قال أبو زيد: حدّثني أبو صفوان نصر بن قُديد بن نصر بن سيار، أنه بلغه أنه كان عند أبي جعفر مرآة يَرى فيها عدوَّه من صديقه (١).
قال: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدثني الحارث بن إسحاق، قال: جدّ رياح في طلب محمد، فأخبِر أنه في شِعْب من شعاب رَضْوى - جبل جهينة، وهي من عمل ينبُع - فاستعمل عليها عمرو بن عثمان بن مالك الجُهنيّ أحد بني جشم، وأمره بطلب محمد، فطلبه فذُكِر له أنه بشِعْب من رَضْوَى، فخرج إليه بالخيل والرّجال، ففزع منه محمد، فأحضِر شدًّا، فأفلت وله ابن صغير، ولد في خوفه ذلك؛ وكان مع جارية له؛ فهوى من الجبلَ فتقطَّع، وانصرف عمرو بن عثمان.
قال: وحدّثني عبد الله بن محمد بن حكيم الطائيّ، قال: لما سقط ابن محمد فمات ولقي محمد ما لقي، قال:
منخرق السّربال يشكو الوَجَى ... تَنكُبُهُ أَطرافُ مَرْوٍ حِدَادْ
شرَّده الخوفُ فأَزْرَى به ... كذاك مَنْ يَكْرَهُ حَرَّ الجلادْ
قد كان في الموت له راحةٌ ... والموتُ حتمٌ في رقاب العبادْ
قال: وحدّثني عيسى بن عبد الله، قال: حدّثني عمّي عبيد الله بن محمد، قال: قال محمد بن عبد الله: بينا أنا في رَضْوَى مع أمَة لي أمّ ولد، معها بُنيّ لي ترضعه؛ إذا ابن سَنُوطَى (مولى لأهل المدينة)، قد هجم عليّ في الجبل يطلبني؛ فخرجت هاربًا، وهربت الجارية، فسقط الصبي منها فتقطّع، فقال عبيد الله: فأتِيَ بابن سنوطى إلى محمد بعد حين ظهر، فقال: يا بن سنوطى، أتعرف حديث الصبيّ؟ قال: إي والله، إني لأعرفه، فأمر به فحُبس؛ فلم يزل محبوسًا حتى قتِل محمد.
قال: وحدّثني عبد العزيز بن زياد، قال: حدّثني أبي قال: قال محمد: إني بالحرّة لمصعِد ومنحدر، إذ أنا برياح والخيل، فعدلتُ إلى بئر فوقفت بين
стр. 4447
قرنَيْها، فجعلت أستقي، فلقيَني رياح صَفْحًا، فقال: قاتله الله أعرابيًّا ما أحسن ذراعه!
قال: وحدّثني ابن زبالة، قال: حدّثني عثمان بن عبد الرحمن الجُهنيّ عن عثمان بنِ مالك، قال: أذلق (١) رياح محمدًا بالطلب؛ فقال لي: اغدُ بنا إلى مسجد الفتْح ندع الله فيه، قال: فصلَّيتُ الصُّبح، ثم انصرفت إليه، فغدوْنا وعلى محمد قميص غليظ ورداء قرقبيّ مفتول؛ فخرجنا من موضع كان فيه؛ حتى إذا كان قريبًا التفت، فإذا رياح في جماعة من أصحابه رُكْبان، فقلت له: هذا رياح؛ إنا لله وإنا إليه راجعون! فقال غير مكترث به: امض؛ فمضيت وما تنقلني رجلاي، وتنحَّى هو عن الطريق؛ فجلس وجعل ظهره مما يلِي الطريق، وسدَل هُذب ردائه على وجهه - وكان جسيمًا - فلما حاذاه رياح التفت إلى أصحابه، فقال: امرأة رأتنا فاستحيتْ، قال: ومضيتُ حتى طلعت الشمس، وجاء رياح فصعد وصلى ركعتين، ثم انصرف من ناحية بُطْحان، فأقبل محمد حتى دخل المسجد، فصلى ودعا، ولم يزل محمد بن عبد الله ينتقل من لموضع إلى موضع إلى حين ظهوره.
ولما طال على المنصور أمرُه، ولم يقدر عليه وعبد الله بن حسن محبوس، قال عبد العزيز بن سعيد - فيما ذُكر عن عيسى بن عبد الله، عن عبد الله بن عمران بن أبي فروة - قال لأبي جعفر: يا أميرَ المؤمنين، أتطمع أن يخرج لك لمحمد وإبراهيم وبنو حسن مخلّون! والله للواحد منهم أهيب في صدور الناس من الأسد، قال: فكان ذلك الذي هاجه على حَبْسهم، قال: ثم دعاه فقال: من أشار عليك بهذا الرأي؟ قال: فليح بن سليمان، فلما مات عبد العزيز بن سعيد - وكان عينًا لأبي جعفر وواليًا على الصدقات - وضع فُليح بن سليمان في موضعه وأمر أبو جعفر بأخذ بني حسن.
قال عيسى: حدثني عبد الله بن عمران بن أبي فروة، قال: أمر أبو جعفر رياحًا بأخذ بني حسن، ووجّه في ذلك أبا الأزهر المهريّ - قال: وقد كان حبَس
стр. 4448
عبد الله بن حسن فلم يزل محبوسًا ثلاث سنين؛ فكان حسن بن حسن قد نصَل خضابُه تسلّيًا على عبد الله؛ فكان أبو جعفر يقول: ما فعلت الحادّة؟ قال: فأخذ رياح حسنًا وإبراهيم ابنيْ حسن بن حسن، وحسن بن جعفر بن حسن بن حسن، وسليمان وعبد الله ابنيْ داود بن حسن بن حسن، ومحمدًا وإسماعيل وإسحاق ابني إبراهيم بن حسن بن حسن، وعباس بن حسن بن حسن بن حسن بن عليّ بن أبي طالب، أخذوه على بابه؛ فقالت أمه عائشة ابنة طلحة بن عمر بن عبيد الله بن معمر: دعوني أشمّه، قالوا: لا والله؛ ما كنت حيةً في الدنيا؛ وعليّ بن حسن بن حسن بن حسن العابد.
قال: وحدثني إسماعيل بن جعفر بن إبراهيم، قال: حبس معهم أبو جعفر عبد الله بن حسن بن حسن أخا عليّ.
قال: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثنا الحارث بن إسحاق، قال: جهر رياح بشتم محمد وإبراهيم ابنيْ عبد الله، وشتم أهل المدينة، قال: ثم قال يومًا وهو على المنبر يذكرهما: الفاسقين الخالعين الحاربيْن. قال: ثم ذكر ابنة أبي عبيدة أمهما، فأفحش لها، فسبّح التاس وأعظموا ما قال، فأقبل عليهم، فقال: إنكم لا كلنا عن شتمهما، ألصق الله بوجوهكم الذلّ والهوان! أما والله لأكتبنّ إلى خليفتكم فلأعلمنّه غِشكم وقلة نُصحكم، فقال الناس: لا نسمع منك يا بن المحدود؛ وبادروه بالحصى، فبادر واقتحم دار مراون وأغلق عليه الباب، وخرج الناس حتى صفّوا وجاهه، فرموه وشتموه ثم تناهوا وكفّوا.
قال: وحدّثني محمد بن يحيى؛ قال: حدّثني الثقة عندي، قال: حبس معهم موسى بن عبد الله بن حسن بأن حسن بن عليّ وعليّ بن محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن عند مقدمه من مصر.
قال: وحدّثني عبد الله بن عمر بن حبيب، قال: وجّه محمد بن عبد الله ابنه عليًّا إلى مصر، فدلّ عليه عاملها، وقد همّ بالوثوب، فشدّه وأرسل به إلى أبي جعفر؛ فاعترف له، وسمى أصحاب أبيه، فكان فيمن سمَّى عبد الرحمن بن أبي الموالى وأبو حنين؛ فأمر بهما أبو جعفر فحبِسا، وضرِب أبو حنين مئة سوط.
قال: وحدّثني عيسى، قال: مرّ حسن بن حسن بن حسن على إبراهيم بن
стр. 4449
حسن وهو يعلف إبلًا له فقال: أتعلف إبلك وعبد الله لمحبوس! أطلق عُقْلَها يا غلام، فأطلقها، ثم صاح في أدبارها فلم يوجد منها واحدة.
قال: وحدّثني عيسى، قال: حدّثني عليّ بن عبد الله بن محمد بن عمر بن عليّ، قال: حضرنا باب رياح في المقصورة، فقال الآذن: مَنْ كان هاهنا من بني حسين فليدخل؛ فقال لي عمّي عمر بن محمد: انظر ما يصنع القوم، قال: فدخلوا من باب المقصورة وخرجوا من باب مروان، قال: ثمّ قال: من هاهنا من بني حسن فليدخل؛ فدخلوا من باب المقصورة ودخل الحدّادون من باب مروان، فدعِيَ بالقيود.
قال: وحدّثني عيسى، قال: حدّثني أبي، قال: كان رياح إذا صلى الصُّبح أرسل إلي وإلى قدامة بن موسى فيحدّثنا ساعة؛ فإنا لعنده يومًا؛ فلما أسفرنا إذا برجل متلفف في ساجٍ له؛ فقال له رياح: مرحبًا بك وأهلًا، ما حاجتك؟ قال: جئت لتحبسني مع قومي؛ فإذا هو عليّ بن حسن بن حسن بن حسن، فقال: أما والله ليعرفنّها لك أمير المؤمنين، ثم حبسه معهم.
قال: وحدّثني يعقوب بن القاسم، قال: حدّثني سعيد بن ناشرة مولى جعفر بن سليمان، قال: بعث محمد ابنه عليًّا، فأخِذ بمصر، فمات في سجن أبي جعفر.
قال: وحدثني موسى بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن حسن، قال: حدثني أبي، عن أبيه موسى بن عبد الله، قال: لما حبِسنا ضاق الحبس بنا، فسأل أبي رياحًا أن يأذن له فيشترى دارًا، فيجعل حبسنا فيها، ففعل، فاشترى أبي دارًا فنقلنا إليها، فلما امتدَ بنا الحبس أتى محمد أمه هندًا فقال: إني قد حمّلت أبي وعمومتي ما لا طاقة لهم به؛ ولقد هممت أن أضع يدي في أيديهم، فعسى أن يخلَّى عنهم، قال: فتنكرتْ ولبستْ أطمارًا، ثم جاءت السجن كهيئة الرسول، فأذن لها، فلما رآها أبي أثبتها، فنهض إليها فأخبرته عن محمد، فقال: كلَّا بل نصبر؛ فوالله إني لأرجو أن يفتح الله به خيرًا، قولي له: فليدْعُ إلى أمره، وليجدّ فيه، فإن فرجَنا بيد الله، قال: فانصرفت وتمّ محمد على بغيته. [٧/ ٥٣٠ - ٥٣٩]
* * *
стр. 4450
[ذكر حمل ولد حسن بن حسن إلى العراق]
وفي هذه السنة حمل ولد حسن بن حسن بن عليّ من المدينة إلى العراق.
* ذكر الخبر عن سبب حملهم إلى العراق وما كان من أمرهم إذ حُملوا:
ذكر عمر، قال: حدّثني سوسى بن عبد الله، قال: حدّثني أبي عن أبيه، قال: لما حجّ أبو جعفر أرسل محمد بن عمران بن إبراهيم بن محمد بن طلحة ومالك بن أنس إلى أصحابنا، فسألهم أن يدفعوا محمدًا وإبراهيم ابني عبد الله، قال: فدخل علينا الرجلان، وأبي قائم يصلّي، فأبلغاهم رسالته، فقال حسن بن حسنَ: هذا عمل ابنَي المشؤوسة، أما والله ما هذا برأينا، ولا عن ملأ منا؛ ولا لنا فيه حيلة، قال: فأقبل عليه إبراهيم، فقال: علام تؤذي أخاك في ابنيه وتؤذي ابن أخيك في أمه؟ قال: وانصرف أبي من ضلاته؛ فأبلغاه، فقال: لا والله لا أردّ عليكما حرفًا؛ إن أحبّ أن يأذن لي فألقاه فليفعل، فانصوف الرجلان فأبلغاه، فقال: أراد أن يسخّرني، لا والله لا ترى عينه عيني حتى يأتيَني بابنيه.
قال: وحدّثني ابنُ زبالة، قال: سمعتُ بعض علمائنا يقول: ما سارَّ عبدُ الله بن حسن أحدًا قطّ إلا قتله عن رأيه.
قال: وحدثني موسى بن عبد الله، عن أبيه عن جده، قال: ثم سار أمير المؤمنين أبو جعفر لوجهه حاتجًا، ثم رجع فلم يدخل المدينة؛ ومضى إلى الزَبذة حتى أتى ثَنْى رهوتها.
قال عمر: وحدثني محمد بن يحيى، قال: حدثني الحارث بن إسحاق، قال: لم يزل بنو حسن محبوسين عند رياح حتى حجّ أبو جعفر سنة أربع وأربعين ومئة، فتلقّاه رياح بالزَبذَة، فردّه إلى المدينة، وأمره بإشخاص بني حسن إليه، وبإشخاص محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان - وهو أخو بني حسن لأمهم، أمهم جميعًا فاطمة بنت حسين بن عليّ بن أبي طالب - فأرسل إليه رياح - وكان بماله ببدْر - فحدرهم إلى المدينة، ثم خرج رياح ببني حسن ومحمد بن عبد الله بن عمرو إلى الرّبذة، فلما صار بقصر نفيس على ثلاثة أميال من - المدينة، دعا بالحدّادين والقيود والأغلال، فألقى كلّ رجل منهم في كَبْل وغُلّ،
стр. 4451
فضاقت حَلْقتا قيد عبد الله بن حسن بن حسن، فغضَّتَاه فتأوّه، فأقسم عليه أخوه عليّ بن حسن ليحوّلنّ حلقتْيه عليه إن كانتا أوسع، فحوّلتا عليه، فمضى بهم رياح إلى الرَّبذة.
