← История

История · id 145435

صحيح وضعيف تاريخ الطبري

محمد بن طاهر البرزنجي

Полный текст (6 167 стр.). Показаны 4796–4835 · переход к 4801.

стр. 4796

لكذلك إذ انفجر الفَجْر ومحمَّد بن موسى بن طلحة بن عبيدالله في أقْصَى العسكر، معه عصابة من أصحابه قد صبروا، فلمَّا انفجر الفجر أمر مؤذِّنه فأذّن، فلمَّا سَمِع شبيب الأذان قال: ما هذا؟ فقال: هذا محمَّد بن موسى بن طلحة بن عُبيد الله لم يَبَرح؛ فقال: قد ظننت أنّ حُمقه وخُيَلاءه سيحمله على هذا؛ نَحُّوا هؤلاء عَنَّا وانزلوا بنا فلنُصَلّ، قال: فنزل فأذّن هو، ثمّ استقدم فصلَّى بأصحابه، فقرأ: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾، و ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾، ثم سلَّم، ثم رَكِبوا فَحَمَلَ عليهم فانكشف طائفة من أصحابه، وثبتتْ طائفة. قال فروة: فما أنسى قوَله وقد غَشينَاه وهو يقاتل بسيفه وهو يقول: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾. قال: وضارب حتَّى قتل، قال: فسمعتُ أصحابي يقولون: إن شبيبًا هو الَّذي قتله، ثمّ إنّا نزلْنا فأخذنا ما كان في العسكر من شيء، وهرب الّذين كانوا بايعوا شبيبًا فلم يبق منهم أحد (١). (٦/ ٢٤٦ - ٢٤٧). وقد ذكر من أمر محمَّد بن موسى بن طلحة غيرُ أبي مِخنَف أمرًا غير الَّذي ذكرته عنه، والذي ذكر من ذلك أنّ عبدَ الملك بن مروان كان ولّى محمَّدَ بن موسى بن طلحة سِجِستان، فكتب إليه الحجَّاج: إنك عامل كلّ بلد مررت به، وهذا شبيب في طريقك، فعدل إليه محمَّد، فأرسل إليه شبيب: إنك امرؤ مخدوع، قد اتَّقى بك الحجَّاج، وأنا جارٌ لك حقّ، فانطَلِقْ لما أمِرتَ به ولك الله لا آذَيْتك، فأبى إلا محاربته، فواقفه شبيب، وأعاد إليه الرسول، فأبى إلّا قتاله، فدعا إلى البراز، فبرز إليه البطين ثم قعنب ثم سويد، فأبى إلا شبيبًا، فقالوا لشبيب: قد رغب عنا إليك، قال: فما ظنكم هذه الأشراف! فبرز إليه شبيب. وقال: إني أنشدُكَ اللهَ في دَمِكَ، فإنّ لك جِوارًا، فأبى إلا قِتَاله فحَمَل عليه شبيبٌ فضربه بعصا حديدٍ فيها اثنا عشر رطلًا بالشافي، فهشم بها بيضة عليه ورأسه فسقط، ثم كفَّنه ودفنه، وابتاع ما غنموا من عسكره، فبعث به إلى أهله، واعتذر إلى أصحابه وقال: هو جاري بالكوفة، ولي أن أهَبَ ما غنمتُ لأهل الرّدّة. (٦/ ٢٤٧ - ٢٤٨).

стр. 4797

قال عمرُ بنُ شَبَّة: قال أبو عبيدة: كان محمَّد بنُ موسى مع عمر بن عبيد الله بن معمر بفارس، وشهد معه قتال أبي فُدَيك وكان على ميمنته، وشُهِر بالنَّجْدة، وشدة البأس وزوّجه عمر بن عُبيد الله بن معمر ابنتَه أمّ عثمان وكانت أخته تحت عبد الملك بن مروان - فولاه سِجِسْتان، فمرَّ بالكوفة وبها الحجَّاج بن يوسف، فقيل للحجَّاج: إن صار هذا إلى سِجِسْتان، مع نجدته وصهْره لعبد الملك فلجأ إليه أحد ممَّن تطلب، مَنَعَك منه؛ قال فما الحيلة؟ قيل: تأتيه وتسلّم عليه، وتذكر نجدته وبأسه وأنّ شبيبًا في طريقه، وأنه قد أعياك، وأنَّك ترجو أن يريحَ الله منه على يده، فيكون له ذكر ذلك وشهرته، ففعل، فعدل إليه محمَّد بن موسى بن طلحة بن عُبيد الله، فواقعه شبيب، فقال له شبيب: إني قد علمتُ خِدَاعَ الحجَّاج، وإنَّما اغترّك وَوَقى بك نفسَه، وكأني بأصحابك لو قد التقَتْ حَلْقَتَا البطان قد أسلَموك، فُصرعتَ مَصرع أصحابِك؛ فأطِعْني وانطلِق لشأنِك، فإني أنفسُ بك عن الموت؛ فأبَى محمَّد بن موسى، فبارَزَه شبيب فقتله. (٦/ ٢٤٨). رجع الحديث إلى حديث أبي مِخنَف، قال عبدُ الرحمن: لقد كان فيمن بايَعه تلك الليلة أبو بُردَة بن أبي موسى الأشعريّ، فلمَّا بايعه قال له شبيب: ألَسْتَ أبا بردة! قال: بلى؛ قال شبيب لأصحابه: يا أخلّائي، أبو هذا أحد الحَكَمين، فقالوا: ألا نقتل هذا؟ فقال: إنّ هذا لا ذنبَ له فيما صنع أبوه؛ قالوا: أجل. قال: وأصبح شبيب، فأتى مُقِبلًا نحوَ القَصْر الَّذي فيه أبو الضَّريس وأعيَن فرَموه بالنَّبل، وتحصَّنا منه، فأقام ذلك اليوم عليهم، ثمّ شخص عنهم، فقال له أصحابُه: ما دون الكوفة أحد يمنعنا؛ فنظر فإذا أصحابُه قد جُرِحوا؛ فقال لهم: ما عليكم أكثر ممَّا قد فعلتم، فخرج بهم على نِفرَّ، ثمّ على الصَّراة، ثمّ على بغداد، ثم خرج إلى خانِيجَار فأقام بها. قال: ولمَّا بلغ الحجَّاجَ أن شبيبًا قد أخذ نحو نِفرَّ ظَنّ أنَّه يريد المدائن - وهي باب الكوفة، ومَن أخذ المدائن كان ما في يده من أرض الكوفة أكثر - فهال ذلك الحجَّاج، وبعث إلى عثمان بن قَطَن، ودعاه وسرّحه إلى المدائن، وولّاه منبَرها والصّلاة ومَعونة جُوخى كلَّها وخَراجَ الأسْتان. فخرج مسرعًا حتَّى نزل المدائن، وعزل الحجَّاجُ عبدَ الله بن أبي عُصيفير؛

стр. 4798

وكان بها الجَزْل مقيمًا أشهرًا يُداوِي جراحَتَه، وكان ابن أبي عصيفير يعوده ويكرمه، فلمَّا قدم عثمانُ بن قطن المدائن لم يَعُدْه، ولم يَكن يتَعاهده ولا يُلطِفه بشيء، فقال الجزل: اللَّهمّ زِد ابنَ عصيفير جودًا وكرمًا وفضلًا، وزد عثمان بن قطن ضِيقًا وبُخلًا، قال: ثم إن الحجَّاج دعا عبدَ الرَّحمن بن محمد بن الأشعث فقال: انتخِب الناس، واخرجْ في طلب هذا العدو، فأمره بنُخبة ستَّةِ آلاف، فانتخب فُرْسان الناس ووجوههم، وأخرج من قومِه ستَّمئة من كِنْدة وحَضْرَموت، واستحثَّه الحجّاجُ بالعسكر، فعسكر بدير عبد الرحمن، فلمَّا أراد الحجَّاج إشخاصهُم كتب إليهم: أما بعد، فقد اعتدتُم عادةَ الأذلّاء، وولَّيْتم الدُّبر يومَ الزَّحْف، وذلك دأب الكافِرين، وإني قد صفحتُ عنكم مرّة بعد مرّة، ومرّة بعد مرّة، وإني أقسِم لكم بالله قَسَمًا صادقًا لئن عدتم لذلك لأوقِعنّ بكم إيقاعًا أكون أشدَّ عليكم من هذا العدوّ الذي تَهرُبون منه في بطون الأودية والشِّعاب، وتَستترون منه بأثناء الأنْهار وألْواذ الجِبال، فخافَ من له مَعقولٌ على نفسِه، ولم يَجعل عليها سبيلًا، وقد أعَذَر من أنذَر. وقد أسمعتَ لَوْ نادَيتَ حَيًّا ... ولكنْ لا حياةَ لمن تُنادِي والسلامُ عليكم. قال: ثمّ سرّح ابن الأصمّ مؤذّنَه، فأتى عبدَ الرحمن بن محمَّد بن الأشعث عند طلوع الشمس، فقال له: ارتحِلْ الساعةَ ونادِ في الناس: أن برِئتِ الذّمَّةُ من رجل من هذا البَعْث وَجَدناه متخلفًا. فخرج عبدُ الرحمن بنُ محمد بن الأشعَث في الناس حتَّى مَرّ بالمدائن فنزل يومًا وليلةً، وتشَرّى أصحابه حوائجَهم، ثمّ نادَى في الناس بالرَّحيل، فارتحَلوا، ثمّ أقبلوا حتى دَخل على عثمان بن قطن، ثم أتى الجَزْلَ فسأله عن جراحَته، وسأله ساعةً وحدثه، ثم إنّ الجَزْل قال له: يا بن عمّ: إنَّك تسير إلى فُرْسان العَرَب وأبناءِ الحرب، وأحْلاس الخيل، واللهِ لكأنَّما خُلِقوا من ضُلوعها، ثم بُنوا على ظهورِها، ثم هم ألسْد الأجَم، الفارسُ منهم أشدّ من مئة، إن لم تبدأ به بدأ، وإن هُجهج أقدَم، فإني قد قاتلتُهم وبلَوْتُهم، فإذا أصحرتُ لهم انتَصفوا منّي، وكان لهم الفضل عليّ، وإذا خَندقت عليّ وقاتلتُهم في مَضِيق نلتُ منهم بعضَ ما أحِبّ، وكان لي عليهم

стр. 4799

الظَّفَر، فلا تلقهم وأنت تستطيع إلا في تعبيةٍ أو في خندق، ثمّ إنه ودّعه، فقال له الجَزْل: هذه فرَسي الفُسَيْفِساء، خُذْها فإنَّها لا تجارَى، فأخَذَها ثمّ خرج بالناس نحو شبيب، فلمَّا دنا منه ارتفع عنه شبيبٌ إلى دَقُوقاء وشَهْرَزُور، فخرج عبد الرحمن في طلبه، حتَّى إذا كان على التخوم أقام، وقال: إنَّما هو في أرض المَوْصِل، فليقاتِلوا عن بلادهم أو ليَدَعوه، فكتب إليه الحجَّاج بنُ يوسف: أمّا بعد، فاطلب شبيبًا واسلُكْ في أثَرِه أين سَلَك حتَّى تُدرِكَه فتقتله أو تَنفِيَه، فإنَّما السلطان سلطانُ أميرِ المؤمنين والجندُ جندُه، والسلام. فخرج عبدُ الرحمن حين قرأ كتابَ الحجَّاج في طلب شبيب، فكان شبيبٌ يدَعه حتى إذا دنا منه بيَّنه، فيجده قد خندق على نفسه وحَذِر، فيمضي ويَدَعُه، فيتبعه عبد الرحمن، فإذا بلغه أنَّه قد تحمّل وأنَّه يسير أقبل في الخيل، فإذا انتهى إليه وجَده قد صَفَّ الخيل والرّجال وأدنى المرامية، فلا يصيبُ له غِرّة ولا له عِلَّة، فيمضي ويدعه. قال: ولمَّا رأى شبيب أنَّه لا يصيب لعبد الرحمن غِرّةً ولا يصل إليه، جعل يَخرُج إذا دنا منه عبد الرحمن في خيله، فينزل على مسيرةِ عشرِين فرسخًا، ثمّ يقيم في أرض غليظة حَزْنة، فيجيء عبد الرحمن، فإذا دنا من شبيب ارتحل شبيب فسار خمسةَ عشرَ أو عشرين فرسخًا، فنزل منزلًا غليظًا خَشِنًا، ثم يقيم حتَّى يدنوَ عبد الرحمن (١). (٦/ ٢٤٨ - ٢٥١). قال أبو مخنف: فحدّثني عبد الرحمن بن جُندب أنّ شبيبًا كان قد عَذّب ذلك العسكرَ وشقّ عليهم، وأحفى دوابَّهم، ولَقُوا منه كل بلاء، فلم يزل عبد الرحمن يتَّبعه حتَّى مرّ به على خانِقين ثمّ على جلولاء ثم على تامرا، ثمّ أقبَل حتَّى نزل البتّ - قرية من قُرَى المَوْصل على تُخوم المَوْصِل، ليس بينها وبين سواد الكوفة إلّا نهر يسمَّى حَولايا - قال: وجاء عبدُ الرحمن بنُ محمَّد بن الأشعث حتَّى نزل في نهر حولايا وفي راذان الأعلى من أرض جُوخَى، ونزل عَواقيل من النَّهر، ونزلها عبدُ الرحمن حيث نزلها وهي تُعجِبه، يرى أنَّها مثل الخندق والحصن، قال: وأرسل شبيب إلى عبد الرحمن: إنّ هذه الأيام أيامُ عيدٍ

стр. 4800

لنا ولكم، فإن رأيتم أن تُوادِعونا حتَّى تمضي هذه الأيَّام فافعلوا، فقال له عبدُ الرحمن: نعم، ولم يكن شيء أحبّ إلى عبدِ الرحمن من المطاولة والموادعة، قال: وكتب عثمان بنُ قَطَن إلى الحجَّاج: أمَّا بعد، فإني أخبِر الأميرَ أصلَحه الله أنّ عبد الرحمن بن محمَّد قد حفَر جُوخَى كلَّها خَندَقًا واحدًا، وخَلّى شبيبًا وكسر خراجها وهو يأكل أهلَها، والسلام. فكتب إليه الحجَّاج: أمَّا بعد، فقد فهمتُ ما ذكرتَ لي عن عبد الرحمن، وقد لَعَمري فعل ما ذكرت، فسِرْ إلى الناس فأنتَ أميرُهم، وعاجِل المارقةَ حتَّى تلقاهم، فإن الله - إن شاء الله - ناصِرُك عليهم والسلام. قال: وبعث الحجَّاج إلى المدائن مطرّف بن المغيرة بن شعبة، وخرج عثمان حتى قدِم على عبد الرحمن بن محمَّد ومَنْ معه من أهل الكوفة وهم مُعسكرون على نهر حَوْلايا قريبًا من البت، عشيَّة الثلاثاء، وذلك يوم التَّروية، فنادى الناس وهو على بغلة: أيّها الناس، اخرجوا إلى عدوّكم، فوثب إليه الناس، فقالوا: نُنْشِدك اللهَ، هذا المساءَ قد غُشينا، والناس لم يُوطِّنوا أنفسهم على القتال، فبت اللَّيلة ثمّ اخرج بالناس على تعبية. فجعل يقول: لأناجزَنَّهم، ولتكوننّ الفرصة لي أوْلهم، فأتاهم عبد الرحمن فأخذ بعنان دابَّته، وناشده الله لمّا نزل، وقال له عقيلُ بنُ شدّاد السَّلُوليّ: إن الَّذي تريد من مُناجَزتهم الساعةَ أنت فاعلُهُ غدًا، وهو غدًا خيرٌ لك وللناس، إن هذه ساعة ريح وغُبرة، وقد أمسيت فانزل، ثمّ أبكِرْ بنا إليهم غُدْوةً، فنزل، فَسفت عليه الريح، وشَقّ عليه الغُبارُ، ودعا صاحب الخراج العُلُوج فبَنوا له قُبَّةً فَبات فيها، ثمّ أصبح يومَ الأربعاء، فجاء أهلُ البتّ إلى شبيب - وكان قد نزل ببيعَتهم - فقالوا: أصلحَك الله! أنت ترحم الضعفاء وأهلَ الجِزْية، ويكلّمك مَنْ تلي عليه، ويَشكون إليك ما نزل بهم فتنظر لهم، وتكفّ عنهم، وإنّ هؤلاء القوم جبابرة لا يُكلّمون ولا تقْبَلون العُذْر، والله لئن بَلغهم أنَّك مقيم في بِيعتنا لَيقتلنّنا إن قُضي لك أن تَرتَحِل عنَا، فإن رأيتَ فانزل جانبَ القَرْية ولا تجعل لهم علينًا مقالًا، قال: فإني أفعل ذلك بكم، ثمّ خرج فنزل جانبَ القَرْية، قال: فباتَ عثمان ليلتَه كلَّها

