← История

История · id 145435

صحيح وضعيف تاريخ الطبري

محمد بن طاهر البرزنجي

Полный текст (6 167 стр.). Показаны 4691–4730 · переход к 4696.

стр. 4691

واجترأ عليهم الناس، فكانت معايشُهم أفضلها من نسائهم، فكانت المرأةُ تخرج من منزِلها معها الطَّعام واللَّطَف والماء، قد التحفتْ عليه، فتخرُج كأنَّما تريد المسجدَ الأعظمَ للصّلاة، وكأنَّها تأتي أهلها وتزورُ ذاتَ قَرابة لها، فإن دَنت من القَصر فُتِح لها، فدخلت على زوجِها وحَميمِها بطعامِه وشرابِه ولَطَفه، وإن ذلك بلغ المصعب وأصحابَه، فقال له المهلَّب - وكان مجرّبًا: اجعلْ عليهمُ دُرُوبًا حتَّى تَمنع من يأتيهم مِن أهليِهم وأبنائهم، وتَدَعهم في حِصْنهم حتى يموتوا فيه، وكان القومُ إذا اشتدّ عليهم العَطَش في قصرهم استقَوْا من ماء البئر، ثمّ أمر لهم المختارُ بعَسَل فصُبّ فيه ليُغيّر طعمَه فَيشربوا منه، فكان ذلك أيضًا ممَّا يُروِي أكثرهم، ثمّ إنّ مصعبًا أمر أصحابَه فاقتربوا من القَصْر، فجاء عبّاد بن الحصين الحبطيّ حتى نزل عند مسجد جُهَيْنَة وكان ربَّما تقدّم حتَّى ينتهي إلى مسجدِ بني مخزوم، وحتَّى يَرمي أصحابُه مَن أشرَف عليهم من أصحاب المختار من القَصْر، وكان لا يَلقَى امرأة قريبًا من القصر إلّا قال لها: مَن أنِت؟ ومن أين جئتِ؟ وما تريدين؟ فأخذَ في يوم ثلاثَ نسوة للشبَّاميِّين وشاكر أتَيْن أزواجهنّ في القَصْر، فبعث بهنّ إلى مصعب، وإنّ الطَّعام لمعهنّ. فردّهنّ مصعب ولم يَعرِض لهنّ، وبعث زَحْر بن قيس، فنَزَل عند الحدّادين حيث تُكْرَى الدّوابّ، وبعث عُبيد الله بن الحُرّ فكان موقِفُه عند دارِ بلال، وبعث محمَّد بن عبدِ الرَّحمن بن سعيد بن قيس فكان موقِفه عند دار أبيه، وبعث حَوْشَب بن يزيد فوقَف عند زُقاقِ البَصْريين، عند فم سكة بني جذَيمة بن مالك من بني أسَد بنِ خُزَيمة، وجاء المهلَّب يسير حتَّى نزل جِهار سوج خُنيس، وجاء عبدُ الرحمن بنُ مخنَف من قبَل دار السِّقاية، وابتدر السوق أناسٌ من شَباب أهل الكُوفة وأهل البصرة، أغمار ليس لهم عِلمٌ بالحرب، فأخذوا يَصيحون - وَليس لهم أميرٌ: يا بن دَومة، يا بن دَوْمَة! فأشرَف عليهم المختارُ فقال: أما والله لو أن الذي يعيّرني بدَوْمة كان من القَريتين عظيمًا ما عَيَّرني بها، وبَصُرَ بهم وبتفرُّقهم وهيئتهم وانتشارهم، فطمع فيهم، فقال لطائفة من أصحابه: اخرُجوا معي، فخرج معه منهم نحو من مئَتي رجل، فكرّ عليهم، فشدخ نحوًا من مئة، وهزمهم، فركب بعضُهم بعضًا، وأخذوا على دارِ فراتِ بن حيَّانَ العِجْليّ، ثمّ إنّ رجلًا من بني ضَبَّة من أهل البَصْرة يقال له يحيى بن ضَمضَم، كانت رِجلاه

стр. 4692

تكادان تَخُطَّان الأرضَ إذا رَكِب من طُوله، وكان أقتَل شيء للرجال وأهيَبَهُ عندهم إذا رأوه، فأخذ يحمل على أصحاب المختار فلا يثبتُ له رجل صَمَد صَمدَه، وبَصُرَ به المختار، فحمَل عليه فَضرَبه ضربةً على جَبهته فأطار جَبهته وقحفَ رأسِه، وخرَّ ميّتًا، ثمّ إنّ تلك الأمراء وتلك الرؤوس أقبَلوا من كلّ جانب، فلم تكن لأصحابه بهمْ طاقة، فدخلوا القصر، فكانوا فيه، فاشتدّ عليهم الحصار فقال لهم المختار: ويْحكم! إنّ الحصارَ لا يَزِيدكم إلّا ضَعْفًا، انزلوا بنا فُلْنقاتل حتَى نُقتلَ كرامًا إن نحن قُتِلنا، والله ما أنا بآيس إن صدقتموهم أن يَنصركم اللهُ، فضَعُفوا وعجِزوا، فقال لهم المختار؛ أمَّا أنا فوالله لا أعطِي بيَدي ولا أحكمَهم في نفسي، ولمَّا رأى عبدُ الله بنُ جعدةَ بنُ هُبَيرة بن أبي وَهْب ما يريد المختار تَدلَّى من القصر بحبْل، فَلِحق بأناس من إخوانه، فاختبأ عندهم، ثم إنّ المختار أزمَع بالخروج إلى القوم حين رأى من أصحابه الضعف، ورأى ما بأصحابه من الفشل، فأرسل إلى امرأته أمّ ثابت بنت سَمُرة بن جُندب الفَزاريّ، فأرسلتْ إليه بطيب كثير، فاغتسل وتحنّط، ثمّ وضع ذلك الطيب على رأسهِ ولِحيته، ثمّ خرج في تسعة عشرَ رجلًا؛ فيهم السائب بن مالك الأشعريّ - وكان خليفتَه على الكوفة إذا خرج إلى المَدائن - وكانتْ تحتَه عَمْرةُ بنتُ أبي موسى الأشعريّ، فولدت له غلامًا، فسّماه محمَّدًا، فكان مع أبيه في القصر، فلمَّا قُتل أبوه وأخِذ مَن في القصر وُجِد صبيًّا فتُرك، ولمَّا خرج المُختار من القصر قال للسَّائب: ماذا ترى؟ قال: الرّأيُ لك، فماذا ترى؟ قال: أنا أرَى أمِ الله يَرَى! قال: الله يرَى! قال: اللهُ يرَى، قال: وَيْحَك! أحمق أنت! إنَّما أنا رجل من العَرَب رأيتُ ابن الزّبير انتزَى على الحِجاز، ورأيتُ نَجْدَةَ انتزَى على اليمامة، ومروانَ على الشام، فلم أكن دونَ أحد من رِجال العرب، فأخذتُ هذه البلادَ، فكنتُ كأحدهم؛ إلّا أني قد طلبتُ بثأر أهلِ بيتِ النبيّ ﷺ إذ نامتْ عنه العرب، فقتلتُ من شرَك في دِمائِهم، وبالغتُ في ذلك إلى يومي هذا، فقاتِلْ على حَسبك إن لم تكن لك نيَّة؛ فقال: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، وما كنت أصنع أن أقاتل على حَسَبي! فقال المختار عند ذلك يتمثل بقولِ غَيْلان بن سَلَمة بن مُعتِّب الثَّقَفِيّ: ولو يَرَاني أَبو غَيْلَانَ إِذ حَسَرَتْ ... عنِّي الهموم بأمرٍ ما له طبَقُ لقالَ رُهْبًا ورُعْبًا يُجْمَعان معًا ... غنْمُ الحياةِ وهَولُ النفس والشَّفَقُ إِما تُسِف على مَجْدٍ ومَكرُمَةٍ ... أو إِسوة لك فِيمَن تُهلِكُ الوَرَق

стр. 4693

فخرج في تسعةَ عشرَ رجلًا فقال لهم: أتؤمنوني وأخرُج إليكم؟ فقالوا: لا، إلا على الحكم، فقال: لا أحكّمكم في نفسي أبدًا، فضارب بسيفه حتى قُتِل، وقد كان قال لأصحابه حين أبَوْا أن يُتابعوه على الخُروج معه: إذا أنا خرجتُ إليهم فقُتِلتُ لم تَزْدادوا إلا ضَعْفًا وذُلًا، فإنْ نزلتم على حكمهم وثَب أعداؤكم الذين قد وَتَرْتموهم، فقال كل رجل منهم لبعضكم: هذا عندَه ثأرِي فيُقتل، وبعضُكم يَنظُر إلى مَصَارع بعض فيقولون: يا لَيْتنا أطَعْنا المختار وعَمِلنا برأيه! ولو أنكم خرجتم معي كنتم إن أخطأتُم الظفَر متّم كِرامًا، وإن هرب منكم هاربٌ فدخل في عشيرته اشتملتْ عليه عشيرتُه؛ أنتم غدًا هذه الساعةَ أذلّ من على ظَهْر الأرض، فكان كما قال. قال: وزَعَم الناسُ أنّ المختار قُتِل عند موضع الزّيّاتِين اليومَ، قتله رجلان من بني حَنِيفة أخَوان يُدعَى أحدُهما طَرَفةَ والآخر طرَّافًا؛ ابنا عبد الله بن دَجاجة من بني حَنِيفة، ولَمّا كان من الغد من قتل المختار قال بُجَير بنُ عبد الله المُسْليِّ: يا قوم، قد كان صاحبكم أمسِ أشار عليكم بالرأي لو أطعتموه، يا قوم، إنكم إن نزلتمْ على حُكم القوم ذُبِحتم كما تُذبَح الغنمُ، اخرُجوا بأسيافكم فقاتلوا حتى تموتوا كِرامًا، فعصَوْه وقالوا: لقد أمرنا بهذا من كان أطوع عندنا وأنصح لنا منك، فعصيناه، أفنحن نُطِيعك! فأمكن القوم من أنفسهم، ونزلوا على الحُكْم، فبعث إليهم مصعبٌ عبّاد بنَ الحُصَين الحَبَطيّ فكان هو يُخرِجهم مكتَّفين، وأوصَى عبد الله بن شدّاد الجُشَميّ إلى عبّاد بن الحُصَين، وطلب عبد الله بن قُراد عصًا أو حديدة أو شيئًا يقاتل به فلم يَجِده، وذلك أنّ الندامة أدركتْه بعدما دخلوا عليه، فأخذُوا سيفَه وأخرَجوه مكتوفًا، فمرّ به عبدُ الرحمن وهو يقول: ما كنتُ أخشَى أن أُرَى أَسِيرا ... إنَّ الذين خالَفُوا الأَمِيرَا قد رُغِّموا ... وتُبِّرُوا تَتْبِيرَا فقال عبدُ الرّحمن بن محمد بن الأشعث: عليّ بذا، قدّموه إليّ أضرِب عنقَه، فقال له: أما إني على دين جَدّك الذي آمن ثمّ كفر؛ إنْ لم أكن ضربت أباك بسَيْفي حتى فاظَ، فنزل ثم قال: أدنُوه مني، فأدَنوْه منه، فقتله، فغضِب عبّاد، فقال: قتلتَه ولم تُؤمَر بقَتله!

стр. 4694

ومرّ بعبد الله بنِ شدّاد الجُشميّ وكان شريفًا، فطلب عبدُ الرحمن إلى عبّاد أن يَحبِسه حتى يكلّم فيه الأمير، فأتى مُصعبًا، فقال: إني أحِبّ أن تَدفَع إليّ عبدَ الله بن شدّاد فأقتلَه، فإنه من الثأر، فأمر له به، فلما جاءه أخذه فضرب عنقَه، فكان عبّاد يقول: أما والله لو علمتُ أنك إنما تريد قتلَه لدفعتُه إلى غَيرِك فقتله، ولكني حسبتُ أنك تكلمه فيه فتخلّي سبيلَه. وأتيَ بابن عبد الله بنِ شدّاد، وإذا اسمهُ شدّاد، وهو رجلٌ محتلِم، وقد اطّلَي بنُورة، فقال: اكشفوا عنه هل أدرَك! فقالوا: لا، إنما هو غلام، فخلوا سبيلَه، وكان الأسوَد بنُ سعيد قد طلب إلى مُصعَب أن يعرِض على أخيه الأمان، فإنْ نزَل تركَه له، فأتاه فعرض عليه الأمان، فأبى أن ينزل، وقال: أموتُ مع أصحابي أحبّ إليّ من حياة معكم، وكان يقال له قيس، فأخرِج فقتِل فيمن قُتِل؛ وقال بُجير بن عبدِ الله المُسْلِيّ - ويقال: كان مولىً لهم حين أتِيَ به مصعب ومعه منهم ناسٌ كثير - فقال له المسلِيّ: الحمد لله الذِي ابتلانا بالإسار، وابتلاك بأن تعفو عنا، وهما مَنزِلتان إحداهما رِضَا الله، والأخرَى سخطه، من عَفَا عَفَا اللهُ عنه. وزادَه عزًّا، ومن عاقَبَ لم يأمَن القصاص، يابنَ الزّبير، نحن أهلُ قِبْلَتكم، وعلى مِلّتكم، ولسنا تُرْكًا ولا دَيْلمًا، فإن خالفْنا إخوانَنَا من أهل مِصرِنا فإما أن نكون أصبْنا وأخطؤوا، وإما أن نكون أخطأنا وأصابوا فاقتتلنا كما اقتتل أهل الشام بينهم، فقد اختلفوا واقتتلوا ثمّ اجتمعوا، وكما اقتتل أهلُ البَصْرة بينهم فقد اختلفوا واقْتَتلوا ثمّ اصطلَحوا واجتمعوا، وقد ملكتم فأسجِحوا، وقد قَدرْتم فاعْفُوا، فما زال بهذا القَوْل ونحوه حتى رَقَّ لهم الناسُ، ورَقَّ لهم مصعب، وأراد أن يخلّيَ سبيلَهم، فقام عبدُ الرحمن بنُ محمد بن الأشعث فقال: تُخلّى سبيلهم! اختَرنا يا بن الزبير أو اخترهم، ووثب محمد بن عبد الرّحمن بن سعيد بن قَيْس الهَمْدانيّ فقال: قُتِل أبي وخَمسمئة من هَمْدان وأشراف العشيرة وأهل المصر ثم تُخلّى سبيلَهم، ودماؤنا تَرقرَق في أجوافهم! اختَرْنا أو اخترْهم، ووَثَب كلّ قوم وأهل بيت كان أصيبَ منهم رجل فقالوا نحوًا من هذا القول. فلما رأى مُصعبُ بنُ الزبير ذلك أمَرَ بقَتْلهم، فنادَوه بأجمَعِهم: يا بن الزّبير، لا تقتُلنا، اجعَلْنا مقدّمتَك إلى أهل الشام غدًا، فوالله ما بك ولا بأصحابك عنّا غدًا غِنًى إذا لقيتم عدوَّكم فإن قتِلنا لم نُقتل حتّى نرقهم لكم، وإن ظَفِرْنا بهم كان

стр. 4695

ذلك لك ولمن معك، فأبَى عليهم وتبع رضا العامة، فقال بجير المسلِيّ: إن حاجتي إليك ألّا أقتَل مع هؤلاء [القوم] إني أمرتُهم أن يخرجوا بأسيافهم فيقاتلوا حتى يموتوا كِرامًا فعصوْني، فقُدّم فقُتِل (١). (٦/ ١٠٥ - ١١٠). قال أبو مخنف: وحدّثني أبي، قال: حدّثني أبو رَوْق أنّ مسافرَ بنَ سعيد بن نِمْران قال لمُصعب بنِ الزبير: يا بن الزّبير، ما تقولُ لله إذا قَدمت عليه وقد قتلتَ أمة من المُسلِمين صَبْرًا! حكّموك في دمائهم، فكان الحقّ في دمائهم ألّا تقتل نفسَّا مَسلِمة بغير نفس مُسلِمة، فإن كنا قتلْنا عِدّة رجال منكم فاقتلوا عِدَّةَ من قتلنا منكم، وخلّوا سبيل بقيّتنا وفينا الآن رجالٌ كثير لم يشهدوا موطنًا من حربنا وحَربكم يومًا واحدًا، كانوا في الجبال والسواد يَجْبون الخَراج، ويؤمنون السبيل، فلم يستمع له، فقال: قبّح الله قومًا أمرتُهم أن يَخرُجوا ليلًا على حَرَس سكة من هذه السكك فنطردهم، ثمّ نَلحق بعشائرنا، فعَصوْني حتى حَمَلوني على أن أعطيت التي هي أنقص وأدنى وأوضع، وأبوْا أن يموتوا إلّا ميتة العبيد، فأنا أسألُك ألّا تَخلِط دمي بدِمائهم فقُدّم فقُتل ناحية. ثمّ إنّ المُصعَب أمر بكَفّ المختار فقُطعت ثمّ سُمرت بمسِمار حديدْ إلى جنب المسجد، فلم يزل على ذلك حتى قدم الحجّاج بن يوسفَ، فنظر إليها فقال: ما هذه؟ قالوا: كَفّ المختار، فأمرَ بَنزْعها، وبعث مُصعَب عُماله على الجِبال والسواد، ثمّ إنه كتب إلى ابن الأشتر يدعوه إلى طاعته، ويقول له: إن أنتَ أجَبتَني ودخلتَ في طاعتي فلك الشام وأعِنّة الخيل، وما غلبت عليه من أرضِ المغرب ما دام لآل الزّبير سُلطان، وكتب عبد الملك بن مروان من الشام إليه يدعوه إلى طاعته، ويقول: إن أنت أجَبْتَني ودخلتَ في طاعتي فلك العراق، فدعا إبراهيمُ أصحابه فقال: ما تَرَون؟ فقال بعضُهم: تدخل في طاعة عبدِ الملك، وقال بعضهم: تدخل مع ابن الزّبير في طاعته، فقال ابن الأشتر: ذاك لو لم أكن أصبتُ عبيد الله بن زياد ولا رؤساء أهل الشام تبعتُ عبد الملك؛ مع أني لا أحبّ أن أختار على أهلِ مِصري مِصْرًا، ولا على عشيرتي عشيرة، فكتب إلى مصعب، فكتب إليه مصعبٌ أن أقبِل، فأقبل إليه بالطاعة (٢). (٦/ ١١٠ - ١١١).

