← История

История · id 145435

صحيح وضعيف تاريخ الطبري

محمد بن طاهر البرزنجي

Полный текст (6 167 стр.). Показаны 4726–4765 · переход к 4731.

стр. 4726

وحذَّرنا نارًا! وأمَّا الذي كان بينك وبين عمرو فإنّ عَمرًا ابن عمك، وأنت أعلَم وما صنعت، وقد وَصَل عمرو إلى الله وكفَى بالله حسيبًا، ولَعَمري لئن أخذتَنا بما كان بينك وبينَه لبطن الأرض خيرٌ لنا من ظَهرها، فرِقّ لهم عبدُ الملك رقَّة شديدة، وقال: إنّ أباكم خيَّرني بين أن يقتُلني أو أقتله، فاخترتُ قتلَه على قتلي، وأمَّا أنتم فما أرغبني فيكم، وأوصلني لقرابتكم، وأرعاني لحقَكم! فأحسن جائزتَهم، ووصَلهم وقرّبهم. وذكر أنّ خالد بن يزيدَ بنَ معاوية قال لعبد الملك ذات يوم: عجبٌ منك مِن عمرو بن سعيد، كيف أصبت غِرّته فقتلَته! فقال عبد الملك: دَانَيتُه مِنِّي لِيَسكنَ رُوعُه ... فأَصُولَ صَولةَ حازِمٍ مسْتَمكنِ غَضَبًا ومحمِيةً لدِيني إِنَّه ... ليسَ المُسِيءُ سبيلُه كالمُحسِن قال عَوانة: لقيَ رجلٌ سعيدَ بن عمرو بن سعيد بمكَّة، فقال له: وربّ هذه البَنِيَّةَ، ما كان في القومَ مثل أبيك، ولكنهَّ نازع القوم ما في أيديهم فعَطِب (١). (٦/ ١٤٧ - ١٤٨). وكان الواقديّ يقول: إنَّما كان في سنة تسع وستِّين بين عبد الملك بن مروانَ وعمرو بن سعيد الحصار، وذلك أنّ عمرو بن سعيد تَحصّن بدمَشق فرجع عبدُ الملك إليه من بُطنان حَبيب، فحاصَرَه فيها؛ وأمَّا قتلُه إيَّاه فإنَّه كان في سنة سبعين (٢). (٦/ ١٤٨). وفي هذه السَّنة حكَّم محكِّم من الخوارج بالخَيْف من مِنىً فقُتِل عند الجمرة، ذَكر محمَّد بنُ عمرَ أن يحيى بن سعيد بن دينار حدّثه عن أبيه، قال: رأيته عند الجمرة سَلّ سيفه، وكانوا جماعةً فأمسَك اللهُ بأيديهم، وبَدر هو من بينهم، فحكم، فمال الناسُ عليه فقَتلوه (٣). (٦/ ١٤٨ - ١٤٩).

стр. 4727

ثم دخلت سنة سبعين ذكر ما كان فيها من الأحداث وفيها شخص - فيما ذَكر محمّدُ بن عمرَ - مصعبُ بن الزبير إلى مكَّة فقدمها بأموال عظيمة، فقسمها في قومه وغيرهم، وقدم بدوالت كثيرة وظَهْر وأثقال، فأرسل إلى عبد الله بن صَفْوان وجُبَير بن شَيْبة، وعبد الله بن مطيع مالًا كثيرًا، ونحر بُدْنًا كثيرة (١). (٦/ ١٥٥). ثم دخلت سنة إحدى وسبعين ذكر ما كان فيها من الأحداث وكان عبد الملك - فيما قيل - لا يزال يقرب من مصعب، حتّى يبلغ بطنان حَبيب، ويخرج مصعب إلى بَاجُمَيرَا، ثم تهجُم الشتاء فيرجع كلّ واحد منهما إلى موضعه، ثم يعودان؛ فقال عديّ بن زيد بن عديّ بن الرّقاع العامليّ: لعمْري لقدْ أصحرَتْ خَيلُنا ... بأَكْناف دِجْلة للمُصعَبِ إذا ما مُنافق أهل العِرَا ... قِ عُوتب ثُمّتَ لم يُعْتَب دَلَفْنا إليهِ بذي تُدْرأَ ... قليل التَّفَقُّدِ للغُيَّبَ يهِزُّون كلَّ طويل القَنا ... ة مُلْتَئِم النَّصْلِ والثَّعْلَبِ كأنَّ وعَاهُمْ إذا ما غَدوْا ... ضجيجُ قَطا بلدٍ مُخصبِ فقدَّمنا واضح وجْهُهُ ... كريم الضّرائب والمنْصِبِ أُعِينَ بِنَا ونُصِرْنَا بِهِ ... ومن يَنْصر اللهُ لم يُغلَب (٦/ ١٥١) قال أبو زيد: قال أبو الحسن: فحدّثني شيخٌ من بني عرين، عن السكن بن قتَادة، قال: اقتتلوا أربعةً وعشرين يومًا، وأصيبتْ عين مالك، فضجر من الحرب، ومشت السفراء، بينهم يوسف بنُ عبد الله بن عثمان بن أبي العاص، فصالحه، على أن يُخرج خالدًا وهو آمن، فأخرج خالدًا من البصرة، وخاف ألا

стр. 4728

يجيز المُصعبُ أمانَ عُبيد الله، فَلحق مالك بثأج، فقال الفرَزْدق يَذكر مالكًا ولُحوقَ التميميَّة به وبخالد: عجِبْتُ لأقوامٍ تميمٌ أَبُوهُمُ ... وهُمْ في بني سعدٍ عِظامُ المَبارِكِ وكانوا أعزَّ الناسِ قبل مَسيرِهِمْ ... إلى الأزْد مُصْفَرًّا لِحاها ومالكِ فما ظَنُّكم بابن الحَوارِيِّ مُصْعَبٍ ... إذا افترَّ عن أَنيابِه غيْرَ ضاحِكِ ونحنُ نفَيْنا مالكًا عن بِلادِه ... ونحن فَقَأنا عَيْنَهُ بالنَّيَازِك (٦/ ١٥٣ - ١٥٤). قال أبو زيد: فزعم المدائنيّ وغيرهُ من رُواة أهل البَصْرة أنّه أرسَل إليهم فأتِيَ بهم، فأقبل على عُبيد الله بن أبي بَكرة، فقال: يا بنَ مَسْروح، إنَّما أنت ابنُ كَلْبة تعاوَرُها الكلاب، فجاءت بأحمر وأسوَد وأصفرَ من كلّ كلب بما يُشبهه، وإنَّما كان أبوك عبدًا نَزل إلى رسول الله - صلي الله عليه وسلم - من حصن الطائف، ثم أقمْتم البيِّنة تدّعون أن أبا سُفْيانَ زنى بأمِّكم، أما والله لئن بقيتُ لألحقنكم بنَسبكم، ثمّ دعا بحُمْران فقال: يابن اليَهوديّة، إنَّما أنت علْج نَبطيّ سُبيت من عَيْن التَّمر. ثمّ قال للحَكَم بن المنذر بن الجارود: يا بنَ الخَبيث، أتَدري مَن أنت ومن الجارودُ! إنَّما كان الجارودُ علْجًا بجزيرة ابن كاوَان فارسيًّا، فقطع إلى ساحل البحر، فانتمى إلى عبد القيس، ولا والله ما أعرف حَيًّا أكثرَ اشتمالًا على سَوْءة منهم، ثمّ أنكَح أختَه المُكَعْبر الفارسيّ فلم يُصب شرَفًا قطّ أعظم منه، فهؤلاء ولدُها يا بن قُباذ، ثمّ أتِيَ بعبد الله بن فضالة الزّهرانيّ فقال: ألستَ من أهل هَجَر، ثمّ من أهل سَماهيج! أما والله لأرُدّنَّك إلى نَسَبك، ثمّ أتي بعليّ بن أصمع، فقال: أعَبْد لبني تميم مرّةً وعَزْيٌ من باهلة! ثمّ أتِيَ بعبد العزيز بن بشْر بن حَنَّاط فقال: يا بن المشتور، ألم يسرق عمُّك عنزًا في عهد عمرَ؛ فأمر به فسيِّر ليقطعه! أما والله ما أعنتَ إلا من يَنكح أختَك - وكانت أختُه تحت مقاتل بن مِسمَع - ثم أتِيَ بأبي حاضر الأسدّي فقال: يا بن الإصْطَخريّة، ما أنتَ والأشراف! وإنما أنت من أهل قطَر دَعِيٌّ في بني أسَد، ليس لك فيهم قريب ولا نسب، ثم أتيَ بزياد بن عمرو فقال: يا بن الكَرْمانيّ، إنَّما أنت عِلْج من أهل كَرْمان قطعت إلى فارسَ فصرتَ مَلّاحًا، ما لكَ وللحَرْب! لأنْتَ بَجرّ القَلْس أحذْقُ، لمّ أتِيَ بعبد الله بن عثمانَ بن أبي العاص فقال: أعَلَيّ تَكَشِّر وأنت علْج

стр. 4729

من أهل هَجَر، لحق أبوك بالطَّائف وهم يضمّون من تأشَّب إليهم يتعزَّزون به! أما والله لأردنَّك إلى أصلك، ثم أتِيَ بشَيْخ بن النُّعْمان فقال: يا بن الخبيث، إنَّما أنت علْج من أهل زَنْدَوَرْد، هَرَبت أمك وقُتل أبوك، فتزوّج أختَه رجلٌ من بني يشكر، فجاءت بغلامين، فألحقنَاك بنسبَهما، ثم ضربهم مئةً مئة، وحلَّق رؤوسهم ولحاهم، وهدمَ دُورهم، وصهِرَهم في الشَّمس ثلاثًا، وحملهم على طلاق نسائهم، وجمَّر أولادَهم في البُعوث، وطاف بهم في أقطار البصرة، وأحلفهم ألّا يَنكحوا الحَرائر، وبعث مُصعبٌ خداشَ بن يزيدَ الأسَديّ في طلب من هَرَب من أصحاب خالد، فأدرَك سُرّة بن مَحْكانَ فأخذه، فقال مُرّةُ: بني أَسَدٍ إن تَقْتلوني تُحاربُوا ... تميمًا إذا الحرب العَوَانُ اشمَعَلَّتِ بني أَسد هَلْ فيكُم من هَوَادَةٍ ... فَتعْفُونَ إنْ كانتْ بيَ النَّعلُ زَلَّتِ فلا تَحْسبِ الأَعْداءُ إذ غبتُ عَنْهُمُ ... وأُوريِتُ مَعْنًا أنَّ حربيَ كلَّت تَمشَّى خِدَاشٌ في الأَسِكَّة آمِنًا ... وقد نَهَلَتْ مِنَي الرِّماحُ وعَلَّتِ فقرّبه خداش فقتله - وكان خِداش على شُرْطة مُصعب يومئذ - وأمر مصعب سنانَ بن ذهل أحد بني عمرو بن مَرْثَد بدار مالك بن مسمَع فهدَمها. وأخذ مُصعب ما كان في دار مالك، فكان فيما أخذ جارية ولدتْ له عمرَ بن مُصعَب، قال: وأقام مُصعَب بالبصرة حتى شخص إلى الكوفة، ثم لم يزل بالكوفة حتى خرج لحرب عبد الملك، ونزل عبدُ الملك مسكَن، وكتب عبدُ الملك إلى المَرْوانيَّة من أهل العراق، فأجابَه كلُّهم وشرطُوا عليه ولاية أصبهان، فأنعَم بها لهم كلهم، منهم حَجَّار بنُ أبجرَ، والغَضْبان بن القَبعْثرَى، وعتاب بن ورقاء، وقطن بن عبد الله الحارثي، ومحمد بن عبد الرحمن بن سعيد بن قيس، وزَحْر بن قيس، ومحمَّد بنُ عُمير، وعلى مقدّمته محمَّد بن مروان، وعلى ميمنته عبدُ الله بنُ يزيدَ بن معاوية، وعلى ميسرته خالدُ بن يزيدَ، وسار إليه مصعب وقد خذَله أهلُ الكوفة. قال عروة بن المغيرة بن شُعبة: فخرج يسيرُ متَّكئًا على مَعرَفة دابَّته، ثمَّ تَصفَّح الناس يمينًا وشمالًا فوقعت عينُه عليّ، فقال: يا عُرْوة، إليّ، فدنوتُ منه، فقال: أخبرني عن الحسين بن عليّ، كيف صَنَع بابائه النزول على حُكم ابن زياد وعَزمه على الحرب؟ فقال:

стр. 4730

إنَّ الأُلَى بالطَّف من آل هاشِمٍ ... تأسَّوْا فسَنُّوا للكرَام التأسِّيَا قال: فعلمتُ أنه لا يَرِيمُ حتَّى يُقتَل، وكان عبدُ الملك - فيما ذكر محمَّد بنُ عمر عن عبد الله بن محمَّد بن عبد الله بن أبي قرّة، عن إسحاقَ بن عبد الله بن أبي فَرْوة، عن رَجاء بن حَيْوَة - قال: لمَّا قتَل عمرو بن سعيد وضع السيف فقتل من خالفه، فلمَّا أجمع بالمسير إلى مُصعب وقد صفت له الشام وأهلها خَطَب الناسَ وأمرهم بالتهُّيؤ إلى مصعب، فاختلف عليه رؤساء أهل الشام من غير خلاف لما يريده، ولكنهم أحَبُّوا أن يقيمَ ويقدّم الجيوش، فإن ظفروا فذاك، وإن لم يظفروا أمدَّهم بالجيوش خشيةً على الناس إن أصِيب في لقائه مصعبًا لم يكن وراءه ملك، فقالوا: يا أميرَ المؤمنين، لو أقمتَ مكانَك وبعثتَ على هؤلاء الجيوش رجلًا من أهل بيتك، ثمّ سرّحتَه إلى مصعب! فقال عبدُ الملك: إنَّه لا يقوم بهذا الأمر إلّا قرشيّ له رأي، ولعلِّي أبعث من له شجاعة ولا رأي له، وإني أجد في نفسي أني بصيرٌ بالحرب، شجاعٌ بالسَّيف إنْ ألجِئتُ إلى ذلك، ومصعب في بيت شجاعة، أبوه أشجع قريش، وهو شجاع ولا علم له بالحرب، يُحبّ الخفض، ومعه من يُخالفه، ومعي من ينصح لي، فسار عبد الملك حتَّى نزل مَسْكِن، وسار مصعب إلى باجُمَيْرَا، وكتب عبدُ الملك إلى شيعته من أهل العراق، فأقبل إبراهيم بنُ الأشتر بكتاب عبد الملك مختومًا لم يقرأه، فدفعه إلى مصعب، فقال: ما فيه؟ فقال: ما قرأته، فقرأه مصعب فإذا هو يدعوه إلى نفسه، ويجعل له ولاية العراق، فقال لمصعب: إنَّه والله ما كان من أحد آيس منه مني، ولقد كتب إلى أصحابك كلّهم بمثل الّذي كتب إليّ، فأطعْني فيهم فاضربْ أعناقهم، قال: إذًا لا تُناصحُنا عشائرُهم. قال: فأوقرْهم حديدًا وابعث بهم إلى أبيض كسرَى فأحبسْهم هنالك. ووكِّل بهم من إن غُلِبْتَ ضرب أعناقهم، وإن غَلبت مَننتَ بهم على عشائرهم، فقال: يا أبا النعمان، إني لَفي شغل عن ذلك، يرحَم اللهُ أبا بَحْر، إنْ كان ليَحذّرني غدرَ أهل العراق، كأنَّه كان يَنظُر إلى ما نحن فيه! (٦/ ١٥٤ - ١٥٧). وقال الهيثم بنُ عَدِيّ: حدّثنا عبدُ الله بنُ عَيَّاش، عن أبيه، قال: إنَّا لوُقُوفٌ مع عبد الملك بن مروان وهو يُحارب مصعبًا إذْ دنا زِياد بن عمرو، فقال: يا أمير