стр. 4801

يحرّضهم؛ فلمّا أصبح - وذلك يومَ الأربعاء - خرج بالنَّاس فاستقبلتهم ريحٌ شديدة وغبرة، فصاحَ الناس إليه، فقالوا: نُنْشدُك الله أن تخرج بنا في هذا اليوم، فإنّ الريح علينا! فأقام بهمْ ذلك اليوم، وأراد شبيبٌ قتالهم، وخرجَ أصحابُه، فلمَّا رآهم لم يَخرجُوا إليه أقام، فلمَّا كان ليلة الخميس خرج عثمانُ فعبَّى الناسَ على أرباعِهم، فجعل كلّ رُبْع في جانب العسكر، وقال لهم: اخرُجوا على هذه التعبية، وسألهم: من كان على ميمنتكم؟ قالوا: خالدُ بن نَهيك بن قيس الكِنْديّ، وكان على ميسرتنا عَقِيل بنُ شدَّاد السَّلوليّ، فدعاهما فقال لهما: قفا مواقفكما الَّتي كنتما بها، فقد ولَّيتكما المجنَّبتين، فاثبتا ولا تَفِرّا، فوالله لا أزول حتَّى يزول نَخْل راذان عن أصوله، فقالا: ونحن واللهِ الَّذي لا إله إلا هو لا نَفِرّ حتَّى نظفر أو نُقتل، فقال لهما: جزاكما اللهُ خيرًا، ثمّ أقام حتَّى صلَّى بالناس الغداة، ثمّ خرج فجعل ربْع أهلِ المدينة تميم وَهمْدان نحوَ نهر حَوْلايا في الميسَرة، وجعل ربع كِندة وربيعة ومَذَحج وأسَد في الميمنة، ونزل يمشي في الرّجال، وخرج شبيب وهو يومئذ في مئة وأحد وثمانين رجلًا فقطع إليهم النَّهر، فكان هو في ميمنة أصحابه، وجعل على ميسرته سُوَيد بن سُليم، وجعل في القلب مصاد بن يزيدَ أخاه، وزحفوا وسما بعضُهم لبعض (١). (٦/ ٢٥١ - ٢٥٣). قال أبو مخنف: فحدّثني النّضر بنُ صالح العبسيّ أن عثمان كان يقول فيُكثر: ﴿لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، أين المحافظون على دينهم، المحامون عن فيئهم! فقال عَقيل بن شَدّاد بن حُبْشي السَّلُوليّ: لعلّي أن أكون أحدَهم قتِل أولئك يومَ رُوذْبار، ثم قال شبيب لأصحابه: إني حاملٌ على ميسرتهم ممَّا يلي النهر، فماذا هزمتُها فليحمِل صاحبُ ميسرتي على ميمنتهم، ولا يبرح صاحب القلب حتى يأتيَه أمري، وحمل في ميمنة أصحابه ممَّا يلي النَّهر على ميسرة عثمانَ بن قَطن فانهزموا، ونزل عقيل بنُ شدّاد فقاتل حتَّى قُتِل، وقُتل يومئذ مالكُ بنُ عبد الله الهمْدانيّ ثمّ المُرْهبيّ، عمّ عيَّاش بن عبد الله بن عيَّاش المَنْتوف، وجعل يومئذ عَقيل بن شَدّاد يقول وهو يُجالِدهم: لأضْرِبَنّ بالحُسام الباتِر ... ضَرْبَ غُلَام مِنْ سَلُولٍ صابر

стр. 4802

ودخل شبيب عسكرَهم، وحمل سُويد بن سليم في ميسَرة شبيب على ميمنة عثمان بن قَطَن فهزَمها، وعليها خالد بن نهيك بن قيس الكنديّ، فنزل خالد فقاتل قتالًا شديدًا، وحمل عليه شبيبٌ من ورائه وهو على ربْع كندة وربيعةَ يومئذ وهو صاحب الميمنة، فلم ينثنِ شبيبٌ حتى علاه بالسيف فقتله، ومضى عثمان بن قَطَن وقد نزلت معه العُرَفاء وأشرافُ الناس والفُرسان نحو القلب، وفيه أخو شبيب في نحو من ستين راجلًا، فلمَّا دنا منهم عثمانُ بن قطَن شدَّ عليهم في الأشراف وأهل الصبر فضاربوهم حتَّى فرّقوا بينهم، وحمل شبيب بالخيل من ورائهم، فما شعروا إلا والرّماح في أكتافهم تُكِبّهم لوجُوهِهم، وعطَف عليهم سُوَيد بنُ سليم أيضًا في خَيْله، ورجع مصاد وأصحابُه، وقد كان شبيب رَجَّلهم، فاضطربوا ساعة، وقاتل عثمان بن قَطن فأحسَنَ القتال، ثم إنَّهم شَدّوا عليهم فأحاطوا به، وحَمَل عليه مصاد أخو شَبيب فضربه ضربةً بالسيف استدارَ لها، ثمّ قال: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾، ثمّ إن الناس قتلوه، وقُتل يومئذ الأبْرَد بنُ ربيعة الكِنْديّ، وكان على تَلّ، فألقى سلاحه إلى غلامه وأعطاهُ فرسه، وقاتل حتى قُتِل، ووقع عبدُ الرحمن فرآه ابن أبي سَبْرة الجُعفيّ، وهو على بغلة فعَرَفه، فنزل إليه فناوَله الرّمح وقال له: اركب، فقال عبد الرحمن بن محمَّد: أيُّنا الرَّديف؟ قال ابنُ أبي سَبْرة: سبحانَ الله! أنت الأمير تكون المقدّم، فَركب وقال لابن أبي سَبْرة: ناد في الناس: الحَقوا بِدَيْر أبي مَرْيم: فنادَى، ثمّ انطلَقَا ذاهبَين، ورأى واصلُ بن الحارث السّكونيّ فرسَ عبدِ الرحمن الَّذي حمله عليه الجَزْلُ يَجُول في العسكر، فأخذها بعضُ أصحاب شبيب، فظَنَّ أنَّه قد هلك، فطلبه في القتلى فلم يجدْه، وسأل عنه فقيل له: قد رأيْنا رجلًا قد نزل عن دابَّته، فحمَله عليها، فما أخلقه أن يكون إيَّاه؛ وقد أخذ هاهنا آنفًا، فأتبعه واصلُ بنُ الحارث على بِرْذَوْنه ومع واصِل غلامُه على بَغْل، فلمَّا دَنوْا منهما قال محمَّد بن أبي سَبْرة لعبد الرحمن: قد واللهِ لَحِق بنا فارِسان، فقال عبدُ الرحمن: فهل غيرُ اثنين؟ فقال: لا، فقال عبد الرحمن: فلا يعجز اثنان عن اثنين. قال: وجعل يحدّث ابن أبي سَبْرة كأنَّه لا يكترث بهما، حتَّى لحقهما الرجلان، فقال له ابنُ أبي سَبْرة: رحمك الله! قد لِحقَنَا الرّجلان، فقال له: فانزل بنا، فنزلا فانتضيا سيفَيهما، ثمّ مضَيا إليهما، فلما رآهما واصِل عرَفهما،

стр. 4803

فقال لهما: إنَّكما قد تركتما النزول في موضعه، فلا تَنزلا الآن، ثمّ حسَر العمامةَ عن وجهه، فعرفاه فرحَّبا به، وقال لابنِ الأشعث: إني لمَّا رأيتُ فرسك يجول في العسكر ظننتُك راجلًا، فأتيتك ببِرْذوني هذا لتركَبَه، فترك لابن أبي سَبْرة بغلته، ورَكب البرْذَون، وانطلق عبدُ الرحمنُ بنُ الأشعث حتَّى نزل دَيْر اليعار، وأمرَ شبيبٌ أصحابَه فرفعوا عن الناس السَّيف، ودعاهم إلى البَيْعة، فأتاه من بقي من الرَّجَّالة فبايعوه، وقال له أبو الصُّقَيْر المحلَّميّ قتلت من الكوفيِّين سبعةً في جوف النَّهر كان آخرهم رجلًا تعلَّق بثوبي وصاح، ورهَّبني حتَّى رهبْتُه، ثمَّ إني أقدَمْت عليه فقتَلتُهُ، وقُتِل من كندة مئة وعشرون يومئذ وألفٌ من سائرِ الناس أو ستّمئة، وقُتِل عُظْم العُرَفاء يومئذ (١). (٦/ ٢٥٣ - ٢٥٥). قال أبو مِخنَف: حدّثني قُدامة بن حازم بنِ سُفْيان الخَثْعميّ، أنَّه قَتَل منهم يومئذ جماعةً، وبات عبد الرحمن بنُ محمَّد تلك الليلة بدَير اليعار، فأتاه فارسان فصعِدا إليه فوق البيت، وقام آخرُ قريبًا منهما فخلا أحدُهما بعبد الرحمن طويلًا يناجيه، ثمّ نزل هو وأصحابُه، وقد كان الناسُ يتحدّثون أنّ ذلك كان شبيبًا، وأنَّه قد كان كاتبه، ثمّ خرج عبد الرحمن آخر الليل فسار حتى أتى دَيْرَ أبي مريم، فإذا هو بأصحاب الخيل قد وضع لهم محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي سَبْرة صبَرَ الشَّعير وألقَتّ بعضهُ على بعض كأنه القُصور، ونحر لهم من الجزر ما شاؤوا، فأكلوا يومئذ وعَلفوا دوابَّهم، واجتمع الناسُ إلى عبد الرحمن بن محمَّد بن الأشعث فقالوا له: إنْ سمعَ شبيبٌ بمكانك أتَاك وكنتَ له غنيمة، قد ذهب الناس وتفرّقوا وقُتِل خيارهم فالحقْ أيها الرجل بالكوفة، فخرج إلى الكوفة ورجع الناس أيضًا، وجاء فاختبأ من الحجَّاج حتَّى أخَذ الأمانَ بعد ذلك (٢). (٦/ ٢٥٥ - ٢٥٦). ثم دخلتْ سنة سبع وسبعين محاربة شبيب عتاب بن ورقاء وزهرة بن حَوِية وقتلهما ففي هذه السنة قتل شبيبٌ عَتَّاب بن ورقاءَ الرّياحيّ وزُهرة بن حَوِية.

стр. 4804

* ذكر الخبر عن سبب مقتلهما: وكان سبب ذلك فيما ذَكر هشام عن أبي مخنف، عن عبد الرحمن بن جندَب وفَرْوة بن لَقِيط، أنّ شبيبًا لمَّا هزم الجيشَ الَّذي كان الحجَّاج وجَّهَه مع عبد الرحمن بن محمَّد بن الأشعث إليه، وقتَل عثمان بن قطن، وذلك في صَيْف وحرّ شديد، واشتدّ الحرّ على أصحابه، فأتَى ماه بَهْزاذان فتصيَّف بها ثلاثة أشهر، وأتاه ناسٌ كثير ممَّن يطلب الدُّنيا فَلِحقُوا به، وناس ممَّن كان الحجَّاج يَطلبهم بمال أو تِباعات؛ كان منهم رجلٌ من الحيّ يقال له الحرّ بنُ عبد الله بن عَوْف، وكان دِهْقانان من أهل نهر دَرْقيط قد أساءَا إليه وضَيّقَا عليه، فشَدَّ عليهما فقتَلهما، ثم لَحِق بشبيب فكان معه بماه. وشَهِد معه مواطنَه حتَّى قُتل، فلمَّا آمن الحجَّاجُ كل مَنْ كان خَرَج إلى شبيب من أصحاب المال والتِّباعات - وذلك بعد يوم السَّبَخة - خرج إليه الحرّ فيمن خرج، فجاء أهلُ الدّهقانَين يَستعدُون عليه الحجَّاج، فأتِيَ به فدخل. وقد أوصى ويئِس من نفسه، فقال له الحجَّاج: يا عدوَّ الله، قتلتَ رَجُلين من أهل الخراج! فقال له: قد كان أصلَحك الله ما هو أعظم من هذا، فقال: وما هو؟ قال: خروجي من الطاعة وفراق الجماعة، ثمّ آمنتَ كلَّ من خرج إليك، فهذا أماني وكتابُك لي، فقال له الحجَّاج: أوْلى لك! قد لَعَمري فعلتُ، وخَلَّى سبيلَه. قال: ولمَّا انفسخ الحَرّ عن شبيب خرج من ماه في نحو من ثمانمئة رجل، فأقبل نحو المَدائن وعليها مُطرّف بن المغيرة بن شُعْبة، فجاء حتَّى نزل قناطرَ حُذيفة بن اليمَان، فكتب ماذرواسب عظيم بابل مهروذ إلى الحجَّاج: أمَّا بعد: فإني أخبر الأميرَ - أصلَحهُ الله - أنّ شبيبًا قد أقبل حتى نزل قناطر حُذَيفة، ولا أدري أين يُريد! فلمَّا قرأ الحجَّاج كتابَه قام في الناس فحَمِد الله وأثنى عليه ثمّ قال: أيها الناس، والله لتقاتِلُنّ عن بلادكم وعن فَيْئكم أو لأبعثنّ إلى قوم هم أطوع وأسمَع وأصبرُ على اللأواء والغيظ منكم، فيقاتلون عدوَّكم، ويأكلون فيئكم. فقام إليه الناس من كلّ جانب، فقالوا: نحن نُقاتِلُهم ونُعتِب الأميرَ، فليندبنا الأميرُ إليهم، فإنَّا حيث سَرّه، وقام إليه زُهْرة بن حَويّة وهو شيخ كبيرٌ لا يستتمّ

стр. 4805

قائمًا حتَّى يؤخَذ بيَدِه، فقال له: أصلح اللهُ الأميرَ! إنَّك إنَّما تَبعَث إليهم الناسَ متقطِّعين، فاستنفِر الناسَ إليهم كافةً فلينفَروا إليهم كافَّة، وابعثْ عليهم رجلًا ثَبْتًا شُجاعًا مجرّبًا للحرب ممَّن يرى الفِرارَ هَضْمًا وعارًا والصبرَ مجدًا وكرمًا، فقال الحجَّاج: فأنت ذاك فاخرج، فقال: أصلح الله الأميرَ! إنما يصلح للناس في هذا رجل يَحْمِل الرمح والدّرع، ويهزّ السيفَ ويَثبت على مَتن الفرس، وأنا لا أطيق من هذا شيئًا، وقد ضعف بصري وضعفتُ، ولكن أخْرجني في الناس مع الأمير، فإني إنما أثبت على الراحلة، فأكون مع الأمير في عسكره وأشيرُ عليه برأيي، فقال له الحجَّاج: جزاك الله عن الإسلام وأهلِه في أوّل الإسلام خيرًا، وجزاك اللهُ عن الإسلام في آخرِ الإسلام خيرًا، فقد نصحت وصدقتَ، أنا مُخْرِجُ الناسَ كافَّة، ألا فسيروا أيّها الناس. فانصرف الناسُ فجعلوا يَسيرون وليس يَدرون مَنْ أميرُهم! وكتب الحجَّاج إلى عبد الملك بن مروان: أمَّا بعد، فإني أخبِر أميرَ المؤمنين أكرَمه الله أنّ شبيبًا قد شارف المدائن وإنَّما يريد الكوفَة، وقد عجز أهلُ الكوفة عن قتاله في مواطن كثيرة، في كلها يقتُلُ أمراءَهم، ويَفُلّ جنودهم؛ فانْ رأى أميرُ المؤمنين أن يبعثَ إلى أهل الشأم فيُقاتِلوا عدوَّهم ويأكلوا بلادَهم فلْيَفعل، والسلام. فلمَّا أتى عبدَ الملك كتابُه بعث إليه سُفْيان بن الأبرد في أربعة آلاف، وبعث إليه حبيبَ بنَ عبد الرحمن الحكَميّ، من مَذْحج في ألفين، فسَرَّحهم حين أتاه الكتاب إلى الحجَّاج، وجعل أهل الكوفة يتجهّزون إلى شبيب ولا يدرون من أميرُهم! وهم يقولون: يبعث فلانًا أو فلانًا، وقد بعث الحجَّاج إلى عتَّاب بن ورْقاء ليأتيَه وهو على خَيْل الكوفة مع المهلَّب، وقد كان ذلك الجيش من أهل الكوفة هم الَّذين كان بِشْر بن مروانَ بعث عبد الرحمن بن مخنَف عليهم إلى قطريّ، فلم يلبث عبدُ الرحمن بن مِخنفَ إلّا نحوًا من شهرين حتَّى قدم الحجَّاج على العراق، فلم يلبثْ عليهم عبدُ الرحمن بنُ مخنف بعد قدوم الحجَّاج إلا رَجبَ وشعبان، وقتل قطريٌّ عبدَ الرحمن في آخرِ رمضان، فبعث الحجَّاج عتَّاب بنَ ورقاءَ على ذلك الجيش من أهل الكوفة الَّذين أصيب فيهم عبدُ الرحمن بنُ مخنف، وأمر الحجَّاجُ عَتَّابًا بطاعة المهلَّب، فكأنّ ذلك قد كَبُر