стр. 4696

قال أبو مخنَف: حدّثني أبو جَنَاب الكلبيّ أنّ كتاب مُصْعب قدم على ابن الأشتر وفيه: أما بعد، فإنّ الله قد قتل المختار الكذّاب وشيعتَه الذين دانُوا بالكفر، وكادُوا بالسّحر، وإنا ندعوك إلى كتاب الله وسنة نبيِّه، وإلى بَيْعة أمير المؤمنين، فإنْ أجبتَ إلى ذلك فأقبل إليّ، فإنّ لك أرض الجزيرة وأرض المغرب كلّها ما بقيت وبقيَ سلطانُ آل الزبير، لك بذلك عهدُ الله وميثاقُه وأشدّ ما أخذ الله على النبيِّين من عهد أو عقد؛ والسلام. وكتب إليه عبدُ الملك بن مَرْوان: أما بعد، فإنّ آل الزبير انتَزوْا على أئمة الهدى، ونازعُوا الأمرَ أهلَه، وألحَدُوا في بيت الله الحَرام واللهُ مُمكِن منهم، وجاعل دائرةَ السوْء عليهم، وإني أدعوك إلى الله وإلى سُنة نبيّه، فإن قَبلتَ وأجبتَ فلك سلطانُ العراقِ ما بقيتَ وبقيتُ، عليّ بالوفاء بذلك عهدُ الله وميثاقُه. قال: فدعا أصحابَه فأقرأهم الكتاب، واستشارهم في الرأي، فقائلٌ يقول عبد الملك؛ وقائل يقول: ابن الزبير؛ فقال لهم: ورأيي اتّباع أهلِ الشام، ولكن كيف لي بذلك، وليس قبيلة تسكُن الشام إلّا وقد وَتَرْتُها، ولستُ بتارك عشيرتي وأهل مصري! فأقبل إلى مُصعَب، فلما بلغ مصعبًا إقباله بعث المهلب إلى عمله، وهي السنة التي نزل فيها المهلب على الفُرات (١). (٦/ ١١١ - ١١٢). قال أبو مخنف: حدّثني أبو عَلْقمة الخَثعميّ أنّ المُصَعب بَعثَ إلى أمّ ثابت بنتِ سَمُرة بنِ جُندَب امرأةِ المُختار وإلى عَمْرة بنت النعمان بن بَشير الأنصاريّ - وهي امرأةُ المختار - فقال لهما: ما تقولان في المختار؟ فقالت أمّ ثابت: ما عسينا أن نقول! ما نقول فيه إلّا ما تقولون فيه أنتم، فقالوا لها: اذهبي، وأما عَمرة فقالت: رحمة الله عليه، إنه كان عبدًا من عِبادِ الله الصالحين، فرَفعها مصعب إلى السجن، وكتب فيها إلى عبد الله بن الزّبير إنها تزعم أنه نبيّ، فكتَب إليه أن أخْرِجْها فاقتُلها.

стр. 4697

فأخْرَجها بين الحِيرة والكُوفة بعد العَتَمة، فَضرَبها مَطَرٌ ثلاثَ ضرَبات بالسيف - ومطَرٌ تابعٌ لآل قَفَل من بني تَيْم الله بنِ ثَعْلبة، كان يكون مع الشُّرَط - فقالت: يا أبتاه، يا أهلاه، يا عَشِيرتاه! فسمِع بها بعضُ الأنصار، وهو أبان بنُ النعمان بن بشير، فأتاه فلطمه وقال له: يا بن الزّانية، قطعتَ نفسها قطع اللهُ يَمينَك! فَلزِمه حتى رفعه إلى مصعب، فقال: إنّ أمي مسلمة، وادّعى شهادة بني قَفَل، فلم يشهَد له أحد؛ فقال مصعب: خلّوا سبيلَ الفتى فإنه رأى أمرًا فظيعًا، فقال عمرُ بن أبي ربيعة القُرَشيّ في قتل مصعب عَمْرَةَ بنتَ النعمان بن بشير: إنَّ من أعْجَبِ العجائبِ عِندِي ... قَتْلَ بَيْضَاءَ حُرَّةٍ عُطْبولِ قُتِلَتْ هكذا على غيرِ جُرْمِ ... إنَّ لله دَرَّها من قَتيلِ كُتِبَ القَتلُ والقِتَالُ علينا ... وعلى المحْصنَاتِ جَرُّ الذُّيولِ (١) (٦/ ١١٢). قال أبو مخنف: حدثني محمد بنُ يوسفَ، أنّ مصعبًا لقِي عبدَ الله بن عمر فسلّم عليه، وقال له: أنا ابنُ أخيك مصعب، فقال له ابنُ عمر: نعم، أنتَ القاتلُ سبعةَ آلاف من أهل القبلة في غَداة واحدة! عِشْ ما استطعتَ! فقال مصعب: إنهم كانوا كفرة سَحَرة؛ فقال ابنُ عمر: والله لو قتلت عدَّتهم غَنَمًا من تُراثِ أبيك، لكان ذلك سَرَفًا، فقال سعيد بن عبدِ الرّحمن بن حسّان بن ثابت في ذلك: أتى راكبٌ بالأَمر ذي النبَأ العجِبْ ... بقتل ابنَة النعمان ذِي الدِّين والحَسَبْ بقتل فَتَاةٍ ذاتِ دلٍّ سَتِيرَةٍ ... مُهَذَّبة الأخلاق والخِيم والنسَبْ مطهَّرةٍ من نَسْل قوم أَكارِمٍ ... من المُؤْثِرِين الخير في سالفِ الحِقَب خليلُ النبيِّ المصطفَى ونَصِيرُهُ ... وصاحبُه في الحَرْب والنكْبِ والكُرَب أتانِي بأنَّ المُلْحِدِين تَوَافَقُوا ... على قَتلِها لا جُنِّبُوا القتلَ والسَّلَبْ فلا هَنَأَتْ آلَ الزبير معيشةٌ ... وذاقُوا لباسَ الذُّلِّ والخوفِ والحَرَبْ كأنَّهمُ إذ أَبرَزُوها وقُطِّعتْ ... بأسيافِهمْ فازُوا بِمَملكة العَرَبْ ألم تَعَجبِ الأَقوامُ من قَتلِ حرَّةٍ ... من المُحْصَنات الدّين محمودةِ الأَدبْ!

стр. 4698

من الغافلاتِ المؤمناتِ، بَرِيئَةٍ ... من الذَّمِ والبُهْتان والشَّكّ والكذِبْ علينا كتابُ القَتل والبأْسِ واجبٌ ... وهُنَّ العفافُ في الحِجَال وفي الحُجُب على دِينِ أجدادٍ لها وأُبوَّةٍ ... كِرام مَضَت لم تُخْزِ أَهلًا ولم تُرِبْ من الخفِرات لا خَرُوجٌ بَذِيَّةٌ ... مُلائِمَة تَبغِي على جَارِهَا الجُنبْ ولا الجارِ ذي القُرْبَى ولم تَدْرِ ما الخنا ... ولم تزدَلِف يومًا بسُوءً ولم تحِبْ عَجِبْتُ لها إذ كُفِّنَتْ وَهْيَ حَيَّهٌ ... ألا إنَّ هذا الخَطْبَ من أعجَبِ العجَب (١) (٦/ ١١٢ - ١١٣). قال أبو جعفر: واقتصّ الواقديّ من خبر المختار بن أبي عُبَيد بعض ما ذكرْنا، فخالف فيه مَنْ ذكرنا خبره، فزعم أنّ المختار إنما أظهَر الخلاف لابن الزّبير عند قُدوم مُصعَب البَصْرة، وأنّ مُصعَبًا لما سار إليه فبلغه مسيرُه إليه بعث إليه أحمرُ بن شُميط البَجَليّ، وأمَرَه أن يواقِعَه بالمَذار، وقال: إنّ الفتح بالمَذار؛ قال: وإنما قال ذلك المختار لأنه قيل: إن رجلًا من ثَقيفَ يُفتَح عليه بالمَذار فتحٌ عظيمٌ، فظنّ أنه هو، وإنما كان ذلك للحجّاج بن يوسفَ في قتاله عبَد الرّحمن بن الأشعث، وأمر مصعبٌ صاحبَ مقدّمته عَبّاد الحَبَطيّ أن يسير إلى جَمْع المُختار فتقدّم وتقدّم معه عُبيدُ الله بنُ عليّ بن أبي طالب، ونزل مصعب، نهر البصريِّين على شطّ الفرات، وحَفَرَ هُنالك نهرًا فسُمِّيَ نهر البصريِّين من أجل ذلك، قال: وخرج المختارُ في عشرين ألفًا حتى وقف بإزائهم وزحف مصعبٌ ومَن معه، فوافَوْه مع الليل على تعبية، فأرسل إلى أصحابه حين أمسَى: لا يَبرحنّ أحدٌ منكم موقفَه حتى يسمع مناديًا ينادي: يا محمّد، فإذا سمعتموه فاحمِلوا، فقال رجل من القوم من أصحاب المختار: هذا والله كذّاب على الله، وانحاز ومَنْ معه إلى المصعب، فأمهل المُختار حتى إذا طلع القمرُ أمَر منادِيًا، فنادى: يا محمد؛ ثمّ حَمَلوا على مُصعَب وأصحابه فهزَموهم. فأدخلوه عسكرَه، فلم يزالوا يقاتلونهم حتى أصبحوا وأصبحَ المختارَ وليس عنده أحد، وإذا أصحابُه قد وَغَلوا في أصحاب مصعب، فانصرف المختارُ منهزمًا حتى دخل قصر الكوفة، فجاء أصحابُ المختار حين أصبحوا، فوقَفوا مَلِيًّا، فلم يروا المختار، فقالوا: قد قُتِل، فَهَرب منهم مَن أطاقَ الهَرَب، واختَفَوْا في دُور

стр. 4699

الكوفة، وتوجّه منهم نحوَ القصر ثمانية آلاف لم يَجِدوا مَنْ يقاتل بهم، ووجدوا المختارَ في القَصْر، فدخَلوا معه، وكان أصحاب المختار، قتلوا في تلك الليلة من أصحابِ مصعب بشرًا كثيرًا، فيهم محمد بنُ الأشعث، وأقبل مُصعبٌ حينَ أصبح حتى أحاط بالقصر، فأقام مصعبٌ يُحاصِره أربعةَ أشهُر يَخرُج إليهم في كلّ يوم فيقاتلهم في سوق الكوفة من وجه واحد، ولا يُقدَر عليه حتى قتِل المختار، فلما قُتِل المختار بعث من في القصر يَطلب الأمان، فأبى مصعب حتى نزلوا على حُكْمه، فلما نزلوا على حُكْمه قتل من العرب سبعمئة أو نحو ذلك، وسائرُهم من العَجم؛ قال: فلما خرجوا أراد مُصعَب أن يَقتُل العجم ويتركَ العَرَب، فكلمه من معه، فقالوا: أيّ دِينٍ هذا؟ وكيف ترجو النصرَ وأنت تَقتلُ العَجَم وتَترُك العَرَب ودِينُهم واحد! فقدَّمهم فضرَبَ أعناقَهم (١). (٦/ ١١٤ - ١١٦). قال أبو جعفر: وحدّثني عمرُ بن شَبّة، قال: حدّثنا عليّ بن محمد، قال: لما قُتِل المختار شاور مصعبٌ أصحابَه في المحصورين الذين نزلوا على حكمه، فقال عبدُ الرحمن بنُ محمد بن الأشعث ومحمد بن عبد الرحمن بن سعيد بن قيس وأشباهُهم ممّن وَترهم المُختار: اقتُلهم، وضَجّت ضَبّة، وقالوا: دَمُ مُنذِر بن حسان؛ فقال عبيد الله بن الحُرّ: أيّها الأمير، ادفعْ كلَّ رجل في يديك إلى عشيرته تمنّ عليهم بهم، فإنهم إن كانوا قتَلونا فقد قتَلناهم، ولا غِنى بنا عنهم في ثغورنا، وادفع عبيدَنا الذين في يديك إلى مواليهم فإنهم لأيتامنا وأرامِلنا وضُعفائنا، يردّونهم إلى أعمالهم، واقتل هؤلاء الموالي، فإنهم قد بدا كفرُهم، وعظُم كِبرُهم، وقلّ شُكرُهم. فَضَحِك مُصعَب وقال للأحنف: ما ترَى يا أبا بَحْر؟ قال: قد أرادني زيادٌ فعَصيْته - يعرَّض بهم - فأمرَ مصعب القوم جميعًا فقُتِلوا، وكانوا ستة آلاف، فقال عُقْبة الأسَديّ: قَتلتمْ ستَّةَ الآلافِ صَبْرًا ... مع العَهْد الموثَّقِ مكتَفِينَا جعلتمْ ذِمّة الحَبطِيّ جسْرًا ... ذَلولًا ظَهرُهُ لِلواطِئينَا وما كانوا غَداةَ دُعُوا فغُرُّوا ... بَعْهدهِمُ بأَوَّلِ حائِنِينَا وكنتُ أَمرتُهمْ لو طاوَعُوني ... بضَرْب في الأَزِقّة مُصلتِيَنا

стр. 4700

وقُتِل المختارُ - فيما قيل - وهو ابنُ سبع وستين سنة لأربع عشرةَ خَلَتْ من شهر رمضان في سنة سبع وستين. فلما فَرَغ مصعب من أمر المختار وأصحابه، وصار إليه إبراهيم بنُ الأشتر وجّه المهلب بن أبي صُفْرة على المَوْصِل والجزيرة وأذَرْبيجان وأرْمِينيَةَ وأقام بالكوفة. (٦/ ١١٦). خبر عزل عبد الله بن الزبير أخاه المصعب وفي هذه السنة عزل عبدُ الله بن الزبير أخاه مصعبُ بن الزّبير عن البصرة، وبَعَث بابنه حمزةَ بن عبد الله إليها، فاختُلِف في سبب عزله إيّاه عنها، وكيف كان الأمر في ذلك. فقال بعضُهم في ذلك ما حدّثني به عمر، قال: حدّثني عليّ بن محمد قال: لم يزل المُصْعب على البَصرة حتى سار منها إلى المختار، واستَخلف على البصرة عُبيد الله بن مَعمر. فقُتِل المختار، ثمّ وفد إلى عبد الله بنِ الزبير فعزله وحبسه عنده، واعتَذَر إليه من عَزْله، وقال: واللهِ إني لأعلم أنّك أحرَى وأكفى من حَمزةَ، ولكني رأيتُ فيه رأي عثمانَ في عبد الله بنِ عامر حين عَزَل أبا موسى الأشعريّ وولّاه. (٦/ ١١٧). حدّثني عمرُ، قال: حدّثني عليّ بن محمد، قال: قَدِم حمزةُ البَصرة واليًا، وكان جوادًا سَخِيًّا مخلًّا، يجود أحيانًا حتى لا يَدَع شيئًا يملِكه، ويمنع أحيانًا ما لا يمنع مِثلُه، فظهرتْ منه بالبَصرة خِفّة، وضعف، فيقال: إنه ركب يومًا إلى فَيْض البَصْرة، فلما رآه قال: إنّ هذا الغدير إن رَفقُوا به ليكفينّهم صَيْفَهم، فلما كان بعد ذلك ركب إليه فوافقهُ جازرًا، فقال: قد رأيت هذا ذاتَ يوم، وظننت أن لن يكفيَهم، فقال له الأحنف: إنّ هذا ماءٌ يأتينا ثمّ يَغيض عنّا، وشخص إلى الأهواز، فلما رأى جبَلَها قال: هذا قُعَيْقِعان - لموضع بمكة - فسُمِّي الجبلُ قُعَيْقعانِ، وبعث إلى مَرْدَانْشَاه فاستحثّه بالخراج، فأبطأ به، فقام إليه بسَيْفه فضربه فقتله، فقال الأحنف: ما أحدّ سيفَ الأمير! (٦/ ١١٧).

