا، قال لُحميد بن قَحْطبة: تقدّم، فتقدم في مئة كلهم راجل غيره معهم النشاب والترسة، فلم يلبثوا أن زحفوا إلى جدار دون الخندق، عليه أناس من أصحاب محمد، فكشفوهم ووقفوا عند الجدار، فأرسل حُميد إلى عيسى بهدْم الجدار، قال: فأرسل إلى فَعَلة فهدموه، وانتهوا إلى الخندق، فأرسل إلى عيسى: إنا قد انتهينا إلى الخندق، فأرسل إليه عيسى بأبواب بقدر الخندق، فعبروا عليها؛ حتى كانوا من ورائه، ثم اقتتلوا أشدّ القتال من بُكْرة حتى صار العصر.
وحدّثني الحارث، قال: أخبرنا ابنُ سعد، قال: قال محمد بن عمر: أقبل عيسى بن موسى بمَنْ معه، حتى أناخ على المدينة، وخرج إليه محمد بن عبد الله ومَنْ معه، فاقتتلوا أيامًا قتالًا شديدًا، وصبَر نفر من جُهينة، يقال لهم بنو شجاع مع محمد بن عبد الله، حتى قُتِلوا وكان لهم غَناء.
* * *
رجع الحديث إلى حديث عمر: حدثني أزهر، قال: أمرهم عيسى فطرحوا حقائب الإبل في الخندق فأمر ببابي دار سعد بن مسعود التي في الثنيّة فطُرحا على الخندق؛ فجازت الخيل، فالتقوْا عند مفاتح خشْرم، فاقتتلوا حتى كان العصر.
حدثني محمد بن يحيى، قال: حدّثنا عبد العزيز بن أبي ثابت، قال: انصرف محمد يومئذ قبل الظهر حتى جاء دار مَرْوان، فاغتسل وتحنّط، ثم خرج، قال عبد العزيز بن أبي ثابت: فحدّثني عبد الله بن جعفر، قال: دنوتُ منه، فقلت له: بأبي أنت! إنه والله ما لك بما رأيتَ طاقة، وما معك أحد يصدُق
стр. 4497
القتال؛ فاخرج الساعة حتى تلحق بالحسن بن معاوية بمكة؛ فإنّ معه جِلّة أصحابك، فقال: يا أبا جعفر؛ والله لو خرجتُ لقتل أهل المدينة؛ والله لا أرجع حتى أقتُل أو أقتَل؛ وأنت مني في سعة؛ فاذهب حيث شئت، فخرجت معه حتى إذا جاء دار ابن مسعود في سوق الظهر ركضتُ فأخذت على الزيّاتين، ومضى إلى الثنيّة، وقُتل من كان معه بالنّشاب وجاءت العصر فصلَّى.
حدّثني محمد بن الحسن بن زَبالة، قال: حدّثني إبراهيم بن محمد، قال: رأيت محمدًا بين داري بني سعد، عليه جُبّة ممشّقة، وهو على بِرْذون، وابنُ خُضَير إلى جانبه يناشده الله إلّا مضى إلى البصرة أو غيرها؛ ومحمد يقول: والله لا تُبْتلون بي مرتين؛ ولكن اذهب حيث شئت فأنت في حلّ.
قال ابن خُضير: وأين المذهب عنك! ثم مضى فأحرق الديوان، وقتل رِياحًا ثم لحقه بالثنيّة، فقاتل حتى قتِل.
وحدثني الحارث، قال: حدّثنا ابنُ سعد، عن محمد بن عمر، قال: خرج مع محمد بن عبد الله بن خُضير؛ رجل من ولد مُصعب بن الزبير؛ فلما كان اليوم الذي قتل فيه محمد، ورأى الخلل في أصحابه، وأنّ السيف قد أفناهم؛ استأذن محمدًا في دخول المدينة فأذن له، ولا يعلم ما يريد؛ فدخل على رياح بن عثمان بن حيّان المُرّيّ وأخيه، فذبحهما ثم رجع، فأخبر محمدًا، ثم تقدّم فقاتل حتى قُتِل من ساعته.
رجع الحديث إلى حديث عمر: حدثني أزهر، قال: حدثني أخي، قال: لما رجع ابن خُضير قتل رياحًا وابن مسلم بن عُقْبة.
وحدثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: ذبح ابن خُضير رياحًا ولم يُجْهِز عليه، فجعل يضرب برأسه الجِدار حتى مات؛ وقتل معه عباسًا أخاه؛ وكان مستقيمَ الطريقة، فعاب الناسُ ذلك عليه؛ ثم مضى إلى ابن القَسْريّ وهو محبوس في دار ابن هشام، فنذِر به فردم بابي الدار دونَه، فعالج البابين، فاجتمع مَنْ في الحبس فسدّوهما، فلم يقدر عليهم؛ فرجع إلى محمد، فقاتل بين يديه حتى قُتِل.
حدثني مسكين بن حبيب بن محمد، قال: لما جاءت العصر صلاها محمد
стр. 4498
في مسجد بني الديل، في الثنيّة، فلما سلّم استسقى، فسقته رَبيحة بنت أبي شاكر القرشية، ثم قالت له: جعلت فداك انجُ بنفسك، قال: إذًا لا يبقى بها ديكٌ يصرخ؛ ثم مضى فلما كان ببطن مسيل سلْع، نزل فعرقبَ دابته، وعرقب بنو شجاع دوابهم، ولم يبق أحد إلا كسر غِمْد سيفه، قال مسكين: فلقد رأيتُني وأنا غلام، جمعت من حَليها نحوًا من ثلاثمئة درهم؛ ثم قال لهم: قد بايعتموني ولستُ بارحًا حتى أقتَل، فمن أحبّ أن ينصرف فقد أذنتُ له، ثم أقبل على ابن خُضَير، فقال له: قد أحرقتَ الديوان؟ قال: نعم، خفت أن يؤخذ الناس عليه؟ قال: أصبت.
حدثني أزهر، قال: حدّثني أخوَاي، قالا: لقد هزمْنا يومئذ أصحاب عيسى مرتين أو ثلاثًا، ولكنا لم نكن نعرف الهزيمة؛ ولقد سمعنا يزيد بن معاوية بن عبد الله بن جعفر، يقول، وقد هزمناهم: ويل أمه فَتْحًا لو كان له رجال!
حدثني عيسى، قال: كان ممّن انهزم يومئذ وفرّ عن محمد عبدُ العزيز بن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، فأرسل محمد وراءه، فأتِيَ به، فجعل الصبيان يصيحون وراءه: "ألا باقة بقبقبة"، فكان عبد العزيز يقول بعد ذلك: إن أشدّ ما أتى عليَّ لصياح الصبيان.
وحدّثني عيسى، قال: حدّثنا مولى لهشام بن عُمارة بن الوليد بن عديّ بن الخيار، قال: كنا مع محمد، فتقدّم هشام بن عُمارة إليه وأنا معه، فقال: إني لا آمن أن يخذُلك مَنْ ترى، فأشهد أنّ غلامي هذا حرٌّ لوجه الله إن رمتُ أبدأ أو تُقتَل أو أقتَل أو نُغلَب؛ فقلت: فوالله إنّي لمعه إذ وقعت بترسه نشابة، ففلقته باثنتين، ثم خسفت في درْعه، فالتفت إليَّ فقال: فلان! قلت: لبيك؟ ! قال: ويلك! رأيتَ مثل هذا قطّ يا فلان! أيما أحبّ إليك؛ نفسي أم أنت؟ قلت: لا بل نفسك، قال: فأنت حرّ لوجه الله، فانطلق هاربًا.
وحدّثني متوكل بن أبي الفحوة، قال: حدّثني محمد بن عبد الواحد بن عبد الله بن أبي فرْوة، قال: إنَّا لعلى ظهر سلْع ننظر، وعليه أعاريب جُهينة، إذ صعد إلينا رجل بيده رُمْح، قد نصب عليه رأس رجل متّصلٌ بحلقومه وكبده وأعْفَاج بطنه، قال: فرأيتُ منه منظرًا هائلًا، وتطيّرت منه الأعاريب، وأجفلت هاربة حتى أسهلت، وعلا الرّجُل الجبل، ونادى على الجبل رطانة لأصحابه
стр. 4499
بالفارسية "كوهبان"؛ فصعد إليه أصحابه حتى علوْا سلْعًا فنصَبُوا عليه راية سوداء، ثم انصبُّوا إلى المدينة، فدخلوها، وأمرتُ أسماء بنت حسن بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس بن عبد المطلب - وكانت تحت عبد الله بن حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس - بخمار أسود، فنصب على منارة مسجد رسول الله ﷺ ؛ فلمّا رأى ذلك أصحابُ محمد تنادوا: دُخِلت المدينة، وهربوا، قال: وبلغ محمّدًا دخول الناس من سلْع، فقال: لكلّ قوم جبل يعصمهم؛ ولنا جبل لا نؤتَى إلّا منه.