стр. 4806

على عتّاب، ووقع بينَه وبين المهلَّب شرّ، حتَّى كتب عَتَّاب إلى الحجَّاج يَستعفِيه من ذلك الجيش ويضمّه إليه، فلمَّا أن جاءه كتابُ الحجَّاج بإتيانه سُرَّ بذلك. قال: ودعا الحجَّاج أشرافَ أهل الكوفة؛ فيهم زُهرةُ بن حَوِيّه السَعْديّ من بني الأعرَج، وقَبيصة بن والق التَّغلَبيّ، فقال لهم: مَنْ تَروْن أن أبعثَ على هذا الجيش؟ فقالوا: رأيُك أيّها الأمير أفضل؛ قال: فإني قد بعثتُ إلى عتَّاب بنِ ورقاء؛ وهو قادمٌ عليكم الليلة أو القابلة، فيكون هو الَّذي يسير في النَّاس؛ قال زُهْرة بن حَوِيّة: أصلحَ الله الأميرَ! رَمَيْتَهُمْ بِحَجَرِهِم، لا والله لا يَرجع إليك حتَّى يَظفَر أو يُقتَل. وقال له قَبيصةُ بن وَالق: إني مُشيرٌ عليك برأيي، فإن يكن خطأ فبعدَ اجتهادي في النصيحة لأميرِ المؤمنين وللأمير ولعامَّة المسلمين، وإن يك صوابًا فاللهُ سدَّدني له؛ إنَّا قد تحدّثنا وتحدّث الناسُ أنّ جيشًا قد فصل إليكَ من قِبَل الشام، وأن أهلَ الكوفة قد هُزِموا وَفُلُّوا واستَخَفّوا بالصبر، وهان عليهم عارُ الفِرار، فقلوبهم كأنَّها ليست فيهم، كأنَّما هي في قوم آخرين، فإنْ رأيتَ أن تبعث إلى جيشك الذي أمْدِدتَ به من أهل الشام، فيأخذوا حِذْرَهم، ولا يبيتُوا إلا وهم يرون أنَّهم مُبيَّتون فعلت، فإنك تُحارب حَوَّلًا قُلّبًا، ظَعَّانًا رَحَّالا، وقد جهَّزتَ إليه أهل الكوفة ولستَ واثِقًا بهم كلّ الثقة، وإنما إخوانهم هؤلاء القوم الَّذين بُعثوا إليك من الشام، إنّ شبيبًا بينا هو في أرض إذ هو في أخرى، ولا آمن أن يأتيَهم وهم غارّون فإن يهلِكوا نَهلك ويهلك العراق، فقال: لله أنت! ما أحسن ما رأيت! وما أحسن ما أشرت به عليّ! قال: فبعث عبد الرحمن بن الغرِق مولى عَقيل إلى مَنْ أقبل من أهل الشام، فأتاهم وقد نزلوا هِيتَ بكتاب من الحجَّاج: أمَّا بعد، فإذا حاذَيْتم هِيتَ فدَعُوا طريقَ الفُرات والأنبار، وخذوا على عين التّمر حتَّى تقدمُوا الكوفة إن شاء الله، وخذوا حذركم، وعجِّلوا السَّيرَ، والسلام. فأقبل القومُ سِراعًا، قال: وقدم عتّاب بن وَرْقاء في اللَّيلة الَّتي قال الحجَّاج إنَّه قادم عليكم فيها، فأمَرَه الحجَّاج فخرج بالناس فعسكر بهم بحَمَّام أعيَنَ، وأقبل شبيب حتى انتهى إلى كَلْواذا فقطع منها دِجلة، ثمّ أقبل حتَّى نزَل مدينة

стр. 4807

بَهُرَسير الدّنيا، فصار بينه وبين مطرّف بن المغيرة بن شُعْبة جِسر دِجْلة. فلمَّا نزل شبيب مدينة بَهُرَسير قَطَع مطرِّف الجِسْر، وبعث إلى شبيب: أن ابعثْ إليّ رجالًا من وجوه أصحابك أدارِسهم القرآن، وأنظر فيما تدعو إليه، فبعث إليه شبيب رجالًا من وجوهِ أصحابِه؛ فيهم قعْنَب وسُوَيد والمحلّل، فلمَّا أرادوا أن ينزِلوا في السفينة بعث إليهم شبيب ألا تدخلوا السفينة حتَّى يَرجع إليّ رسولي من عند مطرّف، فرجع الرسولُ. وبعث إلى مطرّف أن ابعث إليّ من أصحابِك بعَددِ أصحابي يكونوا رهنًا في يدي حتى تردّ عليَّ أصحابي، فقال مطرّف لرسوله: القه وقل له: كيف آمَنك أنا على أصحابي إذا أنا بعثتُهم الآن إليك، وأنتَ لا تأمنني على أصحابك! فرجع الرسولُ إلى شبيب فأبلغَه، فأرسَل إليه شبيب: إنَّك قد علمتَ أنَّا لا نستحلّ الغَدْر في دِيننا، وأنتم تفعلونه وتستحلّونه، فبعث إليه مطرِّف الرّبيعَ بن يزيد الأسَديّ وسليمان بن حذيفة بن هلال بن مالك المُزَنيّ، ويزيد بن أبي زياد مولاه وصاحب حَرَسه، فلمّا صاروا في يديْ شَبيب سرّح إليه أصحابه، فأتوا مطرّفًا فمكثوا أربعة أيَّام يتراسلون، ثمّ لم يتَّفقوا على شيء، فلمَّا تبيَّن لشبيب أنّ مطرّفًا غير تابعِه ولا داخل معه تهيَّأ للمسير إلى عتَّاب بن وَرْقاء، وإلى أهل الشام (١). (٦/ ٢٥٧ - ٢٦١). قال أبو مخنف: فحدّثني فَروة بنُ لَقِيط أنّ شبيبًا دعا رؤوس أصحابهِ فقال لهم: إنَّه لم يثبِّطني على رأي قد كنتُ رأيتُه إلا هذا الثَّقَفي منذ أربعة أيَّام، قد كنتُ حدّثتُ نفسي أن أخرُجَ في جريدةِ خيل حتَّى ألقَى هذا الجيش المُقْبِل من الشام رجاءَ أن أصادِفَ غِرّتهم أو يَحذَروا فلا أبالي كنت ألقاهم منقطعين من المِصْر، ليس عليهم أمير كالحجَّاج يستندون إليه ولا مِصْرٌ كالكوفة يَعتصِمون به؛ وقد جاءتني عيوني اليوم فخبَّروني أن أوائلَهم قد دخلوا عَينَ التَّمر، فهم الآن قد شارفوا الكوفة، وجاءَتني عُيوني من نحو عَتَّاب بن وَرْقاء فحدّثوني أنه قد نزل بجماعة أهلِ الكُوفة الصّراة، فما أقرب ما بيننا وبينهم! فتيسّروا بنا للمَسيرِ إلى عتَّاب بن وَرْقاء. قال: وخاف مطرّف أن يَبلغَ خبرُه وما كان من إرساله إلى شبيب الحجَّاج،

стр. 4808

فخرج نحو الجبال، وقد كان أراد أن يقيمَ حتَّى ينظر ما يكون بين شبيب وعَتَّاب، فأرسل إليه شبيب: أمَّا إذا لم تُبايعني فقد نبذتُ إليك على سَواء، فقال مطرّف لأصحابه: اخرجوا بنا وافرِين فإنّ الحجَّاج سيقاتِلُنا فيقاتلنا وبنا قوّةٌ أمَثلُ فخرج ونزل المدائن، فعَقَد شبيب الجِسْر، وبعث إلى المدائن أخاه مصادًا، وأقبل إليه عَتَّاب حتَّى نزل بسُوق حَكَمة، وقد أخرج الحجَّاج جماعةَ أهلِ الكوفة مقاتلتهم، ومن نَشِط إلى الخروج من شبابهم، وكانت مقاتلتهم أربعين ألفًا سوى الشَّباب، ووافى مع عَتَّاب يومئذ أربعون ألفًا من المقاتِلة وعشرة آلاف من الشَّباب بِسُوقِ حَكمة، فكانوا خمسين ألفًا، ولم يَدع الحجَّاج قُرَشيًّا، ولا رجلًا من بُيوتاتِ العَرَب إلّا أخرَجه (١). (٦/ ٢٦١ - ٢٦٢). قال أبو مخنَف: فحدّثني عبدُ الرحمن بنُ جُندَب، قال: سمعتُ الحجَّاج وهو على المِنبرَ حين وَجَّه عَتَّابًا إلى شبيب في الناس وهو يقول: يا أهل الكوفة، اخرُجوا مع عَتَّاب بن وَرْقاء بأجمَعكم، لا أرَخِّص لأحد من الناس في الإقامة إلا رجلًا قد ولَّيناه من أعمالنا، ألا إنّ للصابر المجاهِد الكرامة والأثرة، ألا وإنَ للناكل الهارِب الهَوانَ والجَفْوة، والَّذي لا إله غيره لئن فعلتم في هذا الموطنِ كفعلكم في المَواطن الَّتي كانت لأولينَّكم كنفًا خَشنًا، ولأعْرُكنكم بِكَللٍ ثقيل. ثم نزل، وتوافَى الناس مع عتَّاب بسُوقِ حَكَمة (٢). (٦/ ٢٦٢). قال أبو مخنَف: فحدّثني فَروةُ بنُ لقيط، قال: عرضَنا شبيبٌ بالمدائن فكنَّا ألف رجل، فقام فينا فحَمِد الله وأثنى عليه ثمّ قال: يا معشرَ المسلمين، إن الله قد كان ينصركم عليهم، وأنتم مئة ومئتان، وأكثر من ذلك قليلًا، وأنقَص منه قليلًا، فأنتم اليومَ مئون ومئون، ألا إني مصلٍّ الظهرَ ثمّ سائِر بكم، فصلَّى الظهر ثمّ نُودي في الناس، يا خيل اللهِ اركبي وأبشرِي، فخرج في أصحابه، فأخذوا يتخلَّفون ويتأخَّرون، فلمَّا جاوَزْنا ساباطَ ونزلنا معه قَصّ علينا وذَكَّرنا بأيَّام الله، وزهَّدنا في الدنيا، ورغّبنا في الآخرة ساعة طويلة، ثمّ أمر مؤذّنه فأذّن، ثمّ تقدّم فصلَّى بنا العصر، ثمّ أقبَل حتَّى أشرف بنا على عَتَاب بن وَرْقاء وأصحابِه، فلما

стр. 4809

أن رآهم من ساعتِه نزل وأمر مؤذّنه فأذّن، ثمّ تقدّم فصلَّى بنا المغرب، وكان مؤذّنه سلّام بنُ سيَّار الشَّيبانيّ، وكانت عيونُ عَتَّاب بن وَرْقاء قد جاؤوه فأخبَروه أنَّه قد أقبل إليه، فخَرج بالناس كلِّهم فعبَّأهم، وكان قد خندَق أوّل يوم نزل، وكان يُظهِر كلّ يوم أنَّه يريد أن يسير إلى شبيب بالمدائن، فبلغ ذلك شبيبًا، فقال: أسيرُ إليه أحَبّ إليّ من أن يسير إليّ، فأتاه فلمَّا صَفّ عَتَّاب الناسَ بعث على ميمنته محمَّد بن عبدِ الرحمن بنِ سعيد بن قيس، وقال: يابن أخي: إنَّك شريف فاصبر وصابر، فقال: أمَّا أنا فوالله لأقاتلنّ ما ثَبت معي إنسان وقال لقَبيصةَ بن والق - وكان يومئذ على ثُلُث بني تَغلِب: اكفنِي المَيسَرة، فقال: أنا شيخٌ كبير، كثيرٌ مني أن أثبت تحتَ رايتي، قد انتبتّ مني القِيام، ما أستَطيع القيام إلّا أن أقام؛ ولكنّ هذا عبيد الله بن الحُليس ونُعَيم بن عُلَيم التَّغلَبيَّان - وكان كل واحد منهما على ثُلث من أثلاث تَغلِب - فقال: ابعثْ أيهما أحببت، فأيهما بعثت فلتبعثنّ ذا حزم وعزم وغناء. فبعت نُعيم بن عُلَيم على ميسرته، وبعث حنظلة بن الحارث اليربوعيّ - وهو ابن عم عَتَّاب شيخ أهل بيته - على الرجَّالة، وصفَّهم ثلاثة صُفوف: صفٌّ فيهم الرجال معهم السيوف، وصفّ وهم أصحاب الرّماح، وصفّ فيه المُرامية، ثمّ سار فيما بين الميمنة إلى الميسرة يمرّ بأهلِ راية راية؛ فيحثّهم على تَقوى الله، ويأمُرهم بالصّبر ويَقصّ عليهم (١). (٦/ ٢٦٢ - ٢٦٣). قال أبو مِخنَف: فحدّثني حَصيرة بنُ عبد الله أن تميم بن الحارث الأزديّ قال: وقف علينا فَقصّ علينا قصصًا كتيرًا، كان ممَّا حفِظتُ منه ثلاثَ كلمات، قال: يا أهلَ الإسلام، إنّ أعظم الناس نصيبًا في الجنَّة الشهداء، وليس الله لأحد من خلقِه بأحمَد منه للصّابرين، ألا تَرَون أنَّه يقول: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ فَمَنْ حمد اللهُ فِعْلَه فما أعظم درجته! وليس اللهُ لأحد أمقَتَ منه لأهلِ البَغْي؛ ألا ترون أنّ عدوّكم هذا يستعرض المسلمين بسيفه، لا يرون إلّا أنّ ذلك لهم قرْبةً عند الله! فهم شِرار أهل الأرض وكِلاب أهل النار، أين القصاص؟ قال: ذلك فلم يُجِبْه واللهِ أحدٌ مِنَّا؛ فلمَّا رأى ذلك، قال: أين مَنْ يَروي شعرَ عَنْتَرة؟ قال: فلا والله ما رَدَّ عليه إنسان كلمةً. فقال: إنَّا لله! كأني بكم قد فررْتُم عن عَتَّاب بن وَرْقاء، وتركتموه تَسفِي في استِه الرّيح.

