← История

История · id 145435

صحيح وضعيف تاريخ الطبري

محمد بن طاهر البرزنجي

Полный текст (6 167 стр.). Показаны 4901–4940 · переход к 4906.

стр. 4901

وذكر بشر المنجِّم، قال: دعاني أبو جعفر يومًا عند المغرب، فبعثني في بعض الأمر، فلما رجعت رفع ناحية مصلّاه فإذا دينار، فقال لي: خذ هذا واحتفظ به، قال: فهو عندي إلى الساعة. وذكر أبو الجهم بن عطيّة، قال: حدّثني أبو مقاتل الخراسانيّ، ورفع غلام له إلى أبي جعفر أن له عشرة آلاف درهم؛ فأخذها منه، وقال: هذا مالي؛ قال: ومن أين يكون مالك؟ فوالله ما وليتُ لك عملًا قطّ، ولا بيني وبينك رحِم ولا قرابة، قال: بلَى، كنتَ تزوّجت مولاة لعُيينة بن موسى بن كعب فورّثتْك مالًا؛ وكان ذلك قد عصى وأخذ مالي وهو والٍ على السند؛ فهذا المال من ذلك المال! وذكر مصعب بن سلّام، عن أبي حارثة النهديّ صاحب بيت المال، قال: ولَّى أبو جعفر رجلًا باروسما؛ فلما انصرف أراد أن يتعلّل عليه، لئلا يعطيَه شيئًا، فقال له: أشركتُك في أمانتي، ووليتك فيئًا من فيء المسلمين فخنتَه! فقال: أعيذك بالله يا أمير المؤمنين، ما صحبني من ذلك شيء إلّا درهم، منه مثقال صررته في كمّي، إذا خرجت من صدك اكتريت به بغلا إلى عيالي، فأدخل بيتي ليس معي شيء من مال الله ولا مالك. فقال: ما أظنك إلَّا صادقًا؛ هلمَّ درهمنا. فأخذه منه فوضعه تحت لِبده؟ فقال: ما مثَلي ومثلُك إلَّا مثل مجير أم عامر، قال: وما مجير أم عامر؛ فذكر قصَّة الضبع ومجيرها، قال: وإنَّما غالطه أبو جعفر لئلا يعطيه شيئًا. وذُكر عن هشام بن محمَّد أن قُثَم بن العباس دخل على أبي جعفر، فكلّمه في حاجة، فقال له أبو جعفر: دعني من حاجتك هذه، أخبرني لِمَ سميت قُثَم؟ قال: لا والله يا أمير المؤمنين ما أدري، قال: القُثَم الذي يأكل ويُزِلّ، أما سمعت قول الشَّاعر: وللكُبراءِ أكلٌ كيف شاءُوا ... وللصُّغراءِ أَكلٌ واقتِثامُ وذكر عن إبراهيم بن عيسى أنّ المنصور وهب لمحمد بن سليمان عشرين ألف درهم ولجعفر أخيه عشرة آلاف درهم، فقال جعفر: يا أميرَ المؤمنين، تفضّله عليّ وأنا أسنّ منه! قال: وأنت مثله! إنا لا نلتفت إلى ناحية إلّا وجدنا من أثر محمّد فيها شيئًا، وفي منزلنا من هداياه بقيّة، وأنت لم تفعل من هذا شيئًا.

стр. 4902

وذكِر عن سوادة بن عمرو السُّلمِيّ، عن عبد الملك بن عطاء - وكان في صحابة المنصور - قال: سمعتُ ابن هُبَيرة وهو يقول في مجلسه: ما رأيتُ رجلًا قطّ في حرب، ولا سمعت به في سِلْم، أمكرَ ولا أبدعَ، ولا أشدّ تيقُّظًا من المنصور، لقد حصرني في مدينتي تسعة أشهر، ومعي فرسان العرب، فجهدنا كلّ الجهد أن ننال من عسكره شيئًا نكسره به، فما تهيّأ، ولقد حصرني وما في رأسي بيضاء، فخرجت إليه وما في رأسي سوداء؛ وإنه لكما قال الأعشى: يَقومُ على الرّغْمِ مِنْ قومِه ... فيَعْفو إِذا شاءَ أَو يَنتَقِمْ أَخو الحرب لا ضَرَعٌ واهنٌ ... ولم يَنْتَعِلْ بنعال خَذِمْ وذكر إبراهيم بن عبد الرحمن أن أبا جعفر كان نازلًا على رجل يقال له أزهر السمّان - وليس بالمحدِّث - وذلك قبل خلافته، فلما وليَ الخلافة صار إليه إلى مدينة السَّلام، فأدخِل عليه، فقال: حاجتك؟ قال: يا أميرَ المؤمنين، عليّ دين أربعة آلاف درهم، وداري مستهدَمة، وابني محمَّد يريد البناء بأهلِه؛ فأمر له باثني عشر ألف درهم، ثم قال: يا أزهر؛ لا تأتنا طالبَ حاجة؛ قال: أفعل. فلما كان بعد قليل عاد، فقال: يا أزهر، ما جاء بك؟ قال: جئت مسلِّمًا يا أمير المؤمنين، قال: إنَّه ليقع في نفسي أشياء، منها أنك أتيتنا لِمَا أتيتَنا له في المرّة الأولى؛ فأمر له باثني عشر ألف درهم أخرى، ثم قال: يا أزهر، لا تأتنا طالبَ حاجة ولا مسلّمًا، قال: نعم يا أمير المؤمنين، ثم لم يلبث أن عاد، فقال: يا أزهر، ما جاء بك؟ قال: دعاء سمعته منك أحببت أن آخذه عنك، قال: لا ترده، فإنَّه غير مستجاب، لأني قد دعوت الله به أن يريحني من خلقتك فلم يفعل، وصرفه ولم يعطه شيئًا. وذكر الهيثم بن عديّ أن ابن عيَّاش حدّثه أنّ ابن هبيرة أرسل إلى المنصور وهو محصور بواسط، والمنصور بإزائه: إنِّي خارج يوم كذا وكذا وداعيك إلى المبارزة، فقد بلغني تجبينُك إياي؛ فكتب إليه: يابن هبيرة، إنك امرؤٌ متعدٍّ طورَك، جارٍ في عنان غيِّك، يعدك الله ما هو مصدّقه، ويمنِّيك الشَّيطان ما هو مكذّبه، ويقرّب ما الله مباعده، فرويدًا يتمّ الكتاب أجله، وقد ضربتُ مثلي ومثلَك، بلغني أن أسدًا لقي خنزيرًا، فقال له الخنزير: قاتِلني، فقال الأسد: إنما أنت خنزير ولستَ لي بكفء ولا نظير، ومتى فعلتَ الذي دعوتني إليه