وحدثني محمد بن إسماعيل، عن الثقة عنده، قال: فتح بنو أبي عمرو الغفاريون للمسوّدة طريقًا في بني غفار، فدخلوا منه حتى جاؤوا من وراء أصحاب محمد.
وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدثني عبد العزيز بن عمران، قال: نادى محمد يومئذ حُميد بن قحطبة: إن كنتَ فارسًا وأنت تعْتَدّ ذاك على أهل خُراسان فابرز لي، فأنا محمد بن عبد الله، قال: قد عرفتُك وأنت الكريم ابن الكريم، الشريف ابن الشريف؛ لا والله يا أبا عبد الله لا أبرز لك وبين يديّ من هؤلاء الأغمار إنسان واحد؛ فإذا فرغتُ منهم فسأبرزُ لك لَعَمْري.
وحدثني عثمان بن المنذر بن مصعب بن عروة بن الزبير، قال: حدّثني رجل من بني ثعلبة بن سعد، قال: كنت بالثنيّة يوم قُتِل محمد بن عبد الله بن حسن ومعه ابن خضير، قال: فجعل ابن قحطبة يدعو ابنَ خضير إلى الأمان، ويشحّ به عن الموت، وهو يشدّ على الناس بسيفه مترجّلًا، يتمثل:
لا تَسْقِهِ حَزرًا ولا حليبًا ... إن لم تجدْه سابحًا يَعْبُوبَا
ذا مَيْعَةٍ يَلتَهِمُ الجبوبَا ... كالذئب يتلو طَمَعًا قريبا
يبادر الآثارَ أن تَثُوبا ... وحاجبَ الجَونةِ أَن يغيبا
قال: فخالط الناس، فضربه ضارب على ألْيَته فخلّها، فرجع إلى أصحابه، فشقّ ثوبًا فعصَّبها إلى ظهره، ثم عاد إلى القتال، فضربه ضارب على حَجَاج عينه (١)، فأغمض السيف في عينه، وخرّ فابتدره القوم، فحزُّوا رأسه؛ فلما قتِل
стр. 4500
ترجّل محمد، فقاتل على جيِفته حتى قتل.
وحدثني مخلّد بن يحيى بن حاضر بن المهاجر الباهليّ، قال: سمعتُ الفضل بن سليمان مولى بني نُمير يخبِر عن أخيه - وكان قد قتل له أخ مع محمد - قال: كان الخُراسانية إذا نظروا إلى ابن خُضير تنادوا: "خضير آمد، خضير آمد! "، وتصعصعوا (١) لذلك.
وحدثني هشام بن محمد بن عروة بن هشام بن عروة، قال: أخبرني ماهان بن بخت مولى قَحْطبة، قال: أتِينا برأس ابن خضير؛ فوالله ما جعلنا نستطيع حَمْله لما كان به من الجِراح؛ والله لكأنه باذنجانة مفلّقة، وكنا نضمُّ أعظَمهُ ضمًّا.
وحدثني أزهر بن سعيد، قال: لما نظر أصحاب محمد إلى العلم الأسود على مَنارة المسجد فتّ ذلك في أعضادهم، ودخل حُميد بن قحطبة من زُقاق أشجع على محمد فقتله وهو لا يشعر، وأخذ رأسه فأتَى به عيسى، وقتَل معه بشرًا كثيرًا.
قال: وحدثني أبو الحسن الحذّاء، قال: أخبرني مسعود الرّحال، قال: رأيت محمدًا يومئذ باشرَ القتال بنفسه، فأنظر إليه حين ضربه رجلٌ بسيف دون شحمة أذنه اليمنى، فبرك لرُكبتيه وتعاوروا عليه، وصاحَ حُميد بن قحطبة: لا تقتلوه، فكفّوا، وجاء حميد فاحتزّ رأسه.
وحدثني محمد بن يحيى، قال: حدثني الحارث بن إسحاق، قال: برك محمد يومئذ لركبتيْه وجعل يذبّ عن نفسه ويقول: ويحكم! أنا ابن نبيكم، محرَج مظلوم!
وحدثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني ابن أبي ثابت؛ عن عبد الله بن جعفر، قال: طعنه ابن قَحطبة في صدره فصَرعه، ثم نزل فاحتزّ رأسه، فأتى به عيسى.
وحدّثني محمد بن إسماعيل، قال: حدّثني أبو الحجاج المنقريّ، قال:
стр. 4501
رأيتُ محمدًا يومئذ وإن أشبه ما خلق الله به لَمَا ذُكِر عن حمزة بن عبد المطلب، يهذّ الناس بسيفه هذًّا؛ ما يقاربه به أحد إلا قتله، ومعه سيف، لا والله ما يُليق شيئًا؛ حتى رماه إنسان بسهم كأني أنظر إليه، أحمر أزرق، ثم دهمتْنا الخيل، فوقف إلى ناحية جدار، فتحاماه الناسُ، فوجد الموت، فتحامل عِلى سيفه فكسره، قال: فسمعتُ جدّي يقول: كان معه سيف رسول الله ﷺ ذو الفَقار.
وحدّثني هرمز أبو عليّ مولى باهلة، قال: حدّثني عمرو بن المتوكل - وكانت أمّه تخدم فاطمة بنت حسين - قال: كان مع محمد يوم قتل سيف النبيّ ﷺ ذُو الفقار، فلما أحسّ الموت أعطى سيفه رجلًا من التجار كان معه - وكان له عليه أربعمئة دينار - فقال له: خذ هذا السيف؛ فإنك لا تلقى به أحدًا من آل أبي طالب إلّا أخذه وأعطاك حقك، قال: فكان السيف عنده، حتى ولي جعفر بن سليمان المدينة فأخبر عنه، فدعا الرجل وأخذ السيف منه، وأعطاه أربعمئة دينار؛ فلم يزل عنده حتى قام المهديّ، وولِي جعفر المدينة، وبلغه مكانُ السيف؟ ؛ فأخذه، ثم صار إلى موسى، فجرّب به على كلب، فانقطع السيف. [٧/ ٥٧٩ - ٥٩٦].
وحدثني أبو عاصم النبيل، قال: حدّثني أخو الفضل بن سليمان النُّميريّ قال: كنا مع محمد، فأطاف بنا أربعون ألفًا، فكانوا حولنا كالحرّة السَّوداء، فقلت له: لو حملت فيهم لانفرجوا عنك، فقال: إنّ أمير المؤمنين لا يحمل، إنه إن حمل لم تكن له بقيّة، قال: فجعلنا نعيد ذلك عليه؛ فحمل، فالتفوا عليه فقتلوه.
وحدثني عبد الله بن محمد بن عبد الله بن سلم - ويدعى ابن البوّاب؛ وكان خليفة الفضل بن الربيع يحجب هارون - من أدباء الناس وعلمائهم - قال: حدّثني أبي عن الأسلميّ - يعني عبد الله بن عامر - قال: قال لي محمد ونحن نقاتل معه عيسى: تغشانا سحابة؛ فإن أمَطرتنا ظفرنا، وإن تجاوزتْنا إليهم فانظر إلى دمِي على أحجار الزيت؛ قال: فوالله ما لبثنا أنْ أطلّتْنا سحابة فأحالت حتى قلتُ: تفعل، ثم جاوزتنا فأصابت عيسى وأصحابه، فما كان إلا كلا ولا؛ حتى رأيته قتيلًا بين أحجار الزيت.
وحدثني إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن أبي الكرام، قال: قال عيسى لحُميد بن قحطبة عند العصر: أراك قد أبطأتَ في أمر هذا الرجل، فولّ حمزة بن
стр. 4502
مالك حرْبَه، فقال: والله لو رُمتَ أنت ذاك ما تركتُك؛ أحين قتلتُ الرجال ووجدتُ ريح الفتح! ثم جدّ في القتال حتى قُتِل محمد.
وحدثني جوّاد بن غالب بن موسى مولى بني عِجل، قال: أخبرني حميد مولى محمد بن أبي العباس، قال: اتّهم عيسى حميدَ بن قحطبة يومئذ - وكان على الخيل - فقال: يا حُميد، ما أراك تبالغ، قال: أتتهمني! فوالله لأضربنّ محمدًا حين أراه بالسيف، أو أقتل دونه، قال: فمرّ به وهو مقتول؛ فضربه بالسيف ليبرّ يمينه.
وحدَّثني يعقوب بن القاسم، قال: حدّثني عليّ بن أبي طالب، قال: قُتِل محمد عند العصر، يوم الإثنين لأربع عشرة ليلة خلتْ من شهر رمضان.
وحدثني أيوب بن عمر، قال: حدّثني أبي، قال: بعث عيسى فدقّ السجن، فحملنا إليه والقتال دائب بينهم؛ فلم نزل مطّرحين بين يديه، حين أتِيَ برأس محمد، فقلتُ لأخي يوسف: إنه سيدعونا إلى معرفته، ولا نعرفه له؛ فإنا نخاف أن نخطئ؛ فلما أتِيَ به قال: أتعرفانه؟ قلنا: نعم، قال: انظرا، أهو هذا؟ قال أبي: فبدرتُ يوسف، فقلت: أرى دمًا كثيرًا وأرى ضربًا؛ فوالله ما أثبِته، قال: فأطلقنا من الحديد، وبتنا عنده ليلتنَا كلها حتى أصبحنا، قال: ثم ولّاني ما بين مكة والمدينة، فلم أزل واليًا عليه حتى قدم جعفر بن سليمان، فحمدوني إليه، وألزمني نفسه.