стр. 4731

المؤمنين، إنّ إسماعيلَ بن طَلْحة كان لي جارَ صدق، قَلَّما أرادَني مُصَعب بسوء إلا دَفَعهُ عني، فإن رأيتَ أن تؤمّنَه على جرمه قال: هو آمن. فمضى زياد - وكان ضخمًا على ضَخم - حتَى صار بين الصفَّين، فصاح: أين أبو البخْتَري إسماعيلُ بن طَلْحة؟ فخرج إليه، فقال: إني أريد أن أذكر لك شيئًا، فَدنا حتَّى اختلفت أعناقُ دوابِّهما - وكان الناس ينتَطقون بالحَواشي المحشوّة - فوَضَع زياد يده في منطقَة إسماعيلَ، ثمّ اقتلَعه عن سَرْجه - وكان نَحيفًا - فقال: أنشدك الله يا أبا المغيرة، إنّ هذا ليس بالوفاء لمصعب، فقال: هذا أحبّ إليّ من أن أراك غَدًا مقتولًا. ولمَّا أبى مصعب قبول الأمان نادى محمَّد بنُ مروان عيسى بن مصعب وقال له: يا بن أخي، لا تقتل نفسك، لك الأمان، فقال له مُصعب: قد آمَنَك عَمُّك فامض إليه، قال: لا تتحدّث نساءُ قريش أني أسْلَمتك للقتل؛ قال: فتقدّم بين يديَّ أحتَسِبْك، فقاتل بين يديه حتَّى قتل، وأثخِن مصعب بالرّمْي، ونظر إليه زائدة بن قدامةَ فشَدّ عليه فطعنه، وقال: يا لثأرات المختار! فصرعه، ونزل إليه عُبيد الله بنُ زياد بنِ ظَبْيانَ، فاحتزّ رأسَه، وقال: إنَّه قتَل أخي النابيء بن زياد، فأتِيَ به عبد الملك بن مروان فأثابَه ألف دينار، فأبَى أن يأخذها. وقال: إني لم أقتله على طاعتك، إنما قتلتُه على وِتْرٍ صنَعه بي، ولا آخذُ في حَمْل رأس مالًا، فتركه عند عبد الملك. (٦/ ١٥٩). وكان الوِتْر الذي ذكَرَه عُبيدُ الله بن زياد بن ظبيان أنه قتل عليه مصعبًا أنّ مصعبًا كان وَلي في بعضِ ولايته شرطه مطرّف بن سيدان الباهليّ ثم أحد بني جَأوة. فحدّثني عمرُ بنُ شَبَّة، قال: حدّثني أبو الحسن المَدائني ومَخلدَ بنُ يحيى بن حاضر، أنّ مطرّفًا أتِيَ بالنابيء بن زياد بن ظَبْيان ورجل من بني نُمَير قد قطعا الطريق، فقتل النابيء، وضرب النميريّ بالسياط فترَكه، فجمع له عبيدُ الله بنُ زياد بن ظَبيان جَمْعًا بعد أن عزله مُصعب عن البصرة وولّاه الأهواز، فخرج يريده، فالتقَيَا فَتوافَقا وبينهما نهر، فعبر مطرف إليه النَّهرَ، وعاجَله ابنُ ظَبْيان فطعَنه فقتَله، فبعث مصعبٌ مكرم بن مطرّف في طَلَب ابن ظبْيانَ، فسار حتَّى بلغ عسكرَ مُكرَم، فنُسِب إليه، ولم يلق ابنَ ظَبْيان، ولحق ابن ظَبْيان بعبد الملك

стр. 4732

لمَّا قُتِل أخوه، فقال البَعيثُ اليَشْكُريّ بعد قتْل مُصعَب يَذكرُ ذلك: ولما رأينا الأَمر نكْسًا صُدُورُهُ ... وهمّ الهَوادِي أن تكُنَ توالِيا صَبَرْنا لأمر الله حتَّى يُقيَمهُ ... ولم نَرْضَ إلَّا مِنْ أُمَيَّةَ واليا ونحْنُ قَتَلنا مُصْعَبًا وابنَ مُصْعبٍ ... أخَا أَسَدٍ والنَّخَعِيَّ اليمانِيَا ومرّتْ عُقَابُ الموتِ مِنَّا بمسِلمٍ ... فأهْوَتْ له نابًا فأصبَحَ ثَاويَا سقَيْنا ابن سيدانٍ بكأْسٍ روِيَّةٍ ... كَفَتَنْا، وخيرُ الأَمر ما كان كافيا (٦/ ١٥٩ - ١٦٠) حدّثني أبو زيد، قال: حدّثني عليّ بنُ محمد، قال: مَرّ ابنُ ظَبْيَان بابنة مطرِّف بالبصرة، فقيل لها: هذا قاتلُ أبيك، فقالت: في سبيل الله أبي، فقال ابنُ ظَبْيان: فلا في سبيلِ الله لاقَى حِمَامَهُ ... أَبُوكِ ولكنْ في سبيلِ الدَّرَاهِم فلمَّا قُتل مُصعب دعا عبدُ الملك بنُ مروان أهلَ العراق إلى البيعة، فبايَعوه، وكان مُصعَب قُتل على نهر يقال له الدّجَيْل عند دَيْر الجاثَلِيق فلمَّا قُتل أمَرَ به عبدُ الملك وبابنه عيسى فدُفِنا. (٦/ ١٦٠). ذكر الواقديّ عن عثمان بن محمَّد، عن أبي بكر بن عُمَر، عن عروة قال: قال عبدُ الملك حين قُتِل مُصَعب: وارُوهُ فقد والله كانت الحُرْمة بيننا وبينَه قديمةً، ولكن هذا المُلْك عقيم. (٦/ ١٦٠ - ١٦١). قال أبو زيد: وحدّثني أبو نعيم، قال: حدّثني عبدُ الله بنُ الزّبير أبو أبي أحمَد، عن عبد الله بن شريك العامريّ، قال: إني لَواقفٌ إلى جنب مصعب بن الزّبير فأخرجتُ له كتابًا من قَبائي، فقلتُ له: هذا كتابُ عبد الملك، فقال: ما شئتَ، قال: ثم جاء رجلٌ من أهل الشام فدخل عسكره، فأخرجَ جارية فصاحت: واذُلّاه! فنظر إليها مُصعَب، دمّ أعرَض عنها. قال: وأتِيَ عبدُ الملك برأس مُصعب، فنظر إليه فقال: متى تَغذو قريشٌ مِثلَك! وكانا يتحدّثان إلى حُبَّى، وهما بالمدينة، فقيل لها: قُتِل مصعب، فقالتْ: تَعِس قاتِلُه! قيل: قتله عبدُ الملك بنُ مروان، قالت: بأبي القاتلُ والمقتول!

стр. 4733

قال: وحَجّ عبدُ الملك بعدَ ذلك، فدخلتْ عليه حُبَّى، فقالت: أقتلتَ أخاك مُصعَبًا؟ فقال: من يذُقِ الحرْبَ يَجِد طَعْمَها ... مُرًّا وتَتْرُكهُ بجعجاعِ وقال ابن قيس الرُّقيَّات: لقد أَوْرَثَ المِصريْنِ خِزْيًا وذِلةً ... قتيلٌ بدَيْر الجاثَلِيقِ مُقيمُ فما نصحتْ لله بكرُ بنُ وائلٍ ... ولا صَبرتْ عندَ اللِّقاء تميمُ ولو كان بكْرِيًّا تَعَطَّفَ حَوْلَهُ ... كتائبُ يَغلِي حَمْيُها ويَدُومُ ولكنَّه ضاعَ الذمامُ ولم يكن .... بها مُضَرِيٌّ يَوْمَ ذاكَ كرِيم جَزى الله كُوفيًّا هناك ملامَة ... وبَصْرِيَّهم إنَّ المُليمَ مُلِيم وإنَّ بني العَلَّاتِ أخلَوْا ظُهورَنا ... ونحن صرِيح بيْنَهُمْ وصميمُ فإن نَفْنَ لا يبْقَوْا ولا يكُ بعْدَنا ... لِذِى حُرْمَةٍ في المسلمين حَريمُ (٦/ ١٦١ - ١٦٢) ذكر الخبر عن دخول عبد الملك بن مروان الكوفة ولمَّا أتى عبدُ الملك الكوفةَ - فيما ذكر - نزل النُّخَيلة، ثمّ دعا النَّاس إلى البيعة، فجاءت قُضاعةُ، فرأى قِلَّة، فقال: يا معشر قُضاعة، كيف سَلِمتم من من مُضَرَ مع قِلَّتكم! فقال: عبدُ الله بنُ يَعلى النَّهديّ: نحن أعزّ منهم وأمنَع، قال: بِمَن؟ قال: بمن معك منَّا يا أميرَ المؤمنين. ثمّ جاءت مَذْحج وهَمْدان فقال: ما أرى لأحد مع هؤلاء بالكوفة شيئًا، ثمّ جاءت جُعفِيٌّ، فلمَّا نظر إليهم عبدُ الملك قال: يا معشر جعفيّ، اشتَملْتم على ابن أختكم، وواريتموه؛ يعني يحيَى بنَ سعيد بن العاص - قالوا: نعم، قال: فهاتوه؛ قالوا: وهو آمنٌ؟ قال: وتشترطون أيضًا! فقال رجل منهم: إنا والله ما نشترط جَهْلًا بحقِّك، ولكنَّا تتسحَّب عليه تَسَحُّب الولد على والِده، فقال: أما والله لَنعِمَ الحيّ أنتم؛ إن كنتم لَفُرسانًا في الجاهليَّة والإسلام، هو آمِن، فجاؤوا به وكان يُكنى أبا أيوب، فلمَّا نظر إليه عبدُ الملك قال أبا قبيح، بأيّ وجهٍ تَنظرُ إلى ربِّك وقد خلعْتني! قال: بالوجه الَّذي خلقه، فبايع ثمّ ولى فنظر عبدُ الملك في قَفاه فقال: لله دَرّه! أيَّ ابن زَوْمَلَة هو! يعني غَريبة. (٦/ ١٦٢ - ١٦٣).

стр. 4734

ثم جاءتْ كِنْدة فنظر إلى عبد الله بن إسحاقَ بن الأشعث، فأوصَى به بِشرًا أخاه، وقال: اجعَلْه في صَحابتِك، وأقبَل داودُ بنُ قَحْذَم في مئتين من بَكر بن وائل، عليهم الأقْبية الداوودّية، وبه سُمّيَتْ، فجلس مع عبد الملك على سريره، فأقبل عليه عبدُ الملك، ثمّ نهض ونهضوا معه، فأتبعهم عبدُ الملك بصره، فقال: هؤلاء الفُسَّاق، والله لولا أنّ صاحبهم جاءني ما أعطاني أحدٌ منهم طاعة. ثمّ إنَّه ولَّى - فيما قيل - قَطَنَ بنَ عبد الله الحارثيّ الكوفةَ أربعين يومًا ثمّ عزله، وولَّى بِشْرَ بن مَرْوان وصَعِد مِنبرَ الكُوفة فخَطَب فقال: إنَّ عبدَ الله بنَ الزبير لو كان خليفةً كما يزعم لخرج فآسى بنفسه، ولم يغرزْ ذَنبَه في الحرَم، ثم قال: إني قد استعملتُ عليكم بِشرَ بنَ مروان، وأمَرْته بالإحسان إلى أهل الطاعة، والشدّة على أهل المعصية، فاسمعوا له وأطيعوا. واستعمل محمَّد بن عُمَير على هَمذان، ويزيدَ بنَ رُؤَيم على الرَّيّ، وفَرّق العُمَّالَ، ولم يف لأحد شرَط عليه ولايةَ أصبهَان؛ ثم قال: عليّ هؤلاء الفُسَّاق الَّذين أنْغَلُوا الشام، وأفسدوا العراق، فقيل: قد أجارهم رؤساءُ عشائِرهم، فقال: وهل يجير عليّ أحد! وكان عبدُ الله بن يزيد بن أسد لجأ إلى عليّ بن عبد الله بن عبَّاس، ولجأ إليه أيضًا يحيى بن مَعْيُوف الهمدانيّ، ولجأ الهذَيل بنُ زُفرَ بن الحارث وعمرو بن زيد الحَكَميّ إلى خالد بن يزيدَ بن معاوية، فآمَنهم عبدُ الملك، فَظهروا. (٦/ ١٦٤). قال أبو جعفر: وفي هذه السنة تنازَع الرّياسة بالبصرة عُبيدُ الله بن أبي بكرة وحُمران بن أبان، فحدّثني عمرُ بنُ شبَّة قال: حدّثني عليّ بنُ محمَّد قال: لمّا قُتِل المُصعَب وثب حُمرانُ بن أبان وعُبيد الله بنُ أبي بَكْرة فتنازَعا في ولاية البَصرة، فقال ابن أبي بكرة: أنا أعظم غناءً منك، أنا كنت أنْفِق على أصحاب خالد يوم الجُفْرة، فقيل لحُمران: إنَّك لا تقوَى على ابن أبي بَكْرة، فاستَعِنْ بعبد الله بن الأهتم، فإنَّه إن أعانك لم يقْو عليك ابنُ أبي بَكْرة، ففعل، وغلب حُمْران على البَصْرة وابن الأهتمِ على شُرطها. وكان لحُمْرَان منزلةٌ عند بني أميَّة؛ حدثني أبو زيد قال: حدّثني أبو عاصم

стр. 4735

النَّبيل قال: أخبرني رجلٌ قال: قَدِم شيخٌ أعرابيّ فرأي حُمرانَ فقال: من هذا؟ فقالوا: حُمْران؛ فقال: لقد رأيتُ هذا وقد مال رِداؤه عن عاتقِهِ فابتدره مروان وسعيدُ بن العاص أيّهما يسوّيه، قال أبو زيد: قال أبو عاصم: فحَدَّثتُ بذلك رجلًا من وَلَد عبد الله بن عامر، فقال: حدّثني أبي أنّ حُمْران مَدَّ رجلَه فابتدر معاوية وعبد الله بنَ عامر أيّهما يَغِمزها. (٦/ ١٦٥). خطبة عبد الله بن الزبير بعد مقتل مصعب وذكر أبو زيد عن أبي غَسَّان محمَّد بن يحيى، قال: حدثني مصعب بنُ عثمانَ، قال: لمَّا انتهى إلى عبد الله بن الزبير قتلُ مُصعب قام في الناس فقال: الحمد لله الَّذي له الخلق والأمر، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويُعِزُّ من يشاء ويُذلّ من يشاء، ألا وإنَّه لم يُذْلل اللهُ من كان الحقّ معه وإن كان فردًا، ولم يُعزِزْ من كان وليَّه الشَّيطان وحِزْبُه وإن كان معه الأنام طُرًّا، ألا وإنَّه قد أتانا من العراق خبرٌ أحزننا وأفْرَحَنا، أتانا قتل مصعب رحمةُ الله عليه، فأما الَّذي أفرَحَنا فعلمُنا أنّ قتلَه له شهادة، وأمَّا الذي أحَزَننا فإنّ لفراق الحميم لوعة يَجِدها حميمُه عند المصيبة، ثم يَرْعَوِي مِنْ بَعدِها ذو الرِأي إلى جميل الصبر وكريمِ العَزَاء، ولئن أصِبت بمصعب لقد أصبت بالزبير قبله، وما أنا من عثمانَ بخِلْوِ مصيبة، وما مصعب إلّا عبدٌ من عَبيد الله وعَونٌ من أعواني، ألا إنّ أهل العراق أهل الغَدْر والنفاق، أسلَموه وباعُوه بأقلّ الثمن، فإنْ يُقتلْ فإنَّا والله ما نموت على مَضاجِعنا كما تموت بنو أبي العاص، والله ما قُتِل منهم رجلٌ في زَحْف في الجاهليَّة ولا الإسلام، وما نموت إلّا قَعْصًا بالرّماح، وموتًا تحت ظِلال السيوف، ألا إنَّما الدنيا عاريَّة من المَلِك الأعلى الَّذي لا يزول سلطانُه، ولا يَبِيدُ مُلكُه، فإن تُقبل لا آخذها أخذ الأشر البطر، وإن تُدْبر لا أبْك عليها بكاءَ الحَرِق المَهين؛ أقول قولي هذا وأستغفرُ اللهُ لي ولكم (١) (٦/ ١٦٦). وذكر أنّ عبدَ الملك لمَّا قتل مصعبًا ودخل الكوفة أمرَ بطعام كثير فصُنِع وأمر به إلى الخَوَرْنَق، وأذِن إذنًا عامًّا، فدخل الناسُ فأخذوا مجالسهم، فدخل