قال: وحدّثني إبراهيم بن خالد، ابن أخت سعيد بن عامر، عن جويرية بن أسماء - وهو خال أمه - قال: لما حُمِل بنو حسن إلى أبي جعفر أتِيَ بأقياد يقيَّدون بها، وعليّ بن حسن بن حسن قائم يصلي، قال: وكان في الأقْياد قيد ثقيل، فكلَّما قرب إلى رجل منهم تفادى منه واستعفى، قال: فانفتل عليّ من صلاته، فقال: لشدّ ما جزعتم، شَرْعُه هذا، ثم مدّ رجليه فقُيِّد به.
قال: وحدّثني عيسى، قال: حدّثني عبد الله بن عمران، قال: الذي حدَرهم إلى الربَذة أبو الأزهر.
قال عمر: حدثني ابن زبالة، قال: حدثني حسين بن زيد بن عليّ بن حسين، قال: غدوتُ إلى المسجد، فرأيت بني حسن يُخرَج بهم من دار مرْوان مع أبي الأزْهر يُراد بهم الرّبَذة، فانصرفت، فأرسل إليّ جعفر بن محمد فجئته، فقال: ما وراءك؟ فقلت: رأيت بني حسن يُخرج بهم في محامل، قال: اجلس، فجلست، فدعا غلامًا له، ثم دعا ربه دعاء كثيرًا، ثم قال لغلامه: اذهب؛ فإذا حُملوا فائْتِ فأخبِرْني، فأتاه الرّسول، فقال: قد أقبل بهم، قال: فقام جعفر بن محمد، فوقف من وراء ستر شَعَر يبصر مَنْ وراءه ولا يبصره أحد؛ فطلع بعبد الله بن حسن في محمَل معادلُه مسوّد، وجميع أهل بيته كذلك، قال: فلما نظر إليهم جعفر هملتْ عيناه حتى جرت دموعه على لحيته، ثم أقبل عليّ فقال: يا أبا عبد الله، والله لا يحفظ لله حرْسة بعد هؤلاء.
قال: وحدّثني محمد بن الحسن بن زبالة، قال: حدثني مصعب بن عثمان، قال: لما ذُهب ببني حسن لقيهم الحارث بن عامر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بالرَّبَذة، فقال: الحمد لله الذي أخرجكم من بلادنا، قال: فاشرأبّ له حسن بن حسن، فقال له عبد الله: عزمتُ عليك إلا سكتّ!
قال: وحدّثني عيسى، قال: حدثني ابن أبرود حاجب محمد بن عبد الله قال: لما حُمل بنو حسن، كان محمد وإبراهيم يأتيان معتمّين كهيئة الأعراب، فيسايران أباهما ويسائلانه ويستأذنانه في الخروج، فيقول: لا تعجلا حتى
стр. 4452
يمكنكما ذلك؛ ويقول: إن منعكما أبو جعفر أن تعيشَا كريمين؛ فلا يمنعْكما أن تموتا كريمين.
قال عمر: وحدّثني محمد بن يحيى قال: حدثني الحارث بن إسحاق، قال: لما صار بنو حسن إلى الرَّبذة دخل محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان على أبي جعفر، وعليه قميصٌ وساجٌ (١) وإزار رقيق تحت قميصه؛ فلما وقف بين يديه، قال: إيهًا يا ديّوث (٢)! قال محمد: سبحان الله! والله لقد عرفتَني بغير ذلك صغيرًا وكبيرًا، قال: فممّ حملت ابنتُك؟ وكانت تحت إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن الحسن - وقد أعطيتني الأيمان بالطلاق والعتاق ألا تغشى ولا تمالئ عليَّ عدوًّا، ثم أنت تدخل على ابنتك متخضّبة متعطّرة، ثم تراها حاملًا فلا يروعك حملها! فأنت بين أن تكون حانثًا أو ديُّوثًا؛ وايم الله إني لأهمّ برجْمها، فقال محمد: أما أيماني فهي عليّ إن كنت دخلت لك في أمر غشّ علمته، وأما ما رميتَ به هذه الجارية، فإن الله قد أكرمها عن ذلك بولادة رسول الله ﷺ إياها؛ ولكني قد ظننت حين ظهر حملها أنّ زوجها ألمّ بها على حين غفلة منا، فاحتفظ أبو جعفر من كلامه، وأمر بشق ثيابه، فشق قميصه عن إزاره، فأشفّ عن عورته، ثم أمر به فضرب خمسين ومئة سوط؛ فبلغت منه كلّ مبلغ، وأبو جعفر يفتري عليه ولا يكني؛ فأصاب سوط منها وجهَه، فقال له: ويحك! اكفف عن وجهي فإن له حرمة من رسول الله ﷺ ؛ قال: فأغرى أبو جعفر، فقال للجلاد: الرأس الرأس، قال: فضُرب على رأسه نحوًا من ثلاثين سوطًا، ثم دعا بساجور من خشب شبيه به في طُوله - وكان طويلًا - فشدّ في عنقه، وشُدَّت به يده؛ ثم أخرج به ملبَّبًا، فلما طلع به من حجرة أبي جعفر؛ وثب إليه مولى له، فقال: بأبي أنت وأمي ألا ألوثُك بردائي! قال: بلَى جُزيت خيرًا؛ فوالله لشُفوف إزاري أشدّ عليَّ من الضرب الذي نالني؛ فألقى عليه المولى الثوب، ومضى به إلى أصحابه المحبَّسين.
قال: وحدّثني الوليد بن هشام، قال: حدّثني عبد الله بن عثمان، عن محمد بن هاشم بن البريد، مولى معاوية، قال: كنتُ بالرَّبذة، فأتيَ ببني حسن
стр. 4453
مغلولين، معهم العثمانيّ كأنه خُلق من فضّة، فأقعِدوا، فلم يلبثوا حتى خرج رجل من عند أبي جعفر، فقال: أين محمد بن عبد الله العثماني؟ فقام فدخل، فلم يلبث أن سمعنا وقْع السياط، فقال أيوب بن سلمة المخزوميّ لبنيه: يا بَنيّ؛ إني لأرى رجلًا ليس لأحد عنده هوادةٌ، فانظروا لأنفسكم؛ لا تسقطوا بشيء، قال: فأخرِج كأنه زنجيّ قد غيَّرت السياطُ لونَه، وأسالت دَمه، وأصاب سوط منها إحدى عينيْه فسالتْ، فأقعِد إلى جنب أخيه عبد الله بن حسن بن حسن، فعطش فاستسقى ماء، فقال عبد الله بن حسن: يا معشر الناس، مَنْ يسقي ابن رسول الله شربة ماء؟ فتحاماه الناس فما سقْوه حتى جاء خُراسانيّ بماء، فسلّه إليه فشرب، ثم لبثنا هُنيهةً، فخرج أبو جعفر في شقّ محمل، معادله الربيع في شقّه الأيمن، على بَغْلة شقراء، فناداه عبد الله: يا أبا جعفر، والله ما هكذا فعلناه بأسرائكم يوم بدر! قال: فأخسأه أبو جعفر؛ وتفل عليه، ومضى ولم يعرّج (١).
وذكر أن أبا جعفر لما دخل عليه محمد بن عبد الله العثماني سأله عن إبراهيم، فقال: ما لي به علْم، فدقّ أبو جعفر وجهه بالجرْز.
وذكر عمر عن محمد بن أبي حرب، قال: لم يزل أبو جعؤ جميلَ الرأي في محمد حتى قال له رياح: يا أمير المؤمنين، أمّا أهلُ خراسان فشيعتُك وأنصارك، وأما أهل العراق فشيعة آل أبي طالب، وأما أهل الشام فوالله ما عليّ عندهم إلا كافر، وما يعتدّون بأحد من ولده؛ ولكنّ أخاهم محمدُ بن عبد الله بن عمرو، ولو دعا أهل الشأم ما تخلف عنه منهم رجل، قال: فوقعت في نفس أبي جعفر، فلما حجّ دخل عليه محمد، فقال: يا محمد، أليس ابنتك تحت إبراهيم بن عبد الله بن حسن؟ قال: بلى؛ ولا عهد لي به إلا بمِنىً في سمنة كذا وكذا، قال:
فهل رأيتَ ابنتَك تختضِب وتمتشط؟ قال: نعم، قال: فهي إذًا زانية، قال: مَهْ يا أمير المؤمنين! أتقول هذا لابنة عمّك! قال: يابن اللخناء، قال: أيّ أمهاتي تلخّن! قال: يابن الفاعلة، ثم ضرب وجهه بالجرْز وحدده؛ وكانت رقية ابنة محمد تحت إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن حسن، ولها يقول:
خليليَّ من قَيْسٍ دَعا اللومَ واقعدا ... يَسُرُّكما ألَّا أَنامَ وتَرْقُدَا
стр. 4454
أَبيتُ كأَنِّي مُسْعَرٌ من تذكُّري ... رُقَيَّةَ جَمْرًا من غَضًا مُتَوقدا (١)
قال: وحدثني عيسى بن عبد الله بن محمد، قال: حدثني سليمان بن داود بن حسن، قال: ما رأيتُ عبد الله بن حسن جَزعِ من شيء مما ناله إلّا يومًا واحدًا؛ فإنَّ بعير محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان انبعث وهو غافلٌ، لم يتأهّب له، وفي رجليه سلسلة، وفي عنقه زمّارة، فهوى، وعلقت الزّمارة بالمحمَل، فرأيته منوطًا بعنقه يضطرب، فرأيت عبد الله بن حسن قد بكى بكاء شديدًا.
قال: وحدّثني موسى بن عبد الله بن موسى، قال: حدّثني أبي عن أبيه، قال: لما صرنا بالرَّبذة، أرسل أبو جعفر إلى أبي أن أرسِلْ إليّ أحدكم؛ واعلم أنه غير عائد إليك أبدًا، فابتدره بنو إخوته يعرِضون أنفسهم عليه، فجزاهم خيرًا، وقال: أنا أكره أن أفجعهم بكُمْ، ولكن اذهب أنت يا موسى، قال: فذهبتُ وأنا يومئذ حديث السنّ، فلما نظر إليّ قال: لا أنعم الله بك عينًا، السياطَ يا غلام، قال: فضُرِبتُ والله حتى غُشِيَ عليّ، فما أدري بالضرْب، فرُفعت السياط عني، ودعاني فقُرِّبت منه واستقربني.
فقال: أتدري ما هذا؟ هذا فيض فاض مني، فأفرغتُ منه سَجْلًا لم أستطع ردّه؛ ومن ورائه الموت أو تفتدى منه. قال: فقلمت: يا أميرَ المؤمنين؛ والله إن ما لي ذنب، وإني لبمعزِل عن هذا الأسر، قال: فانطلقْ فائْتني بأخويك، قال: فقلت: يا أمير المؤمنين، تبعثني إلى رياح بن عثمان فيضع عليّ العيون والرّصد، فلا أسلك طريقًا إلا تبعني له رسول، ويعلم ذلك أخواي فيهربان مني! قال: فكتب إلى رياح: لا سلطان لك على موسى، قال: وأرسل معي حرسًا أمرهم أن يكتبوا إليه بخبري، قال: فقدمت المدينة، فنزلت دار ابن هشام بالبلاط، فأقمتُ بها أشهرًا، فكتب إليه رياح: إنّ موسى مقيم بمنزله يتربّص بأليم المؤمنين الدوائر، فكتب إليه: إذا قرأتَ كتابي هذا فاحْدِرْه إليّ، فحدرني.
قال: وحدّثني محمد بن إسماعيل، قال: حدّثني موسى، قال: أرسل أبي
стр. 4455
إلى أبي جعفر: إني كاتب إلى محمد وإبراهيم؛ فأرسل موسى عسى أن يلقاهما؛ وكتب إليهما أن يأتياه، وقال لي: أبلغهما عنّي فلا يأتياه أبدًا. قال: وإنما أراد أن يفلتني من يده - وكان أرقَّ الناس عليّ، وكنت أصغر ولد هند - وأرسل إليهما:
يا بْنَيْ أميَّةَ إِني عنكما غانِ ... وما الغِنَى غيرَ أَني مُرْعَشٌ فانِ
يا بنيْ أُمية إلّا تَرْحَمَا كِبَري ... فإِنما أنتما والثُّكْلُ مِثْلانِ
قال: فأقمت بالمدينة مع رسل أبي جعفر إلى أن استبطأني رياح، فكتب إلى أبي جعفر بذلك، فحدَرني إليه.
قال: وحدّثني يعقوب بن القاسم بن محمد، قال: أخبرني عمران بن محرز من بني البَكّاء، قال: خرج ببني حسن إلى الرَّبَذة، فيهم عليّ وعبد الله ابنا حسن بن حسن بن حسن، وأمُّهما حُبابة ابنة عامر بن عبد الله بن عامر بن بشر بن عامر ملاعب الأسنة؛ فمات في السجن حسن بن حسن وعباس بن حسن، وأمّه عائشة بنت طلحة بن عمر بن عبيد الله وعبد الله بن حسن وإبراهيم بن حسن.