وحدّثني عليّ بن إسماعيل بن صالح بن ميثم، قال: حدثني أبو كعب، قال: حضرت عيسى حين قتل محمدًا فوضع رأسه بين يديه، فأقبل على أصحابه، فقال: ما تقولون في هذا؟ فوقعوا فيه، قال: فأقبل عليهم قائد له، فقال: كذبتم والله وقلتم باطلًا، لمَا على هذا قاتلناه؛ ولكنه خالف أمير المؤمنين، وشقّ عصا المسلمين، وإن كان لصوّامًا قوّامًا، فسكت القوم.
وحدثني ابن البوّاب عبد الله بن محمد، قال: حدّثني أبي، عن الأسلميّ، قال: قدم على أبي جعفر قادم، فقال: هرب محمد، فقال: كذبت! نحن أهلَ البيت لا نفرّ.
وحدثني عبد الله بن راشد بن يزيد، قال: حدّثني أبو الحجاج الجمّال،
стр. 4503
قال: إني لقائم على رأس أبي جعفر، وهو مسائلي عن مخرج محمد، إذ بلغه أن عيسى قد هُزِم - وكان متّكئًا فجلس - فضرب بقضيب معه مصلّاه، وقال: كلا، فأين لعب صبياننا بها على المنابر ومشورة النساء! ما أنى لذلك بعدُ! .
قال: وحدّثني محمد بن الحسن، قال: حدّثني بعض أصحابنا، قال: أصاب أبا القلمّس نُشابة في ركبته، فبقيَ نصلها، فعالجها فأعياه، فقيل له: دعه حتى يقيح فيخرج، فتركه، فلما طُلب بعد الهزيمة لحق بالحَرّة، وأبطأ به ما أصاب ركبتَه، فلم يزل بالنّصل حتى استخرجه ثم جثا لركبتيه، ونكب كنانته (١)، فرماهم فتصدّعوا عنه، فلحق بأصحابه فنجا.
وحدثني محمد بن الحسن، قال: حدّثني عبد الله بن عمر بن القاسم، قال: لما انهزمنا يومئذ كنتُ في جماعة، فيهم أبو القلمّس، فالتفتّ إليه، فإذا هو مستغرب ضحكًا، قال: فقلت: والله ما هذا بموضع ضحك، وخفضتُ بصري؛ فإذا برجل من المنهزمة قد تقطع قميصُه، فلم يبق منه إلا جُرُبّانه (٢) وما يستر صدره إلى ثدييه، وإذا عورته بادية وهو لا يشعر؛ قال: فجعلت أضحك لضحك أبي القلمّس.
فحدثني عيسى، قال: حدّثني أبي، قال: لم يزل أبو القلمّس مختفيًا بالْفُرْع، وبقي زمانًا ثم عدا عليه عبدٌ له، فشدخ رأسه بصخْرة فقتله، ثم أتى أمّ ولد كانت له، فقال: إني قد قتلت سيِّدك فهلمِّي أتزوّجك؟ قالت: رويدًا أتصنّع لك، فأمهلها، فأتت السلطان فأخبرته، فأخذ العبدَ فشدخ رأسَه.
حدّثني محمود بن معمر بن أبي الشدائد، قال: أخبَرني أبي، قال: لما دخلتْ خيلُ عيسى من شِعْب بني فَزارة فقتِل محمد، اقتحم نَفِّر على أبي الشدائد فقتلوه، وأخذوا رأسه، فنادت ابنتُه الناعمة بنت أبي الشدائد: وارجالاه! فقال لها رجل من الجند: ومَنْ رجالك؟ قالت: بنو فَزارة قال: والله لو علمتُ ما دخلتُ بيتَك، فلا بأس عليك، أنا امرؤ من عشيرتك من باهلة؛ وأعطاها قطعة من عمامته فعلقتها على بابها، قال: وأُتِيَ عيسى برأسه، وعنده ابن أبي الكرام
стр. 4504
ومحمد بن لُوط بن المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، فاسترجعا وقالا: والله ما بقي من أهل المدينة أحدٌ، هذا رأس أبي الشدائد، فالح بن معمر - رجل من بني فزارة مكفوف - قال: فأمر مناديًا فنادى: مَنْ جاء برأس ضربْنا رأسه.
وحدثني عليّ بن زادان، قال: حدّثني عبد الله بن برقي، قال: رأيت قائدًا من قوّاد عيسى، جاء في جماعة يسأل عن منزل ابن هرمز؛ فأرشدناه إليه. قال: فخرج وعليه قميص رياط، قال: فأنزلوا قائدَهم، وحملوه على بِرْذَوْنه وخرجوا به يزفّونه، حتى أدخلوه على عيسى، فما هاجه.
حدثني قدامة بن محمد، قال: خرج عبد الله بن يزيد بن هرمز ومحمد بن عجلان مع محمد، فلما حضر القتال، تقلد كلّ واحد منهما قوسًا، فظننّا أنهما أرادا أن يُريا الناس أنهما قد صَلَحا ذلك.
وحدثني عيسى، قال: حدثني حسين بن يزيد، قال: أتِيَ بابن هرمز إلى عيسى بعدما قتل محمد، فقال: أيها الشيخ، أما وزعك فقهُك عن الخروج مع من خرج! قال: كانت فتنةً شملت الناس، فشملتنا فيهم، قال: اذهب راشدًا.
وحدثني محمد بن الحسن بن زبَالة، قال: سمعتُ مالك بن أنس، يقول: كنتُ آتي ابنَ هرمز فيأمر الجارية فتغلق البابَ، وترخِي الستر، ثم يذكر أوّل هذه الأمّة، ثم يبكي حتى تخضلّ لحيته، قال: ثم خرج مع محمد فقيل له: والله ما فيك شيء، قال: قد علمتُ؛ ولكن يراني جاهل فيقتدي بي.
حدثني عيسى، قال: حدّثني محمد بن زيد، قال: لمّا قُتِل محمدٌ انخرقت السماءُ بالمطر بما لم أر مثله انخرق قطّ منها، فنادى منادي عيسى: لا يبيتنّ بالمدينة أحدٌ من الجند إلا كثير بن حُصَين وجنده، ولحق عيسى بعسكره بالجُرْف؛ فكان به حتى أصبح، ثم بعث بالبشارة مع القاسم بن حسن بن زيد، وبعث بالرأس مع ابن أبي الكرام (١).
وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: لما
стр. 4505
أصبح محمد في مصرَعه، أرسلتْ أخته زينب بنت عبد الله وابنته فاطمة إلى عيسى: إنكم قد قتلتم هذا الرجل، وقضيتم منه حاجَتكم، فلو أذنتم لنا فواريناه! فأرسل إليهما: أما ما ذكرتما يا بنتيْ عمّي مما نيل منه فوالله ما أمرتُ ولا علمتُ؛ فوارِياه راشدتين، فبعثتا إليه فاحتُمل، فقيل: إنه حُشي في مقطع عنقه عديله قُطْنًا، ودفن بالبَقيع، وكان قبره وِجاه زقاق دار عليّ بن أبي طالب، شارعًا على الطريق أو قريبًا من ذلك؛ وبعث عيسى بألوية فُوضعَ على باب أسماء بنت حسن بن عبد الله واحدٌ، وعلى باب العباس بن عبد الله بن الحارث آخر، وعلى باب محمد بن عبد العزيز الزهريّ آخر، وعلى باب عبيد الله بن محمد بن صفوان آخر، وعلى باب دار أبي عمرو الغِفاريّ آخر، وصاح مناديه: مَنْ دخل تحت لواء منها، أو دخل دارًا من هذه الدور فهو آمن، ومطرت السماءُ مطرًا جَوْدًا، فأصبح الناس هادئين في أسواقهم؛ وجعل عيسى يختلف إلى المسجد من الجُرْف، فأقام بالمدينة أيامًا، ثم شخص صُبح تسع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان يريد مكة.
حدّثني أزهر بن سعيد، قال: لما كان الغد من قتل محمد أذن عيسى في دفْنه، وأمر بأصحابه فصُلبوا ما بين ثنيّة الوَداع إلى دار عمر بن عبد العزيز.
قال أزهر: فرأيتُهم صفين؛ ووكل بخشبة ابن خُضير مَن يحرسها، فاحتمله قومٌ في الليل فواروْه، ولم يقدَرْ عليهم، وأقام الآخرون مصلّبين ثلاثًا، ثم تأذّى بهم الناس، فأمر عيسى بهم فألقوا على المفرح من سَلْع، وهي مقبرة اليهود، فلم يزالوا هنالك، ثم ألقُوا في خندق بأصل ذباب.