стр. 4736

عمرو بن حُرَيْث المخزوميّ فقال: إليّ وعلى سريري، فأجلسَه معه، ثم قال: أيّ الطعام أكلتَ أحبّ إليك وأشهى عندك؟ قال: عَناق حَمراء قد أجيد تمليحُها؛ وأحكِم نضجها، قال: ما صنعت شيئًا، فأين أنتَ من عُمْروس راضع قد أجيدَ سَمطُه، وأحكِم نُضجُه، اختلجت إليك رجْلهُ، فأتْبعتَها يدَه، غُذِي بشَرِيجَيْن من لبن وسمن، ثمّ جاءت الموائد فأكلوا، فقال عبدُ الملك بنُ مروان: ما ألذَّ عيشنا لو أنّ شيئًا يدوم! ولكنَّا كما قال الأول: وكلّ جديدٍ يا أُمَيمَ إِلى بِلىً ... وكلُّ امرئٍ يَوْمًا يصيرُ إلى كان فلما فرغ من الطعام طاف عبدُ الملك في القصر يقول لعَمرو بن حُرَيث: لِمَنْ هذا البيت؟ ومَنْ بَنَى هذا البيت؟ وعمرو يُخبِره، فقال عبدُ الملك: وكلُّ جديدٍ يا أُمَيمَ إلى بِلىً ... وكلُّ امرئٍ يومًا يصيرُ إلى كان ثمّ أتى مجلسَه فاستَلقى؛ وقال: اعْمل على مَهَلٍ فإِنَّك مَيّتٌ ... واكدَحْ لنَفْسِك أَيّهَا الإِنسَانْ فكأنَّ ما قد كان لم يكُ إذ مضى ... وكأنَّ ما هو كائنٌ قد كانْ وفي هذه السنة افْتَتح عبدُ الملك - في قول الواقديّ - قَيْسارِيّة (٦/ ١٦٧). ثم دخلت سنة اثنتين وسبعين ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث الجليلة قال أبو جعفر: فمن ذلك ما كان من أمر الخوارج وأمر المهلّب بن أبي صفرة وعبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسِيد. ذكَر هشامُ بنُ محمَّد، عن أبي مِخنَف أنّ حَصِيرة بن عبد الله وأبا زُهير العبسيّ حدّثاه أنّ الأزارقة والمهلَّب بعدما اقتتلوا بسُولافَ ثمانيةَ أشهر أشدَّ القتال، أتاهم أنّ مصعب بن الزّبير قد قُتِل، فبلغ ذلك الخوارجَ قبل أن يبلغ المهلَّب وأصحابه، فناداهم الخوارجُ: ألا تُخبِروننا ما قولكم في مُصعَب؟ قالوا: إمام هُدىً؛ قالوا: فهو وليّكم في الدنيا والآخرة؟ قالوا: نعم، قالوا: وأنتم أولياءه أحياءً وأمواتًا؟ قالوا: ونحن أولياؤه أحياءً وأمواتًا؛ قالوا: فما قولُكم في عبد الملك بن مروان؟ قالوا: ذلك ابنُ اللَّعين، نحن إلى الله منه بُراء، هو عندنا أحلُّ دمًا منكم، قالوا:

стр. 4737

فأنتم منه بُراء في الدّنيا والآخرة؟ قالوا: نعم كبراءتِنا منكم؛ قالوا: وأنتم له أعداءٌ أحياءً وأمواتًا؟ قالوا: نعم نحن له أعداء كعداوتِنا لكم، قالوا: فإن إمامَكم مُصعبًا قد قتله عبدُ الملك بنُ مروان، ونراكم ستَجعلون غدًا عبد الملك إمامكم، وأنتم الآن تتبرّؤون منه، وتلعَنون أباه! قالوا: كذبتم يا أعداء الله، فلما كان من الغد تبيّن لهم قتلُ مصعَب، فبايع المهلب الناس لعبد الملك بن مروان فأتتهم الخوارجُ فقالوا: ما تقولون في مصعَب؟ قالوا: يا أعداء الله، لا نخبركم ما قولنا فيه، وكرهوا أن يكذِّبوا أنفسَهم عندهم، قالوا: فقد أخبرتمونا أمسِ أنه وليّكم في الدنيا والآخرة وأنكم أولياءه أحياءً وأمواتًا، فأخبرونا ما قولكم في عبد الملك؟ قالوا: ذاك إمامنا وخليفتُنا - ولم يجدوا إذ بايعوه بُدًّا من أن يقولوا هذا القول - قالت لهم الأزارقة: يا أعداء الله. أنتم أمسِ تتبرّؤون منه في الدّنيا والآخرة، وتزعمون أنكم له أعداء أحياءً وأمواتًا، وهو اليوم إمامكم وخليفتُكم، وقد قتل إمامَكم الذي كنتم تولّونه! فأيهما المحِقّ، وأيهما المهتدي، وأيهما الضالّ! قالوا لهم: يا أعداء الله، رضينا بذاك إذ كان وليّ أمورنا، ونرضى بهذا كما رضينا بذاك، قالوا: لا والله ولكنكم إخوان الشياطين، وأولياء الظالمين، وعَبيدُ الدنيا! وبَعث عبدُ الملك بنُ مروان بشرَ بن مروان على الكوفة، وخالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد على البَصرة، فلما قدم خالد أثبت المهلب على خَراج الأهواز ومَعُونتها، وبعث عامر بن مِسْمع على سَابُور، ومُقاتِل بن مسمع على أرْدشِيرْ خُرَّه، ومِسمَع بن مالك بن مِسمَع على فَسَا ودرابْجِرْد، والمغيرة بن المهلب على إصطخر. ثمّ إنه بعث إلى مُقاتِل فَبَعثَه على جيش، وألحَقَه بناحية عبد العزيز فخرج يطلب الأزارقة، فانحطّوا عليه من قِبلَ كَرْمان حتى أتَوْا دَرَابْجِرد، فسار نحوَهم، وبعث قَطَريّ مع صالح بن مخْراق تسعمئة فارس، فأقبَل يسيرُ بهم حتى استقبَل عبدَ العزيز وهو يسير بالناس ليلًا، يجرون على غير تعبية، فهزم الناس، ونزَل مُقاتِل بن مِسمَع فقاتل حتى قُتِل، وانهزم عبدُ العزيز بنُ عبد الله، وأخِذت امرأتُه ابنة المنذر بن الجارود، فأقيمت فيمن يزيد، فبلغت مئةَ ألف - وكانت جميلةً - فغار رجل من قومها كان من رؤوس الخوارج يقال له: أبو الحديد الشَّنِّيّ، فقال: تنحّوا هكذا، ما أرَى هذه المُشركة إلا قد فتنتْكم، فضرب

стр. 4738

عنقَها، ثمّ زعموا أنه لَحِق بالبَصرة، فرآه آلُ منذر فقالوا: واللهِ ما ندري أنحْمَدُك أم نذُمّك! فكان يقول: ما فعلتُه إلّا غيْرة وحمِيّة، وجاء عبدُ العزيز حتى انتهى إلى رامَهُرُمُز، وأتى المهلّب فأخبر به، فبعث إليه شيخًا من أشْياخ قومه كان أحدَ فُرْسانه، فقال: ائته فإن كان منهزمًا فعَزّهِ وأخبره أنه لم يَفعَل شيئًا لم يَفعَله الناسُ قبَلَه، وأخبره أنّ الجنود تأتيه عادلًا، ثم يُعزّه الله ويَنصُره، فأتاه ذلك الرجل، فوجدوه نازلًا في نحو من ثلاثين رجلًا كئيبًا حزينًا، فسلم عليه الأزْديّ، وأخبره أنه رسول المهلّب، وبلّغه ما أمَره به، وعرض عليه أن يذكر له ما كانت له من حاجة، ثمّ انصرف إلى المهلب فأخبره الخبر، فقال له المهلب: الحق الآنَ بخالد بالبصرة فأخبرْه الخبر، فقال: أنا آتيه أخبرُه أنّ أخاه هُزِم! والله لا آتيه، فقال المهلّب: لا والله لا يأتيه غيرُك، أنت الذي عاينتَه ورأيته، وأنت كنتَ رسولي إليه، قال: هو إذًا بِهديك يا مهلّب أن ذهبَ إليه العامَ، ثمّ خرج، قال المهلّب: أما أنت والله فإنك لي آمن. أمَّا والله لو أنك مع غيري، ثمّ أرسلك على رجليك خرجت تشتد! قال له وأقبَل عليه: كأنك إنما تمنّ علينا بحِلْمك! فنحن والله نكافئكَ بل نزيد؛ أما تعلَم أنا نُعرّضِ أنفسنا للقتل دُونَك، ونحميك من عدوّك! ولو كنا والله مع من يَجهَل علينا، ويَبعثنا في حاجاته على أرْجُلِنا، ثمّ احتاج إلى قتالنا ونُصْرتنا جعلناه بينَنا وبين عدوّنا، ووقينا به أنفسنا، قال له المهلب: صدقتَ صدقتَ. ثمّ دعا فتىً من الأزْد كان معه فسرَّحه إلى خالد يخبِره خبر أخيه، فأتاه الفتى الأزديّ وحوله الناسُ وعليه جُبّةٌ خضراء ومُطرَفٌ أخضَر، فسلم عليه، فردّ عليه، فقال: ما جاءَ بك؟ قال: أصلحك الله! أرسلني إليك المهلب لأخبرَك خبرَ ما عاينتُه، قال: وما عاينتَ؟ قال: رأيت عبدَ العزيز برامَهُرمُز مهزومًا، قال: كذبت، قال: لا، والله ما كذبتُ، وما قلتُ لك إلا الحقّ، فإن كنتُ كاذبًا فاضربْ عُنقي، وإن كنتُ صادقًا فأعطِني أصلحك الله جُبتَك ومُطرفَك، قال: وَيْحَك! ما أيسَر ما سألت، ولقد رضيت مع الخطر العظيم إن كنت كاذبًا بالخطر الصَّغير إن كنت صادقًا، فحَبَسه وأمر بالإحسان إليه حتى تبيّنتْ له هزيمةُ القوم، فكَتَب إلى عبد الملك: أما بعد، فإني أخبر أميرَ المؤمنين أكرمه الله أني بعثتُ عبدَ العزيز بنَ عبد الله في طلب الخوارج، وأنّهم لقُوه بفارِسَ، فاقتَتَلوا قتالًا شديدًا، فانهزم

стр. 4739

عبدُ العزيز لما انْهَزَم عنه الناس، وقتِل مقاتل بنُ مِسمَح، وقدم الفَلّ إلى الأهْواز، أحببتُ أن أعلِم أميرَ المؤمنين ذلك ليأتيَني رأيُه وأمرهُ أنزل عندَه إن شاء الله، والسلام عليك ورحمة الله. فكَتَب إليه: أما بعد، فقد قَدِم رسولُك في كتابِك، تُعلِمني فيه بَعْثَتك أخاك على قتال الخوارج، وبهزيمة مَنْ هُزم، وقَتْل من قُتِل، وسألتُ رسولك عن مكان المهلّب، فحدّثني أنه عامل لك على الأهواز، فقَبح الله رأيك حين تَبُعث أخاك أعرابيًّا من أهل مكّة على القتال، وتدَع المهلب إلى جنبك يَجبي الخَراج، وهو المَيْمونُ النقيبةِ، الحَسَن السياسة، البصير بالحَرْب، المُقاسي لها، ابنها وابنُ أبنائها! انظر أن تنهض بالناس حتى تستقبلهم بالأهواز ومن وراء الأهواز، وقد بَعثتُ إلى بِشْر أن يُمدّك بجَيْش من أهل الكوفة، فإذا أنت لقيتَ عدوَّك فلا تَعمَل فيهم برأي حتى تُحضره المهلب، وتستشيره فيه إن شاء الله، والسلامُ عليكَ ورحمة الله. فشَقَّ عليه أنّه فَيَّل رأيَه في بِعْثةِ أخيه وتَرْكِ المهلب، وفي أنه لم يَرضَ رأيَه خالصًا حتى قال: أحضرْه المهلّبَ واستشرْه فيه. وكَتَب عبدُ الملك إلى بِشْر بن مَرْوان: أما بعد، فإني قد كتبتُ إلى خالد بن عبد الله آمُرُه بالنّهوض إلى الخوارِج، فسرِّحْ إليه خمسة آلاف رجل، وابعث عليهم رجلًا من قِبَلك ترضاه، فإذا قضَوْا غزاتَهم تلك صرفْتَهم إلى الرّيّ فقاتَلُوا عدوَّهم، وكانوا في مَسالِحهم، وجَبَوْا فيئهم حتى تأتي أيام عَقَبهم فتُعقبهم وتبعث آخرين مكانَهم. فقطع على أهل الكوفة خمسة آلاف، وبعث عليهم عبدَ الرحمن بَن محمد بن الأشعث، وقال: إذا قضيتَ غزاتَك هذه فانصرفْ إلى الرَّيّ. وكتب له عليها عهْدًا، وخرج خالدٌ بأهل البصرة حتى قَدِم الأهواز، وجاء عبد الرحمن بنُ محمَّد ببعث أهل الكوفة حتَّى وافاهم بالأهواز، وجاءت الأزارقة حتَّى دنَوْا من مدينة الأهواز ومن مُعسكَر القوم، وقال المهلَّب لخالد بن عبد الله: إني أرَى هاهنا سُفُنًا كثيرة، فضُمَّها إليك، فوالله ما أظُنّ القومَ إلّا مُحرِقيها، فما لبث إلّا

стр. 4740

ساعةً حتَى ارتفعتْ خيلٌ من خيلهم إليها فحرّقَتْها، وبعث خالد بن عبد الله على مَيمنَته المهلَّبَ، وعلى ميْسَرته داود بن قَحذَم من بني قيس بن ثعلبة، ومرّ المهلَّب على عبد الرحمن بن محمَّد ولم يُخندِق، فقال: يابن أخي، ما يَمنعك من الخَنْدق! فقال: واللهِ لهم أهوَنُ عليّ من ضَرْطة الجَمَل، قال: فلا يَهُونوا عليك يابن أخي، فإنَّهم سِباعُ العَرَب، لا أبرح أو تَضرِب عليك خندقًا؛ ففعل. وبلغ الخوارجَ قول عبد الرحمن بن محمَّد لهم: "أهوَنُ عليَّ مِن ضَرْطة الجمل"، فقال شاعرُهم: يا طالِبَ الحقِّ لا تُستَهْو بالأَمَلِ ... فإنَّ من دون ما تَهوى مَدى الأجلِ واعمَل لربِّك وأسأَله مثوبَتَهُ ... فإنَّ تَقْواه فاعلمْ أفضلُ العملِ واغزُ المخانِيثَ في الماذِيِّ مُعْلِمَة ... كيما تُصبّح غَدْوًا ضَرْطَةَ الجملِ فأقاموا نحوًا من عشرين ليلةً، ثمّ إن خالدًا زَحَف إليهم بالناس، فرأوا أمْرًا هالهم من عدَدَ الناس وعُدّتِهم، فأخذوا ينحازون، واجترأ عليهم الناس، فكَرّت عليهم الخيل، وزحف إليهم فانصرفوا كأنَّهم على حامِية وهم مولُّوِن لا يروْن لهم طاقة بقتال جماعة الناس، وأتبعهم خالدُ بنُ عبد الله داودَ بن قحذم في جيش من أهل البصرة، وانصرف خالد إلى البصرة، وانصرف عبدُ الرحمن بنُ محمَّد إلى الرَّيّ وأقام المهلَّب بالأهواز، فكتب خالدُ بنُ عبدِ الله إلى عبد الملك: أمَّا بعد: فإني أخْبر أميرَ المؤمنين أصلحه الله أني خرجتُ إلى الأزارقة الَّذين مرقوا من الدِّين، وخرجوا من وِلاية المسلمين، فالتقيْنا بمدينة الأهْواز فتناهضْنا فاقتتلنا كأشدّ قتال كان في الناس، ثمّ إنّ الله أنزَل نصرَه على المؤمنين والمسلمين، وضربَ الله وجوه أعدائه، فاتبعهم المسلمون يقتّلونهم، ولا يَمنعون ولا يمتنعون، وأفاءَ الله ما في عسكرهم على المسلمين، ثمّ أتبعتُهم داودَ بن قَحْذَم، واللهُ إن شاءَ مهلِكهم ومستأصِلهم؛ والسلام عليك. فلمَّا قَدم هذا الكتاب على عبد الملك كتب عبدُ الملك إلى بشْر بن مرْوان: أما بعد: فابعث من قِبَلك رجلًا شجاعًا بصيرًا بالحرب في أربعة آلاف فارس، فلْيَسيروا إلى فارس في طلب المارقة، فإنّ خالدًا كتب إليّ يخبِرني أنَّه قد بعث في طلبهم داود بن قَحْذَم، فمرْ صاحبك الَّذي تَبعث ألا يُخالف داودَ بن قَحْذَم إذا ما التَقَيا، فإنّ اختلافَ القوم بينهم عَوْن لعدوُهم عليهم، والسلامُ عليك.

