ونحن نزولٌ في رُسْتاق من رَساتِيق ماه دينار، يقال له: سامان مُتاخِم أرضَ أصبِهان، وهو رُسْتاق كانت الحمراءُ تَنزِله (١). (٦/ ٢٩١ - ٢٩٢).
قال أبو مخنف: فحدّثنيّ النّضرُ بنُ صالح، قال: والله ما هو إلّا أن مضى يزيدُ بن أبي زياد، فسمعتُ أهلَ العسكر يتحدّثون أنّ الأمير بَعث إلى أخيه يسأله النفقة والسلاح، فأتيتُ مطْرفًا فحدّثته بذلك، فضرب بيده على جبهته ثم قال: سبحان الله! قال الأوّلُ: ما يخفى إلا ما لا يكون، قال: وما هو إلا أن قدم يزيدُ بن أبي زياد علينا، فسار مطرّف بأصحابه حتى نزل قُمّ وقاشان وأصبهَان (٢). (٦/ ٢٩٣ - ٢٩٢).
قال أبو مخنَف: فحدّثني عبدُ الله بنُ علقمة أنّ مطرّفًا حين نزل قُمّ وقاشان واطمأنّ، دعا الحجّاج بن جارية فقال له: حدِّثني عن هزيمة شبيب يومَ السَّبَخة أكانت وأنتَ شاهدَها، أم كنتَ خرجتَ قبل الوَقْعة؟ قال: لا، بل شهدتُها؛ قال: فحدِّثني حديثَهم كيف كان؟ فحدَّثه، فقال: إني كنتُ أحبّ أن يَظفَر شبيب وإن كان ضالًا فيقتل ضالًا. قال: فظننت أنه تمنى ذلك لأنه كان يرجو أن يتمّ له الذي يَطلُب لو هلك الحجّاج، قال: ثمّ إنّ مطرفًا بعث عمّاله (٣). (٦/ ٢٩٣).
قال أبو مخنف: فحدثني النّضرُ بنُ صالح أنّ مطرفًا عمل عملًا حازمًا لولا أنّ الأقدار غالبة، قال: كتب مع الرَّبيع بن يزيد إلى سُويد بن سِرحان الثقفيّ، وإلى بكير بن هارونَ البَجَليّ:
أما بعد، فإنا ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيّه، وإلى جهادِ مَنْ عنَدَ عن الحقّ، واستأثر بالفَيء، وتَرك حُكم الكتاب، فإذا ظهر الحق ودُمِغ الباطل، وكانت كلمةُ الله هي العليا، جعلْنا هذا الأمر شُورَى بين الأمة يرتضى المسلمون لأنفسهم الرضا، فمَن قَبِل هذا منّا كان أخانا في ديننا، ووليّنا في محيانا ومماتِنا، ومَن ردّ ذلك علينا جاهدْناه واستنصرْنا اللهَ عليه فَكَفى بنا عليه حجة، وكفى بتركه الجهادَ في سبيل الله غَبْنًا، وبُمداهنة الظالمين في أمر الله وَهْنًا! إن الله
стр. 4832
كتب القتال على المسلمين وسماه كُرْهًا، ولن يُنالَ رضوانُ الله إلا بالصّبر على أمر الله، وجهادِ أعداء الله، فأجيبوا رحمَكم الله إلى الحقّ، وادعوا إليه من ترجون إجابتَه، وعرِّفوه ما لا يَعرِفه، وليقْبِل إليّ كلُّ من رأى رأينا، وأجاب دعوتَنا، ورأى عدوّه عدوّنا، أرشدنا الله وإياكم، وتاب علينا وعليكم، إنه هو التّواب الرحيم، والسلام.
فلما قَدِم الكتاب على ذَيْنك الرجلين دَبَّا في رجال من أهل الريّ ودَعَوا من تابعَهما، ثمّ خرجا في نحو من مئة من أهل الرَّي سرًّا لا يُفطَن بهم، فجاؤوا حتى وافوا مطرّفًا، وكتب البراءُ بنُ قبيصة، وهو عامل الحجَّاج على أصبَهانَ:
أما بعد، فإن كان للأمير أصلحه الله حاجةٌ في أصبهانَ فليبعث إلى مطرّف جيشًا كثيفًا يستأصله ومن معه، فإنه لا تزال عصابة قد انتفحتْ له من بلدة من البلدان حتى تُوافيَه بمكانه الذي هو به، فإنه قد استكثَف وكَثُر تَبَعه، والسلام.
فكتب إليه الحجّاج:
أما بعد، إذا أتاك رسولي فعَسْكِرْ بمن معك، فإذا مرّ بك عَدِيّ بن وتّاد فاخرج معه في أصحابك، واسمع له وأطِع، والسلام.
فلما قرأ كتابَه خرج فعسكَر، وجعل الحجاج بن يوسف يسرِّح إلى البراء بن قَبيصة الرّجالَ على دوابِّ البريد عشرين عشرين، وخمسة عشر خمسةَ عشر، وعشرة عشرة، حتى سرّح إليه نحوًا من خمسمئة وكان في ألفين.
وكان الأسود بن سعد الهمذانيّ أتى الرَّيّ في فتح الله على الحجّاج يومَ لقي شبيبًا بالسّبَخة، فمرّ بهَمَذان والجبال، ودخل على حمزةَ فاعتذر إليه.
فقال الأسود: فأبلغت الحجّاج عن حمزة، فقال: قد بلغني ذاك، وأراد عزلَه، فخشى أن يَمكر به، وأن يمتنع منه، فبعث إلى قيس بن سعد العِجْليّ - وهو يومئذ على شُرْطة حمزة بن المغيرة ولبني عِجْل ورَبيعةَ عددٌ بهمَذان - فبعث إلى قيس بن سعد بعَهْده على هَمذان، وكتب إليه أن أوثِقْ حمزَة بن المغيرة في الحديد، واحبسْه قِبَلك حتى يأتيَك أمري.
فلما أتاه عهده وأمرُه أقبل ومعه ناس من عشيرته كثير، فلما دخل المسجد وافق الإقامة لصلاة العصر، فصلّى حمزة، فلما انصرف حمزة انصرف معه
стр. 4833
قيس بن سعد العجليّ، صاحب شُرَطه، فأقرأه كتابَ الحجّاج إليه، وأراه عهدَه، فقال حمزة: سمعًا وطاعة، فأوثقه وحبَسه في السجن، وتولى أمر همَذان، وبعث عمّاله عليها، وجعل عماله كلهم من قومه؛ وكتب إلى الحجاج:
أما بعد، فإني أخبِر الأميرَ أصلحه الله، أني قد شددتُ حمزةَ بن المغيرة في الحديد، وحبَسْته في السجن، وبعثتُ عمّالي على الخرَاج، ووضعتُ يدي في الجباية، فإن رأى الأميرُ - أبقاه الله - أن يأذَن لي في المَسير إلى مطرّف أذن لي حتى أجاهدَه في قومي، ومن أطاعَني من أهل بلادي؛ فإني أرجو أن يكون الجهادُ أعظمَ أجرًا من جباية الخرَاج، والسلام.
فلما قرأ الحجاج كتابَه ضَحِكَ ثمّ قال: هذا جانبَ آثرًا ما قد أمّناه.
وقد كان حمزة بهَمذَان أثقَل ما خلق الله على الحجّاج مخافة أن يمدّ أخاه بالسلاح والمال، ولا يدري لعله يبدو له فيعقّ، فلم يزل يكيدُه حتى عزله؛ فاطمأنّ وقصد قصْد مطرّف (١). (٦/ ٢٩٣ - ٢٩٥).
قال أبو مِخنَف: فحدّثني مطرّف بن عامر بن واثلة أنّ الحجاج لما قرأ كتابَ قيس بنِ سعد العِجْليّ وسمع قولَه: إنْ أَحَبَّ الأميرُ سرت إليه حتى أجاهدَه في قومي. قال: ما أبغض إليّ أن تَكثر العربُ في أرض الخَراجِ. قال: فقال لي ابن الغرق: ما هو إلا أن سمعتها من الحجّاج فعلمتُ أنه لو قد فرَغَ له قد عَزَله (٢). (٦/ ٢٩٥).
قال: وحدّثني النّضر بن صالح أنّ الحجاج كتب إلى عديّ بن وتّاد الاياديّ وهو على الرّيّ يأمره بالمسير إلى مطرّف بن المغيرة وبالممرّ على البرَاء بن قبيصَة، فإذا اجتمعوا فهو أميرُ الناس (٣). (٦/ ٢٩٥).
قال أبو مخنَف: وحدّثني أبي عن عبد الله بن زهير، عن عبد الله بن سُليم الأزْديّ، قال: إنّي لَجالسٌ مع عديّ بن وتّاد على مجلسه بالرّيّ إذ أتاه كتاب الحجّاج، فقرأه ثمّ دفعه إليّ، فقرأته فإذا فيه:
стр. 4834
أما بعد، فإذا قرأتَ كتابي هذا فانهض بثلاثة أرباعِ مَن معك من أهل الرّيّ، ثمّ أقبِل حتى تمرّ بالبراء بن قبيصَة بجَيّ، ثم سِيرَا جميعًا، فإذا لقيتهما فأنتَ أمير الناس حتى تقتل الله مطرّفًا، فإذا كَفَى الله المؤمنينَ مؤُنتَه فانصرِف إلى عملك في كَنَف من الله وكَلاءتِهِ وسِتره، فلما قرأتهُ قال لي: قمْ، وتجهزْ.
قال: وخرج فعسكَرَ، ودعا الكتّاب فضَربَوا البَعْث على ثلاثة أرباع الناس، فما مضت جمُعة حتى سرنا فانتهيْنا إلى جَيّ، ويُوافينا بها قبيَصة القُحافيّ في تِسعمئة من أهل الشام، فيهم عُمر بنُ هُبيرة، قال: ولم نلبث بجَيّ إلا يومين حتى نهض عديّ بن وتّاد بمن أطاعه من الناس ومعه ثلاثة آلافِ مُقاتِل من أهل الرّيّ وألف مُقاتِل مع البَراء بن قبيصة بعثهم إليه الحجّاج من الكوفة، وسبعمئة من أهل الشام، ونحو ألف رجل من أهلِ أصبَهان والأكراد، فكان في قريب من ستة آلاف مُقاتِل، ثمّ أقبلَ حتى دخل على مطرّف بن المغيرة (١). (٦/ ٢٩٥ - ٢٩٦).
قال أبو مخِنَف: فحدّثني النّضر بنُ صالح، عن عبد الله بن علقمة، أن مطرّفًا لما بلغه مسيرُهم إليه خَندَق على أصحابه خَنْدقًا، فلم يزالوا فيه حتى قدموا عليه (٢). (٦/ ٢٩٦).
قال أبو مِخنَف: وحدّثني يزيدُ مولى عبد الله بن زهير، قال: كنتُ مع مولاي إذ ذاك؛ قال: خرج عديّ بن وتّاد فعبّى الناسَ، فجعل على ميمنتهِ عبدَ الله بنَ زهير، ثمّ قال للبرَاء بن قبيصة: قُمْ في الميسرَة، فغَضب البراء، وقال: تأمرني بالوقوف في الميسرة وأنا أمير مِثلك! تلك خَيْلي في الميسرة، وقد بعثتُ عليها فارسَ مُضَرَ الطُّفَيل بن عامر بن واثلة؛ قال: فأنْهِيَ ذلك إلى عديّ بن وتّاد، فقال لابن أقيصر الخثعميّ: انطلِق فأنت على الخيل، وانطلِق إلى البَراء بن قبيصة فقل له: إنك قد أمِرت بطاعتي، ولست من الميمنة والميسرة والخيل والرّجالة في شيء، إنما عليك أن تؤمَر فتُطيع، ولا تَعرض لي في شيء أكرهه فأتنكّر لك - وقد كان له مُكرِمًا.
стр. 4835
ثمّ إن عديًّا بعث على الميسرة عمرَ بنَ هبيرة، وبعثه في مئة من أهل الشام، فجاء حتى وقف برايته، فقال رجل من أصحابه للطُّفيل بن عامر:
خَلّ رايتَك وتَنحَّ عنّا، فإنّما نحن أصحابُ هذا الموقف؛ فقال الطُّفَيل: إنّي لا أخاصمكم، إنما عقد لي هذه الراية البَراء بنُ قبيصة، وهو أميرُنا، وقد علمْنا أنّ صاحبَكم على جماعة الناس، فإن كان قد عَقَد لصاحبكم هذا فبارَك الله له، ما أسمعَنا وأطوَعنا! فقال لهم عمرُ بنُ هبيرة: مهلًا، كُفّوا عن أخيكم وابنِ عمِّكم، رايتنا رايتك، فإن شئتَ آثرْناك بها، قال: فما رأينا رجُلَين كانا أحلَم منهما في موقفهما ذلك، قال: ونزل عديّ بن وتّاد ثمّ زحف نحو مطرّف (١). (٦/ ٢٩٦ - ٢٩٧).