حدثني عيسى بن عبدالله قال: حدّثتني أمي أم حسين بنت عبد الله بن محمد بن عليّ بن حسين، قالت: قلت لعمّي جعفر بن محمد: إني - فديتُك - ما أمرُ محمد بن عبد الله [هذا] قال: فتنته يقتل فيها محمد عند بيت روميّ، ويقتل أخوه لأبيه وأمّه بالعراق وحوافر فرسه في ماء.
حدثني عيسى، عن أبيه، قال: خرج مع محمد حمزة بن عبد الله بن محمد بن عليّ - وكان عمه جعفر ينهاه؛ وكان من أشدّ الناس مع محمّد - قال: فكان جعفر يقول له: هو والله مقتول، قال: فتنحى جعفر.
حدّثني عيسى، قال: حدّثنا ابنُ أبي الكرام، قال: بعثني عيسى برأس
стр. 4506
محمد، وبعث معي مئة من الجند، قال: فجئنا حتى إذا أشرفنا على النّجَف كبّرنا - قال: وعامر بن إسماعيل يومئذ بواسط محاصِر هارون بن سعد العِجلّي - فقال أبو جعفر للربيع: ويحك! ما هذا التكبير! قال: هذا ابن أبي الكرام، جاء برأس محمد بن عبد الله، قال: ائذن له ولعشرة ممّن معه، قال: فأذِن لي، فوضعتُ الرأس بين يديه في ترس، فقال: من قُتل معه من أهل بيته؟ قلتُ: لا والله ولا إنسان، قال: سبحان الله! هو ذاك، قال: فرفع رأسَه إلى الربيع، فقال: ما أخبرنا صاحبه الذي كان قبله؟ قال الربيع: زعم أنه قتِل منهم عدد كثير، قلت: لا والله ولا واحد.
حدثني عليّ بن إسماعيل بن صالح بن ميثم، قال: لما قدِم برأس محمد على أبي جعفر وهو بالكوفة، أمر به فطيِف في طَبق أبيض، فرأيته آدم أرْقَط، فلما أمسى من يومه بعث به إلى الآفاق.
وحدثني عبد الله بن عمر بن حبيب من أهل يَنْبعُ، قال: لما أُتِيَ أبو جعفر برؤوس بني شجاع، قال: هكذا فليكن الناس، طلبتُ محمدًا فاشتمل هؤلاء عليه، ثم نقلوه وانتقلوا معه، ثم قاتلوا معه فصبروا حتى قتلوا.
قال عمر: أنشدني عيسى بن إبراهيم وإبراهيم بن مصعب بن عُمارة بن حمزة بن مصعب، ومحمد بن يحيى ومحمد بن الحسن بن زَبالة وغيرهم لعبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير يرثي محمدًا:
تبكي مُدلّه أن تقنَّص حَبْلَهُمْ ... عِيسى وأَقصَدَ صائبًا عثمانا
هَلا على المَهْديّ وابنَيْ مُصْعَبٍ ... أَذرَيْتَ دَمْعَك ساكبًا تَهتانا!
ولفَقْدِ إبراهيمَ حينَ تصدَّعَت ... عنه الجمُوعُ فَواجَهَ الأَقرانا
سالَتْ دمُوعك ضَلَّةً قَدْ هِجْتَ لي ... بُرَحاءَ وَجْدٍ تَبْعَثُ الأَحزَانا
والله ما وَلَدَ الحواضنُ مثلَهم ... أَمْضَى وأَرفَعَ مَحْتِدًا ومكانا
وأَشَدَّ ناهِضَةً وأقوَلَ لِلَّتي ... تَنْفِي مصادرُ عَدْلها البهتانا
فهناك لو فَقَّأْتَ غير مُشَوَّهٍ ... عَيْنَيْك من جزع عذرتَ علانا
رُزْءٌ لَعَمْرُكَ لو يُصابُ بمثله ... مِبْطانُ صدَّع رُزْؤه مبْطانا
وقال ابن مصعب:
يا صاحبَيَّ دَعَا المَلامة واعْلما ... أن لسْتُ في هذا بأَلْوَم منكما
стр. 4507
وَقِفَا بقبر ابن النبيّ فسلِّما ... لا بأْسَ أن تَقِفا به فتُسَلِّما
قبرٌ تَضَمَّنَ خَيْرَ أَهْل زَمانه ... حَسَبًا وطيْبَ سجيَّةٍ وتكرُّما
رجلٌ نفى بالعَدْلِ جَوْرَ بِلادِنا ... وعفا عظيماتِ الأُمور وأنعَما
لم يَجْتَنبْ قَصْدَ السبيل ولم يَجُرْ ... عنه ولم يفتح بفاحشةٍ فما
لو أعظَمَ الحَدَثَان شيئًا قبله ... بعد النبيّ به لكنتَ المعظَما
أو كان أمتع بالسلامة قبله ... أحدًا لكان قصارُه أَن يسلَما
ضحَّوا بإبراهيمَ خيرَ ضَحِيَّةٍ ... فتصرَّمت أيامُه وتصرّما
بطلًا يخوضُ بنفسه غمراتِها ... لا طائشًا رَعَشًا ولا مُسْتَسْلما
حتى مضَت فيه السُّيوفُ ورُبَّما ... كانت حُتُوفُهُمُ السيوف ورُبّما
أضحى بنو حَسَن أُبيحَ حَرِيمُهُمْ ... فينا وأصْبحَ نهبُهمْ متقسَّما
ونساؤُهم في دورِهنَّ نوائح ... سَجْعَ الحمامِ إذا الحَمامُ ترنّما
يتوسَّلون بقتلهم ويَرَوْنَه ... شَرَفًا لهم عند الإمام ومَغْنَمَا
والله لو شهد النبيُّ محمّدٌ ... صلّى الإله على النبيّ وسلّما
إِشْراعَ أُمَّتِهِ الأَسَنَّةَ لابْنِه ... حتى تقطَّر من ظُبَاتِهُمُ دما
حَقًّا لأيْقَنَ أنَّهم قد ضَيَّعوا ... تلك القرابةَ واستحلّوا المحرَما
وحدثني إسماعيل بن جعفر بن إبراهيم، قال: حدثني موسى بن عبد الله بن حسن، قال: خرجتُ من منازلنا بسويقة في الليل، وذلك قبل مُخْرَج محمد بن عبد الله؛ فإذا بنسوة كأنما خرجْن من ديارنا؛ فأخذتْني عليهنّ غَيْرة، فإني لأتبعهنّ أنظر أين يَردْنَ؛ حتى إذا كنّ بطرف الحُميرَاء من جانب الغَرْس؛ التفتت إليّ إحداهنّ، فقالت:
سُوَيْقَةُ بَعْدَ ساكنها يَبَابُ ... لقد أَمستْ أجَدَّ بها الخرابُ
فعرفت أنهنّ من ساكني الأرض، فرجعت.
وحدّثني عيسى، قال: لما قَتَل عيسى بن موسى محمدًا قبض أموالَ بني يحسن كلَّها، فأجاز ذلك أبو جعفر.
وحدّثني أيوب بن عمر، قال: لقيَ جعفر بن محمد أبا جعفر، فقال: يا أمير المؤمنين، رُدّ عليَّ قطيعتي عين أبي زياد آكل من سَعفها، قال: إياي تكلم بهذا الكلام! والله لأزهِقنَّ نفسَك، قال: فلا تعجلْ عليّ قد بلغت ثلاثًا وستين، وفيها
стр. 4508
مات أبي وجدّي عليّ بن أبي طالب؛ وعليّ كذا وكذا إن ربتُك شيء أبدًا، وإن بقيتُ بعدك إن رِبْت الذي يقوم بعدك، قال: فرقّ له وأعفاه.
وحدّثني هشام بن إبراهيم بن هشام بن راشد، قال: لم يَرُدّ أبو جعفر عينَ أبي زياد حتى مات فردّها المهديّ على ولده.
وحدّثني هشام بن إبراهيم، قال: لما قُتِل محمد أمر أبو جعفر بالبحر فأقفل على أهل المدينة، فلم يحمَل إليهم من ناحية البحار شيء؛ حتى كان المهديّ فأمر بالبحر ففتح لهم، وأذن في الحمل.
وحدّثني محمد بن جعفر بن إبراهيم، قال: حدّثتنْي أمّي أمّ سلمة بنت محمد بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر زوْجة موسى بن عبد الله، قالت: خاصم بنو المخزومية عيسى وسليمان وإدريس بنو عبد الله بن حسن بن محمد بن عبد الله بن حسن في ميراث عبد الله، وقالوا: قُتِل أبوكم محمّد فورثه عبد الله؛ فتنازعوا إلى الحسن بن زيد؛ فكتب بذلك إلى أمير المؤمنين أبي جعفر، فكتب إليه: أما بعد؛ فإذا بلغك كتابي هذا فورِّثهم من جدّهم، فإني قد رددت عليهم أموالَهم صلةً لأرحامهم، وحفظًا لقَرابتهم.