стр. 4741

فبعث بشر بنُ مروان عَتَّاب بنَ ورقاء في أربعة آلاف فارِس من أهل الكوفة، فخرجوا حتَّى التقَوا هم وداودُ بنَ قَحْذم بأرض فارس، ثم اتَّبعوا القوم يطلبونهم حتى نفقت خيول عامتهم، وأصابهم الجَهْد والجوع، ورَجَع عامَّةُ ذَيْنك الجَيْشَين مُشاةً إلى الأهواز، فقال ابن قيسِ الرّقيَّات - من بني مخزوم - في هزيمة عبد العزيز وفرارِه عن امرأته: عبدَ العزيز فَضحْتَ جَيْشَك كلَّهمْ ... وتركتَهم صرعى بكلِّ سبيل من بين ذي عَطَشٍ يجودُ بنفْسِه ... ومُلَحَّبٍ بين الرِّجال قَتِيل هلَّا صبْرتَ مع الشهيد مقاتلًا ... إذ رُحْت منتكث القُوَى بأَصيل وتركت جيْشَك لا أمير عليهمُ ... فارجع بِعارٍ في الحياةِ طَويل ونَسيتَ عِرسك إذ تُقَادُ سَبِيَّةً ... تُبكي العيونَ برنَّةٍ وعَوِيلِ (١) (٦/ ١٦٨ - ١٧٣) خروج أبي فدَيك الخارجيّ وغلبته على البحرين وفي هذه السنة كان خروج أبي فُدَيك الخارجيّ، وهو من بني قَيْسِ بن ثعلبة، فغلب على البحرين، وقتل نجدةَ بن عامر الحنَفيّ، فاجتمع على خالد بن عبدِ الله نُزول قَطري الأهواز وأمرُ أبي فُديك، فبعث أخاه أميَّة بن عبد الله على جُند كثيف إلى أبي فُدَيك، فهزمه أبو فُدَيك، وأخذ جارية له فاتّخذها لنفسه، وسار أميَّةُ على فرس له حتَّى دخل البَصْرة في ثلاثة أيَّام، فكتب خالدٌ إلى عبد الملك بحالِه وحال الأزارقة. (٦/ ١٧٤). خبر توجيه عبد الملك الحجَّاج لقتال ابن الزبير (٢) وفي هذه السنة وجَّه عبدُ الملك الحجَّاجَ بن يوسفَ إلى مكة لقتال عبد الله بن

стр. 4742

الزّبير، وكان السبب في توجيهه الحَجَّاجَ إليه دونَ غيره - فيما ذُكر - أن عبدَ الملك لمَّا أراد الرّجوع إلى الشام، قام إليه الحجَّاج بنُ يوسفَ فقال: يا أمير المؤمنين، إني رأيتُ في منامي أني أخذتُ عبدَ الله بن يوسفَ فقال: يا أميرَ المؤمنين، إني رأيتُ في منامي أني أخذتُ عبدَ الله بن الزبير فسلَخْته، فابْعثْني إليه، وولّني قتالَه، فبعثه في جيش كثيف من أهل الشام، فسار حتَّى قَدِم مكَّة، وقد كتب إليهم عبدُ الملك بالأمان إنْ دخلوا في طاعتِه. فحدّثني الحارثُ، قال: حدّثني محمَّد بن سَعْد، قال: أخبَرَنا محمَّد بن عمرَ، قال: حدّثنا مُصعَب بنُ ثابت، عن أبي الأسودَ، عن عبَّاد بن عبدِ الله بن الزبير، قال: بعث عبدُ الملك بنُ مروان حين قُتِل مُصعَب بن الزبير الحجَّاجَ بنَ يوسف إلى ابن الزّبير بمكَّة. فخرج في ألفين من جُندِ أهل الشام في جُمادى من سنة اثنتين وسبعين، فلم يَعرِض للمدينة، وسلَك طريقَ العراق، فنزل بالطَائف، فكان يبْعَث البُعوثَ إلى عَرَفة في الخيل، ويبعث ابن الزّبير بَعْثًا فيقتتِلون هنالك، فكلّ ذلك تُهزَم خيل ابنِ الزّبير وتَرجع خيلُ الحجَّاج بالظَّفر، ثمّ كتب الحجَّاج إلى عبدِ الملك يستأذنه في حصار ابن الزبير ودخولِ الحَرَم عليه، ويُخبِره أن شوكَتَه قد كَلَّت، وتفَرَّق عنه عامَّة أصحابه، ويَسأله أن يمِدّه برجال، فجاءَه كتابُ عبدِ الملك، وكتب عبدُ الملك إلى طارِق بن عَمْرو يأمره بأن يَلحق بمن معه من الجُنْد بالحَّجاج، فسار في خمسة آلاف من أصحابه حتَّى لحق بالحَجَّاج، وكان قُدومُ الحَجَّاجِ الطائفَ في شعبان سنة اثنتين وسبعين، فلمَّا دخل ذو القعدة رَحَل الحجَّاج من الطائف حتّى نزل بئرَ مَيْمون وحصرَ ابن الزّبير. حجّ الحجَّاجُ بالناس في هذه السنة، وابن الزبير محصور، وكان قدومُ طارق مكَّة لهلالِ ذي الحِجَّة، ولم يَطُف بالبَيْت، ولم يصل إليه وهو مُحرِم، وكان يَلبَس السلاح، ولا تقرَب النساء ولا الطيب إلى أن قُتل عبدُ الله بن الزبير، ونَحَر ابنُ الزّبير بُدْنًا بمكَّة يوم النحر، ولم يحجَّ ذلك العامَ ولا أصحابه لأنَّهم لم يَقِفوا بعَرَفة. (٦/ ١٧٤ - ١٧٥). قال محمَّد بنُ عمر: حدثني سعيد بنُ مسلم بن بابك، عن أبيه، قال: حجَجتُ في سنة اثنتين وسبعين فَقدِمْنا مكَّة، فدخَلناها من أعلاها، فنجدُ أصحابَ الحَّجاج وطارق فيما بين الحَجون إلى بئرِ مَيْمون، فطفْنا بالبيت وبالصَّفا

стр. 4743

والمَرْوة، ثمّ حجّ بالناس الحجَّاجُ، فرأيتُه واقفًا بالهَضَبات من عَرَفة على فرس، وعليه الدِّرع والمِغفرَ، ثم صَدَر فرأيتهُ عَدَل إلى بئر ميمون، ولم يَطفْ بالبيت وأصحابه متسلّحون، ورأيتُ الطَّعام عندهم كثيرًا، ورأيت العير تأتي من الشام تحمل الطَّعام؛ الكعْك والسَّويق والدَّقيق؛ فرأيتُ أصحابَه مخاصيبَ، ولقد ابْتعْنا من بعضهم كعكًا بدرْهم، فكفانا إلى أن بَلغنا الجُحْفة وإنَّا لثلاثة نفر. (٦/ ١٧٥). قال محمَّد بن عمر: حدّثني مصعب بنُ ثابت، عن نافع مَولى بني أسَد، قال: - وكان عالمًا بفتنة ابنِ الزّبير - قال: حُصر ابنُ الزبير ليلةَ هلالِ ذي القعدة سنة اثنتين وسبعين. (٦/ ١٧٥). أمر عبد الله بن خازم السلمي مع عبد الملك وقال بعضهم: بَعث عبدُ الملك إلى ابن خازم سِنانَ بن مكمّل الغَنويّ، وكتب إليه: إنّ خُراسان طُعْمة لك، فقال له ابن خازم: إنما بَعثك أبو الذِّبّان لأنك من غَنِيّ، وقد عَلم أني لا أقتُل رجلًا من قيس، ولكن كُلْ كِتابَه. قال: وكتب عبدُ الملك إلى بكير بن وشاح أحد بني عَوْف بن سعد - وكان خليفة ابن خازم على مَرْو - بعهده على خراسان ووعده ومنَّاه، فخلع بكيرُ بن وشاح عبدَ الله بن الزبير، ودعا إلى عبد الملك بن مروان، فأجابه أهل مَرْوَ، وبلغ ابنَ خازم فخاف أن يأتيَه بُكيَر بأهل مَرْوَ، فيجتمع عليه أهلُ مَرْو وأهل أبَرشَهْر، فترك بَحِيرًا، وأقبل إلى مرْو يريد أن يأتيَ ابنه بالتِّرمِذ، فأتبعه بحير، فلحقه بقرية يقال لها بالفارسية: "شاهميغد"، بينها وبين مَرو ثمانية فرَاسخ. قال: فقاتله ابن خازم، فقال مولىً لبني ليث: كنت قَريبًا من معترك القوم في منزل، فلما طَلعت الشمسُ تهايجَ العسكران، فجعلتُ أسمعُ وقْعَ السيوف، فلمَّا ارتَفَع النهارُ خفيَت الأصواتُ، فقلتُ: هذا لارتفاع النَّهار، فلمَّا صلَّيت الظهر - أو قبلَ الظهر - خرجتُ، فتلَقَّاني رجل من بني تميم، فقلتُ: ما الخبر؟ قال: قتلتُ عدوَّ الله ابن خازم وهاهو ذا، وإذا هو محمول على بغل، وقد شدّوا في مَذاكِيره حَبْلًا وحجرًا وعدلوه به على البَغْل. قال: وكان الَّذي قتله وكيعُ بن عُمَيْرة القُرَيعيّ وهو ابن الدَّوْرَقِيَّة، اعتَور عليه بحير بن وَرْقاء وعمَّار بنُ عبد العزيز الجُشميّ ووكيع، فطعَنوه فصَرَعوه، فقعد

стр. 4744

وكيع على صدره فقتَله، فقال بعضُ الوُلاة لوَكيع: كيف قتلتَ ابنِ خازم؟ قال: غلبتُه بفَضْل القَنا، فلمَّا صُرع قعدتُ على صدره، فحاول القيام فلم تقدِر عليه، وقلتُ: يا لَثارات دُوَيلة! ودُويْلَةُ أخ لوَكيع لأمّه، قُتِل قبل ذلك في غير تلك الأيَّام. قال وكيع: فتَنخَّم في وجهي وقال: لعنك الله! تقتل كبش مضَر. بأخيك، علْج لا يساوي كفًّا من نوىً - أو قال: مِن تراب - فما رأيت أحدًا أكثر ريقَّا مَنه على تلك الحال عند الموت. قال: فذَكَر ابنُ هُبيرة يومًا هذا الحديثَ فقال: هذه واللهِ البَسالة. قال: وبعث بَحِير ساعةَ قُتل ابن خازم رجلًا من بني غُدانة إلى عبد الملك بن مَرْوان يُخبره بقتل ابن خازم، ولم يَبعث بالرأس، وأقبل بُكَير بنُ وشاح في أهل مَرو فوافاهم حين قتل ابن خازم، فأراد أخذ رأس ابن خازم، فمنعَه بحِيرٌ، فضربه بكير بعمود، وأخذ الرأس وقَتد بحيرًا وحبسه، وبعث بكير بالرأس إلى عبد الملك، وكتب إليه يُخبره أنَّه هو الذي قتله، فلمَّا قُدِم بالرأس على عبد الملك دعا الغُدانيّ رسولَ بَحير وقال: ما هذا؟ قال: لا أدري، وما فارقتُ القومَ حتَّى قُتِل، فقال رجل من بني سُليم: أَليْلتَنا بنيسابُورَ رُدِّي ... عليَّ الصبحَ وَيْحك أو أَنِيرِي كواكبُها زَواحِفُ لا غِبَاتٌ ... كأَنَّ سماءَها بيدي مُدِيرِ تَلومُ على الحوادثِ أُمُّ زيدٍ ... وهل لكِ في الحوادثِ من نكيرِ! جَهلن كَرامتي وصَدَدن عَنِّي ... إلى أجل من الدّنيا قصير فلو شهدَ الفوارسُ من سُلَيْمٍ ... غداةَ يُطاف بالأَسَدِ العَقيرِ لنازَلَ حولهُ قومٌ كرامٌ ... فعزَّ الوِترُ في طلب الوُتورِ فقد بَقِيتْ كلابٌ نابِحاتٌ ... وما في الأَرضِ بعدَك من زَئيرِ فولى الحجّ بالناس في هذه السنة الحجَّاج بن يوسف. وكان العامل على المدينة طارقٌ مولى عثمان من قِبَل عبد الملك، وعلى الكوفة بِشْر بنُ مروان، وعلى قضائها عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبةَ بن مسعود. وعلى البصرة خالدُ بنُ عبد الله بن خالد بن أسيد، وعلى قضائها هشام بنُ هُبيرة، وعلى خُراسان في قول بعضهم عبدُ الله بنُ خازم السُّلَميّ، وفي قولِ