قال أبو مِخنَف: فحدّثني النّضر بنُ صالح وعبدُ الله بنُ علقمة أنّ مطرّفًا بعث على ميمنته الحجّاج بنَ جارية، وعلى ميسرته الرّبيع بن يزيدَ الأسديّ، وعلى الحامية سليمان بن صخر المُزَنيّ، ونزل هو يمشي في الرّجال، ورأيتُه مع يزيد بن أبي زياد مولَى أبيه المغيرة بن شُعبة، قال: فلما زحف القوم بعضهم إلى بعض وتدانَوْا قال لبكير بن هارونَ البجَليّ: اخرُج إليهم فادعهم إلى كتاب الله وسُنة نبيه، وبَكّتْهم بأعمالهم الخبيثة، فخرج إليهم بكير بن هارونَ على فرس له أدهَم أقرح ذنوب عليه الدِّرع والمِغفَر والساعدان، في يده الرمح، وقد شدّ درعَه بعصابة حَمراءَ من حواشي البرُود، فنادى بصوتٍ له عال رفيع: يا أهلَ قِبلتنا، وأهلَ ملّتنا، وأهلَ دعوتِنا، إنا نسألكم بالله الذي لا إله إلا هو الذي علمه بما تُسرّون مثل عِلمه بما تُعلنون لمّا أنصفتمُونا وصدَقْتمونا، وكانت نَصِيحتُكم لله لا لخَلقه، وكنتم شهداءَ لله على عباده بما يعلَمُه الله من عباده، خبّروني عن عبد الملك بن مروان، وعن الحجّاج بن يوسف، ألستم تعلمونهما جبّارَيْن مستأثرَيْن يتّبعان الهوَى، فيأخذَان بالظنّة، ويقتُلان على الغَضَب، قال: فتنادَوْا من كل جانب: يا عدوّ الله كذبتَ، ليسا كذلك، فقال لهم: ويْلَكم ﴿لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ ويْلَكم، أو تعلمون من اللهِ ما لا يعلم، إني قد استشهَدتكم وقد قال الله في الشهادة: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾.
стр. 4836
فخرج إليه صارمٌ مولَى عديّ بن وتّاد وصاحب رايته، فحمل على بُكَير بن هارونَ البجَليّ، فاضطرَبا بسيفَيهما، فلم تعمل ضربةُ مولَى عديّ شيئًا، وضربه بكير بالسَّيف فقتَله، ثمّ استقدم، فقال: فارس لفارس، فلم يخرج إليه أحدٌ، فجعل يقول:
صَارِمُ قَدْ لَاقَيْت سيْفًا صَارِما ... وأَسَدًا ذا لِبْدَة ضُبَارِمَا
قال: ثمّ إنّ الحجّاج بن جارية حَمل وهو في الميمنة على عُمر بنِ هبيرة وهو في الميسرة، وفيها الطُّفَيل بن عامر بن واثلة، فالتقى هو والطُّفيل - وكانا صديقَين متآخيَيْن - فتعارَفا، وقد رَفع كُلّ واحد منهما السيفَ على صاحبه، فكفَّا أيديَهما، واقتتلوا طويلًا، ثمّ إنّ ميسرة عديّ بن وتّاد زالت غيرَ بعيد، وانصرف الحجاج بنُ جارية إلى موقفه، ثمّ إن الربيع بنَ يزيد حَمَل على عبد الله بن زُهير، فاقتتلوا طويلًا، ثمّ إن جماعة الناس حملتْ على الأسَديّ فقتلتْه، وانكشفتْ ميسرةُ مطرّف بن المغيرة حتى انتهت إليه، ثمّ إنّ عمرَ بن هُبيرة حمل على الحجاج بن جارية وأصحابه فقاتَلَه قتالًا طويلًا، ثمّ إنه حذره حتى انتهى إلى مطرّف، وحمل ابن أقيصر الخثعميّ في الخَيْل على سليمان بن صخر المُزَنيّ فقتَله، وانكشفت خيلُهم، حتى انتهى إلى مطرّف، فثَمّ اقتتلتْ الفُرسان أشدّ قتال رآه الناس قطّ، ثمّ إنه وصل إلى مطرّف (١). (٦/ ٢٩٧ - ٢٩٨).
قال أبو مِخنَف: فحدّثني النَّضْرَ بن صالح أنه جعل يناديهم يومئذ: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾.
قال: ولم يزل يقاتل حتى قُتل، واحتزّ رأسَه عُمر بنُ هبيرة، وذكر أنه قتله، وقد كان أسرع إليه غيرُ واحد، غير أنّ ابن هُبيرة احتزَّ رأسه وأوفده إلى عديّ بن وتّاد وحظيَ به، وقاتل عُمر بن هبيرة يومئذ وأبلى بلاءً حسنًا (٢). (٦/ ٢٩٨ - ٢٩٩).
قال أبو مخنف: وقد حدّثني حكيم بن أبي سفيان الأزديّ أنه قتل يزيد بن زياد
стр. 4837
مولى المغيرة بن شعبة، وكان صاحب راية مطرّف، قال: ودخلوا عسكر مطرّف، وكان مطرّف قد جعل على عسكره عبد الرحمن بن عبد الله بن عفيف الأزديّ، فقتِل، وكان صالحًا ناسكًا عفيفًا (١). (٦/ ٢٩٩).
قال أبو مخنف: حدثني زيد مولاهم أنه رأى رأسه مع ابن أقيصر الخثعميّ، فما ملكتُ نفسي أن قلت له: أما والله لقد قتلتَه من المصلين العابدين الذاكرين الله كثيرًا، قال: فأقبل نحوي وقال: منْ أنت؟ فقال له مولاي: هذا غلامي؛ ما له؟ قال: فأخبره بمقالتي؛ فقال: إنه ضعيف العقل؛ قال: ثم انصرفنا إلى الرّيّ مع عدي بن وتاد، قال: وبعث رجالًا من أهلِ البلاء إلى الحجّاج، فأكرمهم وأحسن إليهم، قال: ولما رجع إلى الري جاءت بجيلة إلى عديّ بن وتّاد فطلبوا لبكير بن هارون الأمان فآمنه، وطلبت ثقيف لسُويد بن سرحان الثقفيّ الأمان فآمنه، وطلبت في كلّ رجل كان مع مطرّف عشيرتُه، فآمنهم وأحسن في ذلك، وقد كان رجال من أصحاب مطرّف أحيط بِهم في عسكر مطرف، فنادوا: يا برَاء، خذَلَنا الأمان، يا براء، اشفَع لنا. فشَفَع لهم، فتُرِكوا، وأسَر عديّ ناسًا كثيرًا فخَلّى عنهم (٢). (٦/ ٢٩٩).
قال أبو مخنف: وحدثني النّضر بن صالح أنه أقبل حتى قدم على سويد بن عبد الرحمن بحلوان، فأكرمه وأحسن إليه، ثم إنه انصرف بعد ذلك إلى الكوفة (٣). (٦/ ٢٩٩).
قال أبو مخنف: وحدّثني عبدُ الله بن علقمة أنّ الحجّاج بن جارية الخَثْعميّ أتى الريّ وكان مَكْتَبهُ بها، فطلب إلى عديّ فيه، فقال: هذا رجلٌ مشهور قد شُهِر مع صاحبه، وهذا كتابُ الحجاج إليّ فيه (٤). (٦/ ٢٩٩).
قال أبو مِخنَف: فحدّثني أبي عن عبد الله بن زُهير، قال: كنت فيمن كلمه في الحجّاج بن جارية، فأخرج إلينا كتابَ الحجّاج بن يوسف:
стр. 4838
أما بعد: فإن كان الله قتلَ الحجّاجَ بن جارية فبُعْدًا له، فذاك ما أهوَى وأحِبّ؛ وإن كان حيًّا فاطلبه قبَلك حتى توُثِقَه، ثمّ سَرِّح به إليّ إن شاء الله، والسلام.
قال: فقال لنا: قد كُتِب إليّ فيه، ولابدّ من السمع والطاعة، ولو لم يُكتَب إليّ فيه آمنته لكم، وكففتُ عنه فلم أطلبْه، وقمنا من عنده.
قال: فلم يزل الحجّاج بن جارية خائفًا حتى عُزل عديّ بن وتَّاد، وقدم خالد بن عتّاب بن وَرْقاء، فمشيتُ إليه فيه، فكلَّمته فآمنه، وقال حبيب بن خِدُرْةَ مولى لبنى هلال بنِ عامر:
هل أتى فائدَ عن أيسارِنا ... إذ خَشينَا مِنْ عَدُوٍّ خرُقَا
إذ أَتانا الخَوْفُ من مأْمَنِنا ... فطَوينا في سَوادٍ أُفُقَا
وسَلِي هَدْيَة يَوْمًا هل رأَتْ ... بشَرًا أكرَمَ منَّا خُلُقا!
وسَليها أعَلَى العهدِ لنا ... أو يُصِرُّونَ علينا حَنَقَا
ولكَمْ من خُلَّة من قَبلِها ... قدْ صَرَمْنَا حَبلَها فانطلَقَا
قَدْ أَصَبْنَا العَيْشَ عَيْشًا ناعمًا ... وأَصَبْنَا الْعَيْشَ عَيْشًا رَنَقَا
وأصَبْتُ الدَّهْرَ دهرًا أَشْتَهِي ... طبَقًا منه وألوي طبَقَا
وشَهِدتُ الخيل في مَلْمُومَةٍ ... ما ترى منهنَّ إلا الحدَقَا
يتَسَاقَوْنَ بأَطرافِ القَنَا ... من نَجيعِ الموت كأْسًا دَهقا
فطِرادُ الخيلِ قد يُؤْنِقُني ... ويردّ اللهْوُ عني الأَنَقا
بمُشيح البَيْض حتَّى يَتركوا ... لسُيوفِ الهِنْد فيها طُرُقَا
فكأَنِّي من غدٍ وافقتها ... مثل ما وافَقَ شَنٌّ طَبَقَا (١)
(٦/ ٢٩٩ - ٣٠٠).
* * *
ذكر الخبر عن وقوع الخلاف بين الأزارقة
قال أبو جعفر: وفي هذه السنة وقع الاختلاف بين الأزارقة أصحاب قَطَريّ بن
стр. 4839
الفُجَاءَة فخَالفه بعضهم واعتزلَه وبايع عبد رَبّه الكبير، وأقام بعضُهم على بيعة قطريّ.
* ذكر الخبر عن ذلك، وعن السبب الذي من أجله حدث الاختلاف بينهم حتى صار أمرهم إلى الهلاك:
ذكر هشامٌ عن أبي مِخنَف، عن يوسف بن يزيد، أنّ المهلّب أقام بسابورَ فقاتَلَ قَطَريًّا وأصحابه من الأزارقة بعدما صرف الحجّاج عتابَ بن وَرْقاء عن عسكره نحوًا من سنة، ثمّ إنه زاحَفَهم يوم البُسْتان فقاتَلَهم قتالًا شديدًا، وكانت كِرْمان في أيدي الخوارج، وفارس في يد المهلّب، فكان قد ضاق عليهم مكانُهم الذي هم به، لا يأتيهم من فارس مادّة، وبَعُدَتْ ديارهم عنهم، فخرجوا حتى أتوا كرمانَ وتبعهم المهلب حتى نزل بجيرفْتَ - وجيرفْتُ مدينة كرمان - فقاتلَهم بها أكثر من سنة قتالًا شديدًا، وحازهم عن فارسَ كلها، فلما صارت فارسُ كلُّها في يدي المهلب بعث الحجّاج عليها عمّالَه وأخذها من المهلّب، فبلغ ذلك عبد الملك، فكتب إلى الحجّاج:
أما بعد، فدَعْ بِيَد المهلَّب خراجَ جبالِ فارسَ، فإنه لابد للجيش من قوّة ولصاحب الجيش من معونة، ودعْ له كُورَة فَسَا وَدرَابجرْدَ. وكورة إصْطَخْر.
فتركَها للمهلّب، فبعث المهلَّب عليها عمّالَه، فكانت له قوّةً على عدوّه وما يصلحه، ففي ذلك يقول شاعرُ الأزْد وهو يعاتِب المهلب:
نقاتِلُ عن قُصورِ دَرَابَجِرد ... ونَجْبِي للمغُيرَةِ والرُّقَادِ
وكان الرُّقاد بنُ زياد بن همّام - رجل من العتِيك - كريمًا على المهلَّب، وبعث الحجاج إلى المهلب البراءَ بنَ قبيصة، وكتب إلى المهلب:
أما بعد، فإنك والله لو شئت فيما أرى لقد اصطلمتَ هذه الخارجة المارقةَ، ولكنّك تحبّ طول بقائهم لتأكل الأرَض حولك، وقد بعثتُ إليك البراء بن قبيصة لينُهِضك إليهم، فانهض إليهم إذا قَدِم عليك بجميع المسلمين، ثمّ جاهدهم أشدّ الجهاد، وإيّاك والعِللَ والأباطيلَ، والأمورَ التي ليست لك عندي بسائغة ولا جائزة؛ والسلام.
стр. 4840
فأخرَج المهلب بنيه؛ كلَّ ابن له في كَتيبة، وأخرج الناسَ على راياتهم ومَصافِّهم وأخماسهم، وجاء البَرَاء بن قبيصة فوقف على تل قريب منهم حيث يراهم، فأخذتْ الكتائبُ تحمل على الكتائب، والرّجالُ على الرجال، فيقتتلون أشدَّ قتال رآه الناس من صَلاة الغداة إلى انتصاف النهار، ثم انصرَفوا.
فجاء البَراء بنُ قبيصةَ إلى المهلب فقال له: لا والله ما رأيت كبَنيِك فُرسانًا قطّ، ولا كفُرسانِك من العرب فُرسانًا قطّ، ولا رأيت مِثلَ قوم يقاتلونك قطّ أصبرَ ولا أبأسَ، أنتَ والله المعذور، فرجع بالناس المهلّب، حتى إذا كان عند العصر خرج إليهم بالناس وبنيه في كتائبهم، فقاتلوه كقتالهم في أول مرّة (١). (٦/ ٣٠٠ - ٣٠٢).