وحدّثني عيسى، قال: خرج مع محمد من بني هاشم الحسن ويزيد وصالح بنو معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وحسين وعيسى ابنا زيد بن عليّ بن حسين بن عليّ بن أبي طالب؛ قال: فحدّثني عيسى، قال: بلغني أن أبا جعفر كان يقول: واعجبَا لخروج ابني زيد بن عليّ وقد قتلنا قاتل أبيهما كما قتله، وصلبناه كما صلبه، وأحرقناه كما أحرقه، وحمزة بن عبد الله بن محمد بن عليّ بن حسين بن أبي طالب، وعليّ وزيد ابنا حسن بن زيد بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب!
قال عيسى: قال أبو جعفر للحسن بن زيد: كأني أنظر إلى ابنيك واقفيْن على رأس محمد بسيفيْن، عليهما قَباءان، قال: يا أمير المؤمنين، قد كنت أشكو إليك عقوقهما قبل اليوم، قال: أجل فهذا من ذاك، والقاسم بن إسحاق بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، والمرجّى عليّ بن جعفر بن إسحاق بن عليّ بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، قال عيسى: قال أبو جعفر لجعفر بن إسحاق: مَن المرجَّى هذا؟ فعل الله به وفعل! قال: يا أمير المؤمنين؛ ذاك ابني، والله لئن
стр. 4509
شئت أن أنتفي منه لأفعلنّ، ومن بني عبد شمس محمد بن عبد الله بن عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس.
قال: وحدثني أبو عاصم النّبيل، قال: حدثني عبّاد بن كثير، قال: خرج ابن عجلان مع محمد، وكان على ثقَله فلما ولي جعفر بن سليمان المدينة قيّده، فدخلت عليه، فقلت: كيف ترى رأي أهل البصرة في رجل قيّد الحسن؟
قال: سيّئًا والله، قال: قلت: فإن ابن عجلان بهذه كالحسن ثمَّ، فتركه ومحمد بن عجلان مولى فاطمة بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس (١). [٧/ ٥٩٦ - ٦٠٥].
وحدّثني سعيد بن عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله، أنّ عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم خرج معه؛ فأتَى به أبو جعفر بعد قتل محمد، فقال له: أنت الخارج عليّ مع محمد؟ قال: لم أجد إلّا ذلك أو الكفر بما أنزل الله على محمد ﷺ ، قال عمر: هذا (١) وهْمٌ.
قال: وحدثني عبد العزيز بن أبي سلمة بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، قال: كان عبيد الله قد أجاب محمدًا إلى الخروج معه؛ فمات قبل أن يخرج، وخرج معه أبو بكو بن عبد الله بن محمد بن أبي سَبْرة بن أبي رُهم بن عبد العُزّى ابن أبي قيس بن عبد وُدّ بن نصر بن مالك بن حِسْل بن عامر بن لؤيّ، وخرج معه عبد الواحد بن أبي عون مولى الأزد وعبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن بن المسوَر بن مخرمة وعبد العزيز بن محمد الدَّراوَرْديّ وعبد الحميد بن جعفر وعبد الله بن عطاء بن يعقوب مولى بني سباع، وابن سباع من خُزاعة حليف بني زُهرة، وبنو إبراهيم وإسحاق وربيعة وجعفر وعبد الله وعطاء ويعقوب وعثمان وعبد العزيز؛ بنو عبد الله بن عطاء.
وحدّثني إبراهيم بن مُصعب بن عُمارة بن حمزة بن مُصعب بن الزبير، قال: وحدثني الزُّبير بن خُبيب بن ثابت بن عبد الله بن الزُّبير، قال: إنا لبالمُر من بطن
стр. 4510
إضَم، وعندي زوجتي أمينة بنت خضير؛ إذ مرّ بنا رجل مصعِد من المدينة، فقالت له: ما فعل محمد؟ قال: قُتِل، قالت: فما فعل ابن خُضير؟ قال: قتل، فخرّت ساجدة، فقلت: أتسجدين أن قُتِل أخوك! قالت: نعم، أليس لم يفِرّ ولم يُؤسَر!
قال عيسى: حدّثني أبي، قال: قال أبو جعفر لعيسى بن موسى: مَنْ استنصر مع محمد؟ قال: آل الزبير، قال: ومَنْ؟ قال: وآل عمر، قال: أما والله غير مودّة بهما له ولا محبّة له ولا لأهل بيته، قال: وكان أبو جعفر يقول: لو وجدتُ ألفًا من آل الزّبير كلهم محسِن وفيهم مسئ واحدٌ لقتلتهم جميعًا، ولو وجدت ألفًا من آل عمر كلهم مسئ وفيهم مُحِسنٌ واحد لأعفيتُهم جميعًا.
قال عمر: وحدّثني إبراهيم بن مصعب بن عمارة بن حمزة بن مصعب، قال: حدّثني محمد بن عثمان بن محمد بن خالد بن الزّبير، قال: لما قُتِل محمد، هرب أبي وموسى بن عبد الله بن حسن وأنا معهما وأبو هبّار المزنيّ، فأتينا مكة، ثم انحدرنا إلى البصرة، فاكترينا من رجل يدعى حكيمًا، فلما وردنا البصرة - وذلك بعد ثلث الليل - وجدنا الدُّروب مغلَقة، فجلسنا عندها حتى طلع الفجر؛ ثم دخلنا فنزلنا المِرْبَد، فلما أصبحنا أرسلنا حكيمًا يبتاع لنا طعامًا؛ فجاء به على رجل أسود، في رجله حديدة، فدخل به علينا فأعطاه جُعْله، فتسخّط علينا، فقلنا: زده، فتسخّط، فقلنا له: ويلك! أضعف له، فأبى، فاستراب بنا، وجعل يتصفح وجوهنا، ثم خرج فلم ننشَب أن أحاطت بمنزلنا الخيل، فقلنا لربّة المنزل: ما بال الخيل؟ فقالت: لا بأس فيها، تطلب رجلًا من بني سَعْد يدعى نُميلة بن مُرّة، كان خرج مع إبراهيم، قال: فوالله ما راعنا إلّا بالأسود قد دُخل به علينا، قد غُطّى رأسه ووجهه.
فلما دُخِل به كُشف عنه، ثم قيل: أهؤلاء؟ قال: نعم هؤلاء؛ هذا موسى بن عبد الله، وهذا عثمان بن محمد، وهذا ابنه؛ ولا أعرف الرابعَ غير أنه من أصحابهم، قال: فأخِذْنا جميعًا، فدُخل بنا على محمد بن سليمان فلما نظر إلينا أقبل على موسى، فقال: لا وصل الله رحِمك! أتركتَ البلاد جميعًا وجئتني! فإمّا أطلقتُك فتعرّضتُ لأمير المؤمنين، وإمّا أخذتُك فقطعت رَحِمك، ثم كتب إلى أمير المؤمنين بخبرنا. قال: فجاء الجواب أن احملهم إليّ، فوجّهنا إليه ومعنا جند، فلما صرنا بالبطيحة وجدنا بها جُنْدًا آخر ينتظروننا؛ ثم لم نزلْ فأتى على
стр. 4511
المسالح من الجُند في طريقنا كله، حتى وردنا بغداد، فدُخل بنا على أبي جعفر، فلما نظر إلى أبي قال: هِيه! أخَرجتَ عليّ مع محمد! قال: قد كان ذاك؛ فأغلظ له أبو جعفر؛ فراجعه مليًّا، ثم أمر به فضُربت عنقه، ثم أمر بموسى فضُرِب بالسياط، ثم أمر بي فقُرّبت إليه، فقال: اذهبوا به فأقيموه على رأس أبيه؛ فإذا نظر إليه فاضربوا عنقَه على جيفته، قال: فكلمه عيسى بن عليّ، وقال: والله ما أحسبه بلغ؛ فقلت: يا أمير المؤمنين، كنتُ غلامًا حدثًا غِرًّا أمرني أبي فأطعتُه، قال: فأمر بي فضُربتُ خمسين سوطًا، ثم حبسني في المطبَق وفيه يومئذ يعقوب بن داود، فكان خير رفيق أرافقه وأعطفه، يُطعمني من طعامه، ويسقيني من شرابه، فلم نزل كذلك حتى توُفِّيَ أبو جعفر، وقام المهديّ وأخرج يعقوب، فكلمه فيّ فأخرجني.
قال: وحدّثني أيوب بن عمر، قال: حدّثني محمد بن خالد، قال: أخبرني محمد بن عروة بن هشام بن عُروة، قال: إني لعند أبي جعفر، إذْ أتي فقيل له: هذا عثمان بن محمد بن خالد قد دُخِل به، فلما رآه أبو جعفر، قال: أين المال الذي عندك، قال: دفعته إلى أمير المؤمنين ﵀، قال: ومَن أمير المؤمنين؟ قال: محمد بن عبد الله، قال: أبايعتَه؟ قال: نعم كما بايعتَه، قال: يا بن اللخناء! قال: ذاك مَنْ قامت عنه الإماء، قال: اضرب عنقه، قال: فأخِذ فضربت عنقه.