стр. 4745

بعض: بكير بن وشاح، وزعم مَن قال: كان على خُراسانَ في سنة اثنتين وسبعين عبدُ الله بنُ خازم أنّ عبد الله بن خازم إنَّما قتل بعدما قتل عبد الله بن الزبير، وأنّ عبد الملك إنَّما كتب إلى عبد الله بن خازم يدعوه إلى الدخول في طاعته على أن يُطْعِمه خراسان عشرَ سنين بعدما قتل عبدُ الله بنُ الزُّبير، وبعث برأسه إليه، وأنّ عبد الله بن خازم حَلف لمَّا ورد عليه رأسُ عبد الله بن الزبير ألَّا يُعطيه طاعةً أبدًا، وأنَّه دعا بطست فغَسل رأسَ ابن الزبير، وحَنَّطه وكفَّنه، وصلَّى عليه، وبعث به إلى أهل عبد الله بن الزبير بالمدينة، وأطعم الرسول الكتاب، وقال: لولا أنَّك رسولٌ لضربتُ عنقك، وقال بعضهم: قطع يَديه ورجلَيه وضرَبَ عنقَه. (٦/ ١٧٦ - ١٧٨). ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين ذكر الكائن الذي كان فيها من الأمور الجليلة خبر مقتل عبد الله بن الزبير فمن ذلك مقتَل عبد الله بن الزبير. * ذكر الخبر عن صفة ذلك: حدّثني الحارث، قال: حدّثنا محمد بنُ سعد، قال: أخبرنا محمّد بنُ عمر. قال: حدّثني إسحاق بنُ يحيى، عن عُبيد الله بن القبطيَّة، قال: كانت الحرب بين ابن الزّبير والحجَّاج ببطن مكَّة ستَّة أشهر وسبعَ عشرةَ ليْلة. قال محمَّد بن عمر: وحدّثني مصعب بنُ ثابت، عن نافع مولى بني أسد - وكان عالمًا بفتنة ابن الزبير - قال: حُصِر ابن الزّبير ليلَة هلالِ ذي القعدة سنة اثنتين وسبعين وقتل لسبع عشرة ليلةً خلتْ من جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين، وكان حصرَ الحجَّاج لابن الزبير ثمانية أشهر وسبعَ عشرة ليلة. (٦/ ١٨٧). حدّثنا الحارث، قال: حدّثنا محمَّد بنُ سعد، قال: أخبرَنا محمَّد بن عمر: قال: حدّثني إسحاقُ بنُ يحيى، عن يوسفَ بن ماهَك، قال: رأيتُ المَنجنيقَ يُرمَى به، فرعدت السماء وبرقت، وعلا صوتُ الرّعد والبرق على الحجارة،

стр. 4746

فاشتمل عليها، فأعظم ذلك أهلُ الشام، فأمسَكوا بأيديهم، فرفع الحجَّاج بِرْكة قَبائه فغرَزَها في مِنطَقته، ورفع حجر المَنجنيق فوضعه فيه، ثم قال: ارمُوا، ورمى معهم، قال: ثمّ أصبحوا، فجاءت صاعقة تتبعها أخرى، فقتلتْ من أصحابه اثنى عشرَ رجلًا، فانكسر أهلُ الشام، فقال الحجَّاج: يا أهل الشام، لا تُنكروا هذا فإني ابن تهامة، هذه صواعقُ تِهامة، هذا الفتح قد حضر فأبشِروا، إنّ القوم يُصيبُهم مثل ما أصابكم، فصعقت من الغد، فأصيب من أصحاب ابن الزبير عِدّة؛ فقال الحجَّاج: ألا تَرَوْن أنَّهم يصابون وأنتم على الطَّاعة، وهم على خلاف الطاعة! فلم تزل الحربُ بينَ ابن الزبير والحجَّاج حتَّى كان قُبيلَ مَقتله وقد تفرّق عنه أصحابه، وخرج عامَّة أهلِ مكة إلى الحجَّاج في الأمان. (٦/ ١٨٧ - ١٨٨). حدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابنُ سعد، قال: أخبرنا محمَّد بنُ عمر، قال: حدّثني إسحاق بن عبد الله، عن المنذر بن جَهْم الأسَديّ، قال: رأيتُ ابنَ الزبير يوم قُتِل وقد تفرّق عنه أصحابُه وخذله من معه خذلانًا شديدًا، وجعلوا يخرجون إلى الحجَّاج حتَّى خرج إليه نحوٌ من عشرةِ آلاف. وذكِر أنَّه كان ممَّن فارقه وخرج إلى الحجَّاج ابناه حَمزة وخُبَيب، فأخذا منه لأنفسهما أمانًا، فدخل على أمّه أسماء - كما ذكر محمَّد بنُ عمرَ عن أبي الزّناد، عن مَخرَمة بن سليمان الوالبيّ، قال: دخل ابنُ الزبير على أمّه حين رأى من الناس ما رأى من خِذْلانهم، فقال: يا أُمَّة! خذَلني الناسُ حتَّى ولدي وأهلي، فلم يَبق معي إلا اليسير ممَّن ليس عنده من الدّفع أكثر من صبر ساعة، والقوم يعطونني ما أردت من الدنيا، فما رأيُك؟ فقالت: أنت والله يا بُنيَّ أعلم بنفسك، إن كنتَ تعلم أنَّك على حقّ وإليه تدعو فامضِ له، فقد قُتل عليه أصحابك، ولا تُمكّن من رقبتك يتلعَّب بها غِلمانُ أميَّة، وإن كنتَ إنَّما أردتَ الدّنيا فبئس العبدُ أنتَ! أهلكتَ نفسَك. وأهلكت من قُتِل معك، وإن قلتَ: كنتُ على حق فلمَّا وَهَن أصحابي ضعُفتُ، فهذا ليس فعل الأحرار ولا أهل الدّين، وكم خلودُكَ في الدنيا! القتلُ أحسن. فدنا ابن الزبير فقبَّل رأسها وقال: هذا واللهِ رأي، والذي قمتُ به داعيًا إلى يومي هذا ما ركَنْت إلى الدنيا، ولا أحببتُ الحياةَ فيها، وما دعاني إلى الخروج إلّا الغضب لله أن تُستحَلّ حُرَمه، ولكنّي

стр. 4747

أحببتُ أن أعلم رأيك، فزدْتِني، بصيرةً مع بصيرتي. فانظري يا أمَّة فإني مقتول من يومي هذا، فلا يشتدَّ حُزْنك، وسَلّمي الأمر لله، فإنّ ابنَكِ لم يتعمَّد إتيان منكر، ولا عَملًا بفاحشة، ولم يَجُرْ في حكم الله، ولم يغدر في أمان، ولم يتعمّد ظُلم مسلم ولا معاهد، ولم يبلغني ظلم من عُمَّالي فرضيتُ به بل أنكرتُه، ولم يكن شيءٌ آثَرَ عندي من رِضَا رَبي، اللهمّ إني لا أقول هذا تزكية منّي لنفسي، أنت أعلمُ بي، ولكن أقولُه تعزية لأمّي لتسلوَ عنِّي، فقالت أمه: إني لأرجو من الله أن يكون عزائي فيك حَسنًا إن تقدّمتَني، وإن تقدّمْتُك ففي نفسي اخرج حتَّى أنظر إلى ما يصير أمرك. قال: جزاكِ الله يا أمَّة خيرًا، فلا تَدعي الدّعاء لي قبلُ وبعدُ، فقالت: لا أدَعه أبدًا، فمن قُتِل على باطل فقد قُتِلتَ على حقّ، ثم قالت: اللَّهم ارحمْ طول ذلك القيام في اللَّيل الطويل، وذلك النَّحيب والظَمَأ في هَواجِرِ المدينة ومكَّة، وبرَّه بأبيه وبي، اللَّهمّ قد سلَّمته لأمرك فيه، ورضيتُ بما قضيتَ، فأثبِنْي في عبد الله ثوابَ الصابرين الشاكرين. قال مصعب بنُ ثابت: فما مكثتْ بعدَه إلا عشرًا، ويقال: خمسة أيَّام. (٦/ ١٨٨ - ١٨٩). قال محمد بنُ عمر: حدّثني موسى بنُ يعقوب بن عبد الله، عن عمّه قال: دخل ابنُ الزبير على أمه وعليه الدّرع والمِغفَر، فوقف فسلَّم، ثمّ دنا فتناول يدها فقبَّلها، فقالت: هذا وداع فلا تبعدَ، قال ابن الزبير: جئت مودِّعًا، إني لأرى هذا آخر يوم من الدنيا يمرّ بي، واعلمي يا أمَّة أني إن قُتِلت فإنَّما أنا لحم لا يضرّني ما صُنع بي، قالت: صدقتَ يا بُني، أتمِم على بصيرتك، ولا تُمكِّن ابن أبي عَقِيل منك، وادنُ مني أوَدّعْك، فدنا منها فقبَّلها وعانَقَها، وقالت حيث مَسَّت الدّرْع: ما هذا صنيعُ من يريد ما تريد! قال: ما لبستُ هذا الدّرع إلا لأشدّ منك، قالت العجوز: فإنَّه لا يشدّ منّي، فنزَعها ثمّ أدرج كمَّيْه، وشدّ أسفَل قميصه، وجُبَّة خزّ تحت القميص فأدخل أسفلَها في المنطقة، وأمّه تقول: البَس ثيابَك مشمَّرةً. ثمّ انصرف ابن الزبير وهو يقول: إنّي إذا أَعْرِف يومي أصبِرْ ... إذ بَعْضُهم يَعرِفُ ثم يُنكِرْ فسمعت العجوزُ قولَه، فقالت: تَصبَّر والله إنْ شاء الله، أبوك أبو بكر والزّبير، وأمّك صفيَّة بنتُ عبد المطّلب. (٦/ ١٨٩ - ١٩٠).

стр. 4748

حدّثني الحارث، قال: حدّثني ابنُ سعد، قال: أخبرني محمَّد بن عمر، قال: أخبرنا ثورُ بنُ يزيدَ عن شيخ من أهل حِمْصَ شهد وقعة ابن الزبير، مع أهل الشام، قال: رأيتهُ يوم الثُّلاثاء وإنَّا لنطلع عليه أهل حمص خمسمئة خمسمئة من باب لنا نَدخلُه؛ لا يدخله غيرُنا، فيخرج إلينا وحدَه في أثرنا، ونحن منهزِمون منه، فما أنسىَ أرجوزةً له: إنِّي إذا أَعْرِفُ يومِي أصبِر ... وإنَّما يَعْرِف يَوْمَيْهِ الحُرّ إذْ بعضُهمْ يَعرِف ثم يُنكِرْ فأقول: أنتَ والله الحرّ الشريف، فلقد رأيتُه يقف في الأبْطح ما يدنو منه أحدٌ حتَى ظننَّا أنَّه لا يقتَل. (٦/ ١٩٠). حدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابنُ سعد، قال: أخبرنا محمَّد بنُ عمر، قال: حدّثنا مصعب بن ثابت؛ عن نافع مولى بني أسد، قال: رأيتُ الأبوابَ قد شُحِنت من أهل الشام يوم الثلاثاء، وأسلم أصحابُ ابن الزّبير المحارس، وكثرهم القومُ فأقاموا على كلّ باب رجالًا وقائدًا وأهل بلد، فكان لأهل حمص الباب الَّذي يواجه بابَ الكعبة، ولأهل دمشقَ باب بني شَيْبة، ولأهل الأرْدن باب الصّفا، ولأهل فِلَسطين باب بني جُمَحْ، ولأهل قِنَّسْرين باب بني سَهْم، وكان الحجَّاج وطارق بن عمرو جميعًا في ناحية الأبطح إلى المروة، فمرّة يَحمِل ابنُ الزبير في هذه الناحية، ومرة في هذه الناحية، فلكأنَّه أسدٌ في أجَمة ما يُقدِم عليه الرّجال، فيعدو في أثَر القوم وهم على الباب حتَّى يُخرِجَهم وهو يرتجز: إنّي إذا أعْرِف يومِي أَصبرْ ... وإنَّما يَعرف يومَيْه الحُرُّ ثم يصيح: يا أبا صفوان، ويلْ أمِّه فتحًا لو كان له رجال! لو كانَ قِرْني واحِدًا كفَيْتُهْ قال ابن صفوان: إي والله وألف. (٦/ ١٩٠ - ١٩١). حدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابنُ سعد، قال: أخبرنا محمّد بن عمرَ، قال: فحدَّثني ابنُ أبي الزّناد وأبو بكر بنُ عبد الله بنِ مصعب، عن أبي المنذر، وحدّثنا نافع مولى بني أسد، قالا: لمَّا كان يوم الثلاثاء صبيحةَ سبع عشرة من جُمادَى الأولى سنة ثلاث وسبعين، وقد أخذ الحجَّاجُ على ابن الزبير بالأبواب،

стр. 4749

بات ابنُ الزبير يصلِّي عامَّة اللَّيل، ثمّ احتبَى بحمائل سيفه فأغفى، ثمّ انتبه بالفجر فقال: أذِّن يا سعد، فأذَّن عند المقام، وتوضَّأ ابنُ الزبير، وركع ركعتي الفجر، ثم تقدَّم، وأقام المؤذّن فصلَّى بأصحابه، فقرأ: ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ حرْفًا حرفًا، ثمّ سلّم، فقام فحَمِد الله وأثنى عليه ثم قال: اكشفوا وجوهَكم حتَّى أنظر، وعليهم المغَافر والعمائم، فكشفوا وجوهَهم فقال: يا آل الزبير، لو طِبْتم لي نَفْسًا عن أنفسكم كنَّا أهلَ بيت من العرب اصطُلِمْنا في الله لم تصبْنا زبَّاءُ بتَّة، أمَّا بعد يا آل الزبير، فلا يرُعْكم وقعُ السيوف، فإني لم أحضر موطنًا قطّ إلا ارتثثْتُ فيه من القتل، وما أجدُ من أدواء جراحها أشد ممَّا أجد من ألمِ وقعها، صونوا سيوفَكم كما تصونون وجوهَكم، لا أعلم امرأً كسر سيفَه، واستَبقى نفسَه، فإنّ الرجلَ إذا ذهب سلاحُه فهو كالمرأة أعزل، غُضوا أبصاركم عن البارقة، وليَشْغَلْ كلّ امرئ قِرْنَه، ولا يُلهينكم السؤالُ عنّي، ولا تقولُنّ: أين عبدُ الله بنُ الزبير؟ ألا من كان سائلًا عنّي فإني في الرَّعيل الأولّ. أبي لابن سَلْمَى أَنَّهُ غيرُ خالِدٍ ... مُلاقي المنايا أيَّ صَرْفٍ تيمَّمَا فلَسْتُ بمُبتاعِ الحَياة بسُبَّةٍ ... ولا مُرْتَقٍ من خَشْيَةِ الموتِ سُلَّمَا احملوا على بركة الله. ثمّ حمل عليهم حتَّى بلغ بهم الحَجُون، فرُمِي بآجُرّة فأصابته في وجههِ فأرعِش لها، ودمي وجهُه، فلمَّا وجد سخونةَ الدَّم يسيل على وجهه ولحيته قال: فلسْنَا على الأعقاب تَدْمَى كُلُومُنا ... ولكنْ على أقدامِنَا تَقْطُرُ الدّما وتغاوَوْا عليه. قالا: وصاحب مولاة لنا مجنونة: واأميرَ المؤمنيناه! قالا: وقد رأتْه حيث هوى، فأشارتْ لهم إليه، فقتل وإنّ عليه ثيابَ خَزّ، وجاء الخبر إلى الحجَّاج، فسجد وسار حتَّى وقف عليه وطارق بنُ عمرو، فقال طارق: ما وَلَدت النساءُ أذكرَ من هذا؛ فقال الحجَّاج: تمدح من يُخالف طاعةَ أمير المؤمنين! قال: نعم، هو أعذَر لنا، ولولا هذا ما كان لنا عُذر، إنَّا مُحاصِروه، وهو في غير خندَق ولا حصن ولا مَنَعة منذ سبعة أشهر ينتصف منَّا، بل يفضل علينا في كلّ ما التقينا نحن وهو؛ فبلغ كلامُهما عبدُ الملك، فصوّب طارقًا. (٦/ ١٩١ - ١٩٢).