قال أبو مخنَف: وحدّثني أبو المغلّس الكنانّي، عن عمه أبي طلحة، قال: خرجت كتيبةٌ من كتائبهم لكتيبة من كتائبنا، فاشتدّ بينهما القتال، فأخذتْ كلُّ واحدة منهما لا تصُدّ عن الأخرى، فاقتتلنا حتى حَجَزَ الليلُ بينهما، فقالت إحداهما للأخرى: ممن أنتم؟ فقال هؤلاء: نحن من بني تميم؛ وقال هؤلاء: نحن من بني تميم؛ فانصرَفوا عند المَساء، قال المهلَّب للبرَاء: كيف رأيت؟ قال: رأيتُ قومًا والله ما يعينك عليهم إلّا الله، فأحسَنَ إلى البراء بن قبيصة وأجازه، وحملَه وكساه، وأمر له بعشرة آلاف درهم، ثمّ انصرف إلى الحجاج فأتاه بعذر المهلّب، وأخبره بما رأى، وكتب المهلب إلى الحجّاج:
أما بعد: فقد أتاني كتابُ الأمير أصلحه الله، واتهامه إيّاي في هذه الخارجة المارقة، وأمرني الأميرّ بالنهوض إليهم، وإشهادِ رسوله ذلك، وقد فعلت، فليسألْه عما رأى، فأما أنا فوالله لو كنت أقدرِ على استئصالهم، وإزالتهم عن مكانهم ثمّ أمسكتُ عن ذلك لقد غششتُ المسلمين، وما وفَيتُ لأمير المؤمنين، ولا نصحتُ للأميرِ - أصلحه الله - فمعاذ الله أن يكون هذا من رأي، ولا مما أديِن اللهَ به، والسلام.
ثمّ إنّ المهلب قاتلهم بها ثمانية عشر شهرًا لا يستقلّ منهم شيئًا، ولا يرى في
стр. 4841
موطن يُنْقِعون له ولمن معه من أهل العراق من الطعن والضرب ما يَرْدَعُونهم به ويَكفّونهم عنهم.
ثمّ إنّ رجلًا منهم كان عاملًا لقَطريّ على ناحية من كِرمان خرج في سَريّة لهم يُدعىَ المُقَعْطَرَ من بني ضَبَّة، فقَتَل رجلًا قد كان ذا بأس من الخوارج، ودخل منهم في ولاية، فقتله المُقَعْطرُ، فوثَبت الخوارج إلى قَطَريّ، فذكروا له ذلك، وقالوا: أمْكِنّا من الضّبيّ نقتله بصاحبنا، فقال لهم: ما أرى أن أفعل؛ رجلٌ تأوّل فأخطأ في التأويلِ ما أرى أن تقتلوه، وهو من ذوِي الفضل منكم، والسابقة فيكم، قالوا: بلى؛ قال لهم: لا، فوقع الاختلاف بينهم، فولَّوا عبدَ ربّه الكبير، وخلعوا قَطَريًّا، وبايع قطريًّا منهم عصابةٌ نحوًا من ربعهم أو خمسهم، فقاتلهم نحوًا من شهر غُدوةً وعشية.
فكتب بذلك المهلّبُ إلى الحجَّاج:
أما بعد: فإن الله قد ألقى بأسَ الخوارج بينهم، فخلع عظمُهم قطريًّا وبايعوا عبد ربِّه، وبقيت عصابة منهم مع قطريّ، فهم يقاتل بعضهم بعضًا غُدُوًّا وعشيًّا، وقد رجوتُ أن يكون ذلك من أمرهم سبب هلاكهم إن شاء الله؛ والسلام.
فكتب إليه:
أما بعد: فقد بلغني كتابُك تَذكر فيه اختلافَ الخوارج بينها، فإذا أتاك كتابي هذا فناهِضْهم على حال اختلافهم وافتراقهم قبل أن يجتمعوا، فتكون مؤونتهم عليك أشدّ والسلام.
فكتب إليه:
أما بعد: فقد بلغني كتابُ الأمير، وكلّ ما فيه قد فهمتُ، ولستُ أرى أن أقاتلهم ما داموا تقتلُ بعضُهم بعضًا، وينقص بعضُهم عَدَد بعض، فإن تموا على ذلك فهو الذي نريد وفيه هلاكهُم، وإن اجتَمعوا لم يجتمعوا إلا وقد رقَّق بعضُهم بعضًا، فأناهِضُهم على تفِيئة ذلك، وهم أهوَن ما كانوا وأضعَفُه شوكةً، إن شاء الله والسلام.
فكفّ عنه الحجّاج، وتركهم المهلب يقتتلون شهرًا لا يحرِّكهم.
ثمّ إنّ قَطَريًّا خرج بمن اتبعه نحو طَبرستانَ، وبايع عامّتهم عبد رَبِّه الكبير،
стр. 4842
فنهض إليهم المهلّب، فقاتلوه قتالًا شديدًا، ثمّ إنّ الله قتلهم فلم ينجُ منهم إلّا قليل، وأخذ عسكرهم وما فيه وسُبُوا، لأنهم كانوا يَسبون المسلمين، وقال كعبٌ الأشقريّ - والأشقَر بطنٌ من الأزد - يذكر يومَ رامَهُرْمُز، وأيام سابورَ، وأيام جِيرَفْتَ:
يا حفْصَ إني عَدَاني عنكم السفرُ ... وقَدْ أرِقتُ فَاذَى عَيْنيَ السهرُ
عُلّقْتَ يا كعبُ بعد الشَّيبِ غانِيَةً ... والشَّيبُ فيه عن الأَهواء مزْدَجرُ
أممْسكٌ أنتَ عنها بالَّذي عَهِدَتْ ... أم حَبْلها إذ تأَتْكَ اليومَ مُنْبَتِرُ
عُلّقْتُ خَوْدًا بأَعْلى الطَّف مَنزِلُهَا ... في غُرفَة دونها الأَبوابُ والحُجَر
دُرْمًا منَاكِبُهَا رَيًّا مآكِمُهَا ... تكاد إذ نَهضَتْ للمشي تنبَتِرُ
وقد تركْتُ بِشطِّ الزَّابِييْنِ لها ... دارًا بها يَسْعَدُ البَادُونَ والحَضَر
واخْتَرْت دارًا بها حيٌّ أسَرُّ بِهمْ ... ما زال فيهم لمن نختارُهُمْ خَيرُ
لمَّا نَبَتْ بي بِلَادي سِرْتُ مُنتجِعًا ... وطَالِبُ الخير مُرْتادٌ ومُنتَظرُ
أَبا سعيد فإني جئت مُنتجِعًا ... أرجُو نَوالَكَ لمّا مَسَّنِي الضَّرَرُ
لولا المهلَّبُ ما زُرْنا بلادَهُمُ ... ما دامت الأَرض فيها الماءُ والشجرُ
فما من الناس من حيٍّ عَلِمتُهُمُ ... إلا يُرَى فيهم من سَيْبِكم أَثرُ
أحيَيْتَهُم بِسجَال من نَدَاكَ كما ... تحيَا البلادُ إذا ما مسَّها المطرُ
إني لأرجو إذا ما فاقَةٌ نزَلَتْ ... فضلًا من الله في كفَّيكَ يَبْتَدِرُ
فاجبرْ أخًا لك أَوْهَى الفقر قوته ... لعلَّهُ بعد وهْي العظْمِ ينجبرُ
جَفَا ذَوُو نَسَبي عنِّي وأخلفَني ... ظني فللهِ دَرِّي كيف آتمِرُ
يا واهِبَ القَينةِ الحَسناء سُنَّتُها ... كالشمس هِرْكولةٌ في طَرْفِها فَتْرُ
وما تزال بُدُورٌ منك رائحة ... وآخرون لهم من سَيْبك الغُرَر
نماك للمجد أملاكٌ وَرِثْتَهُمُ ... شمُّ العَرَانينِ في أخلاقهمْ يَسَرُ
ثارُوا بقَتْلَى وأوتارٍ تُعدّدُها ... في حِين لا حَدَثٌ في الحرب يتَّئرُ
واستسلم الناسُ إذ حلَّ العدوُّ بهم ... فما لأمرِهمُ وردٌ ولا صدَرُ
وما تجاوزَ بابَ الجسر من أَحد ... وعَضَّتِ الحربُ أهلَ المصرِ فانجحَروا
وأُدخل الخوفُ أجوافَ البيوت على ... مثلِ النساءِ رجال ما بهم غِيَرُ
واشتدَّتِ الحربُ والبَلوَى وحلَّ بنا ... أمرٌ تُشَمَّرُ في أَمثالِهِ الأُزُر
стр. 4843
نظلّ من دون خفض مُعصمِين بهم ... فَشمر الشيخُ لما أعظمَ الخَطَر
كنا نهَوِّنُ قَبلَ اليومِ شأنَهُمُ ... حتى تفَاقَمَ أمرٌ كان يُحتقرُ
لمّا وهَنّا وقد حَلُّوا بساحتِنَا ... واستُنفر الناسُ تاراتٍ فما نَفَرُوا
نادَى امرؤٌ لا خلَاف في عَشِيرَتِه ... عنه وليس به في مِثلهِ قِصَر
أفشى هنالك ممَّا كان مذ عصروا ... فيهم صنائع مما كان يُدَّخَرُ
تلبَّسُوا لقِراعِ الحربِ بَزَّتَها ... فأَصبَحُوا من وراءِ الجسر قد عَبرُوا
ساروا بألويَة للمجدِ قد رُفِعْت ... وتحتَهُنَّ ليُوثٌ في الوغَى وُقرُ
حتى إذا خَلَّفُوا الأهوازَ واجتمعوا ... بِرَامَهُرْمُزَ وافَاهُمْ بها الخبرُ
نَعِيُّ بِشرٍ فجال القومُ وانصدعوا ... إلا بَقايا إذا ما ذُكِّرُوا ذَكَرُوا
ثم استمرَّ بنا راضٍ ببيعتِه ... يَنوِي الوفاءَ ولم نغْدِرْ كما غَدَرُوا
حتى اجتمعنا بسَابورِ الجنود وقد ... شُبَّتْ لنا ولهم ناو لها شَررُ
نَلقَى مساعِيرَ أبطالًا كأَنهمُ ... جِنٌّ نقارعُهُمْ ما مثلُهم بَشَرُ
نُسْقَى ونَسْقِيهمُ سَمًّا عَلَى حنَقٍ ... مُستأنِفِي الليْلِ حتّى أَسْفَرَ السَّحَرُ
قَتْلَى هنالك لا عقلٌ ولا قَوَدٌ ... مِنَّا ومنهم دماءٌ سَفكَها هدَرُ
حتى تَنَحَّوْا لنا عنها تَسوقُهُمْ ... منَّا ليوث إذا ما أقَدموا جَسروا
لم يُغنِ عنهم غدَاةَ التلِّ كيدُهُمُ ... عند الطِّعان ولا المكرُ الذي مَكَرُوا
باتَتْ كتائبُنا تَرْدِي مَسَّومَةً ... حولَ المهلَّبِ حتى نَوّرَ القمرُ
هناك ولَّوْا حِزَانًا بعد ما فَرِحوا ... وحالَ دونهُم الأنهَارُ والجدُرُ
عَبَّوْا جنودَهمُ بالسَّفح إذ نَزلوا ... بكازَرْونَ فما عزُّوا ولا ظفروا
وقد لقوا مُصْدَقًا منا بمنزلةٍ ... ظنُّوا بأَن يُنصَرُوا فيها فما نُصِرُوا
بدَشْت بارينَ يومَ الشِّعْبِ إِذ لُحقتْ ... أسد بسفكِ دماءِ الناس قد زَئِرُوا
لاقَوْا كتائبَ لا يُخلونَ ثَغْرَهُمُ ... فيهمْ على من يقاسي حربهم صَعَرُ
المقْدِمين إذ ما خيلهم وردَتْ ... والعاطفين إذا ما ضيّع الدَّبرُ
وفي جُبيْرِينَ إذ صفُّوا بزَحفهم ... ولَّوا خزَايَا وقد فلُّوا وقد قُهِرُوا
واللهِ ما نزلوا يومًا بساحَتِنا ... إلا أصابَهمُ من حربنا ظَفَرُ
نَنْفِيهمُ بالقَنا عن كلِّ منزلةٍ ... ترُوحُ منا مساعِيرٌ وتَبْتَكرُ
وَلُّو حذارًا وقد هَزُّوا أَسِنّتنَا ... نحو الحروب فما نجّاهمُ الحذرُ
стр. 4844
صلْتُ الجبين طويلُ الباع ذو فُرَحٍ ... ضخْمُ الدَّسيعَة لا وَانٍ ولا غمُرُ
مُجَرّبُ الحربِ ميمونٌ نَقِيبتُهُ ... لا يُسْتَخفُّ ولا من رأيهِ البَطَرُ
وفي ثلاثِ سنين يَستدِيمُ بنا ... يقارعُ الحربَ أَطوارًا ويأْتمرُ
يقولُ إن غَدًا مُبْدٍ لناظرهِ ... وفي الليالي وفي الأيام مُعْتَبرُ
دعوا التَّتابُعَ والإِسراع وارتَقبُوا ... إنَّ المُحارِبَ يَستأنِي وينتظرُ
حتى أتته أمورٌ عندها فرجٌ ... وقد تبيَّن ما يأْتي وما يذَرُ
لما زَوَاهمْ إلى كَرمانَ وانصدعوا ... وقد تقاربتِ الآجالُ والقدرُ
سرنا إليهم بمثل الموج وازدَلَفوا ... وقبلَ ذلك كانت بينَنا مِئرُ
وزادَنا حَنقًا قَتلَى نُذَكّرُها ... لا تَسْتَفِيقُ عيونٌ كلَّما ذُكِرُوا
إذا ذكَرنا جَرُوزًا والذينَ بها ... قتلى مضى لهمُ حولانِ ما قُبِرُوا
تأْتي علينا حَزازَاتُ النفوسِ فما ... نبقِي عليهم وما يبقون إن قَدَرُوا
ولا يُقِيلونَنَا في الحرب عثرَتَنا ... ولا نقيلُهمُ يومًا إذا عثَرُوا
لا عُذْرَ يُقبَلُ منَّا دون أنفسِنا ... ولا لهم عندنا عذرٌ لوِ اعتذَروا
صفَّانِ بالقاع كالطَّودينِ بينهما ... كالبرقِ يَلمعُ حتى يَشْخَصَ البصَرُ
على بصائرَ كلٌّ غيرُ تارِكها ... كلَا الفريقين تُتلى فيهم السُّوَرُ
يَمشون في البَيض والأبدان إذ وردُوا ... مشْي الزوامل تهدي صفَّهمُ زُمَرُ
وشيخنا حوله منَا مُلمْلَمةٌ ... حيٌّ من الأَزْد فيما نابَهُمْ صبُرُ
في موطنٍ يقطعُ الأَبطال مَنظَرُهُ ... تُشاطُ فيه نُفوسٌ حين تَبتكر
ما زال منَّا رجالٌ ثمَّ نَضْرِبهُمْ ... بالمشرفيّ ونارُ الحرب تَسْتَعِرُ
وباد كلُّ سلاحٍ يُستعان به ... في حومة الموت إلا الصارم الذَّكَرُ
ندُوسُهمْ بعَناجيجٍ مُجَفَّفَةٍ ... وبيننا ثَمَّ من صُمِّ القَنا كِسَرُ
يغشَيْنَ قتلى وعقرَى ما بها رَمَقٌ ... كأَنما فوقها الجاديُّ يُعتَصرُ
قتلى بقتلى قِصاصٌ يُستقادُ بها ... تَشفِي صُدُورَ رجال طالما وُتِرُوا
مُجاورينَ بها خَيلًا مُعَقَّرَةً ... للطيرِ فيها وفي أَجسادهم جَزَرُ
في معرَكٍ تَحْسَبُ القتلى بساحَته ... أعجازَ نخلٍ زَفَتْهُ الريحُ يَنعقِرُ
وفي مواطِنَ قبلَ اليومِ قد سَلَفتْ ... قد كان للأَزد فيها الحمدُ والظَّفَر
стр. 4845
في كلِّ يومٍ تُلاقِي الأَزدُ مُفظِعةً ... يَشيبُ في ساعةٍ من هولها الشعرُ
والأَزدُ قومي خيارُ القوم قد علموا ... إذا قُرومُهم يومَ الوغى خطروا
فيهم مَعاقِلُ من عِزٍّ يلاذُ بها ... يومًا إذا شَمّرَتْ حربٌ لها دِرَرُ
حيٌّ بأَسيافِهمْ يَبغونَ مَجدَهُمُ ... إِنَّ المكارمَ في المكروهِ تُبْتَدَرُ
لولا المهلَّب للجيش الَّذي وردوا ... أنهارَ كَرْمَانَ بعد اللهِ ما صدرُوا
إِنَّا اعتَصَمْنَا بحبل اللهِ إذ جحَدوا ... بالمُحْكَمَاتِ ولم نكْفُرْ كما كَفَرُوا
جاروا عن القصد والإِسلام واتَّبعوا ... دِينًا يُخَالفُ ما جاءَت به النُّذُرُ
وقال الطفيل بنُ عامر بن وائلة وهو يذكر قتلَ عبد ربّه الكبير وأصحابه، وذهاب قَطَريّ في الأرض واتّباعهم إيّاه ومراوغته إيّاهم:
لقد مسَّ منَّا عبدَ ربّ وجندهُ ... عقابٌ فأَمسى سَبْيُهُمْ في المقاسمِ
سما لهمُ بالجيشِ حتى أَزاحَهُم ... بكرمانَ عن مثوىً من الأرض ناعِم
وما قَطَريُّ الكُفر إلَّا نَعَامَة ... طريدٌ يَدوّي ليله غير نائِمِ
إذا فرّ منَّا هاربًا كان وَجْهُهُ ... طريقًا سوى قصدِ الهُدى والمعالِم
فليس بمنجِيه الفرارُ وِإنْ جَرَتْ ... به الفُلكُ في لُجٍّ من البحر دائم (١)
(٦/ ٣٠٢ - ٣٠٨).