قال: وحدثني سعيد بن عبد الحميد بن جعفر، قال: حدّثني محمد بن عثمان بن خالد الزُّبيريّ، قال: لما خرج محمد خرج معه رجلٌ من آل كثير بن الصلت، فلما قتل وهُزِم أصحابه تغيّبوا؛ فكان أبي والكثيريّ فيمن تغيّب، فلبثوا بذلك؛ حتى قدم جعفر بن سليمان واليًا على المدينة، فاشتدّ في طلب أصحاب محمد، فاكترى أبي من الكثيريّ إبلًا كانت له، فخرجنا متوجّهين نحو البصرة، وبلغ الخبر جعفرًا، فكتب إلى أخيه محمد يعلمه بتوجّهنا إلى البصرة، ويأمره بالترصّد لنا والتيقظ لأمرنا ومقدمنا، فلما قدمنا علم محمد بمقدمنا ومكاننا، فأرسل إلينا فأخذنا، فأتِيَ بنا، فأقبل عليه أبي، فقال: يا هذا، اتّق الله في
стр. 4512
كَرِيّنا (١) هذا؛ فإنه أعرابيّ لا علم له بنا، إنما أكْرانا ابتغاء الرزق، ولو علم بجريرتنا ما فعل؛ وأنت معرّضه لأبي جعفر؛ وهو مَنْ قد علمت؛ فأنت قاتله ومتحمّل مأثمه. قال: فوَجَم محمد طويلًا، ثم قال: هو والله أبو جعفر، والله ما أتعرّض له، ثم حُمِلنا جميعًا فدخلنا على أبي جعفر؛ وليس عنده أحد يعرف الكثيريّ غير الحسن بن زيد، فأقبل على الكثيريّ، فقال: يا عدوّ الله، أتكري عدوّ أمير المؤمنين، ثم تنقله من بلد إلى بلد، تواريه مرة وتظهره أخرى! قال: يا أميرَ المؤمنين، وما علمِي بخبَره وجريرته وعداوته إياك! إنما أكريتُه جاهلًا به، ولا أحسبه إلّا رجلًا من المسلمين، بريء الساحة؛ سليم الناحية، ولو علمت حاله لم أفعل، قال: وأكبّ الحسن بن زيد ينظر إلى الأرض، لا يرفع رأسه، قال: فأوعد أبو جعفر الكثيريّ وتهدده، ثم أمر بإطلاقه، فخرج فتغيّب، ثم أقبل على أبي، فقال: هيه يا عثمان! أنتَ الخارج على أمير المؤمنين، والمعينُ عليه! قال: بايعتُ أنا وأنت رجلًا بمكة، فوَفَيتُ بيعتي وغدرتَ ببيعتك، قال: فأمر به فضربت عنقه.
قال: وحدّثني عيسى، قال: حدّثني أبي، قال: أتِيَ أبو جعفر بعبد العزيز بن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، فنظر إليه فقال: إذا قتلتُ مثل هذا من قريش فمن أستبقي! ثم أطلقه، وأتِيَ بعثمان بن محمد بن خالد فقتله، وأطلق ناسًا من القرشيّين، فقال له عيسى بن موسى: يا أميرَ المؤمنين، ما أشقَى هذا بك من بينهم! فقال: إن هذا يدي.
قال: وحدّثني عيسى، قال: سمعتُ حسن بن زيد يقول: غدوتُ يومًا على أبي جعفر؛ فإذا هو قد أمر بعمل دكان، ثم أقام عليه خالدًا.
وأتي بعليّ بن المطلب بن عبد الله بن حنطب، فأمر به فضُرب خمسمئة سوط، ثم أتِيَ بعبد العزيز بن إبراهيم بن عبد الله بن مطيع فأمر به فجُلِد خمسمئة سوط؛ فما تحرّك واحد منهما، فقال لي: هل رأيتَ أصبر من هذين قطّ! والله إنا لنؤتَى بالذين قد قاسوْا غلظ المعيشة وكدّها، فما يصبرون هذا الصبر، وهؤلاء أهل الخفض والكِنّ والنعمة، قلت: يا أميرَ المؤمنين، هؤلاء قومك أهلُ الشرف
стр. 4513
والقَدْر، قال: فأعرض عني، وقال: أبيتَ إلا العصبيَة! ثم أعاد عبد العزيز بن إبراهيم بعد ذلك ليضربه، فقال: يا أميرَ المؤمنين، اللهَ الله فينا! فوالله إني لمكِبّ على وجهي منذ أربعين ليلة، ما صلّيتُ لله صلاة! قال: أنتم صنعتم ذلك بأنفسكم، قال: فأين العفو يا أمير المؤمنين؟ قال: فالعفو والله إذًا، ثم خلَّى سبيله.
حدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابنُ سعد، عن محمد بن عمر، قال: كثروا محمدًا وألحّوا في القتال حتى قتِل محمد في النصف من شهر رمضان سنة خمسة وأربعين ومئة، وحمِل رأسه إلى عيسى بن موسى، فدعا ابنَ أبي الكرام، فأراه إياه، فعرفه فسجد عيسى بن موسى، ودخل المدينة، وآمن الناسَ كلهم، وكان مكث محمد بن عبد الله من حين ظهر إلى أن قتل شهرين وسبعة عشر يومًا. [٧/ ٦٠٥ - ٦٠٩].
* * *
ذكر الخبر عن وثوب السودان بالمدينة في هذه السنة والسبب الذي هيّج ذلك
ذكر عمر بن شبة أنّ محمد بن يحيى حدثه، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: كان رياح بن عثمان استعمل أبا بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرة على صَدَقة أسد وطيّئ فلما خرج محمد أقبل إليه أبو بكر بما كان جبا وشمّر معه، فلما استخلف عيسى كثير بن حصين على المدينة أخذ أبا بكر، فضربه سبعين سوطًا وحدّده وحبسه، ثم قدِم عبد الله بن الرّبيع واليًا من قِبَل أبي جعفر يوم السبت لخمس بقين من شوّال سنة خمس وأربعين ومئة، فنازع جنده التجار في بعض ما يشترونه منهم، فخرجت طائفة من التجار حتى جاؤوا دار مَرْوان، وفيها ابنُ الربيع، فشكوْا ذلك إليه، فنهرهم وشتمهم، وطمع فيهم الجند، فتزايدوا في سوء الرأي.
قال: وحدثني عمر بن راشد، قال: انتهب الجند شيئًا من متاع السوق، وغدوْا على رجل من الصّرّافين يدعى عثمان بن زيد، فغالبوه على كيسه؛ فاستغاث، فخلّص مالَه منهم، فاجتمع رؤساء أهل المدينة فشكوْا ذلك إلى
стр. 4514
ابن الربيع فلم ينكرْه ولم يغَيره، ثم جاء رجل من الجند فاشترى من جزّار لحمًا يومَ الجمعة، فأبى أن يعطيَه ثمنه، وشهر عليه السيف؛ فخرج عليه الجزّار من تحت الوَضَم بشَفْرة، فطعن بها خاصرتَه، فخرّ عن دابته، واعتوره الجزّارون فقتلوه، وتنادى السودان عن الجند وهم يروحون إلى الجمعة فقتلوهم بالعُمُد في كلّ ناحية، فلم يزالوا على ذلك حتى أمسوْا؛ فلما كان الغد هربَ بن الربيع.
قال: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: نفخ السودان في بُوق لهم؛ فذكر لي بعضُ مَنْ كان في العالية وبعض مَنْ كان في السافلة، أنه كان يرى الأسود من سكّانهما في بعض عمله يسمع نفْخَ البوق، فيصغِي له حتى يتيقنه ثم يوحّش بما في يده، ويأتمّ الصوتَ حتى يأتيه، قال: وذلك يوم الجمعة لسبع بقين من ذي الحجة من سنة خمس وأربعين ومئة، ورؤساء السودان ثلاثة نفر: وثيق ويعقل ورمقة، قال: فغدوْا على ابن الربيع، والناس في الجمعة فأعجلوهم عن الصّلاة، وخرج إليهم فاستطردُوا له؛ حتى أتى السوق فمرَّ بمساكين خمسة يسألون في طريق المسجد، فحمل عليهم بمَنْ معه حتى قتلوهم، ثم مر بأصَيْبِيَة على طَنَف دار، فظنّ أن القوم منهم؛ فاستنزلهم واختدعهم وآمنهم، فلما نزلوا ضرب أعناقهم، ثم مضى ووقف عند الحنّاطين، وحمل عليه السودانُ، فأجلى هاربًا فاتّبعوه حتى صار إلى البَقِيع، ورهقوه فنثر لهم دراهم؛ فشغلهم بها، ومضى على وجهه حتى نزل ببطن نَخْل، عن ليلتين من المدينة.
قال: وحدّثني عيسى قال: خرج السّودان على ابن الربيع، ورؤساؤهم: وثيق وحَدْيا وعُنقود وأبو قيس؛ فقاتلهم فهزموه، فخرج حتى أتى بطْن نَخْل فأقام بها.
