← История

История · id 145435

صحيح وضعيف تاريخ الطبري

محمد بن طاهر البرزنجي

Полный текст (6 167 стр.). Показаны 4656–4695 · переход к 4661.

стр. 4656

قال أبو مخنف: وحدّثني موسى بن عامر، قال: إنَّما كان هيَّج المختار على قتل عمرَ بن سعد أنّ يزيدَ بن شراحيلَ الأنصاريّ أتى محمَّد بن الحنفيَّة، فسلَّم عليه، فجرى الحديثُ إلى أن تذاكروا المختارَ وخروجَه وما يدعو إليه من الطلب بدماء أهل البيت، فقال محمَّد بن الحنفيَّة: على أهون رسله يزعم أنَّه لنا شيعة، وقتَلة الحسين جلساؤه على الكراسي يحدّثونه! قال: فوعاها الآخر منه، فلما قدم الكوفة أتاه فسلَّم عليه، فسأله المختار: هل لقيتَ المهديّ؟ فقال له: نعم، فقال: ما قال لك وما ذاكَرَك؟ قال: فخبّره الخبر، قال: فما لبَّث المختارُ عمرَ بن سعد وابنه أن قتلهما، ثمّ بعث برأسيهِما إلى ابن الحنفيّة مع الرسولين اللَّذَين سمَّينا، وكتب معهما إلى ابن الحنفيَّة: بسم الله الرَّحمن الرّحيم، للمهدّي محمَّد بن عليّ من المختار بن أبي عُبَيد، سلام عليك يا أيُّها المهديّ، فإني أحمَد إليك الله الَّذي لا إله إلا هو، أمَّا بعد: فإن الله بَعثَني نِقمَةً على أعدائكم، فهم بين قتيل وأسير، وطريد وشريد، فالحمد لله الَّذي قتل قاتليكم ونصر مؤازِرِيكم. وقد بعثتُ إليك برأس عمرَ بن سعد وابنه، وقد قتلنا من شَرَك في دم الحسين وأهل بيته - رحمةُ الله عليهم - كلّ من قَدَرْنا عليه، ولن يُعجز الله من بقي، ولست بمُنجم عنهم حتَّى لا يبلغني أنّ على أديم الأرضِ منهم أرمِيًّا. فاكتب إليّ أيها المهديّ برأيك أتَّبعه وأكون عليه، والسلام عليك أيها المهديّ ورحمة الله وبركاته. ثمّ إنّ المختار بعث عبدَ الله بن كامل إلى حكيم بن طُفَيل الطائيّ السنْبِسيّ - وقد كان أصاب صلب العبَّاس بن عليّ، ورَمَى حسينًا بسَهْم، فكان يقول: تعلَّق سهمي بسِرْباله وما ضرّه - فأتاه عبدُ الله بنُ كامل، فأخَذُه ثمّ أقبل به، وذهب أهلُه فاستغاثُوا بعديّ بن حاتم، فَلحِقهم في الطَّريق، فكلَّم عبد الله بن كامل فيه، فقال: ما إليّ من أمره شيء، إنَّما ذلك إلى الأمير المختار. قال: فإني آتيه؛ قال: فائْتِه راشدًا، فمضى عدىّ نحوَ المختار، وكان المختار قد شفَّعه في نفر من قومه أصابهم يومَ جَبَّانة السَّبيع، لم يكونوا نَطَقوا بشيء من أمر الحسين ولا أهل بيته، فقالت الشيعة لابن كامل: إنَّا نخاف أن يشفِّع الأمير عديّ بن حاتم في هذا الخبيث، وله من الذنب ما قد علمت، فدعْنا نقتُله، قال: شأنكم به، فلما

стр. 4657

انتهَوْا به إلى دار العَنزيِّين وهو مكتوف نَصَبوه غَرَضًا، ثم قالوا له: سلبتَ ابن عليّ ثيابَه، والله لنَسلبنّ ثيابَك وأنت حيّ تنظرُ! فنزعوا ثيَابَه، ثمّ قالوا له: رَمَيْتَ حسينًا، واتّخذته غَرَضًا لنَبْلك، وقلت: تعلّق سهمي بسِرْباله ولم يضرّه، وايمُ الله لنرمينَّك كما رميته بنبال ما تعلَّق بك منها أجزاك، قال: فرَمَوه رشْقًا واحدًا، فوقعتْ به منهم نبالٌ كثيرة فخرّ ميّتًا (١). (٦/ ٦٢ - ٦٣). قال أبو مخنف: فحدّثني أبو الجارود عمّن رآه قتيلًا كأنَّه قُنفُذ لِمَا فيه من كثرة النَّبل: ودخل عديّ بن حاتم على المختار فأجلسَه معه على مجلسه، فأخبره عديّ عمَّا جاء له، فقال له المختار: أتستحلّ يا أبا طَريف أن تَطلُب فيّ قَتَلة الحسين! قال: إنه مكذوب عليه أصلحك الله! قال: إذًا ندَعه لك قال: فلم يكن بأسرع من أن دخل ابن كامل فقال له المختار: ما فَعَل الرجل؟ قال: قتلتْه الشيعة: قال: وما أعَجَلَك إلى قتله قبل أن تأتيني به وهو لا يسرّه أنَّه لم يقتله - وهذا عديّ قد جاء فيه، وهو أهلٌ أن يشُفَّع ويؤتى ما سرّه! قال: غلبتْني واللهِ الشيعة، قال له عديّ: كذبتَ يا عدوَّ الله، ولكنْ ظننْتَ أنّ من هو خيرٌ منك سيشفّعني فيه، فبادرتَني فقتلتَه، ولم يكن خطر يدفعك عمَّا صنعت. قال: فاسحَنْفر إليه ابن كامل بالشَّتيمة، فوضع المختار إصبَعَه على فيه، يأمر ابن كامل بالسكوت والكفّ عن عديّ، فقام عديّ راضيًا عن المختار ساخطًا على ابن كامل، يشكوه عند من لقي من قومه، وبعث المختار إلى قاتل عليّ بن الحسين عبدَ الله بن كامل، وهو رجلٌ من عبد القيس يقال له مُرّة بن مُنْقذ بن النعمان العبديّ وكان شجاعًا، فأتاه ابنُ كامل فأحاط بداره، فخرج إليهم وبِيَدِه الرّمح، وهو على فرس جواد، فطعن عبيد الله بن ناجية الشِّباميّ، فصرَعه ولم يضرّه، قال: ويضربه ابن كامل بالسيف فيتّقيه بيده اليسرى، فأسرع فيها السيف، وتمطَرت به الفرس، فأفلت ولحق بمصعب، وشُلَّت يده بعد ذلك، قال: وبعث المختارُ أيضًا عبدَ الله الشاكريّ إلى رجل من جَنْب يقال له زيدُ بن رُقاد. كان يقول: لقد رميتُ فتىً منهم بسهم وإنَّه لواضِع كفَّه على جبهته يتَّقي النبلَ فأثبتُّ كفَّه في جبهته، فما استطاع أن يزيل كفَّه عن جبَهته (٢). (٦/ ٦٣ - ٦٤).

стр. 4658

قال أبو مخنف: فحدّثني أبو عبد الأعلى الزُّبيديّ أنّ ذلك الفتى عبد الله بن مسلم بن عَقيل، وأنَّه قال حيث أثبت كفَّه في جبهته: اللَّهمّ إنَّهم استقلّونا واستذلّونا، اللَّهمَّ فاقتلهم كما قتلونا، وأذلَّهم كما استذلّونا، ثمّ إنَّه رمى الغلامَ بسهم آخَرَ فقَتلَه، فكان يقول: جئتُه ميِّتًا فنزعتُ سهمي الَّذِي قتلتُه به من جَوْفه، فلم أزَل أُنضْنِض السَّهم من جبهته حتَّى نَزْعته، وبقيَ النَّصل في جبهته مُثبَتًا ما قدرتُ على نزعه. قال: فلمَّا أتى ابن كامل دارَه أحاط بها، واقتحم الرجالُ عليه فخرج مصلتًا بسيفه - وكان شجاعًا - فقال ابن كامل: لا تضربوه بسيف، ولا تَطعنَوه برمح، ولكن ارموه بالنبل، وارجموه بالحجارة، ففعلوا ذلك به، فسقط، فقال ابن كامل: إن كان به رَمَق فأخرِجوه؛ فأخرَجوه وبه رَمَق، فدعا بنار فحرّقه بها وهو حيّ لم تخرج رُوحهُ، وطلب المختار سنان بن أنس الَّذي كان يدّعى قَتْلَ الحسين، فوَجده قد هَرَب إلى البَصرة. فهدّم داره، وطلب المختارُ عبد الله بن عُقْبة الغَنَويّ فوجده قد هَرَب، ولحق بالجزيرة، فهدم داره، وكان ذلك الغَنَويّ قد قتل منهم غلامًا، وقتل رجل آخر من بني أسد يقال له: حَرْملة بن كاهل رجلًا من آل الحسين، ففيهما يقول ابن أبي عَقِب اللَّيثيّ: وعِندَ غَنِيٍّ قطرَةٌ من دِمائنا ... وفي أَسَدٍ أُخرَى تُعَدُّ وتُذكَرُ وطلب رجلًا من خَثْعَم يقال له عبد الله بن عروة الخثعميّ - كان يقول: رميت فيهم باثني عشر سهمًا ضَيْعَةً - ففاته ولَحِق بمصعب، فهَدّم دارَه، وطلب رجلًا من صُداء يقال له عَمْرو بن صُبَيح، وكان يقول: لقد طعنتُ بعضَهُم وجرحتُ فيهم وما قتلت منهمْ أحدًا، فأتِيَ ليلًا وهو على سَطْحه وهو لايشعر بعد ما هدأت العيون، وسيفُه تحت رأسه، فأخذوه أخْذًا، وأخذوا سيفَه، فقال: قبحك الله سيفًا، ما أقرَبك وأبعَدَك! فجيء به إلى المختار، فحَبَسه معه في القصر، فلمَّا أن أصبح أذِنَ لأصحابه، وقيل: لِيدخلْ من شاء أن يَدخُل، ودخل الناس وجيء به مقيَّدًا، فقال: أما واللهِ يا معشر الكَفَرة الفَجَرة أن لو بِيَدِي سيفي لَعلمتم أني بنصل السيف غير رَعِش ولا رِعْديد، ما يسرُّني إذ كانت منيّتي قَتْلًا أنَّه قتلني من الخلق أحد غيركم. لقد علمتُ أنَّكم شرار خلق الله، غيرَ أني وددتُ أنّ بيدي سيفًا أضرب به فيكم ساعة، ثمّ رفع يدَه فلطم عينَ ابن كامل وهو إلى

стр. 4659

جنبه، فضحك ابن كامل، ثمّ أخذ بيده وأمسكها، ثم قال: إنَّه يزعم أنَّه قد جرح في آل محمد وطعن، فمُرْنا بأمرك فيه، فقال المختار: عليّ بالرماح، فأتِيَ بها، فقال: اطعَنوه حتَّى يموت، فطُعِن بالرماح حتَّى مات (١). (٦/ ٦٤ - ٦٥). قال أبو مخنف: حدّثني هشام بن عبد الرّحمن وابنه الحكَم بن هشام أنّ أصحاب المختار مرّوا بدار بني أبي زُرعة بن مسعود، فرَموهم من فوقها، فأقبلوا حتَّى دخلوا الدارَ، فقتلوا الهبياط بن عثمان بن أبي زُرعة الثقفيّ وعبد الرحمن بن عثمان بن أبي زرعة الثَّقَفيّ، وأفلتَهم عبدُ المالك بن أبي زرعة بضربة في رأسه، فجاء يشتدّ حتَّى دخل على المختار، فأمر امرأتَه أمَّ ثابت ابنَةِ سَمُرة بن جُندَب، فداوتْ شجَّته، ثمّ دعاه، فقال: لا ذنب لي، إنَّكم رميتم القوم فأغضَبْتموهم، وكان محمَّد بنُ الأشعث بن قيس في قرية الأشعث إلى جنب القادسيَّة، فبعث المختار إليه حَوْشبًا سادِنَ الكرسيّ في مئة، فقال: انطلِق إليه فإنَّك تجده لاهيًا، متصيّدًا، أو قائمًا متلبّدًا، أو خائفًا متلدّدًا، أو كامنًا متغمّدًا، فإن قدرت عليه فأتِني برأسه، فخرج حتَّى أتى قصرَه فأحاط به، وخرج منه محمَّد بن الأشعث فلحق بمصعب، وأقاموا على القصر وهم يَروْن أنَّه فيه، ثم دخلوا فعَلِموا أنَّه قد فاتَهم، فانصرفوا إلى المختار، فبعث إلى داره فهدمها، وبنى بلَبِنها وطِينِها دارَ حُجْر بن عديّ الكِنْديّ، وكان زيادُ بن سُمَيَّة قد هَدَمها (٢). (٦/ ٦٥ - ٦٦). ذكر الخبر عن البيعة للمختار بالبصرة وقال هشام بن محمد عن أبي مخنف، قال: حدّثني منيع بن العلاء السعديّ أنّ مسكين بن عامر بن أنَيْف بن شُرَيح بن عمرو بن عدس كان فيمن قَاتَل المختار، فلمَّا هزم الناس لحق بأذرْبيجان بمحمَّد بن عمير بن عطارد، وقال: عجِبتْ دَخْتنُوس لمّا رأَتْني ... قد عَلَاني مِنَ المَشِيبِ خِمارُ فأهلَّتْ بصوتِها وأرَنَّتْ ... لا تهالي قد شاب منّي العِذَارُ

стр. 4660

إن تَرَيْني قد بانَ غَربُ شبابي ... وأَتَى دونَ مولدي أَعْصَارُ فابنُ عامَيْن وابن خمسين عامًا ... أيّ دهر إلَّا له أَدهارُ! ليت سيْفي لها وَجَوْبتَها لي ... يومَ قالت ألا كريم يَغارُ! ليْتنَا قبلَ ذلك اليوم مِتْنَا ... أو فعلْنا ما تفعلُ الأحرارُ فعلَ قوم تَقَاذف الخيرُ عنهمْ ... لم نُقاتلْ وقاتَلَ العَيْزَار وتولَّيتُ عنهُمُ وأصيبوا ... ونَفَاني عنهمْ شَنَارٌ وعارُ لَهْفَ نَفسِي علي شِهَاب قُرَيْشٍ ... يومَ يُؤْتَى برأسه المختارُ! وقال المتوكِّلُ الليثي: قتلوا حُسَينًا ثم همْ ينعوْنَه ... إنَّ الزمانَ بأَهله أَطْوارُ لا تَبْعَدنْ بالطَّفِّ قَتْلَى ضُيِّعَتْ ... وسقَى مسَاكِن هامِهَا الأَمطار ما شُرْطَة الدّجّالِ تحتَ لوائِه ... بأَضَلَّ مِمَّنْ غرَّهُ المختارُ أَبَني قَسي أَوثِقُوا دجَّالَكم ... يجْلَ الغُبارُ وأنتمُ أحرارُ لو كان علمُ الغيب عند أخيكمُ ... لتَوطَّأَتْ لكُمُ به الأحبارُ ولكان أمرًا بيِّنًا فيما مضَى ... تأْتى به الأَنباءُ والأخبارُ إنِّي لأرجو أن يُكَذِّبَ وحْيَكمْ ... طعنٌ يَشُقُّ عصاكُمُ وحِصَارُ ويجيئكم قومٌ كأنَّ سُيُوفَهُمْ ... بأكفِّهِمْ تحتَ العَجاجة نارُ لا يَنثَنون إذا هُمُ لاقَوْكُمُ ... إلَّا وهَامُ كُمَاتِكم أَعشارُ (١) (٦/ ٧٠ - ٧١). ذكر الخبر عن بعث المختار جيشه للمكر بابن الزّبير قال أبو جعفر: وفي هذه السنة بعث المختارُ جيشًا إلى المدينة للمكْر بابن الزبير، وهو مُظهِر له أنَّه وجَّههم مَعُونَةً له لحرب الجيش الَّذي كان عبد الملك بن مروان وجَّهه إليه لحروبه، فنزلوا واديَ القُرى. * ذكر الخبر عن السبب الداعي كان للمختار إلى توجيه ذلك الجيش وإلى ما صار أمرهم:

стр. 4661

قال هشام بن محمَّد: قال أبو مخنف: حدّثني موسى بن عامر، قال: لمَّا أخرج المختارُ بن مطيع من الكوفة لَحق بالبَصرة، وكره أن يقدم ابن الزبير بمكَّة وهو مهزوم مفلول، فكان بالبَصرة مقيمًا حتَّى قدم عليه عمرُ بنُ عبد الرحمن بن هشام، فصارا جميعًا بالبصرة، وكان سبب قدوم عمرَ البصرة أنّ المختار ظهر بالكوفة واستجمع له الأمر وهو عند الشِّيعة إنَّما يدعو إلى ابن الحنفيَّة والطلب بدماء أهل البيت، أخذ يخادع ابنَ الزبير ويكتب إليه، فكتب إليه: أمَّا بعد، فقد عرفتَ مُناصَحتي إيَّاك وجَهدي على أهل عَداوَتِك، وما كنتَ أعطيتني إذا أنا فعلتُ ذلك من نفسك فلمَّا وفَيتُ لك، وقضيتُ الَّذي كان لكَ عليّ، خِسْتَ بي، ولم تَف بما عاهَدتني عليه، ورأيت منّي ما قد رأيت، فإن تُرد مراجعتي أراجِعك، وإن تُرد مُناصحتي أنصح لك. وهو يريد بذلك كفَّه عنه، حتَّى يَستجمِع له الأمر، وهو لا يُطْلع الشِّيعة على شيء من هذا الأمر، وإذا بلغهم شيء منه أراهم أنَّه أبعد الناس عن ذلك. قال: فأراد ابن الزبير أن يَعلم أسِلْم هو أم حرب! فدعا عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزوميّ، فقال له: تجهَّزْ إلى الكوفة فقد ولَّيناكَها، فقال: كيف وبها المختار! قال: إنَّه يزعم أنَّه سامع مطيع، قال: فتجَّهزَ بما بين الثلاثين الألف درْهم إلى الأربعين ألفًا، ثمّ خرج مقبلًا إلى الكوفة، قال: ويجيء عينُ المختار من مكَّة حتَّى أخبره الخبر، فقال له: بكم تجهّز؟ قال: بما بين الثلاثين ألفًا إلى الأربعين ألفًا. قال: فدعا المختارُ زائدةَ بن قدامة، وقال له: احمِل معك سبعين ألفَ درهم ضِعفَ ما أنفَق هذا في مسيره إلينا وتلقّه في المفَاوز، واخرج معك مسافر بن سعيد بن نمْران الناعطيّ في خمسمئة فارس دارعٍ رامح، عليهم البَيْض، ثمَّ قل له: خذ هذه النَّفقة فإنَّها ضعف نفقتك، فإنَّه قد بلغنا أنَّك تجهَّزتَ وتكلَّفت قدرَ ذلك، فكَرِهنا أن تغرم، فخذها وانصرف، فإن فعل وإلّا فأره الخيل وقل له: إنّ وراء هؤلاء مثلهم مئة كتيبة. قال: فأخذ زائدة المال، وأخرج معه الخيل، وتلقَّاه بالمَفاوز، وعرض عليه المال، وأمَرَه بالانصراف، فقال له: إنّ أمير المؤمنين قد ولّاني الكوفة ولابدّ من إنفاذ أمره، فدعا زائدةُ بالخيل وقد أكمنها في جانب، فلمَّا رآها قد أقبلتْ قال: هذا الآن أعذَرُ لي وأجملُ بي، هاتِ المالَ، فقال له زائدة: أمَّا إنَّه لم يبعث به إليك إلّا لما بينك وبينه، فدفعه إليه فأخذه ثمّ مضى

стр. 4662

راجعًا نحوَ البصرة، فاجتمع بها هو وابنُ مطيع في إمارة الحارث بنِ عبد الله بن أبي ربيعة، وذلك قبل وثوب المثنَّى بن مخرِّبة العبديّ بالبَصرة (١). (٦/ ٧١ - ٧٢). قال أبو مخنف: فحدّثني إسماعيل بن نُعيم أنّ المختار أخبِر أنّ أهل الشام قد أقبَلوا نحو العراق، فعَرَف أنه به يُبْدَأ، فخشى أنه يأتيَه أهلُ الشام من قبل المغرب، ويأتيَه مصعب بن الزبير من قِبَل البَصرةَ، فوادَعَ ابنَ الزبير وداراه وكايده؛ وكان عبدُ الملك بن مروانَ قد بعث عبد الملك بن الحارث بن الحكَم بن أبي العاص إلى وادي القرى، والمختار لابن الزبير مكايِدٌ موادع، فكتب المختار إلى ابن الزبير: أما بعد، فقد بلغني أنّ عبد الملك بن مروانَ قد بعث إليك جيشًا، فإن أحببتَ أن أمدّك بمدَدَ أمددتُك. فكتب إليه عبدُ الله بنُ الزبير: أما بعد، فإن كنتَ على طاعتي فلستُ أكره أن تبعث الجيشَ إلى بلادي وتبايعَ لي الناس قِبلك، فإذا أتتْني بيعتُك صدّقتُ مقالتَكَ، وكففتُ جنودي عن بلادك، وعَجِّل عليّ بِتسريح الجيش الّذي أنت باعثه، ومُرهم فليسيروا إلى مَنْ بوادي القرى من جُنْد ابن مروان فليقاتلوهم، والسلام. فدعا المختارُ شُرحبيلَ بن وَرْس من هَمدان، فسرّحه في ثلاثةِ آلاف أكثرهم الموالي، ليس فيهم من العرب إلّا سبعمئة رجل، فقال له: سرْ حتَّى تدخلَ المدينة، فإذا دخلتَها فاكتب إليّ بذلك حتَّى يأتيَك أمري؛ وهو يريد إذا دخلوا المدينة أن يبعث عليهم أميرًا من قبَله، ويأمرَ ابنَ ورس أن يمضيَ إلى مكَّة حتَّى يحاصرَ ابنَ الزبير ويقاتلَه بمكَّة، فخرج الآخر يسير قِبَل المدينة، وخشي ابن الزبير أن يكون المختار إنما يكيده، فبعث من مكّة إلى المدينة عباس بن سَهْل بن سعد في ألفين، وأمَرَه أن يستنفرَ الأعراب، وقال له ابنُ الزبير: إنْ رأيتَ القومَ في طاعتي فاقبل منهم، وإلّا فكايِدْهم حتَّى تُهلِكهم ففعلوا، وأقبَل عبَّاس بن سهل حتَّى لقي ابن ورس بالرقيم، وقد عبَّى ابن ورس أصحابَه، فجعل على ميمنته سَلمانَ بن حِميرَ الثَّوريّ من هَمْدان، وعلى مَيْسرته عيَّاش بن جَعْدة

стр. 4663

الجُدَليّ، وكانت خيلُه كلها في الميمنة والميسرة، فدنا فسلَّم عليه، ونزل هو يمشي في الرّجّالة، وجاء عباس في أصحابه وهم منقطعون على غير تعبية، فيجد ابن ورس على الماء قد عبّى أصحابه تعبية القتال، فدنا منهم فسلَّم عليهم، ثم قال: اخلُ معي هاهنا، فَخلَا به، فقال له: رحمك الله! ألستَ في طاعة ابن الزبير! فقال له ابن ورس: بلى، قال: فسرْ بنا إلى عدوّه هذا الَّذي بوادي القرى، فإنّ ابن الزبير حدّثني أنَّه إنَّما أشخصكم صاحبكم إليهم، قال ابن ورس: ما أمِرت بطاعتك، إنما أمِرت أن أسير حتى آتي المدينة، فإذا نزلتها رأيت رأيي، قال له عبَّاس بن سهل: فإن كنت في طاعة ابن الزبير فقد أمرني أن أسيرَ بك وبأصحابك إلى عدوّنا الَّذِين بوادي القرى، فقال له ابن ورْس: ما أمِرتُ بطاعتك، وما أنا بمتَّبعك دون أن أدخل المدينة، ثمَّ أكتب إلى صاحبي فيأمرني بأمره، فلمَّا رأى عبَّاس بن سهل لَجاجَتَه عرف خلافَه، فكَرِه أن يُعلمه أنَّه قد فطن له، فقال: فرأيك أفضل، اعمْل بما بدا لك؛ فأمَّا أنا فإني سائر إلى وادي القرى، ثم جاء عبَّاس بن سهل فنزل بالماء. وبعث إلى ابنَ ورْس بجزائرَ كانت معه، فأهداها له، وبعث إليه بدقيق وغنم مسلَّخة - وكان ابن ورس وأصحابه قد هلكوا جوعًا - فبعث عبَّاس بن سهل إلى كلّ عشرة منهم شاة، فذبحوها، واشتغلوا بها، واختلطوا على الماء. وترك القومُ تعبيتهم، وأمِن بعضُهم بعضًا؛ فلمَّا رأى عبَّاس بن سهل ما هم فيه من الشغل جَمَع من أصحابه نحوًا من ألفِ رجل من ذوي البأس والنَّجدة ثمّ أقبل نحو فسطاط شُرَحبيل بن وَرْس، فلمَّا رآهم ابنُ وَرْس مُقْبلين إليه نادى في أصحابه، فلم يَتوافَ إليه مئةُ رجل حتَّى انتهى إليه عبَّاس بن سهل وهو يقول: يا شُرْطةَ الله، إليّ إليّ! قاتلوا المُحِلِّين، أولياءَ الشيطان الرجيم، فإنَّكم على الحقّ والهدى؛ قد غَدَروا وفجروا (١). (٦/ ٧٢ - ٧٤). قال أبو مخنف: فحدّثني أبو يوسف أنّ عبَّاسًا انتهى إليهم، وهو يقول: أنَا ابن سهل فارسٌ غيرُ وَكَلْ ... أَرْوَعُ مِقْدَام إذا الكبشُ نَكَلْ وأعْتَلي رأْسَ الطِّرِمَّاح البطَلْ ... بالسّيف يومَ الرَّوْع حتَّى يَنْخزَلْ

стр. 4664

قال: فوالله ما اقتتلنا إلّا شيئًا ليس بشيء حتى قُتل ابن ورس في سبعين من أهل الحفاظ، ورَفَع عبَّاسُ بن سهل رايةَ أمان لأصحاب ابن ورس، فأتَوْها إلّا نحوًا من ثلاثمئة رجل انصرفوا مع سَلَمانَ بن حمير الهمدانيّ وعياش بن جَعْدة الجدليّ، فلمَّا وقعوا في يد عبَّاس بن سهل أمر بهم فقُتِلوا إلا نحوًا من مئتي رجل، كره ناس من النَّاس ممَّن دُفِعُوا إليهم قتلهم، فخلَّوا سبيلهم، فرجعوا، فمات أكثرُهم في الطريق، فلمَّا بلغ المختار أمرُهُم، ورجع مَنْ رجع منهم، قام خطيبًا فقال: ألا إنّ الفُجَّار الأشرار، قتَلوا الأبرار الأخيار، ألا إنَّه كان أمرًا مأتِيًّا، وقضاءً مقضيًّا، وكتب المختار إلى ابن الحنفيَّة مع صالح بن مسعود الخَثعَمِيّ: بسم الله الرحمن الرحيم، أمَّا بعد، فإني كنت بعثتُ إليك جندًا ليُذلّوا لك الأعداء، وليحوزُوا لك البلاد، فساروا إليك حتَّى إذا أظلُّوا على طَيبَة، لقيهم جندُ المُلحِد، فخدعوهم بالله، وغرّوهم بعهد الله، فلمَّا اطمأنّوا إليهم، ووَثِقوا بذلك منهم، وثبوا عليهم فقتلوهم، فإن رأيتَ أن أبعثَ إلى أهل المدينة من قبَلي جيشًا كثيفًا، وتَبعثَ إليهم من قِبَلك رُسُلًا حتَّى يعلم أهلُ المدينة أني في طاعتك، وإنما بعثت الجند إليهم عن أمرك، فافعل، فإنَّك ستجد عظمهم بحقّكم أعرَف، وبكم أهل البيت أرأف منهم بآل الزبير الظّلمة الملحدين والسلام عليك. فكتب إليه ابنُ الحنفيَّة: أمَّا بعد، فإنّ كتابك لمَّا بلغني قرأتُه، وفهمتُ تعظِيمَك لحقّي، وما تنوي من سروري، وإنّ أحبّ الأمور كلِّها إليّ ما أطيع اللهَ فيه، فأطع الله ما استطعتَ فيما أعلنتَ وأسررت، واعلم أني لو أردت لوجدتُ الناس إليّ سراعًا، والأعوانَ لي كثيرًا، ولكني أعتزلهم، وأصبر حتى يحكم الله لي وهو خير الحاكمين. فأقبل صالح بنُ مسعود إلى ابن الحنفيَّة فودَّعه وسلَّم عليه، وأعطاه الكتاب وقال له: قل للمختار فليتَّقِ الله، وليكفُف عن الدّماء، قال: فقلت له: أصلَحَك الله! أوَ لم تكتبْ بهذا إليه! قال له ابن الحنفيَّة: قد أمرتهُ بطاعة الله، وطاعةُ الله تَجمَع الخيرَ كلَّه، وتنهَى عن الشرّ كلّه، فلمَّا قَدِم كتابُه على المختار أظهر للناس

стр. 4665

أني قد أُمِرتُ بأمر يجمع البرّ واليسر، ويَضَرْح الكُفْر والغَدْر (١). (٦/ ٧٤ - ٧٥). ذكر الخبر عن قُدوم الخشبيّة مكة وموافاتهم الحجّ قال أبو جعفر: وفي هذه السنة قدمت الخشبيّة مكة، ووافوا الحج وأميرهم أبو عبد الله الجدليّ. * ذكر الخبر عن سبب قدومهم مكة: وكان السبب في ذلك - فيما ذكر هشام عن أبي مخنف وعلّي بن محمَّد، عن مَسْلمة بن محارب - أنّ عبد الله بن الزبير حبس محمَّد بن الحنفيَّة ومَن معه من أهل بيته وسبعة عشرَ رجلًا من وجوه أهل الكوفة بزَمزمَ، وكرِهوا البَيْعة لمن لم تجتمع عليه الأمَّة، وهربوا إلى الحَرم، وتوعَّدهم بالقَتْل والإحراق، وأعطى اللهَ عهدًا إن لم يبايعوا أن يُنفذ فيهم ما توعَّدهم به، وضرب لهم في ذلك أجَلًا، فأشار بعضُ من كان مع ابن الحنفيَّة عليه أن يبعث إلى المختار وإلى مَنْ بالكوفة رسولًا يعْلمهم حالَهم وحال من معهم، وما توعَّدهم به ابن الزبيرُ، فوجَّه ثلاثة نفر من أهل الكوفة حين نام الحرس على باب زمزم، وكتب معهم إلى المختار وأهل الكوفة يُعلِمهم حالَه وحالَ من معه، وما توعدهم به ابن الزبير من القتل والتحريق بالنار، ويسألهم ألّا يخذلوه كما خذلوا الحسين وأهل بَيته، فقَدِموا على المختار، فدَفَعوا إليه الكتَاب، فنادى في الناس وقرأ عليهم الكتاب وقال: هذا كتاب مهدّيكم وصريحُ أهل بيت نبيِّكم وقد تركوا محظورًا عليهم كما يحظر على الغنم ينتظرون القتل والتحريق بالنار في آناء اللَّيل وتارات النهار، ولستُ أبا إسحاق إن لم أنصرهم نصرًا مؤزَّرًا، وإن لم أسرِّب إليهم الخيل في أثر الخيل، كالسَّيل يتلُوه السيل، حتَّى يَحُلّ بابن الكاهليَّة الوَيْل. ووجَّه أبا عبد الله الجدليّ في سبعين راكبًا من أهل القوّة، ووجَّه ظَبْيان ابن عمارة أخا بني تميم ومعه أربعمئة، وأبا المعتمر في مئة، وهانى بن قيس في مئة، وعُمَير بن طارق في أربعين، ويونسَ بن عمرن في أربعين، وكتب إلى محمد بن عليّ مع الطّفَيل بن عامر ومحمد بن قيس بتوجيه الجنود إليه، فخرج