ذكر الخبر عن هلاك قطريّ وأصحابه
قال أبو جعفر: وفي هذه السنة كانت هَلَكة قَطريّ وعبيدة بن هلال وعبد ربّ الكبير ومن كان معهم من الأزارقة.
* ذكرُ سبب مهلَكِهم:
وكان سبب ذلك أنّ أمرَ الذين ذكرْنا خبرَهم من الأزارقة لما تشتّت بالاختلاف الذي حدث بينهم بكرمان فصار بعضهم مع عبد ربه الكبير وبعضهم مع قطريّ ووهَى أمرُ قطريّ، توجّه يريد طَبَرستان، وبلغ أمرُه الحجّاج، فوجَّه فيما ذكر هشامٌ عن أبي مخنف، عن يونس بن يزيدَ - سفيانَ بن الأبرد، ووجّه معه جيشًا من أهل الشام عظيمًا في طلب قَطريّ، فأقبل سفيانُ حتى أتى الرَّيّ ثمّ أتبعهم،
стр. 4846
وكتب الحجّاج إلى إسحاقَ بن محمد بن الأشعث، وهو على جيش لأهل الكوفة بطَبرستان، أن اسمَع وأطِع لسُفيان، فأقبَلَ إلى سفيان فسار معه في طَلَب قطريّ حتى لحقوه في شِعْب من شِعاب طَبَرِستان، فقاتلوه، فتفرّق عنه أصحابُه، ووقع عن دابته في أسفل الشعب فَتَدَهْدَهَ حتى خرّ إلى أسفله، فقال معاوية بن مِحصن الكنديّ: رأيتُه حيث هَوَى ولم أعرفْه، ونظرت إلى خمس عشرَة امرأةً عربيّة هنّ في الجمال والبَزازة وحُسن الهيئة كما شاء ربُّك، ما عدا عجوزًا فيهنّ، فحملتُ عليهنّ فصرفتهنّ إلى سُفيانَ بن الأبرد.
فلما دنوتُ بهنّ منه انتحتْ لي بسيفها العجوزُ فتَضرِب به عنقي، فقطعَت المِغْفر؛ وقطَعَت جلدةً من حَلْقي، وأختلِج السيف فأضرب به وجهَها، فأصاب قِحفَ رأسِها، فوقعت ميّتةً، وأقبلتُ بالفتياتِ حتى دفعتهنّ إلى سُفيان وإنه ليضحك من العجوز، وقال: ما أردت إلى قتل هذه أخزاهَا الله - فقلت: أوَما رأيتَ أصلحك الله ضربَتها إيّاي! واللهِ إن كادت لتقتلني؛ قال: قد رأيتُ، فوالله ما ألومك على فعلك، أبعَدها الله، ويأتي قطريًّا حيث تَدهدَه من الشعب عِلجٌ من أهل البلد، فقال له قطريّ: اسْقِني من الماء - وقد كان اشتدّ عطشه - فقال: أعطني شيئًا حتى أسقيَك، فقال: وَيْحَك؛ والله ما معي إلا ما ترى من سلاحي، فأنا مُؤتِيكَه إذا أتيتني بماء، قال: لا، بل أعطِنيه الآن، قال: لا، ولكن ائتني بماء قبلُ، فانطلق العِلْج حتى أشرف على قَطَريّ، ثمّ حدر عليه حَجَرًا عظيمًا من فوقه دَهْدَاه عليه، فأصاب إحدى ورِكيه فأوْهته، وصاح بالناس، فأقبلوا نحوَه والعلْجُ حينئذ لا يعرف قَطرِيًّا، غيرَ أنه يظنّ أنه من أشرافهم لحسن هيئته، وكمال سلاحِه، فدفع إليه نفرٌ من أهل الكوفة فابتَدروه فقتلوه، منهم سَوْرة بن أبجر التميميّ، وجعفر بن عيد الرحمن بن مِخنَف، والصباح بن محمّد بن الأشعث، وباذام مولَى بني الأشعث، وعمر بن أبي الصَّلْت بن كنارا، مولَى بني نصر بن معاوية، وهو من الدَّهاقين، فكل هؤلاء ادّعَوا قتلَه، فدفع إليهم أو الجَهْم بن كنانة الكلبيّ - وكلهم يزعم أنه قاتله - فقال لهم: ادفعوه إليّ حتى تصطلحوا، فدفعوه إليه.
فأقبل به إلى إسحاق بن محمد - وهو على أهل الكوفة - ولم يأتِه جعفر لشيء كان بينه وبينه قبل ذلك - وكان لا يكلمه، وكان جعفر مع سُفيان بن الأبرد، ولم
стр. 4847
يكن معه إسحاق، وكان جعفر على ربع أهل المدينة بالريّ، فلما مرّ سفيان بأهل الرّيّ انتخب فرسانهم بأمر الحجاج، فسار بهم معه، فلما أتى القومُ بالرأس فاختصموا فيه إليه وهو في يديْ أبي الجَهْم بنِ كنانة الكلبيّ، قال له: امضِ به أنت، ودَعْ هؤلاء المختلفِين، فخرج برأس قَطَريّ حتى قدم به على الحجّاج، ثمّ أتى به عبد الملك بن مروان، فألحِق في ألفين، وأعطي فطما - يعني أنه يفرض للصِّغار في الدّيوان، وجاء جعفر إلى سُفْيان فقال له: أصلحك الله! إن قَطَريًّا كان أصاب والدي فلم يكن لي همّ غيره، فاجمع بيني وبين هؤلاء الذين ادّعَوا قتلَه، فسَلْهم، ألم أكن أمامهم حتى بدرتُهم فضربتُه ضربةً فصرعتُه، ثمّ جاؤوني بعد، فأقبلوا يضربونه بأسيافهم! فإن أقرّوا لي بهذا فقد صَدَقوا، وإن أبَوا فأنا أحلف بالله أني صاحبه، وإلا فليحلفوا بالله أنهم أصحابه الذين قتلوه، وأنهم لا يعرفون ما أقول، ولا حق لي فيه، قال: جئت الآن وقد سرّحنا بالرأس، فانصرَف عنه فقال له أصحابه: أما والله إنك لأخلق القوم أن تكون صاحبه.
ثمّ إنّ سُفيانَ بنَ الأبرد أقبل منصرفًا إلى عسكر عبيدة بن هلال، وقد تحصّن في قصر بقُومِسَ، فحاصره فقاتلَه أيامًا، ثمّ إنّ سُفيان بن الأبرد سار بنا إليهم حتى أحَطْنا بهم، ثمّ أمر منَاديَهُ فنادى فيهم: أيّما رجل قتل صاحبَه لمّ خرج إلينا فهو آمن؛ فقال عبيدة بن هلال:
لَعَمري لقد قام الأَصَمُّ بخطبةٍ ... لذي الشَّكّ منها في الصُّدُورِ غَليلُ
لَعَمري لئن أَعطيتُ سفيان بَيْعتي ... وفارقْتُ دِيني إِنَّني لجهولُ
إلى الله أَشكو ما ترى بِجيادِنا ... تساوَك هزلى مُخّهنَّ قليلُ
تعاوَرَها القُذَّافُ مِن كلّ جانبٍ ... بقُومِسَ حتى صَعْبهُنَّ ذَلولُ
فإِنْ يكُ أَفناها الحِصارُ فرُبّما ... تشَحَّطَ فيما بينهنَّ قتيلُ
وقد كنَّ ممّا إِن يُقَدْنَ على الوَجَى ... لهنَّ بأبوابِ القِبابِ صَهيلُ
فحاصرَهم حتى جهدوا وأكلوا دوابَّهم، ثمّ إنهم خرجوا إليه فقاتَلوه، فقتلهم وبعث برؤوسهم إلى الحجّاج، ثمّ دخل إلى دُنباوَنْد وطَبَرِسْتان، فكان هنالك حتى عزلَه الحجّاج قبل الجَماجم. (٦/ ٣٠٨ - ٣١١).
* * *
стр. 4848
ملحق صغير
* ورد اسم القعقاع بن عمرو في بداية الفتوحات في عهد الراشدين [قسمي الصحيح والضعيف تأريخ الخلافة الراشدة في مواضع عدة من (تأريخ الطبري)] وقصارى ما نستطيع قوله أن القعقاع كان قائدًا ميدانيًا من جيل التابعين ولقد ذكرت بعض الروايات (من طريق سيف بن عمرو التميمي) أنه صحابي - ورواية سيف وحدها (دون تأييد من غيره) لا تقوى لإثبات الصحبة والله أعلم.
* * *
стр. 4849
الضعيف والمسكوت عنه
تاريخ الطبري
الخلافة في عهد العباسيين
١٤٧ هـ - ١٩٣ هـ
للإمام أبي جعفر بن جرير الطبري
(٢٢٤ - ٣١٠ هـ)
حقَّقه وخرَّج رواياته وعلق عليه
محمد بن طاهر البرزنجي
بإشراف ومراجعة المحقق
محمد صبحي حسن حلاق
المجلد الحادي عشر
دار بن كثير
стр. 4850
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 4851
الضعيف والمسكوت عنه تاريخ الطبري
الخلافة في عهد العباسيين
стр. 4852
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الطبعة الأولى
١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م
جميع الحقوق محفوظة
يمنع طبع هذا الكتاب أو جزء منه بكل طرق الطبع والتصوير والنقل والترجمة والتسجيل المرئي والمسموع والحاسوبي وغيرها من الحقوق إلا بإذن خطي من دَار ابن كَثير
للطباعة والنشر والتوزيع
دمشق- بيروت
الرقم الدولي:
الموضوع: تاريخ
العنوان: صحيح وضعيف تاريخ الطبري ١/ ١٠
التأليف: الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري
نوع الورق: أبيض
ألوان الطباعة: لونان
عدد الصفحات: ٥٦١٦
القياس: ١٧×٢٤
نوع التجليد: فني- كعب لوحة
الوزن: ١٥ كغ
التنفيذ الطباعي: مطابع المستقبل
التجليد: مؤسسة فؤاد البعينو للتجليد
دار ابن كثير
دمشق- حلبونى- جادة ابن سينا- بناء الجابى
ص. ب: ٣١١ - هاتف: ٢٢٢٥٨٧٧ - ٢٢٢٨٤٥٠ - فاكس: ٢٢٤٣٥٠٢
بيروت- برج أبي حيدر- خلف دبوس الأصلي- بناء الحديقة
ص. ب: ٦٣١٨/ ١١٣ - تلفاكس: ٨١٧٨٥٧/ ٠١ - جوال: ٢٠٤٤٥٩/ ٠٣
www.ibn-katheer.com - info@ibn-katheer.com
стр. 4853
تتمة تأريخ الخلافة في عهد العباسيين
[١٤٧ هـ - ١٩٣ هـ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ثم دخلت سنة سبع وأربعين ومائة
وفي هذه السنة كان مهلك عبد الله بن عليّ بن عباس. واختلفوا في سبب هلاكه، فقال بعضهم ما ذكره عليّ بن محمد النَّوفليّ عن أبيه أنّ أبا جعفر حجّ سنة سبع وأربعين ومائة بعد تقدمته المهديّ على عيسى بن موسى بأشهر، وقد كان عزل عيسى بن موسى عن الكوفة وأرضها، وولّى مكانه محمد بن سليمان بن عليّ، وأوفده إلى مدينة السلام، فدعا به، فدفع إليه عبد الله بن عليّ سرًّا في جوف الليل. ثم قال له: يا عيسى؛ إن هذا أراد أن يزيل النعمة عني وعنك، وأنت وليّ عهدي بعد المهديّ، والخلافة صائرة إليك، فخذه إليك فاضرب عنقه، وإياك أن تخور أو تضعف، فتنقض عليّ أمري الذي دَبّرتُ (١).