وحدّثني عمر بن راشد، قال: لما هربَ ابن الربيع وقع السودان في طعام لأبي جعفر من سَوِيق ودقيق وزيْت وقَسْب، فانتهبوه، فكان حِمْل الدّقيق بدرهمين، وراوية زيت بأربعة دراهم.
وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: أغاروا على دار مَرْوان ودار يزيد؛ وفيهما طعام كان حُمل للجنْد في البحر، فلم يدَعوا فيهما شيئًا، قال: وشخص سليمان بن فُلَيح بن سليمان في ذلك اليوم إلى أبي جعفر، فقدم عليه فأخبره الخبر.
стр. 4515
قال: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: وقتل السودان نفرًا من الجُنْد، فهابهم الجند حتى أن كان الفارس ليلقى الأسود وما عليه إلا خِرْقتان على عَوْرته ودُرّاعة، فيولِّيه دُبُره احتقارًا له، ثم لم ينشب أن يشدّ عليه بعمود من عُمُد السوق فيقتله: فكانوا يقولون: ما هؤلاء السودان إلا سَحرة أو شياطين! [٧/ ٦٠٩ - ٦١١].
وحدّثني محمد بن الحسن بن زَبالة، قال: حدّثني الحسين بن مُصعب، قال: لما خرج السودان وهرب ابن الرّبيع، جئتُهم أنا وجماعة معي، وقد عسكروا في السوق، فسألناهم أن يتفرّقوا، وأخبرناهم أنّا وإياهم لا نقوى على ما نصبو له، قال: فقال لنا وثيق: إنّ الأمر قد وقع بما تروْن؛ وهو غير مبقٍ لنا ولا لكم، فدعونا نشفِكم ونشتفِ أنفسنا، فأبينا، ولم نزل بهم حتى تفرّقوا.
وحدّثني عمر بن راشد، قال: كان رئيسهم وثيق وخليفته يعقل الجزّار.
قال: فدخل عليه ابنُ عمران، قال: إلى مَنْ تعهد يا وثيق؟ قال: إلى أربعة من بني هاشم، وأربعة من قُريش، وأربعة من الأنصار، وأربعة من الموالي؛ ثم الأمر شورى بينهم، قال: أسأل الله إن ولاك شيئًا من أمرنا أن يرزقَنا عدلك، قال: قَدْ والله ولّانيه الله.
قال: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: حضر السوُّدان المسجد مع ابن أبي سَبْرة، فرَقِيَ المنبر في كَبْل حديد حتى استوَى في مجلس رسول الله ﷺ ، وتبعه محمد بن عمران، فكان تحته، وتبعهم محمد بن عبد العزيز فكان تحتهما، وتبعهم سليمان بن عبد الله بن أبي سَبْرة، فكان تحتهم جميعًا؛ وجعل الناس يلغطون لغطًا شديدًا، وابن أبي سبرة جالسٌ صامتٌ، فقال ابن عمران: أنا ذاهبٌ إلى السوق، فانحدر وانحدر مَنْ دونه، وثبت ابن أبي سَبْرة فتكلَّم فحثّ على طاعة أمير المؤمنين؛ وذكر أمر محمد بن عبد الله فأبلغ.
ومضى ابن عمران إلى السوق، فقام على بَلَاسٍ من بُلُس الحنطة، فتكلم هناك، فتراجع الناسُ، ولم يصلّ بالناس يومئذ إلا المؤذّن، فلما حضرت العشاء الآخرة وقد ثاب الناس، فاجتمع القرشيَون في المقصورة، أقام الصلاة
стр. 4516
محمد بن عمار المؤذّن، الذي يلقب كساكس، فقال للقرشيين: مَنْ يصلِّي بكم؟ فلم يجبه أحدٌ، فقال: ألا تسمعون! فلم يجيبوه، فقال: يا بن عمران، ويا بن فلان، فلم يجبه أحدٌ، فقام الأصبغ بن سفيان بن عاصم بن عبد العزيز بن مروان، فقال: أنا أصلي، فقام في المقام، فقال للناس: استووا، فلما استوت الصُّفوف أقبل عليهم بوجهِهِ، ونادى بأعلى صوته: ألا تسمعون! أنا الأصبغ بن سفيان بن عاصم بن عبد العزيز بن مروان، أصلِّي بالناس على طاعة أبي جعفر، فردّد ذلك مرتين أو ثلاثًا، ثم كبّر فصلى، فلما أصبح الناس قال ابن أبي سبرة: إنه قد كان منكم بالأمس ما قد علمتم؛ نهبتم ما في دار عاملكم وطعامَ جند أمير المؤمنين، فلا يبقينّ عند أحد منكم شيء إلا ردّه، فقد أقعدتُ لكم الحكم، عبد الله بن المغيرة بن موهب؛ فرفع الناسُ إليه ما انتهبُوا، فقيل: إنه أصاب قيمة ألف دينار.
وحدّثني عُثامة بن عمرو، قال: حدثني المسور بن عبد الملك، قال: ائتمر القرشيّون أن يدعوا ابن الربيع يخرج ثم يكلموه في استخلاف ابن أبي سَبْرة على المدينة، ليتحلّل ما في نفس أمير المؤمنين عليه؛ فلما أخرجه السودان، قال له ابن عبد العزيز: أتخرج بغير والٍ استُخلف! ولّها رجلًا، قال: مَنْ؟ قال: قدامة بن موسى، قال: فصيح بقدامة، فدخل فجلس بين ابن الربيع وبين ابن عبد العزيز، فقال: ارجع يا قدامة، فقد وليتك المدينة وأعمالها، قال: والله ما قال لك هذا مَنْ نصحك، ولا نَظَر لمن وراءه، ولا أراد إلّا الفساد، ولأحقّ بهذا مني ومنه مَنْ قام بأمر الناس وهو جالسٌ في بيته - يعني ابن أبي سبرة - ارجع أيها الرجل؛ فوالله ما لك عذر في الخروج، فرجع اين الربيع.
قال: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: ركب ابن عبد العزيز في نفر من قريش إلى ابن الربيع، فناشدوه وهو ببطْن نخل إلّا رجع إلى عمله، فتأبَّى، قال: فخلا به ابن عبد العزيز، فلم يزل به حتى رجع وسكن الناس وهدؤوا.
قال: وحدّثني عمر بن راشد، قال: ركب إليه ابن عمران وغيرُه وقد نزل الأعْوَص، فكلّموه فرجع، فقطع يد وثيق وأبي النار ويعقل ومِسْعر. [٧/ ٦١٢ - ٦١٤].
стр. 4517
وكان سبب ذلك أنّ أبا جعفر المنصور بني - فيما ذكر - حين أفضى الأمر إليه الهاشميّة، قبالَة مدينة ابن هُبيرة، بينها عَرْض الطريق، وكانت مدينة ابن هبيرة التي بحيالها مدينة أبي جعفر الهاشميّة، إلى جانب الكوفة. وبني المنصور أيضًا مدينة بظهر الكوفة سماها الرُّصافة، فلما ثارت الرّاوندية بأبي جعفر في مدينته التي تسمى الهاشمية، وهي التي بحيال مدينة ابن هبيرة، كره سُكناها لاضطراب من اضطرب أمرُه عليه من الرّاوندية، مع قرب جواره من الكوفة، ولم يأمن أهلها على نفسه، فأراد أن يبعُد من جوارهم؛ فذكر أنه خرج بنفسه يرتاد لها موضعًا يتخذه مسكنًا لنفسه وجنده، ويبتني به مدينة، فبدأ فانحدر إلى جَرْجَرَايا ثم صار إلى بغداد، ثم مضى إلى الموصل، ثم عاد إلى بغداد، فقال: هذا موضع معسكر صالِحٌ، هذه دجلة ليس بيننا وبين الصين شيء، يأتينا فيها كلّ ما في البحر، وتأتينا المِيرة من الجزيرة وأرمينيَة وما حول ذلك، وهذا الفُرات يجيء فيه كلّ شيء من الشأم والرّقّة وما حول ذلك، فنزل وضرب عسكره على الصّراة، وخطّ المدينة، ووكل بكل رُبْع قائدًا.
وذكر عن الهيثم بن عديّ، عن ابن عياش، قال: لمّا أراد أبو جعفر الانتقال من الهاشمية بعث روّادًا يرتادون له موضعًا ينزله واسطًا، رافقًا بالعامة والجُنْد، فنُعت له موضع قريب من بارِمّا، وذُكِر له عنه غذاء طيّب، فخرج إليه بنفسه حتى ينظر إليه، وبات فيه، وكرّر نظره فيه، فرآه موضعًا طيبًا، فقال لجماعة من أصحابه؛ منهم سليمان بن مجالد وأبو أيوب الخوزيّ وعبد الملك بن حميد الكاتب وغيرهم: ما رأيُكم في هذا الموضع؟ قالوا: ما رأينا مثله، هو طيّب صالحٌ موافقٌ، قال: صدقتم؛ هو هكذا، ولكنه لا يحمل الجندَ والناس والجماعات، وإنما أريد موضعًا يرتفِق الناس به ويوافقهم مع موافقته لي، ولا تغلو عليهم فيه الأسعارُ، ولا تشتدّ فيه المؤونة، فإني إن أقمت في موضع (١) لا يجلَب إليه من البرّ والبحر شيء غلَت الأسعار، وقلّت المادّة، واشتدَّت المؤونة، وشقَّ ذلك على الناس؛ وقد مررتُ في طريقي على موضع فيه مجتمعة هذه الخصال؛ فأنا نازل فيه، وبائت به؛ فإذا اجتمع لي فيه ما أريد من طيب الليل
стр. 4518
والموافقة مع احتماله للجند والناس أبتنيه.