стр. 4666

الناسُ بعضُهم في أثر بعض، وجاء أبو عبد الله حتَّى نزل ذاتَ عِرْق في سبعين راكبًا، ثمّ لحقه عمير بن طارق في أربعين راكبًا، ويونس بن عمران في أربعين راكبًا، فتمّوا خمسين ومئة، فسار بهم حتَّى دخلوا المسجد الحرام، ومعهم الكافر كوبات، وهم ينادُون: يا لَثأرات الحسين! حتَّى انتهَوا إلى زمزم، وقد أعدّ ابنُ الزبير الحَطَب ليحْرقهم، وكان قد بقي من الأجل يومان، فطردوا الحَرَس، وكسروا أعواد زمزم، ودخلوا على ابن الحنفيَّة، فقالوا له: خَلّ بيننا وبين عدوّ الله ابن الزبير، فقال لهم: إني لا أستحلّ القتال في حرم الله فقال ابن الزبير: أتحسبون أني مُخَلٍّ سبيلَهم دون أن يبايع ويبايعوا! فقال أبو عبد الله الجدَليّ: إي وَرَبّ الرُّكْن والمقام، وربّ الحِلّ والحرام، لتخلّينّ سبيلَه أو لنجالدنَّك بأسيافنا جِلادًا يرتاب منه المُبطِلون فقال ابن الزبير: والله ما هؤلاء إلّا أكَلة رأس، والله لو أذنت لأصحابي ما مضتْ ساعة حتَّى تُقطَف رؤوسهم؛ فقال له قيس بن مالك: أما والله إني لأرجو إن رمت ذلك أن يُوصَل إليك قبل أن ترى فينا ما تحبّ، فكفّ ابن الحنفيَّة أصحابَه، وحذّرهم الفتنة، ثمّ قدم أبو المعتمر في مئة، وهانئ بن قيس في مئة، وظَبيان بن عُمارة في مئتين، ومعه المال حتَّى دخلوا المسجد، فكبَّروا: يا لَثأرات الحسين! فلمَّا رآهم ابن الزبير خافَهم، فخرج محمّد بن الحنفيّة ومَن معه إلى شِعب عليّ وهم يسبّون ابنَ الزبير، ويستأذِنون ابنَ الحنفيَّة فيه، فيأبى عليهم، فاجتمع مع محمَّد بن عليّ في الشعب أربعة آلاف رجل، فقسم بينهم ذلك المال (١). (٦/ ٧٥ - ٧٧). ذكر الخبر عن حصار بني تميم بخراسان قال أبو جعفر: وفي هذه السنة كان حصار عبد الله بن خازم مَنْ كان بخراسان من رجال بني تميم بسبب قتل من قتل منهم ابنه محمَّدًا. قال عليّ بن محمَّد: حدّثنا الحسن بن رُشيد الجُوزَجانيّ عن الطّفيْل بن مرداس العمّيّ، قال: لمَّا تفرّقتْ بنو تميم بخرَاسان أيامَ ابن خازم، أتى قصر فرتنَا عدّةٌ من فُرْسانهم ما بين السبعين إلى الثمانين؛ فولَّوا أمرهم عثمان بن

стр. 4667

بشر بن المحتفز المُزنيّ، ومع شُعْبة بن ظَهِير النهشليّ، وورد بن الفلق العَنبريّ، وزُهَير بن ذؤيب العدويّ، وجَيْهان بن مَشْجَعة الضّبيّ، والحجَّاج بن ناشب العدَويّ، ورقبة بن الحرّ في فرسان بني تميم، قال: فأتاهم ابن خازم، فحصرهم وخَنْدَق خَندَقًا حصينًا، قال: وكانوا يخرجون إليه فيقاتلونه، ثمّ يرجعون إلى القصر، قال: فخرج ابن خازم يومًا على تعبية من خندقه في ستَّة آلاف، وخرج أهلُ القصر إليه، فقال لهم عثمان بن بشر بن المحتفز: انصرفوا اليومَ عن ابن خازم، فلا أظنّ لكم به طاقة، فقال زهير بنُ ذؤيب العدويّ: امرأته طالق إنْ رجع حتَّى ينقض صفوفهم - وإلى جنبهم نَهْرٌ يدخله الماء في الشتاء، ولم يكن يومئذ فيه ماء، فاستبطنه زهير، فسار فيه، فلم يشعر به أصحابُ ابن خازم حتَّى حمل عليهم، فحطَّم أوَّلهم على آخرهم، واستداروا وكرّ راجعًا، واتَّبعوه على جنبَتيّ النَّهر يصيحون به: لا ينزل إليه أحد، حتَّى انتهى إلى الموضع الَّذِي انحدر فيه، فخرَج فحمل عليهم، فأفرَجوا له حتَّى رجع؛ قال: فقال ابنُ خازم لأصحابه: إذا طاعنتم زهيرًا فاجعلوا في رماحكم كلاليب فأعلِقوها في أداته إنْ قدرتم عليه، فخرج إليهم يومًا وفي رماحهم كلاليب قد هيَّئوها له، فطاعَنوه فأعلقوا في درعه أربعة أرماح، فالتفَت إليهم ليَحِمل عليهم، فاضطربت أيديهم، فخلّوا رماحَهم، فجاء يجرّ أربعة أرماح حتَّى دخل القصر؛ قال: فأرسل ابن خازم غَزْوان بن جَزْء العدويّ إلى زهير فقال: قل له: أرأيتك إن آمنتك وأعطيتك مئةَ ألف، وجعلتُ لك باسار طعمة تناصحني؛ فقال زهير لغَزْوان: ويحك! كيف أناصح قومًا قتلوا الأشعثَ ابنَ ذؤيب! فأسقط بها غزوان عند موسى بن عبد الله بن خازم. قال: فلمَّا طال عليهم الحصار أرسلوا إلى ابن خازم أن خَلِّنا نخرج فنتفرّق، فقال: لا إلّا أن تنزلوا على حُكْمي؛ قالوا: فإنا ننزل على حُكْمك، فقال لهم زهير: ثكلَتْكم أمَّهاتُكم! والله ليقتلنَّكم عن آخركم، فإن طبتم بالموت أنفسًا فموتوا كِرامًا، اخرجوا بنا جميعًا فإمَّا أن تموتوا جميعًا وإمَّا أن ينجوَ بعضكم ويهلكَ بعضكم، وايم الله لئن شددتم عليهم شدّةً صادقة ليُفرِجُنّ لكم عن مثل طريق المِربَد، فإن شئتم كنت أمامَكم، وإن شئتم كنت خلفَكم، قال: فأبَوا، فقال: أما إني سأريكم، ثمّ خرج هو ورقبَة بن الحرّ ومع رقبَة غلام له تركيّ

стр. 4668

وشعبة بن ظَهير، قال: فحَمَلوا على القوم حملَةً منكَرة، فأفرجُوا لهم، فمَضوا؛ فأمَّا زهير فرجع إلى أصحابه حتَّى دخل القصر فقال لأصحابه: قد رأيتم فأطيعوني، ومضى رَقبة وغلامه وشعبة، قالوا: إنّ فينا من يَضعُف عن هذا ويطمع في الحياة، قال: أبعدكم الله! أتَخلَّوْن عن أصحابكم! والله لا أكون أجزَعكم عند الموت، قال: ففتحوا القصر ونزلوا، فأرسل فقيَّدهم، ثمّ حملوا إليه رجلا رجلًا، فأراد أن يمنّ عليهم، فأبى ابنُه موسى، وقال: والله لئن عفوت عنهم لأتَّكئنّ على سيفي حتَّى يخرج من ظهري؛ فقال له عبد الله: أما والله إني لأعلم أنّ الغيّ فيما تأمرني به، ثمّ قتلهم جميعًا إلّا ثلاثة؛ قال: أحدهم الحجَّاج بن ناشب العدويّ - وكان رمى ابن خازم وهو محاصرهم فكسر ضرسَه، فحلف لئن ظفر به ليقتلنَّه أو ليقطعنّ يده، وكان حَدَثًا، فكلَّمه فيه رجال من بني تميم كانوا معتزلين؛ من عَمرو بن حنظلة، فقال رجل منهم: ابن عمّي وهو غلام حدث جاهل؛ هَبْه لي، قال: فوهبه له، وقال: النَّجاء! لا أرينَّك. قال: وجيهان بن مشجعة الضَّبّي الَّذي ألقى نفسَه على ابنه محمَّد يوم قُتِل، فقال ابن خازم: خلّوا عن هذا البَغْل الدارج، ورجل من بني سعد، وهو الَّذِي قال يومَ لَحِقوا ابنَ خازم: انصرفوا عن فارسِ مضر. قال: وجاؤوا بزهير بن ذؤيب فأرادوا حمله وهو مقيّد، فأبَى وأقبلَ يَحجُل حتَّى جلس بين يديه، فقام له ابن خازم: كيف شُكرك إنْ أطلقتُك وجعلتُ لكَ باسار طعمة؟ قال: لو لم تصنْع بي إلّا حقنَ دمي لشكرتُك، فقام ابنه موسى فقال: تقتل الضبع وتترك الذّيخ! تقتل اللبؤَة وتترك اللَّيث! قال: وَيْحك! نقتل مِثلَ زهير! مَن لقتال عدوّ المسلمين! مَن لنساء العرب! قال: والله لو شركتَ في دم أخي أنت لقتلتك، فقام رجل من بني سُلَيم إلى ابن خازم، فقال: أذكِّرك اللهَ في زهير! فقال له موسى: اتَّخذه فَحْلًا لبناتك، فغضب ابن خازم، فأمر بقتله، فقال له زهير: إنّ لي حاجة. قال: وما هي؟ قال: تقتلني على حِدَة، ولا تخلط دمي بدماء هؤلاء اللئام، فقد نهيتُهم عمَّا صنعوا وأمرتهم أن يموتوا كرامًا، وأن يخرجوا عليكم مصلتين، وايم الله أن لو فعلوا لذَعَروا بُنيَّك هذا، وشغلوه بنفسه عن طلب الثأر بأخيه فأبوْا، ولو فعلوا ما قتِل منهم رجل حتَّى يقتل رجالًا. فأمر به فنُحِّي ناحية فقُتل.

стр. 4669

قال مَسلمة بن محارب: فكان الأحنفُ بن قيس إذا ذكرهم قال: قبّح الله ابن خازم! قتل رجالًا من بني تميم بابنه، صبيّ وغْد أحمقَ لا يُساوِي عَلقًا، ولو قتل منهم رجلًا به لكان وفّى. قال: وزعمت بنو عديّ أنهم لما أرادوا حمل زهير بن ذؤيب أبَى واعتمد على رُمْحه وجمع رجليه فوَثَب الخندق، فلمَّا بلغ الحَريشَ بن هلال قتلهم قال: أَعَاذِلَ إِنّي لم أُلِمْ في قِتَالِهمْ ... وقد عضَّ سيفي كَبْشَهُمْ ثم صمّمَا أعاذل ما ولَّيْتُ حتى تَبَدَّدَتْ ... رجالٌ وحتَّى لم أَجد مُتَقَدّمَا أعاذل أفْنَاني السلاحُ ومن يُطِلْ ... مُقَارَعَةَ الأَبطالِ يرجعْ مكلّمَا أعَيْنىَّ إن أَنْزَفْتُما الدمعَ فاسكُبَا ... دمًا لازمًا لي دون أن تسكُبا الدّمَا أَبَعْدَ زهيرٍ وابنِ بشرٍ تَتَابعا ... ووردٍ أُرَجّي في خُراسانَ مَغْنَما أعاذلَ كم من يومِ حربٍ شهِدتُه ... أَكُرُّ إذا ما فارسُ السَّوءِ أَحْجَمَا يعني بقوله: "أبعْدَ زهير"، زهيرَ بن ذؤيب، وابن بشر، عثمان بن بشر المحتفز المازنيّ، وورد بن الفلق العنبريّ، قُتلوا يومئذ، وقتل سليمان بن المحتفز أخو بشر (١). (٦/ ٧٧ - ٨٠). شخوص إبراهيم بن الأشتر لحرب عبيد الله بن زياد وفي هذه السنة شَخَص إبرهيمُ بن الأشتر متوجِّهًا إلى عبيد الله بن زياد لحربه، وذلك لثمانٍ بقين من ذي الحِجَّة. قال هشام بن محمَّد: حدّثني أبو مخنف: قال: حدّثني النَّضر بن صالح - وكان قد أدرك ذلك - قال: حدّثني فُضَيل بن خَدِيج - وكان قد شهد ذلك - وغيرهما. قالوا: ما هو إلّا أن فرغ المختار من أهل السَّبيع وأهل الكُناسة، فما نزل إبراهيم بن الأشتر إلّا يومين حتَّى أشخصه إلى الوجه الذي كان وجَّهه له لقتال أهل الشام، فخرج يوم السبت لثمان بقين من ذي الحجَّة سنة ستٍّ وستين، وأخرج المختارُ معه من وجوه أصحابه وفُرسانهم وذوي البصائر منهم: مِمَّن قد

стр. 4670

شهد الحرب وجرّبها، وخرج معه قيس بن طَهْفة النَّهديّ على ربع أهل المدينة، وأمَّر عبد الله بن حيَّة الأسديّ على ربع مَذْحِج وأسَد، وبعث الأسوَد بن جراد الكِنْديّ على رُبْع كندة وربيعة. وبعث حبيب بن منقذ الثوريّ من هَمْدانَ على ربع تميم وهَمْدان، وخرج معه المختار يشيعه حتى إذا بلغ ديرَ عبد الرحمن بن أمّ الحَكَم، إذا أصحاب المختار قد استقبلوه، قد حملوا الكرسيّ على بغل أشهب كانوا يَحمِلونه عليه، فوقفوا به على القنطرة، وصاحب أمر الكرسيّ حَوْشب البرسميّ، وهو يقول: يا ربّ عمِّرنا في طاعتك، وانصرنا على الأعداء، واذكرنا ولا تَنْسَنا واسترنا، قال: وأصحابه يقولون: آمين آمين؛ قال فُضَيل: فأنا سمعتُ ابن نَوف الهَمْدانيّ يقول: قال المختار: أمَا وَرَبِّ المُرْسَلَاتِ عُرْفَا ... لنقتُلَنَّ بعدَ صفٍّ صَفَّا وبعد أَلفٍ قاسِطِين أَلفَا قال: فلمَّا انتهى إليهم المختار وابنُ الأشتر ازدَحموا ازدحامًا شديدًا على القنطرة، ومضى المختار مع إبراهيمَ إلى قناطر رأس الجالوت - وهي إلى جنب دَيْر عبد الرحمن - فإذا أصحاب الكرسيّ قد وقفوا على قناطر رأسِ الجالوت يَستنصِرون، فلمَّا صار المختار بين قنطرة دَيْرِ عبد الرحمن وقناطر رأس الجالوت وقف، وذلك حين أراد أن ينصرف، فقال لابن الأشتر: خذ عنّي ثلاثًا: خَفِ الله في سرّ أمرِك وعلانيته، وعجّل السير، وإذا لقيتَ عدوّك فناجزهم ساعة تلقاهُم، وإن لقيتَهم ليلًا فاستطعت ألّا تُصبح حتّى تناجِزَهم، وإن لقيتَهم نهارًا فلا تنتظر بهم الليل حتَّى تحاكمهم إلى الله، ثم قال: هل حفِظتَ ما أوصيتك بهِ؟ قال: نعم، قال: صحبك الله؛ ثم انصرف، وكان موضع عسكر إبراهيم بموضع حمَّام أعيَنَ، ومنه شخص بعسكره (١). (٦/ ٨١ - ٨٢). ذكر أمر الكرسيّ الذي كان المختار يستنصر به ! قال أبو مخنف: فحدّثني فُضيل بن خَدِيج قال: لمَّا انصرف المختار مضى