стр. 4750

حدّثنا عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن عن رجاله، قال: كأني أنظر إلى الزبير، وقد قتل غلامًا أسوَد، ضَرَبه فعرقَبه، وهو يمرّ في حملتِه عليه ويقول: صَبْرًا يا بن خام، ففي مثلِ هذه المواطن تَصْبر الكرام! (٦/ ١٩٢). حدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابن سعد، قال: أخبَرَنا محمَّد بن عمر، قال: حدثني عبد الجبار بنُ عُمَارة عن عبد الله بن أبي بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزْم، قال: بعث الحجَّاجُ برأس ابنِ الزّبير ورأسِ عبدِ الله بن صفْوان ورأس عُمارة بن عمرو بن حزم إلى المدينة فنصبتْ بها، ثم ذُهِب بها إلى عبد الملك بن مروان، ثمّ دخل الحجَّاج مكَة، فبايع مَن بها من قريش لعبد الملك بن مروان. (٦/ ١٩٢ - ١٩٣) (١). قال أبو جعفر: وفي هذه السنة ولَّى عبدُ الملك طارقًا مولى عثمان المدينة فوليَها خمسةَ أشهر. وفي هذه السنة تُوفّيَ بشِرُ بن مروانَ في قول الواقديّ، وأمَّا غيرُه، فإنَّه قال: كانت وفاته في سنة أربع وسبعين. وفيها أيضًا وَجَّه - فيما ذُكر - عبد الملك بن مروان عمر بن عبيد الله بن معمرَ لقتال أبي فُدَيك، وأمره أن يندب معه من أحبّ من أهل المِصْرين، فقدِم الكوفة فندب أهلها، فانتدب معه عشرةُ آلاف، ثم قَدِم البَصْرة فندب أهلها، فانتدب معه عشرةُ آلاف، فأخرج لهم أرزاقَهم وأعطياتِهم، فأعطُوها، ثمّ سار بهم عمرُ بن عُبيد الله، فجَعل أهلَ الكوفة على الميمنة وعليهم محمَّد بن موسى بن طلحة، وجَعل أهلَ البصرة على الميسرة وعليهم ابن أخيه عمر بن موسى بن عُبيد الله، وجعل خيلَه في القلب، حتَّى انتهَوا إلى البحرَيْن، فصفّ عمر بن عبيد الله أصحابه، وقَدِم الرّجَّالة في أيديهم الرّماح قد ألزَموها الأرض، واستتروا بالبراذع، فَحَمل أبو فُدَيك وأصحابُه حملة رجل واحد، فكَشفوا ميسرة عُمر بن عبيد الله حتى ذهبوا في الأرض إلا المغيرةَ بن المهلَّب، ومَعْن بن المغيرة ومُجاعة بن عبد الرحمن وفُرسان الناس فإنَّهم مالوا إلى صَفّ أهل الكوفة وهم ثابتون، وارتُثّ عمرُ بن موسى بن عبيد الله، فهو في القتلى قد أثخِن جراحةً.

стр. 4751

فلمَّا رأى أهل البصرة أهلَ الكوفة لم ينهزموا؛ تذمَّمُوا ورجعوا وقاتلوا وما عليهم أمير حتى مَرّوا بعمر بن موسى بنُ عبيد الله جريحًا فحملوه حتَّى أدخلوه عسكرَ الخوارج وفيه تبْن كثير فأحرقوه، ومالت عليهم الرّيح، وحمل أهلُ الكوفة وأهلُ البصرة حتَّى استباحوا عسكرَهم وقتلوا أبا فُدَيك، وحصَروهم في المُشَقَّر، فنزلوا على الحكم، فقتَل عمر بن عُبيد الله منهم - فيما ذُكِر - نحوًا من ستَّةِ آلاف، وأسَر ثمانمئة، وأصابوا جارية أميّة بن عبد الله حُبْلَى من أبي فدَيك، وانصَرفَوا إلى البَصْرة. (٦/ ١٩٣) (١). ثم دخلت سنة أربع وسبعين ذكر ما كان فيها من الأحداث الجليلة واستخفّ فيها بأصحاب رسول الله - صلي الله عليه وسلم -، فختَم في أعناقهم؛ فَذكَر محمَّد بن عمرانَ بن أبي ذئب، حدّثه عمَّن رأى جابر بنَ عبد الله مختومًا في يده. وعن ابن أبي ذئب، عن إسحاق بن يزيد: أنه رأى أنس بن مالك مختومًا في عنقه، يريد أن يُذلَّه بذلك. قال ابن عمر: وحدّثني شُرَحبيل بن أبي عون، عن أبيه، قال: رأيتُ الحجَّاح أرسل إلى سهل بن سعد فدعاه، فقال: ما منعك أن تنصُر أميرَ المؤمنين عثمانَ بنَ عفَّان! قال: قد فعلتُ، قال: كذبتَ، ثمّ أمَر به فختم في عنقِه برَصاص.

стр. 4752

وفيها استَقْضَى عبدُ الملك أبا إدريس الخَوْلانيَّ - فيما ذكَر الواقديّ. وفي هذه السنة شَخَص في قول بعضهم بِشر بنُ مروان من الكوفة إلى البَصْرة واليًا عليها. ذكر الخبر عن حرب المهلب للأزارقة * ذكر الخبر عن أمرِه وأمرِهم فيها: ولمَّا صار بِشْر بالبصرة كتب عبدُ الملك إليه - فيما ذكر هشام عن أبي مِخنَف، عن يونسَ بن أبي إسحاق، عن أبيه: أما بعد، فابعث المهلَّب في أهل مصر إلى الأزارقة، ولْينتخب من أهلِ مِصْره وجوههم وفُرسانهم وأولي الفَضْل والتجربة منهم، فانَّه أعرف بهم، وخَلّهِ ورأيه في الحرب، فإني أوثَقُ شيء بتجربته ونصيحتهِ للمسلمين. وابعثْ من أهل الكوفة بعْثًا كثِيفًا، وابعثْ عليهم رجلًا معروفًا شريفًا، حسيبًا صليبًا، يُعرَف بالبأس والنَّجْدة والتَّجربة للحَرْب، ثمّ أنهِضْ إليهم أهلَ المِصْرين فليتبعوهم أيَّ وجهٍ ما توجَّهوا حتَّى يُبيدَهم الله ويستأصلَهم، والسلام عليك. فدعا بِشْرٌ المهلَّبَ فأقرأه الكتاب، وأمره أن ينتخب مَنْ شاء، فبعث بجُديع بن سَعيد بن قَبِيصة بن شراق الأزْدي - وهو خالُ يزيدَ ابنِه - فأمره أن يأتي الدّيوان فينتخب الناسَ، وشقّ على بشر أنّ إمرَة المهلَّب جاءتْ مِن قِبَل عبد الملك، فلا يستطيع أن يبعث غيره، فأوغرتْ صدرَه عليه حتَّى كأنَّه كان له إليه ذنب، ودعا بِشر بنُ مروانَ عبدَ الرحمن بنَ مِخنْفَ فبَعثه على أهل الكوفة، وأمره أن ينتخب فُرسانَ الناس ووجوهَهم وأولي الفَضْل منهم والنَّجدة (١) (٦/ ١٩٦). قال أبو مخنَف: فحدّثني أشياخ الحيّ، عن عبد الرحمن بن مِخنَف قال: دعاني بِشر بنُ مروان فقال لي: إنَّك قد عرفتَ منزلتَك منّي، وأثَرَتك عندي، وقد رأيتُ أن أولِّيَك هذا الجيش للَّذي عرفتُ من جزئك وغنائك وشَرفِك وبأسِك، فكن عند أحسن ظني بك، انظرْ هذا الكذا كذا - يقع في المهلب - فاستبدّ عليه بالأمر، ولا تقبلنّ له مشورة ولا رأيًا، وتنقَّصْه وقَصِّر به.

стр. 4753

قال: فترَك أن يُوصِيني بالجُنْد، وقتالِ العدُوّ، والنَّظر لأهل الإسلام، وأقبل يُغرِيني يا بن عمتي كأني من السُّفهاء، أو ممَّن يُستَصْبي ويُستجهَل، ما رأيتُ شيخًا مِثْلي في مِثْل هيئتي ومنزلتي طُمِع منه في مِثلِ ما طَمع فيه هذا الغلامُ مِنّي، شَبَّ عمرو عن الطَّوْق. قال: ولمَّا رأى أني لستُ بالنَّشيط إلى جوابه قال لي: ما لَك؟ قلتُ: أصلحكَ الله! وهل يَسعني إلا إنفاذ أمرك في كلّ ما أحببت وكرهت! قال: امضِ راشدًا، قال: فودّعتُه وخرجتُ من عنده، وخرج المهلَّب با أهل البصرة حتَّى نزل رامَهُرْمُز فلقيَ بها الخوارج، فخندق عليه، وأقبل عبدُ الرحمن بنُ مخنف بأهل الكوفة على ربع أهل المدينة معه بِشْر بنُ جريرِ، وعلى ربع تميم وهَمْدان محمَّد بن عبدِ الرحمن بن سعيد بن قيس، وعلى ربع كِنْدَة وربيعةَ إسحاقُ بن محمَّد بن الأشعث، وعلى ربع مَذحِج وأسَد زَحْر بن قيس، فأقْبَل عبدُ الرحمن حتَّى نزل من المهلَّب على مِيل أو ميل ونصف، حيث تراءى العسكران برَامَهُرْمُز، فلم يلبث الناسُ إلا عشرًا حتى أتاهم نعيّ بِشر بن مروان، وتُوفيَ بالبصرة، فارفضَّ ناس كثيرٌ من أهل البصرة وأهلِ الكوفة واستخلف بشر خالدَ بنَ عبد الله بن أسيد، وكان خليفته على الكوفة عمرو بن حُرَيث، وكان الَّذين انصرفوا من أهل الكوفة زَحْر بن قيس وإسحاق بن محمَّد بن الأشعث ومحمَّد بن عبد الرحمن بن سعيد بن قيس، فبعث عبدُ الرحمن بنُ مخنف ابنَه جعفرًا في آثارهم، فردّ إسحاق ومحمَّدًا، وفاتَه زحْر بن قيس، فحبسهما يومين، ثمّ أخذ عليهما ألّا يفارقاه، فلم يلبثا إلا يومًا حتى انصرفا، فأخذا غير الطريق وطُلبا فلم يُلحقَا، وأقبَلا حتى لحقا زَحْر بنَ قيس بالأهواز، فاجتمع بها ناس كثير ممَّن يريد البصْرة، فبلغ ذلك خالد بن عبد الله، فكتب إلى الناس كتابًا، وبعث رسولًا يضرب وجوهَ الناس ويردّهم، فقدم بكتابه فولىً له، فقرأ الكتاب على الناس؛ وقد جُمِعوا له: بسم الله الرّحمن الرحيم، من خالد بنِ عبد الله، إلى من بلغه كتابي هذا من المؤمنين والمسلمين سلامٌ عليكم، فإني أحَمد إليكم الله الَّذي لا إله إلّا هو، أمَّا بعد، فإنّ الله كتب على عباده الجهاد، وفرض طاعةَ وُلاةِ الأمر، فمن جاهد فإنَّما يجاهد لنفسه، ومن ترك الجهادَ في الله كان الله عنه أغنى، ومن عَصى ولاةَ

стр. 4754

الأمر والقَوّام بالحق أسخَط الله عليه، وكان قد استحقّ العُقوبة في بشره، وعرّض نفسَه لاستفاءَة مالِه وإلقاء عطائه، والتسيير إلى أبعد الأرض وشَرّ البلْدان، أيّها المسلمون! اعلموا على من اجترأتم ومن عصيتم؟ ! إنَّه عبدُ الملك بن مروان أميرُ المؤمنين، الذي ليست فيه غَمِيزة، ولا لأهل المعصية عنده رُخْصة، سوْطه على من عَصى، وعلى من خالَف سيفُه، فلا تجعلوا على أنفسكم سبيلًا، فإني لم آلُكُم نصيحةً، عبادَ الله، ارجِعوا إلى مَكْتبِكم وطاعةِ خليفتِكم، ولا ترجِعوا عاصِين مخالِفين فيأتيَكم ما تكرهون، أقسِم بالله لا أثقَف عاصيًا بعد كتابي هذا إلا قتلتُه إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمة الله. وأخَذَ كلما قرأ عليهم سطرًا أو سطرين قال له زحْر: أوْجز؛ فيقول له مولى خالد: واللهِ إني لأسمع كلامَ رجل ما يريد أن يفهم ما يَسمع، أشهدَ لا يعيج بشيء مما في هذا الكتاب، فقال له: اقرأ أيها العبد الأحمر ما أمِرتَ به، ثم أرجع إلى أهلك، فإنك لا تدري ما في أنفسنا. فلما فرغ من قراءته لم يلتفت الناسُ إلى ما في كتابه، وأقبَل زَحْر وإسحاقُ بن محمد ومحمد بن عبد الرحمن حتى نزلوا قرية لآل الأشعث إلى جانب الكوفة، وكتبوا إلى عمرو بن حُرَيث: أما بعد، فإنّ الناس لمّا بلغَهم وفاةُ الأمير رحمةُ الله عليه تفرّقوا فلم يثق معنا أحد؛ فأقبلنا إلى الأمير والي مصرِنا، وأحببنا ألّا نَدخل الكوفة إلّا بإذن الأمير وعلمه. فكتب إليهم: أما بعد، فإنكم تركتم مكْتَبكم، وأقبَلتم عاصين مخالفين، فليس لكم عندنا إذْن ولا أمان. فلما أتاهِم ذلك انتَظروا حتى إذا كان الليل دخلوا إلى رحالهم، فلم يزالوا مقيمين حتى قدِم الحجاج بن يوسف (١). (٦/ ١٩٦ - ١٩٩).