قال عمر: حدّثني المدائنيّ؛ قال: لما خُرج ببني حسن، قال إبراهيم بن عبد الله بن حسن، قال عمر: وقد أنشدني غير أبي الحسن هذا الشعر لغالب الهمْدانيّ:
ما ذِكْركَ الدِّمْنَةَ القِفَارَ وأَهـ ... ـلَ الدارِ إِمَّا نأَوْكَ أو قربوا
إلَّا سَفَاهًا وقد تفرَّعك الشيْـ ... ـبُ بلوْنٍ كأَنَّه العطبُ
ومَرَّ خمسون مِنْ سِنيك كما ... عَدَّ لك الحاسِبون إِذْ حَسبُوا
فَعدِّ ذِكر الشبابِ لَسْتَ له ... ولا إليك الشبابُ مُنقَلِب
إني عَرَتْني الهُموم فاحْتَضَرَ الـ ... ـهمّ وسادي فالقلبُ مُنشَعِبُ
واستُخْرِجَ النَّاس للشَّقاء وخُلِّـ ... ـفْتُ لِدَهْرٍ بِظهْرِهِ حَدَبُ
أَعْوَجَ يَسْتَعْذِبْ اللئامُ به ... ويحْتَويِه الكِرامُ إن سَرَبوا
نفْسي فدَتْ شَيْبَةً هُناكَ وظُنْـ ... ـبُوبًا به من قيوده نَدَبُ
والسَّادَةَ الغُرَّ من بَنيهِ فَما ... رُوقِبَ فيه الإِلهُ والنَّسَبُ
يا حَلَقَ القَيْد ما تضمَّنَ من ... حِلْم وَبرٍّ يَشُوبُهُ حَسَبُ
وأُمَّهاتٌ من العَواتِكِ أَخـ ... ـلصْنكَ بِيضٌ عَقائل عُرُبُ
كيْفَ اعْتِذاري إلى الإِلهِ ولم ... يُشْهَرن فيك المَأثُورَةُ القُضُبُ!
стр. 4456
ولم أَقُد غارَةً مُلَمَلَمةً ... فيها بَناتُ الصّرِيحِ تَنْتحب
وَالسَّابِقَاتُ الجِيَادُ والأَسَلُ الذّ ... بَلُ فيها أَسِنَّةٌ ذُرُبُ
حَتَّى نُوفِّي بني نُتَيْلةَ بالـ ... ـقِسط بكيل الصاع الذي احتَلبُوا
بالقتْلِ قَتْلًا وبالأَسيرِ الذي ... في القِدِّ أَسْرى مَصْفُودَة سُلُبُ
أَصْبحَ آلُ الرَّسولِ أَحْمَدَ في النَّـ ... ـاسِ كذي عُرَّةٍ به جَرَبُ
بُؤْسًا لهم ما جَنَتْ أَكفّهمُ ... وأيَّ حَبْل من أُمَّة قَضبُوا!
وأيُّ حَبْل خَانُوا المَلِيكَ به ... ـشُدَّ بِميثَاقٍ عَقْدُهُ الكَذِبُ
وذكر عبدُ الله بن راشد بن يزيد، قال: سمعتُ الجرّاح بن عمر وخاقان بن زيد وغيرهما من أصحابنا يقولون: لما قدم بعبد الله بن حسن وأهله مُقَيّدين فأشِرف بهم على النَّجَف، قال لأهله: أما ترون في هذه القرية مَن يمنعنا من هذا الطاغية؟ قال: فلقيه ابنا أخي الحسن وعليّ مشتمليْن على سيفين، فقالا له: قد جئناك بابن رسول الله، فمرْنا بالذي تريد، قال: قد قضيتُما، ولن تُغنيا في هؤلاء شيئًا فانصرفا.
قال: وحدّثني عيسى، قال: حدّثني عبد الله بن عمران بن أبي فروة، قال: أمر أبو جعفر أبا الأزهر فحبَس بني حسن بالهاشميّة.
قال: وحدّثني محمد بن الحسن، قال: حدّثني محمد بن إبراهيم، قال: أتىَ بهم أبو جعفر، فنظر إلى محمد بن إبراهيم بن حسن، فقال: أنت الديباج الأصفر؟ قال: نعم، قال: أما والله لأقتلنّك قتلة ما قتلتها أحدًا من أهل بيتك، ثم أمر بأسطوانة مبنيّة ففرقت، ثم أدخل فيها فبنى عليه وهو حيّ.
قال محمد بن الحسن: وحدّثني الزّبير بن بلال، قال: كان الناس يختلفون إلى محمد ينظرون إلى حسنه.
قال عمر: وحدّثني عيسى، قال: حدّثني عبد الله بن عمران، قال: أخبرني أبو الأزهر، قال: قال لي عبد الله بن حسن: ابغني حجّامًا، فقد احتجتُ إليه، فاستأذنت أميرَ المؤمنين، فقال: آتيه بحجام مجيد (١). [٧/ ٥٣٩ - ٥٤٧].
стр. 4457
وحدّثني محمد بن أبي حرب، قال: كان محمد بن عبد الله بن عمرو محبوسًا عند أبي جعفر، وهو يعلم براءته؛ حتى كتب إليه أبو عَوْن من خُراسان: أخبر أمير المؤمنين أنّ أهل خراسان قد تقاعسوا عنِّي، وطال عليهم أمر محمد بن عبد الله؛ فأمر أبو جعفر عند ذلك بمحمّد بن عبد الله بن عمرو، فضُربَتْ عنقُه، وأرسل برأسه إلى خراسان؛ وأقسم لهم أنه رأس محمد بن عبد الله، وأنّ أمه فاطمة بنت رسول الله ﷺ .
قال عمر: فحدّثني الوليد بن هشام، قال: حدّثني أبي، قال: لما صار أبو جعفر بالكوفة، قال: ما أشتفي من هذا الفاسق من أهل بيت فسق، فدعا به، فقال: أزوَّجت ابنتك ابنَ عبد الله؟ قال: لا، قال: أفليستْ بامرأته؟ قال: بلى زوّجها إيّاه عمّها وأبوه عبد الله بن حسن فأجزتُ نكاحه، قال: فأين عهودك التي أعطيتني؟ قال: هي عليّ، قال: أفلم تعلم بخضاب! ألم تجد ريح طيب! قال: لا علم لي؛ قد علم القوم ما لك عليّ من المواثيق فكتموني ذلك كله، قال: هل لك أن تستقيلني فأقيلك، وتحدث لي أيْمانًا مستقبلة؛ قال: ما حنثت بأيماني فتجدّدها عليّ، ولا أحدثت ما أستقيلك منه فتُقيلني؛ فأمر به فضرب حتى مات، ثم احتزّ رأسه؛ فبعث به إلى خُراسان؛ فلما بلغ ذلك عبد الله بن حسن، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون! والله إن كنّا لنأمن به في سلطانهم، ثم قد قُتل بنا في سلطاننا.
قال: وحدّثني عيسى بن عبد الله، قال: حدّثني مسكين بن عمرو، قال: لما ظهر محمد بن عبد الله بن حسن، أمر أبو جعفر بضرب عنق محمد بن عبد الله بن عمرو، ثم بعث به إلى خُراسان، وبعث معه الرّجال يحلفون بالله إنه لمحمد بن عبد الله بن فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، قال عمر: فسألت محمد بن جعفر بن إبراهيم، في أيّ سبب قتل محمد بن عمرو؟ قال: أحتيج إلى رأسه.
قال عمر: وحدّثني محمد بن أبي حرب، قال: كان عوْن بن أبي عون خليفةَ
стр. 4458
أبيه بباب أمير المؤمنين؛ فلما قُتل محمد بن عبد الله بن حسن وجّه أبو جعفر برأسه إلى خُراسان، إلى أبي عَوْن مع محمد بن عبد الله بن أبي الكرام وعَوْن بن أبي عَوْن؛ فلما قدم به ارتاب أهلُ خُراسان، وقالوا: أليس قد قُتل مرّة وأتيْنا برأسه! قال: ثم تكشّف لهم الخبر حتى علموا حقيقته؛ فكانوا يقولون: لم يُطَّلَع من أبي جعفر على كذبةٍ غيرها.
قال: وحدّثني عيسى بن عبد الله، قال: حدّثني عبد الله بن عمران بن أبي فروة، قال: كنا نأتى أبا الأزهر ونحن بالهاشميَّة أنا والشعبانيّ، فكان أبو جعفر يكتب إليه: من عبد الله أمير المؤمنين إلى أبي الأزهر مولاه، ويكتب أبو الأزهر إلى أبي جعفر: من أبي الأزهر مولاه وعبده، فلما كان ذات يوم ونحن عنده - وكان أبو جعفر قد ترك له ثلاثة أيام لا ينويها؛ فكنّا نخلو معه في تلك الأيام - فأتاه كتاب من أبي جعفر، فقرأه ثم رمى به، ودخل إلى بني حسن وهم محبوسون ... قال: فتناولتُ الكتاب وقرأته؛ فإذا فيه: انظر يا أبا الأزهر ما أمرتك به في مدلَّه فعجّله وأنفذه، قال: وقرأ الشعبانيّ الكتاب فقال: تدري مَن مدلّه؟ قلت: لا، قال: هو والله عبد الله بن حسن، فانظر ما هو صانع، قال: فلم نلبث أن جاء أبو الأزهر، فجلس فقال: قد والله هلك عبد الله بن حسن، ثم لبث قليلًا ثم دخل وخرج مكتئبًا، فقال: أخبرني عن عليّ بن حسن، أيُّ رجل هو؟ قلت: أمصدَّقٌ أنا عندك؟ قال: نعم، وفوق ذلك؛ قال: قلت: هو والله خير من تقلّه هذه وتظلّه هذه! قال: فقد والله ذهب.
قال: وحدّثني محمد بن إسماعيل، قال: سمعتُ جدّي موسى بن عبد الله يقول: ما كنّا نعرف أوقاتَ الصلاة في الحبس إلا بأحزاب كان يقرؤها عليّ بن حسن.
قال عمر: وحدّثني ابنُ عائشة، قال: سمعتُ مولىً لبني دارم، قال: قلت لبشير الرّحال ما يسرعك إلى الخروج على هذا الرجل؟ قال: إنه أرسل إليّ بعد أخذه عبد الله بن حسن فأتيتُه، فأمرني يومًا بدخول بيت فدخلته، فإذا بعبد الله بن حسن مقتولًا، فسقطت مغشيًّا عليَّ، فلما أفقت أعطيت الله عهدًا ألّا يختلف في أمره سَيْفان إلا كنتُ مع الذي عليه منهما.
وقلت للرسول الذي معي من قبَله: لا تخبره بما لقيتَ؛ فإنه إن علم قتلني.
стр. 4459
قال عمر: فحدّثت به هشام بن إبراهيم بن هشام بن راشد من أهل هَمذان، وهو العباسيّ أن أبا جعفر أمر بقتله، فحلف بالله ما فعل ذلك؛ ولكنّه دسّ إليه مَن أخبره أن محمدًا قد ظهرَ فقتِل، فانصدع قلبه، فمات.
وقال: وحدّثني عيسى بن عبد الله، قال: قال مَنْ بقي منهم: إنهم كانوا يسقَوْن؛ فماتوا جميعًا إلا سليمان وعبد الله ابني داود بن حسن بن حسن وإسحاق وإسماعيل ابني إبراهيم بن حسن بن حسن، وجعفر بن حسن، فكان من قتل منهم إنما قتل بعد خروج محمد.
قال عيسى: فنظرتْ مولاةٌ لآل حسن إلى جعفر بن حسن، فقالت: بنفسي أبو جعفر! ما أبصره بالرجال حيث يطلِقك وقتل عبد الله بن حسن! [٧/ ٥٤٧ - ٥٤٩].
* * *
* ذكر الخبر عن سبب حمله إياهم إلى العراق:
حدّثني الحارث بن محمد، قال: حدّثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: لما ولَّى أبو جعفر رياحَ بن عثمان بن حيّان المريّ المدينَة، أمره بالجِدّ في طلب محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن وقلة الغفلة عنهما.
قال محمد بن عمر: فأخبرني عبد الرحمن بن أبي الموالى؛ قال: فجدَّ رياح في طلبهما ولم يداهنْ، واشتدّ في ذلك كلّ الشدّة حتى خافا؛ وجعلا ينتقلان من موضع إلى موضع، واغتَمّ أبو جعفر من تبغّيهما، وكتب إلى رياح بن عثمان: أن يأخذ أباهما عبد الله بن حسن وإخوته: حسن بن حسن وداود بن حسن وإبراهيم بن حسن، ومحمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان - وهو أخوهم لأمهم فاطمة بنت حسين - في عدّة منهم، ويشدُّهم وثاقًا ويبعث بهم إليه حتى يوافوه بالرَّبَذة، وكان أبو جعفر قد حجّ تلك السنة وكتب إليه أن يأخذني معهم فيبعث بي إليه أيضًا، قال: فأدركت وقد أهللت بالحجّ، فأخِذْت فطرِحت في الحديد، وعورض بي الطريق حتى وافيتهم بالرَّبذة.
стр. 4460
قال محمد بن عمر: أنا رأيتُ عبدَ الله بن حسن وأهلَ بيته يُخْرَجون من دار مَرْوان بعد العصر وهم في الحديد؛ فيحملون في المحامل؛ ليس تحتهم وطاء؛ وأنا يومئذ قد راهقتُ الاحتلام، أحفظ ما أرى.