ثم مضى لوجهه، وكتب إليه من طريقه ثلاثَ مرات يسأله: ما فعل في الأمر الذي أوعز إليه فيه؟ فكتب إليه: قد أنفذتُ ما أمرت به؛ فلم يشكّ أبو جعفر في أنه قد فعل ما أمره به، وأنه قد قتل عبد الله بن عليّ؛ وكان عيسى حين دفعه إليه ستره؛ ودعا كاتبه يونس بن فَزوَة، فقال له: إنّ هذا الرجل دفع إليّ عمَّه، وأمرني فيه بكذا وكذا. فقال له: أراد أن يقتلك ويقتله، أمرك بقتله سرًّا، ثم
стр. 4854
يدّعيه عليك علانية ثم يُقيدك به. قال: فما الرأي؟ قال: الرأي أن تستره في منزلك، فلا تطلِعْ على أمره أحدًا، فإن طلبه منك علانيةً دفعتَه إليه علانية، ولا تدفعه إليه سرًّا أبدًا؛ فإنه وإن كان أسرّه إليك؛ فإن أمره سيظهر. ففعل ذلك عيسى.
وقدم المنصور ودسّ إلى عُمومته مَنْ يحرّكهم على مسألته هبةَ عبد الله بن عليّ لهم، ويطمعهم في أنه سيفعل. فجاءوا إليه وكلموه ورقّقوه، وذكروا له الرّحِم، وأظهروا له رِقة، فقال: نعم، عليّ بعيسى بن موسى؛ فأتاه فقال له: يا عيسى؛ قد علمتَ أني دفعت إليك عمّي وعمك عبد الله بن عليّ قبل خروجي إلى الحجّ، وأمرتك أن يكون في منزلك، قال: قد فعلتُ ذلك يا أمير المؤمنين، قال: فقد كلمني عمومتك فيه، فرأيتُ الصّفح عنه وتخليةَ سبيله؛ فأتنا به. فقال: يا أميرَ المؤمنين، ألم تأمرني بقتله فقتلته! قال: ما أمرتُك بقتله، إنما أمرتك بحبسه في منزلك. قال: قد أمرتني بقتله، قال له المنصور: كذبت، ما أمرتك بقتله. ثم قال لعمومته: إنّ هذا قد أقرّ لكم بقتْل أخيكم، وادّعى أني أمرته بذلك، وقد كذَب، قالوا: فادفعه إلينا نقتله به، قال: شأنكم به، فأخرجوه إلى الرَّحَبَة، واجتمع الناس، وشُهر الأمر، فقام أحدهم فشهر سيفه، وتقدّم إلى عيسى ليضربَه، فقال له عيسى: أفاعل أنت؟ قال: إي والله، قال: لا تعجلوا، ردّوني إلى أمير المؤمنين، فردّوه إليه، فقال: إنما أردت بقتله أن تقتلني؛ هذا عمُّك حيٌّ سوِيٌّ، إن أمرتَني بدفعه إليك دفعتُه. قال: ائتنا به، فأتاه به، فقال له عيسى: دبَّرتَ عليّ أمرًا فخشيتُه؛ فكان كما خشيت؛ شأنَك وعمَّك. قال: يدخل حتى أرى رأي. ثم انصرفوا، ثم أمر به فجُعل في بيت أساسه مِلْح، وأجري في أساسه الماء، فسقط عليه فمات؛ فكان من أمره ما كان. وتوفِّيَ عبد الله بن عليّ في هذه السنة ودفن في مقابر باب الشام، فكان أول من دفن فيها.
وذُكر عن إبراهيم بن عيسى بن المنصور بن بُرَيْه أنه قال: كانت وفاة عبد الله بن عليّ في الحبس سنة سبع وأربعين ومائة، وهو ابن اثنتين وخمسين سنة (١).
стр. 4855
قال إبراهيم بن عيسى: لما توفّيَ عبد الله بن عليّ ركب المنصور يومًا ومعه عبد الله بن عيّاش، فقال له وهو يجاريه: أتعرف ثلاثة خلفاء، أسماؤهم على العين مبدؤها، قتلوا ثلاثة خوارجَ مبدأ أسمائهم العين؟ قال: لا أعرف إلا ما تقول العامّة؛ إنّ عليًّا قتل عثمان - وكذبوا - وعبد الملك بن مروان قتل عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، وعبد الله بن الزبير وعمرو بن سعيد وعبد الله بن عليّ سقط عليه البيت، فقال له المنصور: فسقط على عبد الله بن عليّ البيت، فأنا ما ذنبي؟ قال: ما قلت إنّ لك ذنبًا.
ذكر الخبر عن سبب خلعه إياه وكيف كان الأمر في ذلك
اختُلف في الذي وصل به أبو جعفر إلى خلعه، فقال بعضهم: السبب الذي وصل به أبو جعفر إلى ذلك هو أن أبا جعفر أقرّ عيسى بن موسى بعد وفاة أبي العباس على ما كان أبو العباس ولّاه من ولاية الكوفة وسوادِها، وكان له مكرمًا مجلًّا، وكان إذا دخل عليه أجلسه عن يمينه، وأجلس المهديّ عن يساره؛ فكان ذلك فعله به؛ حتى عزم المنصور على تقديم المهديّ في الخلافة عليه. وكان أبو العباس جعل الأمر من بعده لأبي جعفر، ثم من بعد أبي جعفر لعيسى بن موسى؛ فلما عزم المنصور على ذلك كلّم عيسى بن موسى في تقديم ابنه عليه برفيق من الكلام، فقال عيسى: يا أمير المؤمنين؛ فكيف بالأيمان والمواثيق التي عليّ وعلى المسلمين لي من العتق والطلاق وغير ذلك من مؤكد الأيمان! ليس إلى ذلك سبيل يا أمير المؤمنين. فلما رأى أبو جعفر امتناعَه، تغيّر لونُه وباعده بعض المباعدة، وأمر بالإذن للمهديّ قبله؛ فكان يدخل فيجلس عن يمين المنصور أيضًا، في مجلس عيسى، ثم يؤذَن لعيسى فيدخل فيجلس دون مجلس المهدي عن يمين المنصور ولا يجلس عن يساره في المجلس الذي كان يجلس فيه المهديّ، فيغتاظ من ذلك المنصور، ويبلغ منه، فيأمر بالإذن للمهديّ ثم يأمر بعده بالإذن لعيسى بن عليّ، فيلبث هنيهة، ثم عبد الصمد بن عليّ، ثم يلبث هنيهة، ثم عيسى بن موسى. فإذا كان بعد ذلك قدّم في الإذن للمهديّ على كل
стр. 4856
حال، ثم يخلط في الآخرين، فيقدِّم بعض مَنْ أخّر ويؤخر بعض مَنْ قَدّم ويُوهم عيسى بن موسى أنه إنما يبدأ بهم لحاجة تعرض ولمذاكرتهم بالشيء من أمره؛ ثم يؤذن لعيسى بن موسى من بعدهم، وهو في ذلك كله صامت لا يشكو منه شيئًا، ولا يستعتب. ثم صار إلى أغلظ من ذلك؛ فكان يكون في المجلس معه بعض ولده، فيسمع الحفْر في أصل الحائط فيخاف أن يخرّ عليه الحائط، وينتثر عليه التراب، وينظر إلى الخشبة من سقف المجلس قد حُفر عن أحد طرفيها لتقلع فيسقط التراب على قلنسوته وثيابه، فيأمر مَنْ معه من ولده بالتحويل. ويقوم هو فيصلِّي، ثم يأتيه الإذن فيقوم فيدخل بهيئته والتراب عليه لا ينفضه؛ فإذا رآه المنصور قال له: يا عيسى، ما يدخل عليّ أحد بمثل هيئتك من كثرة الغبار عليك والتراب! أفكلّ هذا من الشارع؟ فيقول: أحسب ذلك يا أمير المؤمنين؛ وإنما يكلمه المنصور بذلك ليستطمعه أن يشكوَ إليه شيئًا فلا يشكو؛ وكان المنصور قد أرسل إليه في الأمر الذي أراد منه عيسى بن عليّ، فكان عيسى بن موسى لا يحمَد منه مدخلَه فيه، كأنه كان يغرِي به. فقيل: إنه دسّ لعيسى بن موسى بعض ما يتلفه؛ فنهض من المجلس، فقال له المنصور: إلى أين يا أبا موسى؟ قال: أجد غمزًا يا أمير المؤمنين، قال: ففي الدار إذًا! قال: الذي أجده أشدّ مما أقيم معه في الدار، قال: فإلى أين؟ قال: إلى المنزل، ونهض فصار إلى حَرَّاقته، ونهض المنصور في أثره إلى الحرّاقة متفزّعًا له، فاستأذنه عيسى في المسير إلى الكوفة، فقال: بل تقيم فتعالج ها هنا، فأبى وألحّ عليه، فأذن له. وكان الذي جرّأه على ذلك طبيبه بختيشوع أبو جبرئيل، قال: إني والله ما أجترئ على معالجتك بالحضرة، وما آمن على نفسي. فأذن له المنصور، وقال له: أنا على الحجّ في سنتي هذه، فأنا مقيم عليك بالكوفة حتى تفيق إن شاء الله.
وتقارب وقتُ الحجّ، فشخص المنصور حتى صار بظهر الكوفة في موضع يدعَى الرّصافة، فأقام بها أيامًا، فأجرى هناك الخيل، وعاد عيسى غير مرّة، ثم رجع إلى مدينة السلام ولم يحجّ، واعتلَّ بقلة الماء في الطريق. وبلغت العلّة من عيسى بن موسى كلَّ مبلغ؛ حت تمعّط شعرُه، ثم أفاق من علّته تلك، فقال فيه يحيى بن زياد بن أبي حزابة البُرْجُميّ أبو زياد:
أَفلَتَ من شَرْبَة الطبيب كما ... أَفلَت ظَبْيُ الصَّريم من قُتَرِهْ
стр. 4857
من قانصٍ يُنْفِذُ الفَرِيصَ إِذا ... ركَّبَ سَهْمَ الحُتُوف في وتَرِهْ
دافَعَ عنك المَليك صَوْلَةَ لَيـ ... ـثٍ يُريدُ الأَسْدَ في ذرَى خَمَرهْ
حتى أَتانا وفيه داخِلةٌ ... تُعرفُ في سمعِهِ وفي بَصَرِهْ
أَزْعَر قد طار عن مفارِقِه ... وحْفُ أَثِيثِ النَّباتِ من شَعَرهْ
وذُكر أنّ عيسى بن عليّ كان يقول للمنصور: إنّ عيسى بن موسى إنما يمتنع من البيعة للمهديّ لأنه يربّص هذا الأمر لابنه موسى، فموسى الذي يمنعه. فقال المنصور لعيسى بن عليّ: كلم موسى بن عيسى وخوّفه على أبيه وعلى ابنه؛ فكلّم عيسى بن عليّ موسى في ذلك، فأيأسه، فتهدده وحذّره غضب المنصور. فلما وجل موسى وأشفق وخاف أن يقع به المكروه، أتى العباس بن محمد، فقال: أيْ عم، إني مكلمك بكلام، لا والله ما سمعه مني أحدٌ قطّ، ولا يسمعه أحد أبدًا؛ وإنما أخرجه مني إليك موضعُ الثقة بك والطمأنينة إليك؛ وهو أمانة عندك؛ فإنما هي نفسي أنثلها في يدك. قال: قل يا بنَ أخي، فلك عندي ما تحبّه، قال: أرى ما يُسام أبي من إخراج هذا الأمر منِ عنقه وتصييره للمهديّ؛ فهو يؤذَى بصنوف الأذى والمكروه، فيُتهدّد مرة ويؤخّر إذنه مرّة، وتُهدّم عليه الحيطان مرّة، وتدسّ إليه الحتوف مرّة، فأبي لا يعطي على هذا شيئًا؛ لا يكون ذلك أبدًا، ولكنّ ها هنا وجهًا، فلعله يعطي عليه إن أعطى وإلّا فلا، قال: فما هو يا بن أخي؟ فإنك قد أصبت ووفّقت، قال: يقبل عليه أمير المؤمنين وأنا شاهد فيقول له: يا عيسى، إني أعلم أنك لستَ تضنّ بهذا الأمر على المهديّ لنفسك؛ لتعالي سنّك وقرب أجلِك؛ فإنك تعلم أنه لا مدّة لك تطول فيه؛ وإنما تضنّ به لمكان ابنك موسى؛ أفتراني أدَعُ ابنَك يبقى بعدك ويبقى ابني معه فيلي عليه! كلّا والله لا يكون ذلك أبدًا؛ ولأثبنّ على ابنك وأنت تنظر حتى تيأس منه، وآمن أن يلِيَ على ابني، أترى ابنك آثر عندي من ابني! ثم يأمر بي؛ فإما خنِقت وإما شُهر علي سيف، فإن أجاب إلى شيء فعسى أن يفعل بهذا السبب؛ فأما بغيره فلا. فقال العباس: جزَاك الله يا بن أخي خيرًا، فقد فديت أباك بنفسك، وآثرت بقاءه على حظك، نعم الرأي رأيت، ونعم المسلك سلكت!