стр. 4701

حدّثني عمرُ، قال: حدّثني عليّ بنُ محمد، قال: لما خَلّط حمزةُ بالبصرة وظهر منه ما ظهر، وهَمَّ بعبد العزيز بن بِشْر أن يضربَه؛ كتب الأحنف إلى ابن الزبير بذلك، وسأله أن يعيد مُصعبًا، قال: وحمزة الذي عقد لعبد الله بن عُمير الليثيّ على قتال النّجدية بالبَحْرين. (٦/ ١١٧). حدّثني عمرُ، قال: حدّثنا عليّ بن محمد، قال: لما عزل ابن الزّبير حمزةَ احتَمَل مالًا كثيرًا من مال البصرة، فعَرَض له مالكُ بن مِسْمَع، فقال: لا ندعك تَخرج بأعْطياتِنا، فضمِن له عُبيدُ الله بنُ عُبيدِ بنِ مَعمرَ العطاءَ، فكَفّ، وشخص حمزةُ بالمال، فترك أباه وأتى المدينة، فأودَع ذلك المال رجالًا، فذَهبوا به إلّا يهوديًّا كان أودَعه فوَفَى له، وعَلِم ابنُ الزّبير بما صنع، فقال: أبعَده الله! أردتُ أن أباهيَ به بني مَرْوان فنَكَص. (٦/ ١١٨). وأمّا هشام بنُ محمد فإنه ذكر عن أبي مخنف في أمر مُصعَب وعزلِ أخيه إيّاه عن البَصْرة ورَدِّه إياه إليها غَيرَ هذه القصَّة، والذِي ذكر من ذلك عنه في سياق خبر حُدّثتُ به عنه، عن أبي المُخارِقِ الرّاسبيّ، أنّ مُصعَبًا لما ظَهَر على الكُوفة أقامَ بها سنة معزولًا عن البصرة، عزله عنها عبدُ الله، وبعث ابنَه حمزَة، فمَكَث بذلك سنة؛ ثمّ إنه وَفد على أخيه عبد الله بمكة، فردّه على البَصْرة. وقيل: إنّ مصعبًا لما فرغ من أمرِ المُختار انصَرَف إلى البصرة وولّى الكوفةَ الحارث بنَ عبد الله بن أبي ربيعة، قال: وقال محمد بنُ عمر: لما قتل مُصعبٌ المختارَ ملكَ الكوفة والبصرة (١). (٦/ ١١٨). وحَجّ بالناس في هذه السنة عبد لله بنُ الزّبير، وكان عامِلَه على الكُوفة مصعبٌ، وقد ذكرتُ اختلاف أهلِ السيَر في العامل على البصرة. وكان على قضاء الكُوفة عبدُ الله بن عُتبةَ بن مسعود، وعلى قَضاء البَصْرة هِشامُ بنُ هُبيرة، وبالشام عبدُ الملك بن مَرْوان. وكان على خُراسان عبد الله بنُ خازم السُّلميّ. (٦/ ١١٨).

стр. 4702

ثم دخلت سنة ثمان وستين ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأمور الجليلة فمن ذلك ما كان من ردّ عبد الله أخاه مُصعَبًا إلى العراق أميرًا، وقد ذكرْنا السبب في ردّ عبد الله أخاه مُصعبًا إلى العراق أمِيرًا بعد عزله إياه، ولما ردّه عليها أميرًا بعث مصعبٌ الحارثَ بنَ أبي ربيعة على الكُوفة أميرًا، وذلك أنه بدأ بالبصرة مَرجِعَه إلى العراق أميرًا بَعد العزل، فصار إليها. ذكر الخبر عن رجوع الأَزارقة من فارس إلى العراق وفي هذه السنة كان مَرجِعُ الأزارقة من فارسَ إلى العِراقِ حتى صاروا إلى قرب الكوفة، ودخلوا المَدائن. * ذكر الخبر عن أمرِهم ومسيرهم ومَرجِعهم إلى العِراق: ذكر هشامٌ، عن أبي مخنَف، قال: حدّثني أبو المخارق الراسبيّ، أنّ مُصْعبًا وجّه عمرَ بنَ عُبيد الله بن مَعمرَ على فارسَ أميرًا، وكانت الأزارِقةَ لحقت بفارسَ وكرمانَ ونواحي أصبْهَان بعدما أوقَع بهم المهلب بالأهْواز، فلما شخص المهلَّبُ عن ذلك الوجه ووُجِّه إلى المَوْصل ونواحيها عاملًا عليها، وعمر بن عبيد الله بن معمر على فارسَ. انحطّت الأزارقةُ مع الزّبير بن الماحوز على عُمَر بن عبيد الله بفارسَ، فلقيَهم بسَابورَ. فقاتلَهَم قتالًا شديدًا، ثم إنه ظَفر بهم ظَفرًا بيّنًا، غيرَ أنه لم يكن بينهم كثير قَتْلَى، وذهبوا كأنهم على حاميَة، وقد تركوا على ذلك المَعرَكة (١). (٦/ ١١٩). قال أبو مخَنف: فحدّثني شيخٌ للحيِّ بالبَصْرِة، قال: إني لأسمعُ قراءةَ كتاب عمرَ بن عبيد الله: بسم الله الرّحمن الرّحيم، أما بعد: فإني أخبرُ الأميرَ أصلَحه الله أني لقيتُ الأزارقة التي مَرَقَتْ من الدّين واتبعتْ أهواءها بغيرِ هُدىً من الله، فقاتلتُهم

стр. 4703

بالمسلمين ساعةً من النهار أشدَّ القتال، ثمِّ إنّ الله ضرب وُجوهَهم وأدبارَهم، ومنحنا أكتافَهم، فقتل اللهُ منهم مَن خابَ وخسِر، وكلٌّ إلى خُسْران، فكتبتُ إلى الأمير كتابي هذا وأنا على ظَهْر فرَسي في طلب القوم، أرجُو أن يَجُذَّهم الله إن شاء الله، والسلام. ثم إنّه تَبِعهم ومضَوا من فورهم ذلك حتَّى نزلوا إِصْطَخْرَ، فسار إليهم حتَّى لقيَهم على قنطرة طَمَستانَ، فقاتلهم قتالًا شديدًا، وقُتل ابنُه. ثمّ إنه ظَفِر بهم، فَقَطعوا قنطرةً طَمَستْانَ، وارتفعوا إلى نحو من أصبهان وكرْمان، فأقاموا بها حتَّى اجْتَبروا وقَووْا، واستعدّوا وكَثُروا، ثمّ أقبَلوا حتّى مرّوا بفارسَ وبها عمرُ بنُ عُبيد الله بن مَعمر، فَقطعُوا أرضَه من غير الوَجْه الَّذي كان فيه أخذوا على سابور، ثمّ خرجوا على أرَّجانَ، فلمَّا رأى عمرُ بن عُبيد الله أنْ قد قطعت الخوراج أرضَه متوجِّهة إلى البَصْرة خشيَ ألّا يحتمِلها له مُصعَب بنُ الزبير، فشمَّر في آثارهم مُسرِعًا حتى أتى أرَّجان، فوجدهم حين خرجوا منها متوجهين قِبَل الأهواز، وبلَغ مُصعبًا إقبالُهم، فخَرج فعسكر بالناس بالجِسر الأكبر، وقال: والله ما أدري ما الَّذِي أغنَى عنّي أنْ وضعتُ عمرَ بن عُبيد الله بفارسَ، وجعلتُ معهُ جُندًا أجرِي عليهم أرزاقَهم في كلّ شهر، وأوَفِّيهم أعطياتِهم في كل سنة، وآمُرُ لهم من المَعاوِن في كلّ سنة بمثلِ الأعْطيات، تَقطَع أرضَه الخوارج إليّ! وقد قطعتُ علَّته فأمددتُه بالرّجال وقوّيتُهم والله لو قاتَلهم ثم فرّ كان أعذَرَ له عندي، وإن كان الفارّ غيرَ مقبولِ العذر، ولا كريم الفعل. وأقبلت الخوارجُ وعليهم الزبيرُ بن الماحُوز حتَّى نزلوا الأهواز، فأتتْهم عيونهم أن عمر بن عُبيد الله في أثرهم، وأنّ مصَعب بن الزّبير قد خرج من البصْرة إليهم، فقام فيهم الزُّبيرُ فحَمِد الله وأثنَى عليه ثمّ قال: أمَّا بعد، فإنّ من سوء الرأي والحيرة وقُوعُكم فيما بين هاتَيْن الشَّوْكَتين، انْهضوا بنا إلى عدُوّنا نَلقَهم من وجه واحد، فسار بهم حتَّى قطع بهم أرضَ جُوخَى، ثمّ أخذ على النَّهْرَوانات، ثمِّ لزم شاطى دِجْلة حتى خرج على المدائن، وبها كرْدَم بنُ مَرثَد بن نجبَة الفزَارِيّ، فشنّوا الغارَة على أهل المَدائن، يُقتّلون الوِلدان والنساءَ والرّجال، ويبقُرون الحَبَالى، وهرب كردم، فأقبلوا إلى ساباطَ فوضعوا أسيافَهم في النَّاس، فقتَلوا أمّ ولد لربيعة بن ماجد، وقتلوا بُنانة ابنة أبي يزيد بن عاصم

стр. 4704

الأزديّ، وكانت قد قرأت القرآن، وكانت من أجملِ النَّاس، فلمَّا غشوها بالسيوف قالت: ويْحَكُم! هل سمعتم بأنّ الرجال كانوا يُقتَلون النساء! ويْحَكم! تَقتلون من لا يبسط إليكم يدًا، ولا يريدُ بكم ضَرًّا، ولا يَملِك لنفسِه نَفعًا! أتقتلون من يُنشَّأ في الحِلْية وهو في الخِصام غيرُ مُبين! فقال بعضُهم: اقتلُوها. وقال رجل منهم: لو أنكم تركتموها! فقال بعضهُم: أعَجَبك جمالها يا عدوّ الله! قد كفرت وافتَتَنْت، فانصرف الآخرُ عنهم وتركَهم، فظننَّا أنَّه فارَقَهم، وحملوا عليها فقتلوها، فقالت رَيْطةُ بنتُ يزيدُ: سبحان الله! أتروْن اللهَ يَرضى بما تَصْنَعون! تَقتُلون النساء والصّبيان ومَن لم يُذنب إليكم ذَنْبًا! ثمّ انصرفتْ وحملوا عليها وبين يديهِا الرُّواع بنتُ إياس بن شُرَيح الهَمْدانيّ، وهي ابنة أخيها لأمّها، فحَمَلوا عليها فضَرَبُوَها على رأسِها بالسيف، ويصيب ذُبابُ السيفِ رأسِ الرّوَاعِ فسقطتا جميعًا إلى الأرض، وقاتلهم إياسُ بن شُرَيح ساعةً، ثمّ صُرع فوَقع بين القتَلى، فنزَعوا عنه وهم يرَون أنَّهم قد قَتَلوه، وصُرع منهم رجل من بَكر بن وائل يقال له: رَزِين بن المتوكِّل. فلمَّا انصرَفوا عنهم لم يَمت غيرُ بُنانة بنت أبي يزيد، وأمّ ولد ربيعة بن ناجد، وأفاقَ سائرُهم، فسقَى بعضُهم بعضًا من الماء، وعصبوا جراحاتِهم ثم استأجرُوا دوابّ، ثمّ أقبلوا نحوَ الكوفة (١). (٦/ ١١٩ - ١٢١). قال أبو مخْنَف: فحدّثتْني الرّواع ابنةُ إياس، قالت: ما رأيتُ رجلًا قطّ كان أجبن من رجل كان معنا وكانت معه ابنتُه، فلمَّا غُشِينا ألقَاها إلينا وهرب عنها وعنّا ولا رأينا رجلًا قطُ كانَ أكرم من رجل كان معنا، ما نعرِفه ولا يَعرِفنا، لمَّا غُشِينا قاتَل دونَنا حتَّى صُرع بيننا، وهو رُزين بنُ المتوكّل البَكْريّ، وكان بعد ذلك يزورُنا ويُواصِلنا، ثمّ إنَّه هلك في إمارة الحَجَّاج، فكانت وَرَثَتَه الأعرابُ، وكان من العِباد الصالحين (٢). (٦/ ١٢١ - ١٢٢). قال هشام بنُ محمَّد - وذكره عن أبي مخنَف - قال: حدّثني أبي، عن عمِّه أنّ مُصعَب بن الزّبير كان بعث أبا بكر بن مِخنَف على إِسْتان العال، فلمَّا قَدِم

стр. 4705

الحارثُ بن أبي ربيعة أقصاه، ثم أقرَّه بعد ذلك على عَملِه السَّنة الثانية، فلمَّا قَدِمت الخوارجُ المدائِنَ سرَّحوا إليه عصابةً منهم، عليها صالحُ بنُ مِخراق، فلقِيَه بالكرخ فقاتَله ساعةً، ثم تَنازَلوا فنَزل أبو بكر ونزَلت الخَوارج، فقُتل أبو بكر ويَسار مولاه وعبدُ الرّحمن بنُ أبي جِعال، ورجل من قومه، وانْهَزَم سائرُ أصحابه، فقال سُرَاقَةُ بنُ مِرْداس البارقيّ في بطنٍ مِنَ الأزْد: ألا يا لقَومي للهُمومِ الطَّوارِق ... وللحَدَث الجائي بإِحدَى الصَّفائِق ومَقْتَل غِطْريفٍ كريمٍ نِجارُهُ ... من المُقْدِمين الذّائدِين الأَصادِقِ أَتاني دُوَيْن الخَيْف قتلُ ابن مِخنَفٍ ... وقد غَوَّرَتْ أولى النُّجوم الخَوافِقِ فقُلتُ: تَلَقَّاكَ الإِلهُ برحمةٍ ... وصلَّى عليكَ اللهُ ربُّ المَشارِقِ لحا الله قومًا عَرَّدُوا عنكَ بُكرةً ... ولم يَصبرُوا للّامِعاتِ البَوارقِ تولَّوْا فأَجْلَوا بالضُّحَى عن زَعِيمِنا ... وسَيِّدِنا في المأْزِقِ المُتَضايق فأَنت مَتى ما جِئتَنا في بُيوتنَا ... سمِعْتَ عَويلًا مِنْ عَوانٍ وعَاتِقِ يُبَكِّينَ محمودَ الضَّرِيبة ماجدًا ... صبورًا لدى الهَيجاءِ عندَ الحقائق لقد أصبَحتْ نفسِي لذاكَ حَزِينةً ... وشابتْ لِمَا حمّلتُ منه مفارقي (١) (٦/ ١٢٢ - ١٢٣) قال أبو مِخنفَ: فحدّثني حَدْرة بن عبدِ الله الأزْديّ، والنَّضر بنُ صالح العَبْسيّ، وفضيل بن خَديج، كلهم أخبرنيه أن الحارث بن أبي ربيعة [الملقب بالقُباع] أتاه أهلُ الكوفة، فصاحوا إليه وقالوا له: اخرُج فإنّ هذا عدوّ لنا قد أظَلّ علينا ليست له تقيَّة، فخرج وهو يكدّ كدًّا حتَّى نزل النُّخيلة فأقَامَ بها أيَّامًا، فَوَثب إليه إبراهيمُ بنُ الأشتر، فحَمِد الله وأثنَى عليه ثمّ قال: أمَّا بعد، فإنَّه سار إلينا عدوّ ليست له تقيَّة يَقتل الرجل والمرأة والمولود، ويُخِيف السَّبيل، ويُخرّب البلادَ، فانْهض بنا إليه، فَاؤْمُر بالرّحيل، فخرَج فنزل دَير عبدِ الرحمن، فأقام فيه حتَّى دخل إليه شَبَث بن رِبْعيّ، فكلَّمه بنحو ممَّا كلَّمه به ابنُ الأشتر، فارتحل ولم يكدّ، فلمَّا رأى الناسُ بُطْء سَيْره رَجزوا به فقالوا: سَار بنا القُبَاعُ سَيْرًا نُكْرَا ... يَسِيرُ يومًا ويُقِيمُ شَهْرَا