قال محمد بن عمر: قال عبد الرحمن بن أبي الموالي: وأخذ معهم نحو من اْربعمئة من جُهَينة ومُزينة وغيرهم من القبائل؛ فأراهم بالرَّبَذة مكتّفين في الشمس، قال: وسُجنت مع عبد الله بن حسن وأهل بيته، ووافى أبو جعفر الزبذة منصرفًا من الحجّ، فسأل عبد الله بن حسن أبا جعفر أن يأذن له في الدّخول عليه، فأبى أبو جعفر؛ فلم يره حتى فارق الدنيا، قال: ثم دعاني أبو جعفر من بينهم، فأقعِدت حتى أدخلت - وعنده عيسى بن عليّ - فلما رآني عيسى، قال: نعم؛ هو هو يا أمير المؤمنين؛ وإنْ أنت شددتَ عليه أخبرك بمكانهم، فسلّمت فقال أبو جعفر: لا سَلّم الله عليك! أين الفاسقان ابنا الفاسق، الكذابان ابنا الكذاب؟ قال: قلت: هل ينفعني الصدق يا أمير المؤمنين عندك؟ قال: وما ذاك؛ قال: امرأته طالق، وعليّ وعليّ، إن كنت أعرف مكانهما! قال: فلم يقبل ذلك مني، وقال: السياط! وأقمت بين العُقابيْن، فضربني أربعمئة سوط؛ فما عقلت بها حتى رفع عني، ثم حُملت إلى أصحابي على تلك الحال، ثم بعث إلى الدّيبَاج محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان؛ وكانت ابنته تحت إبراهيم بن عبد الله بن حسن، فلما أدخِل عليه قال: أخبرْني عن الكذّابيْن ما فعلا؟ وأين هما؟ قال: والله يا أميرَ المؤمنين ما لي بهما علم، قال: لَتخبرنّي، قال: قد قلت لك وإني والله لصادق؛ ولقد كنت أعلم علمَهما قبل اليوم؛ وأما اليوم فما لي والله بهما علْم. قال: جرّدوه، فجُرّد فضربه مئة سوط، وعليه جامعة حديد في يده إلى عنقه؛ فلمّا فرغ من ضربه أخرِج فألبس قممصًا له قُوهيًّا (١) على الضرب، وأتيَ به إلينا؛ فوالله ما قدروا على نزع القميص من لُصوقه بالدم، حتى حلبوا عليه شاة، ثم انتزع القميص ثم داووه، فقال أبو جعفر: احدروا بهم إلى العراق، فقدِم بنا إلى الهاشميَة، فحبِسنا بها؛ فكان أوّل من مات في الحبس عبد الله بن حسن؛ فجاء السجان فقال: ليخرج أقربُكم به فليصلّ عليه؛ فخرج
стр. 4461
أخوه حسن بن حسن بن حسن بن عليّ ﵈، فصلّى عليه، ثم مات محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، فأخِذ رأسه، فبعث به مع جماعة من الشّيعة إلى خراسان؛ فطافوا في كُورخراسان، وجعلوا يحلفون بالله أنّ هذا رأس محمد بن عبد الله بن فاطمة بنت رسول الله ﷺ ؛ يوهمون الناس أنه رأس محمد بن عبد الله بن حسن، الذي كانوا يجدون خروجه على أبي جعفر في الرواية. [٧/ ٥٥٠ - ٥٥١].
ثم دخلت سنة خمس وأربعين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
* ذكر الخبر عن مخرج محمد بن عبد الله ومقتله:
ذكر عمر أنّ محمد بن يحيى حدّثه، قال: حدثني الحارث بن إسحاق، قال. لما انحدر أبو جعفر ببني حسن، رجع رياح إلى المدينة، فألحّ في الطلب، وأَخْرج محمدًا حتى عزم على الظهور.
قال عمر: فحدّثت إبراهيم بن محمد بن عبد الله الجعفريّ أن محمدًا أُحرِج، فخرج قبل وقته الذي فارق عليه أخاه إبراهيم، فأنكر ذلك، وقال: ما زال محمّد يُطلَب أشدّ الطلب حتى سقط ابنه فمات وحتى رهقه الطلب، فتدلَّى في بعض آبار المدينة يناول أصحابه الماء، وقد انغمس فيه إلى رأسه، وكان بدنه لا يخفى عِظَمًا؛ ولكن إبراهيم تأخَّر عن وقته لجُدَريٍّ أصابه.
قال: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: تحدّث أهل المدينة بظهور محمد؛ فأسرعنا في شراء الطعام حتى باع بعضهم حليّ نسائه؛ وبلغ رياحًا أنّ محمدًا أتى المذاد، فركب في جنده يريده وقد خرج قبلَه محمد يريده، ومعه جُبَير بن عبد الله السلَميّ، وجُبَير بن عبد الله بن يعقوب بن عطاء وعبد الله بن عامر الأسلميّ؛ فسمعوا سقَّاءَةً تحدّث صاحبتها أنّ رباحًا قد ركب يطلب محمدًا بالمَذَاد، وأنه قد سار إلى السوق، فدخلوا دارًا لجُهينة وأجافوا بابها عليهم، ومرّ رياح على الباب لا يعلم بهم، ثم رجع إلى دار مَرْوان؛ فلما حضرت العشاء الأخيرة صلى في الدار ولم يخرج.
стр. 4462
وقيل: إنّ الذي أعلم رياحًا بمحمد سليمان بن عبد الله بن أبي سَبرة من بني عامر بن لؤيّ.
وذكر عن الفضل بن دُكين، قال: بلغني أن عبيد الله بن عمرو بن أبي ذُؤيب وعبد الحميد بن جعفر دخلوا على محمد قبل خروجه، فقالوا له: ما ننتظر بالخروج! والله ما نجد في هذه الأمة أحدًا أشأم عليها منك. ما يمنعك أن تخرج وحدك!
قال: وحدثني عيسى، قال: حدّثني أبي، قال: بعث إلينا رياح فأتيته أنا وجعفر بن محمد بن عليّ بن حسين، وحسين بن عليّ بن حسين بن على، وعليّ بن عمر بن عليّ بن حسين بن عليّ، وحسن بن عليّ بن حسين بن عليّ بن حسين بن علي ورجال من قريش؛ منهم إسماعيل بن أيوب بن سلمة بن عبد الله بن الوليد بن المغيرة، ومعه ابنه خالد، فإنّا لعنده في دار مَرْوان إذ سمعْنا التكبير قد حال دون كلّ شيء، فظنناه من عند الحرَس، وظنّ الحرَس أنه من الدار، قال: فوثب ابن مسلم بن عقبة - وكان مع رياح - فاتَّكأ على سيفه، فقال: أطعني في هؤلاء فاضرب أعنَاقهم؛ فقال عليّ بن عمر: فكدنا والله تلك الليلة أن نطيح حتى قام حسين بن عليّ، فقال: والله ما ذاك لك؛ إنّا على السمع والطاعة، قال: وقام رياح ومحمد بن عبد العزيز، فدخلا جنبذًا في دار يزيد؛ فاختفيا فيه، وقمنا قخرجنا من دار عبد العزيز بن مروان حتى تسوّرنا على كِبًا كانت في زقاق عاصم بن عمرو، فقال إسماعيل بن أيوب لابنه خالد: يا بنيّ، والله ما تجيبني نفسي إلى الوثوب، فارفعني، فرفعه.
وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني عبد العزيز بن عمران (١) قال: حدّثني أبي قال: جاء الخبر إلى رياح وهو في دار مَرْوان أنّ محمدًا خارج الليلة، فأرسل إلى أخي محمد بن عمران وإلى العباس بن عبد الله بن الحارث بن العباس وإلى غير واحد، قال: فخرج أخي وخرجت معه، حتى دخلنا عليه بعد العشاء الآخرة، فسلمنا عليه فلم يردّ علينا، فجلسنا فقال أخي: كيف أمسى الأمير
стр. 4463
أصلحه الله! قال: بخير - بصوت ضعيف - قال: ثم صمت طويلًا ثم تنبّه، فقال: إيهًا يا أهلَ المدينة! أميرُ المؤمنين يطلب بغيتَه في شرق الأرض وغربها؛ وهو ينتفق بين أظهركم! أقسم بالله لئن خرج لا أترك منكم أحدًا إلا ضربت عنقه، فقال أخي: أصلحك الله! أنا عذيرك منه، هذا والله الباطل، قال: فأنت أكثر مَنْ هاهنا عشيرة، وأنت قاضي أمير المؤمنين، فادعُ عشيرتك، قال: فوثب أخي ليخرج، فقال: اجلس، اذهب أنت يا ثابت، فوثبتُ، فأرسلت إلى بني زُهرة ممن يسكن حشّ طلحة ودار سعد ودار بني أزهر: أن أحضِروا سلاحكم.
قال: فجاء منهم بِشر، وجاء إبراهيم بن يعقوب بن سعد بن أبي وقاص متنكبًا قوسًا - وكان من أرمى الناس - فلما رأيتُ كثرتهم، دخلت على رياح، فقلت: هذه بنو زهرة في السلاح يكونون معك. ائذن لهم، قال: هيهات! تريد أن تُدخل عليّ الرجال طروقًا (١) في السلاح، قل لهم: فليجلسوا في الرحبة؛ فإن حدث شيء فليقاتلوا، قال: قلت لهم: قد أبى أن يأذن لكم، لا والله ما هاهنا شيء، فاجلسوا بنا نتحدّث.
قال: فمكثنا قليلًا، فخرج العباس بن عبد الله بن الحارث في خيل يعسُّ حتى جاء رأس الثنيَّة، ثم انصرف إلى منزله وأغلقه عليه؛ فوالله إنا لعلى تلك الحال إذْ طَلع فارسان من قبَل الزّوْرَاء يركضان؛ حتى وقفا بين دار عبد الله بن مُطيع ورحبة القضاء في موضع السقاية، قال: قلنا: شرّ الأمر والله جدّ، قال: ثم سمعنا صوتًا بعيدًا، فأقمنا ليلًا طويلًا، فأقبل محمد بن عبد الله من المذاد ومعه مئتان وخمسون رجلًا، حتى إذا شرع على بني سَلِمة وبُطْحَان، قال: اسلكوا بني سَلِمة، سلمنا إن شاء الله، قال: فسمعنا تكبيرًا؛ ثم هدأ الصوت فأقبل حتى إذا خرج من زُقاق ابن حبين استبطن السوق حتى جاء على التمّارين، حتى دخل من أصحاب الأقفاص، فأتى السجن وهو يومئذ في دار ابن هشام، فدقّه، وأخرج مَن كان فيه، ثم أقبل حتى إذا كان بين دار يزيد ودار أويس نظرنا إلى هَوْل من الهوْل (٢).
قال: فنزل إبراهيم بن يعقوب، ونكب كنانته وقال: أرمي؟ فقلنا: لا تفعل،
стр. 4464
ودار محمد بالرحبة، حتى جاء بيت عاتكة بنت يزيد، فجلس على بابها، وتناوش الناس حتى قتِل رجل سنديّ كان يستصبح في المسجد، قتله رجل من أصحاب محمد.
قال: وحدّثني سعيد بن عبد الحميد بن جعفر، أخبرني جهم بن عثمان؛ قال: خرج محمد من المذاد على حمار ونحن معه، فولّى خوّات بن بكير بن خوّات بن جبير الرّجالة، وولّى عبد الحميد بن جعفر الحربة، وقال: اكفنيها، فحملها ثم استعفاه منها فأعفاه؛ ووجّهه مع ابنه حسن بن محمد.
قال: وحدثني عيسى، قال: حدّثني جعفر بن عبد الله بن يزيد بن ركانة قال: بعث إبراهيم بن عبد الله إلى أخيه بِحِمْلَى سيوف، فوضعها بالمذاد، فأرسل إلينا ليلة خرج وما نكون؟ مئة رجل! وهو على حمار أعرابيّ أسود، فافترق طريقان: طريق بُطْحان وطريق بني سلمة، فقلنا له: كيف نأخذ؟ قال: عليّ بني سلمة يسلمكم الله؛ قال: فجئنا حتى صرنا بباب لمروان.
قال: وحدّثني محمد بن عمرو بن رُتبيل بن نهشل أحد بني يربوع، عن أبي عمرو المديني (١) شيخ من قريش - قال: أصابتْنا السماء بالمدينة أيامًا، فلما أقلعت خرجتُ في غبّها متمطرًا، فانتسأت عن المدينة؛ فإنّي لفي رَحْلي إذ هبط عليّ رجل لا أدري من أين أتى، حتى جلس إليّ، وعليه أطمار له درِنة وعمامة رَثَّة، فقلت له: مِنْ أين أقبلت؟ قال: من غُنَيمة لي أوصيتُ راعيَها بحاجة لي، ثم أقبلت أريد أهلي، قال: فجعلت لا أسلك من العلم طريقًا إلا سبقني إليه، وكثرني فيه، فجعلت أعجب له ولما يأتي به، قلت: ممن الرجل؟ قال: من المسلمين، قلت: أجل، فمن أيهم أنت؟ قال: لا عليك؛ ألا تريد؟ قلت: بلى عليّ ذلك، فمن أنت؟ قال: فوثب وقال:
منخرق الخُفّيْن يشكو الوجى
الأبيات الثلاثة.
قال: ثم أدبر فذهب؛ فوالله ما فات مدى بصري حتى ندمت على تركه قبل معرفته؛ فاتبعته لأسأله؛ فكأنّ الأرض التأمت عليه، ثم رجعتُ إلى رَحْلي، ثم
стр. 4465
أتيت المدينة فما غبرت إلّا يومي وليلتي؛ حتى شهدت صلاة الصبح بالمدينة، فإذا رجل يصلّي بنا، لا أعرِف صوته، فقرأ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾، فلما انصرف صعد المنبر، فإذا صاحبي، وإذا هو محمد بن عبد الله بن حسن.
قال: وحدّثني إسماعيل بن إبراهيم بن هود مولى قريش، قال: سمعت إسماعيل بن الحكم بن عوانة يخبر عن رجل قد سمّاه بشبيهة بهذه القصة.
قال إسماعيل: فحدّثت بها رجلًا من الأنبار يكنى أبا عبيد؛ فذكر أن محمدًا - أو إبراهيم - وجّه رجلًا من بني ضَبة - فيما يحسب إسماعيل بن إبراهيم بن هود - ليعلم له بعض علم أبي جعفر، فأتى الرّجلُ المسيّبَ وهو يومئذ على الشُّرَط، فمتّ إليه برحِمه، فقال المسيّب: إنه لابدّ من رفعك إلى أمير المؤمنين، فأدخله على أبي جعفر فاعترف، فقال: ما سمعتَه يقول؟ قال:
شَرَّدَهُ الخَوْفُ فأزرى به ... كذاك من يكرهُ حَرّ الجلاد
قال أبو جعفر: فأبلغه أنا نقول:
وخُطَّةِ ذُلٍّ نجعلُ الموتَ دونها ... نقول لها للموت أهلًا ومرحبَا
وقال: انطلق فأبلغه (١).