стр. 4810

ثم أقبل حتى جلس في القلب معه زُهْرة بن حَوِيَّة جالس وعبد الرحمن بن محمد بن الأشعث وأبو بكر بن محمد بن أبي جَهْم العَدويّ، وأقبَل شبيبٌ وهو في ستِّمئة وقد تخلَّف عنه من الناس أربعمئة، فقال: لقد تخلَّف عنّا من لا أحِبّ أن يُرَى فينا، فبعث سُوَيد بن سُلَيم في مئتين إلى المَيْسرة، وبعث المحلّل بن وائل في مئتين إلى القلب، ومضى هو في مئتين إلى المَيْمنة بين المغرب والعشاء الآخرة حين أضاء القمرُ، فناداهم: لِمَن هذه الرايات؟ قالوا: راياتُ ربيعة. فقال: شبيب: راياتٌ طالَما نصرت الحقَّ، وطالما نصرت الباطل، لها في كلٍّ نصيبٌ، والله لأجاهدنَّكم محتسبًا للخير في جهادِكم، أنتم ربيعة وأنا شبيب، أنا أبو المدلّه، لا حُكْم إلا للِحَكَم، اثبتُوا إن شئتمْ، ثمّ حَمَل عليهم وهو على مسنَّاة أمامَ الخَندق فَفضّهم، فثبت أصحابُ رايات قبيصةَ بن والق وعبيد بن الحُلَيْس ونُعَيم بن عليم، فقُتلوا وانهزمت الميسرة كلُّها وتنادَى أناس من بني تَغلِب: قُتِل قبيصة بن والق، فقال شبيب: قتلتم قبيصةَ بن والق التغلَبيّ يا معشرَ المسلمين! قال الله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾. هذا مثل ابن عمّكم قبيصة بن والق، أتَى رسولَ الله ﷺ فأسلَم، ثمّ جاء يُقاتلكم مع الكافرين! ثمّ وقف عليه فقال: وَيْحك! لو ثبتَّ على إسلامك الأوّل سعدتَ، ثمّ حمل منْ الميسرة على عَتَّاب بنِ وَرْقاءَ، وحمل سُوَيد بن سليم على الميمنة وعليها محمَّد بن عبد الرحمن، فقاتَل في الميمنة في رجال من بني تميم وهَمْدان، فأحسنوا القتال، فما زالوا كذلك حتَّى أتُوا فقيل لهم: قُتِل عَتَّاب بن ورقاء، فانفضّوا ولم يزل عَتَّاب جالسًا على طِنْفِسَة في القَلب وزُهرة بن حَوِيَّة معه، إذ غَشِيَهم شبيب، فقال له عَتَّاب: يا زُهرة بن حَوِيَّة، هذا يومٌ كَثُر فيه العدد، وقَلَّ فيه الغَناء، والهفي على خمسمئة فارس من نحو رجال تميم معي من جميع الناس! ألا صابِرٌ لعدوّه! ألا مُؤاسٍ بنَفْسه! فانفَضّوا عنه وتَركوه، فقال له زهرة: أحسنتَ يا عَتّاب، فعلتَ فعلَ مثلك، والله والله لو منحتَهم كَتِفَك ما كان بقاؤك إلّا قليلًا، أبشر فإني أرجو أن يكون اللهُ قد أهدى إلينا الشَّهادة عند فَناء أعمارِنا؛ فقال له: جَزاك الله خيرًا ما جَزَى آمرًا بمعروف وحاثًّا على تَقَوى. فلمَّا دنا منه شبيب وثب في عصابة صبرتْ معه قليلة، وقد ذهب الناسُ يمينًا

стр. 4811

وشمالًا، فقال له عمَّار بنُ يزيدَ الكلبيُّ مِن بني المدينة: أصلَحَك الله! إنّ عبدَ الرحمن بن محمَّد قد هَرَب عنك فانَصفق معه أناسٌ كثير، فقال له: قد فرّ قبل اليوم، وما رأيتُ ذلك الفتى يُبالي ما صنع، ثمّ قاتلهم ساعة، وهو يقول: ما رأيتُ كاليوم قطّ مَوْطنًا لم أبْتَلَ بمثله قط أقلّ مقاتلًا ولا أكثر هارِبًا خاذلًا؛ فرآه رجلٌ من بني تغلِب من أصحاب شبيب من بني زيد بنِ عمرو يقال له عامر بن عمرو بن عبد عمرو، وكان قد أَصابَ دمًا في قومه، فلحِق بشبيب، وكان من الفُرسان، فقال لشبيب: والله إني لأظنّ هذا المتكلِّم عَتَّابَ بنَ وَرْقاء! فحَمل عليه فطعَنه، فوَقَع فكان هو وليَ قتلهُ، ووطِئَتِ الخيل زُهرة بن حَوِيَّة، فأخذ يَذُبّ بسيفه وهو شيخ كبير لا يستطيع أن يقومَ، فجاء الفضلُ بنُ عامر الشَّيبانيّ فقَتله، فانتهى إليه شبيب فوجَده صريعًا فعرَفه، فقالى: مَنْ قَتَل هذا؟ فقال الفضل: أنا قتلتُه، فقال شبيب: هذا زهْرة حَوِيّة، أما والله لئن كنتَ قتِلت على ضلالة لربَّ يوم من أيَّام المسلمين قد حَسُن فيه بلاؤك، وعظم فيه غَثاؤكَ! ولربّ خيلٍ للمشركين قد هزمْتَها، وسَرِيَّة لهم قد ذعرتها وقرية من قراهم جَمّ أهلُها قد افتتحتَها، ثم كان في علم الله أن تُقتَل ناصرًا للظَّالمين! (١) (٦/ ٢٦٣ - ٢٦٦). قال أبو مخنَف: فحدّثني فَرْوة بنُ لقَيط قال: رأيناه واللهِ توجَّعَ له، فقال رجل من شُبَّان بكر بن وائل: والله إن أمير المؤمنين منذ اللَّيلة ليتوجَّع لرجل من الكافرين! قال: إنَّك لستَ بأعرف بضلالتهم منّي، ولكني أعرف من قديم أمرهم ما لا تعرف؛ ما لو ثبتوا عليه كانوا إخوانًا، وقُتِل في المعركة عمَّار بن يزيدَ الكلبيّ، وقُتل أبو خَيثمة بن عبد الله يومئذ، واستَمكن شبيبٌ من أهل العسكر والناس، فقال: ارفعوا عنهم السيف، ودعا إلى البيعة، فبايعه الناس من ساعتهم، وهربوا من تحت ليلتهم، وأخذ شبيب يُبايعهم، ويقول: إلى ساعة يَهْرُبُون وحوى شبيب على ما في العسكر، وبعث إلى أخيه، فأتاه من المدائن، فلمَّا وافاه بالعسكر أقبلَ إلى الكوفة وقد أقام بعسكره ببيت قرّة يومين، ثم توجَّه نحو وجه أهلِ الكوفة، وقد دخل سُفْيان بنُ الأبرد الكلبيّ وحبيب بن عبد الرحمن الحكميّ من مَذْحِج فيمن معهما من أهل الشام الكوفة، فشَدّوا للحَجَّاج ظهرَه، فاستغنى بهما عن أهل الكوفة، فقام على منبر الكوفة فحَمِد الله

стр. 4812

وأثنى عليه ثمّ قال: أمَّا بعد يا أهل الكوفة، فلا أعزَّ الله من أراد بكم العِزّ، ولا نَصَر من أراد بكم النَّصْر، اخرُجوا عنَّا، ولا تَشهَدوا معنا قتال عدوّنا، الحقوا بالحيرة فانزلوا مع اليهود والنصارى، ولا تقاتلوا معنا، إلا من كان لنا عاملًا، ومن لم يكن شَهِدَ قتالَ عَتَّاب بنَ وَرقاء (١). (٦/ ٢٦٦). قال أبو مخِنَف: فحدّثني فروة بن لقيط، قال: والله لَخرَجْنا نَتْبَع آثارَ الناس، فانتهى إلى عبد الرحمن بن محمَّد بن الأشعث ومحمَّد بن عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمْدانيّ وهما يَمشِيان كأني أنظر إلى رأس عبد الرحمن قد امتلأ طِينًا، فصددتُ عنهما، وكرهت أن أذْعَرَهما، ولو أني أوذِن بهما أصحاب شبيب لقُتِلا مكانَهما، وقلت في نفسي: لئن سُقْت إلى مِثلِكما من قومي القتلَ ما أنا برشيدِ الرأي؛ وأقبل شبيبٌ حتَّى نزل الصَّراة (٢). (٦/ ٢٦٦). قال أبو مخنَف: فحدّثني موسى بن سوار أنّ شبيبًا خرج يريدُ الكوفَة فانتهى إلى سُورا، فندبَ الناس، فقال: أئكم يأتيني برأسِ عامل سُورا؛ فانتدب له بَطينٌ وقَعْنَب وسُوَيد ورجُلان من أصحابه، فساروا مُغِذِّين حتَّى انتهوا إلى دار الخَراج والعُمَّال في سَمَرَّجة فدخلوا الدارَ وقد كادُوا الخاسَ بأن قالوا: أجيبوا الأميرَ، فقالوا: أيّ الأمراء؟ قالوا: أميرٌ خرج من قِبَل الحجَّاج يريد هذا الفاسق شبيبًا، فاغترّ بذلك العامل منهم، ثم إنهم شَهروا السيوف وحكَّموا حين وصلوا إليه فضربوا عنقَه، وقبضوا على ما كان من مال، ولحقوا بشبيب، فلمَّا انتهوا إليه قال: ما الَّذي أتيتُمونا به؟ قالوا: جئناك برأس الفاسق وما وجدنا من مال، والمال على دابَّة في بُدوره، فقال شبيب: أتيتمونا بفِتنة للمسلمين، هلُمّ الحَرْبة يا غلام، فخرّق بها البُدور، وأمر فنُخِس بالدّابة والمالُ يتناثر من بدوره حتَّى وردت الصَّراة، فقال: إن كان بقي شَيء فاقذفه في الماء، ثمّ خرج إليه سُفْيان بن الأبرد مع الحجَّاج، وكان أتاه قبلَ خروجه معه، فقال: ابعَثْني أستقبِله قبل أن يأتيَك، فقال: ما أحِبّ أن نفترق حتى ألقاه في جماعتكم والكُوفةُ في ظهورنا والحصنُ في أيدينا (٣). (٦/ ٢٦٧).

стр. 4813

ذكر الخبر عن دخول شبيب الكوفة مرة ثانية وفي هذه السنة دَخَل شبيبٌ الكوفةَ دَخْلَتَهُ الثانية. * ذكر الخبر عن ذلك وما كان من حربه بها الحجّاج: قال هشام: حدّثني أبو مخنف، عن موسى بن سوار، قال: قَدِم سَبْرة بنُ عبد الرحمن بن مخنَف من الدَّسْكرة الكوفةَ بعدما قدم جيش الشام الكوفة، وكان مُطَرّف بن المغيرة كَتَب إلى الحجَّاج: إنّ شبيبًا قد أطل عليّ، فابعث إلى المَدائن بَعْثًا فبعث إليه سبْرة بن عبد الرحمن بن مخنف في مئتي فارس، فلمَّا خرج مطرّف يريد الجبل خرج بأصحابه معه وقد أعلمهم ما يريد، وكتم ذلك سَبْرة، فلمَّا انتهَى إلى دَسْكرة الملك دعا سَبْرةَ فأعلمه ما يريد، ودعاه إلى أمره، فقال له: نعم أنا معك، فلمَّا خرج من عنده بعث إلى أصحابه فجمعَهم وأقبَل بهم فصادف عتَّاب بن وَرْقَاء قد قُتِل وشبيبًا قد مضى إلى الكوفة، فأقبل حتى انتهى إلى قرية يقال لها بيطرى، وقد نزل شبيب حَمَّام عُمر، فخرج سَبْرة حتَّى يعبر الفرات في معبر قرية شاهي، ثم أخذ الظَّهر حتَّى قَدِم على الحجَّاج، فوجد أهل الكوفة مَسْخوطًا عليهم، فدخل على سُفْيان بن الأبرَد، فقَصّ قصّته عليه وأخبره بطاعته وفراقِه مُطَرّفًا، وأنه لم يشهد عَتَّابًا ولم يشهد هزيمةً في موطن من مواطنٍ أهلِ الكوفة، ولم أزل للأمير عاملًا، ومعي مئتا رجل لم يشهدوا معي هزيمة قط، وهم على طاعتهم ولم يَدخلوا في فتنة. فدخل سُفيانُ إلى الحجَّاج فخَبَّره بخبر ما قصّ عليه سَبْرة بن عبد الرحمن، فقال: صَدقَ وبرّ! قُلْ له: فليَشْهد معنا لقاءَ عدوّنا، فخرج إليه فأعلَمه ذلك، وأقبلَ شبيب حتَّى نزل موضعَ حَمَّام أعيَن، ودعا الحجَّاج الحارث بن معاوية بن أبي زرعة بن مسعود الثَّقَفيّ فوجَّهه في ناس من الشرَط لم يكونوا شهدوا يوم عَتَّاب، ورجالًا كانوا عمَّالًا في نحو من مئتي رجل من أهل الشام، فخرج في نحو من ألف، فنزل زُرَارةَ، وبلغ ذلك شبيبًا، فتعجَّل إليه في أصحابه، فلمَّا انتهى إليه حمل عليه فقتَلَه، وهَزَم أصحابه، وجاءت المنهزمة فدخلوا الكوفة، وجاء شبيب حتَّى قطع الجِسر، وعسكر دونه إلى الكوفة، وأقام شبيب في عسكره ثلاثةَ أيَّام؛ فلم يكن في أول يوم إلّا قتل الحارث بنُ معاوية، فلمَّا كان في

стр. 4814

اليوم الثاني أخِرج الحجَّاج مواليَهُ وغِلمانَه عليهم السلاح، فأخذوا بأفواهِ السِّكَك ممَّا يلي الكُوفة، وخرج أهلُ الكوفة فأخذوا بأفواه سِكَكهم، وخشوا إن لم يخرجوا مَوْجدةَ الحجَّاج وعبد الملك بن مروان، وجاء شبيب حتى ابتنى مسجدًا في أقصى السَّبَخة مما يلي موقفَ أصحاب القتّ عند الإيوان، وهو قائمٌ حتى الساعة، فلمَّا كان اليوم الثالث أخرجَ الحجَّاج أبا الورْد مولىً له عليه تجْفاف، وأخرج مجفَّفة كثيرة وغلمانًا له، وقالوا: هذا الحجاج، فحَمَل عليه شبيبٌ فقتله، وقال: إن كان هذا الحجَّاج فقد أرَحْتُكم منه. ثم إن الحجَّاج أخرج له غلامه طُهمانَ في مثلِ تلك العُدّة على مثل تلك الهيئة، فَحَمَل عليه شبيبٌ فقتله، وقال: إن كان هذا الحجَّاج فقد أرَحْتُكم منه. ثمّ إنّ الحجَّاج خرج ارتفاعَ النهار من القَصْر فقال: ائتوني ببَغْلٍ أركبُه ما بَيْني وبين السَّبَخة، فأتِيَ ببغل محجَّل، فقيل له: إنّ الأعاجمَ أصلحك الله تَطيَّرُ أن تركَب في مثل هذا اليوم مثلَ هذا البَغل، فقال: أدنُوه مِنّي، فإن اليوم يومٌ أغرّ محجَّل، فركِبه ثم خرج في أهل الشام حتى أخذ في سكة البريد، ثمّ خرج في أعلى السّبَخة، فلمَّا نظر الحجاج إلى شبيب وأصحابه نزل، وكان شبيب في ستِّمئة فارس، فلما رأى الحجَّاج قد خرج إليه أقبل بأصحابه، وجاء سبْرة بنُ عبد الرحمن إلى الحجَّاج فقال: أين يأمرني الأمير أن أقف؟ فقال: قِفْ على أفواه السكَك، فإن جاؤوكم فكان فيكم قتالٌ فقاتِلوا، فانْطلق حتَّى وَقف في جماعة الناس ودَعا الحجَّاج بكرسيّ له فقَعد عليه، ثمّ نادى: يا أهل الشام، أنتم أهلُ السَّمع والطاعة والصَّبر واليَقين، لا يغلبنّ باطلُ هؤلاء الأرجاس حقَّكم، غضّوا الأبصار، واجثُوا على الرّكَبِ، واستقبلوا القوم بأطراف الأسِنَّة، فجثوا على الركب، وأشرَعوا الرّماح، وكأنَّهم حَرّة سوداء، وأقبَل إليهم شبيب حتَّى إذا دنا منهم عبّى أصحابه ثلاثة كَرَاديسَ، كتيبة معه، وكُتيبة مع سُويد بن سُليم، وكتيبة مع المحلّل بن وائل، فقال لسويد. احمِل عليهم في خيلِك فحَمَل عليهم فَثبتوا له، حتَّى إذا غَشِيَ أطراف الأسنَّة وَثبوا في وجهه ووجوه أصحابه، فطَعنوهم، قُدُمًا حتَّى انصَرف، وصاحَ الحجَّاج: يا أهلَ السَّمع والطاعة، هكذا فافعلوا قدّم كُرسيّ يا غلام، وأمر شبيب المحلَّل فحَمَل عليهم، ففعلوا به مِثلَ ما فعلوا

