رَثّتْ بيعقوب بن دا ... ود حِبَالُ معاوية
وعَدَتْ على ابن عُلاثة الـ ... ـقاضِي بَوائقُ عافيةْ
قلْ للوزيرِ أَبي عُبيـ ... ـد الله: هلْ لك باقيةْ!
يعقوب ينظرُ في الأُمو ... ر وأَنتَ تنظرُ ناحيةْ
أدخلته فعَلا عليـ ... ـك، كذاك شؤمُ النَّاصيةْ
* * *
وفي هذه السّنة عزل المهديّ إسماعيل بن أبي إسماعيل عن الكوفة وأحداثها. واختُلف فيمن ولّى مكانه، فقال بعضهم: ولّى مكانه إسحاق بن الصبّاح الكنديّ ثم الأشعثي بمشورة شَريك بن عبد الله قاضي الكوفة. وقال عمر بن شبّة: ولّى على الكوفة المهديُّ عيسى بنَ لقمان بن محمَّد بن حاطب بن الحارث بن معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جُمح، فولَّى على شُرَطِه ابنَ أخيه عثمان بن سعيد بن لقمان. ويقال: إن شريك بن عبد الله كان على الصَّلاة والقضاء، وعيسى على الأحداث، ثم أفرد شريك بالولاية، فجعل على شُرَطِه إسحاقَ بن الصباحِ الكنديّ، فقال بعض الشعراء:
لَسْتَ تَعْدو بأنْ تَكونَ وَلوْ نِلـ ... تَ سُهيْلًا صَنيعَةً لِشَريكِ
قال: ويزعمون أن إسحاق لم يشكر لشريك، وأن شريكًا قال له:
صلَّى وصَامَ لدُنْيا كان يَأْمُلها ... فَقدْ أَصابَ ولا صلَّى ولا صَامَا
وذكر عمر أن جعفر بن محمَّد قاضي الكوفة، قال: ضمّ المهديّ إلى شريك الصَّلاة مع القضاء، وولّى شرطه إسحاق بن الصباح، ثم ولّى إسحاق بن الصباح الصَّلاة والأحداث بعد، ثم ولّى إسحاق بن الصباح بن عمران بن إسماعيل بن محمَّد بن الأشعث الكوفة، فولى شُرَطه النعمانَ بن جعفر الكنديّ، فمات النُّعمان، فولَّى على شُرَطِه أخاه يزيد بن جعفر.
وفيها عَزل المهديُّ عن أحداث البصرة سعيد بن دَعلَج، وعزل عن الصَّلاة والقضاء من أهلها عبيد الله بن الحسن، وولّى مكانهما عبد الملك بن أيّوب بنَ ظَبيان النُّميريّ، وكتب إلى عبد الملك يأمره بإنصاف مَنْ تظلّم من أهل البصرة من سعيد بن دعلج، ثم صُرفت الأحداث في هذه السنة عن عبد الملك بن أيّوب
стр. 4937
إلى عُمارة بن حمزة، فولّاها عُمَارة رجلًا من أهل البصرة يقال له المِسْوَر بن عبد الله بن مسلم الباهليّ، وأقرّ عبد الملك على الصَّلاة.
وفيها عُزِل قُثَمَ بن العباس عن اليمامة عن سخطة، فوصل كتابُ عزله إلى اليمامة، وقد تُوُفِّيَ فاستعمل مكانه بشر بن المنذر البَجَليّ.
وفيها عزل يزيد بن منصور عن اليمن، واستعمل مكانه رجاء بن رَوْح.
وفيها عزل الهَيْثم بن سعيد عن الجزيرة، واستعمل عليها الفضل بن صالح وفيها أعتق المهديّ أمّ ولده الخيزران وتزوّجها.
وفيها تزوّج المهديّ أيضًا أم عبد الله بنت صالح بن عليّ، أخت الفضل وعبد الله ابني صالح لأمّهما.
وفيها وقع الحريق في ذي الحجة في السفن ببغداد عند قصر عيسى بن عليّ، فاحترق ناس كثير، واحترقت السفن بما فيها (١).
وفيها عُزِل مطر مولى المنصور عن مصر، واستعمل مكانه أبو ضمرة محمَّد بن سليمان.
وفيها كانت حركة من تحرّك من بني هاشم وشيعتهم من أهل خُراسان في خلع عيسى بن موسى من ولاية العهد، وتصيير ذلك لموسى بن المهديّ؛ فلمَّا تبيّن ذلك المهديّ كتب - فيما ذكر - إلى عيسى بن موسى في القُدوم عليه وهو بالكوفة، فأحسّ بالذي يُراد به، فامتنع من القدوم عليه.
وقال عمر: لما أفضى الأمر إلى المهديّ سأل عيسى أن يخرج من الأمر فامتنع عليه، فأراد الإضرار به، فولّى على الكوفة رَوْح بن حاتم بن قبيصة بن المهلب، فولّى على شُرَطه خالد بن يزيد بن حاتم؛ وكان المهديّ يحبّ أن يحمل رَوْح على عيسى بعض الحمل فيما لا يكون عليه به حجّة، وكان لا يجد إلى ذلك سبيلًا، وكان عيسى قد خرج إلى ضيْعة له بالرحبة؛ فكان لا يدخل الكوفة إلّا في شهرين من السنة في شهر رمضان، فيشهد الجُمَع والعيد، ثم يرجع إلى ضَيْعته. وفي أوّل ذي الحجة، فإذا شهد العيد رجع إلى ضيْعته، وكان
стр. 4938
إذا شهد الجمعة أقبل من دارِه على دوابه حتَّى ينتهي إلى أبواب المسجد فينزل على عَتبة الأبواب، ثم يصلِّي في موضعه؛ فكتب رَوْح إلى المهديّ أن عيسى بن موسى لا يشهد الجُمَع، ولا يدخل الكوفة إلّا في شهرين من السنة؛ فإذا حضر أقبل على دوابّه حتَّى يدخل رَحبَة المسجد؛ وهو مصلَّى النَّاس، ثم يتجاوزها إلى أبواب المسجد، فتروث دوابُّه في مصلَّى النَّاس؛ وليس يفعل ذلك غيره؛ فكتب إليه المهديّ أن اتّخذ على أفواه السِّكك التي تلي المسجد خشبًا ينزل عنده النَّاس، فاتّخذ روح ذلك الخشب في أفواه السكك - فذلك الموضع يسمى الخشبة - وبلغ ذلك عيسى بن موسى قبل يوم الجُمعة، فأرسل إلى ورثة المختار بن أبي عبيدة - وكانت دار المختار لزيقة المسجد - فابتاعها وأثمن بها، ثم إنَّه عمّرها واتخذ فيها حمّامًا، فكان إذا كان يوم الخميس أتاها فأقام بها، فإذا أراد الجمعة ركب حمارًا فدبّ به إلى باب المسجد فصلّى في ناحية، ثم رجع إلى داره. ثم أوطن الكوفة وأقام بها، وألحَّ المهديّ على عيسى فقال: إنك لم تجبني إلى أن تنخلع منها حتَّى أبايع لموسى وهارون استحللتُ منك بمعصيتك ما يستحَلّ من العاصي، وإن أجبتَني عوّضتك منها ما هو أجدى عليك وأعجل نفعًا. فأجابه، فبايعَ لهما وأمر له بعشرة آلاف ألف درهم - ويقال عشرين ألف ألف - وقطائع كثيرة.
وأمَّا غير عمر فإنَّه قال: كتب المهديّ إلى عيسى بن موسى لما همّ بخلعه يأمره بالقدوم عليه، فأحسّ بما يُراد به، فامتنع من القدوم عليه، حتَّى خيف انتقاضه، فأنفذ إليه المهديّ عمّه العباس بن محمَّد، وكتب إليه كتابًا، وأوصاه بما أحبّ أن يبلغه، فقدم العباس على عيسى بكتاب المهديّ ورسالته إليه، فانصرف إلى المهديّ بجوابه في ذلك، فوجّه إليه بعد قدوم العباس عليه محمَّد بن فرّوخ أبا هريرة القائد في ألف رجل من أصحابه من ذوي البصيرة في التشيّع، وجعل مع كل رجل منهم طبلًا، وأمرهم أن يضربوا جميعًا بطبولهم عند قدومهم الكوفة، فدخلها ليلًا في وجه الصبح، فضرب أصحابه بطبولهم، فراع ذلك عيسى بن موسى رَوْعًا شديدًا، ثم دخل عليه أبو هريرة، فأمر بالشخوص، فاعتلّ بالشكوى فلم يقبل ذلك منه، وأشخصه من ساعته إلى مدينة السَّلام.
* * *
стр. 4939
ثم دخلت سنة ستِّين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
ذكر الخبر خلع عيسى بن موسى وبيعة موسى الهادي
وفيها قدم عيسى بن موسى مع أبي هريرة يوم الخميس لستٍّ خلوْن من المحرّم - فيما ذكر - الفضل بن سليمان فنزل دارًا كانت لمحمد بن سليمان علي شاطئ دجْلة في عسكر المهديّ، فأقام أيامًا يختلف إلى المهديّ، ويدخل مدخله الذي كان يدخله؛ لا يكلَّم بشيء، ولا يرى جفوة ولا مكروهًا ولا تقصيرًا به؛ حتَّى أنس به بعض الإنس، ثم حضر الدار يومًا قبل جلوس المهديّ، فدخل مجلسًا كان يكون للربيع في مَقْصورة صغيرة، وعليها باب، وقد اجتمع رؤساء الشِّيعة في ذلك اليوم على خلعه والوثوب عليه؛ ففعلوا ذلك وهو في المقصورة التي فيها مجلس الرَّبيع، فأغلق دونهم المقصورة، فضربوا الباب بجرُزهم وعَمدهم؛ فهشَموا الباب، وكادوا يكسرونه، وشتموه أقبحَ الشَّتْم، وحصروه هنالك؛ وأظهر المهديّ إنكارًا لما فعلوا، فلم يردعهم ذلك عن فعلهم؛ بل شدُّوا في أمره؛ وكانوا بذلك هو وهم أيامًا، إلى أن كاشفه ذوو الأسنان من أهل بيته بحضرة المهديّ، فأبوا إلّا خلعَه، وشتموه في وجهه؛ وكان أشدّهم عليه محمَّد بن سليمان.
فلما رأى المهديّ ذلك من رأيهم وكراهتهم لعيسى وولايته؛ دعاهم إلى العهد لموسى، فصار إلى رأيهم وموافقتهم، وألحّ على عيسى في إجابته وإياهم إلى الخروج ممّا له من العهد في أعناق النَّاس وتحليلهم منه؛ فأبى؛ وذكر أن عليه أيمانًا محرّجة في ماله وأهله؛ فأحضر له من الفقهاء والقضاة عِدّة، منهم محمَّد بن عبد الله بن عُلاثة والزّنجيّ بن خالد المكيّ وغيرهما؛ فأتوهْ بما رأوا، وصار إلى المهديّ ابتياع ماله من البيعة في أعناق النَّاس بما يكون له فيه رضًا وعِوض؛ ممَّا يخرج له من ماله لما يلزمه من الحِنْث في يمينه؛ وهو عشرة آلاف ألف ألف درهم، وضياع بالزّاب الأعلى وكَسْكَر. فقبل ذلك عيسى، وبقي منذ فاوضه المهديّ على الخلع إلى أن أجاب محتسبًا عنده في دار الديوان من الرُّصافة إلى أن صار إلى الرضا بالخلع والتسليم، وإلى أن خُلع يوم الأربعاء لأربع بقِين من
стр. 4940
المحرّم بعد صلاة العصر، فبايع للمهديّ ولموسى من بعده من الغد يوم الخميس لثلاث بقين من المحرّم لارتفاع النهار. ثم أذن المهديّ لأهل بيته، وهو في قبة كان محمَّد بن سليمان أهداها له مضروبة في صحن الأبواب، ثم أخذ بيعتَهم رجلًا رجلًا لنفسه ولموسى بن المهديّ من بعده؛ حتَّى أتى إلى آخرهم. ثم خرج إلى مسجد الجماعة بالرُّصافة فقعد على المنبر، وصعد موسى حتَّى كأنه دونه. وقام عيسى على أول عتبة من المنبر، محمَّد الله المهديُّ وأثنى عليه، وصلّى على النَّبيّ ﷺ ، وأخبر بما أجمع عليه أهلُ بيته وشيعته وقوّاده وأنصاره وغيرهم من أهل خُراسان من خلع عيسى بن موسى وتصيير الأمر الذي كان عقد له في أعناق النَّاس لموسى بن أمير المؤمنين؛ لاختيارهم له ورضاهم به؛ وما رأى من إجابتهم إلى ذلك؛ لما رجا من مصلحتهم وألفتِهم، وخاف مخالفتهم في نيّاتهم واختلاف كلمتهم، وأن عيسى قد خلع تقدُّمَه، وحللهم مما كان له من البيعة في أعناقهم، وأنّ ما كان له من ذلك فقد صار لموسى بن أمير المؤمنين، بعقد من أمير المؤمنين وأهل بيته وشيعته في ذلك؛ وأن موسى عامل فيهم بكتاب الله وسنة نبيّه ﷺ بأحسن السّيرة وأعدلها، فبايِعوا معشر مَن حضر، وسارعوا إلى ما سارع إليه غيرُكم؛ فإن الخير كله في الجماعة، والشرّ كله في الفرقة. وأنا أسأل الله لنا ولكم التوفيق برحمته، والعمل بطاعته وما يرضيه، وأستغفر الله لي ولكم.