стр. 4706

فأشخصوه من ذلك المكان، فكلَّما نزل بهم منزلًا أقامَ بهم حتَّى يضجَّ الناسُ به من ذلك، ويَصيحوا به حول فُسْطاطه، فلم يَبلُغ الصَّراةَ إلا في بِضعةَ عشرَ يومًا، فأتى الصّراةَ وقد انتهى إليها طَلائعُ العَدُوّ وأوائلُ الخُيول، فلما أتتْهم العيونُ بأنَّه قد أتاهم جماعةُ أهلِ المِصر قَطعوا الجِسْر بينهم وبينَ النَّاس، وأخذ الناسُ يَرتَجزون: إنّ القُباعَ سارَ سَيْرًا مَلْسَا ... بينَ دَبِيرَى ودَبَاهَا خَمْسَا (١) (٦/ ١٢٣) قال أبو مخنف: وحدّثني يونسُ بن أبي إسحاق، عن أبيه أنّ رجلًا من السَّبيع كان به لَمَم، وكان بقرية يقال لها جَوْبَر عند الخرّارة، وكان يُدعَى سِمَاكَ بنَ يزيد، فأتت الخوارجُ قريتَهُ فأخَذوه وأخذُوا ابنتَه، فقدّموا ابنتَه فقتلُوها، وزعم لي أبو الرّبيع السَّلوليّ أنّ اسم ابنته أمّ يزيد، وأنَّها كانت تقول لهم: يا أهلَ الإسلام، إن أبي مُصاب فلا تَقتُلوه، وأمَّا أنا فإنَّما أنا جارية، والله ما أتيتُ فاحشةً قطّ، ولا آذَيتُ جارة لي قطّ، ولا تطلَّعتُ ولا تشرّفْتُ قط، فقدَّموها ليقتلوها، فأخذتْ تُنادي: ما ذَنْبي ما ذَنْبي! ثم سقطتْ مَغشيًّا عليها أو مَيتَة ثم قطَّعوها بأسيافهم، قال أبو الرّبيع: حدّثتْني بهذا الحديث ظِئرٌ لها نصْرَانيَّةٌ من أهل الخَوَرْنَق كانت معها حين قُتلتْ (٢). (٦/ ١٢٣ - ١٢٤). قال أبو مخنف: حدّثني يونسُ بنُ أبي إسحاق، عن أبيه، أنّ الأزارقة جاءت بِسِماك بن يزيد معهم حتَّى أشرَفوا على الصَّراة، قال: فاستقبل عسكرَنا، فرأى جماعة الناس وكثرتهم، فأخَذ ينادِينا ويَرفَع صوتَه: اعبرُوا إليهم فإنَّهم فَلٌّ خبيث، فضربوا عند ذلك عُنقَه وصَلبوه ونحن نَنظُر إليه، قال: فلمَّا كان الليلُ عبرتُ إليه وأنا رجل من الحيّ. فأنزَلْناه فدَفَنَّاه (٣). (٦/ ١٢٤). قال أبو مخنف: حدّثني أبي أنّ إبراهيمَ بنَ الأشتر قال للحارث بن أبي ربيعة: اندب معي الناسَ حتَّى أعبر إلى هؤلاء الأكلُب، فأجيئَك برؤوسِهم الساعَة؛ فقال

стр. 4707

شَبَث بن رِبْعيّ وأسماءُ بنُ خارجة ويزيدُ بن الحارث ومحمَّد بن الحارث ومحمَّد بن عُمَير: أصلحَ الله الأمير! دَعْهم فليذْهبوا، لا تَبدأهم؛ قال: وكأنَّهم حَسَدوا إبراهيمَ بنَ الأشتر (١). (٦/ ١٢٤). قال أبو مِخنَف: وحدّثني حَصِيرةُ بن عبدِ الله وأبو زهير العَبْسيّ أنّ الأزارقةَ لما انتهوا إلى جِسْر الصّراة فرأوْا أنّ جماعة أهلِ المِصر قد خرجوا إليهم، قطعوا الجِسرَ واغَتَنم ذلك الحارث، فتحبَّس، ثم إنَّه جلس للناس فَحَمِد الله وأثنَى عليه، ثمّ قال: أمَّا بعد، فإنّ أوّل القِتال الرّمِيَّا بالنّبل، ثمّ إشراع الرّماح، ثمّ الطعن بها شَزْرًا؛ ثمّ السَّلّة آخر ذلك كلّه. قال: فقام إليه رجل فقال: قد أحسَن الأمير أصلَحه الله الصّفة، ولكنْ حتَّام نَصْنع هذا وهذا البحر بيننا وبين عدوّنا! مُرْ بهذا الجِسْر فليُعَدْ كما كان، ثم اعبُرْ بنا إليهم، فإنّ الله سيريك فيهم ما تُحبّه، فأمر بالجسر فأعيدَ، ثم عبر الناسُ إليهم فطاروا حتَّى انتَهوْا إلى المَدائن، وجاء المسلمون حتَّى انتَهوا إلى المدائن، وجاءت خيل لهم فطاردت خيلًا للمسلمين طَرْدًا ضَعِيفًا عند الجِسْر، ثمّ إنَّهم خرجوا منها فأتبعهم الحارثُ بنُ أبي رَبيعةَ عبدَ الرحمن بنَ مِخنَف في ستَّة آلاف ليُخرجهم من أرض الكوفة، فإذا وَقَعوا في أرضِ البصرة خَلّاهم فأتبعهم حتَّى إذا خَرَجوا من أرضِ الكوفة ووقعوا إلى أصبهان انصرف عنهم ولم يقاتلهم، ولم يكن بينه وبينهم قِتال، ومضوا حتَّى نزلوا بعَتَّاب بن وَرْقَاء بحَيّ، فأقاموا عليه وحاصروه، فخرج إليهم فقاتلهم فلم يُطِقهم، وشَدّوا على أَصحابه حتَّى دخلوا المدينة، وكانت أصبهان يومئذ طُعْمةً لإسماعيل بن طَلحة من مُصعَب بن الزبير، فبعث عليها عتَّابًا، فصَبَر لهم عتَّاب، وأخَذ يخرج إليهم في كلّ يوم فيُقاتِلهم على باب المدينة، ويَرْمُون من السور بالنَّبْل والنشّاب والحِجَارة، وكان مع عتّاب رجل من حَضرموت يقال له أبو هُرَيرة بنُ شريح، فكان يَخرُج مع عتَّاب، وكان شجاعًا، فكان يَحمِل عليهم ويقول: كيف تروْن يا كِلَابَ النَّارِ ... شَدَّ أبي هُرَيْرَةَ الهَرَّارِ يهِرُّكم باللَّيلِ والنهارِ ... يا بن أبي الماحوزِ والأَشرارِ كيف تُرَى جَيَّ على المِضْمارِ!

стр. 4708

فلمَّا طال ذلك على الخوارج من قوله كَمن له رجل من الخَوارج يظنون أنَّه عبَيدة بن هلال، فخرج ذات يوم فصنع كما كان يصنع، ويقول كما كان يقول: إذ حَمَل عليه عبَيدة بنُ هلال فضرَبه بالسيف ضربة على حبل عاتقِه فصرعه، وحَمَل أصحابُه عليه فاحتملوه فأدخَلوه وداوَوْه، وأخذَت الأزارقةُ بعد ذلك تُناديهم يقولون: يا أعداءَ الله، ما فَعَل أبو هُرَيرة الهرّار؟ فينادونهم: يا أعداء الله، والله ما عليه من بأس، ولم يلَبَث أبو هُريرة أن بَرِئَ، ثمّ خرج عليهم بعدُ، فأخذوا يقولون: يا عدوَّ الله، أما والله لقد رجونا أن نكون قد أزَرْناكَ أمَّك؛ فقال لهم: يا فسَّاق، ما ذكركم أميّ! فأخذوا يقولون: إنه ليغضب لأمّه وهو آتيها عاجلًا، فقال له أصحابُه: وَيْحك! إنَّما يَعنُون النَّارَ، فَفطِن فقال: يا أعداء الله، ما أعقَّكم بأمّكم حين تنتفون منها! إنَّما تلك أمكم، وإليها مَصيرُكم. ثمّ إنّ الخوارجَ أقامت عليهم أشهرًا حتى هلك كُراعُهم، ونفِدَت أطعمتُهم، واشتدّ عليهم الحِصار، وأصابهم الجَهْد الشديد، فدعاهم عتَّاب بنُ ورقاء فحَمِد الله وأثنى عليه ثمّ قال: أمَّا بعد أيَّها الناس، فإنه قد أصابكم من الجُهَد ما قد تَرَون، فوالله إن بقي إلا أن يموتَ أحدُكم على فِراشه فيجئَ أخوه فيَدِفنه إن استطاع؛ وبالحَري أن يَضعُف عن ذلك، ثمّ يموت هو فلا يجد من يَدفنه، ولا يصلّي عليه، فاتَّقوا الله، فو الله ما أنتم بالقليلِ الَّذين تهُون شوكتُهم على عدوّهم، وإنّ فيكم لَفُرسانُ أهلى المِصْر، وإنَّكم لصُلحاءُ، من أنتم منه! اخرجوا بنا إلى هؤلاء القوم وبكم حيَاة وقوَّة قبلَ ألّا يستطيع رجل منكم أن يمشي إلى عدوّه من الجَهْد، وقبلَ أَلّا يستطيعَ رجلٌ أن يمتنع من امرأة لو جاءته، فقَاتلَ رجل عن نفسه وصبر وصدق، فوالله إني لأرجو إنْ صَدقتموه أن يُظفركم الله بهم، وأن يُظهِركم عليهم، فناداه الناسُ من كل جانب: وُفِّقتَ وأصبتَ، اخرُج بنا إليهم، فجمع إليه الناس من الليل، فأمرَ لهم بعَشاء كثير، فعَشِيَ الناسُ عنده؛ ثم إنَّه خرج بهم حين أصبح على راياتهم، فصبَّحهم في عسكرهم وهم آمِنون من أن يُؤتوا في عسكرهم، فشَدّوا عليهم في جانبه، فضارَبوهم فأخلوا عن وجه العسكر حتَّى انتَهوا إلى الزّبير بن الماحوز، فنزل في عِصابة من أصحابه فقاتَل حتى قُتِلَ، وانحازت الأزارقةُ إلى قَطَريّ، فبايعوه، وجاء عَتَّاب حتَّى دخل مدينتَه، وقد أصاب من عسكرهم ما شاء، وجاء قَطريّ في أثره كأنه يريد أن

стр. 4709

يقاتله، فجاء حتى نزل في عسكر الزّبير بن الماحُوز، فتزعم الخوارجُ أنّ عيْنًا لقَطَريّ جاءه فقال: سمعتُ عتَّابًا يقول: إنّ هؤلاء القومَ إنْ رَكِبوا بَناتِ شحَّاجِ، وقادُوا بَناتِ صهَّال، ونزلوا اليوم أرضًا وغدًا أخرى، فبالحَرِيّ أن يبقوا؛ فلمَّا بلغ ذلك قَطَريًّا خرج فذهب وخلّاهم (١). (٦/ ١٢٤ - ١٢٧). قال أبو مخنَف: قال أبو زهير العبْسيّ وكان معهم: خرجْنا إلى قَطريّ من الغد مُشاةً مُصلتين بالسيوف؛ قال: فارتحلوا والله فكان آخر العهد بهم، قال: ثمّ ذهب قطَريّ حتَّى أتى ناحية كِرْمان فأقام بها حتَّى اجتمعت إليه جموع كثيرة، وأكل الأرض واجتبى المال وقوي، ثم أقبَل حتَّى أخذ في أرض أصبهان، ثم إنَّه خرج من شِعْب ناشِط إلى أيذَج، فأقام بأرضِ الأهواز والحارث بن أبي ربيعة عامل المُصَعب بن الزبير على البصرة، فكتب إلى مصعب يُخبره أنّ الخوارجَ قد تحدّرتْ إلى الأهْواز، وأنَّه ليس لهم إلا المهلّب، فبعث إلى المهلّب وهو على المَوْصِل والجزيرة، فأمرَه بقتال الخوارجِ والمَسير إليهم، وبعث إلى عمَله إبراهيمَ بنَ الأشتر، وجاء المهلَّب حتى قدِم البصرة، وانتَخَب الناس، وسار بمن أحَبّ، ثمّ توجَّه نحو الخَوارج، وأقبَلوا إليه حتَّى التقَوا بسُولَافَ، فاقتتلوا بها ثمانيةَ أشهُر أشدّ قِتال رآه الناس، لا يُنقع بعضهم لبعض من الطَّعن والضَّرب ما يَصُدّ بعضهم عن بعض (٢). (٦/ ١٢٧). قال أبو جعفر: وفي هذه السَّنة كان القَحْطُ الشديدُ بالشام حتَّى لم يَقدِروا من شِدّته على الغَزْو. وفيها عَسكر عبدُ الملك بنُ مروانَ ببُطنانِ حَبِيب من أرضِ قنَّسْرِين، فمُطِروا بها، فَكَثُر الوحل فسمَّوْها بُطْنان الطّين، وشَتَا بها عبدُ الملك، ثمّ انصرفَ منها إلى دِمشقَ. وفيها قتل عبيد الله بن الحرّ. (٦/ ١٢٧).

стр. 4710

ذكر الخبر عن مقتل عبد الله بن الحرّ * ذكر الخبر عن مقتله والسبب الذي جرّ ذلك عليه: رَوَى أحمدُ بنُ زهير، عن عليّ بن محمَّد، عن عليّ بن مجاهد، أنّ عُبيدَ الله بن الحُرّ كان رجلًا من خِيار قومِه صَلاحًا وفضلًا، وصلاةً واجتهادًا، فلمَّا قُتل عثمانُ وهاجَ الهيْجُ بين عليّ ومعاوية، قال: أما إن الله ليعلم أني أحبّ عثمانَ، ولأنصُرنَّه ميِّتًا، فخرج إلى الشام، فكان مع معاوية، وخرج مالكُ بنُ مِسمَع إلى معاوية على مثل ذلك الرأي في العثمانيَّة، فأقام عُبيدُ الله عندَ معاوية، وشَهِد معه صِفّين، ولم يزل معه حتَّى قُتل عليّ ﵇، فلمّا قُتِل عليّ قَدِم الكوفةَ فأتى إخوانَه ومن قد خَفّ في الفتْنة، فقال لهم: يا هؤلاء، ما أرَى أحدًا ينفَعه اعتزالُه، كنَّا بالشام، فكان من أمر معاوية كَيْتَ وكَيْت، فقال له القوم: وكان من أمر عليّ كَيْت وكَيْت، فقال: يا هؤلاء، إنْ تُمكِننا الأشياء فاخلعوا عُذرَكم، واملِكوا أمرَكم، قالوا: سنلتقِي، فكانوا يلتقون على ذلك. فلما مات معاوية هاج ذلك الهيْج في فتنة ابن الزبير، قال: ما أرى قريشًا تنصِف، أين أبناءُ الحَرائر! فأتاه خَلِيعُ كلّ قبيلة، فكان معه سبعمئة فارس، فقالوا: مُرنا بأمرِك، فلمَّا هَرَب عبيدُ الله بنُ زياد ومات يَزيدُ بنُ معاوية، قال عُبيدُ الله بن الحرّ لِفتْيانه: قد بيَّن الصّبْحُ لِذي عَيْنَيْن، فإذا شئتم! فخرج إلى المَدائن فلم يَدع مالًا قُدّم من الجَبَل للسّلطان إلّا أخذه، فأخَذ منه عطاءَه وأعطية أصحابِه، ثم قال: إنّ لكم شركاءَ بالكوفة في هذا المال قد استوجَبُوه، ولكن تعجّلوا عطاءَ قابل سَلفًا، ثم كتب لصاحِب المال براءةً بما قبض من المال، ثمّ جعل يتقصَّى الكُوَر على مِثل ذلك، قال. قلت: فهل كان يتناول أموال الناس والتّجار؟ قال لي: إنَّك لغيرُ عالِم بأبي الأشْرس، والله ما كان في الأرض عَرَبيٌّ أغْيَر عَنْ حُرَّة ولا أكفَّ عن قبيح وعن شَراب منه، ولكن إنَّما وضعه عند الناس شِعْرُه، وهو من أشعر الفِتيان، فلم يَزَل على ذلك من الأمر حتَّى ظهر المُختار، وبَلَغه ما يَصنَع بالسَّواد، فأمر بامرأته أمّ سَلمة الجُعفِيّة فحُبست، وقال: والله لأقتُلنَّه أو لأقتلنّ أصحابه، فلمَّا بلغ ذلك عُبيدَ الله بنَ الحُرّ أقبلَ في فِتْيانه حتَّى دخل الكوفة لَيْلًا، فكَسَرَ بابَ السجن، وأخرَج امرأته وكلَّ امرأة ورجل كان