стр. 4671

إبراهيم ومعه أصحابه حتَّى انتهى إلى أصحاب الكُرْسيّ وقد عَكَفوا حوله وهم رافعو أيديهم إلى السّماء يستنصِرون، فقال إبراهيم: اللَّهمّ لا تؤاخذنا بما فعل السُّفهاء - سنّةَ بني إسرائيل والَّذِي نفسي بيَده إذ عكفوا على عِجْلهم - فلمَّا جاز القنطرة إبراهيمُ وأصحابهُ انصرف أصحاب الكرسيّ (١). (٦/ ٨٢). * ذكر الخبر عن سبب كرسي المختار الذي يستنصر به هو وأصحابه: قال أبو جعفر: وكان بدءُ سببه ما حدّثني به عبد الله بن أحمد بن شبّوَيْهِ، قال: حدثني أبي، قال: حدثني سليمان، قال: حدّثني عبد الله بن المبارك، عن إسحاقَ بن يحيى بن طلحة، قال: حدّثني معبد بن خالد، قال: حدّثني طُفَيل بن جَعْدة بن هُبيرة، قال: أعدمتُ مرّةً من الورق، فإني لكذلك إذْ خرجتُ يومًا فإذا زَيَّات جارٌ لي، له كرسيّ قد ركبه وسخٌ شديد، فخطر على بالي أن لو قلتُ للمختار في هذا! فرجعتُ فأرسلتُ إلى الزّيات: أرسلْ إليّ بالكرسيّ، فأرسل إليّ به، فأتيت المختار، فقلت: إني كنت أكتُمُك شيئًا لم أستحلّ ذلك، فقد بدا لي أن أذكره لك، قال: وما هو؟ قلت: كرسيّ كان جعدة بن هُبيرة يجلس عليه كأنَّه يرى أن فيه أثَرة مِن عِلم، قال: سبحان الله! فأخَّرتَ هذا إلى اليوم! ابعث به إليَّ، قال: وقد غُسل وخرج عُود نُضَارٍ، وقد تشرّب الزيت، فخرج يَبِصّ، فجيء به وقد غُشي، فأمر له باثني عشر ألفًا، ثم دعا: الصّلاة جامعة. فحدّثني معبد بن خالد الجُدَليّ قال: انطُلِق بي وإسماعيلَ بن طلحة بن عُبيد الله وشَبَث بن ربعيّ والناس يجرون إلى المسجد، فقال المختار: إنَّه لم يكن في الأمم الخالية أمر إلا وهو كائن في هذه الأمَّة مثله، وإنَّه كان في بني إسرائيل التابوت فيه بقيَّة ممَّا ترك آلُ موسى وآلُ هارون، وإنّ هذا فينا مثل التابوت، اكشِفوا عنه؛ فكشفوا عنه أثوابَه، وقامت السبئيَّة فرفعوا أيديهم، وكبروا ثلاثًا، فقام شَبَث بن ربعيّ وقال: يا معشر مُضَر. لا تكفُرُنّ! فنحّوه فذبّوه وصدّوه وأخْرجوه، قال إسحاق: فوالله إني لأرجو أنَّها لشبث، ثمّ لم يلبث أن قيل: هذا عبيد الله بن زياد قد نزَل بأهل الشام باجُمَيْرا، فخرج بالكرسيّ على بغل وقد غُشّي، يُمسِكه عن يمينه سبعة وعن يساره سبعة، فقتِل أهل الشام مقتلة لم

стр. 4672

يقتلوا مثلها، فزادهم ذلك فتنة، فارتفعوا فيه حتَّى تعاطَوا الكفر، فقلت: إنَّا لله! وندمتُ على ما صنعت. فتكلَّم الناس في ذلك، فغُيِّب، فلم أرَهُ بعدُ (١). (٦/ ٨٢ - ٨٣). حدّثني عبد الله، قال: حدّثني أبي قال: قال أبو صالح: فقال في ذلك أعْشى هَمْدان كما حدّثني غيرُ عبد الله: شَهدتُ عليكمْ أنَّكُمْ سبَئيَّةٌ ... وإنِّي بكم يا شُرْطَةَ الشِّرْكِ عارف وأقْسِمُ ما كُرْسِيُّكم بسَكينةٍ ... وإن كان قد لُفَّتْ عليه اللّفائف وأَن ليس كالتابوتِ فينَا وإن سَعَتْ ... شِبَامٌ حوالَيْهِ ونَهْدٌ وخارفُ وإني امرؤٌ أحَبَبْتُ آلَ محمدٍ ... وتابَعْتُ وحْيًا ضُمِّنَتْهُ المَصاحِفُ وتابَعْتُ عبدَ الله لمّا تتابَعَت ... عليه قريشٌ: شُمْطها والغطارف وقال المتوكِّل اللَّيثيّ: أبْلِغْ أَبا إِسحاقَ إِنْ جِئتَه ... أَنِّي بِكُرْسيِّكمْ كافِرُ تَنزوُ شِبَامٌ حولَ أعوادِه ... وتحمِلُ الوحْي له شاكرُ محمرَّةً أَعيُنُهمْ حولَهُ ... كأَنَّهنّ الحمّص الحادرُ (٦/ ٨٣ - ٨٤). فأمَّا أبو مخنف: فإنَّه ذكر عن بعض شيوخه قصّةَ هذا الكرسيّ غير الَّذي ذكره عبد الله بن أحمد بالإسناد الَّذي حدِّثنا به عن طفيل بن جعدة، والَّذي ذكر من ذلك ما حُدّثنا به، عن هشام بن محمَّد عنه، قال: حدّثنا هشام بن عبد الرحمن وابنه الحَكَم بن هشام، أنّ المختار قال لآل جعدة بن هُبَيرة بن أبي وهب المخزوميّ - وكانت أمّ جعدة أمّ هانئ بنت أبي طالب أخت عليّ بن أبي طالب ﵇ لأبيه وأمَّه: ائتوني بكرسيّ عليّ بن أبي طالب؛ فقالوا: لا والله ما هو عندنا، وما ندري مِنْ أين نجيء به! قال: لا تكونُنّ حَمقى، اذهبوا فأتوني به، قال: فظنّ القوم عند ذلك أنَّهم لا يأتون بكرسيّ، فيقولون: هو هذا إلّا قَبله منهم، فجاؤوا بكرسيّ فقالوا: هو هذا فقبِله، قال: فخرجتْ شبامٌ وشاكر

стр. 4673

ورؤوس أصحاب المختار وقد عَصّبُوه بالحرير والدّيِباج (١). (٦/ ٨٤). قال أبو مخنف، عن موسى بن عامر أبي الأشعر الجُهَنيّ: إنّ الكرسيّ لمَّا بلغ ابن الزبير أمْرُه قال: أين بعضُ جَنادِبة الأزْد عنه! قال أبو الأشعر: لمَّا جيء بالكرسيّ كان أوّل مَن سدَنَه موسى بن أبي موسى الأشعريّ، وكان يأتي المختار أوّل ما جاء ويحفّ به، لأنّ أمَّه أمّ كلثوم بنت الفضل بن العبَّاس بن عبد المطَّلب، ثمّ إنَّه بعد ذلك عُتب عليه فاستحيا منه، فدَفَعه إلى حَوْشب البُرْسُميّ، فكان صاحبه حتَّى هلك المختار، قال: وكان أحد عمومة الأعشى رجلًا يُكنى أبا أمامة يأتي مجلس أصحابه فيقول: قد وُضع لنا اليوم وحيٌ ما سَمِعَ الناسُ بمثله، فيه نبأ ما يكونُ من شيء (٢). (٦/ ٨٤ - ٨٥). قال أبو مخنف: حدّثنا موسى بن عامر أنَّه إنَّما كان يصنع ذلك لهم عبد الله بن نوف، ويقول: المختار أمرَني به، ويتبرّأ المختار منه (٣). (٦/ ٨٥). ثم دخلت سنة سبع وستين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فممَّا كان فيها من ذلك مقتل عُبيد الله بن زياد ومن كان معه من أهل الشام. * ذكر الخبر عن صفة مقتله. ذكر هشام بن محمَّد عن أبي مخنف، قال: حدّثني أبو الصّلت، عن أبي سعيد الصَّيْقَل، قال: مضينا مع إبراهيم بن الأشتر، ونحن نريد عُبيدَ الله بن زياد ومَن معه من أهل الشام، فخرجنا مُسْرعين لا ننْثني، نريد أن نلقاه قبل أن يدخل أرضَ العراق، قال: فسبقناه إلى تُخومِ أرض العراق سَبْقًا بعيدًا، ووغلنا في أرض المَوْصل، فتعجَّلنا إليه، وأسرَعْنا السير، فنلقاه بخَازَر إلى جنب قرية يقال لها باربيثا، بينها وبين مدينة المَوْصِل خمسة فراسخ، وقد كان ابن الأشتر جعل على مقدّمته الطفيل بن لقيط من وهبيل من النّخع (رجلًا من قومه)، وكان

стр. 4674

شجاعًا بئيسًا فلمَّا أن دنا من ابن زياد ضمّ حميد بن حُريث إليه، وأخذ ابن الأشتر لا يسير إلّا على تعبية، وضمّ أصحابه كلّهم إليه بخيله ورجاله، فأخذ يسير بهم جميعًا لا يفرّقهم، إلا أنَّه يبعث الطُفيل بن لقيط في الطَّلائع حتَّى نزل تلك القرية. قال: وجاء عبيد الله بن زياد حتَّى نزل قريبًا منهم على شاطئ خازَر، وأرسل عميرُ بن الحُباب السلميّ إلى ابن الأشتر: إني معك، وأنا أريد الليلة لقاءك، فأرسل إليه ابن الأشتر: أن القنى إذا شئت، وكانت قيس كلُّها بالجزيرة، فهم أهلُ خلاف لمروان وآلِ مروان، وجند مروان يومئذ كلبٌ وصاحبهم ابن بَحْدل، فأتاه عُمَير ليلًا فبايَعه، وأخبره أنَّه على ميسرة صاحبه، وواعده أن ينهزم بالنَّاس، وقال ابن الأشتر: ما رأيُك؟ أخندق عليّ وأتلوّم يومين أو ثلاثة؟ قال عمير بن الحُباب: لا تفعل، إنَّا لله! هل يريد القومُ إلّا هذه! إنْ طاولوك وماطالوك فهو خير لهم، هم كثيرٌ أضعافكم، وليس يطيق القليلُ الكثير في المطاولة؛ ولكن ناجز القوم فإنَّهم قد مُلِئوا منكم رُعْبًا، فائتِهم فإنَّهم إن شاموا أصحابك وقاتلوهم يومًا بعد يوم، ومرّة بعد مرّة أنِسوا بهم، واجترؤوا عليهم، قال إبراهيم: الآن علمتُ أنَّك لي مناصح، صدقتَ، الرأي ما رأيت، أما إنّ صاحبي بهذا أوصاني، وبهذا الرأي أمرَني، قال عمير: فلا تعدونّ رأيه، فإن الشيخ قد ضرّستْه الحروب، وقاسى منها ما لم نُقاس، أصبح فناهِض الرجل. ثمّ إن عميرًا انصرف، وأذكَى ابن الأشتر حَرَسه تلك اللَّيلة اللّيل كلَّه، ولم يدخل عينه غمْض، حتَّى إذا كان في السحر الأوّل عَبَّي أصحابه، وكتَّب كتائبه، وأمَّر أمراءَه، فبعث سُفْيان بن يزيد بن المُغَفَّل الأزديّ على ميمنته، وعليّ بن مالك الجُشميّ على ميسرته، وهو أخو أبي الأحوص. وبعث عبد الرحمن بن عبد الله - وهو أخو إبراهيم بن الأشتر لأمّه - على الخيل. وكانت خيلُه قليلةً فضمَّها إليه، وكانت في الميمنة والقلب، وجعل على رجّالته الطُّفَيل بن لقيط، وكانت رايتُهُ مع مزاحم بن مالك، قال: فلمَّا انفجر الفجر صلَّى بهم الغداة بغَلَس، ثمّ خرج بهم فصفَّهم، ووضع أمراء الأرباع في مواضعهم، وألحق أميرَ الميمنة بالميمنة، وأميرَ الميسرة بالميسرة، وأمير

стр. 4675

الرّجالة بالرّجّالة، وضمّ الخيل إليه، وعليها أخوه لأمِّه عبد الرحمن بن عبد الله، فكانت وَسَطًا من الناس، ونزل إبراهيمُ يمشي وقال للناس: ازحَفوا فزَحَف الناسُ معه على رِسْلِهم رُوَيدًا رُوَيدًا حتَّى أشرف على تلّ عظيم مُشرِف على القوم، فجلس عليه، وإذا أولئك لم يتحرّك منهم أحد بعدُ - فسرّح عبدُ الله بن زهير السَّلوليّ وهو على فرس له يتأكَّل تأكُّلًا، فقال: قرّبْ عليّ فرسك حتَّى تأتيني بخبر هؤلاء، فانطلق، فلم يلبث إلّا يسيرًا حتَّى جاء، فقال: قد خرج القومُ على دَهَش وفَشَل، لقيَني رجل منهم فما كان له هِجِّيرَي إلا يا شيعَة أبي تُرَاب، يا شيعةَ المختار الكذّاب! فقلت: ما بيننا وبينكم أجلُّ من الشَّتم، فقال لي: يا عدوَّ الله، إلامَ تدعوننا! أنتم تقاتلون مع غير إمام، فقلت له: بل يا لثَأرات الحسين، ابن رسول الله! ادفعوا إلينا عُبيدَ الله بن زياد؛ فإنَّه قَتَل ابنَ رسولِ الله وسيِّد شباب أهل الجنَّة حتَّى نقتله ببعض موالينا الَّذين قتَلَهم مع الحسين، فإنَّا لا نراه لحسين نِدًّا فَنَرْضى أن يكون منه قَوَدًا، وإذا دفعتُموه إلينا فقتلناه ببعض موالينا الَّذين قتلهم جعلْنا بيننا وبينكم كتاب الله، أو أيَّ صالح من المسلمين شئتم حَكَمًا، فقال لي: قد جرّبناكم مرّة أخرى في مِثل هذا - يعني الحكَمَيْن - فَغدَرتم، فقلت له: وما هو؟ فقال: قد جعلنا بيننا وبينكم حَكَمين فلم ترضَوْا بحُكْمهما؛ فقلت له: ما جئت بِحجَّة، إنَّما كان صلحنا على أنَّهما إذا اجتمعا على رجل تبعنا حكمهما، ورضينا به وبايعناه، فلم يجتمعا على واحد، وتفرّقا، فكِلاهما لم يوفِّقْه الله لخير ولم يسدّده، فقال: مَنْ أنت؟ فأخبرته؛ فقلت له: من أنت؟ فقال: عَدَسْ - لبَغْلته يزجرها - فقلت له: ما أنصفتَني، هذا أوّل غَدْرِك! قال: ودعا ابن الأشتر بفرس له فركبه، ثمّ مرّ بأصحاب الرّايات كلّها، فكلَّما مرّ على راية وقف عليها، ثم قال: يا أنصار الدِّين، وشيعةَ الحق، وشرْطة الله، هذا عُبيد الله بن مَرْجانَة قاتل الحسين بن عليّ، ابن فاطمة بنت رسول الله، حالَ بينه وبين بناتِه ونسائه وشيعته وبين ماء الفرات أن يشَرَبوا منه، وهم ينظرون إليه، ومَنَعه أن يأتي ابن عمِّه فيصالحَه، ومَنَعه أن ينصرف إلى رَحْله وأهلِه، ومنعه الذّهابَ في الأرض العريضة حتَّى قتله وقتَل أهْلَ بيته؛ فوالله ما عَمِل فرعون بُنَجباء بني إسرائيل ما عَمِل ابن مَرْجانة بأهلِ بيتِ رسولِ اللهِ ﷺ الَّذين أذهب الله عنهم الرجس وطهَّرهم تطهيرًا، قد جاءكم الله به، وجاءه بكم، فوالله إني لأرجو