стр. 4815

بسُويد، فناداهم الحجَّاج: يا أهلَ السمع والطاعة، هكذا فافعلوا، قدّمْ كُرْسيّ يا غلام. ثمّ إنّ شبيبًا حَمَل عليهم في كتيبته فَثبتُوا له، حتَّى إذا غشي أطراف الرّماح وَثَبوا في وجهه، فقاتَلهم طويلًا، ثمّ إنّ أهل الشام طعَنوه قُدُمًا حتى ألْحَقُوه بأصحابه، فلمَّا رأى صبرَهم نادى: يا سويد، احمِل في خَيْلك على أهل هذه السكة - يعنِي سِكَّة لحَّام جرير - لعلك تزيل أهلَها عنها، فتأتي الحجَّاجَ من ورائه، ونَحمل نحن عليه من أمامه، فانفرد سُوَيد بن سُلَيم فَحَمل على أهل تلك السكة؛ فرمى من فوق البُيوت وأفواه السكك، فانصرفَ، وقد كان الحجَّاج جعل عروةَ بن المغيرة بن شعبة في نحو من ثلاثمئة رجل من أهل الشام ردْءًا له ولأصحابه لئلا يُؤْتَوا من وَرائهِ (١). (٦/ ٢٦٧ - ٢٧١). قال أبو مخنف: فحدّثني فَروة بن لَقيط: أنّ شبيبًا قال لنا يومئذ: يا أهل الإسلام إنَّما شريْنا الله، ومن شرى اللهَ لم يكبر عليه ما أصابه من الأذى والألم في جَنْب الله، الصَّبرَ الصَّبر، شدّة كشَدّاتكم في مواطنكم الكريمة. ثمّ جمع أصحابَه، فلَما ظنّ الحجَّاج أنه حامل عليهم قال لأصحابه: يا أهل السمع والطاعة، اصبِروا لهذه الشَّدّة الواحدة، ثمّ وربِّ السماء ما شيءٌ دونَ الفتح. فجثَوا على الرُّكَب، وحَمَل عليهم شبيب بجميع أصحابه، فلمَّا غشيهم نادى الحجَّاج بجماعة الناس، فوثبوا في وجهه، فما زالوا يَطعنُون ويَضربون قُدمًا ويَدفَعون شبيبًا وأصحابَه وهو يقاتِلُهم حتَّى بلغوا موضع بُسْتان زائدة، فلما بلغ ذلك المكان نادى شبيب أصحابَه: يا أولياء الله، الأرضَ الأرض، ثم نزل وأمر أصحابه فنزل نصفُهم وترك نصفهم مع سُوَيد بن سليم، وجاء الحجَّاج حتى انتهى إلى مسجد شبث، ثم قال: يا أهل الشام، يا أهل السَّمع والطاعة، هذا أوّل الفَتْح والَّذي نفسُ الحَجَّاج بيَده! وصَعد المسجد معه نحوٌ من عشرين رجلًا معهم النَّبْل، فقال: إن دَنوْا منا فارشقوهم، فاقتتلوا عامَّة النهار من أشدّ قتال في الأرض، حتَّى أقرّ كل واحد من الفريقين لصاحبه، ثمّ إنّ خالد بن عتَّاب قال

стр. 4816

للحجَّاج: ائذنْ لي في قتالهم فإني مَوْتور، وأنا ممَّن لا يُتَّهم في نصيحة، قال: فإني قد أذنْت لك، قال: فإني آتيهم من ورائهم حتَّى أغيرَ على عسكرهم؛ فقال له: افعل ما بدا لك، قال: فخرج مغه بعصابة من أهل الكوفة حتَّى دخل عسكرَهم من ورائهم، فقتل مصَادًا أخا شَبيب، وقتل غزالة امرأته، قتلها فروة بن الدَّقَّان الكلبيّ، وحرّق في عسكره، وأتَى ذلك الخبرُ الحَجَّاج وشبيبًا، فأمَّا الحجَّاج وأصحابه، فكبَّروا تكبيرة واحدة، وأمَّا شبيب فوثب هو وكلّ راجل معه على خيولهم، وقال الحجّاج لأهل الشام: شُدّوا عليهم فإنَّه قد أتاهم ما أرعب قلوبَهم، فشَدّوا عليهم فهزموهم، وتَخلَّف شبيب في حامِيَة الناس (١). (٦/ ٢٧٠ - ٢٧١). قال هشام: فحدّثني أصغر الخارجيّ، قال: حدّثني من كان مع شبيب قال: لما انهزم الناسُ فخرج من الجسْر تَبِعه خيل الحجَّاج، قال: فجعل يَخفِق برأسِه، فقلت: يا أمير المؤمنين، التَفِت فانظرْ من خَلفَك؛ قال: فالتفت غير مكترث، ثمّ أكبّ يخفِق برأسه؛ قال: ودنَوا منَّا؛ فقلنا: يا أمير المؤمنين، قد دنوا منك، قال: فالتفت والله غيرَ مكترِث، ثمّ جعل يخفق برأسه. قال: فبعث الحجَّاج إلى خيله أن دعوه في حرق الله ونارِه، فتركوه ورجعوا. (٦/ ٢٧١). قال هشام: قال أبو مخنَف: حدّثني أبو عمرو العذريّ، قال: قَطَع شبيب الجِسْر حين عَبَر، قال: وقال لي فَرْوة: كنتُ معه حين انهزمْنا فما حَرّك الجسر، ولا اتّبعونا حتَّى قَطَعنَا الجِسر، ودخل الحجَّاج الكُوفة، ثمَّ صَعِد المِنبرَ فَحَمِد الله، ثمّ قال: واللهِ ما قُوتِل شبيب قبلها مثلها، وَلَّى واللهِ هاربًا، وترك امرأته يكسر في استها القصب (٢). (٦/ ٢٧١ - ٢٧٢). رجع الحديث إلى حديثِ أبي مِخنَف، عن أبي عَمرو العُذْريّ: أن الحجَّاج دخل الكوفةَ حين انهزمَ شبيب، ثم صعِد المنبر، فقال: واللهِ ما قُوتِل شَبيب قطّ قبلَها مثِلَها، وَلَّى واللهِ هاربًا، وترك امرأته يُكسرَ في استها القصب. ثمّ دعا حبيب بن عبد الرحمن الحكميّ فبعثه في أثره في ثلاثة آلاف من أهل الشام، فقال

стр. 4817

له الحجَّاج: احذَر بياتَه، وحيثما لقيتَه فنازِله، فإن الله قد فَلَّ حَدَّه، وقصم نابَه، فخرج حبيبٌ بنُ عبد الرحمن في أثر شبيب حتَّى نزل الأنبار، وبعث الحجَّاج إلى العمَّال أن دُسُّوا إلى أصحاب شبيب أنّ مَنْ جاءنا منهم فهو آمِن؛ فكان كلّ من ليست له تلك البصيرة ممَّن قد هدّه القتال يجيء فيؤمَّن، وقبل ذلك ما قد نادى فيهم الحجَّاج يومَ هُزِموا: إنّ من جاءنا منكم فهو آمِن، فتفرّق عنه ناس كثير من أصحابه، وبلغ شبيبًا مَنْزلُ حبيب بنِ عبد الرحمن الأنبارُ، فأقبلَ بأصحابه حتَّى إذا دنا من عسكرِهم نزَل فصلَّى بهم المغرب (١). (٦/ ٢٧٦ - ٢٧٧). قال أبو مِخنَف: فحدّثني أبو يزيدَ السكسَكيّ، قال: أنا والله في أهل الشام ليلةَ جاءنا شبيب فبيَّتنَا، قال: فلمَّا أمسيْنَا جمعَنا حبيبُ بنُ عبد الرحمن فجعَلنا أرباعًا، وقال لكل رُبْعِ منا: ليُجْزِئ كلّ رُبْع منكم جانبَه، فإن قاتل هذا الرّبع فلا يُغثهم هذا الرّبْع الآخر، فإنه قد بلغني أنّ هذه الخوارج منَّا قريب، فوطِّنوا أنفسَكم على أنَّكم مبَيَّتون ومقاتَلون؛ فما زِلنا على تعِبيتنَا حتَّى جاءنا شبيب فبيَّتنا فشدَّ على رُبْع منَّا، عليهم عثمانُ بنُ سعيد العذريّ فضاربهم طويلًا، فما زالتْ قدمُ إنسان منهم، ثمّ تركهم وأقبلَ على الرّبْع الآخر، وقد جعل عليهم سعد بن بجل العامريّ فقاتلهم، فما زالت قدم إنسان منهم، ثمّ تركهم وأقبَل على الرّبع الآخر وعليهم النعمان بن سَعْد الحميريّ فما قدر منهم على شيء، ثمّ أقبل على الربع الآخرَ وعليهم ابنُ أقيصر الخَثْعْميّ فقاتلهم طويلًا، فلم يَظفر بشيء ثم أطاف بنا يحمل علينا حتى ذهب ثلاثة أرباع اللَّيل، وألزّ بنا حتى قلنا، لا يُفارِقنا، ثم نازلنا راجلًا طويلًا، فسقطتْ والله بيننا وبينهم الأيدي وفُقئت الأعيُن وكثرت القتلى قتلنا منهم نحوًا من ثلاثين، وقتلوا منَّا نحوًا من مئة، والله لو كانوا فيما نرى يزيدون على مئة رجل لأهلَكونا، وايمُ الله على ذلك ما فارَقونا حتَّى مَلِلناهم وملُّونا، وكرِهونا وكرهناهم. ولقد رأيت الرجل منَّا يضرب بسيفه الرجل مِنهم فما يضرّه شيء من الإعياء والضّعف، ولقد رأيت الرجل منَا يقاتل جالسًا يَنْفح بسَيْفه ما يستطيع أن يقوم من

стр. 4818

الإعياء، فلمَّا يئسوا منَّا ركب شبيب ثمّ قال لمن كان نزل من أصحابه: اركبوا، فلمَّا استَووا على متُون خُيولهم وجّه منصرفًا عنَّا (١). (٦/ ٢٧٧ - ٢٧٨). قال أبو مخنف: حدّثني فروة بنُ لقيط، عن شبيب، قال: لما انصرفنا عنهم وبنا كآبة شديدة، وجراحة ظاهرة، قال لنا: ما أشدَّ هذا الَّذي بنا لو كنّا إنما نطلب الدنيا! وما أيسرَ هذا في ثواب الله! فقال أصحابُه: صدقت يا أمير المؤمنين، قال: فما أنسَى منه إقبالَه على سُويد بن سليم ولا مقالَته له: قتلتُ منهم أمس رجلين: أحدُهما أشجَع الناس، والآخر أجْبَن الناس، خرجتُ عشيَّة أمس طليعةً لكم فلقيتُ منهم ثلاثة نفر دخلوا قريةً يشترون منها حوائجَهم، فاشترى أحدُهم حاجتَه، ثمّ خرج قبل أصحابه وخرجتُ معه، فقال: كأنَّك لم تشترِ عَلَفًا، فقلت: إنّ لي رُفَقاءَ قد كَفوْني ذلك، فقلت له: أين تَرَى عدوَّنا هذا نزَل؟ قال: بلغني أنَّه قد نزل منَّا قريبًا، وايم الله لودِدْت أنَّي قد لقيتُ شبيبَهم هذا، قلت: فتحبّ ذلك؟ قال: نعم، قلت: فخذ حِذْرَك، فأنا والله شبيب، وانتضيْت سَيْفي، فخَرَّ والله مَيْتًا، فقلت له: ارتفِع وَيْحَك! وذهبتُ أنظُر فإذا هو قد مات، فانصرفتُ راجعًا، فأستقبِل الآخر خارجًا من القرية، فقال: أين تذهب هذه الساعة؟ وإنَّما يرجع الناس إلى عسكرهم! فلم أكلمه، ومضيتُ يقرِّب بي فرسي، وأتبعني حتَّى لَحِقني، فقطعت عليه فقلت له: ما لَك؟ فقال: أنتَ واللهِ من عَدوّنا؟ فقلتُ: أجل والله، فقال: والله لا تبرح حتَّى تَقْتلني أو أقتُلَك، فحمَلت عليه وحَمَل عليّ، فاضطربْنا بسيْفينا ساعة، فوالله ما فَضَلْتُه في شدّة نَفْس ولا إقدام إلا أن سيفي كان أقْطَع من سيفه، فقَتَلتُه، قال: فمضَينا حتَّى قطعنا دِجلة، ثم أخذْنا في أرض جُوخَى حتى قطعْنا دجلةَ مرّة أخرى من عند واسِط، ثم أخذنا إلى الأهواز ثمّ إلى فارس، ثم ارتفعْنا إلى كِرْمان (٢). (٦/ ٢٧٨ - ٢٧٩). ذكر الخبر عن مهلك شبيب وفي هذه السنة هلك شبيبٌ في قولِ هشامِ بن محمَّد، وفي قول غيرِه كان هلاكُه سنة ثمان وسبعين.

стр. 4819

* ذكر سبب هلاكه: قال هشام، عن أبي مِخنَف: قال: حدّثني أبو يزيدَ السَّكْسَكيّ، قال: أقفَلنا الحَجّاج إليه - يعني إلى شبيب - فقسَّم فينا مالًا عظيمًا، وأعطى كل جريح منا وكل ذي بلاء، ثمّ أمر سفيان بن الأبرد أن يسير إلى شبيب، فتجهّز سُفيان، فشقّ ذلك على حبيب بن عبد الرحمن الحكميّ، وقال: تبعث سُفْيان إلى رجل قد فللته وقتلت فُرسانَ أصحابِه! فأمضى سفيان بعدَ شهرين، وأقام شبيب بكِرْمان، حتَّى إذا انجبر واستراش هو وأصحابُه أقبل راجعًا، فيستقبله سُفْيان بجِسْر دُجيل الأهواز، وقد كان الحجَّاج كتب إلى الحَكَم بن أيّوب بن الحكَم بن أبي عَقيل، وهو زوج ابنة الحجَّاج وعامله على البَصْرة. أما بعد، فابعثْ رجلًا شَجاعًا شريفًا من أهل البصْرة في أربعة آلاف إلى شبيب، ومُرْه فلْيَلْحق بسُفْيان بن الأبرد، وليَسْمع له وليُطعْ. فبعث إليه زياد بن عمرو العَتكيّ في أربعة آلاف، فلم ينته إلى سُفيان حتى التقى سُفْيان وشبيب، ولمَّا أن التقيا بجِسْر دجيل عبر شبيب إلى سُفيان فوجد سُفْيان قد نزَل في الرجال، وبعث مُهاصِر بن صيفيّ العُذريّ على الخيل، وبعث على ميمنته بشر بن حسان الفِهريّ، وبعث على ميسرته عمر بن هُبيرة الفزاريّ، فأقبل شبيب في ثلاثة كراديسَ من أصحابه، هو في كتيبة وسُوَيد في كتيبة، وقَعنَب المُحلّميّ في كتيبة، وخلَّف المحلَّل بن وائل في عسكره، قال: فلمَّا حمل سُويد وهو في ميمنته على ميسرة سُفْيانَ، وقعنسب وهو في ميسرته على ميمنته حَمَل هو على سُفْيان، فاضْطَرَبْنا طويلًا من النهار، حتَّى انحازوا فرجعوا إلى المكان الَّذي كانوا فيه، فكرّ علينا هو وأصحابه أكثرَ من ثلاثين كَرّة، كلّ ذلك لا نزول من صَفّنا، وقال لنا سُفْيان بنُ الأبرد: لا تتفرّقوا، ولكن لِتزحَف الرجالُ إليهم زحفًا، فوالله ما زلْنا نطاعِنُهم ونضاربهم حتَّى اضطررناهم إلى الجِسْر، فلما انتهى شبيب إلى الجِسْر نزل ونزل معه نحو من مئة رجل، فقاتَلْناهم حتى المساء أشدّ قتال قاتله قومٌ قطّ، فما هو إلا أن نزلوا فأوقعوا لنا من الطعن والضّرب شيئًا ما رأينا مِثلَه من قوم قطّ، فلمَّا رأى سفيانُ أنَّه لا تقدِر عليهم، ولا يأمن مع ذلك ظفرهم، دعا الرّماةَ فقال: ارشقُوهم بالنَّبل، وذلك عند المساء، وكان التقاؤهم نصفَ النهار، فرماهم أصحابُ النَّبل بالنَّبل عند

стр. 4820

المساء، وقد صفَّهم سُفْيان بن الأبرد على حِدَة، وبعث على المُرامِية رجلًا، فلمَّا رشقوهم بالنَّبل ساعةً شدّوا عليهم، فلمَّا شدّوا على رُماتنا شدَدْنا عليهم، فشغَلْناهم عنهم، فلما رموا بالنَّبل ساعةً ركب شبيب وأصحابُه ثمّ كَرُّوا على أصحاب النَّبل كرّةً صُرع منهم أكثرُ من ثلاثين رجلًا، ثمّ عطف بخَيْله علينا، فمشى عامدًا نحونا؛ فطاعَنَّاه حَتَّى اختَلط الظلام، ثمّ انصَرَف عنا، فقال سُفيان لأصحابه: أيُّها الناس، دَعُوهم لا تتَّبعوهم حتى نُصبِّحهم غُدْوة، قال: فكَفَفنَا عنهم وليس شيء أحبّ إلينا من أن ينصرفوا عنّا (١). (٦/ ٢٧٩ - ٢٨٠). قال أبو مخنف: فحدّثني فَروة بنُ لقيط، قال: فما هو إلّا أن انتهَينا إلى الجِسْر، فقال: اعبرُوا معاشرَ المسلمين، فإذا أصبَحْنَا باكَرْناهم إن شاء الله، فعَبرْنا أمامَه، وتخلَّف في أخرانا، فأقبل على فرسه، وكانت بين يديه فرس أنثى ماذيانة، فنزا فرسُه عليها وهو على الجسر فاضطربت الماذيانة، ونزل حافرُ رجل فرس شبيب على حرف السفينة، فَسَقط في الماء، فلمَّا سَقَط قال: ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ فارتمس في الماء ثمّ ارتَفَع فقال: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (٢). (٦/ ٢٨٥). قال أبو مخنَف: فحدثني أبو يزيد السَّكْسكيّ بهذا الحديث - وكان ممَّن يقاتله من أهل الشام، وحدّثني فروة بنُ لقيط، وكان ممَّن شهد مواطنَه - فأمَّا رجل من رهطه من بني مُرّة بن هَمَّام فإنَّه حدّثني أنه كان معه قومٌ يقاتلون من عشيرته، ولم يكن لهم تلك البصيرةُ النافذة، وكان قد قتل من عشائرهم رجالًا كثيرًا، فكأن ذلك قد أوجع قلوبَهم، وأوغَرَ صدورَهم؛ وكان رجلٌ يقال له مُقاتل من بني تيم بن شَيْبان من أصحاب شبيب، فلمَّا قتل شبيبٌ رجالًا من بني تَيم بن شيبانَ أغار هو على بني مُرّة بن هَمَّام فأصاب منهم رجلًا، فقال له شبيب: ما حَمَلك على قَتلِهم بغيرِ أمري! فقال له: أصلحك الله! قتلتُ كفَّار قومي، وقتلتَ كفَّار قومك، قال: وأنت الوالي عليّ حتَّى تقطع الأمور دُونِي! فقال: أصلَحك الله! أليس من دِيننا قتل مَنْ كان على غير رأينا، منَّا كان أو مِنْ غيرِنا! قال: بلى،