قال عمر: وحدثني أزهر بن سعيد بن نافع - وقد شهد ذلك - قال: خرج محمد في أول يوم من رجب سنة خمس وأربعين مئة، فبات بالمذاد هو وأصحابه، ثم أقبل في الليل، فدق السجن وبيت المال، وأمر برياح وابن مسلم فحبِسا معًا في دار ابن هشام (٢).
قال: وحدّثني يعقوب بن القاسم، قال: حدّثني عليّ بن أبي طالب، قال: خرج محمد لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة خمس وأربعين ومئة (٣).
стр. 4466
وحدّثني عمر بن راشد، قال: خرج لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة، فرأيت عليه ليلة خرج قَلَنْسُوة صفراء مضريّة وجبّة صفراء، وعمامة قد شدّ بها حَقْوَيْه وأخرى قد اعتمّ بها، متوشحًا سيفًا، فجعل يقول لأصحابه: لا تقتلوا، لا تقتلوا، فلما امتنعت منهم الدار، قال: ادخلوا من باب المقصورة، قال: فاقتحموا وحرّقوا باب الخَوْخة التي فيها، فلم يستطع أحد أن يمرّ، فوضع رزام مولى القسريّ تُرسه على النار، ثم تخطّى عليه، فصنع الناس ما صنع، ودخلوا من بابها، وقد كان بعض أصحاب رياح مارسوا على الباب، وخرج من كان مع رياح في الدار من دار عبد العزيز من الحمام، وتعلّق رياح في مشربَة في دار مَرْوان، فأمر بدرجها فهُدمت، فصعدوا إليه فأنزلوه وحبسوه في دار مَرْوان، وحبسوا معه أخاه عباس بن عثمان، وكان محمد بن خالد وابن أخيه النذير بن يزيد ورزام في الحبْس، فأخرجهم محمد، وأمر النذير بالاستيثاق من رياح وأصحابه.
قال: وحدّثني عيسى، قال: حدّثني أبي، قال: حبس محمد رياحًا وابن أخيه وابن مسلم بن عُقْبة في دار مروان.
قال: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني عبد العزيز بن أبي ثابت، عن خاله راشد بن حفص، قال: قال رزام للنذير: دَعْني وإياه فقد رأيتَ عذابَه إيايَ، قال: شأنك وإياه، ثم قام ليخرج، فقال له رياح: يا أبا قيس؛ قد كنتُ أفعل بكم ما كنت أفعل؛ وأنا بسؤددكم عالم، فقال له النذير: فعلتَ ما كنت أهله، ونفعل ما نحن أهله، وتناوله رزام فلم يزل به رياح أيصلب إليه حتى كفّ، وقال: والله إن كنتَ لبَطِرًا عند القدرة، لئيمًا عند البلية.
قال: وحدّثني موسى بن سعيد الجُمحيّ، قال: حبس، ياح محمد بن لمَرْوان بن أبي سليط من الأنصار، ثم أحد بني عمرو بن عوف، فمدحه وهو محبوس، فقال:
стр. 4467
وما نَسِيَ الذِّمامَ كريمُ قيس ... ولا مُلقَى الرجالِ إلى الرجالِ
إذا ما الباب قَعْقَعَهُ سعيدٌ ... هَدَجنا نحوه هَدْجَ الرّئال
دبيبَ الذَّر تُصبحُ حين (١) يمشي ... قِصارَ الخطو غيرَ ذوي اختيال
قال: حدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني إسماعيل بن يعقوب التيميّ قال: صعد محمد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
أما بعد أيها الناس؛ فإنه كان من أعر هذا الطاغية عدوّ الله أبي جعفر ما لم يخفَ عليكم، من بنائه القبّة الخضراء التي بناها معاندًا لله في ملكه، وتصغيرًا للكعبة الحرام؛ وإنما أخذ الله فرعون حين قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ وإنّ أحقَّ الناس بالقيام بهذا الدين أبناء المهاجرين الأولين والأنصار المواسين.
اللهمَّ إنَهم قد أحلّوا حرامَك، وحرّموا حلالك، وآمنوا من أخفت، وأخافوا من آمنت، اللهمّ فأحصهم عددًا، واقتلهم بددًا، ولا تغادر منهم أحدًا، أيّها الناس إني والله ما خرجت من بين أظهركم وأنتم عندي أهل قُوّة ولا شدّة، ولكني اخترتكم لنفسي؛ والله ما جئت هذه وفي الأرض مصْرٌ يعبَد الله فيه إلا وقد أخِذَ لي في البيعة.
قال: وحدّثني موسى بن عبد الله، قال: حدّثني أبي عن أبيه، قال: لما وجهني رياح بلغ محمدًا فخرج من ليلته؛ وقد كان رياع تقدّم إلى الأجناد الّذين معي، إن اطّلع عليهم من ناحية المدينة رجل أن يضربوا عنقي؛ فلما أُتِيَ محمد برياح، قال. أين موسى؟ قال: لا سبيل إليه، والله لقد حدرته إلى العراق، قال: فأرسل في أثره فردّه، قال: قد عهدت إلى الجند الذين معه إن رأوا أحدًا مقبلًا من المدينة أن يقتلوه، قال: فقال محمد لأصحابه: مَنْ لي بموسى؟ فقال: ابنُ خضير: أنا لك به، قال: فانظر رجالًا، فانتخب رجالًا ثم أقبل. قال: فوالله ما راعنا إلّا وهو بين أيدينا؛ كأنما أقبل من العراق، فلما نظر إليه الجند قالوا: رسل أمير المؤمنين، فلما خالطونا شَهروا السلاح، فأخذني القائد وأصحابه،
стр. 4468
وأناخ بي وأطلقني من وَثاقي، وشخص بي حتى أقدمني على محمد.
قال عمر: حدثني عليّ بن الجعد، قال: كان أبو جعفر يكتب إلى محمد عن ألسن قوّاده يدعونه إلى الظهور، ويخبرونه أنهم معه؛ فكان محمد يقول: لو التقينا مال إليّ القوّاد كلهم.
قال: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: لما أخذ محمد المدينة استعمل عليها عثمان بن محمد بن خالد بن الزبير، وعلى قضائها عبد العزيز بن المطلب بن عبد الله المخزوميّ، وعلى الشّرَط أبا القلمّس عثمان بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعلى ديوان العطاء عبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن بن المِسْوَر بن مخرمة، وبعث إلى محمد بن عبد العزيز: إني كنت لأظنك ستنصرنا، وتقيم معنا، فاعتذر إليه وقال: أفعل؛ ثم انسلّ منه فأتى مكة.
قال: وحدّثني إسماعيل بن إبراهيم بن هود، قال: حدّثني سعيد بن يحيى أبو سفيان الحميريّ، قال: حدّثني عبد الحميد بن جعفر، قال: كنت على شُرَط محمد بن عبد الله حتى وجّهني وجهًا، وولى شرَطه الزبيريّ.
قال: وحدّثني أزهر بن سعيد بن نافع، قال: لم يتخلّف عن محمد أحد من وجوه الناس إلّا نفر، منهم الضحاك بن عثمان بن عبد الله بن خالد بن حزام وعبد الله بن المنذر بن المغيرة بن عبد الله بن خالد بن حزام، وأبو سلمة بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب وخُبيب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير.
قال: وحدّثني يعقوب بن القاسم، قال: حدّثتني جدتي كلثم بنت وهب قالت: لما خرج محمد تنحَّى أهلُ المدينة، فكان فيمن خرج زوجي عبد الوهاب بن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير إلى البَقيع، فاختبأت عند أسماء بنت حسن بن عبد الله بن عبد الله بن عباس، قالت: فكتب إليّ عبد الوهاب بأبيات قالها، فكتبت إليه:
رَحمَ اللهُ شبابًا ... قاتلوا يومَ الثنيّهْ
قاتلوا عنه: بُنيَّا ... تٌ وأحسابٌ نقيَّهْ
فرّ عنهُ الناسُ طُرًّا ... غيرَ خَيلٍ أَسديَّهْ
стр. 4469
قالت: فزاد الناس:
قَتَل الرحمنُ عيسى ... قاتل النفسِ الزَّكيّهْ
قال: وحدّثني سعيد بن عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن الحكم بن سنان الحكميّ أخُو الأنصار، قال: أخبرني غير واحد أنّ مالك بن أنس استُفتى في الخروج مع محمد، وقيل له: إنّ في أعناقنا بيعةً لأبي جعفر، فقال: إنما بايعتم مكرهين، وليس على كل مكرَه يمين، فأسرع الناس إلى محمد، ولزم مالك بيته.
وحدّثني محمد بن إسماعيل، قال: حدّثني ابنُ أبي مليكة مولَى عبد الله بن جعفر، قال: أرسل محمد إلى إسماعيل بن عبد الله بن جعفر - وقد كان بلغ عُمْرًا - فدعاه محمد حين خرج إلى البيعة، فقال: يا بن أخي، أنت والله مقتول، فكيف أبايعك! فارتدع الناس عنه قليلًا، وكان بنو معاوية قد أسرعوا إلى محمد، فأتته حمادة بنت معاوية، فقالت: يا عمّ، إن إخوتي قد أسرعوا إلى ابن خالهم، وإنك إن قلت هذه المقالة ثبّطت عنه الناس، فيقتل ابن خالي وإخوتي، قال: فأبى الشيخ إلّا النهي عنه، فيقال: إنّ حمّادة عدتْ عليه فقتلته؛ فأراد محمد الصلاة عليه، فوثب عليه عبد الله بن إسماعيل، فقال: تأمر بقتل أبي ثم تصلي عليه! فنحّاه الحرس، وصلى عليه محمد.
قال: وحدّثني عيسى، قال: حدثني أبي، قال: أتِيَ محمد بعبيد الله بن الحسين بن عليّ بن الحسين بن عليّ مغمضًا عينيه، فقال: إن عليّ يمينًا إن رأيته لأقتلنّه، فقال عيسى بن زيد: دعني أضرب عنقه، فكفّه عنه محمد.
قال: وحدّثني أيوب بت عمر، قال: حدّثني محمد بن معن، قال: حدّثني محمد بن خالد القَسْريّ، قال: لما ظهر محمد وأنا في حَبْس ابن حيّان أطلقني؛ فلما سمعت دعوته التي دعا إليها على المنبر، قلت: هذه دعوة حقّ؛ والله لأبلِينّ الله فيها بلاء حسنًا، فقلت: يا أمير المؤمنين، إنك قد خرجت في هذا البلد؛ والله لو وُقف على نقْب من أنقابه مات أهلُه جوعًا وعطشًا، فانهض معي؛ فإنما هي عشر حتى أضربه بمئة ألف سيف، فأبى عليّ، فإني لعنده يومًا إذ قال لي: ما وجدنا من حُرّ المتاع شيئًا أجودَ من شيء وجدناه عند ابن أبي فَرْوة، ختَن أبي الخصيب - وكان انتهبَه - قال: فقلت: ألا أراك قد أبصرتَ حُرّ المتاع! فكتبتُ
стр. 4470
إلى أمير المؤمنين فأخبرته بقلة مَنْ معه، فعطف عليّ، فحبسني حتى أطلقني عيسى بن موسى بعد قتله إياه.
قال: وحدّثني سعيد بن عبد الحميد بن جعفر، قال: حدثتني أختي بُريكةُ بنت عبد الحميد، عن أبيها، قال: إني لعند محمد يومًا ورجله في حِجْري؛ إذ دخل عليه خَوّات بن بكير بن خوّات بن جُبير، فسلم عليه.
فردّ عليه سلامًا ليس بالقوي، ثم دخل عليه شابٌّ من قريش، فسلَّم عليه فأحسن الردّ عليه، فقلت: ما تدع عصبِيّتَك بعد! قال: وما ذلك؟
قلت: دخل عليك سيد الأنصار فسلم فرددت عليه ردًّا ضعيفًا، ودخل عليك صُعلوك من صعاليك قريش فسلَّم فاحتفلت في الردّ عليه! فقال: ما فعلتُ ذاك؛ ولكنك تفقدتَ مني ما لا يتفقد أحد من أحد.
قال: وحدّثني عبد الله بن إسحاق بن القاسم، قال: استعمل محمد الحسن بن معاوية بن عبد الله بن جعفر على مكة، ووجّه معه القاسم بن إسحاق واستعمله على اليمن.
قال: وحدثني محمد بن إسماعيل عن أهله، أن محمدًا استعمل القاسم بن إسحاق على اليمن وموسى بن عبد الله على الشأم، يدعوان إليه؛ فقُتل قبل أن يصلا.
قال: وحدّثني أزهر بن سعيد، قال: استعمل محمد حين ظهر عبد العزيز بن الدراورديّ على السلاح.
قال: وأخبرني محمد بن يحيى ومحمد بن الحسن بن زَبَالة وغيرهما، قالوا: لما ظهر محمد، قال ابن هَرْمة - وقد أنشد بعضهم ما لم ينشد غيرُه لأبي جعفر:
غلبتَ على الخلافة مَن تمنَّى ... ومنَاه المُضِلُّ بها الضَّلُولُ
فأَهلك نفسَه سَفَهًا وجُبْنًا ... ولم يُقسَمْ له منها فتيلُ
ووآزرَهُ ذَوو طَمَعٍ فكانوا ... غُثاءَ السَّيْل يجمعه السُّيولُ
دَعوا إبليسَ إذ كذبوا وجارُوا ... فلم يُصرِخْهمُ المُغوِي الخَذول
وكانوا أهلَ طاعتِهِ فولَّى ... وسار وراءَه منهم قبيل
وهُمْ لم يُقصِرُوا فيها بحقّ ... على أثَرِ المُضِلِّ ولم يُطِيلوا
стр. 4471
وما النّاسُ احْتَبَوْك بها، ولكن ... حَبَاك بذلك الملك الجليلُ
تراثُ محمد لكمُ وكنتمْ ... أصولَ الحقِّ إذ نُفِيَ الأُصولُ (١)
قال: وحدّثني محمود بن مَعْمر بن أبي الشدائد الفزاريّ وموهوب بن رشيد بن حيّان الكلابي، قال: قال أبو الشدائد لما ظهر محمد وتوجّه إليه عيسى:
أتتك النجائبُ والمُقْرَباتُ ... بعيسى بن موسى فلا تَعْجَل
قال: وحدّثني عيسى، قال: كان محمد آدم شديد الأدْمة، أدلم (٢) جسيمًا عظيمًا؛ وكان يلقب القارئ من أدْمته، حتى كان أبو جعفر يدعوه محمّمًا.