وجلس موسى دونه معتزلًا للمنبر؛ لئلا يحول بينه وبين من صعد إليه، يبايعه ويمسح على يده، ولا يستر وجهه، وثبت عيسى قائمًا في مكانه، وقُرئ عليه كتاب ذكر الخلع له، وخروجهُ مما كان إليه من ولاية العهد وتحليله جماعة مَن كان له في عنقه بيعة، مما عقدوا له في أعناقهم؛ وأن ذلك من فعله وهو طائع غير مكرَه، راضٍ غير ساخط، محبّ غير مجبَرٍ. فأقرّ عيسى بذلك، ثم صعد فبايع المهديّ، ومسح على يده ثم انصرف، وبايع أهل بيت المهديّ على أسنانهم؛ يبايعون المهديّ ثم موسى، ويمسحون على أيديهما؛ حتَّى فرغ آخرهم، وفعل مَنْ حضر من أصحابه ووجوه القوّاد والشِّيعة مثل ذلك، ثم نزل المهديّ، فصار إلى منزله، ووكّل ببيعته مَن بقي من الخاصّة والعامّة خاله يزيد بن منصور، فتولّى ذلك حتَّى فرغ من جميع النَّاس، ووفّى المهديّ لعيسى بما أعطاه وأرضاه مما خلعه منه من ولاية العهد، وكتب عليه بخلعه إياه كتابًا أشهد عليه فيه جماعة
стр. 4941
أهل بيته وصحابته وجميع شيعته وكتَّابه وجنده في الدّواوين؛ ليكون حجّة على عيسى، وقطعًا لقوله ودعواه فيما خرج منه.
وهذه نسخة الشرط الذي كتبه عيسى على نفسه:
بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب لعبد الله المهديّ محمَّد أمير المؤمنين ولوليّ عهد المسلمين موسى بن المهديّ، ولأهل بيته وجميع قواده وجنوده من أهل خُراسان وعامّة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها؛ وحيث كان كائن منهم، كتبتُه للمهديّ محمَّد أمير المؤمنين، ووليّ عهد المسلمين موسى بن محمَّد بن عبد الله بن محمَّد بن عليّ؛ فيما جُعل إليه من العهد إذ كان إليّ، حتَّى اجتمعت كلمة المسلمين، واتَّسق أمرهم، وائتلفت أهواؤهم، على الرضا بولاية موسى بن المهديّ محمَّد أمير المؤمنين، وعرفتُ الخطّ في ذلك عليّ والخط فيه لي، ودخلتُ فيما دخل فيه المسلمون من الرضا بموسى بن أمير المؤمنين، والبيعة له، والخروج ممّا كان لي في رقابهم من البيعة، وجعلتكم في حِلٍّ من ذلك وسَعة، من غير حرج يدخل عليكم، أو على أحد من جماعتكم وعامة المسلمين، وليس في شيء من ذلك، قديمٍ ولا حديث لي دعوى ولا طلِبة ولا حجّة ولا مقالة ولا طاعة على أحد منكم، ولا على عامة المسلمين ولا بيعة في حياة المهديّ محمَّد أمير المؤمنين ولا بعده ولا بعد وليّ عهد المسلمين موسى، ولا ما كنت حيًّا حتَّى أموت. وقد بايعت لمحمد المهديّ أمير المؤمنين ولموسى بن أمير المؤمنين من بعده، وجعلت لهما ولعامة المسلمين من أهل خُراسان وغيرهم الوفاء بما شرطْت على نفسي في هذا الأمر الذي خرجت منه، والتمام عليه. عليّ بذلك عبد الله وما اعتقد أحد من خلقه من عهد أو ميثاق أو تغليظ أو تأكيد على السّمع والطاعة والنصيحة للمهديّ محمَّد أمير المؤمنين ووليّ عهده موسى بن أمير المؤمنين، في السرّ والعلانية، والقول والفعل، والنيّة والشدّة والرّخاء والسرّاء والضرّاء والموالاة لهما ولمن والاهما، والمعاداة لمن عاداهما، كائنًا مَنْ كان في هذا الأمر الذي خرجت منه. فإن أنا نكلت أو غيّرت أو بدّلت أو دَغَلت أو نويْت غير ما أعطيت عليه هذه الإيمان، أو دعوت إلى خلاف شيء مما حملت على نفسي في هذا الكتاب للمهديّ محمَّد أمير المؤمنين ولوليّ عهده موسى بن أمير المؤمنين ولعامّة المسلمين، أو لم أفِ
стр. 4942
بذلك؛ فكلّ زوجة عندي يوم كتبت هذا الكتاب - أو أتزوّجها إلى ثلاثين سنة - طالق ثلاثًا ألبتة طلاق الحرِج وكلُّ مملوك عندي اليوم أو أملكه إلى ثلاثين سنة أحرار لوجه الله، وكلّ مالٍ لي نَقْد أو عَرْض أو قرْض أو أرْض، أو قليل أو كثير، تالد أو طارف أو أستفيده فيما بعد اليوم إلى ثلاثين سنة صدقة على المساكين، يضع ذلك الوالي حيث يرى، وعليَّ من مدينة السَّلام المشيُ حافيًا إلى بيت الله العتيق الذي بمكة نذرًا واجبًا ثلاثين سنة، لا كفارة لي ولا مخرج منه؛ إلَّا الوفاء به. والله على الوفاء بذلك راعٍ كفيل شهيد، وكفى بالله شهيدًا. وشهيدٌ على عيسى بن موسى بإقراره بما في هذا الشرط أربعمائة وثلاثون من بني هاشم ومن الموالي والصحابة من قريش والوزراء والكتاب والقضاة.
وكتب في صفر سنة ستِّين ومائة. وختم عيسى بن موسى.
فقال بعض الشعراء:
كَرِهَ الموت أَبو موسى وقد ... كان في الموت نجاءٌ وكَرمْ
خَلَعَ الملكَ وأَضحَى مُلبَسًا ... ثوبَ لومٍ ما تُرى منه القَدم
* * *
وفي سنة ستِّين ومائة وافَى عبد الملك بن شهاب المسمعيّ مدينة باربد بمن توجّه معه من المطّوّعة وغيرهم، فناهضوها بعد قدومهم بيوم، وأقاموا عليها يومين، فنصبوا المنجنيق وناهضوها بجميع الآلة، وتحاشد النَّاس، وحضّ بعضُهم بعضًا بالقرآن والتذكير، ففتحها الله عليهم عَنْوة، ودخلت خيلُهم من كلّ ناحية؛ حتَّى ألجؤوهم إلى بدّهم، فأشعلوا فيها النِّيران والنِّفط، فاحترق منهم مَن احترق، وجاهد بعضهم المسلمين، فقتلهم الله أجمعين، واستشهد من المسلمين بضعة وعشرون رجلًا، وأفاءها الله عليهم. وهاج البحر فلم يقدروا على ركوبه والانصراف، فأقاموا إلى أن يطيب، فأصابهم في أفواههم داء يقال له حُمام قُرّ، فمات نحو من ألف رجل، منهم الرَّبيع بن صُبيح. ثم انصرفوا لمّا أمكنهم الانصراف حتَّى بلغوا ساحلًا من فارس، يقال له بحر حمران، فعصفت عليهم فيه الرِّيح ليلًا، فكسرت عامَّة مراكبهم، فغرق منهم بعض ونجا بعض، وقدموا معهم بسبي من سبْيِهم - فيهم بنت ملك باربد - على محمَّد بن سليمان، وهو يومئذٍ والي البصرة.
стр. 4943
وفيها صُيّر أبان بن صدقة كاتبًا لهارون بن النهديّ ووزيرًا له.
وفيها عُزل أبو عون عن خُراسان عن سَخْطةٍ، ووليَ مكانه معاذ بن مسلم.
وفيها غزا ثُمامة بن الوليد العبسيّ الصائفة.
وفيها غزا الغمر بن العباس الخثعمي بحر الشَّام.
* * *
ذكر خبر ردّ نسب آل بكرة وآل زياد (١)
وفيها ردّ المهدي آل بكرة من نسبهم في ثَقيف إلى ولاء رسول الله ﷺ ؛ وكان سبب ذلك أن رجلًا من آل أبي بَكْرة رفع ظُلامة إلى المهديّ، وتقرّب إليه فيها بولاء رسول الله ﷺ ، فقال المهديّ: إن هذا نسب واعتزاء، ما تقرّون به إلّا عند حاجة تعرض لكم، وعند اضطراركم إلى التقرّب به إلينا. فقال الحكَم: يا أمير المؤمنين، مَنْ جحد ذلك فإنا سنقرّ؛ أنا أسألك أن تردّني ومعشر آل أبي بكرة إلى نسبنا من ولاء رسول الله ﷺ ، وتأمر بآل زياد بن عبيد فيخرجوا من نَسبهم الذي ألحقهم به معاوية رغبةً عن قضاء رسول الله ﷺ : "إن الولد للفراش وللعاهر الحجَر"، فيُردُّوا إلى نسبهم من عبيد في موالي ثقيف. فأمر المهديّ في آل أبي بكرة وآل زياد أن يردّ كلّ فريق منهم إلى نسبه، وكتب إلى محمَّد بن سليمان كتابًا، وأمره أن يُقرأ في مسجد الجماعة على النَّاس، وأن يردّ آل أبي بكرة إلى ولائهم من رسول الله ﷺ ونسبهم إلى نُفَيع بن مسروح، وأن يردّ على من أقرّْ منهم ما أمر بردّه عليهم من أموالهم بالبصرة مع نظرائهم، ممن أمر بردّ ماله عليه، وألّا يرد على من أنكر منهم، وأن يجعل الممتحن منهم والمستبرئ لما عندهم الحَكم بن سمرقند. فأنفذ محمَّد ما أتاه في آل أبي بكْرة إلّا في أناس منهم غيَبٍ عنهم.
وأمَّا آل زياد فإنَّه مما قوى رأي المهديّ فيهم - فيما ذكر عليّ بن سليمان - أن
стр. 4944
أباه حدّثه، قال: حضرت المهديّ وهو ينظر في المظالم إذ قدم عليه رجل من آل زياد يقال له الصغديّ بن سلم بن حرب، فقال له: مَنْ أنت؟ قال: ابن عمّك، قال: أي ابن عمي أنت؟ فانتسب إلى زياد، فقال له المهديّ: يابن سميَّة الزانية، متى كنتَ ابن عمي! وغضب وأمر به فوجِئ في عنقه، وأخرِج، ونهض النَّاس.
قال: فلمَّا خرجت لحقني عيسى بن موسى - أو موسى بن عيسى - فقال: أردْتُ والله أن أبعثَ إليك، أن أمير المؤمنين التفت إلينا بعد خروجك، فقال: من عنده علم من آل زياد؟ فو الله ما كان عند أجد منا من ذاك شيء، فما عندك يا أبا عبد الله؟ فما زلت أحدثه في زياد وآل زياد حتَّى صرنا إلى منزله بباب المحوّل، فقال: أسألك بالله والرَّحم لما كتبتَ لي هذا كله حتَّى أروح به إلى أمير المؤمنين، وأخبره عنك. فانصرفتُ فكتبت، وبعثت به إليه. فراح إلى المهديّ، فأخبره، فأمر المهديّ بالكتاب إلى هارون الرشيد؛ وكان والي البصرة من قبلَه يأمره أن يكتب إلى واليها يأمره أن يخرج آل زياد من قريش وديوانهم والعرب، وأن يعرض ولد أبي بَكْرة على ولاء رسول الله ﷺ ، فمن أقرّ منهم ترك ماله في يده، ومن انتمى إلى ثَقِيف اصطفى ماله. فعرضهم، فأقرُّوا جميعًا بالولاء، إلَّا ثلاثة نفر، فاصطُفيت أموالهم.
ثم إن آل زياد بعد ذاك رشَوْا صاحب الديوان حتَّى ردّهم إلى ما كانوا عليه، فقال خالد النجار في ذلك:
إن زيادًا ونافعًا وأَبا ... بَكْرةَ عندي من أَعجَبِ الْعَجَبِ
ذَا قُرَشيّ كما يقولُ، وذا ... مولىً، وهذا - بزعمِه - عَرَبي
* * *
نسخة كتاب المهديّ إلى والي البصرة في رد آل زياد إلى نسبهم
بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد؛ فإنّ أحقّ ما حَمَل عليه ولاة المسلمين أنفسهم وخواصّهم وعوامّهم في أمورهم وأحكامهم، العمل بينهم بما في كتاب الله والاتباع لسنة رسول الله ﷺ ، والصّبر على ذلك، والمواظبة عليه، والرضا به فيما وافقهم وخالفهم، للذي فيه من إقامة حدود الله ومعرفة حقوقه، واتّباع مرضاتِه، وإحراز جَزائه وحسن ثوابه، ولما في مخالفة ذلك والصدود عنه وغلبة
стр. 4945
الهَوى لغيره من الضلال والخسار في الدُّنيا والآخرة.
وقد كان من رأي معاوية بن أبي سفيان في استلحاقه زياد بن عبيد عبد آل علاج من ثقيف، وادّعائه ما أباه بعد معاوية عامّة المسلمين وكثير منهم في زمانه، لعلمهم بزياد وأبي زياد وأمه من أهل الرضا والفضل والوَرع والعلم، ولم يَدْعُ معاوية إلى ذلك ورع ولا هدى، ولا اتّباع سنة هادية، ولا قدوة من أئمة الحقّ ماضية، إلَّا الرغبة في هلاك دينه وآخرته، والتصميم على مخالفة الكتاب والسنة. والعُجْب بزياد في جَلَده ونفاذه، وما رجا من معونته وموازرته إياه على باطل ما كان يركن إليه في سيرته وآثاره وأعماله الخبيثة. وقد قال رسول الله ﷺ : "الولد للفراش وللعاهر الحَجْر"، وقال: "مَن ادّعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والنّاس أجمعين لا يقبل الله منه لا صرفًا ولا عدلًا".