стр. 4821

قال: فإنَّما فعلت ما كان ينبغي، ولا والله يا أمير المؤمنين ما أصبت من رهطك عُشر ما أصبت من رهطي، وما يحلّ لك يا أمير المؤمنين أن تَجِد من قَتْل الكافرين؛ قال: إني لا أجد من ذلك، وكان معه رجال كثير قد أصاب من عشائرهم، فزعموا أنَّه لمَّا تخلَّف في أخْريات أصحابهِ قال بعَضهم لبعض: هل لكم أن نقطع به الجِسْر فندْركَ ثأرَنا الساعة! فقطعوا الجِسْر، فمالت السفُن، فَفزع الفرس ونفر، ووقع في الماء فغرِق (١). (٦/ ٢٨١). قال أبو مخنف: فحدّثني ذلك المُرّيّ بهذا الحديث، وناسٌ من رَهْط شبيب يَذْكرون هذا أيضًا؛ وأمَّا حديث العامَّة فالحديثُ الأوّل (٢). (٦/ ٢٨١). قال أبو مخنف: وحدّثني أبو يزيدَ السَّكْسَكيّ، قال: إنَّا واللهِ لنتهيَّأ للانصراف إذ جاء صاحبُ الجسر فقال: أين أميرُكم؟ قلنا: هو هذا، فجاءه فقال: أصلَحَك الله! إن رجلًا منهم وقع في الماء، فتنادَوا بينهم: غَرق أميرُ المؤمنين! ثمّ إنَّهم انصرفوا راجعين، وتركوا عسكرَهم ليس فيه أحد، فكبَّر سُفيانُ وكبَّرنا، ثمّ أقبل حتَّى انتهى إلى الجسر، وبعث مُهاصِر بن صَيفيّ فعبر إلى عسكرهم، فإذا ليس فيه منهم صافِرٌ ولا آثرِ، فنزل فيه، فإذا أكثُر عسكر خلق اللهِ خيرًا، وأصبَحْنا فطلبنا شبيبًا حتَّى استخرَجْناه وعليه الدّرْع، فسمعتُ النَّاس يزْعمون أنه شَقّ بطنَه فأخرج قلبَه، فكان مجتمِعا صُلْبًا كأنَّه صَخْرة، وإنَّه كان يَضرِب به الأرض فيثب قامةَ إنسان؛ فقال سفيان: احْمَدوا الله الَّذي أعانكم فأصبح عسكرهم في أيدينا (٣). (٦/ ٢٨١ - ٢٨٢). قال أبو زيد عُمر بنُ شَبَّة: حدّثني خلّاد بنُ يزيد الأرقط، قال: كان شبيب يُنْعَى لأمِّه فيقال: قتِل، فلا تَقبل قال: فقيل لها: إنَّه غرِق فَقبِلتْ وقالت: إني رأيتُ حين ولدتُه أنَّه خرج مِنّي شهاب نار، فعَلِمتُ أنه لا يُطفئِه إلّا الماء. (٦/ ٢٨٢). قال هِشام عن أبي مِخنَف: حدّثني فَرْوة بن لقَيط الأزديّ ثمّ الغامريّ أن يزيدا بن نُعْيم أبا شبيب كان ممَّن دخل في جيش سَلْمان بن ربيعة إذ بعث به وبمن

стр. 4822

معه الوليد بن عُقْبة عن أمرِ عثمانَ إيَّاه بذلك مَددًا لأهل الشام أرض الروم، فلمَّا قَفَل المسلمون أقيمَ السَّبى للبيع، فرأى يزيد بن نُعَيم أبو شبيب جاريةً حمراءَ، لا شَهْلَاء ولا زَرْقاء طويلةً جميلةً تأخُذُها العين، فابتَاعَها ثم أقبل بها، وذلك سنة خمس وعشرين أوّل السنة، فلمَّا أدخَلَها الكوفة قال: أسلِمي، فأبتْ عليه، فضربها فلم تزدَد إلا عصيانًا، فلمَّا رأى ذلك أمر بها فأصلِحت، ثمّ دعا بها فأدخِلَتْ عليه، فلما تغَشاها تَلَقَّتْ منه بحَمْل فولدتْ شبيبًا، وذلك سنة خمس وعشرين في ذي الحجَّة في يوم النَّحر يومَ السبت، وأحبَّت مولاها حُبًّا شديدًا - وكانت حَدثة - وقالت: إن شئت أجبتُك إلى ما سألتَني من الإسلام، فقال لها: شئتُ، فأسلَمَت وولدتْ شبيبًا وهي مُسْلمة، وقالت: إني رأيت فيما يَرَى النائم أنَّه خرج من قُبُلي شِهَابٌ فثَقب يسطع حتَّى بلغ السماءَ وبَلغ الآفاقَ كلَّها، فبينا هو كذلك إذ وقع في ماء كثير جارٍ فخبا، وقد ولدتُه في يومِكم هذا الَّذي تُهريقون فيه الدماء، وإني قد أوّلْتُ رؤيايَ هذه أني أرى ولدِي هذا غلامًا، أراه سيكون صاحب دماء يُهَرِيقها، وإني أرى أمره سيعلو ويعظم سريعًا، قال: فكان أبوه يختلف به وبأمّه إلى البادية إلى أرض قومه على ماء يُدعَى اللَّصَف (١). (٦/ ٢٨٣ - ٢٨٢). قال أبو مِخنَف: وحدّثني موسى بنُ أبي سُويد بن رادي أنّ جُنْدَ أهل الشام الذين جاؤوا حملوا معهم الحَجَر فقالوا: لا نفرّ من شبيب حتَّى يفرّ هذا الحجر؛ فبلغ شبيبًا أمرُهم، فأراد أن يكيدهم، فدعا بأفراس أربعة، فربط في أذنابها ترَسة في ذَنَب كلّ فرس تُرْسَيْن، ثمّ ندب معه ثمانيةَ نفر من أصحابه، ومعه غلامٌ له يقال له حيَّان، وأمره أن يحمل معه إداوةً من ماء، ثم سار حتَّى يأتي ناحيةً من العسكر، فأمر أصحابه أن يكونوا في نواحي العسكر، وأن يجعلوا مع كلّ رجلين فرسًا، ثم يُمِسُّوها الحديدَ حتَّى تجد حرَّه ويخلّوها في العسكر، وواعدهم تلعةً قريبةً من العسكر، فقال: من نجا منكم فإنّ موعده هذه التَّلْعة؛ وكره أصحابُه الإقدامَ على ما أمرهم به، فنزل حيثُ رأى ذلك منهم حتى صنع بالخَيْل مِثلَ الَّذي أمرهم، ثمّ وغلتْ في العسكر: ودخل يَتْلوها مُحكّمًا فضرب الناسُ بعضهم بعضًا، فقام صاحبُهم الَّذي كان عليهم، وهو حبيب بن عبد الرحمن الحَكَميّ،

стр. 4823

فنادى: أيها الناس، إنّ هذه مكيدة، فالزَموا الأرض حتَّى يتبيَّن لكم الأمرُ، ففعلوا وبقي شبيب في عسكرهم، فلزم الأرض حيث رآهم قد سكنوا وقد أصابتُه ضربةُ عمود أوهنتْه، فلمَّا أن هدأ الناسُ ورجعوا إلى أبنيتهم خرج في غِمارهم حتَّى أتى التلعة، فإذا هو بحَيَّان، فقال: أفرغ يا حيَّان على رأسي من الماء، فلمَّا مدّ رأسه ليصبّ عليه من الماء همّ حيَّان أن يَضرِب عنقه، فقال لنفسه: لا أجد لي مكرُمةً ولا ذِكرًا أرفعَ مِن قتلي هذا، وهو أماني عند الحجَّاج، فاستقبلتْه الرّعدْة حيثُ هَمّ بما هَمَّ به، فلمَّا أبطأ بِحَل الإداوة قال: ما يُبطئك بحَلّها! فتناوَل السِّكين من مَوْزَجِه فخرَقها به، ثمّ ناولَها إياه، فأفرَغ عليه من الماء، فقال حيان: منعَني واللهِ الجُبْن وما أخَذَني من الرّعدة، أن أضرِب عُنقه بعد ما هممتُ به، ثمّ لَحِق شبيب بأصحابه في عسكره (١). (٦/ ٢٨٣ - ٢٨٤). خروح مطرّف بن المغيرة على الحجَّاج وعبد الملك قال أبو جعفر: وفي هذه السنة خرج مُطَرّف بن المغيرة بن شُعْبة على الحجَّاج، وخلع عبد الملك بن مروان ولحق بالجبال فقُتل. * ذكر السبب الذي كان عند خروجه وخلعِه عبد الملك بن مروان: قال هشامٌ عن أبي مخنَف، قال: حدّثني يوسفُ بنُ يزيدَ بن بكر الأزْدي أنّ بني المغيرة بن شعبة كانوا صلَحاء نُبَلاء، أشرافًا بأبدانهِم سوى شَرف أبيهم ومنزلتِهم في قومهم، قال: فلمّا قدم الحجاج فلقوه وشافهَهم عَلِم أنَّهم رجال قومه وبنو أبيه، فاستعمل عُروةَ بنَ المغيرة على الكوفة، ومطرِّفَ بن المغيرة على المدائن وحمزة بن المغيرة على هَمَدان (٢). (٦/ ٢٨٤). قال أبو مخنَف: فحدّثني الحُصَين بن يزيدبن عبدالله بن سعدبن نُفَيلٍ الأزْديّ، قال: قَدِم علينا مطرّف بنُ المغيرة بنِ شُعْبة المدائن فصعِد المنبرَ فَحمِد الله وأثَنى عليه ثمّ قال: أيّها الناس، إن الأمير الحجَّاجَ أصلحه الله قد ولّاني عليكم، وأمَرَني بالحُكْم بالحق، والعدل في السيرة، فإن عملتُ بما أمَرني به

стр. 4824

فأنا أسعدُ الناس، وإن لم أفعلْ فنفسي أوبقْتُ، وحظّ نفسي ضيَّعت، ألا إني جالس لكم العَصْرين، فارفَعوا إليَّ حوائجَكم، وأشيروا عليّ بما يصلحكم ويُصلح بلادَكم، فإني لن آلُوكم خيرًا ما استَطعتُ، ثمّ نزل. وكان بالمدائن إذ ذاك رجالٌ من أشرف أهل المصْر وبيوتات الناس، وبها مقاتِلة لا تسعُها عدّة، إن كان كَوْنٌ بأرض جُوخَى أو بأرض الأنبار فأقبل مطرّف حين نزل حتى جلس للناس في الإيوان، وجاء حكيمُ بنُ الحارث الأزديّ يمشي نحوه، وكان من وجوه الأزد وأشرافِهم، وكان الحجَّاج قد استعمَله بعد ذلك على بيت المال - فقال له: أصلحك الله! إني كنتُ منك نائيًا حين تكلَّمتَ، وإني أقبلتُ نحوك لأجيبَك، فوافَق ذلك نزولك، إنَّا قد فهمنا ما ذكرتَ لنا: أنَّه عهد إليك، فأرشد اللهُ العاهدَ والمعهودَ إليه، وقد منّيتَ من نفسك العَدل، وسألتَ المعونة على الحقّ، فأعانك الله على ما نويتَ، إنَّك تُشبه أباك في سيرته برضا الله والناس، فقال له مطرّف: هاهنا إليّ، فأوسَع له فجلَس إلى جَنْبه (١). (٦/ ٢٨٤ - ٢٨٥). قال أبو مخنَف: فحدّثني الحُصَين بن يزِيدَ أنّه كان من خير عامل قدم عليهم قطّ، أقمعه لمُرِيب، وأشدّه إنكارًا للظلم، فقدِم عليه بشر بن الأجْدَع الهَمْدانيّ، ثم الثوريّ، وكان شاعرًا فقال: إني كلِفتُ بخَوْد غيرِ فاحشةٍ ... غرَّاءَ وهَنْانَةٍ حُسَّانَةِ الجِيدِ كأنها الشمس يومَ الدَّجْنِ إذ برَزتْ ... تمشي مَعَ الآنُسِ الهيفِ الأَماليدِ سلِّ الهوى بعَلْنَدَاةٍ مُذَكَّرَةٍ ... عنها إلى المُجْتَدى ذي العُرْف والجود إلى الفتى الماجد الفيَّاضِ نَعرفهُ ... في الناس ساعةَ يُحْلَى كلّ مردُود من الأَكارم انْسابًا إذا نُسِبُوا ... والحامِل الثِّقْل يومَ المغرَم الصِّيد إني أعِيذُك بالرحمنِ من نَفَرٍ ... حمر السِّبال كأُسْدِ الغابةِ السُّودِ فُرسانُ شَيْبان لم نسمعْ بمثلِهمِ ... أبناءُ كلِّ كريم النَّجلِ صِنديدِ شَدُّوا على ابنِ حُصينٍ في كَتِيبَتهِ ... فغادَرُوهُ صريعًا ليلةَ العِيدِ وابنُ المجالِدِ أَرْدَتْهُ رمَاحُهُمُ ... كأنَّما زَلَّ عن خَوصاءَ صَيْخُودِ

стр. 4825

وكلُّ جَمعٍ بروذابارَ كان لهم ... قد فُضَّ بالطَّعن بينَ النَّخلِ والبيدِ فقال له: وَيْحَك! ما جئت إلا لترغّبنا، وقد كان شبيب أقبل من سَاتيدما، فكتب مطرّف إلى الحجَّاج: أما بعد، فإني أخبِر الأميرَ أكرمَه الله أن شبيبًا قد أقبل نحونا، فإن رأى الأميرُ أن يُمِدّني برجال أضبط بهم المَدائن فَعَل، فإن المدائن بابُ الكوفة وحصنُها. فبعث إليه الحجَّاجُ بن يوسفَ سَبْرَةَ بن عبد الرحمن بن مِخنَف في مئتين وعبد الله بن كنَّاز في مئتين، وجاء شبيب فأقبل حتَّى نزل قناطرَ حُذَيفة، ثمّ جاء حتى انتهى إلى كَلْواذا، فعَبر منها دجلة، ثم أقبل حتى نزل مدينة بَهُرسير ومطرّف بن المغيرة في المدينة العتيقة الَّتي فيها منزل كسْرى والقَصْر الأبيض، فلمَّا نزل شبيب بَهُرَسير قطعٍ مطرف الجسر فيما بينه وبين شبيب، وبعث إلى شبيب أن ابعثْ إليّ رجالًا من صُلْحاء أصحابك أدارِسْهم القرآن، وأنظر ما تَدْعون إليه، فبعث إليه رجالًا؛ منهم سويد بن سُليم وقعْنب والمحلَّل بن وائل، فلما أدنى منهم المِعْبر وأرادوا أن يَنزِلوا فيه أرسَل إليهم شبيب ألّا تدخلوا السَّفينة حتَّى يرجع إليّ رسولي من عند مطرّف، وبعث إلى مطرّف: أن أبعثْ إليّ بعِدّة من أصحابك حتَّى تردّ عليّ أصحابي، فقال لرسوله: القَه فقل له: فكيف آمنُكَ على أصحابي، إذا بعثتُهم الآن إليك، وأنت لا تأمني على أصحابك! فأرسَلَ إليه شبيب: إنَّك قد علمتَ أنَّا لا نستحلّ في ديننا الغَدْر، وأنتم تفعلونه وتهوّنونه، فسَرّح إليه مطرّف الربيعَ بن يزيدَ الأسديّ، وسليماْن بن حُذَيفة بن هلال بن مالك المزَنيّ، ويزيدَ بن أبي زياد مولى المغيرة - وكان على حَرَس مطرّف - فلمَّا وقعوا في يديه بعث أصحابَه إليه (١). (٦/ ٢٨٥ - ٢٨٦). قال أبو مخِنَف: حدثني النضرّ بنُ صالح، قال: كنت عند مطرّف بن المغيرةِ بن شُعْبة فما أدري أقال: إني كنت في الجند الَّذين كانوا معه، أو قال: كنت بإزائه حيث دخلتْ عليه رُسُلُ شبيب! وكان لي ولأخي ودًّا مكرمًا، ولم يكن ليستر منَّا شيئًا، فدخلوا عليه وما عنده أحدٌ من الناس غيري وغير أخي حلًام بن صالح، وهم ستَّة