стр. 4676

ألّا يكون الله جمع بينكم في هذا الموطن وبينه إلّا ليشفيَ صدوركم بسفك دمه على أيديكم، فقد علم الله أنَّكم خرجتم غَضَبًا لأهل بيت نبيِّكم. فسار فيما بين الميمنة والميسرة، وسار في الناس كلّهم فرغَّبهم في الجهاد، وحرّضهم على القتال، ثمّ رجع حتَّى نزل رايته، وزحف القوم إليه، وقد جعل ابنُ زياد على ميمنته الحُصين بن نمير السَّكُونيّ، وعلى ميسرته عُمَير بن الحُباب السُّلَمي، وشُرَحبيل بن ذي الكَلاع على الخيل وهو يمشي في الرجال، فلمَّا تدانَى الصفّان حمل الحُصَين بن نُمير في ميمنة أهل الشام على ميسرة أهل الكوفة، وعليها عليّ بن مالك الجُشَميّ؛ فثبت له هو بنفسه فقتِل، ثمّ أخذ رايته قُرّةُ بن عليّ، فقتل أيضًا في رجال من أهل الحفاظ قتلوا وانهزمت الميسرة، فأخذ رايته عليّ بن مالك الجُشَميّ عبدُ الله بن ورقاء بن جُنادة السَّلوليّ بن أخي حُبشي بن جُنادة صاحب رسول الله ﷺ ، فاستقبل أهل الميسرة حين انهزموا، فقال: إليّ يا شُرطة الله؛ فأقبلَ إليه جُلُّهم، فقال: هذا أميركم يقاتل، سِيرُوا بنا إليه، فأقبل حتَّى أتاه وإذا هو كاشفٌ عن رأسه يُنادِي: يا شُرطة الله، إليّ أنا ابن الأشتر! إنّ خيرَ فُرّارِكم كُرّارُكم. ليس مُسيئًا من أعتَبَ، فثابَ إليه أصحابه، وأرسل إلى صاحب الميمنة: احمل على ميسرتهم - وهو يرجُو حينئذ أن ينهزم لهم عُمَير بن الحُباب كما زعم، فحمل عليهم صاحبُ الميمنة، وهو سُفْيان بن يزيد بن المغفَّل، فثبت له عُمَير بن الحباب وقاتَلَه قتالًا شديدًا، فلمَّا رأى إبراهيم ذلك قال لأصحابه: أمُّوا هذا السواد الأعظم، فوالله لو قد فَضَضناه لا نجفل من ترون منهم يمنةً ويَسْرة انجفالَ طير ذعرتها فطارت (١). (٦/ ٨٦ - ٨٩). قال أبو مخنف: فحدّثني إبراهيمُ بن عبد الرحمن الأنصاريّ، عن ورقاءَ بن عازب، قال: مشيْنا إليهم حتَّى إذا دَنَوْنا منهم اطّعَنَّا بالرماح قليلًا، ثم صرنا إلى السيوف والعَمَد، فاضطربنا بها مليًّا من النهار، فوالله ما شَبَّهْتُ ما سمعتُ بيننا وبينهم من وقْع الحديد على الحديد إلا ميَاجِنَ قَصَّارِي دار الوليد بن عُقْبة بن أبي مُعَيط، قال: فكان ذلك كذلك، ثمّ إنّ الله هزَمَهم، ومَنَحَنا أكتافَهم (٢). (٦/ ٨٩).

стр. 4677

قال أبو مخنف: وحدّثني الحارث بن حَصِيرة، عن أبي صادق أنّ إبراهيم بن الأشتر كان يقول لصاحب رايته: انغمس بِرايتك فيهم، فيقول له: إنَّه - جُعلت فِداك - ليس لي مُتقَدَّم، فيقول: بلى، فإنّ أصحابك يقاتلون؛ وإنّ هؤلاء لا يَهْربون إن شاء الله؛ فإذا تقدّم صاحبُ رايته برايته شدَّ إبراهيمُ بسيفه فلا يضرب به رجلًا إلا صرعه، وكرّد إبراهيم الرجال من بين يديه كأنَّهم الحُمْلان، وإذا حمل برايته شدّ أصحابُه شدّةَ رجل واحد (١). (٦/ ٨٩ - ٩٠). قال أبو مخنف: حدّثني المشرقيّ أنّه كان مع عبيد الله بن زياد يومئذ حديدةٌ لا تُليق شيئًا مرّت به، وأنه لمَّا هُزِم أصحابه حمل عُيَيْنَةُ بن أسماء أختَه هند بنت أسماءَ - وكانت امرأة عُبيدِ الله بن زياد - فذهب بها وأخذ يرتجز ويقول: إنْ تَصْرِمي حِبَالَنا فَرُبَّما ... أَرْدَيْتُ في الهَيْجَا الكَمِيَّ المُعلِما (٢) (٦/ ٩٠) قال أبو مخنف: وحدّثني فُضَيل بن خَديج أنّ إبراهيم لمَّا شدّ على ابن زياد وأصحابه انهزموا بعد قتال شديد وقتلى كثيرة بين الفريقين، وأنّ عُمير بن الحُباب لمَّا رأى أصحابَ إبراهيم قد هَزموا أصحابَ عبيد الله بعث إليه: أجيئك الآن؟ فقال: لا تأتينّي حتَّى تسكن فورةُ شرطة الله، فإني أخاف عليك عادِيتَهَم. وقال ابن الأشتر: قتلت رجلًا وجدتُ منه رائحة المسك، شَرّقتْ يداه وغرّبت رجلاه، تحتَ راية منفردة، على شاطئ نهر خازَرَ، فالتمسوه فإذا هو عُبيد الله بن زياد قتيلًا، ضربه فقدَّهُ بنصفين، فذهبت رجلاه في المشرق، ويداه في المغرب، وحمل شريك بن جدير التَّغلبيّ على الحصين بن نُمَير السَّكونيّ وهو يَحسبه عُبيد الله بن زياد، فاعتنق كلّ واحد منهما صاحبه، ونادى التغلَبيّ: اقتلوني وابن الزانية؛ فقتِل ابن نُمَير (٣). (٦/ ٩٠). قال هشام: قال أبو مخنف: حدّثني فُضَيل بن خديج، قال: قتِل شرحبيل بن ذي الكَلاع، فادّعى قتلَه ثلاثة: سُفْيان بن يزيد بن المغفَّل الأزْديّ، وورقاء بن

стр. 4678

عازب الأسَديّ، وعُبيد الله بن زُهَير السُّلَميّ، قال: ولمَّا هُزم أصحاب عبيد الله تبعهم أصحابُ إبراهيمَ بن الأشتر، فكان مَنْ غرق أكثر مِمَّن قتل، وأصابوا عسكرهم فيه من كلّ شيء، وبلغ المختار وهو يقول لأصحابه: يأتيكم الفتح أحدَ اليومين إنْ شاء الله من قِبَل إبراهيم ابن الأشتر، وأصحابه، قد هزموا أصحاب عُبيد الله بن مَرْجانة، قال: فخرج المختار من الكوفة، واستخلف عليها السائبَ بنَ مالك الأشعريّ، وخرج بالناس، ونزل ساباطَ (١). (٦/ ٩١). قال أبو مخنف: حدّثني المشرقيّ، عن الشعبيّ، قال: كنت أنا وأبي ممَّن خرج معه، قال: فلمَّا جُزْنا ساباطَ قال للنَّاس: أبشروا فإنّ شُرْطة الله قد حسُّوهم بالسيوف يومًا إلى اللَّيل بنَصيبينَ أو قريبًا من نصيبين ودُوَينَ منازلهم، إلّا أنّ جلَّهم محصور بنصيبين، قال: ودخلْنا المدائن، واجتمْعنا إليه، فصعِد المنبَر، فوالله إنَّه ليخطبنا ويأمرنا بالجدّ وحسْن الرأي والاجتهاد والثبات على الطاعة، والطلب بدماء أهل البيت ﵈، إذ جاءتْه البشرى تَتْرَى يَتْبع بعضُها بعضًا بِقَتْل عبيد الله بن زياد وهزيمة أصحابه، وأخذ عسكره، وقتل أشراف أهل الشام، فقال المختار: يا شُرطة الله، ألم أبشِّركم بهذا قبل أن يكون! قالوا: بلى والله لقد قلت ذلك؛ قال: فيقول لي رجل من بعض جيراننا من الهَمْدانيِّين: أتؤمن الآن يا شعبيّ؟ قال: قلت بأيّ شيء أومن؟ أومن بأنّ المختار يعلَم الغيب! لا أومن بذلك أبدًا، قال: أوَ لم يقل لنا: إنَّهم قد هُزِموا! فقلتُ له: إنَّما زعم لنا أنَّهم هُزِموا بنصيبينَ من أرض الجزيرة، وإنَّما هو بخازَرَ من أرض الموصل، فقال: والله لا تؤمن يا شعبيّ حتّى تَرى العذاب الأليم، فقلت له: مَن هذا الهَمْداني الَّذي يقول لك هذا؟ فقال: رجل لعمري كان شجاعًا - قتل مع المختار بعد ذلك يوم حَرُورَاء - يقال له: سَلْمان بن حمير من الثوريِّين من هَمْدان؛ قال: وانصرف المختار إلى الكوفة، ومضى ابن الأشتر من عسكره إلى الموصل، وبعث عمَّالَه عليها، فبعث أخاه عبد الرحمن بن عبد الله على نصيبين، وغلب على سِنْجارودَارَا، وما والاها من أرض الجزيرة، وخرج أهلُ الكوفة الَّذِين كان المختار قاتَلَهم فهزمهم، فَلحقوا بِمُصعَب بن الزبير بالبصرة، وكان فيمن قدم على مصعب شَبَث بن رِبْعيّ، فقال سُراقةُ بن مِرْداس البارقيّ يمدح إبراهيمَ بن

стр. 4679

الأشتر وأصحابه في قتل عُبيد الله بن زياد: أتَاكمْ غلامٌ من عَرَانِينِ مذْحِجٍ ... جريٌّ على الأَعداءَ غَيرُ نكُولِ فيَا بْنَ زِيَادٍ بؤْ بأَعْظم مَالكٍ ... وذُقْ حَدّ ماضي الشَّفْرَتَيْن صَقِيلِ ضَرَبْناك بالعَضْب الحُسَام بحِدَّةٍ ... إِذَا ما أَبأْنَا قاتِلًا بِقَتِيل جزى الله خيْرًا شُرْطَة الله إِنَّهُمْ ... شَفَوْا مِنْ عُبَيْد الله أَمْسِ غَلِيلي (١) (٦/ ٩١ - ٩٢) ذكر الخبر عن عزل القباع عن البصرة وفي هذه السنة عزل عبدُ الله بن الزبير القُباعَ عن البصرة، وبعث عليها أخاه مصعبَ بن الزبير؛ فحدّثني عمرُ بن شَبَّة، قال: حدّثني عليّ بن محمَّد، قال: حدّثنا الشَّعبيّ، قال: حدّثني وافد بن أبي ياسر، قال: كان عمرو بن سرح مولَى الزبير يأتينا فيحدّثنا، قال: كنتُ والله في الرّهط الَّذين قَدِموا مع المصعب بن الزّبير من مكَّة إلى البَصْرة، قال: فقدم متلثِّمًا حتَّى أناخ على باب المسجد، ثمّ دخل فصَعِد المنبر، فقال الناسُ: أمير أمير، قال: وجاء الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة - وهو أميرها قبله - فسفَر المصعب فعرفوه، وقالوا: مصعب بن الزبير! فقال: للحارث: اظهر اظهَرْ، فصعِد حتّى جلس تحته من المنبر درجة؛ قال: ثمّ قام المصعب فحَمِد الله وأثنَى عليه، قال: فوالله ما أكثر الكلام، ثم قال: بسم الله الرحمن الرحيمِ: ﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ - وأشار بيده نحو الشام - ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ - وأشار بيده نحو الحجاز - ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ - وأشار بيده نحو الشام (٢). (٦/ ٩٣).

стр. 4680

حدثني عمر بن شَبَّة، قال: حدّثني عليّ بن محمد، عن عوانة، قال: لما قدم مصعب البَصرة خَطَبَهم فقال: يا أهل البصرة، بلغني أنَّكم تلقّبون أمراءكم، وقد سمَّيْتُ نفسي الجَزّار. (٦/ ٩٣). * * * ذكر خبر قتل مصعب المختارَ بن أبي عبيد وفي هذه السنة سارَ مصعبُ بن الزبير إلى المختارَ فقتَله. * ذكر الخبر عن سبب مسير مصعب إليه والخبر عن مقتل المختار: قال هشام بن محمَّد، عن أبي مخنف: حدّثني حبيب بن بديل، قال: لمَّا قدم شَبَث على مُصعب بن الزّبير البصرة وتحته بَغْلة له قد قطع ذَنَبها، وقطَع طرف أذُنها وشقّ قَباءه، وهو ينادي: يا غوثاه يا غوثاه! فأتِيَ مصعب، فقيل له: إنّ بالباب رجلًا ينادي: يا غَوْثاه يا غَوْثاه! مشقوق القَباء، مِنْ صفته كذا وكذا، فقال لهم: نعم، هذا شَبَث بن رِبْعيّ لم يكن ليفعَل هذا غيره، فأدخِلوه، فأدخل عليه، وجاءه أشراف الناس من أهل الكوفة فدخلوا عليه، فأخبروه بما اجتمعوا له، وبما أصيبوا به ووثوب عبيدهم ومواليهم عليهم، وشكَوْا إليه، وسألوه النَّصْر لهم، والمسيرَ إلى المختار معهم، وقدِم عليهم محمَّد بن الأشعث بن قيس - ولم يكن شَهِد وقعةَ الكوفة، كان في قَصْرٍ له مِمَّا يلي القادسيَّة بطيِز نَابَاذ - فلمَّا بلغه هزيمةُ الناس تهيَّأ للشخوص، وسأل عنه المختار، فأخبر بمكانه، فسّرح إليه عبد الله بن قراد الخثعميّ في مئة، فلمَّا ساروا إليه، وبلغه أن قد دنَوا منه، خرج في البرّيّه نحو المصعب حتَّى لحق به، فلمَّا قدم على المصعب استحثَّه بالخروج، وأدناه مصعب وأكرَمه لشَرَفه، قال: وبعث المختار إلى دار محمّد بن الأشعث فهَدمها (١). (٦/ ٩٣ - ٩٤). قال أبو مخنف: فحدّثني أبو يوسف بن يزيد أنّ المصعب لما أراد المسيرَ إلى الكوفة حين أكثرَ الناسُ عليه، قال لمحمد بن الأشعث: إني لا أسير حتَّى يأتيني المهلب بن أبي صُفْرة، فكتب المصعب إلى المهلب - وهو عاملُه على فارس:

стр. 4681

أن أقبِلْ إلينا لتشهدَ أمْرنا، فإنا نريد المسيرَ إلى الكوفة، فأبطأ عليه المهلّب وأصحابه، واعتلّ بشيء من الخراج، لكراهة الخروج، فأمر مصعب محمد بن الأشعث في بعض ما يستحثه أن يأتيَ المهلب فيقبِلَ به، وأعلَمَه أنه لا يشخص دون أن يأتي المهلب؛ فذهب محمد بن الأشعث بكتاب المصعب إلى المهلب، فلما قرأه قال له: مثلك يا محمد يأتي بَريدًا! أما وَجَدَ المصعبُ بريدًا غيرَك! قال محمد: إني والله ما أنا ببريد أحد، غير أنَّ نساءنا وأبناءنا وحَرَمنا غَلَبَنا عليهم عبدانُنا وموالينا، فخرج المهلب، وأقبل بجموع كثيرة وأموال عظيمة معه في جموع وهيئة ليس بها أحد من أهل البصرة، ولمّا دخل المهلّب البصرة أتى باب المصعب ليدخل عليه وقد أذن للناس، فحجَبه الحاجب وهو لا يعرفه، فرفع المهلّب يده فكسر أنفَه، فدخل إلى المُصعب وأنفُه يسيل دمًا، فقال له: ما لك؟ فقال: ضَرَبني رجل ما أعرفه، ودخل المهلب فلما رآه الحاجب قال: هَو ذا، قال له المصعب: عُدْ إلى مكانك، وأمر المصعب الناسَ بالمعسكر عند الجسر الأكبر. ودعا عبد الرحمن بن مخنف فقال له: ائتِ الكوفةَ فأخرج إليّ جميعَ من قدرتَ عليه أن تُخرِجه، وادعهم إلى بيعتي سرًّا، وخَذل أصحَاب المختار، فانسلّ من عنده حتى جلس في بيته مستترًا لا يظهر، وخرج المصعب فقدّم أمامَه عبَّاد بن الحصين الحبَطيّ من بني تميم على مقدّمته، وبعث عمر بن عُبيد الله بن مَعمر على ميمنته، وبعث المهلب بن أبي صفرة على ميسَرته، وجعل مالك بن مسمع على خمس بكر بن وائل، ومالك بن المنذر على خمس عبد القيس، والأحنف بن قيس على خمس تميم وزياد بن عمرو الأزديّ على خمس الأزْد، وقيس بن الهيثم على خمس أهل العالية؛ وبلغ ذلك المختار، فقام في أصحابه فحَمِد الله وأثْنَى عليه ثم قال: يا أهل الكوفة، يا أهلَ الدّين، وأعوانَ الحقّ، وأنصارَ الضّعيف، وشيعة الرّسول وآل الرسول، إنّ فُرَّاركم الذين بَغَوا عليكم أتوا أشباهَهم من الفاسقين فاستغوُوهم عليكم ليصح الحق، وينتعش الباطل، ويقتل أولياء الله، والله لو تهلكون ما عُبدِ الله في الأرض إلّا بالفرْي على الله واللعن لأهل بيت نبيّه، انتدبوا مع أحمر بن شُمَيط فإنكم لو قد لقيتموهم لقد قتلتموهم إن شاء الله قَتْلَ عاد وإرَمٍ. فخرج أحمرُ بن شُمَيط، فعسكر بحَمّام أعين، ودعا المختار رؤوس الأرباع