ثم أتى جعفر فأخبره الخبر، فجزَى المنصور موسى خيرًا، وقال: قد أحسن وأجمل، وسأفعل ما أشار به إن شاء الله، فلما اجتمعوا وعيسى بن عليّ حاضر،
стр. 4858
أقبل المنصور على عيسى بن موسى، فقال: يا عيسى؛ إني لا أجهل مذهبك الذي تضمره، ولا مداك الذي تجرِي إليه في الأمر الذي سألتك؛ إنما تريد هذا الأمر لابنك هذا المشؤوم عليك وعلى نفسه؛ فقال عيسى بن عليّ: يا أميرَ المؤمنين، غمزني البوْل، قال: فندعو لك بإناء تبول فيه، قال: أفي مجلسك يا أمير المؤمنين! ذاك ما لا يكون، ولكن أقرب البلاليع مني أدَلّ عليها فآتيها. فأمر من يدلّه، فانطلق، فقال عيسى بن موسى لابنه موسى: قمْ مع عمك، فاجمع عليه ثيابه من ورائه، وأعطه منديلًا إن كان معك ينشّف به، فلما جلس عيسى يبولُ جمع موسى عليه ثيابَه من ورائه وهو لا يراه، فقال: مَنْ هذا؟ فقال: موسى بن عيسى، فقال: بأبي أنت وبأبي أبٌ ولدك! والله إني لأعلم أنه لا خير في هذا الأمر بعدكما، وإنكما لأحقّ به؛ ولكن المرء مغرً ى بما تعجّل، فقال موسى في نفسه: أمكنني والله هذا من مقاتله، وهو الذي يغري بأبي، والله لأقتلنّه بما قال لي، ثم لا أبالي أن يقتلني أمير المؤمنين بعده، بل يكون في قتله عزاء لأبي وسلوّ عني إن قتلت. فلما رجعا إلى موضعهما قال موسى: يا أميرَ المؤمنين، أذكر لأبي أمرًا؟ فسرّه ذلك، وظنّ أنه يريد أن يذاكره بعض أمرهم، فقال: قم، فقام إليه، فقال: يا أبتِ؛ إن عيسى بن عليّ قد قتلك وإيايّ قتلات بما يُبلغ عنا، وقد أمكنني من مقاتله، قال: وكيف؟ قال: قال لي كيت وكيت، فأخبرُ أمير المؤمنين فيقتله؛ فتكون قد شفيت نفسك وقتلته قبل أن يقتلك وإياي ثم لا نبالي ما كان بعدُ. فقال: أفٍّ لهذا رأيًا ومذهبًا! ائتمنك عمُّك على مقالة أراد أن يسرَّك بها، فجعلتها سببًا لمكروهه وتلفِه! لا يسمعنّ هذا منك أحد، وعُدْ إلى مجلسك. فقام فعاد، وانتظر أبو جعفر أن يرى لقيامه إلى أبيه وكلامه أثرًا فلم يره، فعاد إلى وعيد الأوّل وتهدده، فقال: أما والله لأعجلنّ لك فيه ما يسوءُك ويُوئسك من بقائه بعدك، أيا ربيع، قم إلى موسى فاخنقه بحمائله، فقام الرّبيع فضمّ حمائله عليه، فجعل يخنقه بها خنْقًا رُويدًا، وموسى يصيح: اللهَ اللهَ يا أمير المؤمنين فيّ وفي دمي! فإني لبعيد مما تظنّ بي، وما يبالي عيسى أن تقتلني وله بضعة عشر نفرًا ذكرًا - كلهم عنده مثلي - أو يتقدمني؛ وهو يقول: اشدُد يا ربيع، ائت على نفسه، والرّبيع يوهم أنه يريد تلفَه، وهو يراخِي خناقه، وموسى يصيح، فلما رأى ذاك عيسى قال: والله يا أمير المؤمنين ما ظننتُ أنّ الأمر يبلغ منك هذا كله فمر بالكفّ عنه؛ فإني لم أكن لأرجع إلى أهلي؛ وقد قتل بسبب هذا
стр. 4859
الأمر عبدٌ من عبيدي، فكيف بابني! فها أنا أشهدك أنّ نسائي طوالق ومماليكي أحرار، وما أملك في سبيل الله، تصرف ذلك فيمن رأيت يا أمير المؤمنين؛ وهذه يدي بالبيعة للمهديّ. فأخذ بيعته له على ما أحبّ ثم قال: يا أبا موسى؛ إنك قد قضيتَ حاجتي هذه كارهًا، ولي حاجة أحبّ أن تقضيها طائعًا فتغسل بها ما في نفسي من الحاجة الأولى، قال: وما هي يا أمير المؤمنين؟ قال: تجعل هذا الأمر من بعد المهديّ لك، قال: ما كنتُ لأدخل فيها بعد إذ خرجت منها. فلم يدَعْه هو ومَنْ حضره من أهل بيته حتى قال: يا أميرَ المؤمنين؛ أنت أعلم. فقال بعض أهل الكوفة - ومرّ عليه عيسى في موكبه: هذا الذي كان غدًا، فصار بعد غدٍ.
وهذه القصة - فيما قيل - منسوبة إلى آل عيسى أنهم يقولونها (١).
وأما الذي يحكى عن غيرهم في ذلك؛ فهو أنّ المنصور أراد البَيْعة للمهديّ، فكلّم الجُنْد في ذلك؛ فكانوا إذا رأوْا عيسى راكبًا أسمعوه ما كرِه، فشكا ذلك إلى المنصور، فقال للجند: لا تؤذوا ابن أخي؛ فإنه جِلْدة بين عينيّ، ولو كنتُ تقدّمت إليكم لضربت أعناقكم؛ فكانوا يكفّون ثم يعودون؛ فمكث بذلك زمانًا، ثم كتب إلى عيسى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. من عبد الله عبد الله المنصور أمير المؤمنين إلى عيسى بن موسى. سلالم عليك، فإنّي أحمدُ إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد؛ فالحمد لله ذي المنّ القديم، والفضل العظيم، والبلاء الحَسن الجميل، الذي ابتدأ الخلق بعلْمه، وأنفذ القضاء بأمره؛ فلا يبلغ مخلوقٌ كنهَ حقّه، ولا ينال في عظمته كُنْهَ ذكره، يدبِّر ما أراد من الأمور بقدْرته، ويصدرها عن مشيئته؛ لا قاضي فيها غيره، ولا نفاذ لها إلا به، يجريها على أذلالها؛ لا يستأمر فيها وزيرًا، ولا يشاور فيها معينًا، ولا يلتبس عليه شيء أراده، يمضي قضاؤه فيما أحبّ العباد وكرهوا؛ لا يستطيعون منه امتناعًا، ولا عن أنفسهم دفاعًا، ربّ الأرض ومَنْ عليها، له الخلق والأمر تبارك الله ربّ العالمين.
стр. 4860
ثم إنك قد علمتَ الحال التي كنا عليها في ولاية الظلَمة، كيف كانت قوّتنا وحيلتُنا، لما اجترأ عليه أهل بيت اللعنة فيما أحببنا وكرهنا، فصبرنا أنفسنا على ما دعونا إليه من تسليم الأمور إلى من أسندوها إليه، واجتمع رأيُهم عليه، نُسام الخسف، ونوطأ بالعسْف، لا ندفعُ ظلمًا، ولا نمنع ضيمًا، ولا نعطي حقًّا، ولا ننكر منكرًا، ولا نستطيع لها ولا لأنفسنا نفعًا، حتى إذا بلغ الكتابُ أجلَه، وانتهى الأمر إلى مدّته، وأذن الله في هلاك عدوه، وارتاح بالرّحمة لأهل بيت نبيه ﷺ ؛ فابتعث الله لهم أنصارًا يطلبون بثأرهم، ويجاهدون عَدُوّهم، ويدعون إلى حبّهم، وينصرون دولَتهم، من أرضين متفرّقة، وأسباب مختلفة، وأهواء مؤتلفة، فجمعهم الله على طاعتنا، وألّف بين قلوبهم بمودّتنا على نصرتنا، وأعزّهم بنصرنا، لم نلق منهم رجلًا، ولم نشهر معهم إلا ما قذف الله في قلوبهم؛ حتى ابتعثهم لنا من بلادهم، ببصائر نافذة، وطاعة خالصة، يلقوْن الظّفَر، ويعودون بالنصر، ويمصَرون بالرّعب، لا يلقون أحدًا إلا هَزَمُوه، ولا واترًا إلا قتلوه؛ حتى بلغ الله بنا بذلك أقصى مدانا وغاية منانا ومنتهى آمالنا وإظهار حقنا، وإهلاك عدوّنا؛ كرامةً من الله جلّ وعزّ لنا، وفضلًا منه علينا، بغير حوْل منا ولا قوّة، ثم لم نَزلْ من ذلك في نعمة الله وفضله علينا، حتى نشأ هذا الغلام، فقذف الله له في قلوب أنصار الدّين الذين ابتعثهم لنا مثل ابتدائه لنا أوّل أمرنا، وأشرب قلوبهم مودّتَه، وقسم في صدورهم محبّته، فصاروا لا يذكرون إلّا فضله، ولا ينوّهون إلا باسمه، ولا يعرفون إلّا حقه، فلمّا رأى أمير المؤمنين ما قذف الله في قلوبهم من مودته، وأجرى على ألسنتهم من ذكره، ومعرفتهم إياه بعلاماته واسمه، ودعاء العامة إلى طاعته، أيقنتْ نفس أمير المؤمنين أنّ ذلك أمر تولّاه الله وصنَعه؛ لم يكن للعباد فيه أمر ولا قدرة، ولا مؤامرة ولا مذاكرة؛ للّذي رأى أمير المؤمنين مِن اجتماع الكلمة، وتتابع العامّة؛ حتى ظن أمير المؤجمنين أنه لولا معرفة المهديّ بحق الأبوّة، لأفضت الأمور إليه. وكان أمير المؤمنين لا يمنع مما اجتمعت عليه العامّة، ولا يجد مناصًا عن خلاص ما دعوا إليه، وكان أشدّ الناس على أمير المؤمنين في ذلك الأقرب فالأقرب من خاصّته وثقاته من حرسه وشرطه؛ فلم يجد أمير المؤمنين بدًّا من استصلاحهم ومتابعتهم؛ وكان أمير المؤمنين وأهل بيته أحقّ مَنْ سارع إلى ذلك
стр. 4861
وحرصَ عليه، ورغب فيه وعرَف فضله، ورجَا بركتَه، وصدق الرّواية فيه، وحمد الله إذ جعل في ذريّته مثل ما سألت الأنبياء قبله؛ إذ قال العبد الصالح: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ (١) فوهب الله لأمير المؤمنين وليًّا، ثم جعله تقيًّا مباركًا مهديًّا، وللنبيّ ﷺ سميًّا، وسلب مَن انتحل هذا الاسم، ودعا إلى تلك الشبهة التي تحيّر فيها أهلُ تلك النية، وافتتن بها أهلُ تلك الشقوة، فانتزع ذلك منهم، وجعل دائرة السوْء عليهم، وأقرّ الحق قراره، وأعلن للمهديّ مناره، وللدين أنصارَه، فأحبّ أمير المؤمنين أن يعلمك الذي اجتمع عليه رأي رعيّتِه؛ وكنتَ في نفسه بمنزلة ولدِه، يحبّ مَنْ سترك ورشدك وزيّنَك ما يحبّ لنفسه وولده، ويرى لك إذا بلغك مِنْ حال ابن عمّك ما تَرى من اجتماع الناس عليه أن يكون ابتداءُ ذلك من قِبَلك، ليعلم أنصارنا من أهل خُراسان وغيرهم أنك أسرع إلى ما أحبّوا ممّا عليه رأيُهم في صلاحهم منهم إلى ذلك من أنفسهم، وإنّ ما كان عليه من فضل عرفوه للمهديّ، أو أملوه فيه، كنتَ أحظَى الناس بذلك، وأسرَّهم به لمكانه وقرابَته؛ فاقبل نُصح أمير المؤمنين لك، تصلُح وترشد. والسلام عليك ورحمة الله.