ولعمري ما وُلد زياد في حجْر أبي سفيان ولا على فراشه، ولا كان عُبيد عبدًا لأبي سفيان، ولا سميّة أمةً له، ولا كانا في مُلكه، ولا صارا إليه لسبب من الأسباب. ولقد قال معاوية فيما يعلمه أهل الحفظ للأحاديث عند كلام نَصْر بن الحجاج بن عُلاط السُّلمي ومَنْ كان معه من موالي بني المغيرة المخزوميّين وإرادتهم استلحاقه وإثبات دعوته، وقد أعدّ لهم معاوية حجَرًا تحت بعض فرشه فألقاه إليهم، فقالوا له: نسوغّ لك ما فعلت في زياد، ولا تسوّغ لنا ما فعلنا في صاحبنا، فقال: قضاء رسول الله ﷺ خير لكم من قضاء معاوية. فخالف معاوية بقضائه في زياد واستلحاقه إياه وما صنَع فيه وأقدم عليه، أمرَ الله جل وعزّ وقضاء رسول الله ﷺ واتّبع في ذلك هواه رغبة عن الحقّ ومجانبة له، وقد قال الله : ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (١)، وقال لداود ﵊ وقد أتاه الحكم والنّبوة والمال والخلافة: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ (٢) الآية إلى آخرها.
فأمير المؤمنين يسأل الله أن يعصم له نفسه ودينَه، وأن يعيذه من غلبة
стр. 4946
الهوى، ويوفّقه في جميع الأمور لما يحب ويرضى؛ إنَّه سميع قريب.
وقد رأى أمير المؤمنين أن يردّ زيادًا ومَنْ كان من ولده إلى أمّهم ونسبهم المعروف ويلحِقهم بأبيهم عبيد؛ وأمهم سميّة، ويتّبع في ذلك قول رسول الله ﷺ ، وما أجمع عليه الصالحون وأئمة الهدى، ولا يجيز لمعاوية ما أقدم عليه مما يخالف كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وكان أمير المؤمنين أحَقَّ مَنْ أخذ بذلك وعمل به؛ لقرابته من رسول الله ﷺ واتّباعه آثاره وإحيائه سنَّته، وإبطاله سنن غيره الزائغة الجائرة عن الحق والهدى، وقد قال الله جلّ وعزّ: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ (١).
فاعلم أن ذلك من رأي أمير المؤمنين في زياد، وما كان من ولد زياد فألحقْهم بأبيهم زياد بن عبيد، وأمهم سميّة، واحملهم عليه، وأظهره لمن قِبلَك من المسلمين حتَّى يعرفوه ويستقيم فيهم؛ فإن أمير المؤمنين قد كتب إلى قاضي البصرة وصاحب ديوانهم بذلك. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وكتب معاوية بن عبيد الله في سنة تسع وخمسين ومائة.
فلما وصل الكتاب إلى محمَّد بن سليمان وقّع بإنقاذه، ثم كُلِّم فيهم، فكفّ عنهم؛ وقد كان كتب إلى عبد الملك بن أيوب بن ظَبْيان النميريّ بمثل ما كتب به إلى محمَّد، فلم ينفذه لموضعه من قيس، وكراهته أن يخرج أحد من قومه إلى غيرهم.
* * *
وشخص مع المهديّ في هذه السنة ابنه هارون وجماعة من أهل بيته؛ وكان ممّن شخص معه يعقوب بن داود، على منزلته التي كانت له عنده، فأتاه حين وافى مكة الحسن بن إبراهيم بن عبد الله بن الحسن الذي استأمن له يعقوب من المهدي على أمانه، فأحسن المهديّ صلته وجائزته، وأقطعه مالًا من الصّوافِي بالحجاز (٢).
стр. 4947
وفيها نزع المهديّ كسوة الكعبة التي كانت عليها، وكساها كسوة جديدة؛ وذلك أن حَجَبة الكعبة - فيما ذكر - رفعوا إليه أنهم يخافون على الكعبة أن تهدم لكثرة ما عليها من الكسوة، فأمر أن يُكشف عنها ما عليها من الكسوة حتَّى بقيت مجرّدة، ثم طُلِي البيت كله بالخَلُوق، وذُكر أنهم لما بلغوا إلى كسوة هشام وجدوها ديباجًا ثخينًا جيدًا، ووجدوا كسوة مَنْ قبله عامّتها من متاع اليمن (١).
وقسم المهديّ في هذه السنة بمكة في أهلها - فيما ذكر - مالًا عظيمًا، وفي أهل المدينة كذلك؛ فذكر أنَّه نُظر فيما قسم في تلك السفرة فوُجد ثلاثين ألف ألف درهم، حُملت معه، ووصلت إليه من مصر ثلثمائة ألف دينار، ومن اليمن مائتا ألف دينار، فقسّم ذلك كلّه. وفرّق من الثياب مائة ألف ثوب وخمسين ألف ثوب، ووسّع في مسجد رسول الله ﷺ ، وأمر بنزع المقصورة التي في مسجد رسول الله ﷺ فنزعت، وأراد أن ينقص منبر رسول الله ﷺ فيعيده إلى ما كان عليه، ويلقي منه ما كان معاوية زاد فيه؛ فذكر عن مالك بن أنس أنَّه شاور في ذلك، فقيل له: إن المسامير قد سلكت في الخشب الذي أحدثه معاوية، وفي الخشب الأوَّل وهو عتيق، فلا نأمن إن خرجت المسامير التي فيه وزعزعت أن يتكسّر، فتركه المهديّ.
وأمر أيَّام مقامه بالمدينة بإثبات خمسمائة رجل من الأنصار ليكونوا معه حرسًا له بالعراق وأنصارًا، وأجرى عليهم أرزاقًا سوى أعطياتِهم، وأقطعهم عند قدومهم معه ببغداد قطيعة تعرف بهم.
وتزوج في مقامه بها برقيَّة بنت عمرو العثمانية (٢).
وفي هذه السنة حمل محمَّد بن سليمان الثلج للمهديّ، حتَّى وافى به مكّة، فكان المهديّ أوّل من حُمل له الثلج إلى مكّة من الخلفاء (٣).
وفيها ردّ المهديّ على أهل بيته وغيرهم قطائعهم التي كانت مقبوضة عنهم.
* * *
стр. 4948
ثم دخلت سنة إحدى وستين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
وفيها ظفر نصر بن محمَّد بن الأشعث الخزاعيّ بعبد الله بن مروان بالشام؛ فقدم به على المهدي قبل أن يولِّيَه السِّند، فحبسه المهديّ في المطْبَق؛ فذكر أبو الخطَّاب أن المهديّ أُتِي بعبد الله بن مروان بن محمَّد - وكان يكنى أبا الحكم - فجلس المهديّ مجلسًا عامًّا في الرّصافة، فقال: مَنْ يعرف هذا؟ فقام عبد العزيز بن مسلم العُقَيليّ، فصار معه قائمًا، ثم قال له: أبو الحكم؟ قال: نعم ابنُ أمير المؤمنين، قال: كيف كنت بعدي؟ ثم التفت إلى المهديّ، فقال: نعم يا أمير المؤمنين، هذا عبد الله بن مروان. فعجب النَّاس من جُرأته، ولم يعرض له المهديّ بشيء.
قال: ولما حبس المهديّ عبد الله بن مروان احتِيل عليه، فجاء عمرو بن سهلة الأشعريّ فادّعى أن عبد الله بن مروان قتل أباه، فقدّمه إلى عافية القاضي، فتوجّه عليه الحُكْم أن يقادَ به، وأقام عليه البيّنة؛ فلما كاد الحُكْم يبرَم جاء عبد العزيز بن مسلم العقيليّ إلى عافية القاضي يتخطّى رقاب النَّاس؛ حتَّى صار إليه، فقال: يزعم عمرو بن سهلة أن عبد الله بن مروان قتل أباه؛ كذب والله ما قتل أباه غيري؛ أنا قتلتُه بأمرِ مروان، وعبدُ الله بن مروان من دمه بريء. فزالت عن عبد الله بن مروان، ولم يعرض المهديّ لعبد العزيز بن مسلم لأنَّه قتله بأمر مروان.
وفيها أمر المهديّ يعقوب بن داود بتوجيه الأمناء في جميع الآفاق، فعمل به، فكان لا ينفذ للمهديّ كتاب إلى عامل فيجوز حتَّى يكتب يعقوب بن داود إلى أمينه وثقته بإنفاذ ذلك (١).
وفيها اتّضعت منزلة أبي عبيد الله وزير المهديّ، وضمّ يعقوب إليه من متفقهة البصرة وأهل الكوفة وأهل الشَّام عددًا كثيرًا، وجعل رئيس البصريين والقائم بأمرهم إسماعيل بن عُلَيَّة الأسديّ ومحمد بن ميمون العنبريّ، وجعل رئيس أهل
стр. 4949
الكوفة وأهل الشَّام عبد الأعلى بن موسى الحلبيّ (١).
ذكر السبب الذي من أجله تغيرت منزلة أبي عبيد الله عند المهدي (٢)
قد ذكرنا سببَ اتّصاله به الذي كان قبلُ في أيَّام المنصور وضمّ المنصور إياه إلى المهديّ حين وجّهه إلى الرّيّ عند خلْع عبد الجبار بن عبد الرحمن المنصور، فذكر أبو زيد عمر بن شبّة، أنّ سعيد بن إبراهيم حدّثه أن جعفر بن يَحْيَى حدّثه أن الفضل بن الرّبيع أخبره، أنّ الموالي كانوا يشنّعون على أبي عبيد الله عند المهديّ، ويسعَوْن عليه عنده؛ فكانت كتب أبي عبيد الله تنفذ عند المنصور بما يريد من الأمور، وتتخلَّى الموالي بالمهديّ، فيبلِّغونه عن أبي عبيد الله، ويحرّضونه عليه.
قال الفضل: وكانت كتب أبي عبيد الله تصل إلى أبي تَتْرَى، يشكو الموالي وما يلقى منهم، ولا يزال يذكره عند المنصور ويخبره بقيامه، ويستخرج الكتب عنه إلى المهديّ بالوَصاة به، وترك القبول فيه. قال: فلمَّا رأى أبو عبيد الله غلَبة الموالي على المهديّ، وخَلْوَتهم به نظر إلى أربعة رجال من قبائل شتّى من أهل الأدب والعلم، فضمّهم إلى المهديّ، فكانوا في صحابته، فلم يكونوا يَدعون الموالي يتخلّوْن به.
ثم إنّ أبا عبيد الله كلّم المهديّ في بعض أمره إذ اعترض رجل من هؤلاء الأربعة في الأمر الذي تكلّم فيه، فسكت عنه أبو عبيد الله، فلم يراده، وخرج فأمر أن يحجب عن المهديّ فحجبه عنه؛ وبلغ ذلك من خبره أبي.
* * *
قال: وحجّ أبي مع المنصور في السنة التي مات فيها، وقام أبي من أمر المهديّ بما قام به من أمر البيعة وتجديدها على بيت المنصور والقوّاد والموالي؛ فلما قدم تلقَّيته بعد المغرب، فلم أزل معه حتَّى تجاوز منزله، وترك دار المهديّ، ومضى إلى أبي عبيد الله، فقال: يابنيّ؛ هو صاحب الرجل؛ وليس ينبغي أن نعامله على ما كنّا نعامله عليه؛ ولا أن نحاسبه بما كان منا في أمره من
стр. 4950
نصرتنا له. قال: فمضينا حتَّى أتينا باب أبي عبيد الله؛ فما زال واقفًا حتَّى صلّيتُ العَتَمة، فخرج الحاجب، فقال: ادخل، فثنى رجلَه وثنيتُ رجلي. قال: إنَّما استأذنتُ لك يا أبا الفضل وحدَك. قال: اذهب فأخبِره أنّ الفضل معي. قال: ثم أقبل عليّ، فقال: وهذا أيضًا من ذلك! قال: فخرج الحاجب، فأذن لنا جميعًا، فدخلنا أنا وأبي، وأبو عبيد الله في صدر المجلس، على مصلّىً متكيءٌ على وسادة، فقلت: يقوم إلى أبي إذا دخل إليه، فلم يقم إليه، فقلت: يستوي جالسًا إذا دنا، فلم يفعل، فقلت: يدعو له بمصلى، فلم يفعل، فقعد أبي بين يديه على البساط وهو متكئ، فجعل سائله عن مسيره وسفره وحاله، وجعل أبي يتوقع أن يسأله عمّا كان منه في أمرِ المهديّ وتجديد بيعته، فأعرض عن ذلك، فذهب أبي يبتدئه بذكره، فقال: قد بلَغنا نبؤكم، قال: فذهب أبي لينهض، فقال: لا أرى الدُّروب إلّا وقد غُلّقت، فلو أقمت! قال: فقال أبي: إن الدروب لا تغلَق دوني، قال: بلى قد أغلقت. قال: فظنّ أبي أنَّه يريد أن يحتَبسه ليسكن من مسيره، ويريد أن يسأله؛ قال: فأقيمُ. قال: يا فلان، اذهب فهيّئ لأبي الفضل في منزل محمَّد بن أبي عبيد الله مبيتًا. فلما رأى أنَّه يريد أن يخرج من الدّار، قال: فليس تُغْلَق الدروب دوني فأعتزم. ثم قام، فلما خرجنا من الدار أقبل عليّ فقال: يا بني، أنت أحمق، قلت: وما حمقي أنا! قال: تقول لي: كان ينبغي لك ألّا تجيء، وكان ينبغي إذا جئت فحجبَنا ألّا تقيم حتَّى صلّيتَ العَتَمة، وأن تنصرف ولا تدخل؛ وكان ينبغي إذا دخلتَ فلم يقم إليك أن ترجعَ ولا تقيم عليه؛ ولم يكن الصَّوابُ إلّا ما عملتُ كلّه؛ ولكن والله الذي لا إله إلَّا هو - واستغلق في اليمين - لأخلعنّ جاهي، ولأنفقنّ مالي حتَّى أبلغ من أبي عبيد الله.