стр. 4682

الذين كانوا مع ابن الأشتر، فبعثهم مع أحمر بن شُميط، كما كانوا مع ابن الأشتر، فإنهم إنما فارقوا ابنَ الأشتر؛ لأنهم رأوه كالمتهاون بأمرِ المختار، فانصرفوا عنه، وبَعَثهم المختار مع ابن شُميط، وبعث معه جيشًا كثيفًا. فخرج ابن شميط، فبعث على مقدّمته ابن كامل الشاكريّ، وسار أحمر بن شميط حتى ورد المَذار، وجاء المصعب حتى عسكر منه قريبًا. ثمّ إنّ كلّ واحد منهما عبّى جنده، ثمّ تزاحَفا، فجعل أحمد بن شُمَيط على ميمنته عَبدَ الله بن كامل الشاكرِيّ، وعلى ميسرته عبَد الله بن وهب بن نَضْلة الجشميّ، وعلى الخيل رزين عبد السلوليّ، وعلى الرجّالة كثير بن إسماعيل الكِنْديّ - وكان يوم خازَرَ مع ابن الأشتر - وجعل كيسان أبا عَمْرةَ - وكان مولى لعُرَينة - على الموالي فجاء عبدُ الله بنُ وهب بن أنس الجُشَميّ إلى ابن شُمَيط وقد جعله على ميسرته فقال له: إنّ المواليَ والعَبيد آلُ خَوَر عند المصدوقة، وإنّ معهم رجالًا كثيرًا على الخيل، وأنت تمشي، فمُرْهم فلينزلوا معك، فإنَّ لهم بك أسوةً، فإني أتخوّف إن طُورِدوا ساعةً، وطُوعِنوا وضُوربوا أن يطيروا على متونها ويُسلِموك وإنك إن أرجلتهم لم يجدُوا من الصبر بُدًّا، وإنما كان هذا منه غِشًّا للموالي والعبيد، لما كانوا لقوا منهم بالكوفة، فأحبَّ إن كانت عليهم الدَّبْرَة أن يكونوا رجالًا لا ينجو منهم أحد، ولم يتهمه ابنُ شميط، وظنّ أنه إنما أراد بذلك نُصحَه ليصبروا ويقُاتِلوا، فقال: يا معشر الموالي، انزِلوا معي فقاتِلوا، فنَزَلوا معه، ثم مَشَوْا بين يديه وبين يدَيْ رايته، وجاء مصعب بن الزبير وقد جعل عَبّاد بن الحصين على الخيل، فجاء عبّاد حتى دنا من ابن شميط وأصحابه فقال: إنّا ندعوكم إلى كتاب الله وسنة رسوله، وإلى بَيعة أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير؛ وقال الآخرون: إنا ندعوكم إلى كتاب الله وسنة رسوله، وإلى بيعة الأمير المختار، وإلى أن نجعل هذا الأمرَ شُورَى في آل الرسول، فمن زعم من الناس أنّ أحدًا ينبغي له أن يتولّى عليهم برئنا منه وجاهدناه، فانصرف عبَّاد إلى المُصعب فأخبره، فقال له: ارجع فاحمل عليهم، فرجع فحمَلَ على ابن شميط وأصحابه فلم يزُل منهم أحدٌ، ثمّ انصرف إلى موقفه وحمل المهلّب على ابن كامل، فجال أصحابه بعضُهم في بعض، فنزل ابن كامل، ثمّ انصرف عنه المهلّب، فقام مكانَه، فوقفوا ساعةً ثم قال المهلب لأصحابه: كرُّوا كَرّةً

стр. 4683

صادقة، فإنّ القومَ قد أطمَعوكم، وذلك بجَوْلتِهم التي جالوا، فحمِل عليهم حَمْلةً منكَرةً فولَّوا، وصبر ابنُ كامل في رجال من هَمدانَ، فأخذ المهلَّب يَسْمَع شِعارَ القوم: أنا الغلامُ الشاكرِيّ، أنا الغلام الشِّبامي، أنا الغلام الثَّورِيّ، فما كان إلا ساعةً حتَّى هُزِموا، وحمل عمرُ بن عبيد الله بن معمر على عبد الله بن أنس، فقاتل ساعة ثمّ انصرف، وحملَ الناسُ جميعًا على ابن شُمَيط، فقاتل حتَّى قُتِل، وتنادوا: يا معشَر بَجِيلة وخَثْعَم، الصَّبرَ الصبرَ! فناداهم المهلَّب: الفِرارَ الفِرارَ! اليوم أنجى لكم، علامَ تَقتُلون أنفسَكم مع هذه العِبْدان، أضَلّ الله سَعْيَكم، ثمَّ نظر إلى أصحابه فقال: والله ما أرى استِحرار القَتْل اليومَ إلّا في قومي، ومالت الخيلُ على رَجَّالة بنِ شُمَيطِ، فافترقتْ فانهزمتْ وأخذت الصَّحراء، فبَعث المصعبُ عبَّاد بن الحُصَين على الخيل، فقال: أيّما أسيرٍ أخذتَه فاضرِب عُنُقَه. وسرّح محمَّد بن الأشعث في خيل عظيمة من خيلص أهلِ الكوفة مِمَّن كان المختار طرَدهُم، فقال: دُونَكم ثَأْركم! فكانوا حيث انهزموا أشدَّ عليهمْ مِن أهل البَصْرة، لا يُدركون منهزمًا إلّا قتَلوه، ولا يأخذون أسيرًا فيَعفُون عنه، قال: فلم يَنْج من ذلك الجيش إلّا طائفة من أصحاب الخيل؛ وأما رجَّالتُهم فأبيدوا إلا قليلًا (١). (٦/ ٩٤ - ٩٧). قال أبو مخنف: حدّثني ابنُ عيَّاش المَنْتُوف، عن معاوية بن قُرّة المُزَنيّ، قال: انتهيتُ إلى رجل منهم، فأدخلتُ سنان الرمح في عينه، فأخذتُ أخضخض عينَه بسنان رُمْحي، فقلتُ له: وفعلتَ به هذا؟ ! قال: نعم: إنَّهم كانوا أحَلَّ عندَنا دِماءً من الترْك والدَّيلم؛ وكان معاويةُ بنُ قرّة قاضيًا لأهلِ البصْرة، ففي ذلك يقول الأعشَى: أَلا هل أتَاكَ والأَنباءُ تُنْمَى ... بما لاقتْ بَجِيلةُ بالمَذَارِ أُتِيحَ لهم بها ضَرْبٌ طِلَحْفٌ ... وطعْنٌ صائبٌ وجهَ النهارِ كأنَّ سَحَابَةً صَعَقَتْ عليهمْ ... فَعَمَّتُهمْ هُنالِكَ بالدَّمَار فبشِّرْ شِيعَةَ المختارِ إِما ... مَرَرْتَ على الكُويْفةِ بالصَّغَارِ

стр. 4684

أقَرَّ العينَ صَرْعاهمْ وفَلٌّ ... لهمْ جَمٌّ يُقتَّل بالصَّحَارِ وما إِنْ سَرَّني إِهلاكُ قومي ... وِإن كانوا وجدِّكَ في خيارِ ولكنِّي سُررْتُ بما يُلَاقِي ... أَبو إسحاقَ مِنْ خزي وعارِ وأقبل المصعبُ حتَّى قطع من تلقاءِ واسطَ القَصَب، ولم تكُ واسط هذه بُنيتْ حينئذ بعد، فأخذ في كَسْكر، ثمّ حَمَل الرجالَ وأثقالَهم وضُعفاءَ الناسِ في السفن، فأخذوا في نَهر يقال له: نهر خُرشاذ، ثمّ خرجوا من ذلك النهر إلى نهر يقال له قُوسان؛ ثمّ أخرَجهم من ذلك النَّهرِ إلى الفُرات (١). (٦/ ٩٧ - ٩٨). قال أبو مخنَف: وحدّثني فُضَيل بن خَدِيج الكنديّ، أنّ أهلَ البصرة كانوا يخرُجون فيجُرّون سفنهم ويقولون: عَوَّدَنا المصعبُ جَرَّ القَلْسِ ... والزُّنْبَرِيَّاتِ الطِّوَالِ القُعسِ قال: فلمَّا بلغ مَن مع المختار من تلك الأعاجم ما لقيَ إخوانُهم مع ابن شُمَيط قالوا بالفارسيَّة: "ابنْ بَارْدُرُوغ كُفْت"؛ يقولون: هذه المرّة كذب (٢). (٦/ ٩٨). قال أبو مخنف: وحدّثني هشامُ بنُ عبدِ الرّحمن الثقفيّ، عن عبدِ الرّحمن بن أبي عُمَير الثَّقفيّ، قال: والله إني لجالسٌ عند المختار حين أتاه هزيمةُ القومِ وما لَقوا، قال: فأصغَى إليّ، فقال: قتِلتْ والله العبيدُ قتلةً ما سمعتُ بمثلها قطّ، ثم قال: وقُتِلَ ابْنُ شُمَيط وابنُ كامل وفلانٌ وفلانٌ، فسمَّى رجالًا من العرب أصيبوا، كان الرّجل منهم في الحرب خيرًا من فِئام من الناس، قال: فقلتُ له: فهذه والله مصيبةٌ، فقال لي: ما من الموت بُدّ، وما من ميتة أموتها أحبّ إليّ من مثل ميتة ابن شُمَيط، حبَّذَا مَصارعُ الكرام! قال: فعلمتُ أنّ الرجل قد حدّت نفسَه إن لم يُصِبْ حاجتَه أن يُقاتِل حتَّى يموتَ. ولما بلغ المختارَ أنَّهم قد أقبَلوا إليه في البَحْر، وعلى الظهْر، سار حتَّى نَزَل بهم السَّيْلحِين، ونظر إلى مُجْتَمَع الأنهار نهرِ الحِيرةَ ونهرِ السَّيلحِين ونهرِ القادسيَّة، ونهر يوسُف، فسكَر الفرات على مُجتمع الأنهار، فذهب ماءُ الفرات كلّه في هذه الأنهار، وبقيت سفنُ أهلِ البصرة في الطيّن، فلمَّا رأوْا ذلك خرجوا

стр. 4685

من السفن يَمْشون، وأقبلتْ خيلُهم تَركض حتَّى أتَوْا ذلك السِّكْر، فكَسَروهُ وصَمَدوا صمد الكُوفة، فلمَّا رأى ذلك المختارُ أقبل إليهِم حتَّى نزل حَرُوراءَ، وحالَ بينهمْ وبين الكوفة، وقد كان حصّن قصرَه والمسجد، وأدخلَ في قصرِه عُدّة الحِصار، وجاء المصعبُ يسير إليه وهو بَحرُورَاءَ وقد استعمل على الكُوفة عبدَ الله بن شَدّاد، وخرج إليه المختارُ وقد جعل على مَيْمنته سُليم بن يزيد الكِنْديّ، وجعل على مَيْسرتِه سعيدَ بن مُنْقذ الهَمْدانيّ ثمّ الثَّورِيّ، وكان على شُرطتِه يومئذ عبد الله بن قُراد الخَثْعميّ، وبَعَث على الخيل عمرَ بن عبد الله النَّهْدِيّ، وعلى الرّجال مالكَ بن عمرو النَّهْديّ. وجعل مُصعبٌ على ميمنتِه المهلَّب بن أبي صُفرة، وعلى ميسرته عمرَ بنَ عُبَيد الله بن مَعْمَر التَّيْميّ، وعلى الخيل عَبَّاد بن الحُصَين الحَبَطيّ، وعلى الرّجال مقاتِل بن مِسمَع البَكْرِيّ، ونزل هو يَمْشي مُتنكِّبًا قَوْسًا له. قال: وجعل على أهلِ الكُوفة محمَّد بن الأشعث، فجاء محمَّد حتَّى نزَل بين المصعب والمختار مغرّبًا مُيامِنا، قال: فلمَّا رأى ذلك المختارُ بعث إلى كلّ خُمس من أخماس أهلِ البَصْرة رجلًا من أصحابه، فبعث إلى بكرِ بن وائل سعيدَ بن مُنقذ صاحبَ مَيسرته، وعليهمْ مالِك بنُ مِسمَع البَكْريّ، وبعث إلى عبد القَيْس وعليهمْ مالكُ بنُ المنذر عبدَ الرحمن بنَ شُرَيح الشِّباميّ، وكان على بيتِ ماله، وبعث إلى أهل العالِيَة وعليهم قيسُ بنُ الهَيْثم السُّلَميّ عبدَ الله بنَ جَعْدة القرشيّ، ثم المخزوميّ، وبعث إلى الأزْد وعليهم زيادُ بنُ عمرو العَتَكيّ مسافرَ بن سَعيد بن نِمْران الناعطيّ، وبعث إلى بني تميم وعليهم الأحنَف بنُ قيس سُليمَ بن يزيد الكِنْديّ، وكان صاحب ميْمنته، وبعث إلى محمَّد بن الأشعث السائبَ بن مالك الأشعريّ، ووقف في بقيَّة أصحابه، وتَزاحف الناسُ ودنَا بعضُهم من بعض، ويَحمِل سعيدُ بن منقذ وعبدُ الرّحمن بنُ شُرَيح على بكر بن وائل، وعبد القيس، وهم في الميسرَة وعليهم عمرُ بنُ عُبيد الله بنِ مَعمَر؛ فقاتلهم ربيعةُ قتالًا شديدًا، وصبروا لهم، وأخذ سعيدُ بنُ مُنقذٍ وعبدُ الرحمن بنُ شُرَيح لا يُقلعان، إذا حمل واحدٌ فانصرف حمل الآخَر، وربَّما حَمَلا جميعًا؛ قال: فبَعَث المُصعب إلى المهلَّب: ما تنتظر أن تَحمِل على مَنْ بإزائك! ألا ترى ما يَلقَى هذا الخُمْسان منذ اليوم! احمِلْ بأصحابِك، فقال: إي