قال الهيثم بن عديّ: فخُبّرت أنه أتى ناحية الجِسْر، فعبر في موضِع قصر السلام، ثمّ صلى العصر - وكان في صَيْف، وكان في موضع القصر بيِعة قسّ - ثم بات ليلةً حتى أصبح، فبات أطيب مبيت في الأرض وأرفقَه، وأقام يومه فلم ير إلّا ما يحبّ، فقال: هذا موضع أبني فيه؛ فإنه تأتيه المادّة من الفرات ودِجْلة وجماعة من الأنهار، ولا يحمل الجندَ والعامّة إلّا مثلُه، فخطّها وقدّر بناءها، ووضع أوّل لَبِنة بيده، وقال: بسم الله والحمد لله، والأرض لله يورثها من يشاءُ من عباده والعاقبة للمتقين، ثم قال: ابنُوا على بركة الله.
وذُكِر عن بِشْر بن ميمون الشرويّ وسليمان بن مجالد، أنّ المنصور لما رجع من ناحية الجبل، سأل عن خبر القائد الذي حدّثه عن الطبيب الذي أخبره عمّا يجدون في كتبهم من خبر مِقلاص، ونزلَ الدّيْر الذي هو حذاء قصره المعروف بالخُلْد، فدعا بصاحب الدَّيْر، وأحضر البِطريق صاحب رحا البطريق وصاحب بغداد وصاحب المخرّم وصاحب الدير المعروف ببستان القسّ وصاحب العتيقة، فسألهم عن مواضعهم، وكيف هي في الحرّ والبرد والأمطار والوحول والبقّ والهوامّ؟ فأخبره كلّ واحد بما عنده من العلم، فوجّه رجالًا من قِبَله، وأمر كلَّ واحد منهم أن يبيتَ في قرية منها، فبات كلّ رجل منهم في قرية منها، وأتاه بخبرها، وشاور المنصور الذين أحضرهم، وتنحّر (١) أخبارهم؛ فاجتمع اختيارهم على صاحب بغداد، فأحضره وشاوره، وساءله - فهو الدّهقان الذي قريته قائمة إلى اليوم في المربّعة المعروفة بأبي العباس الفضل بن سليمان الطوسيّ، وقباب القرية قائم بناؤها إلى اليوم، وداره ثابتة على حالها - فقال: يا أمير المؤمنين، سألتني عن هذه الأمكنة وطيبها وما يُختار منها؛ فالذي أرى يا أمير المؤمنين أن تنزل أربعة طَسَاسيجِ (٢) في الجانب الغربيّ طسّوجَيْن وهما قطربُّل وبادورَيَا، وفي الجانب الشرقيّ طسّوجَيْن وهما نهر بوق وكَلْواذَى، فأنت تكون بين نخل وقرب الماء، فإن أجدب طسُّوج وتأخّرت عِمارته كان في الطسّوج الآخر العِمارات، وأنت يا أمير المؤمنين على الصَّراة، تجيئك الميرة في السفن
стр. 4519
من المغرب في الفرات، وتجيئك طرائف مصر والشأم، وتجيئك الميرة في السفن من الصين والهند والبصرة وواسط في دجلة، وتجيئك الميرة من أرمينيَة وما اتصل بها في تأمَرّا حتى تصل إلى الزاب، وتجيئك الميرة من الرّوم، وآمِد والجزيرة والموصل في دِجلة، وأنت بين أنهار لا يصل إليك عدوّك إلا على جِسْر أو قنطرة؛ فإذا قطعت الجِسر وأخرجت القناطر لم يصلْ إليك عدوّك، وأنت بين دِجْلة والفرات لا يجيئك أحدٌ من المشرق والمغرب إلّا احتاج إلى العُبور، وأنت متوسط للبصرة وواسط والكوفة والموصل والسّوَاد كله، وأنت قريب من البرّ والبحر والجبل، فازداد المنصور عزمًا على النزول في الموضع الذي اختاره، وقال له: يا أميرَ المؤمنين؛ ومع هذا فإنّ الله قد منَّ على أمير المؤمنين بكثرة جيوشه وقوّاده وجنده؛ فليس أحد من أعدائه يطمع في الدنوّ منه، والتدبيرُ في المدن أن تتخذ لها الأسوار والخنادق، والحصون، ودجلة والفرات خناق لمدينة أمير المؤمنين (١).
وذكر عن إبراهيم بن عيسى أن حمادًا التركيّ، قال: بعث المنصور رجالًا في سنة خمس وأربعين ومئة، يطلبون له موضعًا يبني فيه مدينته، فطلبوا وارتادوا، فلم يرض موضعًا، حتى جاء فنزل الدَّيْر على الصَّرَاة، فقال: هذا موضع أرضاه، تأتيه المِيرة من الفرات ودِجْلة، ومن هذه الصراة.
وذكر عن محمد بن صالح بن النطاح عن محمد بن جابر، عن أبيه، قال: لما أراد أبو جعفر أن يبني مدينته ببغداد رأى راهبًا، فناداه فأجابه، فقال: تجدُون في كتبكم أنه تبنى هاهنا مدينة؟ قال الرّاهب: نعم، يبنيها مِقْلاص، قال أبو جعفر: أنا كنت أدعى مِقلاصًا في حداثتي، قال: فأنت إذًا صاحبُها، قال:
стр. 4520
وكذلك لما أراد أن يبني الرّافقة بأرض الروم امتنع أهل الرّقة، وأرادوا محاربتَه، وقالوا: تعطّل علينا أسواقنا، وتذهب بمعاشنا، وتضيق منازلنا، فهمَّ بمحاربتهم، وبعث إلى راهب في الصَّوْمعة، فقال: هل عندك علم أن يبني هاهنا مدينة؟ فقال له: بلغني أنّ رجلًا يقال له مِقلاص يبنيها، قال: أنا مقلاص؛ فبناها على بناء مدينة بَغْداد سوَى السّور وأبواب الحديد وخندقٍ منفرد. [٧/ ٦١٤ - ٦١٨].
وذكر أن المنصور لما عزم على بنائها أحبّ أن ينظر إليها عَيانًا، فأمر أن يخطّ بالرّماد، ثم أقبل يدخل من كلّ باب، ويمرّ في فُصلانها وطاقاتها ورحابها؛ وهي مخطوطة بالرّماد، ودار عليهم ينظر إليهم وإلى ما خطّ من خنادقها؛ فلما فعل ذلك أمر أن يجعل على تلك الخطوط حبّ القطن، وينصب عليه النِّفْط، فنظر إليها والنار تشتعل، ففهمها وعرف رسمها، وأمر أن يحفر أساس ذلك على الرسم، ثم ابتدئ في عملها.
وذُكِر عن حمّاد التركيّ أنّ المنصور بعثَ رجالًا يطلبون له موضعًا يبني فيه المدينة، فطلبوا ذلك في سنة أربع وأربعين ومئة، قبل خروج محمد بن عبد الله بسنَة أو نحوها، فوقع اختيارهم على موضع بغداد؛ قرية على شاطئ الصراة؛ مما يلِي الخُلْد، وكان في موضع بناء الخُلْد دَيْر، وكان في قَرْن الصَّرَاة مما يلي الخُلْد من الجانب الشرقيّ أيضًا قرية وَديْر كبير كانت تسمّى سوق البقر؛ وكانت القرية تسمى العتِيقة؛ وهي التي افتتحها المثنّى بن حارثة الشيبانيّ، قال: وجاء المنصور، فنزل الدّيْر الذي في موضع الخُلْد على الصّراة، فوجده قليل البقّ، فقال: هذا موضع أرضاه، تأتيه المِيرة من الفُرات ودِجْلة، ويصلح أن تبتني فيه مدينة؛ فقال للراهب الذي في الدير: يا راهب، أريد أن أبني هاهنا مدينة، فقال: لا يكون، إنما يَبني هاهنا مِلك يقال له أبو الدوانيق؛ فضحك المنصور في نفسه، وقال: أنا أبو الدوانيق وأمر فخُطّت المدينة، ووكَّل بها أربعة قوّاد، كلّ قائد بربع.
وذُكر عن سليمان بن مجالد، أنّ المنصور أراد أبا حنيفة النعمان بن ثابت على القضَاء، فامتنع من ذلك، فحلف المنصور أن يتولّى له، وحلف أبو حنيفة ألّا يفعل، فولّاه القيام ببناء المدينة، وضرْب اللَّبِن وعدّه، وأخْذ الرجال