قال: ثم جعل يضطرب بجَهده، فلا يجد مساغًا إلى مكروهه، ويحتال الجدّ إذ ذكر القُشيريّ الذي كان أبو عبيد الله حجبَه، فأرسل إليه فجاءه، فقال: إنّك قد علمت ما ركبك به أبو عبيد الله، وقد بلغ مني كلّ غاية من المكروه؛ وقد أرغْتُ أمره بجهدي؛ فما وجدت عليه طريقًا، فعندك حيلة في أمره، فقال: إنَّما يؤتَى أبو عبيد الله من أحدِ وجوهٍ أذكرها لك ... يقال: هو رجل جاهل بصناعته وأبو عبيد الله أحذق النَّاس، أو يقال: هو ظَنِين في الدّين بتقليده، وأبو عبيد الله أعفّ النَّاسُ؛ لو كان بنات المهديّ في حِجره لكان لهنّ موضع، أو يقال: هو
стр. 4951
يميل إلى أن يخالف السلطان فليس يؤتى أبو عبيد الله من ذلك؛ إلّا أنَّه يميل إلى القَدَر بعضَ الميْل؛ وليس يتسلّق عليه بذاك أن يقال: هو متّهم؛ ولكن هذا كله مجتمع لك في ابنه؛ قال: فتناوله الرّبيع، فقبَّل بين عينيه، ثم دبّ لابن أبي عبيد الله؛ فولله ما زال يحتال ويدسّ إلى المهديّ ويتهمه ببعض حُرمِ المهديّ، حتَّى استحكم عند المهديّ الظنَّة بمحمد بن أبي عبيد الله، فأمر فأحضر، وأخرج أبو عبيد الله. فقال: يا محمَّد اقرأ، فذهب ليقرأ، فاستعجم عليه القرآن، فقال: يا معاوية ألم تعلمني أنّ ابنك جامع للقرآن؟ قال: أخبرتك يا أميرَ المؤمنين، ولكن فارقني منذ سنين؛ وفي هذه المدّة التي نأى فيها عني نسيَ القرآن، قال: قم فتقرب إلى الله في دمه، فذهب ليقوم فوقع، فقال العبّاس بن محمَّد: إن رأيت يا أميرَ المؤمنين أن تعفي الشَّيخ! قال: ففعل، وأمر به فأخرِج، فضربت عنقه.
قال: فاتهمه المهديّ في نفسه، فقال له الرَّبيع: قتلت ابنَه، وليس ينبغي أن يكون معك، ولا أن تثق به. فأوحشَ المهديّ؛ وكان الذي كان من أمره وبلغ الرَّبيع ما أرادَ، واشتفى وزاد.
وذكر محمَّد بن عبد الله يعقوبَ بن داود، قال: أخبرَني أبي، قال: ضرب المهديّ رجلًا من الأشعريّين، فأوجعه، فتعصّب أبو عبيد الله - وكان مولىً لهم - فقال: القتل أحسنُ من هذا يا أمير المؤمنين، فقال له المهديّ: يا يهوديّ، أخرج من عسكري لعنك الله. قال: ما أدري إلى أين أخرج إلّا إلى النَّار! قال: قلت: يا أمير المؤمنين، أحْرِ بهذا أن لمثلها يتوقع، قال: فقال لي: سبحان الله يا أبا عبيد الله! .
* * *
وفيها غزا الغمر بن العبّاس في البحر.
وفيها ولّى نَصر بن محمَّد بن الأشعث السّند مكان رَوْح بن حاتم، وشخص إليها حتَّى قدمها ثم عُزل، ووُلّيَ مَكانه محمَّد بن سليمان، فوجّه إليها عبد الملك بن شهاب المِسمعيّ فقدمها على نصر، فبغَته، ثم أذن له في الشخوص، فشخص حتى نزل الساحل على ستّة فراسخ من المنصورة؛ فأتي
стр. 4952
نصر بن محمَّد عهده على السّند، فرجع إلى عمله؛ وقد كان عبد الملك أقام بها ثمانية عشر يومًا، فلم يعرِض له، فرجع إلى البصرة.
وفيها استعملَ عيسى بن لقمان على مصر.
وفيها ولّى يزيد بن منصور سَواد الكوفة وحسان الشَرويّ الموصل وبِسطام بن عمرو التغلبيّ أذرَبيجان.
وفيها عزل أبا أيوب المسمى سليمان المكيّ عن ديوان الخراج، ووُلِّي مكانه أبو الوزير عمر بن مطرّف.
وفيها تُوفِّيَ نصر بن مالك من فالج أصابه، ودفن في مقابر بني هاشم وصلّى عليه المهديّ.
وفيها صرف أبان بن صدقة عن هارون بن المهدي إلى موسى بن المهديّ، وجعله له كاتبًا وَوزيرًا، وجعل مكانه مع هارون بن المهديّ يَحْيَى بن خالد بن بَرْمك.
ثم دخلت سنة اثنتين وستين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
خبر مقتل عبد السَّلام الخارجيّ
فمن ذلك ما كان من مقتل عبد السَّلام الخارجيّ بِقنَّسْرِين.
ذكر الخبر عن مقتله
ذكر أن عبد السَّلام بن هاشم اليَشكريّ هذا خرج بالجزيرة، وكثر بها أتباعه، واشتدّت شوكته، فلقيه من قوّاد المهديّ عِدّة، منهم عيسى بن موسى القائد، فقتله في عدّة ممّن معه، وهزم جماعة من القوّاد، فوجّه إليه المهديّ الجنودَ، فنكب غير واحد من القوّاد، منهم شبيب بن واج المرْورُّوذيّ، ثم ندب إلى شبيب ألف فارس، أعطى كلّ رجل منهم ألف دِرهم معونة، وألحقهم بشبيب
стр. 4953
فوافوْه، فخرج شبيب في أثر عبد السَّلام، فهرب منهم حتَّى أتى قِنسرين، فلحقه بها فقتله (١).
* * *
وفيها وضع المهديُّ دواوين الأزمَّة، وولّى عليها عمر بن بَزِيع مولاه، فولّى عمر بن بَزِيع النّعمانَ بن عثمان أبا حازم زمام خراج العراق.
وفيها أمر المهديُّ أن يجريَ على المجذَّمين وأهل السجون في جميع الآفاق (٢).
وفيها خرجت الروم إلى الحدث إنما أتى هذه الحمّة الحسنُ ليستنقع فيها للوضَح الذي كان به؛ ثم قفل بالنَّاس سالمين.
وكان على قضاء عسكره وما يجتمع من الفيء حَفْص بن عامر السُّلَمي (٣).
قال: وفيها غزا يزيد بن أسَيْد السُّلَميّ من باب قالِيقَلا، فغنم وفتح ثلاثة حصون، وأصاب سَبْيًا كثيرًا وأسرى (٤).
* * *
ثم دخلت سنة ثلاث وستين ومائة ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها
وفيها قطع المهديّ البعوثَ للصائفة على جَميع الأجناد من أهل خُراسان وغيرهم، وخرج فعسكر بالبَرَدان، فأقام به نحوًا من شهرين يتعبّأ فيه ويتهيّأ، ويعطي الجنود، وأخرج بها صِلات لأهل بيته الذين شخصوا معه، فتُوفِّيَ عيسى بن علي في آخر جمادى الآخرة ببغداد. وخرج المهديّ من الغد إلى البَرَدان متوجِّهًا إلى الصائفة، واستخلف ببغداد موسى بن المهديّ، وكاتبه يومئذٍ أبان بن صدقة؛ وعلى خاتمه عبد الله بن عُلاثة، وعلى حرسه عليّ بن عيسى،
стр. 4954
وعلى شُرَطه عبد الله بن خازم؛ فذكر العباس بن محمَّد أنّ المهديّ لما وجّه الرشيد إلى الصائفة سنة ثلاث وستين ومائة خرج يشيّعه وأنا معه؛ فلما حاذى قصر مسلمة، قلت: يا أمير المؤمنين، إن لمسلمَة في أعناقنا مِنَّةً؛ كان محمَّد بن عليّ مرّ به، فأعطاه أربعة آلاف دينار، وقال له: يابن عمّ هذان ألفان لدَينك، وألفان لمعونتك، فإذا نفدت فلا تحتشمنا. فقال لما حدثته الحديث: أحضِروا مَنْ ها هنا من ولد مسلَمة ومواليه، فأمر لهم بعشرين ألف دينار، وأمر أن تُجْرَى عليهم الأرزاق، ثم قال: يا أبا الفضل، كافأنا مسلمة وقضينا حقه؟ قلت: نعم، وزدتَ يا أمير المؤمنين.
وذكر إبراهيم بن زياد، عن الهيثم بن عدي، أن المهديّ أغزى هارون الرشيد بلادَ الرّوم، وضمّ إليه الرَّبيع الحاجب والحسن بن قحطبة.
قال محمّد بن العباس: إنّي لقاعد في مجلس أبي في دار أمير المؤمنين وهو على الحرَس؛ إذ جاء الحسن بن قحطبة، فسلّم عليّ، وقعد على الفراش الذي يقعد أبي عليه، فسأل عنه فأعلمتُه أنه راكب، فقال لي، يا حبيبي أعلمه أني جئت، وأبلغه السَّلام عني، وقل له: إن أحبّ أن يقول لأمير المؤمنين: يقول الحسن بن قحطبة: يا أمير المؤمنين؛ جعلني الله فداك! أغزيتَ هارون، وضممتني والرّبيع إليه، وأنا قريع قوّادك، والربيع قريع مواليك، وليس تطيب نفسي بأن نُخَلِّيَ جميعًا بابك، فإمّا أغزيتني مع هارون وأقام الرَّبيع، وإما أغزيتَ الرَّبيع وأقمتُ ببابك. قال: فجاء أبي فأبلغته الرسالة، فدخل على المهديّ فأعلمه، فقال: أحسن والله الاستعفاء، لا كما فعل الحجام بن الحجام - يعني عامر بن إسماعيل - وكان استعفى من الخروج مع إبراهيم فغضب عليه، واستصفى ماله.
وذكر عبد الله بن أحمد بن الوضّاح، قال: سمعت جدي أبا بُديل، قال: أغزى المهديّ الرشيد، وأغزى معه موسى بن عيسى وعبد الملك بن صالح بن عليّ ومولَيَيْ أبيه: الرَّبيع الحاجب والحسن الحاجب، فلمَّا فصل دخلت عليه بعد يومين أو ثلاثة، فقال: ما خلّفك عن وليّ العهد، وعن أخويْك خاصّة؟ يعني الرَّبيع والحسن الحاجب. قلت: أمر أمير المؤمنين ومقامي بمدينة السَّلام حتَّى يأذن لي. قال: فسرْ حتَّى تلحق به وبهما؛ واذكر ما تحتاج إليه. قال: قلت:
стр. 4955
ما أحتاج إلى شيء من العُدّة؛ فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في ودَاعه! فقال لي: متى تراك خارجًا؟ قال: قلت: من غدٍ، قال: فودّعته وخرجت، فلحقت القوم. قال: فأقبلتُ أنظر إلى الرّشيد يخرج، فيضرب بالصَّوالجة، وأنظر إلى موسى بن عيسى وعبد الملك بن صالح؛ وهما يتضاحكان منه.
قال: فصرت إلى الرَّبيع والحسن - وكنّا لا نفترق - قال: فقلت: لا جزاكما الله عمّن وجَّهكما ولا عمّن وُجِّهتُما معه خيرًا؛ فقالَا: إيهٍ، وما الخبر؟ قال: قلت: موسى بن عيسى وعبد الملك بن صالح يتضاحكان من ابن أمير المؤمنين، أوَمَا كنتما تقدران أن تجعلا لهما مجلسًا يدخلان عليه فيه ولمن كان معه من القوّاد في الجمعة يدخلون عليه ويخلّوه في سائر أيامه لما يريد! قال: فبينا نحن في ذلك المسير إذ بعثا إليّ في الليل. قال: فجئت وعندهما رجل، فقالا لي: هذا غلام الغمر بن يزيد، وقد أصبنا معه كتاب الدولة. قال: ففتحت الكتابَ، فنظرت فيه إلى سِنِي المهديّ فإذا هي عشر سنين. قال: فقلت: ما في الأرض أعجب منكما! أتريان أنّ خبر هذا الغلام يخفى، وأن هذا الكتاب يستتر! قالا: كلّا، قلت: فإذا كان أمير المؤمنين قد نقص من سنيه ما نقص، أفلستم أوّلَ مَنْ نعى إليه نفسَه! قال: فتبلّدوا والله، وسُقط في أيديهما، فقالا: فما الحيلةُ؟ قلت: يا غلام عليّ بعنبسة - يعني الورَّاق الأعرابي مولى آل أبي بديل - فأتِيَ به، فقلت له: خط مثل هذا الخطّ، وورقة مثل هذه الورقة، وصيّر مكان عشر سنين أربعين سنة، وصيرها في الورقة، قال: فوالله لولا أني رأيتُ العشر في تلك والأربعين في هذه ما شككت أن الخَطّ ذلك الخط، وأن الورقة تلك الورقة.