стр. 4686

لعَمْري ما كنتُ لأجْزُر الأزْد وتميمًا خَشية أهل الكوفة حتَّى أرى فُرْصتي، قال: وبعث المختارُ إلى عبدِ الله بن جَعْدَة أن احمِلْ على مَنْ بإزائك، فَحَمل على أهل العالية فكَشفهم حتَّى انتَهوْا إلى المُصْعب، فجثَا المُصْعب على رُكبَتيه - ولم يكن فرارًا - فرَمَى بأسهمه. ونزل الناسُ عنده فقاتَلُوا ساعَةً، ثم تحاجَزوا. قال: وبَعثَ المصعب إلى المهلَّب وهو في خُمْسَين جامِّين كثيرَي العَدد والفُرْسان: لا أبالَك! مَا تنتظر أن تحمِل على القوم! فمَكَث غيرَ بعيد، ثمّ إنَّه قال لأصحابه: قد قاتل الناسُ منذ اليوم وأنتم وقوف، وقد أحسنوا، وقد بقِيَ ما عليكم، احملوا واستَعيِنوا بالله واصبروا، فحمل على مَنْ يَليهِ حملةً منكَرة، فحطموا أصحابَ المُختار حَطْمةً منكَرة، فكشَفوهم، وقال عبدُ الله بن عمر والنَّهديّ - وكان من أصحاب صفِّينَ اللَّهمَّ إني على ما كنتُ عليه ليلةَ الخَمِيس بصِفِّين، اللَّهمّ إني أبرأ إليك من فِعل هؤلاء لأصحابه حين انهزموا، وأبرأ إليك من أنفُس هؤلاء - يَعني أصحابَ الْمُصْعَب - ثم جالَد بسَيْفه حتى قُتِل، وأتى مالك بن عمرو أبو نِمْران النَّهديّ وهو على الرّجالة بفَرَسه فرَكِبه، وانقصَف أصحابُ المختار انقصافةً شديدة كأنَّهم أجمَةٌ فيها حريقٌ، فقال مالك حين ركب: ما أصنعُ بالرُّكوب! والله لأنْ أقتَل هاهنا أحبّ إليّ مِنْ أن أقتل في بيتي، أين أهلُ البصائر؟ أين أهلُ الصّبر؟ فثابَ إليه نحوٌ من خمسين رجلًا، وذلك عند المساء، فكَرّ على أصحاب محمَّد بن الأشْعَث، فقُتل محمَّد بنُ الأشعث إلى جانبه هو وعامَّة أصحابه، فبعض الناس يقول: هوَ قتل محمَّد بن الأشعث، ووُجد أبو نِمْرَان قتيلًا إلى جانبه - وكندة تزعم أن عبد الملك بن أشاءة الكندي هو الذي قتله - فلمَّا مرّ المختار في أصحابه على محمَّد بن الأشعث قتيلًا قال: يا معشرَ الأنصار، كُرّوا على الثَّعالب الرّوّاغة، فحملوا عليهم، فَقُتِل؛ فَخَثْعمُ تَزعم أن عبدَ الله بن قُراد هو الَّذِي قتَله (١). (٦/ ٩٨ - ١٠١). قال أبو مخنف: وسمعتْ عوف بن عمرو الجشميّ يَزعُم أن مولىً لهم قتله فادّعى قتله أربعة نَفَر، كلّهم يَزعم أنه قتله، وانكَشَف أصحابُ سعيد بن مُنقِذ،

стр. 4687

فقاتل في عصابة من قومه نحو من سبعين رجلًا فَقتِلوا، وقاتل سليم بن يزيد الكنديِّ في تسعين رجلًا مَن قومه، وغيرهم ضاربَ حتَّى قُتِل، وقَاتَلَ المختارُ على فمِ سِكة شَبَث، ونزَل وهو يريد ألّا يَبَرح، فقاتَلَ عامَّةَ ليلته حتَّى انصرف عنه القوم، وقُتِل معه ليلتئذ رجالٌ من أصحابه من أهل الحفاظ، منهم عاصمُ بن عبد الله الأزديّ، وعيّاش بن خازم الهَمْداني، ثمّ الثَّوريّ، وأحمرُ بن هديج الهَمْدانيّ ثمّ الفايشيّ (١). (٦/ ١٥١). قال أبو مخنف: حدّثنا أبو الزّبير أنّ هَمْدان تنادَوا ليلتئذ: يا معشرَ همْدان، سِيفُوهم فقاتِلوُهم أشدَّ القِتال؛ فلمَّا أن تفرّقوا عن المختار قال له أصحابهُ: أيها الأمير، قد ذهب القومُ فانصرف إلى مَنزلِك إلى القَصْرِ، فقال المختار: أما والله ما نزلتُ وأنا أريدُ أن آتي القَصْر، فأما إذ انصرَفَوا فاركبوا بنا على اسم الله، فجاء حتَّى دخل القَصْر فقال الأعشى في قَتْل محمَّد بن الأشعث: تأوَّبَ عَيْنَكَ عُوَّارُهَا ... وَعادَ لِنفسكَ تَذَكارُهَا وإحدى لَيالِيكَ راجَعْتَها ... أَرِقْتَ ولوَّمَ سُمَّارُها وما ذَاقَتِ العينُ طَعْمَ الرُّقَا ... دِ حتَّى تَبلَّجَ إسفارُها وقامَ نُعَاةُ أبي قَاسمٍ ... فأَسبل بالدمع تَحْدارُها فحقُّ العيون على ابن الأَشَجِّ ... ألّا يُفَتَّرَ تَقطَارُها وألَّا تَزالَ تُبكِّي له ... وتَبتلُّ بالدّمع أشفارُها عليك محمّدُ لمّا ثَوَيْـ ... ـتَ تَبكِي البلادُ وأشجارُها وما يَذْكُرونك إلَّا بَكوْا ... إذا ذِمَّة خانَها جارُها وعاريةٍ من لَيالي الشِّتا ... ء لا يتمنَّحُ أيْسَارُها ولا ينبحُ الكلبُ فيها العقو ... رَ إلا الهرِيرُ وتخْتَارُها ولا ينفعُ الثوبُ فيها الفتى ... ولا رَبَّةَ الخِدْر تَخدَارُها فأنتَ مُحَمَّد في مِثْلِها ... مُهينُ الجزائرِ نَحَّارها تَظَلّ جِفانُكَ مَوْضوعة ... تَسِيلُ من الشَّحم أَصْبَارُها

стр. 4688

وما في سقائك مُسْتنطَفٌ ... إذا الشَّوْلُ رَوح أغبارُها فيا وَاهِبَ الوُصَفَاءِ الصِّبَا ... ح إن شُبرَتْ تَمّ إِشبارُها ويا وَاهِبَ الجُرْد مِثْلَ القِدا ... ح قَدْ يُعجِبُ الصّفَّ شُوَّارها ويا واهبَ البَكَرات الهِجا ... نِ عُوذًا تَجاوَبُ أَبكارُها وكنتَ كدِجْلةَ إذْ تَرْتَمي ... فيُقذَفُ في البحر تَيَّارُها وكنتَ جليدًا وذا مِرَّةٍ ... إذا يُبتَغى منكَ إِمرارُها وكنتَ إذا بَلدةٌ أَصْفَقَتْ ... وآذَنَ بالحَرْب جَبَّارُها بَعثْتَ عليها ذَواكي العُيو ... نِ حتَّى تَواصل أخبارُها بإِذنٍ مِن اللهِ والخيلُ قد .... أعِدَّ لذلك مِضْمَارُها وقد تُطعَمُ الخَيْلُ منك الوَجِيـ ... ـفَ حتَّى تُنَبَّذ أَمهارُها وقد تَعلَمُ البازلُ العَيْسَجُو ... رُ أَنَّك بالخَبْتِ حَسَّارُها فيا أسَفَى يومَ لاقيتَهُم ... وخانتْ رجالَك فُرَّارُها وأقبلتِ الخيلُ مَهزُومَة ... عِشَارًا تُضَرَّبُ أَدبارُها بشطِّ حَرُوراءَ واسْتَجْمَعَتْ ... عليكَ المَوالي وسَحَّارُها فأخْطرتَ نفسَك من دُونهم ... فحاز الرَّزيئَةَ أَخطارُها فلا تَبْعَدنَّ أبا قاسمٍ ... فقد يَبلغُ النفسَ مِقدارُها وأَفنى الحوادثُ سَادَاتِنا ... ومَرّ الليالي وتَكْرَارُها (١) (٦/ ١٠١ - ١٠٣). قال هشام: قال أبي: كان السائب أتى مع مُصعبِ بنِ الزّبير، فقتله وَرْقاء النَّخَعيّ مِنْ وَهْببل، فقال وَرْقاء: مَنْ مُبلغ عنِّي عُبَيْدًا بأنَّني ... عَلوتُ أَخاه بالحُسام المهَنَّد فإنْ كنتَ تبغِي العلمَ عنه فإنَّه ... صريِعٌ لدَى الدَّيرين غيرُ مُوَسَّدِ وعَمْدًا علوتُ الرأسَ منه بصارمٍ ... فأثكلتُهُ سُفْيانَ بعدَ محمّدِ (٦/ ١٠٣). قال هشام عن أبي مِخنَف، قال: حدّثني حَصِيرة بن عبد الله، أنّ هِندًا بنت

стр. 4689

المتكلّفة الناعِطِيّة كان يَجْتَمع إليها كلّ غالٍ من الشيعة فيتحدّث في بَيْتها وفي بيت لَيْلى بنت قُمامَة المُزَليَّة، وكان أخوها رِفاعة بن قمامةَ من شيعة عليّ، وكان مقتصدًا، فكانت لا تُحبُّه، فكان أبو عبد الله الجُدَليّ ويزَيد بن شَراحِيل قد أخبرَا ابنَ الحنفيَّة خبرَ هاتَين المرأتين وغلوَّهما وخبر أبي الأحراس المراديّ والبُطَيْن الليثي وأبي الحارِث الكِنْدِيّ (١). (٦/ ١٠٣). قال هشام عن أبي مِخنَف: قال: حدّثني يحيى بنُ أبي عيسى، قال: فكان ابنَ الحنفيَّة قد كتب مع يزيدَ بن شراحيل إلى الشيعة بالكوفة يُحذِّرهم هؤلاء، فكتب إليهم: من محمَّد بن علي إلى مَن بالكوفة من شيعتنا، أمَّا بعد، فاخرُجوا إلى المجالس والمَساجد فاذكروا الله علانيةً وسِرًا ولا تتّخذوا مِنْ دُون المؤمنين بِطَانَةً، فإنْ خَشيتم على أنفسكم فاحذروا على دينكم الكذّابين، وأكثِروا الصلاة والصّيام والدّعاء، فإنَّه ليس أحدٌ من الخَلْق يَمْلك لأحد ضَرًّا ولا نَفْعًا إلّا ما شاء الله، وكلٌّ نفس بما كَسَبتْ رَهينةَ، ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أخرى، والله قائمٌ على كلّ نفس بما كسبَتْ؛ فاعمَلوا صالحًا، وقدّموا لأنفسكم حَسنًا، ولا تكونوا من الغافلين، والسلام عليكم (٢). (٦/ ١٠٣ - ١٠٤). قال أبو مِخنَف: فحدّثني حَصيرة بنُ عبدِ الله، أنّ عبد الله بن نَوْف خرج من بيت هند بنتِ المتكلّفة حين خرج الناسُ إلى حَرُوراءَ وهو يقول: يومُ الأربعاء، ترفَّعت السماء، ونزَلَ القضاء، بهزيمة الأعداء، فاخرجوا على اسم الله إلى حَروراء، فخرج، فلمَّا التقى الناس للقتال ضُرِب على وجهه ضربةً، ورجع الناسُ منهزِمين، ولقيَه عبدُ الله بنُ شريك النَّهْديّ، وقد سمع مقالتَه، فقال له: ألم تزعمْ لنا يابن نَوْف أنَّا سنهزِمهم! قال: أوَ ما قرأت في كتاب الله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾! قال: فلمَّا أصبَح المصعَب أقبلَ يَسير بِمَن مَعَه من أهل البصرة وَمَنْ خرج إليه من أهل الكوفة، فأخذ بهم نحو السَبَخة، فمرّ بالمهلَّب، فقال له المهلَّب: يا لَه فتحًا ما أهنأهُ لو لم يكن محمَّد بنُ الأشعث

стр. 4690

قُتِل! قال: صدقتَ، فَرَحِم اللهُ محمّدًا، ثمّ سار غير بعيد، ثم قال: يا مهلّب، قال: لبَّيك أيها الأمير؛ قال: هل علمتَ أنّ عُبيدَ الله بنَ عليّ بن أبي طالب قد قُتِل! قال: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، قال: المُصْعَب: أمَّا إنَّه كان ممَّن أحبّ أن يرى هذا الفَتْح، ثم لا نَجْعَل أنفسَنا أحقّ بشيء ممَّا نحن فيه منه، أتدري مَن قَتَله؟ قال: لا؛ قال: إنَّما قَتَله مَن يزعم أنَّه لأبيه شيعة، أما إنَّهم قد قَتَلوه وهم يَعرِفونه. قال: ثم مضى حتَّى نزل السَّبخة فقَطع عنهم الماء والمادّة، وبعث عبدَ الرّحمن بن محمد بن الأشعث فنَزَل الكناسة، وبعث عبد الرحمن بنَ مِخنَف بن سليم إلى جَبَّانة السَّبيع، وقد كان قال لعبد الرحمن بن مِخنَف: ما كنت صنعتَ فيما كنتُ وكَّلتُك به؟ قال: أصلَحك الله! وجَدْت الناسَ صِنفَيْن؛ أمَّا مَن كان له فيك هَوىً فخرج إليك، وأمَّا مَن كان يرى رأيَ المُختار، فلم يكن لِيدَعه، ولا ليُؤثِر أحدًا عليه، فلم أبرح بَيْتي حتى قدمتَ؛ قال: صدقت، وبعث عبَّاد بن الحُصَين إلى جَبَّانة كِنْدة، فكلّ هؤلاء كان يَقطَع عن المختارِ وأصحابِه الماءَ والمادّة. وهم في قصر المُخْتار، وبعث زَحْر بنُ قَيْس إلى جَبَّانة مُراد، وبعث عُبيدَ الله بن الحرّ إلى جَبَّانة الصائديين (١). (٦/ ١٠٤ - ١٠٥). قال أبو مخنَف: وحدّثني فُضيل بن خَديج، قال: لقد رأيتُ عبيدَ الله بن الحُرّ، وإنَّه ليطارِد أصحابَ خَيْل المختار، يُقاتِلهم في جَبَّانة الصائديَين ولرّبما رأيتُ خيلَهُم تَطْرُدُ خيلَه، وإنَّهُ لوراءَ خَيله يَحْمِيها حتَّى يَنتهي إلى دار عِكرِمة، ثمّ يَكُرّ راجعًا هو وخيلُه، فيَطرُدهم حتَّى يُلحقَهم بجبَّانة الصائديّين، ولربَّما رأيت خيلَ عُبيد الله قد أخذتْ السقّاء والسقّاءين فيُضرَبون، وإنَّما كانوا يأتونهم بالماء أنهم كانوا يعطونهم بالراوية الدينار والدينارين لما أصابَهم من الجَهْد، وكان المختار ربَّما خرج هو وأصحابُه فقاتلوا قِتالًا ضعيفًا، ولا نكاية لهم، وكانت لا تَخرج له خيل إلّا رُميتْ بالحِجارة من فوقِ البُيوت، ويُصَبّ عليهم الماءُ القَذِر.