стр. 4711

فيه، فبعث إليه المختار من يقاتله، فقاتلهم حتَّى خرج من المِصْر، فقال حينَ أخرج امرأته من السجن: أَلم تَعْلَمي يا أمَّ تَوبَةَ أَنَّنِي ... أنَا الْفَارِسُ الحَامِي حَقَائِقَ مَذْحِج وأَنّي صبَحتُ السِّجْنَ في سوْرة الضُّحَى ... بكلِّ فَتىً حامي الذِّمار مُدَجَّجِ فما إنْ بَرِحْنَ السجن حتى بدا لنا ... جَبِين كقَرْنِ الشمس غَيْرُ مُشَنَّجِ وخدٌّ أَسِيل عن فتَاةٍ حَييَّةٍ ... إِلَينا سقاها كل دانٍ مُثَجّجِ فما العيش إلا أن أَزُورَكِ آمِنًا ... كعادتِنا من قبْل حَرْبي ومُخْرَجي وما أَنْتِ إلا همَّةُ النفس والهوى ... علَيْكِ السلامُ من خليط مُسَحّجِ وما زلتُ محْبوسًا لحبسكِ وَاجِمًا ... وإنِّي بما تَلْقَيْن من بَعْدِه شَجِ فبالله هَلْ أَبصَرْتِ مِثليَ فارِسًا ... وقد وَلجُوا في السجن من كُلّ موْلجِ! ومثلي يُحامي دون مِثلِكِ إِنَّني ... أَشُدُّ إذا ما غَمْرَة لم تفرَّجِ أضارِبهم بالسيف عَنْكِ لتَرجعِي ... إلى الأَمن والعيش الرفيعِ المُخَرفجِ إذا ما أَحاطوا بي كررتُ عليْهمُ ... كَكرِّ أبي شِبْلين في الخِيس مُحْرَج دعوتُ إليّ الشَّاكريَّ ابنَ كامل ... فوَلَّى حَثِيثًا رَكْضُهُ لم يُعَرِّجِ وإن هتَفُوا باسمي عَطَفْتُ عَلَيْهِمُ ... خُيُولَ كِرَامِ الضرب أكثرُهَا الوَجي فلا غَرْوَ إلّا قولَ سَلْمَى ظَعينَتي: ... أما أَنْتَ يا بن الحُرِّ بالمُتَحرِّجُ دَعِ القَوْمَ لا تَقْتُلهُمُ وانجُ سالمًا ... وشَمّرْ هَداكَ اللهُ بالخَيل فاخْرُج وإني لأرجُو يا بنة الخَير أَن أُرَى ... على خير أَحْوَال المُؤَمّلِ فارتجي ألا حبَّذَا قولي لأَحْمَر طَيِّئ ... ولابن خُبَيْب قد دنا الصبْح فادلج وقولي لهذا سِرْ وقَولي لذا ارتحِلْ ... وقولي لذا من بعد ذلك أَسرج وجعل يعبث بعُمّالِ المختار وأصحابِه، ووَثبتْ هَمْدان مع المختار فأحرقوا دارَه، وانتهبوا ضيْعته بالجُبّة والبُداة، فلما بلغه ذلك سار إلى مَاه إلى ضِياع عبدِ الرحمن بن سعيد بن قيس، فأنهبها وأنهب ما كان لهمْدانَ بها، ثمّ أقبل إلى السَّواد فلم يدع مالًا لهَمْدانيّ إلا أَخَذَه، ففي ذلك يقول: وما تَركَ الكذَّابُ مِنْ جُلِّ مالِنَا ... ولا الزرقُ من همَدَانَ غيرَ شريدِ أفي الحَق أن يَنْهبْ ضياعِيَ شاكرٌ ... وتأْمنَ عندي ضَيْعَة ابنِ سَعيد! أَلم تَعْلَمي يا أُمَّ توبَةَ أَنَّنِي ... على حدثان الدهر غَيْرُ بَليدِ

стр. 4712

أَشُدُّ حيازِيمي لكلّ كرِيهَةٍ ... وإني على ما ناب جدُّ جَليدِ فإن لم أُصَبِّحْ شاكرًا بكتيبَةٍ ... فعالجتُ بالكفَّين غُلَّ حَديدِ هُمُ هدموا داري وقادوا حليلتي ... إلى سِجْنِهِمْ والمسلمون شهُودي وهم أَعجلوها أن تَشُدَّ خمارَها ... فيا عَجبًا هلِ الزمان مقيدي! فما أنا بابن الحُرّ إن لم أرُعْهُمُ ... بِخَيل تعادى بالكماةِ أُسُودِ وما جَبُنَتْ خيلي ولكن حَملتُها ... على جَحْفلٍ ذي عُدةٍ وعَدِيدِ وهي طويلة. قال: وكان يأتي المَدائنَ فيمرّ بعمَّال جُوخَى فيأخذ ما معهم من الأمْوال، ثمّ يميل إلى الجَبَل، فلم يَزَل على ذلك حتَّى قُتِلَ المختار، فلما قُتِل المختار قال الناس لمصعب في ولايته الثانية: إن ابن الحُرّ شاقّ ابن زياد والمختار، ولا نأمَنهُ أن يثب بالسواد كما كان يفعل، فحبسه مُصعَب فقال ابن الحُرّ: من مُبلغُ الفِتْيَانِ أنَّ أخاهُمُ ... أَتَى دونَهُ بابٌ شَديدٌ وحاجبُهْ بمنْزلة ما كان يرْضى بمثلِهَا ... إذا قام عنّته كبولٌ تجَاوبُهْ على الساق فوق الكعب أَسْوَدُ صامتٌ ... شديدٌ يُداني خَطْوَهُ ويُقَارِبُهْ وما كان ذا من عُظم جُرْمٍ جَنيْتُهُ ... ولكن سَعى الساعي بما هُوَ كاذِبُهْ وقد كان في الأرض العرِيضَةِ مسلكٌ ... وأيُّ امرئٍ ضاقَتْ عليه مذاهِبْهُ! وفي الدهر والأيّام للمْرءِ عِبْرَةٌ ... وفيما مضى إن ناب يَوْمًا نوائبُهْ فكلَّم عُبيدُ الله قومًا من مَذحجَ أن يأتوا مُصعبًا في أمرِه، وأرسل إلى وجوههم، فقال: ائتوا مصعبًا فكلموه في أمري ذاته، فإنَّه حبَسَني على غير جُرْم، سعى بي قومٌ كذبةٌ وخَوّفُوه ما لم أكن لأفعله، وما لم يكن من شأني، وأرسل إلى فتيان من مَذْحج وقال: البَسوا السلاح، وخُذُوا عدّة القتال، فقد أرسلتُ قومًا إلى مُصعب يكلمونه في أمري، فأقيِموا بالباب، فإن خرج القومُ وقد شفّعهم فلا تَعرِضوا لأحد، ولْيَكُنْ سلاحُكم مكفَّرًا بالثياب، فجاء قوم من مَذحِج فدخلوا على مُصعب فكلموه، فشفّعهم، فأطلقَه، وكان ابنُ الحُرّ قال لأصحابه: إن خرجوا ولم يشفّعهم فكابروا السجن فإني أعينكم من دَاخل، فلما خرج ابنُ الحُرّ قال لهم: أظهِروا السلَاح، فأظهَروه، ومضى لم يَعرِض له أحد، فأتَى منزلَه، وندم مصعب على إخراجهِ، فأظهر ابنُ الحُرّ الخلاف، وأتاه الناسُ

стр. 4713

يهنِّئونه، فقال: هذا الأمر لا يصلح إلا لمثل خُلفائكم الماضين، وما نَرَى لهم فينا نِدًّا ولا شبيهًا فنُلقِي إليه أزمَّتنا، ونمحّضه نصيحتنا، فإن كان إنَّما هو مَنْ عزَّ بزّ فعَلامَ نَعقد لهم في أعناقنا بَيعةً، وليسوا بأشجَعَ منَّا لقاءً، ولا أعظم منَّا غناء! وقد عَهد إلينا رسول الله - صلي الله عليه وسلم -: ألّا طاعةَ لمخلوق في معصيةِ الخالق، وما رأيْنَا بعدَ الأربعة الماضين إمامًا صالحًا، ولا وزيرًا تقيًّا، كلهم عاصٍ مخالِف، قويّ الدنيا، ضعيفُ الآخرة، فعلام تُستحَلّ حرمتنا، ونحن أصحاب النَّخيلة والقادسيَّة وجَلولاء ونِهاوَند! نَلقَى الأسنَّة بنُحورنا والسيوفَ بِجباهِنا، ثم لا يعرف لنا حقّنا وفضلنا؛ فقاتلوا عن حرِيمكم، فأيّ الأمرِ ما كان فلَكُم فيه الفضل، وإني قد قلبت ظهر المِجَنّ، وأظهرتُ لهم العداوة، ولا قوّة إلّا بالله، وحاربهم فأغار فأرسل إليه مصعبٌ سيفَ بن هانئ المُراديّ، فقال له: إنّ مصعبًا يُعطِيك خراج بادوريا على أن تُبايع وتدخل في طاعته؛ قال: أوَليسَ لي خَراجُ بادوريا وغيرها! لست قابلًا شيئًا، ولا آمَنُهم على شيء، ولكني أراك يا فتى - وسيفٌ يومئذ حدَثٌ - حَدثًا، فهل لك أن تَتْبَعني وأموّلك! فأبى عليه، فقال ابن الحُرّ حين خرج من الحَبْس: لا كُوفَةٌ أمِّي ولا بَصْرَةٌ أبي ... ولا أنا يثنِيِني عن الرحْلَة الكَسَلْ - قال أبو الحسن: يُروَى هذا البيتَ لسُحَيْم بن وثيل الرَّياحيّ - فلا تحْسَبَنّي ابنَ الزُّبَيْرِ كَناعِسٍ ... إذا حَلَّ أغْفَى أو يقال لَهُ ارتحِلْ فإِنْ لم أُزِرْك الخَيلَ تَردِي عوابِسًا ... بفُرْسانِها لا أُدْعَ بالحازِمِ البَطَلْ وإن لم تَرَ الغارَاتِ مِنْ كُل جانبٍ ... عليك فَتَنْدَمْ عاجلًا أَيُّها الرّجلْ فلا وضعَتْ عندي حصَانٌ قنَاعهَا ... ولا عِشْتُ إلّا بالأَمانِيِّ والعِلَلْ وهي طويلة. فبعث إليه مُصعَب الأبردَ بن قرة الرياحيّ في نفر، فَقاتله فهزَمَه ابنُ الحُرّ، وضَرَبه ضربةً على وجهه، فبعث إليه مصعبٌ حُرَيثَ بنَ زَيْد - أو يزيدَ - فبارَزَه، فقَتَله عُبيدُ الله بنُ الحرّ، فبعث إليه مصعب الحجَّاج بن جارية الخثعميّ ومُسلِم بن عمرو، فَلَقياه بنهر صرْصر، فقاتَلهم فهَزمَهم، فأرسل إليه مصعب قومًا يدعونه إلى أن يؤمّنه ويصِله، ويولّيه أيّ بلد شاء، فَلَم تقبَل، وأتى نَرْسَى ففرّ دِهْقَانُها ظيزجشْنَس بمالِ الفَلُّوجة، فتَبعه ابنُ الحُرّ حتَّى مرّ بعَين التّمر وعليها

стр. 4714

بِسْطام بنُ مَصْقَلة بن هُبيرة الشَّيباني، فتعوّذ بهم الدّهقان، فخرجوا إليه فقاتَلُوه - وكانت خيلُ بِسطام خَمْسين ومئةَ فارس - فقال يونس بن هاعان الهَمْداني من خَيْوان، ودعاه ابنُ الحرّ إلى المبارزة: شَرُّ دهر آخره، ما كنتُ أحسَبُني أعيش حتى يدعوَني إنسانٌ إلى المُبارَزة! فبارَزَه فضَرَبَه ابنُ الحُرّضربةً أثْخَنتْه، ثمّ اعتْنَقا فَخَرَّا جميعًا عن فرسيْهما، وأخذ ابنُ الحُرّ عِمامةَ يونسَ وكتَّفه بها ثمّ ركب، ووافاهم الحجَّاج بن حارثة الخَثْعَميّ، فحَمَل عليه الحجَّاج فأسره أيضًا عُبيد الله، وبارز بِسطام بن مصقلة المجشِّرَ؛ فاضطربا حتَّى كرِه كلُّ واحد منهما صاحبَه، وعلاه بِسطام، فلمَّا رأى ذلك ابن الحُرّ حَمَل على بِسْطام واعتنقه بسطامٌ، فَسَقَطا إلى الأرض، وسقَط ابنُ الحرّ على صدِر بِسطام فأسره، وأسر يومئذ ناسًا كثيرًا، فكان الرجل يقول: أنا صاحبُك يومَ كذا، ويقول الآخر: أنا نازلٌ فيكم ويَمُتّ كلّ واحد منهم بما يرى أنَّه يَنفعه، فيخلّى سبيله، وبعثَ فوارسَ من أصحابه عليهم دَلْهَمٌ المُرادِيّ يَطلُبون الدّهقان، فأصابوه، فأخذوا المالَ قبلَ القتال، فقال ابنُ الحُرّ: لوْ أنَّ لي مِثلَ جَريرٍ أَرْبَعَهْ ... صبحْتُ بَيت المالِ حتى أجْمَعَهْ ولم يهُلني مُصْعبٌ ومن معهْ ... نعْمَ الفَتَى ذلكُمُ ابن مَشْجَعَهُ ثم إن عُبيدَ الله أتى تَكْرِيتَ، فهربَ عاملُ المهلَّب عن تكريتَ، فأقام عُبيد الله يجبي الخراج، فوجّه إليه مصعبٌ الأبردَ بن قرّة الرّياحيّ والجَوْن بن كَعْب الهَمْدانيّ في ألف، وأمدّهُما المهلَّب بيزيد بن المغفَّل في خمسمئة، فقال رجلٌ من جُعْفيّ لعبيد الله: قد أتَاكَ عددٌ كثير، فلا تُقاتِلْهم، فقال: يَخوِّفُنِي بالقتْل قومِي وإنَّما ... أمُوتُ إذا جاءَ الكتابُ المؤَجَّلُ لعلَّ القنا تُدْنى بأَطرافِها الغِنَى ... فنحْيَا كِرَامًا أو نَكُرُّ فنقْتَلُ فقال للمجشِّر ودَفَع إليه رايتَه، وقدّم معه دَلهَمًا المراديّ، فقاتَلهم يومين وهو في ثلاثمئة، فخرج جَرير بنُ كريب، وقُتِل عَمرو بن جُندَب الأزديّ وفُرسان كثير من فُرْسانه، وتحاجَزوا عندَ المساء، وخرج عُبيدُ الله من تَكريتَ فقال لأصحابه: إني سائرٌ بكم إلى عبد الملك بن مَرْوان، فتهيَّؤوا، وقال: إني أخاف أن أفارقَ الحياةَ ولم أذعرْ مُصْعبًا وأصحابه، فارجِعوا بنا إلى الكوفة، قال: فسار إلى كسْكَر فَنفَى عامِلها، وأخذ بيت مالِها، ثمّ أتى الكوفة فنزل لحّام جرير،

стр. 4715

فبعث إليه مُصعبٌ عمرَ بن عُبيد الله بن معمر، فقَاتلَه، فخرَج إلى ديْر الأعور، فبعث إليه مُصْعَبٌ حجَّار بن أبجر، فانهزم حجَّار، فَشَتمه مصعبٌ وردّه، وضمَ إليه الجوْن بن كعب الهَمْدانيّ وعمر بن عُبيد الله بن مَعمر، فقاتلوه بأجمعهم، وكثرت الجراحات في أصحاب ابن الحُرّ وعُقِرتْ خُيولهم، وجُرح المجشِّر، وكان معه لواءُ ابن الحُرّ، فدَفَعه إلى أحْمَر طيّئ، فانهَزَم حجَّار بن أبجر ثم كرّ، فاقتتلوا قِتالًا شديدًا حتَّى أمسَوْا، فقال ابنُ الحُرّ: لو أنَّ لي مِثلَ الفتى المُجَشِّرِ ... ثلاثةً بَيّتُّهُمْ لا أَمتَرِي ساعَدني لَيْلَة دَيْر الأعوَرِ ... بالطَّعن والضَّربِ وعندَ المعبَرِ لطاحَ فيها عُمر بنُ مَعمر وخرج ابنُ الحُرّ من الكوفة، فكتب مصعبٌ إلى يزيدَ بن الحارث بن رُؤيم الشَّيْبانيّ - وهو بالمَدائن - يأمره بقتال ابن الحُرّ، فقدّم ابنه حَوْشبًا فلقِيَه بباجِسْرى، فهزمَه عُبيدُ الله وقُتِل فيهم، وأقبل ابنُ الحُرّ فدخل المدائن، فتَحصّنوا، فخرج عبيدُ الله فوجَّه إليه الجون بن كَعْب الهَمْدانيّ وبِشْر بن عبد الله الأسديّ، فنزل الجون حَوْلايَا، وقَدم بِشر إلى تامَرَّا فلقِيَ ابنَ الحُرّ، فقَتله ابنُ الحُرّ، وهزم أصحابه، ثمّ لقي الجون بن كعب بَحْولايا، فخرج إليه عبدُ الرحمن بنُ عبد الله، فحَمل عليه ابنُ الحُرّ فطعنَه فقتَله وهزم أصحابَه، وتَبِعهم، فخرج إليه بشير بنُ عبد الرّحمن بن بشير العِجْليّ، فالتَقوا بُسورَا فاقتتَلوا قتالًا شديدًا، فانحاز بشير عنه، فرجع إلى عمله، وقال: قد هزمتُ ابنَ الحُرّ، فبلغ قولُه مُصعبًا، فقال: هذا من الذين يُحبّون أن يُحمَدُوا بما لم يَفْعلوا، وأقام عُبيد الله في السَّواد يُغيرُ ويجبي الخراج، فقال ابنُ الحُرّ في ذلك: سلُوا ابن رُؤَيم عن جِلَادِي وموْقِفِي ... بِإيوانِ كسرى لا أُولِّيهمُ ظَهْرِي أكُرُّ عليهمْ مُعْلِمًا وتَرَاهم ... كمِعْزىً تحَنَّى خَشيةَ الذئب بالصَّخْرِ وبَيتُّهُم في حِصنِ كِسرَى بنِ هُرْمُزٍ ... بِمشْحوذةٍ بِيضٍ وخَطِّيّةٍ سُمْرِ فأجزيتُهُم طعنًا وضربًا تراهُمُ ... يَلوذُون منا مَوْهِنًا بذرَا القَصْرِ يَلُوذون مِنّي رَهبةً ومخافةَ ... لواذًا كما لاذ الحمائمُ من صَقْرِ ثم إنّ عُبيدَ الله بن الحُرّ - فيما ذكر - لحق بعبد المَلِك بن مَرْوان، فلمَّا صار إليه وجهه في عشرة نفر نحوَ الكُوفة، وأمره بالمسير نحوَها حتَّى تلحقه الجنودُ،