قال: ووجّه المهديّ خالد بن برمك مع الرّشيد وهو وليّ العهد حين وجَّهه لغزو الروم، وتوجّه معه الحسن وسليمان ابنا برمك، ووجّه معه على أمر العسكر ونفقاته وكتابته والقيام بأمره يَحْيَى بن خالد - وكان أمر هارون كلّه إليه - وصُيِّر الرَّبيع الحاجب مع هارون يغزو عن المهديّ، وكان الذي بين الرَّبيع ويحيى على حسب ذلك؛ وكان يشاورهما ويعمل برأيهما؛ ففتح الله عليهم فتوحًا كثيرة، وأبلاهم في ذلك الوجه بلاءً جميلًا، وكان لخالد في ذلك بسَمَالو أثر جميل لم يكن لأحد؛ وكان منجّمهم يسمى البرمكيّ تبرّكًا به، ونظرًا إليه. قال: ولما ندب المهديّ هارون الرشيد لما ندبَه له من الغَزْو، أمر أن يدخل عليه كتَّاب
стр. 4956
أبناء الدّعوة لينظر إليهم ويختار له منهم رجلًا.
قال يَحْيَى: فأدخلوني عليه معهم، فوقفوا بين يديه، ووقفت آخرهم فقال لي: يا يَحْيَى، ادنُ، فدنوت، ثم قال لي: اجلس، فجلست فجثوتُ بين يديه، فقال لي: إنِّي قد تصفحت أبناء شيعتي وأهل دولتي، واخترت منهم رجلًا لهارون ابني أضمّه إليه ليقوم بأمر عسكره، ويتولى كتابته، فوقعتْ عليك خِيرتي له، ورأيتك أوْلَى به؛ إذ كنت مربّيَه وخاصّته، وقد ولّيتك كتابتَه وأمْرَ عسكره. قال: فشكرتُ ذلك له، وقبّلت يدَه، وأمر لي بمائة ألف درهم معونةً على سفري، فوُجّهت في ذلك العسكر لما وُجِّهت له.
قال: وأوفد الربيعُ سليمانَ بن برمك إلى المهديّ، وأوفد معه وفدًا، فأكرم المهديّ وفادته وفضله، وأحسن إلى الوفد الذين كانوا معه، ثم انصرفوا من وجههم ذلك.
* * *
عزل عبد الصمد بن عليّ عن الجزيرة وتولية زفر بن الحارث
وفي هذه السنة؛ سنة مسير المهديّ مع ابنه هارون، عزل المهديّ عبد الصَّمد بن عليّ عن الجزيرة، وولّى مكانه زفر بن عاصم الهلاليّ.
ذكر السبب في عزله إياه:
ذُكر أن المهديّ سلك في سَفْرته هذه طريق الموصل، وعلى الجزيرة عبد الصمد بن عليّ، فلما شخص المهديّ من الموصِل، وصار بأرض الجزيرة، لم يتلقّه عبد الصَّمد ولا هيَأ له نُزُلًا، ولا أصلح له قناطر. فاضطغن ذلك عليه المهديّ، فلما لقيه تجهّمه وأظهر له جفاءً، فبعث إليه عبد الصَّمد بألطافٍ لم يرضَها، فردَّها عليه، وازْدَاد عليه سخطًا، وأمر بأخذه بإقامة النّزل له، فتعبّث في ذلك، وتقنّع، ولم يزل يربي ما يكرهه إلى أن نزل حصن مسلمة، فدعا به، وجرى بينهما كلامٌ أغلظ له فيه القولَ المهديّ، فردّ عليه عبد الصَّمد ولم يحتمله، فأمر بحبسه وعَزْله عن الجزيرة، ولم يزل في حبسه في
стр. 4957
سفره ذلك وبعد أن رجع إلى أن رضي عنه. وأقام له العبّاس بن محمَّد النّزل، حتَّى انتهى إلى حلَب، فأتته البشرى بها بقتل المقنّع، وبعث وهو بها عبد الجبار المحتسب لجلب من بتلك الناحية من الزنادقة. ففعل، وأتاه بهم، وهو بدابِق، فقتل جماعة منهم وصلَبهم، وأُتِيَ بكتب من كتبهم فقطِّعت بالسكاكين ثم عرض بها جندَه، وأمر بالرحلة، وأشخص جماعة مَن وافاه من أهل بيته مع ابنه هارون إلى الروم، وشيّع المهديّ ابنَه هارون حتَّى قطع الدّرْب، وبلغ جيحان، وارتاد بها المدينة التي تسمى المهدية، وودّع هارون على نهر جيحان. فسار هارون حتى نزل رستاقًا من رساتيق أرض الرُّوم فيه قَلْعة، يقال لها سَمالو، فأقام عليها ثمانيًا وثلاثين ليلة، وقد نصب عليها المجانيق، حتَّى فتحها الله بعد تخريب لها، وعطش وجوع أصاب أهلها، وبعد قتل وجراحات كانت في المسلمين؛ وكان فتحها على شروط شرطوها لأنفسهم: لا يُقتَلوا ولا يُرحّلوا، ولا يُفرَق بينهم؛ فأُعطوا ذلك، فنزلوا، ووفّى لهم، وقفل هارون بالمسلمين سالمين إلَّا من كان أصيب منهم بها.
* * *
ثم دخلت سنة أربع وستين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
وفيها بَنَى المهديّ بعيساباذ الكبرى قصرًا من لَبِن، إلى أن أسس قصره الذي بالآجر: الذي سماه قصر السلامة؛ وكان تأسيسه إياه يوم الأربعاء في آخر ذي القعدة.
وفيها شخص المهديّ حين أسس هذا القصر إلى الكوفة حاجًّا، فأقام برُصافة الكوفة أيّامًا، ثم خرج متوجّهًا إلى الحج، حتَّى انتهى إلى العَقَبة، فغلَا عليه وعلى مَنْ معه الماء، وخاف ألّا يحمله ومَنْ معه ما بين أيديهم، وعرضتْ له مع ذلك حُمّى، فرجع من العقبة، وغضب على يقطين بسبب الماء؛ لأنَّه كان صاحبَ المصانع، واشتدّ على النَّاس العَطَش في منصرَفهم وعلى ظهرهم حتَّى أشفَوْا على الهَلكة.
وفيها تُوفِّيَ نصر بن محمَّد بن الأشعث بالسند.
стр. 4958
وفيها عزل عبد الله بن سليمان عن اليَمن عن سَخْطة، ووجَّه مَنْ يستقبله ويفتش متاعه، ويحصي ما معه، ثم أمر بحبسه عند الرّبيع حين قدم، حتَّى أقرّ من المال والجوهر والعنبر بما أقرّ به، فردّه إليه، واستعمل مكانه منصور بن يزيد بن منصور.
* * *
ثم دخلت سنة خمس وستين ومائة
وسار إلى الدُّمُسْتُق بنقُمودية وهو صاحب المسالح، وسار هارون في خمسة وتسعين ألفًا وسبعمائة وثلاثة وتسعين رجلًا، وحمل لهم من العَيْن مائة ألف دينار وأربعة وتسعين ألفًا وأربعمائة وخمسين دينارًا، ومن الوَرِق أحدًا وعشرين ألف ألف وأربعمائة ألف وأربعة عشر ألفًا وثمانمائة درهم. وسار هارون حتَّى بلغ خليج البحر الذي على القسطنطينية، وصاحب الرُّوم يومئذٍ أغُسْطه امرأة أليون؛ وذلك أن ابنها كان صغيرًا قد هلك أبوه وهو في حجرها، فجرت بينهما وبين هارون بن المهديّ الرّسل والسفراء في طلب الصلح والموادعة وإعطائه الفِدْية، فقبل ذلك منها هارون، وشرط عليها الوفاء بما أعطت له، وأن تقيم له الأدلّاء والأسواق في طريقه؛ وذلك أنَّه دخل مدخلا صعبًا مخوّفًا على المسلمين، فأجابته إلى ما سأل، والذي وقع عليه الصلح بينه وبينها تسعون أو سبعون ألف دينار، تؤديها في نيسان الأوَّل في كلّ سنة، وفي حزيران، فقبِل ذلك منها، فأقامت له الأسواق في منصرَفه، ووجّهت معه رسولًا إلى المهديّ بما بذلت على أن تؤدّي ما تيسّر من الذَّهب والفضة والعَرْض، وكتبوا كتاب الهدنة إلى ثلاث سنين، وسُلِّمَت الأسارَى. وكان الذي أفاء الله على هارون إلى أن أذعنت الروم بالجزية خمسة آلاف رأس وستمائة وثلاثة وأربعين رأسًا، وقتل من الروم في الوقائع أربعة وخمسون ألفًا، وقتِل من الأسارى صبرًا ألفان وتسعون أسيرًا. ومما أفاء الله عليه من الدوابّ الذلل بأدراتها عشرون ألف دابّة، وذبح من البقر والغنم مائة ألف رأس. وكانت المرتزقة سوى المطوّعة وأهل الأسواق مائة ألف، وبيع البرذَوْن بدرهم، والبغل بأقلّ من عشرة دراهم، والدّرْع بأقلّ من درهم، وعشرين سيفًا بدرهم، فقال مروان بن أبي حفصة في ذلك:
стр. 4959
أطفْتَ بِقُسْطَنْطِينَةِ الروم مُسْنِدًا ... إليها القَنَا حتَّى اكتسَى الذِّلَّ سورها
وما رِمْتَها حتَّى أَتَتك مُلوكُهَا ... بِجِزْيتها، والحَرْبُ تغلِي قدورُها (١)
* * *
ثم دخلت سنة ست وستين ومائة ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث
وفيها سخط المهديّ على يعقوب بن داود.
ذكر الخبر عن غضب المهديّ على يعقوب (٢)
ذكر عليّ بن محمَّد النوفليّ، قال: سمعت أبي يذكر، قال: كان داود بن طَهْمان - وهو أبو يعقوب بن داود - وإخوته كتّابًا لنصر بن سيّار، وقد كتب داود قبله لبعض ولاة خراسان؛ فلما كانت أيَّام يَحْيَى بن زيد كان يدسّ إليه وإلى أصحابه بما يسمع من نصر، ويحذّرهم؛ فلما خرج أبو مسلم يطلب بدم يَحْيَى بن زيد ويقتل قَتَلَتَه والمعيّنين عليه من أصحاب نصر، أتاه داود بن طَهْمان مطمئنًّا لما كان يعلم ممّا جرى بينه وبينه، فآمنه أبو مسلم، ولم يعرِض له في نفسه، وأخذ أمواله التي استفاد أيَّام نصر، وترك منازله وضِيعَه التي كانت له ميراثًا بمرْو، فلما مات داود خرج ولده أهلَ أدب وعلم بأيام النَّاس وسيرهم وأشعارهم، ونظروا فإذا ليست لهم عند بني العباس منزلة، فلم يطمعوا في خدمتهم لحال أبيهم من كتابة نصر؛ فلما رأوا ذلك أظهروا مقالة الزيديّة، ودنوْا من آل الحسين، وطمعوا أن يكون لهم دَوْلة فيعيشوا فيها. فكان يعقوب يجول البلاد منفردًا بنفسه، ومع إبراهيم بن عبد الله أحيانًا، في طلب البيعة لمحمد بن عبد الله، فلما ظهر محمَّد وإبراهيم بن عبد الله كتب عليّ بن داود - وكان أسنّ من يعقوب - لإبراهيم بن عبد الله، وخرج يعقوب مع عدّة من إخوته مع إبراهيم؛ فلما قتِل محمَّد وإبراهيم توارَوْا من المنصور، فطلبهم، فأخذ يعقوب وعليًّا فحبسهما في المطبَق أيّام حياته، فلما تُوفِّيَ المنصور، منّ عليهما المهديّ فيمن
стр. 4960
منّ عليه بتخلية سبيله، وأطلقهما. وكان معهما في المطبق إسحاق بن الفضل بن عبد الرحمن - وكانا لا يفارقانه - وإخوته الذين كانوا محتبسين معه، فجرت بينهم بذلك الصداقة. وكان إسحاق بن الفضل بن عبد الرحمن يرى أنّ الخلافة قد تجوز في صالحي بني هاشم جميعًا، فكان يقول: كانت الإمامة بعد رسول الله ﷺ لا تصلح إلَّا في بني هاشم؛ وهي في هذا الدهر لا تصلح إلَّا فيهم؛ وكان يكثر في قوله للأكبر من بني عبد المطلب؛ وكان هو ويعقوب بن داود يتجاريان ذلك؛ فلما خلَّى المهديّ سبيلَ يعقوب مكث المهديّ برهة من دهره يطلب عيسى بن زيد والحسن بن إبراهيم بن عبد الله بعد هرب الحسن من حبسه، فقال المهديّ يومًا: لو وجدتُ رجلًا من الزيديّة له معرفة بآل حسن وبعيسى بن زيد، وله فقه فأجتلبُه إليّ على طريق الفقه، فيدخل بيني وبين آل حسن وعيسى بن زيد! فدُلّ على يعقوب بن داود، فأتِيَ به فأدخِل عليه، وعليه يومئذٍ فَرْوٌ وخُفَّا كبْل وعمامة كَرابيس وكِساء أبيض غليظ. فكلّمه وفاتحه، فوجده رجلًا كاملًا، فسأله عن عيسى بن زيد؛ فزعم النّاس أنَّه وعده الدخول بينه وبينه، وكان يعقوب ينتفِي من ذلك؛ إلّا أنّ النَّاس قد رَموْه بأن منزلته عند المهديّ إنَّما كانت للسعاية بآل عليّ. ولم يزل أمره يرتفع عند المهديّ ويعلو حتَّى استوزره، وفوض إليه أمر الخلافة؛ فأرسل إلى الزيديّة، فأتى بهم مِنْ كلّ أوب، وولاهم من أمور الخلافة في المشرق والمغرب كل جليل وعمل نفيس، والدنيا كلها في يديه، ولذلك يقول بشار بن برد:
بَني أمَيَّةَ هُبُّوا طالَ نَومكُمُ ... إنَّ الخَليفَةَ يعقوبُ بن داودِ
ضاعَتْ خلافَتُكمْ يا قَوْمِ فاطَّلِبوا ... خَليفَةَ الله بَيْنَ الدُّفِّ والعود
قال: فحسده موالي المهديّ، فسعوْا عليه (١).