فكتب إليه عيسى بن موسى جوابها:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. لعبد الله عبد الله أمير المؤمنين من عيسى بن موسى. سلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله؛ فإنِّي أحَمد إليك الله الذي لا إله إلا هو؛ أما بعد فقد بلغني كتابُك تذكر فيه ما أجمعتَ عليه من خلاف الحقّ وركوب الإثم في قطيعة الرّحِم، ونقض ما أخذ الله عليه من الميثاق من العامة بالوفاء للخلافة والعهد لي من بعدك، لتقطع بذلك ما وصل الله من حَبْله، وتفرّق بين ما ألّف الله جمعَه، وتجمع بين ما فرّق الله أمره، مكابرةً لله في سمائه، وحوْلًا على الله في قضائه، ومتابعة للشيطان في هواه؛ ومَنْ كابر الله صَرعه، ومن نازعه قمعه، ومن ماكَرَه عن شيء خدعه، ومَنْ توكل على الله منعه، ومَنْ تواضع لله رفعه. إنّ الذي أسِّس عليه البناء، وخُطّ عليه الحِذاء من الخليفة الماضي عهدٌ لي من الله، وأمرٌ نحن فيه سواء؛ ليس لأحد من المسلمين
стр. 4862
فيه رُخصة دون أحدٍ؛ فإن وجب وفاء فيه فما الأول بأحق به من الآخر، وإن حلَّ من الآخر شيء فما حرِّم ذلك من الأوّل؛ بل الأوّل الذي تلا خبره وعرف أثره، وكشف عما ظن به وأمَّل فيه أسرع؛ وكان الحقّ أولَى بالذي أراد أن يصنع أوّلًا، فلا يدعوك إلى الأمْن من البلاء اغترارٌ بالله، وترخيص للناس في ترك الوفاء؛ فإن مَنْ أجابك إلى ترك شيء وجب لي واستحلّ ذلك مني، لم يحْرج إذا أمكنته الفرصة وأفتنتْه الرّخصة أن يكون إلى مثل ذاك منك أسرع، ويكون بالذي أسَّست من ذلك أبخع. فاقبل العاقبة وارض من الله بما صنع، وخذ ما أوتيتَ بقوّة، وكن من الشاكرين. فإن الله جلّ وعزّ زائدٌ مَنْ شكره، وعْدًا منه حقًّا لا خُلفَ فيه؛ فمن راقب الله حفظَه، ومن أضمر خِلافه خَذله، والله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. ولسنا مع ذلك نأمن مِنْ حوادث الأمور وبَغتَات الموت قبل ما ابتدأت به من قطيعتي؛ فإن تعجّل بي أمر كنت قد كُفيت مؤونة ما اغتممت له، وسترتَ قُبْح ما أردتَ إظهاره؛ وإن بقيتُ بعدك لم تكن أوغرت صدري، وقطعت رحمِي؛ ولا أظهرت أعدائي في اتّباع أثرِك، وقبول أدبك، وعملٍ بمثالك.
وذكرتَ أن الأمور كلها بيد الله؛ هو مدبّرها ومقدّرها ومصدّرها عن مشيئته؛ فقد صدقْتَ؛ إن الأمور بيد الله، وقد حقّ على من عَرَف ذلك ووصفه العملُ به والانتهاءُ إليه. واعلم أنّا لسنا جررنا إلى أنفسنا نفعًا، ولا دفعنا عنها ضرًّا، ولا نلنا الذي عرفتَه بحولنا ولا قوّتنا؛ ولو وُكِلْنا في ذلك إلى أنفسنا وأهوائنا لضعُفت قوّتنا، وعجزت قدرتنا في طلب ما بلغ الله بنا؛ ولكن الله إذا أراد عزمًا لإنفاذ أمره، وإنجاز وعده، وإتمام عهده، وتأكيد عَقْده؛ أحكم إبرامَه، وأبرم إحكامه، ونوّر إعلانه، وثبَّت أركانه؛ حين أسس بُنيانه؛ فلا يستطيع العباد تأخيرَ ما عجَّل، ولا تعجيل ما أخَّر؛ غير أن الشيطان عدوٌّ مُضلٌّ مُبين؛ قد حذَّر الله طاعتَه، وبيّن عداوته، ينزع بين ولاة الحقّ وأهل طاعته، ليفرّق جمعهم، ويشتِّت شملهم، ويوقع العداوة والبغضاء بينهم، ويتبرّأ منهم عند حقائق الأمور، ومضايق البلايا؛ وقد قال الله في كتابه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (١). ووصف الذين اتقوا فقال: ﴿إِذَا مَسَّهُمْ
стр. 4863
طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ (١) فأعيذ أمير المؤمنين بالله من أن يكون نيّته وضمير سريرته خلاف ما زيّن الله به جلّ وعزّ مَنْ كان قبله؛ فإنه قد سألتْهم أبناؤهم، ونازعتهم أهواؤهم، إلى مثل الذي همَّ به أمير المؤمنين؛ فآثروا الحقَّ على ما سواه، وعرفوا أن الله لا غالب لقضائه، ولا مانع لعطائه، ولم يأمنوا مع ذلك تغيير النِّعم وتعجيلَ النّقم، فآثروا الآجلة، وقبلوا العاقبة، وكرهوا التغيير، وخافوا التبديل، فأظهروا الجميل؛ فتمَّم الله لهم أمورَهم، وكفاهم ما أهمَّهم، ومنع سلطانهم، وأعزّ أنصارهم، وكرّم أعوانهم، وشرَّف بنيانهم؛ فتمّت النعم، وتظاهرت المنن، فاستوجبوا الشكر، فتمّ أمر الله وهم كارهون. والسلام على أمير المؤمنين ورحمة الله.
فلما بلغ أبا جعفر المنصور كتابُه أمك عنه، وغضب غضبًا شديدًا، وعاد الجند لأشدّ ما كانوا يصنعون؛ منهم أسد بن المرزبان وعُقْبة بن سلْم ونصر بن حرب بن عبد الله؛ في جماعة؛ فكانوا يأتون باب عيسى، فيمنعون مَنْ يدخل إليه؛ فإذا ركب مشوْا خلْفه وقالوا: أنت البقرة التي قال الله ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٢)، فعاد فشكاهم، فقال له المنصور: يا بن أخي، أنا والله أخافهم عليك وعلى نفسي؛ قد أشرِبوا حبَّ هذا الفتى؛ فلو قدّمتَه بين يديك فيكون بيني وبينك لكفُّوا. فأجاب عيسى إلى أن يفعل.
وذُكر عن إسحاق الموصلّي، عن الربيع، أن المنصور لما رجع إليه من عند عيسى جواب كتابه الذي ذكرنا، وقّع في كتابه: "اسْلُ عنها تنلْ منها عِوَضًا في الدنيا، وتأمن تبعتَها في الآخرة".
وقد ذكر في وجه خلع المنصور عيسى بن موسى قولٌ غير هذين القولين؛ وذلك ما ذكره أبو محمد المعروف بالأسواريّ بن عيسى الكاتب، قال: أراد أبو جعفر أن يخلع عيسى بن موسى مِنْ ولاية العهد، ويقدّم المهديّ عليه، فأبى أن يِجيبَه إلى ذلك، وأعيا الأمرُ أبا جعفر فيه؛ فبعث إلى خالد بن بَرْمك، فقال له: كلِّمه يا خالد؛ فقد ترى امتناعه من البيعة للمهديّ؛ وما قد تقدّمنا به في أمره؛
стр. 4864
فهل عندك حيلة فيه، فقد أعيتنا وجوه الحيَل، وضلّ عنا الرأيُ! فقال: نعم يا أمير المؤمنين؛ تضم إليّ ثلاثين رجلًا من كبار الشِّيعة، ممن تختاره. قال: فركب خالد بن برمك، وركبوا معه، فساروا إلى عيسى بن موسى، فأبلغوه رسالة أبي جعفر المنصور، فقال: ما كنتُ لأخلِع نفسي وقد جعل الله الأمر لي؛ فأداره خالد بكلّ وجه من وجوه الحذر والطمع، فأبى عليه؛ فخرج خالد عنه وخرجت الشِّيعة بعده، فقال لهم خالد: ما عندكم في أمره؟ قالوا: نبلِّغ أمير المؤمنين رسالته ونخبره بما كان منَّا ومنه؛ قال: لا، ولكنا نخبر أمير المؤمنين أنه قد أجاب، ونشهد عليه إن أنكره، قالوا له: افعل، فإنا نفعل، فقال لهم: هذا هو الصّواب. وأبلِغُ أميرَ المؤمنين فيما حاول وأراد.
قال: فساروا إلى أبي جعفر وخالد معهم، فأعلموه أنه قد أجاب، فأخرج التوقيع بالبيعة للمهديّ، وكتب بذلك إلى الآفاق؛ قال: وأتى عيسى بن موسى لما بلغه الخبرُ أبا جعفر منكرًا لِما ادُّعِيَ عليه من الإجابة إلى تقديم المهديّ على نفسه، وذكَّره الله فيما قد همّ به. فدعاهم أبو جعفر، فسألهم فقالوا: نشهد عليه أنه قد أجاب؛ وليس له أن يرجع؛ فأمضى أبو جعفر الأمرَ، وشكر لخالد ما كان منه؛ وكان المهديّ يعرف ذلك له، ويصف جزالة الرأي منه فيه.
وذُكر عن عليّ بن محمد بن سليمان، قال: حدّثني أبي، عن عبد الله بن أبي سليم مولَى عبد الله بن الحارث بن نوفل، قال: إني لأسير مع سليمان بن عبدالله بن الحارث بن نوفل وقد عزم أبو جعفر على أن يقدّم المهديّ على عيسى بن موسى في البيعة، فإذا نحن بأبي نُخَيلة الشاعر، ومعه ابناه وعبداه؛ وكلّ واحد منهما يحمل شيئًا من متاع، فوقف عليهم سليمان بن عبد الله، فقال: أبا نُخَيلة، ما هذا الذي أرى؟ وما هذه الحال التي أنت فيها؟ قال: كنتُ نازلًا على القعقاع - وهو رجل من آل زرارة، وكان يتولى لعيسى بن موسى الشُّرْطة - فقال لي: اخرج عنِّي؛ فإن هذا الرجل قد اصطنعني؛ وقد بلغني أنك قلت شعرًا في هذه البَيْعة للمهديّ، فأخاف إن يبلغه ذلك أن يُلزمني لائمة لنزولك عليّ، فأزعجني حتى خرجتُ. قال: فقال لي: يا عبد الله؛ انطلق بأبي نُخيلة فبوّئه في منزلي موضعًا صالحًا، واستوصِ به وبمَنْ معه خيرًا. ثمّ خبّر سليمان بن عبد الله أبا جعفر بشعر أبي نُخيلة الذي يقول فيه:
стр. 4865
عيسى فَزَحْلَفَها إلى محمدِ ... حتى تُؤَدَّى من يد إلى يَدِ
فيكم وتَغْنَى وهي في تزيُّدِ ... فقد رَضِينا بالغلام الأَمرَدِ
قال: فلما كان في اليوم الذي بايع فيه أبو جعفر لابنه المهديّ وقدّمه على عيسى، ودعا بأبي نُخيلة، فأمره فأنشد الشِّعر؛ فكلمه سليمان بن عبد الله، وأشار عليه في كلامه أن يُجزل له العطية، وقال: إنه شيء يبقى لك في الكتب، ويتحدّث الناس به على الدّهر، ويخلُد على الأيام، ولم يزل به حتى أمر له بعشرة آلاف درهم.
وذكر عن حيّان بن عبد الله بن حِبْران الحِمَانيّ، قال: حدثني أبو نُخيلة، قال: قدمتُ على أبي جعفر، فأقمت ببابه شهرًا لا أصلُ إليه، حتى قال لي ذات يوم عبد الله بن الربيع الحارثيّ: يا أبا نُخيلة، إنّ أمير المؤمنين يرشِّح ابنه للخلافة والعَهد، وهو على تقدِمَته بين يدي عيسى بن موسى، فلو قلتَ شيئًا تحثُّه على ذلك، وتذكُر فضلَ المهديّ، كنت بالحَري أن تصيب منه خيرًا ومن ابنه، فقلتُ:
دُونكَ عبدَ الله أهلَ ذاكا ... خلافةَ الله الَّتي أَعطاكا
أَصفَاك أَصفَاك بها أَصْفَاكا ... فقد نَظَرنا زَمنًا أَباكا
ثمّ نظرناكَ لها إيَّاكَا ... ونَحْنُ فيهمْ والهَوى هَوَاكَا
نعم، فَنَسْتذْرِي إلى ذَرَاكا ... أَسندْ إِلى محمّدٍ عَصاكا
فابنُك ما اسْتَرْعَيْتَه كَفَاكا ... فأَحفَظُ النَّاسِ لها أَدْنَاكَا
فقد جَفَلتُ الرجْلَ والأَوْرَاكا ... وحِكْتُ حتى لم أَجِدْ مَحاكا
ودُرْتُ في هذا وذا وذاكا ... وكلُّ قولٍ قلتُ في سواكا
* زُورٌ وقد كفَّر هذا ذاكا *
وقلتُ أيضًا كلمتي التي أقول فيها:
إلى أَمير المؤمنينَ فاعْمِدِي ... سِيري إلى بحرِ البحور المُزْبِدِ
أَنت الذي يابن سَمِيِّ أحمدِ ... ويا بنَ بيتِ العربِ المُشَيَّدِ
بل يا أَمِينَ الواحد المؤَبَّدِ ... إن الذي ولّاك ربُّ المسجد
أَمسَى وليُّ عهدِها بالأَسعَدِ ... عيسنى فَزَحْلَفَهَا إِلى محمد
من قبلِ عيسى مَعْهَدًا عن معهدِ ... حتى تؤَدّى من يدٍ إلى يدِ
стр. 4866
فيكم وتغنَى وهي في تَزَيّدِ ... فقد رضينَا بالغلامِ الأَمردِ
بل قد فرغنا غيرَ أَن لم نَشْهَدِ ... وغير أَنَّ العقدَ لم يُؤَكَّدِ
فلو سمِعنا قَوْلَكَ امْدُدِ امددِ ... كانت لنا كَدَعْقَةِ الوردِ الصَّدِي
فبادر الْبَيْعةَ ورْدَ الحُشَّدِ ... تَبينُ من يومك هذا أَو غَدِ
فهو الذي تمَّ فما من عُنَّدِ ... وزاد ما شئتَ فَزِدْهُ يَزْددِ
ورَدِّهِ منك رِداءً يَرْتَدِ ... فهو رداءُ السابِقِ المُقلَّدِ
قد كان يُرْوَى أَنها كَأَنْ قدِ ... عادت ولو قد فَعَلَتْ لم تَرْدُدِ
فَهْيَ تَرَامَى فَدْفَدًا عن فَدْفدِ ... حينًا، فلو قد حان وردُ الوُرَّدِ
وحان تحويلُ الغَوِيّ المُفْسِدِ ... قال لها اللهُ هَلُمِّي وارشُدي
فأَصْبَحَتْ نازلةً بالمعهدِ ... والمحْتِدِ المحتدِ خيْرِ المحتد
لم يرْمِ تَذْمارَ النفوس الحُسَّدِ ... بمثل قَرمٍ ثابتٍ مُؤَيّد
لما انْتَحَوْا قَدْحًا بِزَنْدٍ مُصْلِدِ ... بُلُوا بِمَشْزُورِ القُوى المُسْتحصِد
يَزْدَادُ إِيقَاظًا على التَّهَدُّدِ ... فَدَاوِلوا باللينِ والتَّعَبُّدِ
* صَمْصَامَةً تأْكلُ كلَّ مِبْرَدِ *
قال: فرويت وصارت في أفواه الخدم، وبلغتْ أبا جعفر، فسأل عن قائلها، فأخبِرَ أنها لرجل من بني سَعْد بن زيد مناة، فأعجبه، فدعاني فأدخِلت عليه؛ وإن عيسى بن موسى لعَنْ يمينه، والناس عنده، ورؤوس القوّاد والجند، فلما كنتُ بحيث يراني، ناديت: يا أمير المؤمنين، أذنني منك حتى أفهِمك وتسمع مقالتي فأومأ بيده، فأدنِيتُ حتى كنتُ قريبًا منه، فلما صرتُ بين يديه قلتُ - ورفعتُ صوتي - أنشده مِنْ هذا الموضع، ثم رجعتُ إلى أوّل الأرجوزة؛ فأنشدتها من أوّلها إلى هذا الموضع أيضًا، فأعدتُ عليه حتى أتيتُ على آخرها، والناس منصتون، وهو يتسارّ بما أنشده، مستمعًا له؛ فلمّا خرجنا من عنده إذا رجلٌ واضعٌ يده على منكبي، فالتفتّ فإذا عقال بن شبّة يقول: أمّا أنت فقد سررْتَ أمير المؤمنين؛ فإن التأم الأمر على ما تحبّ وقلتَ، فلعمري لتصيبنّ منه خيرًا. وإن يك غير ذلك، فابتغ نفقًا في الأرض أو سلّمًا في السماء. قال: فكتب له المنصور بصلة إلى الرّيّ، فوجّه عيسى في طلبه، فلُحق في طريقه، فذُبح وسُلخ وجهه.