стр. 4716

فسار بهم، فلمَّا بلغ الأنْبار وجَّه إلى الكوفة من يُخبِر أصحابَه بقدومه، ويسَألهم أن يخرجوا إليه، فبلغ ذلك القيسيَّة، فأتَوا الحارث بن عَبد الله بن أبي ربيعة عامل ابن الزّبير على الكوفة، فسألوه أن يبعث معهم جيشًا، فوجَّه معهم، فلمَّا لقُوا عُبيد الله قاتَلَهم ساعة، ثم غَرقَت فرسُه، ورَكب معبرًا فَوَثب عليه رجلٌ من الأنْباط فأخذ بعَضُدَيه وضرَبَه الباقون بالمرَادِيّ، وصاحوا: إنّ هذا طلبةُ أمير المؤمنين، فاعْتَنقا فغَرقا، ثمّ استخرَجوه فجَزّوا رأسَه، فبَعَثوا به إلى الكُوفة ثمّ إلى البَصْرة. (٦/ ١٢٨ - ١٣٥). قال أبو جعفر: وقد قيل في مقتله غيرُ ذلك من القول؛ قيل: كان سببُ مَقتلَ عُبيد الله بن الحُرّ أنَّه كان يغشَى بالكوفة مُصعَبًا، فرآه يُقدّم عليه أهلَ البصرة، فكتب إلى عبد الله بن الزّبير - فيما ذُكر - قصيدة يعاتب بها مُصعَبًا ويخوّفُه مَسيرَه إلى عبدِ الملك بن مَروان، يقول فيها: أبْلِغْ أميرَ المؤمنينَ رِسالةً ... فلَسْتُ على رأَيٍ قبيحٍ أوارِبُهْ أَفي الحقّ أن أُجْفَى ويَجعَل مُصْعَب ... وَزِيرَيْه من قد كنتُ فيه أَحارِبُهْ! فكيفَ وقد أَبليتُكْم حقَّ بيْعتي ... وحقِّيَ يُلوَى عندكُم وأطالِبُهْ وأبليتُكُمْ مَالًا يُضَيَّعُ مِثلُهُ ... وآسيْتُكم والأَمرُ صَعْبٌ مَراتبُهْ فلمّا استنار الملكُ وانقادتِ العِدَا ... وأُدْرِكَ من مال العراقِ رغائبُهْ جَفا مُصعَبٌ عنّي ولو كان غيرَهُ ... لأصبَحَ فيما بيننا لا أُعاتِبُهْ لقد رابَني من مُصعب أنَّ مُصْعَبًا ... أرَى كُلَّ ذِي غِشٍّ لنا هو صاحبُهْ وما أنا إنْ حَلأّتمُوني بوارِدٍ ... على كَدْرٍ قد غُصّ بالصَّفْو شارِبُهْ وما لامرئٍ إلَّا الَّذي الله سائقٌ ... إليه وما قد خَطَّ في الزَّبْر كاتِبُهْ إذا قمتُ عند الباب أدْخِلَ مُسْلم ... ويمنعُني أن أَدخُلَ البابَ حاجبُهْ وهي طويلة. وقال لمُصعَب وهو في حَبْسه، وكان قد حُبس معه عطيَّة بن عمَرو البَكْريّ، فخرج عطيَّة، فقال عُبيد الله: أقولُ له صبرًا عَطِيٌّ فإِنَّما ... هو السجن حتى يَجعلَ اللهُ مَخْرجا أرَى الدّهرَ لي يوْمين يومًا مطرّدًا ... شرِيدًا ويومًا في المُلوك مُتَوجَا أتَطْعَنُ في دِيني غَداةَ أَتَيتُكمْ ... وللدّين تُدْني الباهليَّ وحَشْرَجا!

стр. 4717

ألَمْ تر أنَّ الملكَ قد شِينَ وَجهُهُ ... ونَبْعُ بلادِ الله قد صارَ عَوْسَجا! وهي طويلة. وقال أيضًا يُعاتب مُصعَبًا في ذلك، ويذكُر له تقريبَه سُويد بن مَنْجوف، وكان سُوَيد خفيفَ اللحية: بأيّ بلاءً أم بأَيةِ نعمة .... تقدَّمَ قَبْلي مُسلمٌ والمهلَّبُ ويُدَعى ابن منْجوف إِمامي كأنَّه ... خصيٌّ أتى للماء والعَيْر يَسْرُبُ وشيخُ تَميمٍ كالثَّغَامةِ رأْسُهُ ... وعَيْلان عنَّا خائفٌ مُترَقّبُ جَعلتُ قُصور الأَزْدِ ما بينَ منبِجٍ ... إلى الغافِ من وادِي عُمانَ تصوّبُ بلادٌ نَفَى عنها العدوَّ سُيوفنا ... وصُفرةٌ عنها نازحُ الدّار أَجْنبُ وقال قصيدةً يهجو فيها قيس عَيْلان، يقول فيها: أنا ابنُ بني قَيْس فإنْ كنتَ سائلًا ... بقيسٍ تَجِدْهُمْ ذروَةً في القبائل ألم تَر قيسًا قيس عَيلان بَرَقَعَتْ ... لِحاها وباعتْ نَبْلَها بالمَغازِلِ! وما زِلتُ أرجو الأَزدَ حتَّى رأيتُها ... تُقَصِّرُ عن بُنْيانِها المتطاوِل فكتب زُفَر بنُ الحارث إلى مُصعَب: قد كَفَيتك قتَال ابن الزّرقاء وابن الحُرّ يهجو قيسًا. ثمّ إنّ نفرًا من بني سُلَيم أخذوا ابنَ الحُرّ فأسَروه، فقال: إني إنَّما قلت: ألم تر قيْسًا قيس عَيلان أقبَلتْ ... إلينا وسارتْ بالقَنا والقنابلِ فقتله رجلٌ منهم يقال له عَيَّاش فقال زُفَر بن الحارث: لما رأَيتُ الناسَ أَولاد عَلَّةٍ ... وأغرق فينا نَزْعةً كُلُّ قائلِ تكلَّمَ عنَّا مَشْيُنا بسيُوفِنا ... إلى الموتِ واستِنْشاط حَبْل المَرَاكِل فلو يَسأَلُ ابنُ الحرّ أُخْبِرَ أَنَّها ... يمانيَة لا تُشتَرَى بالمغَازِل وأُخْبِرَ أَنَّا ذَاتُ عِلمٍ سُيوفُنا ... بأَعَناقِ ما بينَ الطُلَى والكواهِلِ وقال عبدُ الله بنُ هَمَّام: تَرنَّمْتَ يابنَ الحُرِّ وحدَكَ خالِيًا ... بقولِ امرئٍ نَشوانَ أَو قولِ ساقِطِ أتذكُرُ قومًا أوجَعَتْك رِماحُهُمْ ... وذَبّوا عَنِ الأحسابِ عندَ المَاقِطِ وتَبكي لِما لَاقَت ربيعةُ منهمُ ... وما أنتَ في أحسابِ بكبر بواسطِ!

стр. 4718

فهلَّا بِجُعْفى طَلبْتَ دُخُولَها ... ورهْطك دُنْيا في السّنين الفَوارِط! تَركناهُمُ يومَ الثَّريِّ أذلَّةً ... يلوذُون من أَسيافِنا بالعَرَافِطِ وخالَطكم يوم النُّخَيْل بجَمْعِه ... عُمَير فما استَبَشرتُم بالمُخالِطِ ويوم شراحيل جَدعْنا أنوفَكُمْ ... وليس علينا يومَ ذاكَ بقاسط ضَرَبنا بحدِّ السَّيْف مفرِق رأْسِه ... وكان حديثًا عهْدهُ بالمَواشِط فإن رغمتْ من ذاك آنُفُ مَذحجٍ ... فرغمًا وسخْطًا للأُنوف السَّواخِطِ (٦/ ١٣٥ - ١٣٨) قال أبو جعفر: وفي هذه السَّنة وافَت عَرَفات أربعةُ ألويَة، قال محمَّد بن عُمر: حدّثني شُرَحبيل بن أبي عَوْن، عن أبيه، قال: وقفتْ في سنة ثمان وستين بعَرَفات أربعةُ ألوية: ابنُ الحنفيَّة في أصحابه في لواء قام عند جبل المُشاة، وابنُ الزّبير في لواء، فقام مَقامَ الإمام اليومَ، ثمّ تقدّم ابنُ الحنفيَّة بأصحابه، حتَّى وقفوا حذاء ابن الزبير، ونجدةُ الحَروريّ خَلفَهما، ولواءُ بني أميَّة عن يسارهما، فكان أوّل لواء انفضّ لواءُ محمَّد بن الحنفيَّة، ثم تَبعه نَجدة، ثمّ لواء بني أميَّة، ثمّ لواءُ ابن الزّبير، واتَبعه الناس. قال محمد: حدّثني ابن نافع، عن أبيه، قال: كان ابنُ عمرَ لم يدفع تلك العشيَّة إلا بَدْفعة ابنِ الزّبير، فلمَّا أبطأ ابنُ الزّبير وقد مضى ابنُ الحنفيَّة ونجدةُ وبنو أميَّة - قال ابن عمر: ينتظر ابنُ الزبير أمر الجاهلية - ثمّ دفع، فدَفع ابنُ الزّبير على أثره (١). (٦/ ١٣٨). قال محمَّد: حدّثني هشامُ بنُ عُمارة، عن سعيد بن محمَّد بن جُبَير، عن أبيه، قال: خفتُ الفتنَة، فمشيت إليهم جميعًا، فجئت محمَّدَ بن عليّ في الشِّعْب، فقلتُ: يا أبا القاسم، اتَّق الله فإنا في مَشعَر حَرام، وبلد حرام، والناس وفدُ الله إلى هذا البيت، فلا تُفسد عليهم حَجَّهم؛ فقال: واللهِ ما أريد ذلك، وما أحول بين أحد وبين هذا البيت، ولا يُؤتَى أحدٌ من الحاجّ من قبَلي، ولكني رجلٌ أدفَع عن نفسي من ابن الزبير؛ وما يروم منّي، وما أطلب هذا الأمر إلا ألّا يختلف عليّ فيه اثنان! ولكن ائتِ ابنَ الزبير فكلّمه، وعليك بنَجْدة، قال

стр. 4719

محمَّد: فجئتُ ابن الزبير فكلَّمته بنحو ما كلَّمتُ به ابن الحنفيَّة، فقال: أنا رجل قد اجتمع عليّ الناسُ وبايَعوني، وهؤلاء أهلُ خلاف، فقلت: أرَى خيرًا لك الكَفَّ؛ قال: أفعَل، ثمّ جئتُ نَجدةَ الحَروريّ فأجدُه في أصحابه، وأجدُ عكرمةَ غلامَ ابنَ عبَّاس عندَه، فقلت له: استأذِن لي على صاحبك؛ قال: فدخل، فلم يَنشَب أن أذِن لي، فدخلتُ فعظّمتُ عليه، وكلّمته كما كلَّمت الرّجلين، فقال: أمَّا أن ابتدئ أحدًا بقتال، فلا، ولكنْ من بدأ بقتال قاتلتُه؛ قلتُ: فإني رأيتُ الرّجلين لا يُريدان قتالَك، ثمّ جئتُ شيعةَ بني أميَّة فكلَّمتهم بنحو ما كلَّمت به القوم، فقالوا: نحن على ألا نُقاتلَ أحدًا إلا أن يقاتلَنا، فلم أرَ في تلك الألوية قومًا أسكَنَ ولا أسلَمَ دفعة من ابن الحنفيَّة (١). (٦/ ١٣٨ - ١٣٩). ثم دخلت سنة تسع وستين ذكر خبر قتل عبد الملك سعيد بن عمرو رجع الحديث إلى حديثِ هشام عن عوانة، قال: ولمَّا غلب عمرو على دِمَشق طلب عبدَ الرحمن بن أمّ الحَكم فلم يُصِبه، فأمر بداره فهُدِمت واجتمع الناسُ، وصعِدَ المنبرَ فحَمِد الله وأثنَى عليه، ثم قال: أيها الناس، إنَّه لم يقُم أحد من قريش قبلي على هذا المِنبرَ إلا زعم أنّ له جنةً ونارًا، يُدخِل الجنَّة من أطاعه، والنارَ من عصاه، وإني أخبِركم أنّ الجنة والنارَ بيَدِ الله، وأنَّه ليس إليّ من ذلك شيءٌ. غيرَ أن لكم عليّ حُسنَ المؤاساة والعطيَّة. ونزل. وأصبحَ عبد الملك، ففقد عمرو بن سعيد، فسأل عنه، فأخبِر خبَره، فرجع عبدُ الملك إلى دِمشَق، فإذا عمرو قد جلل دِمشَق المُسوحَ فقاتَلَه بها أيَّامًا، وكان عمرو بنُ سعيد إذا أخرجَ حميد بن حُرَيث الكلبيّ على الخَيْل أخرَج إليه عبدَّ الملك سُفْيانَ بن الأبردِ الكَلْبيّ، وإذا أخرج عمرو بن سعيد زهيرَ بن الأبرد الكلبيّ أخرجَ إليه عبد الملك حسَّانَ بن مالك بن بَحْدل الكلبيّ (٢). (٦/ ١٤١).

стр. 4720

قال هشام حدّثني عوانة، أنّ الخيلين تواقَفتا ذاتَ يوم، وكان مع عمرو بن سعيد رجل من كَلْب يقال له رَجاء بن سرَاج، فقال رجاء: يا عبدَ الرّحمن بنَ سليم، أبرُز - وكان عبدُ الرحمن مع عبدِ الملك - فقال عبدُ الرحمن: قد أنْصف القَارَة من رامَاها، وبَرز له، فاطّعَنا وانقَطَع ركابُ عبدِ الرحمن، فنَجا منه ابنُ سراج، فقال عبدُ الرحمن: واللهِ لولا انقطاع الرّكاب لرميت بما في بطنِك من تبْن، وما اصطلح عمرو، وعبدُ الملك أبدًا، فلمَّا طال قِتالُهم جاءَ نساءُ كَلْب وصِبْيانُهم فبَكَيْن وقُلْن لسُفيانَ بن الأبرد ولابن بَحْدل الكلبيّ: عَلام تَقتُلون أنفسَكم لسلطانِ قُرَيش! فَحلَف كلّ واحد منهما ألّا يرجع حتَّى يرجع صاحبُه، فلمَّا أجمعوا على الرّجوع نظروا فوَجَدوا سُفيان أكبرَ من حُريث، فطلبوا إلى حُرَيث، فرجع، ثمّ إنّ عبدَ الملك وعمرًا اصطَلحا، وكَتبا بينهما كتابًا، وآمنَه عبدُ الملك وذلك عشيَّة الخميس (١). (٦/ ١٤١). قال هِشام: فحدّثني عَوانة أنّ عمرو بنَ سعيد خرج في الخَيْل متقلّدًا قوسًا سوداء، فأقْبَل حتَّى أوطأ فرسه أطناب سُرادِق عبدِ الملك، فانقطعتْ الأطنابُ وسقط السرادق، ونزل عمروٌ فجلس وعبدُ الملك مُغضب، فقال لعمرو: يا أبا أميَّة، كأنَّك تشَبَّهُ بتقلُّدك هذه القوسَ بهذا الحيّ من قيس! قال: لا، ولكني أتشبَّه بمن هو خيرٌ منهم؛ العاص بن أميَّة. ثمّ قام مغضبًا والخيلُ معه حتى دخل دمَشق، ودخل عبدُ الملك دمِشَق يومَ الخميسِ، فبعث إلى عمرو أن أعطِ الناس أرزاقَهم فأرسل إليه عمرو: إنّ هذا لك ليسَ ببلد، فاشخص عنه، فلمَّا كان يوم الإثنين وذلك بعد دخولِ عبدِ الملك دِمَشق بأربع بعَث إلى عمرو أن ائتِني - وهو عند امرأتِه الكلبية، وقد كان عبدُ الملك دعا كُريب بن أبرهة بنَ الصَّبَاح الحميريّ فاستشاره في أمر عمرو بن سعيد، فقال له: في هذا هلكت حِمْير، لا أرَى لك ذلك، لا ناقَتي في ذَا ولا جملي - فلمَّا أتى رسولُ عبدِ الملك عمرًا يدعوه صادف الرسولُ عبدَ الله بن يزيد بن معاوية عند عمرو، فقال عبد الله لعمرو بن سعيد: يا أبا أميَّة، والله لأنت أحبُّ إليّ من سَمْعي وبصري، وقد أرى هذا الرّجل قد بعث إليك أن تأتيَه،