ومما حظِيَ به يعقوب عند المهديّ، أنَّه استأمنه للحسن بن إبراهيم بن عبد الله، ودخل بينه وبينه حتَّى جمع بينهما بمكّة. قال: ولما علم آل الحسن بن عليّ بصنيعِه استوحشوا منه، وعلم يعقوب أنَّه إن كانت لهم دولة لم يعشْ فيها، وعلم أن المهديّ لا يناظره لكثرة السعاية به إليه، فمال يعقوب إلى إسحاق بن
стр. 4961
الفضل، وأقبل يربّصُ له الأمور وأقبلت السعايات ترِدُ على المهديّ بإسحاق حتَّى قيل له: إن المشرق والمغرب في يد يعقوب وأصحابه؛ وقد كاتبهم؛ وإنَّما يكفيه أن يكتب إليهم فيثوروا في يوم واحدٍ على ميعاد، فيأخذوا الدُّنيا لإسحاق بن الفضل؛ فكان ذلك قد ملأ قلب المهديّ عليه (١).
قال عليّ بن محمَّد النوفليّ: فذكر لي بعض خدم المهديّ أنَّه كان قائمًا على رأسه يومًا يذبّ عنه، إذ دخل يعقوب، فجثا بين يديه، فقال: يا أميرَ المؤمنين، قد عرفت اضطراب أمر مصر، وأمرتني أن ألتمس لها رجلًا يجمع أمرها فلم أزل أرتاد حتَّى أصبت لها رجلًا يصلح لذلك. قال: ومَنْ هو؟ قال: ابن عمّك إسحاق بن الفضل، فرأى يعقوب في وجهه التغيّر، فنهض فخرج، وأتبعه المهديّ طرفه، ثم قال: قتلني الله إن لم أقتلك! ثم رفع رأسه إليّ وقال: اكتم عليّ ويلك! قال: ولم يزل مواليه يحرِّضونه عليه ويُوحشونه منه، حتَّى عزم على إزالة النعمة عنه (٢).
وقال موسى بن إبراهيم المسعوديّ: قال المهديّ: وُصف لي يعقوب بن داود في منامي، فقيل لي أن اتّخذْه وزيرًا. فلما رآه، قال: هذه والله الخلقة التي رأيتُها في منامي، فأتخذه وزيرًا، وحَظِيَ عنده غاية الحظوة، فمكث حينًا حتَّى بنى عيساباذ، فأتاه خادم من خَدَمه - وكان حظيًّا عنده - فقال له: إن أحمد بن إسماعيل بن عليّ، قال لي: قد بنى متنزَّهًا أنفق عليه خمسين ألف ألف من بيت مال المسلمين، فحفظها عن الخادم، ونسي أحمد بن إسماعيل، وتوهّمها على يعقوب بن داود، فبينا يعقوب بين يديه إذْ لببَه، فضرب به الأرض، فقال: مالي ولك يا أمير المؤمنين! قال: ألست القائل: إنِّي أنفقت على متنزَّه لي خمسين ألف ألف! فقال يعقوب: والله ما سمعتْه أذناي، ولا كتبه الكرام الكاتبون؛ فكان هذا أول سبب أمره.
قال: وحدّثني أبي، قال: كان يعقوب بن داود قد عرف عن المهديّ خلعًا واستهتارًا بذكر النساء والجماع، وكان يعقوب بن داود يصف من نفسه في ذلك
стр. 4962
شيئًا كثيرًا، وكذلك كان المهديّ، فكانوا يخلُون بالمهديّ ليلًا فيقولون: هو على أنَّ يصبح فيثور بيعقوب؛ فإذا أصبح غدًا عليه يعقوب وقد بلغه الخبر، فإذا نظر إليه تبسّم، فيقول: إنّ عندك لخيرًا! فيقول: نعم، فيقول: اقعد بجانبي فحدِّثني، فيقول: خلوت بجاريتي البارحة، فقالت وقلت، فيصنع لذلك حديثًا، فيحدّث المهديّ بمثل ذلك، ويفترقان على الرضا، فيبلغ ذلك مَنْ يسعى على يعقوب، فيتعجّب منه (١).
قال: وقال لي الموصليّ: قال يعقوب بن داود للمهديّ في أمر أراده: هذا والله السرف، فقال: ويلك! وهل يحسن السرف إلَّا بأهل الشرف! ويْلك يا يعقوب، لولا السرف لم يعرَف المكثرون من المقترين (٢).
وقال عليّ بن يعقوب بن داود عن أبيه، قال: بعث إليّ المهدي يومًا، فدخلت عليه، فإذا هو في مجلس مفروش بفَرْش مُوَرّد متناهٍ في السرور على بستان فيه شجر، ورؤوس الشجر مع صحن المجلس، وقد اكتسى ذلك الشجر بالأوراد والأزهار من الخَوْخ والتفاح، فكلّ ذلك مورّد يشبه فرش المجلس الذي كان فيه، فما رأيت شيئًا أحسَن منه؛ وإذا عنده جارية ما رأيتُ أحسنَ منها، ولا أشطَّ قَوامًا، ولا أحسن اعتدالًا، عليها نحو تلك الثياب، فما رأيت أحسن من جملة ذلك. فقال لي: يا يعقوب، كيف ترى مجلسنا هذا؟ قلت: على غاية الحسن، فمتَع الله أمير المؤمنين به، وهنّأه إياه فقال: هو لك، احمله بما فيه وهذه الجارية ليتمّ سرورك به. قال: فدعوت له بما يجب. قال: ثم قال: يا يعقوب، ولي إليك حاجة، قال: فوثبتُ قائمًا ثم قلت: يا أميرَ المؤمنين، ما هذا إلَّا من موجدة، وأنا أستعيذ بالله من سخط أمير المؤمنين! قال: لا،
стр. 4963
ولكن أحبّ أن تضمن لي قضاء هذه الحاجة فإنّي لم أسألكها من حيث تتوهّم، وإنَّما قلت ذلك على الحقيقة، فأحبّ أن تضمنَ لي هذه الحاجة وأن تقضيَها لي، فقلت: الأمر لأمير المؤمنين وعليّ السمع والطاعة، قال: والله - قلت والله ثلاثًا - قال: وحياة رأسي! قلت: وحياة رأسك، قال: فضع يدك عليه واحلف به، قال: فوضعت يدي عليه، وحلفت له به لأعملنّ بما قال، ولأقضينّ حاجته. قال: فلما استوثق مني في نفسه، قال: هذا فلان بن فلان، من ولد عليّ، أحبّ أن تكفيَني مؤونته، وتريحني منه، وتعجِّل ذلك. قال: قلت: أفعل، قال: فخذه إليك، فحوّلته إليّ، وحوّلت الجارية وجميع ما كان في البيت من فرش وغير ذلك، وأمر لي معه بمائة ألف درهم (١).
قال: فحملت ذلك جملة، ومضيتُ به، فلشدّة سروري بالجارية صيّرتها في مجلس بيني وبينها ستر، وبعثتُ إلى العلويّ، فأدخلته على نفسي، وسألته عن حاله، فأخبرني بها، وبجُمَل منها، وإذا هو ألبّ النَّاس وأحسنُهم إبانة.
قال: وقال لي في بعض ما يقول: وَيْحك يا يعقوب! تلقى الله بدمي، وأنا رجل من ولد فاطمة بنت محمَّد! قال: قلت: لا والله فهل فيك خير؟ قال: إن فعلتَ خيرًا شكرتُ ولك عندي دعاء واستغفار. قال: فقلت له أي الطرق أحبُّ إليك؟ قال: طريق كذا وكذا، قلتُ: فَمنْ هناك ممّن تأنس به وتثق بموضعه؟ قال: فلان وفلان، قلت: فابعث إليهما، وخُذْ هذا المال، وامض معهما مصاحبًا في ستر الله، وموعدك وموعدهما للخروج من دارِي إلى موضع كذا وكذا - الذي اتفقوا عليه - في وقت كذا وكذا من الليل؛ وإذا الجاريةُ قد حفظت عليّ قولي؛ فبعثتْ به مع خادم لها إلى المهديّ، وقالت: هذا جزاؤك من الذي آثرته على نفسك؛ صنع وفعل كذا وكذا؛ حتَّى ساقت الحديث كلّه، قال: وبعث المهديّ من وقته ذلك، فشحن تلك الطرق والمواضع التي وصفها يعقوب والعلوّي برجاله، فلم يلبث أن جاءوه بالعلويّ بعينه وصاحبيه والمال، على السجيّة التي حكتها الجارية. قال: وأصبحتُ من غدِ ذلك اليوم، فإذا رسولُ المهديّ يستحضرني - قال: وكنتُ خاليَ الذرع غير مُلقٍ إلى أمر العَلويّ بالًا حتَّى
стр. 4964
أدخُل على المهديّ، وأجده على كرسيّ بيده مخصرة - فقال: يا يعقوب ما حال الرجل؟ قلتُ: يا أمير المؤمنين، قد أراحك الله منه، قال: مات؟ قلت: نعم، قال: والله، ثم قال: قم فضع يدَك على رأسي؛ قال: فوضعت يدي على رأسه، وحلفتُ له به. قال: فقال: يا غلام، أخرج إلينا ما في هذا البيت، قال: ففتح بابه على العلويّ وصاحبيه والمال بعينه. قال: فبقيتُ متحيّرًا، وسُقِط في يدي، وامتنع مني الكلام، فما أدري ما أقول! قال: فقال المهديّ: لقد حلَّ لي دمك لو آثرتُ إراقته، ولكن احبسوه في المطبَق؛ ولا أذكَّر به، فحبِستُ في المطبَق، واتُّخذ لي فيه بئرٌ فدُلِّيت فيها، فكنت كذلك أطولَ مئة لا أعرف عدد الأيَّام وأصِبْتُ ببصري، وطال شعري، حتَّى استرسل كهيئة شعور البهائم. قال: فإنّي لكذلك، إذ دُعي بي فمُضِيَ بي إلى حيث لا أعلم أين هو، فلم أعْدُ أن قيل لي: سلّم على أمير المؤمنين، فسلمت، فقال: أي أمير المؤمنين أنا؟ قلت: المهدي، قال: رحم الله المهديّ، قلت: فالهادي؟ قال: رحم الله الهادي، قلت: فالرّشيد؟ قال: نعم؛ قلت: ما أشكّ في وقوف أمير المؤمنين على خبري وعلّتي وما تناهتْ إليه حالي، قال: أجل، كلُّ ذلك عندي قد عرف أمير المؤمنين، فسَلْ حاجتَك، قال: قلت: المقام بمكّة، قال: نفعل ذلك، فهل غير هذا؟ قال: قلت: ما بقي فيّ مستَمتع لشيء لا بلاغ، قال: فراشدًا. قال: فخرجتُ فكان وجهي إلى مكّة. قال ابنه: ولم يزل بمكة فلم تطُل أيامه بها حتَّى مات (١).
قال محمَّد بن عبد الله: قال لي أبي: قال يعقوب بن داود: وكان المهديّ لا يشرب النّبيذَ إلَّا تحرّجًا؛ ولكنه كان لا يشتهيه؛ وكان أصحابه: عمر بن بَزيع والمعلّى مولاه والمفضّل ومواليه يشربون عنده بحيث يراهم، قال: وكنت أعِظه في سَقْيهم النبيذ وفي السماع، وأقول: إنَّه ليس على هذا استوزرتَني ولا على
стр. 4965
هذا صحبتك؛ أبعْد الصّلوات الخمس في المسجد الجامع، يشُرب عندك النبيذ وتسمع السماع! قال: فكان يقول: قد سمع عبدُ الله بن جعفر، قال: قلت: ليس هذا من حسناته؛ لو أنّ رجلًا سمع في كلّ يوم كان ذلك في يزيده قربة من الله أو بعدًا! (١).