стр. 4826

ونحن ثلاثة، وهم شاكّون في السلاح، ونحن ليس علينا إلا سيوفنا فلما دَنوا قال سُوَيد: السَّلام على من خاف مقام ربه وعرفَ الهُدى وأهلَه، فقال له مطرّف: أجَلْ، فسلَّم الله على أولئك، ثم جلس القومُ، فقال لهم مطرّف: قُصّوا عليّ أمركم، وخبّروني ما الذي تَطلبُون؟ وإلامَ تَدْعون؟ فحمدِ الله سُويدُ بن سُليم وأثنى عليه ثمّ قال: أمَّا بعد، فإنّ الذي نَدْعو إليه كتاب الله وسنَّة محمد ﷺ ، وإنَّ الذي نقمنا على قومنا الاستئثار بالفَيء وتعطيل الحدود والتسلّط بالجبريّة، فقال لهم مطرّف: ما دعوتم إلا إلى حقّ، ولا نقَمْتم إلا جَوْرًا ظاهرًا، أنا لكم على هذا مُتابع، فتابِعوني إلى ما أدعوكم إليه ليجتمع أمري وأمرُكم، وتكون يدي وأيديكم واحدة، فقالوا: هاتِ، اذكر ما تريد أن تذكُر، فإن يكن ما تدعونا إليه حقًّا نُجبْك؛ قال: فإني أدعوكم إلى أن نقاتل هؤلاء الظَّلمةَ العاصين على إحداثهم الَّذي أَحدثوا، وأن ندعوَهم إلى كتاب الله وسنَّة نبيِّه، وأن يكون هذا الأمر شورى بين المسلمين، يؤمِّرون عليهم من يرضوْن لأنفسهم على مثل الحال التي تركهم عليها عمرُ بنُ الخطَّاب؛ فإنّ العرب إذا علمتْ أنّ ما يراد بالشورَى الرِّضا من قريش رَضُوا، وكثر تبعُكم منهم وأعوانكم على عدوّكم، وتمّ لكم هذا الأمر الَّذي تريدون. قال: فوثَبوا مِن عنده، وقالوا: هذا ما لا نجيبك إليه أبدًا، فلمَّا مَضوْا فكادوا أن يخرجوا من صُفَّة البيت التفت إليه سُويد بن سليم، فقال: يا بن المغيرة، لو كان القوم عُدَاةً غُدُرًا كنتَ قد أمكنتَهم من نفسك، ففَرع لها مطرّف، وقال: صدقتَ وإله موسى وعيسى. قال: ورجعوا إلى شبيب فأخبروه بِمقَالته، فطَمع فيه، وقال لهم: إنْ أصبحتم فليأته أحدُكم؛ فلمَّا أصبحوا بعث إليه سُويدًا وأمَرَه بأمره، فجاء سُويد حتَّى انتهى إلى باب مطرّف، فكنتُ أنا المستأذِن له، فلمَّا دخل وجلس أردتُ أن أنصرفَ، فقال لي مطرّف: اجلسْ فليس دونَك سِتر؛ فجلستُ وأنا يومئذ شابّ أغيَد، فقال لِه سويد: من هذا الذي ليس لك دونَه سِتْر؟ فقال له: هذا الشَّريف الحسيب، هذا ابنُ مالك بنِ زُهير بن جَذيمة، فقال له: بَخ أكرمت فارتبِط، إن كان دِينُه على قدْر حسبه فهو الكامل، ثم أقبل عليه فقال: إنَّا لقينا أميرَ المؤمنين بالَّذي ذكرتَ لنا، فقال لنا: القَوْه فقولوا له: ألستَ تعلَم أنّ اختيار المسلمين

стр. 4827

منهم خيرَهم لهم فيما يرون رأيٌ رشيد! فقد مضتْ به السنة بعدَ الرسول ﷺ ، فإذا قال لكم: نعم، فقولوا له: فإنا قد اخترنا لأنفسنا أرضانا فينا، وأشدَّنا اضطلاعًا لِمَا حُمِّل، فما لم يغيِّر ولم يُبدّل فهو وليُّ أمرِنا، وقال لنا: قُولوا له فيما ذكرت لنا من الشورى حين قلتَ: إنّ العرب إذا علمتْ أنَّكم إنَّما تريدون بهذا الأمر قُرَيشًا كان أكثر لتبعكم منهم، فإنّ أهلَ الحقّ لا ينقُصُهم عند الله أن يقِلّوا، ولا يزيد الظالمين خيرًا أن يَكثروا، وإن تَرْكنا حقَّنا الَّذي خرجْنا له، ودخولنا فيما دعوتنا إليه من الشورى خطيئةٌ وعَجْز ورُخصة إلى نصر الظالمين ووَهْن، لأنَّا لا نرى أنّ قريشًا أحقّ بهذا الأمر من غيرها من العرب، وقال: فإن زعم أنَّهم أحقّ بهذا الأمر من غيرِها من العرب فقولوا له: ولم ذَاك؟ فإن قال: لقرابة محمَّد ﷺ بهم فقولوا له: فوالله ما كان يَنبغي إذًا لأسلافنا الصالحين من المهاجرين الأوَّلين أن يتولَّوا على أسْرة محمَّد، ولا على ولد أبي لَهَب لو لم يبقَ غيرُهم، ولولا أنَّهم علموا أنّ خيرَ الناس عندَ الله أتقاهم، وأنّ أوْلاهم بهذا الأمر أتْقاهم، وأفضلهم فيهم، وأشدّهم اضطلاعًا بحَمْل أمورهم ما تَولَّوْا أمور الناس، ونحن أوّل من أنكر الظلم وغيَّر الجَوْر وقاتَل الأحزاب، فإن اتَّبَعنا فله ما لنا وعليه ما علَينا، وهو رجلٌ من المسلمين، وإلا يفعلْ فهو كبعضِ من نُعادِي ونُقاتِل من المشركين. فقال له مطرّف: قد فهمتُ ما ذكرتَ، ارجع يومَك هذا حتَّى ننظرَ في أمرنا. فرجع ودعا مطرّف رجالًا من أهل ثقاتِهِ وأهلِ نَصائحه، منهم سليمانُ بن حذيفة المُزَنيّ، والرّبيع بنُ يزيدَ الأسَديّ، قال النَّضر بن صالح: وكنتُ أنا ويزيد بن أبي زياد مولَى المغيرة بن شُعْبة قائمينَ على رأسِه بالسَّيف، وكان على حَرَسه فقال لهم مطرّفٌ: يا هؤلاء إنَكم نُصَحائي وأهلُ مودّتي ومَن أثق بصلاحه وحسن رأيه، والله ما زلتُ لأعمال هؤلاء الظَّلَمة كارهًا، أنكِرها بقلبي، وأغيرها ما استَطعتُ بفعلي وأمري، فلمَّا عظمتْ خطيئتُهم، ومرّ بي هؤلاء القوم يجاهدونهم، لم أرَ أنَّه يسعني إلا مناهَضتَهم وخلَافَهم إنْ وجدتُ أعوانًا عليهم، وإني دعوتُ هؤلاء القومَ فقلت لهم كَيْتَ وكَيْت، وقالوا لي كيتَ وكَيت، فلستُ أرى القتالَ معهم، ولو تابَعوني على رأيي وعلى ما وصفتُ لهم لخلعتُ عبدَ الملك والحجَّاج ولسِرْت إليهم أجاهِدهم، فقال له المُزَنيّ: إنَّهم لن

стр. 4828

يُتابِعوك، وإنَّك لن تُتابِعَهم فأخْفِ هذا الكلامَ ولا تُظهِرْه لأحد، وقال له الأسَديّ مِثلَ ذلك، فجَثَا مولاه ابن أبي زياد على ركبَتَيْه ثمّ قال: والله لا يخفى ممَّا كان بينك وبينَهم على الحجَّاج كلمة واحدة، ولَيُزادَنّ على كلِّ كلمة عشرة أمثالها، والله أن لو كنتَ في السَّحاب هاربًا من الحجَّاج ليلتمسنّ أن يصل إليك حتَّى يهُلِكك أنتَ ومَنْ معك؛ فالنَّجاءَ النجاء من مكانك هذا، فإنّ أهلَ المدائن من هذا الجانب ومن ذاك الجانب، وأهل عسكر شبيب يتحدّثون بما كان بينك وبين شبيب، ولا تمس من يومِك هذا حتَّى يَبْلُغَ الخبرُ الحجَّاج، فاطلبْ دارًا غيرَ المَدائن، فقال له صاحباه: ما نَرَى الرأي إلا كما ذكر لك، قال لهما مطرّف: فما عندكما؟ قالا: الإجابَة إلى ما دعوْتنا إليه والمؤاساة لك بأنفسِنا على الحجَّاج وغيرِه، قال: ثمّ نظر إليّ، فقال: ما عندَكَ؟ فقلت: قتال عدوِّك والصَّبر معك ما صبرتَ، فقال لي: ذاك الظَّنّ بك. قال: ومكث حتَّى إذا كان في اليوم الثالث أتاه قعنب فقال له: إنْ تابعتَنا فأنتَ منَّا، وإن أبيت فقد نابذْناك، فقال: لا تَعجَلوا اليومَ فإنا نَنظر. قال: وبعث إلى أصحابه أن ارحلوا اللَّيلةَ من عند آخِركم حتَّى تُوفُوا الدَّسْكرة معي لحدَث حدث هنالك. ثم أدلجَ وخرج أصحابُه معه حتَّى مرَّ بدَيْر يَزْدَجِرد فنزله، فلقيه قَبيصةُ بن عبد الرحمن القحافيّ من خثْعم، فدعاه إلى صُحبته، فصَحِبه فكَساه وحمَلَه، وأمَرَ له بنَفقة ثم سَار حتى نزل الدَّسكرة فلمَّا أراد أن يرتحل منها لم يجد بدًّا من أن يعلِمَ أصحابَه ما يريد، فجمع إليه رؤوسَ أصحابِه، فذكر الله بما هو أهلُه وصلّى على رسوله، ثم قال لهم: أمَّا بعد، فإنّ الله كتب الجهاد على خَلْقه، وأمر بالعدل والإحسان، وقال فيما أنزل علينا: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، وإني أشهِد الله أني قد خلعتُ عبدَ الملك بنَ مروانَ والحجَاجَ بن يوسف فمن أحبّ منكم صحبتي وكان على مثل رأي فليُتابعْني، فإن له الأسوة وحُسن الصحبة ومن أبى فليذهب حيث شاء، فإني لست أحبّ أن يتَّبعني من ليست له نيَّةٌ في جهادِ أهل الجَوْر. أدعوكم إلى كتاب الله وسنَّة نبيِّه وإلى قِتال الظَّلمة، فإذا جمع الله لنا أمرَنا كان هذا الأمرُ شُورَى بين المسلمين يرتَضون لأنفسهم من أحبُّوا.

стр. 4829

قال: فوَثَب إليه أصحابهُ فبايعوه، ثمّ إنّه دخل رحلَه وبعث إلى سَبْرة بن عبد الرحمن بن مِخنَف وإلى عبد الله بن كنَّاز النَّهدي فاستخلاهما، ودعاهما إلى مِثل ما دعا عامَّة أصحابه، فأعطَياه الرّضا، فلمَّا ارْتَحَل انصرفا بمن معهما من أصحابِه حتَّى أتَيَا الحجَّاج فوجداه قد نازَل شبيبًا، فشهدا معه وقعة شبيب، قال: وخرج مطرّف بأصحابه من الدَّسْكرة موجَّهًا نحو حُلْوان، وقد كان الحجَّاج بعث في تلك السنة سُويد بن عبد الرحمن السَّعديّ على حُلِوان وما سبذان؛ فلمَّا بَلَغه أنّ مطرّف بن المغيرة قد أقبل نحو أرضِه عَرَف أنَّه إن رَفق في أمره أو داهَن لا تقبل ذلك منه الحجَّاج، فجمع له سُويد أهلَ البلد والأكراد، فأما الأكراد فأخذوا عليه ثَنِيَّة حُلْوان، وخرج إليه سُويد وهو يحبّ أن يَسلم من قتاله، وأن يُعافى من الحجَّاج، فكان خروجُه كالتعذير (١). (٦/ ٢٨٦ - ٢٩٠). قال أبو مخنف: فحدّثني عبد الله بنُ علقمة الخَثعميّ أنّ الحجَّاج بن جارية الخَثعميّ حين سمع بخروج مطرّف من المدائن نحو الجبل اتَبعه في نحو من ثلاثين رجلًا من قومه وغيرهم، قال: وكنت فيهم فلِحقْناه بحُلْوانَ، فكنَّا ممَّن شهد معه قتال سُوَيد بنِ عبدِ الرحمن. قال أبو مخنف: وحدثني بذلك أيضًا النَّضْر (٢). (٦/ ٢٩٠ - ٢٩١). قال أبو مخنف: وحدّثني عبدُ الله بنُ علقمة، قال: ما هو إلا أن قَدمنا على مطرّف بن المُغيرة، فُسرَّ بمقدَمنا عليه، وأجلس الحجَّاج بنَ جارية معه على مَجلسِه (٣). (٦/ ٢٩١). قال أبو مخنف: وحدّثني النضرُ بن صالح، وعبد الله بن علقمة، أنّ سُويدًا لمَّا خرج إليهم بمن معه وقف في الرّجال ولم يخرج بهم من البُيوت، وقَدِم ابنُه القَعقاع في الخَيْل، وما خيله يومئذ بكثير (٤). (٦/ ٢٩١). قال أبو مخنف: قال النَّضر بنُ صالح: أراهم كانوا مئتين، وقال ابنُ علقمة:

стр. 4830

أراهم كانوا ينقصُون عن الثلاثمئة، قال: فدعا مطرّف الحجَّاج بن جارية فسَرَّحه إليهم في نحو من عِدّتهم، فأقبَلوا نحوَ القعْقاع وهم جادّون في قتاله، وهم فرسان متعالِمون، فلمَّا رآهم سُويد قد تيسَّروا نحوَ ابنهِ أرسَل إليهم غلامًا له يقال له رُسْتم - قُتل معه بعد ذلك بَدْير الجَماجم - وفي يده رايةُ بني سعد، فانطلق غلامُه حتَّى انتهَى إلى الحجَّاج بن جارية، فأسرَّ إليه: إن كنتم تريدون الخروجَ من بلادنا هذه إلى غيرها فاخرجوا عنَّا، فإنَّا لا نريد قتالَكم، وإن كنتم إيَّانا تريدون فلابدّ من مَنْع ما في أيدينا، فلمَّا جاءه بذلك قال له الحجَّاج بنُ جارية: ائتِ أميرَنا فاذكرْ له ما ذكرتَ لي، فخرج حتى أتى مطرّفًا فذَكر له مِثلَ الَّذي ذكر للحجَّاج بن جارية، فقال له مطرّف: ما أريدكم ولا بلادَكم، فقال له: فالزمْ هذا الطريقَ حتَّى تَخرُج من بلادنا، فإنَّا لا نجد بدًّا من أن يَرَى الناسُ وتَسمع بذلك أنَّا قد خرجْنا إليك، قال: فبعث مطرّف إلى الحجَّاج فأتاه، ولَزِموا الطريقَ حتى مرّوا بالثّنيَّة فإذا الأكرادُ بها، فنزل مطرّف ونزل معه عامَّة أصحابِه وصَعِد إليهم في الجانب الأيمن الحجَّاجُ بنُ جارية، وفي الجانب الأيسر سليمانُ بن حُذَيفة، فهزَماهم وقَتلاهم، وسلِم مطرّف وأصحابُه فمضَوا حتَّى دنَوْا من هَمذان فتركَها وأخذ ذاتَ اليسار إلى ماه دينار، وكان أخوه حمزة بن المغيرة على هَمَذان، فكَره أن يدخلَها فيُتَّهمَ أخوه عند الحجَّاج، فلمَّا دخل مطرّف أرضَ ماه دينار كتب إلى أخيه حمزة: أمَّا بعد، فإن النَّفقة قد كَثُرت والمؤنة قد اشتدّت، فأمدِد أخاك بما قَدَرت عليه من مال وسلاح. وبعث إليه يزيدَ بن أبي زياد مولى المغيرة بن شُعبة، فجاء حتَّى دخل على حمزَة بكتاب مطرّف ليلًا، فلمَّا رآه قال له: ثكلتك أمُّك! أنت قتلتَ مطرّفًا؟ فقال له: ما أنا قتلتُه جُعلتُ فِداك! ولكنّ مطرّفًا قتل نفسَه وقتلَني، وليتَه لا يقتلُك، فقال له: وَيْحَك! مَن سَوّل له هذا الأمر! فقال: نفسُه سوّلتْ هذا له، ثمّ جلس إليه فقصّ عليه القصص، وأخبَرَه بالخبر، ودفع كتابَ مطرّف إليه، فقرأه ثمّ قال: نعم، وأنا باعثٌ إليه بمال وسلاح، ولكن أخبرني تَرَى ذلك يَخفَى لي؟ قال: ما أظنّ أن يخفى، فقال له حمزة: فوالله لئن أنا خذلته في أنفع النَّصرَين له نصر العلانية، لا أخذُلُه في أيسر النَّصْرين نصر السَّريرة. قال: فسرّح إليه مع يزيد بن أبي زياد بمال وسلاح، فأقبل به حتَّى أتى مطرّفًا