стр. 4691

واجترأ عليهم الناس، فكانت معايشُهم أفضلها من نسائهم، فكانت المرأةُ تخرج من منزِلها معها الطَّعام واللَّطَف والماء، قد التحفتْ عليه، فتخرُج كأنَّما تريد المسجدَ الأعظمَ للصّلاة، وكأنَّها تأتي أهلها وتزورُ ذاتَ قَرابة لها، فإن دَنت من القَصر فُتِح لها، فدخلت على زوجِها وحَميمِها بطعامِه وشرابِه ولَطَفه، وإن ذلك بلغ المصعب وأصحابَه، فقال له المهلَّب - وكان مجرّبًا: اجعلْ عليهمُ دُرُوبًا حتَّى تَمنع من يأتيهم مِن أهليِهم وأبنائهم، وتَدَعهم في حِصْنهم حتى يموتوا فيه، وكان القومُ إذا اشتدّ عليهم العَطَش في قصرهم استقَوْا من ماء البئر، ثمّ أمر لهم المختارُ بعَسَل فصُبّ فيه ليُغيّر طعمَه فَيشربوا منه، فكان ذلك أيضًا ممَّا يُروِي أكثرهم، ثمّ إنّ مصعبًا أمر أصحابَه فاقتربوا من القَصْر، فجاء عبّاد بن الحصين الحبطيّ حتى نزل عند مسجد جُهَيْنَة وكان ربَّما تقدّم حتَّى ينتهي إلى مسجدِ بني مخزوم، وحتَّى يَرمي أصحابُه مَن أشرَف عليهم من أصحاب المختار من القَصْر، وكان لا يَلقَى امرأة قريبًا من القصر إلّا قال لها: مَن أنِت؟ ومن أين جئتِ؟ وما تريدين؟ فأخذَ في يوم ثلاثَ نسوة للشبَّاميِّين وشاكر أتَيْن أزواجهنّ في القَصْر، فبعث بهنّ إلى مصعب، وإنّ الطَّعام لمعهنّ. فردّهنّ مصعب ولم يَعرِض لهنّ، وبعث زَحْر بن قيس، فنَزَل عند الحدّادين حيث تُكْرَى الدّوابّ، وبعث عُبيد الله بن الحُرّ فكان موقِفُه عند دارِ بلال، وبعث محمَّد بن عبدِ الرَّحمن بن سعيد بن قيس فكان موقِفه عند دار أبيه، وبعث حَوْشَب بن يزيد فوقَف عند زُقاقِ البَصْريين، عند فم سكة بني جذَيمة بن مالك من بني أسَد بنِ خُزَيمة، وجاء المهلَّب يسير حتَّى نزل جِهار سوج خُنيس، وجاء عبدُ الرحمن بنُ مخنَف من قبَل دار السِّقاية، وابتدر السوق أناسٌ من شَباب أهل الكُوفة وأهل البصرة، أغمار ليس لهم عِلمٌ بالحرب، فأخذوا يَصيحون - وَليس لهم أميرٌ: يا بن دَومة، يا بن دَوْمَة! فأشرَف عليهم المختارُ فقال: أما والله لو أن الذي يعيّرني بدَوْمة كان من القَريتين عظيمًا ما عَيَّرني بها، وبَصُرَ بهم وبتفرُّقهم وهيئتهم وانتشارهم، فطمع فيهم، فقال لطائفة من أصحابه: اخرُجوا معي، فخرج معه منهم نحو من مئَتي رجل، فكرّ عليهم، فشدخ نحوًا من مئة، وهزمهم، فركب بعضُهم بعضًا، وأخذوا على دارِ فراتِ بن حيَّانَ العِجْليّ، ثمّ إنّ رجلًا من بني ضَبَّة من أهل البَصْرة يقال له يحيى بن ضَمضَم، كانت رِجلاه

стр. 4692

تكادان تَخُطَّان الأرضَ إذا رَكِب من طُوله، وكان أقتَل شيء للرجال وأهيَبَهُ عندهم إذا رأوه، فأخذ يحمل على أصحاب المختار فلا يثبتُ له رجل صَمَد صَمدَه، وبَصُرَ به المختار، فحمَل عليه فَضرَبه ضربةً على جَبهته فأطار جَبهته وقحفَ رأسِه، وخرَّ ميّتًا، ثمّ إنّ تلك الأمراء وتلك الرؤوس أقبَلوا من كلّ جانب، فلم تكن لأصحابه بهمْ طاقة، فدخلوا القصر، فكانوا فيه، فاشتدّ عليهم الحصار فقال لهم المختار: ويْحكم! إنّ الحصارَ لا يَزِيدكم إلّا ضَعْفًا، انزلوا بنا فُلْنقاتل حتَى نُقتلَ كرامًا إن نحن قُتِلنا، والله ما أنا بآيس إن صدقتموهم أن يَنصركم اللهُ، فضَعُفوا وعجِزوا، فقال لهم المختار؛ أمَّا أنا فوالله لا أعطِي بيَدي ولا أحكمَهم في نفسي، ولمَّا رأى عبدُ الله بنُ جعدةَ بنُ هُبَيرة بن أبي وَهْب ما يريد المختار تَدلَّى من القصر بحبْل، فَلِحق بأناس من إخوانه، فاختبأ عندهم، ثم إنّ المختار أزمَع بالخروج إلى القوم حين رأى من أصحابه الضعف، ورأى ما بأصحابه من الفشل، فأرسل إلى امرأته أمّ ثابت بنت سَمُرة بن جُندب الفَزاريّ، فأرسلتْ إليه بطيب كثير، فاغتسل وتحنّط، ثمّ وضع ذلك الطيب على رأسهِ ولِحيته، ثمّ خرج في تسعة عشرَ رجلًا؛ فيهم السائب بن مالك الأشعريّ - وكان خليفتَه على الكوفة إذا خرج إلى المَدائن - وكانتْ تحتَه عَمْرةُ بنتُ أبي موسى الأشعريّ، فولدت له غلامًا، فسّماه محمَّدًا، فكان مع أبيه في القصر، فلمَّا قُتل أبوه وأخِذ مَن في القصر وُجِد صبيًّا فتُرك، ولمَّا خرج المُختار من القصر قال للسَّائب: ماذا ترى؟ قال: الرّأيُ لك، فماذا ترى؟ قال: أنا أرَى أمِ الله يَرَى! قال: الله يرَى! قال: اللهُ يرَى، قال: وَيْحَك! أحمق أنت! إنَّما أنا رجل من العَرَب رأيتُ ابن الزّبير انتزَى على الحِجاز، ورأيتُ نَجْدَةَ انتزَى على اليمامة، ومروانَ على الشام، فلم أكن دونَ أحد من رِجال العرب، فأخذتُ هذه البلادَ، فكنتُ كأحدهم؛ إلّا أني قد طلبتُ بثأر أهلِ بيتِ النبيّ ﷺ إذ نامتْ عنه العرب، فقتلتُ من شرَك في دِمائِهم، وبالغتُ في ذلك إلى يومي هذا، فقاتِلْ على حَسبك إن لم تكن لك نيَّة؛ فقال: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، وما كنت أصنع أن أقاتل على حَسَبي! فقال المختار عند ذلك يتمثل بقولِ غَيْلان بن سَلَمة بن مُعتِّب الثَّقَفِيّ: ولو يَرَاني أَبو غَيْلَانَ إِذ حَسَرَتْ ... عنِّي الهموم بأمرٍ ما له طبَقُ لقالَ رُهْبًا ورُعْبًا يُجْمَعان معًا ... غنْمُ الحياةِ وهَولُ النفس والشَّفَقُ إِما تُسِف على مَجْدٍ ومَكرُمَةٍ ... أو إِسوة لك فِيمَن تُهلِكُ الوَرَق

стр. 4693

فخرج في تسعةَ عشرَ رجلًا فقال لهم: أتؤمنوني وأخرُج إليكم؟ فقالوا: لا، إلا على الحكم، فقال: لا أحكّمكم في نفسي أبدًا، فضارب بسيفه حتى قُتِل، وقد كان قال لأصحابه حين أبَوْا أن يُتابعوه على الخُروج معه: إذا أنا خرجتُ إليهم فقُتِلتُ لم تَزْدادوا إلا ضَعْفًا وذُلًا، فإنْ نزلتم على حكمهم وثَب أعداؤكم الذين قد وَتَرْتموهم، فقال كل رجل منهم لبعضكم: هذا عندَه ثأرِي فيُقتل، وبعضُكم يَنظُر إلى مَصَارع بعض فيقولون: يا لَيْتنا أطَعْنا المختار وعَمِلنا برأيه! ولو أنكم خرجتم معي كنتم إن أخطأتُم الظفَر متّم كِرامًا، وإن هرب منكم هاربٌ فدخل في عشيرته اشتملتْ عليه عشيرتُه؛ أنتم غدًا هذه الساعةَ أذلّ من على ظَهْر الأرض، فكان كما قال. قال: وزَعَم الناسُ أنّ المختار قُتِل عند موضع الزّيّاتِين اليومَ، قتله رجلان من بني حَنِيفة أخَوان يُدعَى أحدُهما طَرَفةَ والآخر طرَّافًا؛ ابنا عبد الله بن دَجاجة من بني حَنِيفة، ولَمّا كان من الغد من قتل المختار قال بُجَير بنُ عبد الله المُسْليِّ: يا قوم، قد كان صاحبكم أمسِ أشار عليكم بالرأي لو أطعتموه، يا قوم، إنكم إن نزلتمْ على حُكم القوم ذُبِحتم كما تُذبَح الغنمُ، اخرُجوا بأسيافكم فقاتلوا حتى تموتوا كِرامًا، فعصَوْه وقالوا: لقد أمرنا بهذا من كان أطوع عندنا وأنصح لنا منك، فعصيناه، أفنحن نُطِيعك! فأمكن القوم من أنفسهم، ونزلوا على الحُكْم، فبعث إليهم مصعبٌ عبّاد بنَ الحُصَين الحَبَطيّ فكان هو يُخرِجهم مكتَّفين، وأوصَى عبد الله بن شدّاد الجُشَميّ إلى عبّاد بن الحُصَين، وطلب عبد الله بن قُراد عصًا أو حديدة أو شيئًا يقاتل به فلم يَجِده، وذلك أنّ الندامة أدركتْه بعدما دخلوا عليه، فأخذُوا سيفَه وأخرَجوه مكتوفًا، فمرّ به عبدُ الرحمن وهو يقول: ما كنتُ أخشَى أن أُرَى أَسِيرا ... إنَّ الذين خالَفُوا الأَمِيرَا قد رُغِّموا ... وتُبِّرُوا تَتْبِيرَا فقال عبدُ الرّحمن بن محمد بن الأشعث: عليّ بذا، قدّموه إليّ أضرِب عنقَه، فقال له: أما إني على دين جَدّك الذي آمن ثمّ كفر؛ إنْ لم أكن ضربت أباك بسَيْفي حتى فاظَ، فنزل ثم قال: أدنُوه مني، فأدَنوْه منه، فقتله، فغضِب عبّاد، فقال: قتلتَه ولم تُؤمَر بقَتله!

стр. 4694

ومرّ بعبد الله بنِ شدّاد الجُشميّ وكان شريفًا، فطلب عبدُ الرحمن إلى عبّاد أن يَحبِسه حتى يكلّم فيه الأمير، فأتى مُصعبًا، فقال: إني أحِبّ أن تَدفَع إليّ عبدَ الله بن شدّاد فأقتلَه، فإنه من الثأر، فأمر له به، فلما جاءه أخذه فضرب عنقَه، فكان عبّاد يقول: أما والله لو علمتُ أنك إنما تريد قتلَه لدفعتُه إلى غَيرِك فقتله، ولكني حسبتُ أنك تكلمه فيه فتخلّي سبيلَه. وأتيَ بابن عبد الله بنِ شدّاد، وإذا اسمهُ شدّاد، وهو رجلٌ محتلِم، وقد اطّلَي بنُورة، فقال: اكشفوا عنه هل أدرَك! فقالوا: لا، إنما هو غلام، فخلوا سبيلَه، وكان الأسوَد بنُ سعيد قد طلب إلى مُصعَب أن يعرِض على أخيه الأمان، فإنْ نزَل تركَه له، فأتاه فعرض عليه الأمان، فأبى أن ينزل، وقال: أموتُ مع أصحابي أحبّ إليّ من حياة معكم، وكان يقال له قيس، فأخرِج فقتِل فيمن قُتِل؛ وقال بُجير بن عبدِ الله المُسْلِيّ - ويقال: كان مولىً لهم حين أتِيَ به مصعب ومعه منهم ناسٌ كثير - فقال له المسلِيّ: الحمد لله الذِي ابتلانا بالإسار، وابتلاك بأن تعفو عنا، وهما مَنزِلتان إحداهما رِضَا الله، والأخرَى سخطه، من عَفَا عَفَا اللهُ عنه. وزادَه عزًّا، ومن عاقَبَ لم يأمَن القصاص، يابنَ الزّبير، نحن أهلُ قِبْلَتكم، وعلى مِلّتكم، ولسنا تُرْكًا ولا دَيْلمًا، فإن خالفْنا إخوانَنَا من أهل مِصرِنا فإما أن نكون أصبْنا وأخطؤوا، وإما أن نكون أخطأنا وأصابوا فاقتتلنا كما اقتتل أهل الشام بينهم، فقد اختلفوا واقتتلوا ثمّ اجتمعوا، وكما اقتتل أهلُ البَصْرة بينهم فقد اختلفوا واقْتَتلوا ثمّ اصطلَحوا واجتمعوا، وقد ملكتم فأسجِحوا، وقد قَدرْتم فاعْفُوا، فما زال بهذا القَوْل ونحوه حتى رَقَّ لهم الناسُ، ورَقَّ لهم مصعب، وأراد أن يخلّيَ سبيلَهم، فقام عبدُ الرحمن بنُ محمد بن الأشعث فقال: تُخلّى سبيلهم! اختَرنا يا بن الزبير أو اخترهم، ووثب محمد بن عبد الرّحمن بن سعيد بن قَيْس الهَمْدانيّ فقال: قُتِل أبي وخَمسمئة من هَمْدان وأشراف العشيرة وأهل المصر ثم تُخلّى سبيلَهم، ودماؤنا تَرقرَق في أجوافهم! اختَرْنا أو اخترْهم، ووَثَب كلّ قوم وأهل بيت كان أصيبَ منهم رجل فقالوا نحوًا من هذا القول. فلما رأى مُصعبُ بنُ الزبير ذلك أمَرَ بقَتْلهم، فنادَوه بأجمَعِهم: يا بن الزّبير، لا تقتُلنا، اجعَلْنا مقدّمتَك إلى أهل الشام غدًا، فوالله ما بك ولا بأصحابك عنّا غدًا غِنًى إذا لقيتم عدوَّكم فإن قتِلنا لم نُقتل حتّى نرقهم لكم، وإن ظَفِرْنا بهم كان

стр. 4695

ذلك لك ولمن معك، فأبَى عليهم وتبع رضا العامة، فقال بجير المسلِيّ: إن حاجتي إليك ألّا أقتَل مع هؤلاء [القوم] إني أمرتُهم أن يخرجوا بأسيافهم فيقاتلوا حتى يموتوا كِرامًا فعصوْني، فقُدّم فقُتِل (١). (٦/ ١٠٥ - ١١٠). قال أبو مخنف: وحدّثني أبي، قال: حدّثني أبو رَوْق أنّ مسافرَ بنَ سعيد بن نِمْران قال لمُصعب بنِ الزبير: يا بن الزّبير، ما تقولُ لله إذا قَدمت عليه وقد قتلتَ أمة من المُسلِمين صَبْرًا! حكّموك في دمائهم، فكان الحقّ في دمائهم ألّا تقتل نفسَّا مَسلِمة بغير نفس مُسلِمة، فإن كنا قتلْنا عِدّة رجال منكم فاقتلوا عِدَّةَ من قتلنا منكم، وخلّوا سبيل بقيّتنا وفينا الآن رجالٌ كثير لم يشهدوا موطنًا من حربنا وحَربكم يومًا واحدًا، كانوا في الجبال والسواد يَجْبون الخَراج، ويؤمنون السبيل، فلم يستمع له، فقال: قبّح الله قومًا أمرتُهم أن يَخرُجوا ليلًا على حَرَس سكة من هذه السكك فنطردهم، ثمّ نَلحق بعشائرنا، فعَصوْني حتى حَمَلوني على أن أعطيت التي هي أنقص وأدنى وأوضع، وأبوْا أن يموتوا إلّا ميتة العبيد، فأنا أسألُك ألّا تَخلِط دمي بدِمائهم فقُدّم فقُتل ناحية. ثمّ إنّ المُصعَب أمر بكَفّ المختار فقُطعت ثمّ سُمرت بمسِمار حديدْ إلى جنب المسجد، فلم يزل على ذلك حتى قدم الحجّاج بن يوسفَ، فنظر إليها فقال: ما هذه؟ قالوا: كَفّ المختار، فأمرَ بَنزْعها، وبعث مُصعَب عُماله على الجِبال والسواد، ثمّ إنه كتب إلى ابن الأشتر يدعوه إلى طاعته، ويقول له: إن أنتَ أجَبتَني ودخلتَ في طاعتي فلك الشام وأعِنّة الخيل، وما غلبت عليه من أرضِ المغرب ما دام لآل الزّبير سُلطان، وكتب عبد الملك بن مروان من الشام إليه يدعوه إلى طاعته، ويقول: إن أنت أجَبْتَني ودخلتَ في طاعتي فلك العراق، فدعا إبراهيمُ أصحابه فقال: ما تَرَون؟ فقال بعضُهم: تدخل في طاعة عبدِ الملك، وقال بعضهم: تدخل مع ابن الزّبير في طاعته، فقال ابن الأشتر: ذاك لو لم أكن أصبتُ عبيد الله بن زياد ولا رؤساء أهل الشام تبعتُ عبد الملك؛ مع أني لا أحبّ أن أختار على أهلِ مِصري مِصْرًا، ولا على عشيرتي عشيرة، فكتب إلى مصعب، فكتب إليه مصعبٌ أن أقبِل، فأقبل إليه بالطاعة (٢). (٦/ ١١٠ - ١١١).
следующие страницы →