وقال محمَّد بن عبد الله: حدّثني أبي، قال: كان أبي يعقوب بن داود قد ألحّ على المهديّ في حَسْمِه عن السماع وإسقائه النبيذ حتَّى ضيّق عليه؛ وكان يعقوب قد ضجِر بموضعه، فتاب إلى الله مما هو فيه؛ واستقبل وقدّم النيِّة في تركه موضعه. قال: فكنت أقول للمهدي: يا أمير المؤمنين؛ والله لشربةُ خمر أشربها أتوب إلى الله منها أحبّ إليّ مما أنا فيه؛ وإني لأركب إليك فأتمنى يدًا خاطئة تصيبني في الطَّريق، فأعفني وولِّ غيري من شئت؛ فإنّي أحبّ أن أسلِّم عليك أنا وولدي؛ ووالله إنِّي لأتفزّع في النوم؛ ولّيتَني أمور المسلمين وإعطاء الجند، وليس دنياك عوضًا من آخرتي. قال: فكان يقول لي: اللَّهم غفرًا! اللَّهم أصلح قلبه قال فقال شاعر له:
فَدَعْ عنك يعقوبَ بنَ داودَ جانبًا ... وأَقبِلْ على صَهباءَ طَيّبةِ النَّشرِ (٢)
قال عبد الله بن عمر: وحدّثني جعفر بن أحمد بن زيد العلويّ، قال: قال ابن سلّام: وهب المهديّ لبعض ولد يعقوب بن داود جاريًا، وكان بِضَعف قال: فلمَّا كان بعد أيَّام، سأله عنها، فقال: يا أميرَ المؤمنين؛ ما رأيتُ مثلها، ما وضعتُ بيني وبين الأرض مطيّةً أوطأ منها حاشا سامع. فالتفت المهديّ إلى يعقوب، فقال له: من تراه يَعْني؟ يعنيني أو يعنيك؟ فقال له يعقوب: من كلّ شيء تحفظ الأحمقّ إلَّا من نفسه.
وقال عليّ بن محمَّد النوفليّ: حدّثني أبي، قال: كان يعقوب بن داود يدخلُ
стр. 4966
على المهديّ فيخلو به ليلًا يحادثه ويسامره؛ فبينما هو ليلةً عنده؛ وقد ذهب من الليل أكثره، خرج يعقوب من عنده، وعليه طيلسان مصبوغ هاشميّ؛ وهو الأزرق الخفيف؛ وكان الطَيْلسان قد دق دقًّا شديدًا فهو يتقعقع، وغلام آخذ بعنان دابّة له شهباء، وقد نام الغلام، فذهب يعقوب يسوّي طيلسانَه فتقعقع، فنفر البِرْذونُ، ودنا منه يعقوب، فاستدبره فضربه ضربة على ساقه فكسرها، وسمع المهديّ الوجبَةَ، فخرج حافيًا؛ فلما رأى ما به أظهر الجزع والفَزَع، ثم أمر به فحمِل في كرسيّ إلى منزله، ثم غدًا عليه المهديّ مع الفجر؛ وبلغ ذلك النَّاس، فغدَوْا عليه، فعاده أيامًا ثلاثة متتابعة، ثم قعد عن عيادته، وأقبل يرسل إليه يسأله عن حاله، فلما فَقد وجهه، تمكن السعاة من المهديّ، فلم تأتِ عليه عاشرة حتَّى أظهر السّخط عليه، فتركه في منزله يعالج، ونادى في أصحابه: لا يوجد أحدٌ عليه طيلسان يعقوبيّ، وقلنسوة يعقوبية إلّا أخِذت ثيابُه. ثم أمر بيعقوب فحبِس في سجن نصر (١).
قال النوفليّ: وأمر المهديّ بعزْل أصحاب يعقوب عن الولايات في الشَّرق والغرب، وأمر أن يؤخذ أهلُ بيته، وأن يُحبَسوا ففعل ذلك بهم.
وقال عليّ بن محمَّد: لما حبِس يعقوب بن داود وأهل بيته، وتفرّق عمالة واختفوْا وتشرّدوا، أذكِر المهديّ قصّته وقصة إسحاق بن الفضل، فأرسل إلى إسحاق ليلًا وإلى يعقوب، فأتِيَ به من محبسه، فقال: ألم تخبرني بأنّ هذا وأهل بيته يزعمون أنّهم أحق بالخلافة منا أهلَ البيت؛ وأن لهم الكبر علينا! فقال له يعقوب: ما قلتُ لك هذا قطّ، قال: وتكذّبني وتردّ عليّ قولي! ثم دعا له بالسِّياط فضربه اثنتي عشر سوطًا ضربًا مبرّحًا، وأمر به فرُدّ إلى الحبس.
قال: وأقبل إسحاق يحلِف أنَّه لم يقُلْ هذا قطّ، وأنَّه ليس من شأنه. وقال فيما يقول: وكيف أقول هذا يا أمير المؤمنين، وقد مات جدِّي في الجاهليّة وأبوك الباقي بعد رسول الله ﷺ ووارثه! فقال: أخرجوه، فلما كان من الغد دعا بيعقوب، فعاوده الكلام الذي كلمه في ليلته، فقال: يا أمير المؤمنين،
стр. 4967
لا تعجل عليّ حتَّى أذكِّرك، أتذكر وأنت في طارمة على النّهرِ؛ وأنت في البستان وأنا عندك؛ إذ دخل أبو الوزير - قال عليّ: وكان أبو الوزير ختنَ يعقوب بن داود على ابنة صالح بن داود - فخبّرك هذا الخبر عن إسحاق؟ قال: صدَقت يا يعقوب، قد ذكرتُ ذلك، فاستحى المهديّ، واعتذر إليه من ضربه، ثم ردّه إلى الحبس، فمكث محبوسًا أيَّام المهديّ وأيام موسى كلّها حتَّى أخرجه الرّشيد بميله كان إليه في حياة أبيه (١).
* * *
стр. 4968
وفيها أمر المهديّ بإقامة البَريد بين مدينة الرسول ﷺ وبين مكّة واليمن؛ بغالًا وإبلًا؛ ولم يُقَم هنالك بريدٌ قبل ذلك.
وفيها أخذ داود بن روح بن حاتم وإسماعيل بن سليمان بن مجالد ومحمد بن أبي أيوب المكيِّ ومحمد بن طيفور في الزّندقة، فأقرّوا، فاستتابهم المهديّ وخلّى سبيلَهم، وبعث بداود بن روْح إلى أبيه روح؛ وهو يومئذٍ بالبَصْرة عاملًا عليها، فمنّ عليه، وأمره بتأديبه.
وفيها قدم الوضّاح الشَرويّ بعبد الله بن أبي عبيد الله الوزير - وهو معاوية بن عبيد الله الأشعريّ من أهل الشَّام - وكان الذي يسعى به ابن شَبَابة وقد رُمِيَ بالزندقة. وقد ذكرنا أمره ومقتله قبل.
ثم دخلت سنة سبع وستين ومائة ذكر الأحداث التي كانت فيها
وقيل إنّ عيسى بن موسى توفيَ وروح على الكوفة، لثلاث بقِين من ذي الحِجَّة، فحضر رَوْح جنازته، فقيل له: تقدَّم فأنت الأمير، فقال: ما كان الله ليَرى روحًا يصلِّي على عيسى بن موسى، فليتقدّم أكبر ولده، فأبوا عليه وأبى عليهم، فتقدم العباس بن عيسى، فصلّى على أبيه. وبلغ ذلك المهديّ، فغضب على روح، وكتب إليه:
قد بلغني ما كان من نُكوصك عن الصَّلاة على عيسى، أبنفسك، أم بأبيك، أم بجدِّك كنت تصلي عليه! أوليس إنَّما ذلك مقامي لو حضرتُ. فإذا غبتُ كنتَ أنت أولى به لموضعك من السلطان! .
وأمر بمحاسبته، وكان يلي الخراج مع الصَّلاة والأحداث.
وتوفِّيَ عيسى والمهديّ واجدٌ عليه وعلى ولده، وكان يكره التقدّم عليه لجلالته.
وفيها عزل المهدي أبا عبيد الله معاوية بن عبيد الله عن ديوان الرسائل، وولّاه
стр. 4969
الرَّبيع الحاجب، فاستخلف عليه سعيد بن واقد، وكان أبو عبيد الله يدخل على مرتبته.
وفيها فشا الموت، وسعال شديد ووباء شديد ببغداد والبصرة.
وفيها تُوفِّيَ أبان بن صدقة بجُرجان، وهو كاتب موسى على رسائله، فوجّه المهديّ مكانه أبا خالد الأحول يزيد خليفة أبي عبيد الله.
وفيها عزل يَحْيَى الحرشيّ عن طبرستان والرُّويان، وما كان إليه من تلك الناحية ووليها عمر بن العلاء وولي جرجان فرَاشة مولى المهديّ، وعزل عنها يَحْيَى الحرشي.
وفيها أظلمت الدُّنيا لليالٍ بَقين من ذي الحجّة، حتَّى تعالى النهار.
ولم يكن فيها صائفة، للهدنة التي كانت بين المسلمين والرّوم.
ثم دخلت سنة ثمان وستين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
وفيها وجّه المهديّ سعيدًا الحرَشيّ إلى طبرستان في أربعين ألف رجل.
وفيها مات عمر الكلواذيّ صاحب الزنادقة، وولِّيَ مكانه حمدَوَيْه، وهو محمَّد بن عيسى من أهل مَيْسان.
وفيها قتل المهديّ الزنادقة ببغداد.
وفيها ردّ المهديّ ديوانه وديوان أهل بيته إلى المدينة ونقله من دمشق إليها.
وفيها خرج المهديّ إلى نهر الصّلة أسفل واسط - وإنَّما سُمِّي نهر الصِّلة فيما ذكر لأنَّه أراد أن يُقطِع أهل بيته وغيرهم غَلته، يصلهم بذلك.
وفيها ولّى المهديّ عليّ بن يقطين ديوان زمام الأزمّة على عمر بن بزيع.
وذكر أحمد بن موسى بن حمزة، عن أبيه: قال: أوَل مَنْ عمل ديوان الزّمام عمر بن بزيع في خلافة المهديّ، وذلك أَنَّه لمّا جُمعت له الدواوين تفكّر، فإذا هو لا يضبطها إلّا بزمام يكون له على كلّ ديوان، فأتخذ دواوين الأزمة، وولّى
стр. 4970
كل ديوان رجلًا، فكان وإليه على زمام ديوان الخراج إسماعيل بن صُبيح، ولم يكن لبني أميَّة دواوين أزمَّة.
* * *
ثم دخلت سنة تسع وستين ومائة ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها
* * *
* ذكر الخبر عن خروجه إلها:
ذكر أن المهديّ كان في آخر أمره قد عزم على تقديم هارون ابنه على ابنِه موسى الهادي، وبعث إليه وهو بجُرجان بعض أهل بيته ليقطع أمر البيعة، ويقدّم الرّشيد فلم يفعل، فبعث إليه المهديّ بعضَ الموالي، فامتنع عليه موسى من القدوم، وضرب الرّسول، فخرج المهديّ بسبب موسى وهو يريده بجُرجان فأصابه ما أصابه.
وذكر الباهليّ أن أبا شاكر أخبره - وكان من كتَّاب المهديّ على بعض دواوينه - قال: سأل عليّ بن يقطين المهديَّ أن يتغدّى عنده، فوعده أن يفعل، ثم اعتزم على إتيان ماسَبَذان، فوالله لقد أمرَ بالرحيل كأنه يُساق إليها سوقًا، فقال له عليّ: يا أميرَ المؤمنين، إنك قد وعدتني أن تتغدّى عندي غدًا، قال: فاحمل غَدَاءك إلى النَّهروَان. قال: فحمله فتغدّى بالنَّهروان، ثم انطلق.
وفيها توفّي المهديّ.
* * *
[ذكر الخبر عن وفاة المهدي]
ذكر الخبر في سبب وفاته:
اختلف في ذلك، فذكر عن واضح قَهرمان المهديّ، قال: خرج المهدي يتصيد بقرية يقال لها الرذّ بماسَبَذان، فلم أزل معه إلى بعد العصر، وانصرفت إلى مضربي - وكان بعيدًا من مضربه - فلما كان في السَّحَر الأكبر ركبت لإقامة
стр. 4971
الوظائف، فإنّي لأسير في بَرّيّة، وقد انفردت عمَّن كان معي من غلماني وأصحابي، إذ لقيني أسود عريان على قَتَد رَحْل، فدنا مني، ثم قال لي: أبا سهل، عظّم الله أجرك في مولاك أمير المؤمنين! فهممتُ أن أعلوَه بالسّوط، فغاب من بين يديّ، فلما انتهيتُ إلى الرِّواق لقيني مسرور، فقال لي: أبا سهل، عظم الله أجرك في مولاك أمير المؤمنين! فدخلت فإذا أنا به مسجَّىً في قبَّة، فقلت: فارقتكم بعد صلاة العصر، وهو أسرّ ما كان حالًا وأصحّه بدنًا، فما كان الخبر؟ قال: طردت الكلابُ ظبيًا، فلم يزل يتبعها، فاقتحم الظبي باب خربة، فاقتحمت الكلاب خلفه، واقتحم الفرس خلف الكلاب، فدُقّ ظهرُه في باب الخرِبة، فمات من ساعته.
وذكر أن عليّ بن أبي نعيم المروزيّ، قال: بعثتْ جارية من جواري المهديّ إلى ضَرة لها بلبَأ فيه سمّ، وهو قاعد في البستان، بعد خروجه من عيساباذ، فدعا به فأكل منه، ففرِقت الجارية أن تقول له: إنَّه مسموم.