قال: وحدّثني عيسى، قال: حدّثني إبراهيم بن زياد بن عنبسة، قال: ما رأيتُ محمدًا رَقِيَ المنبر قطّ إلا سمعت بقعقعة من تحته؛ وإني لبمكاني ذلك.
قال: وحدّثني عبد الله بن عمر بن حبيب، قال: حدثني من حضر محمدًا على المنبر يخطب؛ فاعترض بَلْغَم في حلقه فتنحنح، فذهب ثم عاد فتنحنح، فذهب ثم عاد فتنحنح، ثم عاد فتنحنح ثم نظر فلم ير موضعًا؛ فرمى بنُخامته سَقْف المسجد فألصقها به.
قال: وحدّثني عبد الله بن نافع، قال: حدّثني إبراهيم بن عليّ من آل أبي رافع، قال: كان محمد تمتامًا، فرأيته على المنبر يتلجلج الكلام في صدره، فيضرب بيده على صَدْره، ويستخرج الكلام.
قال: وحدثني عيسى، قال: حدّثني أبي، قال: دخل عيسى بن موسى يومًا على أبي جعفر، فقال: سرّك الله يا أمير المؤمنين! قال: فيم؟ قال: ابتعتُ وجه دار عبد الله بن جعفر من بني معاوية؛ حسن ويزيد وصالح، قال أتفرح! أما والله ما باعوها إلّا ليثبِوا عليك بثمنها.
قال: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني عبد العزيز بن عمران عن محمد بن عبد العزيز عن عبد الله بن الربيع بن عبيد الله بن عبد المدان بن عبيد الله، قال: خرج محمّد بالمدينة، وقد خطّ المنصور مدينته بغداد
стр. 4472
بالقصب، فسار إلى الكوفة وسرتُ معه، فصيَّح بي فلحقتُه، فصَمتَ طويلًا ثم قال: يا بن الربيع، خرج محمد، قلت: أين؟ قال: بالمدينة، قلت: هلك والله وأهلك؛ خرج والله في غير عدد ولا رجال يا أميرَ المؤمنين؛ ألا أحدّثك حديثًا حدّثنيه سعيد بن عمرو بن جعدة المخزوميّ؟ قال: كنت مع مَرْوان الزّاب واقفًا، فقال: يا سعيد، مَنْ هذا الذي يقاتلني في هذه الخيل؟ قلتُ: عبد الله بن عليّ بن عبد الله بن عباس، قال: أيّهم هو؟ عَرِّفْه، قلت: نعم، رجل أصفر حَسَن الوجه رقيق الذراعين، رجل دخل عليك يشتم عبد الله بن معاوية حين هزم؛ قال: قد عرفته، والله لوددت أن عليّ بن أبي طالب يقاتلني مكانه؛ إن عليّا وولده لاحظّ لهم في هذا الأمر، وهذا رجل من بني هاشم وابن عمّ رسول الله ﷺ وابن عباس، معه ريح الشأم ونصر الشأم، يا بن جعدة، تدري ما حملني على أن عقدتُ لعبد الله وعبيد الله ابني مروان، وتركتُ عبدَ الملك وهو أكبر من عبيد الله؟ قلتُ: لا، قال: وجدتُ الذي يلي هذا الأمر عبد الله؛ وكان عبيد الله أقربَ إلى عبد الله من عبد الملك، فعقدتُ له، فقال: أنشدك الله! أحدّثك هذا ابن جعدة! قلت: ابنةُ سفيان بن معاوية طالق البتّة إن لم يكن حدثني ما حدتتك.
قال عمر: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: خرج إلى أبي جعفر في الليلة التي ظهر فيها محمد رجل من آل أويس بن أبي سَرْح من بني عامر بن لؤيّ، فسار تسعًا من المدينة، فتهدم ليلًا، فقام على أبواب المدينة، فصاح حتى نُذِر به، فأدخِل، فقال له الربيع: ما حاجتك هذه الساعة وأمير المؤمنين نائم! قال: لابدّ لي منه، قال: أعلمْنا نُعلمْه، فأبى فدخل الرّبيع عليه فأعلَمه، فقال: سلْه عن حاجته ثم أعلمني؛ قال: قد أبى الرّجلُ إلا مشافهتك، فأذن له، فدخل عليه، فقال: يا أميرَ المؤمنين، خرج محمد بن عبد الله بالمدينة، قال: قتلتَه وانته إن كنت صادقًا! أخبرني مَنْ معه؟ فسمَّى له مَن خرج معه من وجوه أهل المدينة وأهل بيته، قال: أنتَ رأيتَه وعاينتَه؟ قال: أنا رأيته وعاينته وكلمتُه على منبر رسول الله ﷺ جالسًا، فأدخله أبو جعفر بيتًا، فلما أصبح جاءه رسول لسعيد بن دينار، غلام عيسى بن موسى كان يلي أموال عيسى بالمدينة، فأخبره بأمر محمد، وتواترت عليه أخباره، فأخرج الأويسيّ فقال: لأوطئنّ الرجال عَقِيبك ولأغنينّك؛ وأمر له بتسعة آلاف، لكلّ ليلة سارَها ألفًا.
стр. 4473
قال: وحدّثني ابن أبي حرب، قال: لما بلغ أبا جعفر ظهورُه أشفق منه؛ فجعل الحارث المنجّم يقول له: يا أميرَ المؤمنين، ما يجزعك منه! فوالله لو ملك الأرض ما لبث إلا تسعين يومًا (١) [٧/ ٥٥٢ - ٥٦٤].
قال: وحدّثني سهل بن عقيل بن إسماعيل، عن أبيه، قال: لما بلغ أبا جعفر خبره بادر إلى الكوفة، وقال: أنا أبو جعفر؛ استخرجت الثعلب من جُحْره.
قال: وحدّثني عبد الملك بن سليمان، عن حبيب بن مرزوق، قال: حدّثني تسنيم بن الحواريّ، قال: لما ظهر محمد وإبراهيم ابنا عبد الله، أرسل أبو جعفر إلى عبد الله بن عليّ وهو محبوس عنده: إنّ هذا الرجل قد خرج؛ فإن كان عندك رأي فأشِرْ به علينا - وكان ذا رأي عندهم - فقال: إنَّ المحبوس محبوس الرأي، فأخرجني حتى يخرج رأيي؛ فأرسل إليه أبو جعفر: لو جاءني حتى يضرب بابي ما أخرجتك؛ وأنا خير لك منه، وهو مُلْك أهل بيتك، فأرسل إليه عبد الله: ارتحل الساعة حتى تأتيَ الكوفة، فاجثم على أكبادهم؛ فإنهم شيعة أهل هذا البيت وأنصارهم، ثم احففْها بالمسالح؛ فمن خرج منها إلى وَجْه من الوجوه أو أتاها من وجه من الوجوه فاضرب عنقه؛ وابعث إلى سَلْم بن قتيبة ينحدر عليك - وكان بالرّيّ - واكتب إلى أهل الشأم فمرهم أن يحملوا إليك من أهل البأس والنجدة ما يحمل البريد، فأحسِنْ جوائزهم، ووجّههم مع سَلْم ففعل.
قال: وحدّثني العباس بن سفيان بن يحيى بن زياد، قال: سمعتُ أشياخنا يقولون: لما ظهر محمد ظهر وعبد الله بن عليّ محبوس، فقال أبو جعفر لإخوته: إن هذا الأحمق لا يزال يطلع له الرأي الجيّد في الحرب؛ فادخلوا عليه فشاوروه ولا تُعلموه أني أمرتكم، فدخلوا عليه، فلما رآهم قال: لأمر ما جئتم؛ ما جاء بكم جميعًا وقد هجرتموني منذ دَهْر! قالوا: استأذنَّا أميرَ المؤمنين فأذن لنا، قال: ليس هذا بشيء؛ فما الخبر؟ قالوا: خرج ابن عبد الله، قال: فما ترون ابن سلامة صانعًا؟ يعني أبا جعفر - قالوا: لا ندري والله، قال: إنّ البُخل قد
стр. 4474
قتله، فمروه فليُخرج الأموال، فليُعْط الأجناد، فإن غلب فما أوشك أن يعود إليه مالُه، وإن غُلب لم يقدم صاحبُه على درهم واحد.
قال: وحدّثنا عبد الملك بن شيبان، قال: أخبرني زيد مولى مسمع بن عبد الملك، قال: لما ظهر محمد دعا أبو جعفر عيسى بن موسى، فقال له: قد ظهر محمد فسرْ إليه، قال: يا أمير المؤمنين؛ هؤلاء عمومتك حولك، فادْعهُم فشاورهم، قال: فأين قول ابن هَرْمة:
تروْن امْرَأً لا يُمْحِض القومَ سِرّهُ ... ولا يَنْتَجِي الأُذْنَيْنِ فيما يحاولُ
إذا ما أَتى شيئًا مضى كالذي أَبَى ... وإن قال إني فاعِلٌ فهو فاعِلُ
قال: وحدّثني لمحمد بن يحيى، قال: نسختُ هذه الرسائل من محمد بن بشير؛ وكان بشير يصححها؛ وحدّثنيها أبو عبد الرحمن من كُتّاب أهل العراق والحكم بن صدقة بن نزار، وسمعت ابن أبي حرب يصحّحُها؛ ويزعم أن رسالة محمد لما وردتْ على أبي جعفر، قال أبو أيوب: دعني أجبْه عليها، فقال أبو جعفر: لا بل أنا أجيبه عنها؛ إذ تقارعنا على الأحساب فدعني وإيّاه.
قالوا: لما بلغ أبا جعفر المنصور ظهورُ محمد بن عبد الله المدينة كتب إليه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الله عبد الله أمير المؤمنين، إلى محمد بن عبد الله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١) ولك على عهد الله وميثاقه وذمَّتُه وذِمَّةُ رسوله ﷺ إنْ تبت ورجَدْت منَ قبل أن أقدر عليك أن أؤمنك وجميعَ ولدك وإخوتك وأهل بيتك ومَن اتّبعكم على دمائكم وأموالكم، وأسوّغك ما أصبت من دم أو مال، وأعطيك ألف ألف درهم، وما سألت من الحوائج، وأنزِلَك من البلاد حيث شئتَ، وأن أطلق مَنْ في حبسي من أهل بيتك، وأن أؤمّن كلّ مَنْ جاءك وبايعك واتبعك، أو دخل معك في شيء من أمرك، ثم لا أتبع أحدًا منهم بشيء كان منه أبدًا، فإن أردت أن
стр. 4475
تتوثّق لنفسك، فوجِّه إليّ مَنْ أحببتَ يأخذ لك من الأمان والعهد والميثاق ما تثق به.
وكتب على العنوان: من عبد الله عبد الله أمير المؤمنين إلى محمد بن عبد الله. فكتب إليه محمد بن عبد الله:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الله المهديّ محمد بن عبد الله إلى عبد الله بن محمد: ﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ (١) وأنا أعرضُ عليك من الأمان مثلَ الذي عرضْتَ عليّ، فإنْ الحقّ حَقُّنا؛ وإنما ادّعيتم هذا الأمر بنا، وخرجتم له بشيعتنا، وحظيتم بفضلنا؛ وإنّ أبانا عليًّا كان الوصيّ وكان الإمام؛ فكيف ورثتم ولايته وولده أحياء! ثم قد علمتَ أنه لم يطلب هذا الأمر أحدٌ له مثل نسبنا وشرفنا وحالنا وشرف آبائنا؛ لسنا من أبناء اللعنَاء ولا الطرداء ولا الطلَقاء، وليس يمتّ (٢) أحدٌ من بني هاشم بمثل الذي نمتُّ به من القَرابة والسابقة والفَضْل؛ وإنا بنو أمّ رسول الله ﷺ فاطمة بنت عمرو في الجاهليّة وبنو بنته فاطمة في الإسلام دونكم.
إن الله اختارنا واختار لنا؛ فوالدنا من النبيين محمد ﷺ ، ومن السلف أوّلهم إسلامًا عليّ، ومن الأزواج أفضلهنّ خديجة الطاهرة، وأوّل مَنْ صلى القبلة، ومن البنات خيرهُنّ فاطمة سيدة نساء أهل الجنة، ومن المولودين في الإسلام حسن وحسين سيّدا شباب أهل الجنة؛ وإنّ هاشمًا ولد عليًّا مرتين (٣)؛ وإن عبد المطلب ولد حسنًا مرتين (٤) وإن رسول الله ﷺ ولدني مرّتين من قِبل حسن
стр. 4476
وحسين؛ وإني أوسط بني هاشم نسبًا، وأصرحُهم أبًا، لم تعرّق فيّ العجم (١)، ولم تنازع فيّ أمهاتُ الأولاد؛ فما زال الله يختارُ لي الآباء والأمهات في الجاهلية والإسلام حتى اختار لي في النار؛ فأنا ابن أرفع الناس درجة في الجنة، وأهونهم عذابًا في النار (٢)، وأنا ابن خير الأخيار، وابن خير الأشرار، وابن خير أهل الجنة، وابن خير أهل النار، ولك الله عليّ إن دخلتَ في طاعتي، وأجبت دعوتي أن أؤمّنك على نفسك ومالك؛ وعلى كل أمر أحدثته؛ إلا حدًّا من حدود الله أو حقًّا لمسلم أو معاهد؛ فقد علمتَ ما يلزمك من ذلك، وأنا أوْلى بالأمر منك وأوفى بالعهد؛ لأنك أعطيتَني من العهد والأمان ما أعطيته رجالًا قبلي؛ فأيّ الأمانات تعطيني! أمان ابن هبيرة، أم أمان عمّك عبد الله بن عليّ، أم أمان أبي مسلم (٣)!