стр. 4721

وأنا أرى لك ألّا تفعل، فقال له عمرو: ولم؟ قال: لأنّ تُبيع ابن امرأةِ كَعْب الأحبار قال: إنّ عظيمًا من عظماءَ ولدِ إسماعيل يَرجع فيُغلق أبواب دِمشَق، ثمّ يَخرج منها، فلا يلبث أن يُقتل؛ فقال له عمرو: واللهِ لو كنت نائمًا ما تخوَّفت أن ينبّهني ابنُ الزّرقاء، ولا كان ليجترئ على ذلك مني، مع أنّ عثمانَ بنَ عفَّان أتاني البارحة في المنام فألبسني قميصه - وكان عبدُ الله بنُ يزيدَ زوج أم موسى بنت عمرو بن سعيد - فقال عمرو للرسول: أبلغه السلام، وقل له: أنا رائح إليك العشيَّةَ إن شاء الله. فلمَّا كان العشيّ لبس عمروٌ دِرْعًا حَصينَة بين قباء قُوهيّ وقميص قوهيّ وتقلَّد سيفَه وعندَه امرأتهُ الكلْبيّه، وحُميد بن حُرَيث بن بَحْدل الكلبيّ، فلمَّا نهض متوجّهًا، عثر بالبساط، فقال له حميد: أما والله لئن أطعْتني لم تأتِه، وقالت له امرأتهُ تلك المَقالةَ، فلم يلتفتْ إلى قولهم، ومضى في مئة رجل من مَواليه، وقد بعث عبدُ الملك إلى بني مَرْوان فاجتَمَعوا عندَه، فلمَّا بلغ عبد الملك أنَّه بالباب أمر أن يُحبَس من كان معه، وأذن له فدخل، ولم تزل أصحابُه يُحْبَسون عند كلّ باب حتى دخل عمرٌو قاعة الدّار، وما معه إلّا وصيف له، فرَمى عمروٌ ببصره نحوَ عبد الملك، فإذا حوله بنو مروان، وفيهم حسَّان بنُ مالك بن بَحْدل الكلبيّ وقبيصة بن ذُؤيب الخُزاعي، فلما رأى جماعتَهم، أحسَّ بالشرّ؛ فالتفت إلى وصيفهِ فقال: انطلِق ويْحَك إلى يَحيى بنِ سعيد، فقل له يأتيني. فقال له الوصيف ولم يَفهَم ما قال له: لبّيك! فقال له: اغْرُب عنّي في حرقِ الله ونارِه. وقال عبدُ الملك لحسَّان وقبيصة إذا شئتما فقُومَا فالتَقِيا وعمرًا في الدار، فقال عبدُ الملك لهما كالمازح ليطمئنّ عمرو بن سعيد: أيّكما أطولُ؟ فقال حسَّان: قَبيصةُ يا أمير المؤمنين أطولُ مني بالإمرة، وكان قبيصةُ على الخاتم، ثمّ التفت عمرو إلى وصِيفه فقال: انطلِقْ إلى يحيى فمُرْه أن يأتيَني، فقال له: لبَّيك، ولم يفهم عنه، فقال له عمرو: اغْرُب عني، فلمَّا خرج حسَّان وقبيصة أمَر بالأبواب فغلقتْ، ودخل عمرو فرحّب به عبدُ الملك، وقال: هاهنا يا أبا أميَّة، يَرحمك الله! فأجلسَه معه على السَّرير، وجعل يحدّثه طويلًا، ثم قال: يا غلام، خذ السّيف عنه، فقال عمرو: إنَّا لله يا أميرَ المؤمنين! فقال عبدُ الملك: أَو تطْمع أن تَجلِس معي متقلّدًا سيفَك! فأخذ السيف عنه، ثمّ تحدَّثَا ما شاء الله، ثمّ قال له عبدُ الملك: يا أبا أميَّه؛ قال: لبَّيْك يا أمير المؤمنين؛ فقال: إنَّك حيث خلعتَني آليتُ بيمين إنْ أنا ملأتُ عيني منك وأنا مالِكٌ

стр. 4722

لك أن أجمعَك في جامعة، فقال له بنو مَرْوان: ثمّ تُطلِقه يا أمير المؤمنين؟ قال: ثمّ أطلِقه، وما عسيتُ أن أصنَع بأبي أميَّة! فقال بنو مَرْوان: أبِرّ قَسم أميرِ المؤمنين، فقال عمرو: قد أبرّ الله قسمك يا أمير المؤمنين، فأخرج من تحت فراشِه جامعةً فطرحها إليه، ثمّ قال: يا غلام، قم فاجمعْه فيها؛ فقام الغلام فجَمعَه فيها، فقال عمرو: أذكّرك الله يا أميرَ المؤمنين أن تُخرِجني فيها على رؤوس الناس! فقال عبدُ الملك: أمَكرًا أبا أميَّة عند الموت! لا ها الله إذًا! ما كنَّا لنُخرجَك في جامعة على رؤوس الناس، ولمَا نخرجها منك إلا صُعدًا. ثمّ اجتبذه اجتباذةً أصاب فمَه السريرُ فكَسَر ثَنِيَّته، فقال عمرو: أذكِّرك الله يا أمير المؤمنين أن يدعوك إلى كسر عَظم منّي أن تركب ما هو أعظم من ذلك، فقال له عبدُ الملك: والله لو أعلم أنك تُبْقي عليّ إن أبقِي عليك وتصلح قريش لأطلقتُك، ولكن ما اجتمع رجلان قطّ في بَلدة على مثل ما نحن عليه إلّا أخرج أحدُهما صاحبه، فلمَّا رأى عمرو أنّ ثنيَّته قد اندقَّت وعرف الَّذي يريد عبد الملك، قال: أغدْرًا يا بن الزّرقاء! وقيل: إنّ عبد الملك لمَّا جَذب عمرًا فسقطتْ ثَنيَّته جعل عَمروٌ يمسّها، فقال عبدُ الملك له: أرى ثنيَّتَك قد وقعتْ منك موقِعًا لا تطيب نفسُك بعدَها، فأمر به فضُربَ عنقه (١). (٦/ ١٤١ - ١٤٤). رجع الحديث إلى حديثِ عَوانة، وأذّن المؤذّنُ العصرَ، فخرج عبدُ الملك يصلِّي بالناس، وأمر عبدَ العزيز بن مروان أن يقتله، فقام إليه عبدُ العزيز بالسَّيف، فقال له عمرو: أذكِّركُ اللهَ والرّحِمَ أن تليَ أنتَ قَتْلي، وليتولّ ذلك مَنْ هو أبْعَد رحِمًا منك! فألقى عبد العزيز السيفَ وجلس، وصلى عبدُ الملك صلاةً خفيفة، ودخل، وغُلّقت الأبواب ورأى الناسُ عبدَ الملك حيث خرج وليس عمروٌ معه، فذَكروا ذلك ليحيى بن سعيد فأقبَل في النَّاس حتَّى حَلَّ بباب عبد الملك ومعه ألفُ عبد لعمرو، وأناس بعدُ من أصحابه كتير، فجعل من كان معه يصيحون: أسمِعْنا صوْتَك يا أبا أميَّة! وأقبل مع يحيى بن سعيد حُمَيد بن حُرَيث وزُهَير بن الأبْرد فكسروا بابَ المقصورة، وضربوا الناسَ بالسيوف،

стр. 4723

وضرب عبدٌ لعَمْرو بن سعيد يقال له مصْقَلة الوليدَ بن عبد الملك ضربةً على رأسه، واحتمَله إبراهيمُ بنُ عربيّ صاحبُ الديوان فأدخله بيت القراطيس، ودخل عبدُ الملك حين صلَّى فوجد عمرًا حيًّا، فقال لعبد العزيز: ما منعك من أن تَقتُله! قال: مَنَعني أنَّه ناشدني الله والرّحِمَ فرقَقْتُ له، فقال له عبدُ الملك: أخزَى الله أمَّكَ البَوّالة على عَقِبيْها، فإنَّك لم تُشبه غيرَها - وأمّ عبد الملك عائشةُ بنتُ معاوية بن المغيرة بن أبي العاص بن أميَّة، وكانت أمّ عبد العزيز ليلى، وذلك قول ابن الرُّقَيّات: ذاك ابنُ لَيلَى عبدُ العزيزِ ببا ... بِلْيون تَغدُو جِفَانُهُ رُذُمَا ثم إنّ عبد الملك قال: يا غلام، ائتِني بالحَرْبة فأتاه بالحَرْبة فهَزّها، ثمّ طعنه بها فلم تَجُز، ثمّ ثَنَّى فلم تَجُز، فضرب بيَده إلى عَضُد عمرو، فوَجَد مسّ الدِّرْع، فضحك، ثمّ قال: ودارعٌ أيضًا يا أبا أميَّة! إن كنت لمعدًّا! يا غلام، ائتني بالصَّمصامة، فأتاه بسَيفة، ثمّ أمر بَعمْرو فصرع، وجَلَس على صدرِه فذَبَحه وهو يقول: يا عمرو إن لا تَدعْ شَتْمِي ومَنْقَصتي ... أَضرِبْك حيثُ تقولُ الهَامةُ اسقُونِي وانَتفَض عبدُ الملك رِعْدةً - وكذلك الرجلُ زعموا يُصيبُه إذا قَتَلَ ذا قَرابة له - فحُمل عبُد الملك عن صدرِه فُوضع على سريره، فقال: ما رأيتُ مِثلَ هذا قطّ، قتله صاحبُ دُنْيا ولا طالبُ آخرة، ودخل يحيى بنُ سعيد ومن معه على بني مرْوان الدارَ فجرّحوهم ومن كان معهم من موالِيهم، فقاتَلَوا يحيى وأصحابَه، وجاء عبدُ الرحمن بنُ أمّ الحَكَم الثَّقَفي فدَفَع إليه الرأس، فألقاه إلى النَّاس، وقام عبدُ العزيز بنُ مَروان فأخَذَ المال في البدور، فجعل يُلقِيها إلى الناس، فلمَّا نظر الناسُ إلى الأموال، ورأوا الرأسَ انتَهبُوا الأموالَ وتفرّقوا، وقد قيل: إنّ عبدَ الملك بن مروانَ لمَّا خرج إلى الصّلاة أمر غلامَه أبا الزُّعَيْزعَةِ بقتلِ عمرو، فقَتَله وألقَى رأسَه إلى النَّاس وإلى أصحابه. (١/ ١٤٤ - ١٤٥). قال هشام: قال عَوانةُ: فحدّثتُ أنّ عبد الملك أمرَ بتلك الأموال التي طُرحتْ إلى الناس فجُبيَتْ حتَّى عادت كلّها إلى بيت المال، ورُمِي يحيى بنُ سعيد يومئذ في رأسه بصخرة، وأمر عبدُ الملك بسريرِه فأبرز إلى المسجد، وخرج فجلس عليه، وفُقِد الوليد بن عبد الملك فجعل يقول: ويْحَكم! أين الوليد! وأبيهمْ لئن

стр. 4724

كانوا قتلوه لقد أدْرَكوا ثأرَهم، فأتاه إبراهيمُ بن عربيّ الكِنانيّ فقال: هذا الوليد عندي، قد أصابتْه جِراحة، وليس عليه بأس، فأتِيَ عبدُ الملك بيحيى بن سعيد، فأمر به أن يُقتل فقام إليه عبدُ العزيز، فقال: جَعلَني الله فِداك يا أميرَ المؤمنين! أتُراك قاتلًا بني أميَّة في يوم واحد! فأمر بيحيى فحُبِس، ثم أتى بعَنبسَة بن سعيد، فأمر به أن يقتَل، فقام إليه عبد العزيز فقال: أذكّرك الله يا أميرَ المؤمنين في استئصال بني أمَّية وهلاكِها! فأمر بعنبسة فحبس، ثمّ أتِيَ بعامر بن الأسود الكلبيّ فضرب رأسَه عبدُ الملك بقَضِيب خَيْزُران كان معه، ثم قال: أتقاتلني مع عمرو وتكون معه عليّ! قال: نعم، لأنّ عَمرًا أكرَمني وأهنتَني، وأدناني وأقصيتني، وقرّبني وأبعدْتني، وأحسن إليَّ وأسأتَ إليّ، فكنتُ معه عليك، فأمر به عبدُ الملك أن يُقتَل، فقام عبدُ العزيز فقال: أذكركَ الله يا أمير المؤمنين في خالي! فوهَبه له، وأمر ببني سعيد فحُبسوا ومكث يحيى في الحَبْس شهرًا أو أكثر، ثمّ إنّ عبد الملك صَعِد المنبر، فحمِد الله وأثنَى عليه، ثم استشار الناس في قتله، فقام بعضُ خطباء الناس فقال: يا أميرَ المؤمنين، هل تلد الحيَّةُ إلّا حيَّة! نرى والله أن تَقتُله فإنَّه منافق عدوّ، ثمّ قام عبدُ الله بن مَسعَدةَ الفزاريّ، فقال: يا أميرَ المؤمنين، إنّ يحيى ابنُ عمِّك، وقرابتُه ما قد علِمت، وقد صنعوا ما صنعوا، وصنعتَ بهم ما قد صنعتَ، ولست لهم بآمِن، ولا أرَى لك قتلهم، ولكن سيِّرهم إلى عدوّك، فإن هم قُتِلوا كنتَ قد كُفيت أمرهم بيَدِ غيرك، وإن هم سَلِموا ورجعوا رأيتَ فيهم رأيك. فأخذ برأيه، وأخرَج آل سعيد فألحقَهم بمُصعَب بن الزبير، فلمَّا قدِموا عليه دخل يحيى بنُ سعيد، فقال له ابن الزبير: انفلتَّ وانحصّ الذنَب، فقال: والله إن الذنَب لَبِهُلْبِه، ثمّ إنّ عبد الملك بعث إلى امرأةِ عمرو الكلبيَّة: ابعثي إليّ بالصّلح الَّذي كنتُ كتبته لعمرو، فقالت لرسوله: ارجع إليه فأعلِمْه أني قد لففتُ ذلك الصلحَ معه في أكفانِه ليُخاصِمك به عند ربِّه، وكان عمرو بن سعيد وعبدُ الملك يلتقيان في النَّسب إلى أميَّة، وكانت أمّ عمرو أمّ البنين ابنةُ الحَكَم بنِ أبي العاص عمَّةَ عبد الملك (١). (٦/ ١٤٥ - ١٤٧).