стр. 4867
وقيل: قتِل بعد ما انصرف من الريّ، وقد أخذ الجائزة.
وذكر عن الوليد بن محمد العنبريّ أنّ سبب إجابة عيسى أبا جعفر إلى تقديم المهديّ عليه كان أن سلم بن قتيبة قال له: أيّها الرجل بايع، وقدّمه على نفسك، فإنك بن تخرج من الأمر، قد جعل لك الأمر من بعدِه وتُرضِي أمير المؤمنين. قال: أوَ تَرَى ذلك؟ قال: نعم، قال: فإنّي أفعل، فأتى سلْم المنصورَ فأعلمه إجابة عيسى، فسُرّ بذلك وعظُم قدْر سَلْم عنده. وبايع الناس للمهديّ ولعيسى بن موسى مِن بعده. وخطب المنصور خطبته التي كان فيها تقديم المهديّ على عيسى، وخطب عيسى بعد ذلك فقدّم المهديَّ على نفسه، ووفى له المنصور بما كان ضمن له.
وقد ذكر عن بعضِ صحابة أبي جعفر أنه قال: تذاكرْنا أمرَ أبي جعفر المنصور وأمْرَ عيسى بن موسى في البَيْعة وخلْعه إياها من عنقه وتقديمَه المهديّ، فقال لي رجل من القوّاد سماه: والله الذي لا إله غيره؛ ما كان خَلْعهُ إياها منه إلا برضًا من عيسى وركونٍ منه إلى الدّراهم، وقلة علمه بقَدْر الخلافة، وطلبًا للخروج منها؛ أتى يومَ خرج للخلع فخلع نفسه، وإني لفي مقصورة مدينة السَّلَام، إذ خرج علينا أبو عُبيد الله كاتب المهديّ، في جماعة من أهل خُراسان، فتكلم عيسى، فقال: إني قد سلّمت ولايةَ العهد لمحمد بن أمير المؤمنين، وقدّمتُه على نفسي، فقال أبو عبيد الله: ليس هكذا أعزّ الله الأمير؛ ولكن قُلْ ذلك بحقّه وصدقِه؛ وأخبرْ بما رغبتَ فيه؛ فأعطِيت، قال: نعم، قد بعتُ نصيبي من تقدمة ولاية العهد مِنْ عبد الله أمير المؤمنين لابنه محمد المهديّ بعشرة آلاف ألف درهم وثلاثمائة ألف بين ولدي فلان وفلان وفلان - سمّاهم - وسبعمائة ألف لفلانة امرأة من نِسائه - سمّاها - بطيب نفسٍ مني وحبّ، لتصييرها إليه، لأنه أولى بها وأحقّ، وأقوى عليها وعلى القيام بها؛ وليس لي فيها حقٌّ لتقدمته، قليل ولا كثير؛ فما ادّعيتُه بعد يومي هذا فأنا فيه مُبطِلٌ لا حقّ لي فيه ولا دعوى ولا طلبة. قال: والله وهو في ذلك، ربما نسي الشيء بعد الشيء فيوقفه عليه أبو عُبيد الله؛ حتى فرغ، حبًّا للاستيثاق منه. وختم الكتاب وشهد عليه الشهود وأنا حاضر؛ حتى وضع عليه عيسى خطَّه وخاتَمه، والقوم جميعًا؛ ثم دخلوا من باب المقصورة إلى القَصْر.
стр. 4868
قال: وكسا أميرُ المؤمنين عيسى وابنه موسى وغيره من ولدِه كُسوة بقيمة ألف ألف درهم ونيّف ومائتي ألف درهم.
ثم دخلت سنة خمسين ومائة ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث
فذُكِر أن معاوية بن عبيد الله وزير المهديّ كان يوهن أمر خازم، والمهديّ يومئذ بنيسابور، وكان معاوية يخرج الكتب إلى خازم بن خزيمة وإلى غيره من القوّاد بالأمر والنهي، فاعتلّ خازم وهو في عسكره، فشرب الدواء ثم ركب البريد، حتى قدم على المهديّ بنيسابور، فسلّم عليه واستخلاه - وبحضرته أبو عبيد الله - فقال المهديّ: لا عَيْقَ عليك من أبي عبيد الله، فقلْ ما بدا لك؛ فأبى خازم أن يخبرَه أو يكلّمه، حتى قام أبو عبيد الله، فلمّا خلا به شكا إليه أمرَ معاوية بن عبيد الله، وأخبره بعصبيّته وتحامُلِه، وما كان يرد من كُتبه عليه وعلى مَنْ قبلَه من القواد، وما صاروا إليه بذَلك من الفساد والتأمّر في أنفسهم، والاستبداد بآرائهم، وقلّة السمع والطاعة. وأنّ أمر الحرب لا يستقيم إلّا برأس؛ وألّا يكون في عسكره لواء يخفِق على رأس أحد إلّا لواؤه أو لواء هو عقدَه، وأعلمه أنه غير راجع إلى قتال أستاذسيس ومَنْ معه إلا بتفويض الأمر إليه وإعفائه من معاوية بن عبيد الله؛ وأن يأذن له في حَلّ ألوية القوّاد الذين معه، وأن يكتب إليهم بالسمع له والطاعة. فأجابه المهديّ إلى كلّ ما سأل.
فانصرف خازم إلى عسكره، فعمل برأيه، وحلّ لواء مَنْ رأى حلّ لوائه من القوّاد، وعقد لواء لمن أراد، وضمّ إليه مَنْ كان انهزم من الجنود، فجعلهم حشوًا يكثر بهم مَنْ معه في أخرَيات الناس، ولم يقدّمهم لما في قلوب المغلوبين من رَوْعة الهزيمة؛ وكان من ضُمّ إليه من هذه الطبقة اثنين وعشرين ألفًا، ثم انتخب ستة آلاف رجل من الجند، فضمهم إلى اثني عشر ألفًا كانوا معه متخيّرين؛ وكان بكّارُ بن مسلم العُقَيلي فيمن انتخب، ثم تعبّأ للقتال وخندق. واستعمل الهيثم بن شحعبة بن ظهير على ميمنته، ونهار بن حصين السعديّ على ميسرته؛ وكان بكّار بن مسلم العقيليّ على مقدّمته وتُرارخُدا على ساقته؛ وكان من أبناء ملوك أعاجم خُراسان؛ وكان لواؤه مع الزِّبْرقان وَعلمه مع مولاه بسَّام،
стр. 4869
فمكر بهم وراوغهم في تنقّله من موضع إلى موضع وخندق إلى خندق حتى قطعهم؛ وكان أكثرهم رجّالة، ثم سار خازم إلى موضع فنزله، وخندق عليه، وأدخل خندقه جميع ما أراد، وأدخل فيها جميع أصحابه، وجعل له أربعة آلاف، وجعل على كل باب منها من أصحابه الذين انتخب، وهم أربعة آلاف، وجعل مع بكار صاحب مقدّمته ألفين؛ تكملة الثمانية عشر ألفًا. وأقبل الآخرون ومعهم المرور والفؤوس والزّبُل، يريدون دفْن الخندق ودخولَه، فأتوا الخندق مِن الباب الذي كان عليه بكار بن مسلم، فشدّوا عليه شدّة لم يكن لأصحاب بكار نهاية دون أن انهزموا حتى دخلوا عليهم الخندق.
فلما رأى ذلك بكّار رمى بنفسه، فترجّل على باب الخندق ثم نادى أصحابه: يا بني الفواجر، مِن قبَلي يؤتى المسلمون! فترجّل مَنْ معه من عشيرته وأهله نحو من خمسين رجلًا، فمنعوا بابَهم حتى أجلوا القوم عنه، وأقبل إلى الباب الذي كان عليه خازم رجل كان مع أستاذسيس من أهل سجستان، يقال له الحريش؛ وهو الذي كان يدبّر أمرهم، فلما رآه خازم مقبلًا بعث إلى الهيثم بن شعبة - وكان في الميمنة - أن اخرج من بابك الّذي أنت عليه؛ فخذ غيرَ الطريق الذي يُوصلك إلى الباب الذي عليه بكار، فإنّ القوم قد شغلوا بالقتال وبالإقبال إلينا، فإذا علوت فجزت مبلغ أبصارهم فأتهم من خلفهم. وقد كانوا في تلك الأيام يتوقعون قدوم أبي عون وعمرو بن سلم بن قتيبة من طَخارستان. وبعث خازم إلى بكار بن مسلم: إذا رأيت رايات الهيْثم بن شعبة قد جاءتْك من خلفك، فكبِّروا وقولوا: قد جاء أهل طَخارستان. ففعل ذلك أهلُ الهيثم، وخرج خازم في القلْب على الحريش السجستاني، فاجتلدوا بالسيوف جلادًا شديدًا، وصبر بعضُهمْ لبعض، فبيناهم على تلك الحال إذ نظروا إلى أعلام الهيْثم وأصحابه، فتنادوا فيما بينهم، وجاء أهل طخارستان، فلما نظر أصحاب الحريش إلى تلك الأعلام، ونظر مَنْ كان بإزاء بكار بن مسلم إليها، شدّ عليهم أصحاب خازم فكشفوهم، ولقيَهم أصحابُ الهيثم، فطعنوهم بالرماح، ورموْهم بالنُّشاب، وخرج عليهم نهار بن حصين وأصحابُه من ناحية الميسرة، وبكارُ بن مسلم وأصحابه من ناحيتهم، فهزموهم ووضعوا فيهم السيوف، فقتلهم المسلمون وأكثروا؛ فكان مَنْ قتل منهم في تلك المعركة نحوًا من سبعين ألفًا، وأسروا أربعة عشر ألفًا،
стр. 4870
ولجأ أستاذسيس إلى جبل في عِدّة من أصحابه يسيرة، فقدّم خازم الأربعة عشر ألف أسير؛ فضرب أعناقَهم، وسار حتى نزل بأستاذسيس في الجَبَل الذي كان لجأ إليه، ووافى خازمًا بذلك المكان أبو عون وعمرو بن سلم بن قتيبة في أصحابهما؛ فأنزلهم خازم ناحيةً، وقال: كونوا مكانكم حتى نحتاج إليكم. فحصر خازِم أستاذسيس وأصحابَه حتى نزلوا على حكم أبي عَوْن، ولم يرضوْا إلا بذلك، فرضي بذلك خازم، فأمر أبا عون بإعطائهم أن ينزلوا على حكمه، ففعل؛ فلما نزلوا على حكم أبي عون حكم فيهم أن يُوثَق أستاذسيس وبنوه وأهل بيته بالحديد، وأن يُعتق الباقون وهم ثلاثون ألفًا، فأنفذ ذلك خازم من حُكْم أبي عون، وكسا كلّ رجل منهم ثوبين (١).
* * *
ثم دخلت سنة إحدى وخمسين ومائة ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها
ذكر الخبر عن سبب عزل المنصور عمر بن حفص عن السِّنْد وتوليته إياه إفريقيّة واستعماله على السِّنْد هشام بن عمرو (٢)
وكان سبب ذلك - فيما ذكر عليّ بن محمد بن سليمان بن عليّ العباسيّ عن أبيه - أنّ المنصور ولّى عمر بن حفص الصُّفْرِيّ الذي يقال له هزارمَرْد السِّند - فأقام بها حتى خرج محمد بن عبد الله بالمدينة وإبراهيم بالبصرة، فوجّه محمد بن عبد الله [إليه] ابنَه عبد الله بن محمد الذي يقال له الأشتر. في نفر من الزيديّة إلى البصرة، وأمرهم أن يشتروا مهارة - خيل عِتاق بها - ويمضوا بها معهم إلى السِّند، ليكون سببًا له إلى الوصول إلى عمر بن حفص؛ وإنما فعل ذلك به لأنَّه كان فيمن بايعه من قوّاد أبي جعفر، وكان له ميْل إلى آل أبي طالب، فقدموا البصرة على إبراهيم بن عبد الله، فاشتروا منها مهارةً - وليس في بلاد السِّند