فكتب إليه أبو جعفر:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أما بعدُ، فقد بلغني كلامُك، وقرأتُ كتابَك، فإذا جلُّ فخرك بقرابة النساء؛ لتضلَّ به الجُفاة والغوغاء؛ ولم يجعل الله النساء كالعمُومة والآباء، ولا كالعَصبة والأولياء؛ لأن الله جعل العمّ أبًا، وبدأ به في كتابه على الوالدة الدنيا (٤)، ولو كان اختيارُ الله لهنّ على قدر قرابتهنّ كانت آمنةُ أقرَبهن رحِمًا، وأعظمهن حقًّا؛ وأوّل من يدخل الجنة غدًا؛ ولكن اختيار الله لخلقه على علمه لما مضى منهم، واصطفائه لهم.
وأما ما ذكرت من فاطمة أمّ أبي طالب وولادتها؛ فإن الله لم يرزق أحدًا من ولدها (٥) الإسلام لا بنتًا ولا ابنًا؛ ولو أن أحدًا رُزق الإسلام بالقرابة رُزقه عبد الله
стр. 4477
أوْلاهم بكلّ خير في الدنيا والآخرة؛ ولِكنّ الأمر لله يختارُ لدينه من يشاء؛ قال الله : ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (١)؛ ولقد بعث الله محمدًا ﵇ وله عُمومة أربعة، فأنزل الله : ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (٢). فأنذرهم ودعاهم، فأجاب اثنان أحدهما أبي، وأبى اثنان أحدهما أبوك؛ فقطع الله ولايتهما منه؛ ولم يجعل بينه وبينهما إلَّا ولا ذمة ولا ميراثًا. وزعمتَ أنك ابن أخفّ أهل النار عذابًا وابن خير الأشرار؛ وليس في الكفر بالله صغير، ولا في عذاب الله خفيف ولا يسير؛ وليس في الشرّ خيار؛ ولا ينبغمي لمؤمن يؤمن بالله أن يفخر بالنار، وستردُ فتعلم، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ (٣).
وأما ما فخرت به من فاطمة أمّ عليّ وأنّ هاشمًا ولده مرتين، ومن فاطمة أمّ حسن، وأن عبد المطلب ولده مرتين؛ وأن النبيّ ﷺ ولدك مرتين؛ فخير الأوّلِين والآخرين رسولُ الله ﷺ ولم يلده هاشم إلّا مرةً ولا عبد المطلب إلا مرّة.
وزعمت أنك أوسط بني هاشم نسبًا، وأصرحهم أمًّا وأبًا؛ وأنه لم تلدك العجَمُ ولم تعرّق فيك أمّهاتُ الأولاد؛ فقد رأيتُك فخرت عليّ بني هاشم طرًّا؛ فانظر ويحك أين أنْتَ من الله غدًا! فإنك قد تعدَّيتَ طَوْرك، وفخرت على مَنْ هو خير منك نفسًا وأبًا وأولًا وآخرًا، إبراهيم (٤) بن رسول الله ﷺ وعلى والد ولده؛ وما خيار بني أبيك خاصّة وأهل الفضل منهم إلّا بنو أمهات أولاد، وما وُلد فيكم بعد وفاة رسول الله ﷺ أفضلُ من عليّ بن حسين، وهو لأمّ (٥) ولد؛ ولهو خير من جدّك حسن بن حسن؛ وما كان فيكم بعده مثلُ ابنه محمد بن عليّ، وجدّتُه أمّ ولد؛ ولهو خيرٌ من أبيك، ولا مثل ابنه جعفر وجدّته أمّ ولد؛ ولهو خيرٌ منك.
وأما قولك: إنكم بنو رسول الله ﷺ ؛ فإن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿مَا كَانَ
стр. 4478
مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (١)، ولكنكم بنو ابنته؛ وإنها لقرابة قريبة؛ ولكنها لا تحوز الميراث، ولا ترث الولاية، ولا تجوز لها الإمامة؛ فكيف تورَث بها! ولقد طلبها أبوك بكلّ وجه فأخرجها نهارًا، ومَرضها سرًّا، ودفنها ليلًا؛ فأبى الناس إلا الشيخين وتفضيلهما، ولقد جاءت السنّة التي لا اختلاف فيها بين المسلمين أن الجدّ أبا الأم والخال والخالة لا يرثون.
وأما ما فخرت به من عليّ وسابقته، فقد حضرتْ رسولَ الله ﷺ الوفاةُ، فأمر غيرَه بالصلاة، ثم أخذ الناس رجلًا بعد رجل فلم يأخذوه؛ وكان في الستّة فتركوه كلهم دفعًا له عنها، ولم يروْا له حقًّا فيها؛ أما عبد الرحمن فقدّم عليه عثمان، وقُتِل عثمان وهو له متَّهم، وقاتله طلحة والزبير، وأبى سعد بيعَته، وأغلق دونه بابه، ثم بايع معاويةَ بعده، ثم طلبها بكلّ وجه وقاتل عليها، وتفرّق عنه أصحابه، وشكّ فيه شيعتُه قبل الحكومة، ثم حكَّم حكَمين رضي بهما، وأعطاهما عهده وميثاقه، فاجتمعا على خلعه، ثم كان حسن فباعها من معاوية بخرَق ودراهم ولحق بالحجاز، وأسلم شيعته بيد معاوية ودفع الأمر إلى غير أهله؛ وأخذ مالًا من غير ولائه ولا حِلّه، فإنْ كان لكم فيها شيء فقد بعتموه وأخذتم ثمنه، ثم خرج عمّك حسين بن عليّ على ابن مَرْجانة (٢)، فكان الناس معه عليه حتى قتلوه، وأتْوا برأسه إليه، ثم خرجتم عليّ بني أميّة، فقتلوكم وصلَّبوكم على جُذوع النخل، وأحرقوكم بالنيران، ونفوْكم من البلدان؛ حتى قُتِل يحيى بن زيد بخُراسان، وقتلوا رجالكم وأسروا الصِّبيْة والنساء، وحملوهم بلا وطاء في المحامل (٣) كالسّبْي المجلوب إلى الشأم؛ حتى خرجنا عليهم فطلبنا بثأركم، وأدركنا بدمائكم وأورثناكم أرضهم وديارهم، وسنّينا سلفكم وفضّلناه، فاتخذتَ ذلك علينا حجة.
وظننت أنا إنما ذكرنا أباك وفضلناه للتقدمة منّا له على حمزة والعباس
стр. 4479
وجعفر؛ وليس ذلك كما ظننت؛ ولكن خرج هؤلاء من الدنيا سالمين، متسلَّمًا منهم، مجتمَعًا عليهِم بالفضل، وابتُلي أبوك بالقتال والحرب؛ وكانت بنو أميّة تلعنه كما تلعن الكفرة في الصلاة المكتوبة، فاحتججنا له وذكّرناهم فضله وعنّفناهم وظلّمناهم بما نالوا منه، ولقد علمتَ أن مكرُمتنا في الجاهلية سقايةُ الحجيج الأعظم، وولاية زمزم؛ فصارت للعباس من بين إخوته؛ فنازعَنا فيها أبوك، فقضى لنا عليه عمر، فلم نزل نليها في الجاهلية والإسلام، ولقد قحط أهلُ المدينة فلم يتوسل عمر إلى ربّه ولم يتقرّب إليه إلا بأبينا، حتى نعَشهم الله وسقاهم الغيث، وأبوك حاضرٌ لم يتوسّل به؛ ولقد علمت أنه لم يبق أحدٌ من بني عبد المطلب بعد النبي ﷺ غيرُه؛ فكان وراثَه من عمومته، ثم طلب هذا الأمر غيرُ واحد من بني هاشم فلم يَنَلْه إلا ولدُه؛ فالسقايةُ سقايتُه وميراثُ النبيّ له، والخلافة في ولده، فلم يبق شَرَفٌ ولا فضل في جاهلية ولا إسلام في دنيا ولا آخرة إلّا والعباس وارثه ومورّثه.
وأما ما ذكرت من بَدْر؛ فإن الإسلام جاء والعباس يمون أبا طالب وعياله، وينفق عليهم للأزمة التي أصابته؛ ولولا أنّ العباس أخرج إلى بدر كارهًا لمات طالب وعَقِيل جوعًا، وَلَلَحسا جفان عُتْبة وشيبة؛ ولكنه كان من المطعِمين، فأذهب عنكم العار والسبَّة، وكفَاكم النَّفقة والمؤونة، ثم فدى عَقِيلًا يوم بَدْر؛ فكيف تفخر علينا وقد عُلْناكم في الكفر، وفديناكم من الأسر، وحُزْنا عليكم مكارم الآباء، وورثنا دونكم خاتم الأنبياء، وطلبنا بثأركم فأدركنا منه ما عجزتم عنه؛ ولم تدركوا لأنفسكم! والسلام عليك ورحمة الله (١).
قال عمر بن شبّة: حدثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: أجمع ابن القسريّ على الغدر بمحمد، فقال له: يا أمير المؤمنين، ابعث موسى بن عبد الله ومعه رزامًا مولايَ إلى الشأم يدعوان إليك.
فبعثهما فخرج رزام بموسى إلى الشأم، وظهر محمد على أن القسريّ كتب إلى أبي جعفر في أمره، فحبسه في نفر ممن كان معه في دار ابن هشام التي في قبلة مصلى الجنائز - وهي اليوم لفرج الخصيّ - وورد رزام بموسى الشأم، ثم
стр. 4480
انسلَّ منه، فذهب إلى أبي جعفر، فكتب موسى إلى محمد: إني أخبرك أني لقيت الشأم وأهله، فكان أحسنهم قولًا الذي قال: والله لقد مللنا البلاء، وضقنا به ذرعًا؛ حتى ما فينا لهذا الأمر موضع، ولا لنا به حاجَة؛ ومنهم طائفة تحلف: لئن أصبحنا من ليلتنا أو مسّينا من غد ليرفعنّ أمرنا وليدلنّ علينا؛ فكتبت إليك وقد غيبت وجهي، وخفت على نفسي، قال الحارث: ويقال إنّ موسى ورزامًا وعبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن بن المسور توجهوا إلى الشأم في جماعة؛ فلما ساروا بتيْماء، تخلّف رزام ليشتري لهم زادًا، فركب إلى العراق، ورجع موسى وأصحابه إلى المدينة.
قال: وحدّثني عيسى، قال: حدثني موسى بن عبد الله، ببغداد ورزام معنا، قال: بعثني محمد ورزامًا في رجال معنا إلى الشأم، لندعُوَ له؛ فإنا لبدَوْمَة الجِندل؛ إذا أصابنا حرٌّ شديد؛ فنزلنا عن رواحلنا نغتسل في غدير، فاستلَّ رزام سيفه، ثم وقف على رأسي، وقال: يا موسى، أرأيتَ لو ضربتُ عنقك ثم مضيت برأسك إلى أبي جعفر؛ أيكون أحد عنده في منزلتي! قال: قلت: لا تدع هزلَك يا أبا قيس! شمْ سيفك غفر الله لك. قال: فشام سيفه، فركبنا، قال عيسى: فرجع موسى قبل أن يصل إلى الشأم، فأتى البصرة هو وعثمان بن محمد، فدُلّ عليهما، فأخِذا.
قال: وحدّثني عبد الله بن نافع بن ثابت بن عبد الله بن الزّبير، قال: حدّثني أخي عبد الله بن نافع الأكبر، قال: لما ظهر محمد لم يأته أبي نافع بن ثابت، فأرسل إليه، فأتاه وهو في دار مَرْوان، فقال: يا أبا عبد الله، لم أرك جئتنا! قال: ليس فيّ ما تريد، فألحّ عليه محمد؛ حتى قال: البس السلاحَ يتأسّ بك غيرك، فقال: أيها الرجل؛ إني والله ما أراك في شيء، خرجتَ في بلد ليس فيه مال ولا رجال ولا كُراع ولا سلاح؛ وما أنا بمهلك نفسي معك، ولا معين على دمي، قال: انصرفْ؛ فلا شيء فيك بعد هذا قال: فمكث يختلف إلى المسجد إلى أن قُتِل محمد، فلم يصلّ في مسجد رسول الله ﷺ يومُ قُتل إلا نافع وحدَه.
ووجّه محمد بن عبد الله لما ظهر - فيما ذكر عمر بن أزهر بن سعيد بن نافع - الحسن بن معاوية إلى مكة عاملًا عليها، ومعه العباس بن القاسم - رجل من آل أبي لهب - فلم يشعر بهم السريّ بن عبد الله حتى دنَوْا من مكة، فخرج إليهم،
стр. 4481
فقال له مولاه: ما رأيك؟ قد دنونا منهم، قال: انهزِموا على بركة الله، وموْعدكم بئر ميمون، فانهزموا؛ ودخلها الحسن بن معاوية، وخرج الحسين بن صَخْر - رجل من آل أوَيس - من ليلته، فسار إلى أبي جعفر تسعًا فأخبره فقال: "قد أنصف الْقَارة من رَاماها" (١)، وأجازه بثلاثمئة درهم.