стр. 4831

ونحن نزولٌ في رُسْتاق من رَساتِيق ماه دينار، يقال له: سامان مُتاخِم أرضَ أصبِهان، وهو رُسْتاق كانت الحمراءُ تَنزِله (١). (٦/ ٢٩١ - ٢٩٢). قال أبو مخنف: فحدّثنيّ النّضرُ بنُ صالح، قال: والله ما هو إلّا أن مضى يزيدُ بن أبي زياد، فسمعتُ أهلَ العسكر يتحدّثون أنّ الأمير بَعث إلى أخيه يسأله النفقة والسلاح، فأتيتُ مطْرفًا فحدّثته بذلك، فضرب بيده على جبهته ثم قال: سبحان الله! قال الأوّلُ: ما يخفى إلا ما لا يكون، قال: وما هو إلا أن قدم يزيدُ بن أبي زياد علينا، فسار مطرّف بأصحابه حتى نزل قُمّ وقاشان وأصبهَان (٢). (٦/ ٢٩٣ - ٢٩٢). قال أبو مخنَف: فحدّثني عبدُ الله بنُ علقمة أنّ مطرّفًا حين نزل قُمّ وقاشان واطمأنّ، دعا الحجّاج بن جارية فقال له: حدِّثني عن هزيمة شبيب يومَ السَّبَخة أكانت وأنتَ شاهدَها، أم كنتَ خرجتَ قبل الوَقْعة؟ قال: لا، بل شهدتُها؛ قال: فحدِّثني حديثَهم كيف كان؟ فحدَّثه، فقال: إني كنتُ أحبّ أن يَظفَر شبيب وإن كان ضالًا فيقتل ضالًا. قال: فظننت أنه تمنى ذلك لأنه كان يرجو أن يتمّ له الذي يَطلُب لو هلك الحجّاج، قال: ثمّ إنّ مطرفًا بعث عمّاله (٣). (٦/ ٢٩٣). قال أبو مخنف: فحدثني النّضرُ بنُ صالح أنّ مطرفًا عمل عملًا حازمًا لولا أنّ الأقدار غالبة، قال: كتب مع الرَّبيع بن يزيد إلى سُويد بن سِرحان الثقفيّ، وإلى بكير بن هارونَ البَجَليّ: أما بعد، فإنا ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيّه، وإلى جهادِ مَنْ عنَدَ عن الحقّ، واستأثر بالفَيء، وتَرك حُكم الكتاب، فإذا ظهر الحق ودُمِغ الباطل، وكانت كلمةُ الله هي العليا، جعلْنا هذا الأمر شُورَى بين الأمة يرتضى المسلمون لأنفسهم الرضا، فمَن قَبِل هذا منّا كان أخانا في ديننا، ووليّنا في محيانا ومماتِنا، ومَن ردّ ذلك علينا جاهدْناه واستنصرْنا اللهَ عليه فَكَفى بنا عليه حجة، وكفى بتركه الجهادَ في سبيل الله غَبْنًا، وبُمداهنة الظالمين في أمر الله وَهْنًا! إن الله

стр. 4832

كتب القتال على المسلمين وسماه كُرْهًا، ولن يُنالَ رضوانُ الله إلا بالصّبر على أمر الله، وجهادِ أعداء الله، فأجيبوا رحمَكم الله إلى الحقّ، وادعوا إليه من ترجون إجابتَه، وعرِّفوه ما لا يَعرِفه، وليقْبِل إليّ كلُّ من رأى رأينا، وأجاب دعوتَنا، ورأى عدوّه عدوّنا، أرشدنا الله وإياكم، وتاب علينا وعليكم، إنه هو التّواب الرحيم، والسلام. فلما قَدِم الكتاب على ذَيْنك الرجلين دَبَّا في رجال من أهل الريّ ودَعَوا من تابعَهما، ثمّ خرجا في نحو من مئة من أهل الرَّي سرًّا لا يُفطَن بهم، فجاؤوا حتى وافوا مطرّفًا، وكتب البراءُ بنُ قبيصة، وهو عامل الحجَّاج على أصبَهانَ: أما بعد، فإن كان للأمير أصلحه الله حاجةٌ في أصبهانَ فليبعث إلى مطرّف جيشًا كثيفًا يستأصله ومن معه، فإنه لا تزال عصابة قد انتفحتْ له من بلدة من البلدان حتى تُوافيَه بمكانه الذي هو به، فإنه قد استكثَف وكَثُر تَبَعه، والسلام. فكتب إليه الحجّاج: أما بعد، إذا أتاك رسولي فعَسْكِرْ بمن معك، فإذا مرّ بك عَدِيّ بن وتّاد فاخرج معه في أصحابك، واسمع له وأطِع، والسلام. فلما قرأ كتابَه خرج فعسكَر، وجعل الحجاج بن يوسف يسرِّح إلى البراء بن قَبيصة الرّجالَ على دوابِّ البريد عشرين عشرين، وخمسة عشر خمسةَ عشر، وعشرة عشرة، حتى سرّح إليه نحوًا من خمسمئة وكان في ألفين. وكان الأسود بن سعد الهمذانيّ أتى الرَّيّ في فتح الله على الحجّاج يومَ لقي شبيبًا بالسّبَخة، فمرّ بهَمَذان والجبال، ودخل على حمزةَ فاعتذر إليه. فقال الأسود: فأبلغت الحجّاج عن حمزة، فقال: قد بلغني ذاك، وأراد عزلَه، فخشى أن يَمكر به، وأن يمتنع منه، فبعث إلى قيس بن سعد العِجْليّ - وهو يومئذ على شُرْطة حمزة بن المغيرة ولبني عِجْل ورَبيعةَ عددٌ بهمَذان - فبعث إلى قيس بن سعد بعَهْده على هَمذان، وكتب إليه أن أوثِقْ حمزَة بن المغيرة في الحديد، واحبسْه قِبَلك حتى يأتيَك أمري. فلما أتاه عهده وأمرُه أقبل ومعه ناس من عشيرته كثير، فلما دخل المسجد وافق الإقامة لصلاة العصر، فصلّى حمزة، فلما انصرف حمزة انصرف معه

стр. 4833

قيس بن سعد العجليّ، صاحب شُرَطه، فأقرأه كتابَ الحجّاج إليه، وأراه عهدَه، فقال حمزة: سمعًا وطاعة، فأوثقه وحبَسه في السجن، وتولى أمر همَذان، وبعث عمّاله عليها، وجعل عماله كلهم من قومه؛ وكتب إلى الحجاج: أما بعد، فإني أخبِر الأميرَ أصلحه الله، أني قد شددتُ حمزةَ بن المغيرة في الحديد، وحبَسْته في السجن، وبعثتُ عمّالي على الخرَاج، ووضعتُ يدي في الجباية، فإن رأى الأميرُ - أبقاه الله - أن يأذَن لي في المَسير إلى مطرّف أذن لي حتى أجاهدَه في قومي، ومن أطاعَني من أهل بلادي؛ فإني أرجو أن يكون الجهادُ أعظمَ أجرًا من جباية الخرَاج، والسلام. فلما قرأ الحجاج كتابَه ضَحِكَ ثمّ قال: هذا جانبَ آثرًا ما قد أمّناه. وقد كان حمزة بهَمذَان أثقَل ما خلق الله على الحجّاج مخافة أن يمدّ أخاه بالسلاح والمال، ولا يدري لعله يبدو له فيعقّ، فلم يزل يكيدُه حتى عزله؛ فاطمأنّ وقصد قصْد مطرّف (١). (٦/ ٢٩٣ - ٢٩٥). قال أبو مِخنَف: فحدّثني مطرّف بن عامر بن واثلة أنّ الحجاج لما قرأ كتابَ قيس بنِ سعد العِجْليّ وسمع قولَه: إنْ أَحَبَّ الأميرُ سرت إليه حتى أجاهدَه في قومي. قال: ما أبغض إليّ أن تَكثر العربُ في أرض الخَراجِ. قال: فقال لي ابن الغرق: ما هو إلا أن سمعتها من الحجّاج فعلمتُ أنه لو قد فرَغَ له قد عَزَله (٢). (٦/ ٢٩٥). قال: وحدّثني النّضر بن صالح أنّ الحجاج كتب إلى عديّ بن وتّاد الاياديّ وهو على الرّيّ يأمره بالمسير إلى مطرّف بن المغيرة وبالممرّ على البرَاء بن قبيصَة، فإذا اجتمعوا فهو أميرُ الناس (٣). (٦/ ٢٩٥). قال أبو مخنَف: وحدّثني أبي عن عبد الله بن زهير، عن عبد الله بن سُليم الأزْديّ، قال: إنّي لَجالسٌ مع عديّ بن وتّاد على مجلسه بالرّيّ إذ أتاه كتاب الحجّاج، فقرأه ثمّ دفعه إليّ، فقرأته فإذا فيه:

стр. 4834

أما بعد، فإذا قرأتَ كتابي هذا فانهض بثلاثة أرباعِ مَن معك من أهل الرّيّ، ثمّ أقبِل حتى تمرّ بالبراء بن قبيصَة بجَيّ، ثم سِيرَا جميعًا، فإذا لقيتهما فأنتَ أمير الناس حتى تقتل الله مطرّفًا، فإذا كَفَى الله المؤمنينَ مؤُنتَه فانصرِف إلى عملك في كَنَف من الله وكَلاءتِهِ وسِتره، فلما قرأتهُ قال لي: قمْ، وتجهزْ. قال: وخرج فعسكَرَ، ودعا الكتّاب فضَربَوا البَعْث على ثلاثة أرباع الناس، فما مضت جمُعة حتى سرنا فانتهيْنا إلى جَيّ، ويُوافينا بها قبيَصة القُحافيّ في تِسعمئة من أهل الشام، فيهم عُمر بنُ هُبيرة، قال: ولم نلبث بجَيّ إلا يومين حتى نهض عديّ بن وتّاد بمن أطاعه من الناس ومعه ثلاثة آلافِ مُقاتِل من أهل الرّيّ وألف مُقاتِل مع البَراء بن قبيصة بعثهم إليه الحجّاج من الكوفة، وسبعمئة من أهل الشام، ونحو ألف رجل من أهلِ أصبَهان والأكراد، فكان في قريب من ستة آلاف مُقاتِل، ثمّ أقبلَ حتى دخل على مطرّف بن المغيرة (١). (٦/ ٢٩٥ - ٢٩٦). قال أبو مخِنَف: فحدّثني النّضر بنُ صالح، عن عبد الله بن علقمة، أن مطرّفًا لما بلغه مسيرُهم إليه خَندَق على أصحابه خَنْدقًا، فلم يزالوا فيه حتى قدموا عليه (٢). (٦/ ٢٩٦). قال أبو مِخنَف: وحدّثني يزيدُ مولى عبد الله بن زهير، قال: كنتُ مع مولاي إذ ذاك؛ قال: خرج عديّ بن وتّاد فعبّى الناسَ، فجعل على ميمنتهِ عبدَ الله بنَ زهير، ثمّ قال للبرَاء بن قبيصة: قُمْ في الميسرَة، فغَضب البراء، وقال: تأمرني بالوقوف في الميسرة وأنا أمير مِثلك! تلك خَيْلي في الميسرة، وقد بعثتُ عليها فارسَ مُضَرَ الطُّفَيل بن عامر بن واثلة؛ قال: فأنْهِيَ ذلك إلى عديّ بن وتّاد، فقال لابن أقيصر الخثعميّ: انطلِق فأنت على الخيل، وانطلِق إلى البَراء بن قبيصة فقل له: إنك قد أمِرت بطاعتي، ولست من الميمنة والميسرة والخيل والرّجالة في شيء، إنما عليك أن تؤمَر فتُطيع، ولا تَعرض لي في شيء أكرهه فأتنكّر لك - وقد كان له مُكرِمًا.

стр. 4835

ثمّ إن عديًّا بعث على الميسرة عمرَ بنَ هبيرة، وبعثه في مئة من أهل الشام، فجاء حتى وقف برايته، فقال رجل من أصحابه للطُّفيل بن عامر: خَلّ رايتَك وتَنحَّ عنّا، فإنّما نحن أصحابُ هذا الموقف؛ فقال الطُّفَيل: إنّي لا أخاصمكم، إنما عقد لي هذه الراية البَراء بنُ قبيصة، وهو أميرُنا، وقد علمْنا أنّ صاحبَكم على جماعة الناس، فإن كان قد عَقَد لصاحبكم هذا فبارَك الله له، ما أسمعَنا وأطوَعنا! فقال لهم عمرُ بنُ هبيرة: مهلًا، كُفّوا عن أخيكم وابنِ عمِّكم، رايتنا رايتك، فإن شئتَ آثرْناك بها، قال: فما رأينا رجُلَين كانا أحلَم منهما في موقفهما ذلك، قال: ونزل عديّ بن وتّاد ثمّ زحف نحو مطرّف (١). (٦/ ٢٩٦ - ٢٩٧). قال أبو مِخنَف: فحدّثني النّضر بنُ صالح وعبدُ الله بنُ علقمة أنّ مطرّفًا بعث على ميمنته الحجّاج بنَ جارية، وعلى ميسرته الرّبيع بن يزيدَ الأسديّ، وعلى الحامية سليمان بن صخر المُزَنيّ، ونزل هو يمشي في الرّجال، ورأيتُه مع يزيد بن أبي زياد مولَى أبيه المغيرة بن شُعبة، قال: فلما زحف القوم بعضهم إلى بعض وتدانَوْا قال لبكير بن هارونَ البجَليّ: اخرُج إليهم فادعهم إلى كتاب الله وسُنة نبيه، وبَكّتْهم بأعمالهم الخبيثة، فخرج إليهم بكير بن هارونَ على فرس له أدهَم أقرح ذنوب عليه الدِّرع والمِغفَر والساعدان، في يده الرمح، وقد شدّ درعَه بعصابة حَمراءَ من حواشي البرُود، فنادى بصوتٍ له عال رفيع: يا أهلَ قِبلتنا، وأهلَ ملّتنا، وأهلَ دعوتِنا، إنا نسألكم بالله الذي لا إله إلا هو الذي علمه بما تُسرّون مثل عِلمه بما تُعلنون لمّا أنصفتمُونا وصدَقْتمونا، وكانت نَصِيحتُكم لله لا لخَلقه، وكنتم شهداءَ لله على عباده بما يعلَمُه الله من عباده، خبّروني عن عبد الملك بن مروان، وعن الحجّاج بن يوسف، ألستم تعلمونهما جبّارَيْن مستأثرَيْن يتّبعان الهوَى، فيأخذَان بالظنّة، ويقتُلان على الغَضَب، قال: فتنادَوْا من كل جانب: يا عدوّ الله كذبتَ، ليسا كذلك، فقال لهم: ويْلَكم ﴿لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ ويْلَكم، أو تعلمون من اللهِ ما لا يعلم، إني قد استشهَدتكم وقد قال الله في الشهادة: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾.
следующие страницы →