стр. 4755

عزل بكير بن وشاح عن خراسان وولاية أمية بن عبد الله عليها وفي هذه السنة عزل عبدُ الملك بُكيرَ بن وشاح عن خُراسان، وولّاها أميةَ بن عبد الله بن خالد بن أسِيد. * ذكر الخبر عن سبب عزل بُكَير وولايةِ أميّة: وكانت ولايةُ بُكَير بن وِشاح خُراسان إلى حين قدم أمية عليها واليًا سنتين في قول أبي الحَسَن، وذلك أن ابن خازم قتِل سنة ثلاث وسبعين وقدم أميّة سنة أربع وسبعين. وكان سبب عزل بُكير عن خُراسان أنّ بحِيرًا - فيما ذكَر عليٌّ عن المفضّل - حبَسهُ بُكير بن وشاح لما كان منه فيما ذكرت في رأس ابن خازم حين قتله، فلم يزل محبوسًا عنده حتى استعمل عبدُ الملك أميّة بن عبد الله بن خالد بن أسيد، فلما بلغ ذلك بُكيرًا أرسل إلى بَحير ليصالحَه، فأبى عليه وقال: ظنّ بُكير أنّ خُراسان تبقى له في الجماعة! فمشت السفراء بينهم، فأبى بَحِير، فدخل عليه ضرار بن حصين الضَّبيّ، فقال: ألا أراك مائقًا! يُرسل إليك ابنُ عمِّك يَعتذِر إليك وأنت أسيرُه، والمَشَرفيّ في يده - ولو قتلك ما حَبَقتْ فيك عنز، ولا تَقبَل منه! ما أنت بموفَّق. اِقبَل الصّلح، واخرج وأنت على أمرك، فقبل مشورته، وصالح بُكَيرًا، فأرسل إليه بكير بأربعين ألفًا، وأخذ على بَحير ألّا يقاتله، وكانت تميم قد اختلفت بخُراسان، فصارت مُقاعس والبطونُ يتعصّبون له، فخاف أهلُ خُراسان أن تعود الحربُ وتَفسد البلاد، ويقهرهم عدوّهم من المشركين، فكتبوا إلى عبد الملك بن مَرْوان: إنّ خُراسان لا تصلح بعد الفتنة إلا على رجل من قريش لا يحسدونه ولا يتعصّبون عليه، فقال عبد الملك: خُراسان ثَغْر المَشرق، وقد كان به من الشرّ ما كان، وعليه هذا التميميّ، وقد تعصّب الناس وخافوا أن يصيروا إلى ما كانوا عليه، فيَهلك الثّغر ومَنْ فيه، وقد سألوا أنْ أولّيَ أمرَهم رجلًا من قريش فيسمعوا له ويطيعوا، فقال أميّة بن عبد الله: يا أمير المؤمنين، تداركهم برجل منك، قال: لولا انحيازُك عن أبي فُدَيك كنت ذلك الرجل، قال: يا أمير المؤمنين، والله ما انحزْتُ حتى لم أجدْ مُقاتلًا، وخذَلني الناس، فرأيت أنّ انْحيازي إلى فئة أفضل من تعريضي عصبةً بقيتْ من المسلمين

стр. 4756

للهلكة، وقد علم ذلك مَرّار بن عبد الرحمن بن أبي بَكْرة، وكتبَ إليك خالدُ بن عبد الله بما بَلَغه من عُذْري - قال: وكان خالد كتب إليه بعذره، ويُخبره أنّ الناس قد خذلوه - فقال مرّار: صدق أميّة يا أمير المؤمنين، لقد صبر حتى لم يَجد مقاتَلًا، وخَذلَه الناس، فولّاه خُراسان، وكان عبدُ الملك يُحب أميّة، ويقول: نتيجتي، أي لِدَتي، فقال الناس: ما رأيْنا أحدًا عُوِّض من هزيمة ما عُوّض أمية فرّ من أبي فُدَيْك فاستُعْمل على خراسان، فقال رجل من بكر بن وائل في محبس بُكَير بن وشاح: أَتَتْكَ العِيسُ تَنْفخُ في بُراها ... تُكشَّفُ عَنْ مَنَاكِبِها القُطوعُ كأنَّ مواقعَ الأكوارِ منها ... حمامُ كَنائسٍ بُقْعٌ وُقوعُ بأبيْضَ من أُميَّةَ مضرحِيٍّ ... كأنَّ جبينَهُ سَيْفٌ صنِيعُ وبَحير يومئذ بالسِّنْج يَسأل عن مسير أميّة؛ فلما بلغه أنه قد قارب أبْرشَهْر قال لرجل من عجم أهل مرْوَ يقال له رُزَين - أو زرير: دُلّني على طريق قريب لألقَى الأميرَ قبل قدومه، ولك كذا وكذا، وأجزِل لك العطية؛ وكان عالمًا بالطريق، فخرج به فسار من السِّنج إلى أرض سَرَخْسَ في ليلة، ثمّ مضى به إلى نيسابورَ فوافَى أميّة حين قدم أبرَشَهْر، فلقيَه فأخبره عن خُراسان وما يُصلح أهلَها وتَحسُن به طاعتُهم ويخف على الوالي مؤونتهم، ورفع عن بُكَير أموالًا أصابها، وحَذّره غدرَه. قال: وسار معه حتى قدم مَرْو، وكان أمية سيِّدًا كريمًا، فلم يَعرِض لبُكَير ولا لعماله، وعرض عليه أن يوليَه شُرطتَه، فأبى بُكَير، فولّاها بَحير بن وَرْقاء، فلام بُكيرًا رجالٌ من قومه، فقالوا: أبيتَ أن تلِي، فولَّى بَحيرًا وقد عرفتُ ما بينكما! قال: كنتُ أمس واليَ خُراسانَ تُحمَل الحِرابُ بين يديّ فأصير اليوم على الشرطة أحمل الحربة! وقال أمية لبُكَير: اختَرْ ما شئت من عَمل خُراسانَ، قال: طُخارِسْتان، قال: هي لك، قال: فتجهزَ بُكَير وأنفَق مالًا كثيرًا، فقال بحِير لأمية: إنْ أتى بُكَير طَخارِسْتانَ خلعك، فلم يزل يحذّره حتى حذِر، فأمَره بالمُقام عندَه. (٦/ ١٩٩ - ٢٠١).

стр. 4757

ثم دخلت سنة خمس وسبعين ذكر الخبر عمَّا كان فيها من الأحداث ولاية الحجاج على الكوفة وخطبته في أهلها وفيها قَدِم الحجّاج الكوفة، فحدّثني أبو زيد، قال: حدّثني محمد بنُ يحيى أبو غسان، عن عبد الله بن أبي عُبيدة بن محمّد بن عمّار بن ياسر، قال: خرج الحجَّاج بن يوسف من المدينة حين أتاه كتاب عبد الملك بن مروانَ بولاية العراق بعد وفاة بشر بن مروان في اثني عشر راكبًا على النّجائب حتى دخل الكوفة حين انتشر النهار فجاءةً، وقد كان بشر بعث المهلب إلى الحروريّة، فبدأ بالمسجد فَدَخله، ثمّ صعِد المنبر وهو متلثّم بعمامة خَزّ حمراء، فقال: عليَّ بالناس، فحسبوه وأصحابَه خارجة، فهَمّوا به، حتى إذا اجتمع إليه الناسُ قام فكشف عن وجهه وقال: أنا ابنُ جَلَا وطَلَّاع الثَّنَايا ... مَتَى أضَعِ العِمامَة تَعْرفوني أما والله إنّي لأحمل الشرَّ محملَه، وأحذُوه بنعله، وأجزيه بمثله، وإني لأرى رؤوسًا قد أيْنَعتْ وحانَ قِطافُها، وإني لأنظر إلى الدِّماء بين العمائم واللِّحَى. قد شمَّرَتْ عن ساقِهَا تَشْميرا هذا أوان الشَّد فاشتدِّي زِيَمْ ... قد لَفَّها الليلُ بِسَوَّاقٍ حُطَمْ ليس براعِي إبِلٍ ولا غَنَمْ ... ولا بجزَّارٍ على ظهرِ وضَمْ قد لَفَّها الليْلُ بعصْلَبيِّ ... أَرْوَعَ خَرّاجٍ من الدّوِّيِّ مُهَاجِرٍ لَيْسَ بأعْرَابيّ ليس أوان يكْره الخِلاطُ ... جاءَت به والقُلُص الأعلاطُ تَهوِى هُويَّ سابقِ الَغطاطِ وإني والله يا أهل العراق ما أغمَز كتَغماز التّين، ولا يقَعْقَعُ لي بالشِّنان، ولقد فُرِرْت عن ذكاء، وجَرَيْت إلى الغاية القصوى، إن أمير المؤمنين، عبدَ الملك نَثَر كنانته ثمّ عَجَم عيدانَها فوجدني أَمَرَّها عُودًا، وأصلبَها مَكسرًا، فوجّهني إليكم؛ فإنكم طالما أوضَعْتم في الفتَن، وسنَنتُم سنن الغيّ، أما والله لألحُوَنكم

стр. 4758

لَحْوَ العود، ولأعصبنكم عَصْب السلَمة، ولأضربنكم ضربَ غرائب الإبلِ، إني والله لا أعِد إلا وَفَيْت ولا أخلُق إلا فَرَيْت، فإيّاي وهذه الجماعات وقيلًا وقال، وما يقول، أو، فيمَ أنتم وذاك؛ واللهِ لتسْتَقيمُنَّ على سُبُلِ الحق أو لأدَعَنّ لكلّ رجل منكم شُغْلًا في جَسَده، من وجدتُ بعد ثالثة مَن بَعْثِ المهلب سَفكْتُ دمَه، وأنهبْتُ مالَه. ثم دخل منزله ولم يزدْ على ذلك. قال: ويقال: إنه لما طال سكوتُه تَناوَل محمد بنُ عُمَير حَصىً فأراد أن يَحصِبه بها، وقال: قاتله الله! ما أعيَاه وأدمّه! والله إنّي لأحسَب خبرَه كرُوَائه، فلما تكلم الحجاج جَعل الحَصَى يَنتثر من يدِه ولا يعقل به، وأنّ الحجاج قال في خُطْبته: شاهت الوجوه! إنّ الله ضَرَبَ ﴿مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾، وأنتم أولئك وأشباه أولئك، فاستوثقوا واستقيموا، فوالله لأذيقنكم الهوان حتَّى تَدِرُّوا، ولأعصبنَّكم عَصب السَّلَمة حتَّى تنقادوا، أقسِم بالله لتقبِلنّ على الإنصاف، ولتَدَعُنّ الإرجاف، وكان وكان، وأخبرني فلان عن فلان، والهبْر وما الهبْر! أو لأهْبُرنكم بالسَّيف هبْرًا يدَع النساءَ أيامَى، والولدان يتامى، وحتَّى تمشوا السُّمَّهَى، وتقلعوا عن هاوهَا، إيَّاي وهذه الزّرافاتِ، لا يركَبَنَّ الرجلُ منكم إلا وحده، ألا إنَّه لو ساغ لأهل المعصية معصيتُهم ما جُبِي فيءٌ ولا قُوتل عدوّ، ولعُطِّلت الثغور، ولولا أنَّهم يُغزَون كَرْهًا ما غزوا طَوْعًا، وقد بَلَغَني رَفْضكم المهلّب، وإقبالُكم على مصركم عُصاةً مخالفين، وإني أقسِم لكم بالله لا أجد أحدًا بعد ثالثة إلَّا ضربتُ عنقَه. ثمّ دعا العُرَفاءَ فقال: ألحقُوا الناس بالمهَلَّب، وأتُوني بالبراءات بمُوافاتهم ولا تُغلقنّ أبوابَ الجسْر ليلًا ولا نهارًا حتَّى تنقضِيَ هذه المدّة. تفسير الخُطْبة: قولُه: "أنا ابنُ جَلَا" فابنُ جلا: الصُّبْح لأنَّه يجلو الظُّلمة، والثنايا: ما صَغُر من الجبال ونتَأ. وأينع الثَّمر: بلغ إدْراكه. وقوله: "فاشتدّي زِيَم" فهي اسمٌ للحَرْب، والحُطَم: الَّذي يَحطم كلَّ شيء يَمُرّ به، والوَضَمُ: ما وُقي به اللّحم من الأرض، والعَصْلَبيّ: الشديد،

стр. 4759

والدَّوّيَّة: الأرض الفضاء الَّتي يُسمع فيها دَويُّ أخفاف الإبل. والأعلاط: الإبلُ الَّتي لا أرسانَ عليها، أنشَد أبو زيد الأصمعيُّ: واعرَوْرَت العُلُطُ العُرْضيُّ تركضهُ ... أمُّ الفوارس بالدِّيدَاء والرَّبَعَهْ والشِّنان، جمعَ شَنَّة: القِرْبة البالية اليابسة، قال الشاعر: كأَنَّك مِنْ جِمالِ بَنِي أُقَيْشٍ ... يُقَعْقَعُ خَلْفَ رِجلَيْه بشِنِّ وقولُه: "فعَجَم عيدانَها" أي: عَضَّها، والعَجم بفتح الجيم: حَبّ الزبيب، قال الأعشى: وملفوظُها كلَقيط العَجَمْ وقوله: "أمَرّها عُودًا" أي: أصلَبها، يقال: حبْل مُرٌّ، إذا كان شديدَ الفتْل، وقولُه: "لأعصبِنَّكم عَصْب السَلَمَة" فالعَصْب القَطعْ، والسلَمَة؛ شجرةٌ من العِضاه، وقولُه: "لا أخلُق إلّا فَرَيْت"، فالخَلْق: التَّقدير: قال الله تعالى: ﴿مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾، أي مقدَّرة وغير مقدّرة، يعني ما يتمّ وما يكون سِقْطًا قال الكُمَيت يصف قرْبة: لم تَجْشَمِ الخالقاتُ فرْيتَها ... ولم يَفِضْ من نِطاقِها السَّرَبُ وإنَّما وصف حواصل الطَّير، يقول: ليست كهذه، وصَخرة خَلْقاء، أي مَلْساء، قال الشاعر: وبَهُوٌ هَواءٌ فوقَ مورٍ كأنَّه ... من الصَّخْرة الخَلْقاء زُحْلوقُ مَلعَبِ ويقال: فَريتُ الأديم إذا أصلحتَه، وأفرَيت، بالألف إذا أنتَ أفسَدْته، والسُّمَّهَى: الباطل، قال أبو عمرو الشَّيبانيّ: وأصله ما تُسمِّيه العامَّةُ مُخاطَ الشَّيطان، وهو لُعاب الشَمس عند الظَّهيرة، قال أبو النَّجم العجْليّ: وذابَ للشَّمسِ لُعَابٌ فنزَلْ ... وقامَ مِيزانُ الزَّمان فاعتدَلْ والزَّرافات: الجماعات، تمّ التفسير. (٦/ ٢٠٢ - ٢٠٦). قال أبو جعفر: قال عمر: فحدّثني محمّد بن يحيى، عن عبد الله بن أبي عُبيدَة، قال: فلمَّا كان اليومُ الثالث سمع تكبيرًا في السُّوق، فخرج حتَّى جلس على المنبر، فقال: يا أهلَ العراق، وأهل الشِّقاق والنفاق، ومساوئ الأخلاق، إني سمعتُ

стр. 4760

تكبيرًا ليس بالتّكبير الَّذي يراد اللهُ به في التَّرغيب، ولكنَّه التكبيرُ الَّذي يُراد به التَّرهيب، وقد عرفتُ أنَّها عَجاجة تحتَها قَصْف، يا بني اللَّكيعة وعَبيد العصا، وأبناء الأيَامَى، ألا يَربَع رجلٌ منكم على ظَلْعه، ويُحْسن حَقْن دمه، ويبصر موضعَ قدمه! فأقسم بالله لأوشكُ أن أوقعَ بكم وقعةً تكون نكالًا لما قَبْلها، وأدبًا لما بَعدَها. قولُه: "تحتَها قصْف" فهو شدّة الرّيح، واللَّكعاء: الوَرْهاء، وهي الحَمْقاء من الإماء، والظَّلع: الضعْف والوَهن من شدّة السير، وقوله: "تهوى هَويّ سابق الغُطاط" فالغُطاط بضم الغين: ضربٌ من الطير. قال الأصمعيّ: الغَطَاط بفتح الغَين: ضربٌ من الطَّير، وأنشد لحسَّان بن ثابت: يُغْشَوْن حتى ما تَهرُّ كلابُهُمْ ... لا يَسأَلون عن الغَطَاطِ المُقْبِل بفتح الغين، قال: والغُطاط بضم الغين: اختلاط الضوء بالظلمة من آخر الليل، قال الراجز: قامَ إلى أَدْمَاءَ في الغُطَاطِ ... يَمْشي بِمِثْلِ قَائِمِ الفُسْطاطِ تمّ التفسير. قال: فقام إليه عُمَير بن ضابيء التَّميميّ ثمّ الحنظليّ فقال: أصلَح اللهُ الأمير! أنا في هذا البعث، وأنا شيخ كبير عليل، وهذا ابني، وهو أشَبّ مني؛ قال: ومَنْ أنت؟ قال: عُمَير بنُ ضابيء التَّميميّ، قال: أسمعتَ كلامنا بالأمس؟ قال: نعم، قال: ألستَ الَّذي غزا أميرَ المؤمنين عثمانَ؟ قال: بلى؛ قال: وما حملك على ذلك؟ قال: كان حَبَس أبي، وكان شيخًا كبيرًا، قال: أو ليس يقول: هَمَمْتُ ولم أفعَلْ وكِدْتُ وليْتني ... تَرَكْتُ على عثمانَ تَبكي حَلَائلُهْ إني لأحسَب في قتلك صلاح المِصرَيْن، قم إليه يا حَرسيّ، فاضرب عنقَه؛ فقام إليه رجل فضربَ عنقَه، وأنهَب ماله. ويقال: إنّ عَنبَسة بن سعيد قال للحجَّاج: أتعرف هذا؟ قال: لا، قال: هذا أحدُ قتَلة أمير المؤمنين عثمان؛ فقال الحجَّاج: يا عدوَّ الله، أفلا إلى أمير المؤمنين بعثتَ بديلًا! ثمّ أمر بضرْب عنقِه، وأمر مناديًا فنادَى: ألا إنّ عُمَير بن