وحدّثني أحمد بن محمَّد الرّازيّ، أن المهديّ كان جالسًا في عُلِّيَة في قصر بماسبَذَان، يُشرف من منظرةٍ فيها على سفله، وكانت جاريته حسَنَة، قد عمدت إلى كُمَّثراتين كبيرتين، فجعلتهما في صِينيَّة، وسمّت واحدة منهما وهي أحسنهما وأنضجهما في أسفلها، وردّت القِمَع فيها، ووضعتها في أعلى الصينيَّة - وكان المهديّ يعجبه الكُمثرى - وأرسلت بذلك مع وصيفة لها إلى جارية للمهديّ - وكان يتحظَّاها - تريد بذلك قتلها، فمرّت الوَصيفة بالصينيَّة التي فيها تلك الكُمثرى، تريد دفعها إلى الجارية التي أرسلتها حسَنَة إليها، بحيث يراها المهديّ من المنظرة، فلما رآها ورأى معها الكمثرى، دعا بها، فمدّ يده إلى الكُمثراة التي في أعلى الصينيّة وهي المسمومة، فأكلها، فلما وصلت إلى جوفه صرخ: جوفي! ! وسمعت حَسَنة الصوت، وأخبرت الخبر، فجاءت تلطُم وجهها وتبكي، وتقول: أردت أن أنفرد بك، فقتلتك يا سيّدي! فهلك من يومه.
وذكر عبد الله بن إسماعيل صاحب المراكب، قال: لما صرنا إلى ماسَبَذان دنوتُ إلى عنانه، فأمسكت بهوما به علّة، فوالله ما أصبح إلَّا ميِّتًا، فرأيت حَسَنة وقد رجعت، وإن على قُبتّها المسوح، فقال أبو العتاهية في ذلك:
رُحْنَ في الوَشْي وأَصْبَحْـ ... ـنَ عليهنَّ المُسُوحُ
стр. 4972
كل نَطَّاحٍ مِنَ الدَّهـ ... ـرِ له يومٌ نَطوحُ
لَسْتَ بالباقي ولو ... عُمِّرْتَ ما عُمّرَ نوحُ
فَعَلى نفسِك نُحْ إن ... كنتَ لابُدَّ تَنُوحُ
وذكر صالح القارئ أنّ عليّ بن يقطين، قال: كنّا مع المهديّ بماسَبَذان فأصبح يومًا فقال: إنِّي أصبحت جائعًا، فأتِيَ بأرغفة ولحم بارد مطبوخ بالخل، فأكل منه ثم قال: إنِّي داخلٌ إلى البَهْو ونائم فيه، فلا تنبِّهوني حتَّى أكون أنا الذي أنتبه، ودخل البهو فنام، ونمنا نحن في الدار في الرِّواق، فانتبهنا ببكائه، فقمنا إليه مسرعين، فقال: أما رأيتم ما رأيت؟ قلنا: ما رأينا شيئًا، قال: وقف على الباب رجل، لو كان في ألف أو في مائة ألف رجل ما خفِيَ عليّ، فأنشد يقول:
كأَنِّي بهذا القَصْرِ قد بادَ آهِلُهْ ... وأَوحَش منه رَبْعُهُ ومنازلُهْ
وصار عميدُ القومِ مِنْ بعدِ بهجةٍ ... ومُلكٍ إلى قبر عليه جنادله
فلم يَبْقَ إِلا ذكرُهُ وحَديثُهُ ... تنادي عليه معْوِلاتٍ حلائلهْ
قال: فما أتت عليه عاشرة حتَّى مات.
* * *
ذكر الخبر عن الموضع الذي دفن فيه ومَنْ صلّى عليه
ذُكر أن المهديّ توفِّيَ بقرية من قرى ماسَبَذان، يقال لها الرُّذّ، وفي ذلك يقول بَكّار بن رَبَاح:
أَلَا رحمةُ الرحمنِ في كلِّ ساعَةٍ ... على رمَّةٍ رَمَّتْ بِماسَبَذانِ
لقد غَيَّبَ القبرُ الذي تمّ سُودَدا ... وَكَفَّينِ بالمعروفِ تَبْتَدِرانِ
وصلَّى عليه ابنُه هارون، ولم توجد له جنازة يُحمَل عليها، فحُمل على باب، ودفن تحت شجرة جَوْز كان يجلس تحتها.
وكان طويلًا مُضمّر الخلْق، جَعْدًا. واختُلف في لونه فقال بعضهم: كان أسمر، وقال بعضهم: كان أبيض.
وكان في عينه اليمنى - في قول بعضهم - نُكتة بياض. وقال بعضهم: كان ذلك بعينه اليسرى.
стр. 4973
وكان وُلد بإيذَج.
ذكر بعض سِير المهديّ وأخباره
ذُكر عن هارون بن أبي عبيد الله، قال: كان المهديّ إذا جلس للمظالم، قال: أدخِلوا عليّ القضاة، فلو لم يكن ردِّي للمظالم إلَّا للحياء منهم لَكفى.
وذكر الحسن بن أبي سعيد، قال: حدّثني عليّ بن صالح، قال: جلس المهديّ ذات يوم يعطي جوائز تقسم بحضرته في خاصّته من أهل بيته والقوّاد، وكان يُقرأ عليه الأسماء، فيأمر بالزيادة، العشرة الآلاف والعشرين الألف، وما أشبه ذلك، فعُرِض عليه بعض القوّاد، فقال: يُحَطّ هذا خمسمائة، قال: لم حططتَنِي يا أمير المؤمنين؟ قال: لأني وجّهتُك إلى عدوٍّ لنا فانهزمت. قال: كان يسرّك أن أقتل؟ قال: لا، قال: فوالذي أكرمك بما أكرمك به من الخلافة لو ثَبَت لقتِلت، فاستحيا المهديّ منه، وقال: زده خمسة آلاف.
قال الحسن: وحدّثني عليّ بن صالح، قال: غضب المهديّ على بعض القوّاد - وكان عَتَب عليه غير مرَّة - فقال له: إلى متى تذنب إليّ وأعفو؟ قال: إلى أبدٍ نسيء، ويبقيك الله فتعفو عنا، فكررها عليه مرات، فاستحيا منه ورضي عنه.
وذكر محمَّد بن عمر، عن حفص مولى مُزينة، عن أبيه، قال: كان هشام الكلبيّ صديقًا لي، فكنّا نتلاقى فنتحدث ونتناشد، فكنت أراه في حالٍ رثّة وفي أخلاق على بغلة هزيل، والضُّر فيه بيِّن وعلى بغلته، فما راعني إلّا وقد لقيني يومًا على بغلة شقراءَ من بغال الخلافة، وسَرْج ولجام من سروج الخلافة ولُجُمها، في ثياب جِياد ورائحة طيِّبة، فأظهرتُ السرور، ثم قلت له: أرى نعمة ظاهرةً، قال لي: نعم، أخبرك عنها، فاكتم، فبينما أنا في منزلي منذ أيَّام بين الظهر والعصر، إذ أتاني رسول المهديّ فسرت إليه، ودخلت عليه وهو جالس خالٍ ليس عنده أحد، وبين يديه كتاب، فقال: ادنُ يا هشام، فدنوتُ فجلست بين يديه، فقال: خذ هذا الكتاب فاقرأه. ولا يمنعك ما فيه مما تستفظعه أن تقرأه. قال: فنظرت في الكتاب، فلما قرأت بعضَه استفظعتُه، فألقيته من يدي، ولعنت كاتبه، فقال لي: قد قلت لك: إن استفظعتَه فلا تُلقِه، اقرأه بحقي عليك
стр. 4974
حتَّى تأتي على آخره! قال: فقرأته فإِذا كتاب قد ثلبه فيه كاتبه ثلْبًا عجيبًا، لم يبقِ له فيه شيئًا، فقلت: يا أمير المؤمنين، مَنْ هذا الملعون الكذاب؟ قال: هذا صاحب الأندلس، قال: قلت: فالثلب والله يا أمير المؤمنين فيه وفي آبائه وفي أمهاته. قال: ثم اندرأت أذكر مثالبهم، قال: فسُرَّ بذلك، وقال: أقسمت عليك لما أمللت مثالبهم كلها على كاتب. قال: ودعا بكاتب من كتاب السرّ، فأمره فجلس ناحية، وأمرني فصرت إليه، فصدّر الكاتب من المهديّ جوابًا، وأمللتُ عليه مثالبهم فأكثرت، فلم أبْقِ شيئًا حتَّى فرغتُ من الكتاب، ثم عرضتُه عليه، فأظهر السرور، ثم لم أبرح حتَّى أمر بالكتاب فخُتِم، وجُعل في خريطة، ودُفع إلى صاحب البريد، وأمر بتعجيله إلى الأندلس. قال: ثم دعا بمنديل فيه عشرة أثواب من جِياد الثياب وعشرة آلاف درهم، وهذه البغلة بسرجها ولجامها، فأعطاني ذلك، وقال لي: اكتم ما سمعت.
قال الحسن: وحدّثني مِسوَر بن مساور، قال: ظلمني وكيل للمهديّ وغصبَني ضَيْعةً لي فأتيت سلَّامًا صاحب المظالم، فتظلمت منه وأعطيته رقعة مكتوبة، فأوصل الرّقعة إلى المهديّ، وعنده عمه العباس بن محمدّ وابن عُلاثة وعافية القاضي. قال: فقال لي المهديّ: ادنُهْ، فدنوت، فقال: ما تقول؟ قلت: ظلَمتَني، قال: فترضى بأحد هذين؟ قال: قلت: نعم، قال: فادنُ مني، فدنوت منه حتَّى التزقت بالفراش، قال: تكلّم، قلت: أصلح الله القاضي! إنَّه ظلمني في ضيعتي هذه، فقال القاضي: ما تقول يا أمير المؤمنين؟ قال: ضيعتي وفي يدي، قال: قلت: أصلح الله القاضي! سَلْهُ، صارت الضيعة إليه قبل الخلافة أو بعدها؟ قال: فسأله: ما تقول يا أمير المؤمنين؟ قال: صارت إليّ بعد الخلافة. قال: فأطلِقها له، قال: قد فعلت، فقال العبّاس بن محمَّد: والله يا أمير المؤمنين لَذا المجلس أحبّ إليّ من عشرين ألف ألف درهم.
قال: وحدّثني عبد الله بن الرَّبيع، قال: سمعتُ مجاهدًا الشاعر يقول: خرج المهديّ متنزّهًا، ومعه عمر بن بزيع مولاه، قال: فانقطعنا عن العسكر، والنّاس في الصيد، فأصاب المهديّ جوع، فقال: ويحك! هل من شيء؟ قال: ما من شيء، قال: أرى كوخًا وأظنّها مبقلة، فقصدنا قصدَه، فإذا نَبَطِيّ في كوخ ومبقلة، فسلّمنا عليه، فردّ السَّلام، فقلنا له: هل عندك شيء نأكل؟ قال: نعم
стр. 4975
عندي رُبَيْثاء وخبز وشعير، فقال المهديّ: إن كان عندك زيت فقد أكملتَ، قال: نعم، قال: وكرّاث؟ قال: نعم، ما شئت وتمر. قال: فعدا نحو المبقلة، فأتاهم ببقْل وكُرّاث وبصل، فأكلا أكلًا كثيرًا، وشبِعا، فقال المهديّ لعمر بن بزيع: قل في هذا شعرًا، فقال:
إنَّ مَنْ يُطْعِمُ الرُبَيثاءَ بالزَّيـ ... ـتِ وخُبزَ الشعير بالكُرّاثِ
لحقيقٌ بِصفْعَةٍ أَو بِثنْتَيْـ ... ـنِ لِسوء الصنيعِ أَوْ بِثَلاثِ
فقال المهديّ: بئس ما قلت، ليس هكذا ...
لحقيقٌ بِبَدْرَةٍ أَوْ بِثِنَتْيـ ... ـن لحسْنِ الصَّنِيعِ أَوْ بِثَلاثِ
قال: ووافى العسكر والخزائن والخدَم فأمر للنَّبَطيّ بثلاث بِدَر وانصرف.
وذكر محمَّد بن عبد الله، قال: أخبرني أبو غانم، قال: كان زيد الهلاليّ رجلًا شريفًا سخيًّا مشهورًا من بني هلال، وكان نقشُ خاتَمه: "أفلح يا زيد مَنْ زَكَا عمله"، فبلغ ذلك المهديّ، فقال زيد الهلاليّ:
زَيْدُ الهِلَالِيّ نقش خاتمه ... أفْلَح يا زيدُ من زكا عمَلُهْ
قال: وقال الحسن الوصيف: أصابتنا ريح في أيَّام المهديّ حتَّى ظننَا أنَّها تسوقنا إلى المحْشر، فخرجتُ أطلب أميرَ المؤمنين، فوجدته واضعًا خدَّه على الأرض، يقول: اللهمّ احفظ محمدًا في أمتّه، اللهمّ لا تُشمت بنا أعداءنا من الأمم، اللهمّ إن كنت أخذت هذا العالم بذنبي فهذه ناصيتي بين يديك، قال: فما لبثنا إلَّا يسيرًا حتَّى انكشفت الرِّيح وانجلى ما كُنَّا فيه (١).
وقال الموصلي: قال عبد الصَّمد بن عليّ: قلت للمهديّ: يا أميرَ المؤمنين، إنا أهلَ بيت قد أشرب قلوبُنا حبَّ موالينا وتقديمهم، وإنك قد صنعت من ذلك ما أفرطتَ فيه، قد وليتَهم أمورك كلّها، وخصصتهم في ليلك ونهارك، ولا آمن تغيير قلوب جندك وقوّادك من أهل خُراسان، قال: يا أبا محمَّد، إنّ المواليَ يستحقّون ذلك، وليس أحدٌ يجتمع لي فيه أن أجلس للعامّة فأدعُوَ به فأرفعه حتَّى تحكّ ركبتُه ركبتي، ثم يقوم من ذلك المجلس، فأستكفيه سياسةَ دابتي، فيكفيها، لا يرفع نفسهُ عن ذلك إلّا مواليّ هؤلاء، فإنهم لا يتعاظمهم ذلك،