قال: وحدّثني أيوب بن عمر، قال: حدّثني محمد بن صالح بن معاوية، قال: حدّثني أبي، قال: كنت عند محمد حين عقد للحسن بن معاوية على مكة، فقال له الحسن: أرأيت إن التحم القتال بيننا وبينهم، ما ترى في السريّ؟ قال: يا حسن، إن السريّ لم يزل مجتنبًا لما كرهنا، كارهًا للذي صنع أبو جعفر، فإن ظفرتَ به فلا تقتله؛ ولا تحركنّ له أهلًا، ولا تأخذنّ له متاعًا، وإن تنحّى فلا تطلبنّ له أثرًا، قال: فقال له الحسن: يا أميرَ المؤمنين، ما كنت أحسبك تقول هذا في أحد من آل العباس، قال: بلى، إن السريّ لم يزل ساخطًا لما صنع أبو جعفر.
قال: وحدّثني عمر بن راشد مولى عَنْج، قال: كنت بمكة، فبعث إلينا محمد حين ظهر الحسن بن معاوية والقاسم بن إسحاق ومحمد بن عبد الله بن عنبسة يدعى أبا جبرة، أميرهم الحسنُ بن معاوية، فبعث إليهم السريّ بن عبد الله كاتبه مسكين بن هلال في ألف، ومولى له يدعى مسكين بن نافع في ألف، ورجلًا من أهل مكة يقال له ابن فرس - وكان شجاعًا - في سبعمئة، وأعطاه خمسمئة دينار، فالتقوْا ببطن أذاخر بين الثنيّتيْن وهي الثنيّة التي تهبط على ذي طُوىً، منها هبط النبي ﷺ وأصحابه إلى مكة، وهي داخلة في الحَرم، فتراسلوا؛ فأرسل حسن إلى السريّ أن خلّ بيننا وبين مكة، ولا تُهريقوا الدماء في حرم الله، وحلف الرسولان للسريّ: ما جئناك حتى مات أبو جعفر، فقال لهما السريّ: وعليّ مثل ما حلفتما به؛ إن كانت مضت لي أربعة؛ منذ جاءني رسول من عند أمير المؤمنين، فأنظروني أربع ليال؛ فإني أنتظر رسولًا لي آخر، وعليّ ما يصلحكم، ويصلح دوابكم، فإن يكن ما تقولونه حقًّا سلّمتها إليكم؛ وإن يكن باطلًا أجاهدكم حتى تغلبوني أو أغلبكم؛ فأبى الحسن، وقال: لا نبرح حتى
стр. 4482
نناجزَك، ومع الحسن سبعون رجلًا وسبعة من الخيل، فلما دنوْا منه، قال لهم الحسن: لا يقدَمنّ أحد منكم حتى ينفخ في البوق؛ فإذا نفخ فلتكن حملتُكم حملة رجل واحد، فلما رهِقْناهم وخشى الحسن أن يغشاه وأصحابَه، ناداه: انفخ ويحك في البوق! فنفخ ووثبوا وحملوا علينا حَمْلة رجل واحد، فانهزم أصحاب السريّ، وقتل منهم سبعة نفر، قال: واطلع عليهم بفرسانٍ من أصحابه وهم من وراء الثنيّة في نفر من قريش قد خرج بهم، وأخذ عليهم لينصُرُنَّه، فلما رآهم القرشيّون قالوا: هؤلاء أصحابَك قد انهزموا، قال: لا تعجلوا، إلى أن طلعت الخيل والرجال في الجبال؛ فقيل له: ما بقي؟ فقال: انهزِموا على بركة الله، فانهزموا حتى دخلوا دار الإمارة، وطرحوا أداة الحرْب، وتسوّروا على رجل من الجند يكنى أبا الرزام، فدخلوا بيته فكانوا فيه، ودخل الحسن بن معاوية المسجد، فخطب الناس ونعى إليهم أبا جعفر ودعا لمحمد.
قال: وحدّثني يعقوب بن القاسم، قال: حدّثني الغمر بن حمزة بن أبي رملة، مولى العباس بن عبد المطلب، قال: لما أخذ الحسن بن معاوية مكة، وفرّ السريّ بلغ الخبر أبا جعفر، فقال: لهفِي على ابن أبي العَضَل.
قال: وحدّثني ابن أبي مُساور بن عبد الله بن مساور مولى بني نائلة من بني عبد الله بن مُعيْص، قال: كنت بمكة مع السريّ بن عبد الله، فقدم عليه الحسنُ بن معاوية قبل مخرج محمد - والسريّ يومئذ بالطائف وخليفته بمكة ابن سُراقة من بني عديّ بن كعب - قال: فاستعدى عتبة بن أبي خداش اللِّهْبيّ على الحسن بن معاوية في دَيْنٍ عليه فحبسه، فكتب له السريّ إلى ابن أبي خداش: أما بعد فقد أخطأتَ حظّك، وساء نظرك لنفسك حين تحبس ابنَ معاوية؛ وإنما أصبت المال من أخيه، وكتب إلى ابن سراقة يأمره بتخليته وكتب إلى ابن معاوية يأمره بالمقام إلى أن يقدَم فيقضي عنه، قال: فلم يلبث أن ظهر محمد، فشخص إليه الحسن بن معاوية عاملًا على مكة، ققيل للسريّ: هذا ابن معاوية قد أقبل إليك، قال: كلا ما يفعل وبلائي عنده [بلائي] وكيف يخرج إليّ أهل المدينة! فوالله ما بها دار إلا وقد دخلها لي معروف، فقيل له: قد نزل فجاء. قال: فشخص إليه ابن جريج، فقال له: أيها الرجل، إنك والله ما أنتَ بواصل إلى مكة وقد اجتمع أهلُها مع السريّ، أتُراك قاهرًا قريشًا وغاصبها على دارها! قال: يا بن
стр. 4483
الحائك، أبأهل مكة تخوّفني! والله ما أبيت إلا بها أو أموت دونها، ثم وثب في أصحابه، وأقبل إليه السريّ، فلقيه بفخَّ، فضرب رجل من أصحاب الحسن مسْكين بن هلال كاتب السريّ على رأسه فشجّه، فانهزم السريّ وأصحابه، فدخلوا مكة، والتفّ أبو الرزام - رجل من بني عبد الدار ثم أحد آل شيبة - على السريّ، فواراه في بيته، دخل الحسن مكة، ثم إن الحسن أقام بمكة يسيرًا، ثم ورد كتاب محمد عليه يأمره باللحاق به.
وذكر عمر عن عبد الله بن إسحاق بن القاسمم، قال: سمعتُ من لا أحصى من أصحابنا يذكر أنّ الحسن والقاسم لما أخذا مكة، تجهّزا وجمعا جمعًا كثيرًا، ثم أقبلا يريدان محمدًا ونُصرته على عيسى بن موسى؛ واستخلفا على مكة رجلًا من الأنصار؛ فلما كانا بقُدَيْد لقيهما قتْلُ محمد، فتفرّق الناس عنهما، وأخذ الحسن على بَسْقة - وهي حرّة في الرمل تدعى بسَقة قُدَيد - فلحق بإبراهيم؛ فلم يزل مقيمًا بالبصرة حتى قُتل إبراهيم، وخرج القاسمم بن إسحاق يريد إبراهيم؛ فلما كان ببديع من أرض فدَك، لقيه قتلُ إبراهيم، فرجع إلى المدينة، فلم يزل مختفيًا حتى أخذت ابنة عبد الله بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن جعفر؛ زوجة عيسى بن موسى، له ولإخوته الأمان فظهر بنو معاوية، وظهر القاسمم.
قال: وحدّثني عمر بن راشد مولى عنج، قال: لما ظهر الحسن بن معاوية على السريّ أقام قليلًا حتى أتاه كتاب محمد يأمره بالشخوص إليه؛ ويخبره أن عيسى قد دنا من المدينة، ويستعجله بالقدوم، قال: فخرج من مكة يوم الإثنين في مطر شديد - زعموا أنه اليوم الذي قُتِل فيه محمد - فتلقاه بريدٌ لعيسى بن موسى بأمَج - وهو ماء لخزاعة بين عُسفان وقُديد - بقتل محمد، فهرب وهرب أصحابه.
قال عمر: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني عبد العزيز بن أبي ثابت عن أبي سيار، قال: كنت حاجبَ محمد بن عبد الله فجاءني راكبٌ من الليل، قال: قدمتُ من البصرة، وقد خرج بها إبراهيم، فأخذها قال: فجئتُ دار مَرْوان، ثم جئت المنزل الذي فيه محمد، فدققتُ الباب، فصاح بأعلى صوته: من هذا؟ قلت: أبو سيّار، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ اللهم إني أعوذ بك من شرّ طوارق الليل؛ إلا طارق يطرق منك بخير، قال: خير! قلت: خير، قال: ما وراءك؟ قلت: أخذ إبراهيم البَصرة -[قال]: وكان محمد إذا صلى المغرب
стр. 4484
والصبح صاح صائح: ادعوا الله لإخوانكم من أهل البصرة، وللحسن بن معاوية واستنصروه على عدوّكم.
* * *
قال: وحدّثني عيسى، قال: قدِم علينا رجل من أهل الشأم، فنزل دارنا - وكان يكنى أبا عمرو - فكان أبي يقول له: كيف ترى هذا الرجل؟
فيقول: حتى ألقاه فأسبُره ثم أخبرك، قال عيسى: فلقيه أبي بعد، فسأله فقال: هو والله الرجل كلّ الرجل؛ ولكن رأيتُ شحم ظهره ذراعًا، وليس هكذا يكون صاحبَ الحرب، قال: ثم بايعه بعد، وقاتل معه.
قال: وحدّثني عبد الله بن محمد بن سلْم - يدعَى ابنَ البواب مولَى المنصور - قال: كتب أبو جعفر إلى الأعمش كتابًا على لسان محمد، يدعوه إلى نصرته، فلما قرأه قال: قد خَبرناكم يا بني هاشم؛ فإذا أنتم تحبّون الثريد، فلما رجع الرسول إلى أبي جعفر فأخبره، قال: أشهد أنّ هذا كلام الأعمش.
وحدّثني الحارث، قال: حدّثني ابنُ سعد، عن محمد بن عمر، قال: غلب محمد بن عبد الله على المدينة، فبلغنا ذلك، فخرجنا ونحن شباب، أنا يومئذ ابنُ خمس عشرة سنة، فانتهينا إليه؛ وهو قد اجتمع إليه الناس ينظرون إليه؛ ليس يُصَدّ عنه أحد؛ فدنوتُ حتى رأيته وتأملته؛ وهو على فَرَس، وعليه قميص أبيض محشوّ وعمامة بيضاء؛ وكان رجلًا أحزم؛ قد أثَر الجُدريّ في وجهه، ثم وجّه إلى مكة فأخِذت له، وبيّضوا؛ ووجّه أخاه إبراهيم بن عبد الله إلى البصرة، فأخذها وغلبها وبيّضوا معه [٧/ ٥٦٤ - ٥٧٧].
* * *
رجع الحديث إلى حديث عمر، قال عمر: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: ندَب أمير المؤمنين أبو جعفر عيسى بن موسى لقتال محمد، وقال: لا أبالي أيّهما قتل صاحبه؛ وضمّ إليه أربعة آلاف من الجُنْد، وبعث معه محمد بن أبي العباس أمير المؤمنين.
قال: وحدّثني عبد الملك بن شيبان، عن زيد مولى مسمع، قال: لما أمر
стр. 4485
أبو جعفر عيسى بن موسى بالشخوص، قال: شاوِرْ عمومَتك، فقال له: امضِ أيها الرجل؛ فوالله ما يراد غيري وغيرك؛ وما هو إلّا أن تشخص أو أشخص؛ قال: فسار حتى قدم علينا ونحن بالمدينة.
قال: وحدّثني عبد الملك بن شيبان، قال: دعا أبو جعفر ابنَ حنظلة البَهرانيّ - وكان أبرص طُوالًا، وأعلم الناس بالحرب، وقد شهد مع مَرْوان حروبه - فقال: يا جعفر، قد ظهر محمد، فما عندك؟ قال: وأين ظهر؟ قال: بالمدينة، قال: فاحمد الله، ظهر حيث لا مالَ ولا رجال ولا سلاح ولا كُراع؛ ابعث مولىً لك تثق به فليسِرْ حتى ينزل بوادي القرى؛ فيمنعه مِيرة الشأم، فيموت مكانه جوعًا، ففعل.
قال: وحدّثني عبد الملك بن راشد بن يزيد، قال: سمعتُ أصحابنا إسماعيل بن موسى وعيسى بن النّضْر وغيرهما يذكرون أنّ أبا جعفر قدّم كَثير بن حُصَيْن العبدّي، فعسكر بفيد، وخندق عليه خندقًا؛ حتى قدم عليه عيسى بن موسى، فخرج به إلى المدينة، قاله عبد الله: فأنا رأيتُ الخندق قائمًا في هرًا طويلًا، ثم عفا ودَرس.
قال: وحدّثني يعقوب بن القاسم، قال: حدّثني عليّ بن أبي طالب، - ولقيته بصنعاء - قال: قال أبو جعفر لعيسى حين بعثه إلى محمد: عليك بأبي العسكر مسمع بن محمد بن شيبان بن مالك بن مسمع، فسرْ به مَعك؛ فإني قد رأيته منعَ سعيد بن عمرو بن جعَدة بن هبيرة من أهل البصرة؛ وهم محلبون عليه (١)؛ وهو يدعو إلى مَرْوان؛ وهو عند أبي العسكر يأكل المخَّ بالطَّبرْزَد، فخرج به عيسى؛ فلما كان ببطن نخل، تخلّف هو والمسعوديّ بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود حتى قُتِل محمد، فبلغ ذلك أبا جعفر، فقال لعيسى بن موسى: ألّا ضربت عنقه!
وحدّثني عيسى بن عبد الله بن محمد بن عليّ بن أبي طالب، قال: أخبرني أبي، قال: قال أبو جعفر لعيسى بن موسى حين ودّعه: يا عيسى؛ إني أبعثك إلى ما بَيْن هذين - وأشار إلى جنبيه - فإن ظفرت بالرجل فشِمْ سيفك، وابذل الأمان؛