стр. 4761

ضابئ أتَى بعد ثالثة؛ وقد كان سمِع النداء، فأمرنا بقتْله، ألا فإنَّ ذمة الله بريئةٌ ممَّن بات الليلة من جُنْد المهلَّب. فخرج الناسُ فازَدَحموا على الجسر، وخرجت العُرَفاء إلى المهلَّب وهو برَامَهُرْمُز فأخذوا كتبه بالمُوافاة، فقال المهلَّب: قدم العراقَ اليومَ رجل ذكَر: اليومَ قوتِل العدوُّ. قال ابن أبي عُبيدة في حديثه: فعَبر الجِسْر تلك الليلة أربعةُ آلاف من مَذْحج، فقال المهلَّب: قدم العراقَ رجل ذكرَ. (٦/ ٢٠٦ - ٢٠٧). قال عمر عن أبي الحسن، قال: لمَّا قرأ عليهم كتابَ عبد الملك قال القارئ: أمَّا بعد، سلامٌ عليكم فإني أحمَد إليكم الله، فقال له: اقطع، يا عبيد العصا، أيسلِّمَ عليكم أميرُ المؤمنين فلا يَردّ رادٌ منكم السَّلام! هذا أدبُ ابن نِهية، أما والله لأؤدبنَّكم غير هذا الأدب، ابدأ بالكتاب، فلمّا بلغ إلى قوله: "أما بعد، سلامٌ عليكم"، لم يَبق منهم أحدٌ إلّا قال: وعلى أمير المؤمنين السَّلام ورحمة الله. (٦/ ٢٠٨). قال عمر: حدّثني عبدُ الملك بن شيبان بن عبد الملك بن مِسمَع، قال: حدَّثني عمرو بن سعيد، قال: لمَّا قدم الحجَّاجُ الكوفة خطبهم فقال: إنَّكم قد أخللتم بعسكر المهلّب، فلا يُصبِحنّ بعد ثالثة من جُنْده أحدٌ، فلمَّا كان بعد ثالثة أتى رجلٌ يستدمي، فقال: من بك؟ قال: عمير بنُ ضابئ البُرجُميّ، أمرتُه بالخروج إلى مُعسكره فضربني - وكَذَب عليه. فأرسل الحجَّاج إلى عُمير بن ضابئ، فأتِيَ به شيخًا كبيرًا، فقال له: ما خلَّفك عن مُعسكرِك؟ قال: أنا شيخ كبيرٌ لا حراك بي، فأرسلتُ ابني بديلًا فهو أجلد منّي جَلدًا، وأحدَث مني سنًّا، فسلْ عما أقول لك، فإن كنتُ صادقًا وإلّا فعاقبني، قال: فقال عَنْبسة بنُ سعيد: هذا الَّذي أتى عثمان قتيلًا؛ فلطم وجهه ووثب عليه فكسر ضلعين من أضلاعه، فأمر به الحجّاجُ فضربتْ عنقه، قال عمرو بن سعيد: فوالله إني لأسير بينَ الكوفة والحيرة إذ سمعتُ رَجَزًا مُضَريًّا، فعدلْت إليهم فقلت: ما الخبر؟ فقالوا: قَدم علينا رجل من شرّ أحياء العرب من هذا الحيّ من ثمود، أسْقف الساقين، مَمْسُوح الجاعِرَتين، أخفَش العينين، فقدّم سيّد الحيّ عميرَ بن ضابئ فضرَبَ عنقَه.

стр. 4762

ولما قَتَل الحجاج عمير بن ضابئ لقي إبراهيمُ بن عامر أحد بني غاضرةَ من بني أسد عبدَ الله بن الزُّبير في السوق فسأله عن الخبر، فقال ابن الزّبير: أَقُولُ لإبراهيمَ لمَّا لقِيتُهُ ... أرَى الأَمر أَمْسَى مُنْصِبًا متشَعِّبا تجَهَّزْ وأَسْرعْ والحق الجَيْشَ لا أَرَى ... سِوَى الجيش إلَّا في المَهالِك مَذْهَبَا تَخيَّرْ فإِما أَن تزور ابنَ ضَابئ ... عمَيرًا وإمَّا أن تزور المهَلَّبا هما خُطَّتا كرهٍ نَجَاؤُكَ مِنهُمَا ... ركُوبُك حَوْليًّا من الثَّلج أَشْهَبَا فحالَ ولو كانت خُراسَان دونَه ... رآها مكان السّوقِ أَوْ هِيَ أَقْربا فكائنْ ترَى من مُكْرهِ العَدْوِ مُسْمنٍ ... تحَمّمَ حِنْوَ السَّرْج حتَّى تحنَّبا وكان قُدومُ الحجاج الكوفة - فيما قيل - في شهر رمضانَ في هذه السنة، فوجّه الحكم بن أيوب الثّقَفيّ على البَصْرة أميرًا، وأمره أن يشتدّ على خالد بن عبد الله، فلما بلغ خالدًا الخبرُ خرج من البَصْرة قبل أن يدخُلَها الحَكَمُ، فنزل الجَلْحاءَ وشيَّعه أهلُ البصرة، فلم يَبَرح مُصَلَّاه حتى قسِّم فيهم ألف ألف. (٦/ ٢٠٨ - ٢٠٩). وحجَّ بالناس في هذه السنة عبدُ الملك بنُ مَرْوان، حدّثني بذلك أحمَد بنُ ثابت عمّن حدّثه، عن إسحاقَ بن عيسى، عن أبي معشر، ووَفَد يحيى بن الحَكَم. في هذه السنة على عبد الملك بن مروان، واستخلف على عمله بالمدينة أبان بنَ عثمان، وأمر عبدُ الملك يحيىَ بنَ الحكم أنّ يمرّ على عمله على ما كان عليه بالمدينة، وعلى الكوفة والبصرة الحجّاج بن يوسف، وعلى خُراسانَ أميّة بن عبد الله، وعلى قضاء الكوفة شُرَيح، وعلى قضاء البَصْرة زُرارة بن أوْفى. وفي هذه السنة خرج الحجّاجُ من الكوفة إلى البَصْرة واستَخْلَفَ على الكوفة أبا يَعْفُور عُروَة بن المغيرة بن شُعْبة، فلم يزل عليها حتى رَجَع إليها بعد وَقْعة رُستقْباذ. (٦/ ٢٠٩ - ٢١٠).

стр. 4763

ذكر الخبر عن ثورة الناس بالحجّاج بالبصرة وفي هذه السنة ثار الناسُ بالحجّاج بالبَصْرة. * ذكر الخبر عن سبب وثوبهم به: ذكر هشام، عن أبي مخنف، عن أبي زهير العَبْسيّ، قال: خرج الحجّاج بن يوسفَ من الكوفة بعدما قدمها، وقتل ابن ضابئ من فوره ذلك حتّى قدم البصرة، فقام فيها بخُطْبة مِثل التي قام بها في أهْل الكوفة، وتوعدهم مِثْل وعيده إياهم، فأتِيَ برجل من بني يَشْكرَ فقيل: هذا عاصٍ، فقال: إنَّ بي فتْقًا، وقد رآه بِشر فعذَرَني، وهذا عطائي مَرْدود في بيت المال، فلم يقبل منه وقتله، ففزع لذلك أهل البَصْرة، فخرجوا حتى تداكؤوا، على العارض بقَنْطرة رامَهُرْمز، فقال المهلب: جاء الناسَ رجلٌ ذكَر. وخرج الحجّاج حتى نزل رُسْتقْباذَ في أوّل شعبان سنة خمس وسبعين فثارَ الناسُ بالحجاج، عليهم عبد الله بن الجارود، فقتل عبد الله بن الجارود، وبعث بثمانية عشر رأسًا فنُصبتْ بِرامَهُرمُز للناس، فاشتدّت ظهورُ المسلمين، وساء ذلك الخوارج، وقد كانوا رَجوْا أن يكونَ من الناس فُرقة واختلاف، فانصرَف الحَجاج إلى البَصْرة. وكان سبب أمر عبد الله بن الجارود أنّ الحجاج لما ندب الناسَ إلى اللحاق بالمهلب بالبصرة فشخصوا سار الحجاج حتى نزل رستقْباذ قريبًا من دَسْتَوَى في آخر شعبانَ ومعه وجوهُ أهل البصرة، وكان بينه وبين المهلّب ثمانيةَ عشرَ فَرْسَخًا، فقام في الناس، فقال: إنّ الزيادة التي زادكم ابنُ الزبير في أعطِياتكم زيادة فاسِق منافق، ولستُ أجيزُها، فقام إليه عبدُ الله بن الجارود العَبْديّ فقال: إنها ليست بزيادة فاسق منافق، ولكنها زيادة أمير المؤمنين عبد الملك قد أثبَتها لنا. فكذَّبه وتوعّده، فخرج ابنُ الجارود على الحَجّاج وتابَعَه وجوهُ الناس، فاقتتَلوا قتالًا شديدًا، فقتل ابن الجارود وجماعة من أصحابه، وبعث برأسه ورؤوس عشرة من أصحابه إلى المهلب، وانصرَفَ إلى البَصْرة، وكتَب إلى المهلب وإلى عبد الرحمن بن مخنف: أما بعد، إذا أتاكم كتابي هذا فناهِضوا

стр. 4764

الخوارجَ؛ والسلام (١). (٦/ ٢١٠ - ٢١١). نفي المهلَّب وابن مخنف الأَزارقة عن رامهرمز وفي هذه السنة نفى المهلّب وابنُ مخنَف الأزارقةَ عن رامَهُرْمُز. * ذكر الخبر عن ذلك وما كان من أمرهم في هذه السنة: ذكر هشام عن أبي مخنف، عن أبي زهير العبسيّ، قال: ناهض المهلب وابنُ مخنف الأزارقة برَامَهُرْمز بكتاب الحجّاج إليهما لعشر بقين من شعبان يومَ الإثنين سنة خمس وسبعين، فأجلوهم عن رامَهُرمُز من غير قتال شديد، ولكنهم زَحفوا إليهم حتى أزالوهم، وخرج القوم كأنهم على حامية، حتى نزلوا سابُورَ بأرض منها يقال لها كازَرُون، وسار المهلب وعبدُ الرحمن بنُ مخنَف حتى نزلوا بهم في أول رمضانَ، فخندقَ المهلب عليه، فذكر أهلُ البصرة أنّ المهلب قال لعبد الرحمن بن مخنف: إنْ رأيتَ أن تُخندق عليك فافعَلْ؛ وإنْ أصحاب عبد الرحمن أبَوْا عليه وقالوا: إنما خندقُنا سُيوفنا، وإن الخوارج زحفوا إلى المهلب ليلَّا لَيُبيِّتوه، فوجدوه قد أخذ حذْره، فمالُوا نحوَ عبد الرحمن بن مخنف فوجدوه لم يخندق، فقاتلوه، فانهزم عنه أصحابُه، فنزل فقاتل في أناس من أصحابه فقُتِل، وقتِلوا حوله، فقال شاعرهم: لمن العَسْكَرُ المكلَّلُ بالصَّرْ ... عى فَهُمْ بين ميّتٍ وقَتِيلِ فتَرَاهُم تَسْفِي الرياحُ عليهمْ ... حاصِبَ الرَّمْل بَعْدَ جَرِّ الدُّيولِ وأما أهل الكوفة فإنهم ذكروا أنّ كتاب الحجاج بن يوسف أتى المهلب وعبد الرحمن بن مخنف: أنْ ناهِضَا الخوارجَ حين يأتيكما كتابي، فناهضاهم يومَ الأربعاء لعشر بقِين من رمضانَ سنة خمس وسبعين واقتَتَلوا قتالًا شديدًا لم يكن بينهم فيما مضى قتالٌ كان أشدَّ منه، وذلك بعد الظهر، فمالت الخوارجُ بحدّها على المهلب بن أبي صُفرة فاضطروه إلى عَسْكره، فسرّح إلى عبد الرحمن رجالًا من صلحاء الناس، فأتَوْه، فقالوا: إنّ المهلب يقول لك: إنما عدوُّنا واحد، وقد ترَى ما قد لقي المسلمون، فأمِدَّ إخوانك يرحمك الله، فأخذ يُمِدّه بالخيل

стр. 4765

بعد الخيل، والرّجال بعد الرّجال، فلما كان بعد العصر ورأت الخوارجَ ما يجيء من عسكر عبد الرحمن من الخيل والرّجال إلى عسكر المهلب ظنوا أنه قد خَفّ أصحابه فجعلوا خمس كتائبَ أو سِتًّا تُجاهَ عسكر المهلب، وانصرَفوا بحدّهم وجمعِهم إلى عبد الرحمن بن مخنَف، فلما رآهم قد صمدوا له نزل ونزل معه القُرَّاء، عليهم أبو الأحوص صاحبُ عبد الله بن مسعود، وخُزَيمة بن نصر أبو نصر بن خُزَيمة العبسيّ الذي قُتل مع زيد بن عليّ وصلب معه بالكُوفة، ونزل معه من خاصَّة قومه أحدٌ وسبعون رجلًا، وحملت عليهم الخوارجُ فقاتلتْهم قتالًا شديدًا، ثمّ إنّ الناس انكشفوا عنه، فبقي في عِصابة من أهل الصّبر ثبتوا معه، وكان ابنه جعفر بن عبد الرحمن فيمن بعثه إلى المهلب، فنادَى في الناس ليتْبعوه إلى أبيه، فلم يتْبعه إلّا ناس قليل، فجاء حتى إذا دنا من أبيه حالت الخوارجُ بينه وبين أبيه، فقاتل حتى ارتثّته الخوارج، وقاتل عبد الرحمن بن مخنف ومن معه على تلّ مُشرف حتى ذهب نحوٌ من ثُلثيِ الليل، ثمّ قُتل في تلك العصابة، فلما أصبحوا جاء المهلب حتى أتاه، فدَفنه وصلّى عليه، وكتب بمُصابه إلى الحجّاج، فكتب بذلك الحجاج إلى عبد الملك بن مَرْوان، فنعى عبد الرحمن بمِنىً، وذمَّ أهلَ الكوفة، وبعثَ الحجّاجُ على عسكر عبد الرحمن بن مخنف عتّابَ بن وَرقاء، وأمره إذا ضمّتْهما الحَرْب أن يَسمَع للمهلّب ويطيع، فساءه ذلك، فلم يجد بُدّا من طاعة الحجاج ولم يَقدر على مراجعته، فجاء حتى أقام في ذلك العسكر، وقاتل الخوارج وأمرُه إلى المهلب، وهو في ذلك تقضي أمورَه، ولا يكاد يستشير المهلب في شيء، فلما رأى ذلك المهلب اصطَنع رجالًا من أهل الكوفة فيهم بِسطامُ بن مَصْقَلة بن هُبيرة، فأغراهم بَعتّاب (١). (٦/ ٢١١ - ٢١٣). قال أبو مخنف عن يوسفَ بن يزيد: إن عتَّابًا أتى المهلَّب يسأله أن يرزق أصحابَه، فأجلسَه المهلَّب معه على مجلسه، قال: فسأله أن يرزق أصحابه سؤالًا فيه غِلظة وتجهُّم، قال: فقال له المهلب: وانَّك لها هنا بابن اللَّخناء! فبنو تميم يَزعمون أنَّه رَدَّ عليه، وأمَّا يوسفُ بنُ يزيدَ وغيرُه فيَزعمون أنَّه قال: والله إنَّهما لمعمّةٌ مُخْوِلَةٌ، ولوَددتُ أن الله فرّق بيني وبينك، قال: فجرى بينهما
следующие страницы →