стр. 4725

قال هشام: فحدّثنا عَوانة أنّ الَّذي كان بين عبد الملك وعمرو كانَ شرًّا قديمًا، وكان ابنَا سعيد أمُّهما أمّ البنين، وكان عبدُ الملك ومعاويةُ ابني مَرْوان، فكانوا وهم غِلْمان لا يزالون يأتون أمَّ مَرْوان بن الحَكم الكنانيَّة يتحدّثون عندها، فكان ينطلق مع عبدِ الملك ومعاوية غلام لهم أسوَد، وكانت أمّ مروانَ إذا أتَوْها هيَّأتْ لهم طعامًا، ثمّ تأتيهم به فتضِع بين يديْ كلّ رجل صَحفةً على حدَة، وكانت لا تزال تؤرّش بين معاوية بن مروان، ومحمَّد بن سعيد، وبين عبد الملك وعمرو بن سعيد، فيَقتتِلون ويتصارمون الحين، لا يكلِّم بعضُهم بعضًا، وكانت تقول: إن لم يكن عند هذين عقل فعند هذين، فكان ذلك دأبها كلَّما أتَوْها حتَّى أثبتت الشَّحْناء في صدورهم. وذكر أنّ عبدَ الله بن يزيد القَسْريّ أبا خالد كان مع يحيى بن سعيد حيث دخل المسجد فكسر بابَ المقصورة، فقاتل بني مَرْوان، فلمَّا قتِل عمرو وأخرج رأسه إلى النَّاس رَكب عبدُ الله وأخوه خالد فَلحِقوا بالعراق، فأقام مع وُلد سعيد وهم مع مُصعَب حتَّى اجتمعت الجماعة على عبد الملك، وقد كانت عين عبد الله بن يزيد فُقِئت يوم المَرْج، وكان مع ابن الزبير يُقاتِل بني أميَّة، وإنه دخل على عبد الملك بعد الجماعة، فقال: كيف أنتم آلَ يزيدَ؟ فقال عبد الله: حُرباء حُرباء، فقال عبد الملك: ذلك بما قدّمتْ أيديكم، وما اللهُ بظلَّام للعَبِيد (١). (٦/ ١٤٧). قال هِشام بن عوانة: إنّ وُلد عمرو بن سعيد دَخَلوا على عبد الملك بعد الجماعة وهم أربعة: أميَّة، - وسعيد، وإسماعيل، ومحمَّد، فلمَّا نظر إليهم عبدُ الملك قال لهم: إنَكم أهل بَيْت لم تزالوا تَرَوْن لكم على جميع قومِكم فَضْلًا لم يَجعَلْه الله لكم، وإنّ الَّذي كان بيني وبين أبيكم لم يكن حديثًا، بل كان قديمًا في أنفسُ أوّليكم على أوّلينا في الجاهلتة. فأقطع بأميَّة بن عمرو - وكان أكبرهم - فلم يقدر أن يتكلَّم، وكان أنبلَهم وأعقلَهم، فقام سعيدُ بن عمرو وكان الأوسطَ فقال: يا أميرَ المؤمنين، ما تَنعى علينا أمرًا كان في الجاهليَّة، وقد جاء الله بالإسلام فَهَدم ذلك، فوعَدنا جنَّة،

стр. 4726

وحذَّرنا نارًا! وأمَّا الذي كان بينك وبين عمرو فإنّ عَمرًا ابن عمك، وأنت أعلَم وما صنعت، وقد وَصَل عمرو إلى الله وكفَى بالله حسيبًا، ولَعَمري لئن أخذتَنا بما كان بينك وبينَه لبطن الأرض خيرٌ لنا من ظَهرها، فرِقّ لهم عبدُ الملك رقَّة شديدة، وقال: إنّ أباكم خيَّرني بين أن يقتُلني أو أقتله، فاخترتُ قتلَه على قتلي، وأمَّا أنتم فما أرغبني فيكم، وأوصلني لقرابتكم، وأرعاني لحقَكم! فأحسن جائزتَهم، ووصَلهم وقرّبهم. وذكر أنّ خالد بن يزيدَ بنَ معاوية قال لعبد الملك ذات يوم: عجبٌ منك مِن عمرو بن سعيد، كيف أصبت غِرّته فقتلَته! فقال عبد الملك: دَانَيتُه مِنِّي لِيَسكنَ رُوعُه ... فأَصُولَ صَولةَ حازِمٍ مسْتَمكنِ غَضَبًا ومحمِيةً لدِيني إِنَّه ... ليسَ المُسِيءُ سبيلُه كالمُحسِن قال عَوانة: لقيَ رجلٌ سعيدَ بن عمرو بن سعيد بمكَّة، فقال له: وربّ هذه البَنِيَّةَ، ما كان في القومَ مثل أبيك، ولكنهَّ نازع القوم ما في أيديهم فعَطِب (١). (٦/ ١٤٧ - ١٤٨). وكان الواقديّ يقول: إنَّما كان في سنة تسع وستِّين بين عبد الملك بن مروانَ وعمرو بن سعيد الحصار، وذلك أنّ عمرو بن سعيد تَحصّن بدمَشق فرجع عبدُ الملك إليه من بُطنان حَبيب، فحاصَرَه فيها؛ وأمَّا قتلُه إيَّاه فإنَّه كان في سنة سبعين (٢). (٦/ ١٤٨). وفي هذه السَّنة حكَّم محكِّم من الخوارج بالخَيْف من مِنىً فقُتِل عند الجمرة، ذَكر محمَّد بنُ عمرَ أن يحيى بن سعيد بن دينار حدّثه عن أبيه، قال: رأيته عند الجمرة سَلّ سيفه، وكانوا جماعةً فأمسَك اللهُ بأيديهم، وبَدر هو من بينهم، فحكم، فمال الناسُ عليه فقَتلوه (٣). (٦/ ١٤٨ - ١٤٩).

стр. 4727

ثم دخلت سنة سبعين ذكر ما كان فيها من الأحداث وفيها شخص - فيما ذَكر محمّدُ بن عمرَ - مصعبُ بن الزبير إلى مكَّة فقدمها بأموال عظيمة، فقسمها في قومه وغيرهم، وقدم بدوالت كثيرة وظَهْر وأثقال، فأرسل إلى عبد الله بن صَفْوان وجُبَير بن شَيْبة، وعبد الله بن مطيع مالًا كثيرًا، ونحر بُدْنًا كثيرة (١). (٦/ ١٥٥). ثم دخلت سنة إحدى وسبعين ذكر ما كان فيها من الأحداث وكان عبد الملك - فيما قيل - لا يزال يقرب من مصعب، حتّى يبلغ بطنان حَبيب، ويخرج مصعب إلى بَاجُمَيرَا، ثم تهجُم الشتاء فيرجع كلّ واحد منهما إلى موضعه، ثم يعودان؛ فقال عديّ بن زيد بن عديّ بن الرّقاع العامليّ: لعمْري لقدْ أصحرَتْ خَيلُنا ... بأَكْناف دِجْلة للمُصعَبِ إذا ما مُنافق أهل العِرَا ... قِ عُوتب ثُمّتَ لم يُعْتَب دَلَفْنا إليهِ بذي تُدْرأَ ... قليل التَّفَقُّدِ للغُيَّبَ يهِزُّون كلَّ طويل القَنا ... ة مُلْتَئِم النَّصْلِ والثَّعْلَبِ كأنَّ وعَاهُمْ إذا ما غَدوْا ... ضجيجُ قَطا بلدٍ مُخصبِ فقدَّمنا واضح وجْهُهُ ... كريم الضّرائب والمنْصِبِ أُعِينَ بِنَا ونُصِرْنَا بِهِ ... ومن يَنْصر اللهُ لم يُغلَب (٦/ ١٥١) قال أبو زيد: قال أبو الحسن: فحدّثني شيخٌ من بني عرين، عن السكن بن قتَادة، قال: اقتتلوا أربعةً وعشرين يومًا، وأصيبتْ عين مالك، فضجر من الحرب، ومشت السفراء، بينهم يوسف بنُ عبد الله بن عثمان بن أبي العاص، فصالحه، على أن يُخرج خالدًا وهو آمن، فأخرج خالدًا من البصرة، وخاف ألا

стр. 4728

يجيز المُصعبُ أمانَ عُبيد الله، فَلحق مالك بثأج، فقال الفرَزْدق يَذكر مالكًا ولُحوقَ التميميَّة به وبخالد: عجِبْتُ لأقوامٍ تميمٌ أَبُوهُمُ ... وهُمْ في بني سعدٍ عِظامُ المَبارِكِ وكانوا أعزَّ الناسِ قبل مَسيرِهِمْ ... إلى الأزْد مُصْفَرًّا لِحاها ومالكِ فما ظَنُّكم بابن الحَوارِيِّ مُصْعَبٍ ... إذا افترَّ عن أَنيابِه غيْرَ ضاحِكِ ونحنُ نفَيْنا مالكًا عن بِلادِه ... ونحن فَقَأنا عَيْنَهُ بالنَّيَازِك (٦/ ١٥٣ - ١٥٤). قال أبو زيد: فزعم المدائنيّ وغيرهُ من رُواة أهل البَصْرة أنّه أرسَل إليهم فأتِيَ بهم، فأقبل على عُبيد الله بن أبي بَكرة، فقال: يا بنَ مَسْروح، إنَّما أنت ابنُ كَلْبة تعاوَرُها الكلاب، فجاءت بأحمر وأسوَد وأصفرَ من كلّ كلب بما يُشبهه، وإنَّما كان أبوك عبدًا نَزل إلى رسول الله - صلي الله عليه وسلم - من حصن الطائف، ثم أقمْتم البيِّنة تدّعون أن أبا سُفْيانَ زنى بأمِّكم، أما والله لئن بقيتُ لألحقنكم بنَسبكم، ثمّ دعا بحُمْران فقال: يابن اليَهوديّة، إنَّما أنت علْج نَبطيّ سُبيت من عَيْن التَّمر. ثمّ قال للحَكَم بن المنذر بن الجارود: يا بنَ الخَبيث، أتَدري مَن أنت ومن الجارودُ! إنَّما كان الجارودُ علْجًا بجزيرة ابن كاوَان فارسيًّا، فقطع إلى ساحل البحر، فانتمى إلى عبد القيس، ولا والله ما أعرف حَيًّا أكثرَ اشتمالًا على سَوْءة منهم، ثمّ أنكَح أختَه المُكَعْبر الفارسيّ فلم يُصب شرَفًا قطّ أعظم منه، فهؤلاء ولدُها يا بن قُباذ، ثمّ أتِيَ بعبد الله بن فضالة الزّهرانيّ فقال: ألستَ من أهل هَجَر، ثمّ من أهل سَماهيج! أما والله لأرُدّنَّك إلى نَسَبك، ثمّ أتي بعليّ بن أصمع، فقال: أعَبْد لبني تميم مرّةً وعَزْيٌ من باهلة! ثمّ أتِيَ بعبد العزيز بن بشْر بن حَنَّاط فقال: يا بن المشتور، ألم يسرق عمُّك عنزًا في عهد عمرَ؛ فأمر به فسيِّر ليقطعه! أما والله ما أعنتَ إلا من يَنكح أختَك - وكانت أختُه تحت مقاتل بن مِسمَع - ثم أتِيَ بأبي حاضر الأسدّي فقال: يا بن الإصْطَخريّة، ما أنتَ والأشراف! وإنما أنت من أهل قطَر دَعِيٌّ في بني أسَد، ليس لك فيهم قريب ولا نسب، ثم أتيَ بزياد بن عمرو فقال: يا بن الكَرْمانيّ، إنَّما أنت عِلْج من أهل كَرْمان قطعت إلى فارسَ فصرتَ مَلّاحًا، ما لكَ وللحَرْب! لأنْتَ بَجرّ القَلْس أحذْقُ، لمّ أتِيَ بعبد الله بن عثمانَ بن أبي العاص فقال: أعَلَيّ تَكَشِّر وأنت علْج

стр. 4729

من أهل هَجَر، لحق أبوك بالطَّائف وهم يضمّون من تأشَّب إليهم يتعزَّزون به! أما والله لأردنَّك إلى أصلك، ثم أتِيَ بشَيْخ بن النُّعْمان فقال: يا بن الخبيث، إنَّما أنت علْج من أهل زَنْدَوَرْد، هَرَبت أمك وقُتل أبوك، فتزوّج أختَه رجلٌ من بني يشكر، فجاءت بغلامين، فألحقنَاك بنسبَهما، ثم ضربهم مئةً مئة، وحلَّق رؤوسهم ولحاهم، وهدمَ دُورهم، وصهِرَهم في الشَّمس ثلاثًا، وحملهم على طلاق نسائهم، وجمَّر أولادَهم في البُعوث، وطاف بهم في أقطار البصرة، وأحلفهم ألّا يَنكحوا الحَرائر، وبعث مُصعبٌ خداشَ بن يزيدَ الأسَديّ في طلب من هَرَب من أصحاب خالد، فأدرَك سُرّة بن مَحْكانَ فأخذه، فقال مُرّةُ: بني أَسَدٍ إن تَقْتلوني تُحاربُوا ... تميمًا إذا الحرب العَوَانُ اشمَعَلَّتِ بني أَسد هَلْ فيكُم من هَوَادَةٍ ... فَتعْفُونَ إنْ كانتْ بيَ النَّعلُ زَلَّتِ فلا تَحْسبِ الأَعْداءُ إذ غبتُ عَنْهُمُ ... وأُوريِتُ مَعْنًا أنَّ حربيَ كلَّت تَمشَّى خِدَاشٌ في الأَسِكَّة آمِنًا ... وقد نَهَلَتْ مِنَي الرِّماحُ وعَلَّتِ فقرّبه خداش فقتله - وكان خِداش على شُرْطة مُصعب يومئذ - وأمر مصعب سنانَ بن ذهل أحد بني عمرو بن مَرْثَد بدار مالك بن مسمَع فهدَمها. وأخذ مُصعب ما كان في دار مالك، فكان فيما أخذ جارية ولدتْ له عمرَ بن مُصعَب، قال: وأقام مُصعَب بالبصرة حتى شخص إلى الكوفة، ثم لم يزل بالكوفة حتى خرج لحرب عبد الملك، ونزل عبدُ الملك مسكَن، وكتب عبدُ الملك إلى المَرْوانيَّة من أهل العراق، فأجابَه كلُّهم وشرطُوا عليه ولاية أصبهان، فأنعَم بها لهم كلهم، منهم حَجَّار بنُ أبجرَ، والغَضْبان بن القَبعْثرَى، وعتاب بن ورقاء، وقطن بن عبد الله الحارثي، ومحمد بن عبد الرحمن بن سعيد بن قيس، وزَحْر بن قيس، ومحمَّد بنُ عُمير، وعلى مقدّمته محمَّد بن مروان، وعلى ميمنته عبدُ الله بنُ يزيدَ بن معاوية، وعلى ميسرته خالدُ بن يزيدَ، وسار إليه مصعب وقد خذَله أهلُ الكوفة. قال عروة بن المغيرة بن شُعبة: فخرج يسيرُ متَّكئًا على مَعرَفة دابَّته، ثمَّ تَصفَّح الناس يمينًا وشمالًا فوقعت عينُه عليّ، فقال: يا عُرْوة، إليّ، فدنوتُ منه، فقال: أخبرني عن الحسين بن عليّ، كيف صَنَع بابائه النزول على حُكم ابن زياد وعَزمه على الحرب؟ فقال:

стр. 4730

إنَّ الأُلَى بالطَّف من آل هاشِمٍ ... تأسَّوْا فسَنُّوا للكرَام التأسِّيَا قال: فعلمتُ أنه لا يَرِيمُ حتَّى يُقتَل، وكان عبدُ الملك - فيما ذكر محمَّد بنُ عمر عن عبد الله بن محمَّد بن عبد الله بن أبي قرّة، عن إسحاقَ بن عبد الله بن أبي فَرْوة، عن رَجاء بن حَيْوَة - قال: لمَّا قتَل عمرو بن سعيد وضع السيف فقتل من خالفه، فلمَّا أجمع بالمسير إلى مُصعب وقد صفت له الشام وأهلها خَطَب الناسَ وأمرهم بالتهُّيؤ إلى مصعب، فاختلف عليه رؤساء أهل الشام من غير خلاف لما يريده، ولكنهم أحَبُّوا أن يقيمَ ويقدّم الجيوش، فإن ظفروا فذاك، وإن لم يظفروا أمدَّهم بالجيوش خشيةً على الناس إن أصِيب في لقائه مصعبًا لم يكن وراءه ملك، فقالوا: يا أميرَ المؤمنين، لو أقمتَ مكانَك وبعثتَ على هؤلاء الجيوش رجلًا من أهل بيتك، ثمّ سرّحتَه إلى مصعب! فقال عبدُ الملك: إنَّه لا يقوم بهذا الأمر إلّا قرشيّ له رأي، ولعلِّي أبعث من له شجاعة ولا رأي له، وإني أجد في نفسي أني بصيرٌ بالحرب، شجاعٌ بالسَّيف إنْ ألجِئتُ إلى ذلك، ومصعب في بيت شجاعة، أبوه أشجع قريش، وهو شجاع ولا علم له بالحرب، يُحبّ الخفض، ومعه من يُخالفه، ومعي من ينصح لي، فسار عبد الملك حتَّى نزل مَسْكِن، وسار مصعب إلى باجُمَيْرَا، وكتب عبدُ الملك إلى شيعته من أهل العراق، فأقبل إبراهيم بنُ الأشتر بكتاب عبد الملك مختومًا لم يقرأه، فدفعه إلى مصعب، فقال: ما فيه؟ فقال: ما قرأته، فقرأه مصعب فإذا هو يدعوه إلى نفسه، ويجعل له ولاية العراق، فقال لمصعب: إنَّه والله ما كان من أحد آيس منه مني، ولقد كتب إلى أصحابك كلّهم بمثل الّذي كتب إليّ، فأطعْني فيهم فاضربْ أعناقهم، قال: إذًا لا تُناصحُنا عشائرُهم. قال: فأوقرْهم حديدًا وابعث بهم إلى أبيض كسرَى فأحبسْهم هنالك. ووكِّل بهم من إن غُلِبْتَ ضرب أعناقهم، وإن غَلبت مَننتَ بهم على عشائرهم، فقال: يا أبا النعمان، إني لَفي شغل عن ذلك، يرحَم اللهُ أبا بَحْر، إنْ كان ليَحذّرني غدرَ أهل العراق، كأنَّه كان يَنظُر إلى ما نحن فيه! (٦/ ١٥٤ - ١٥٧). وقال الهيثم بنُ عَدِيّ: حدّثنا عبدُ الله بنُ عَيَّاش، عن أبيه، قال: إنَّا لوُقُوفٌ مع عبد الملك بن مروان وهو يُحارب مصعبًا إذْ دنا زِياد بن عمرو، فقال: يا أمير
следующие страницы →