стр. 4903

فقتلتك، قيل لي: قتلتَ خنزيرًا؛ فلم أعتقد بذلك فخرًا ولا ذِكْرًا، وإن نالني منك شيء كان سُبّة عليّ، فقال: إن أنت لم تفعل رجعت إلى السباع فأعلمتُها أنك نكلتَ عني وجبنت عن قتالي، فقال الأسد: احتمال عمار كذبك أيسر عليّ من لطخ شاربي بدمك. وذُكِر عن محمَّد بن رياح الجوهريّ، قال: ذكر لأبي جعفر تدبير هشام بن عبد الملك في حَرْب كانت له، فبعث إلى رجل كان معه ينزل الرُّصافة - رُصافة هشام - يسأله عن ذلك الحرب، فقدم عليه فقال: أنت صاحب هشام؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: فأخبرني كيف فعل في حرب دبرها في سنة كذا وكذا؟ قال: إنَّه فعل فيها ﵀ كذا وكذا، ثم أتبع بأن قال: فعل كذا ﵁؛ فأحفظ ذلك المنصور، فقال: قم عليك غضب الله! تطأ بساطِي وتترحم على عدوّي! فقام الشَّيخ، وهو يقول: إن لعدوّك زيادة في عنقي ومنة في رقبتي لا ينزعها عني إلَّا غاسلي، فأمر المنصور بردّه، وقال: اقعد، هيه! كيف قلت؟ فقلت: إنَّه كَفاني المطلب، وصان وجهي عن السؤال، فلم أقف على بَاب عربيّ ولا أعجمي منذ رأيتُه، أفلا يجب عليّ أن أذكره بخير وأتبعه بثنائي! فقال: بلى، لله أمٌّ نهضت عنك، وليلة أدّتك، أشهد أنك نهيض حُرّة وغراس كريم؛ ثم استمع منه وأمر له ببرّ، فقال: يا أميرَ المؤمنين، ما آخذه لحاجة، وما هو إلَّا أني أتشرّف بحِبائك، وأتبجّح بصِلتك. فأخذ الصّلة وخرج، فقال المنصور: عند مثل هذا تحسن الصنيعة، ويُوضع المعروف، ويجاد بالمصون، وأين في عسكرنا مثله! وذكر عن حفص بن غياث، عن ابن عيّاش، قال: كان أهل الكوفة لا تزال الجماعة منهم قد طعنوا على عاملهم، وتظلّموا على أميرهم، وتكلّموا كلامًا فيه طعن على سلطانهم؛ فرُفع ذلك في الخبر، فقال للربيع: أخرج إلى مَنْ بالباب من أهل الكوفة، فقل لهم: إن أميرَ المؤمنين يقول لكم لئن اجتمع اثنان منكم في موضع لأحلقنّ رءوسهما ولحاهما، ولأضربنّ ظهورهما، فالزموا منازلكم، وابقوا على أنَّفسكم. فخرج إليهم الرَّبيع بهذه الرسالة فقال له ابن عياش: يا شبه عيسى بن مريم، أبلغ أمير المؤمنين عنا كما أبلغتنا عنه، فقل له: والله يا أميرَ المؤمنين ما لنا بالضَّرْب طاقة، فأمَّا حلْق اللِّحى فإذا شئت - وكان ابن عياش

стр. 4904

منتوفًا - فأبلغه، فضحك، وقال: قاتله الله ما أدهاه وأخبثه! وقال موسى بن صالح: حدّثني محمَّد بن عقبة الصيداوي عن نصر بن حرب - وكان في حرس أبي جعفر - قال: رُفع إليّ رجلٌ قد جيء به من بعض الآفاق، قد سعى في فساد الدولة، فأدخلته على أبي جعفر، فلما رآه قال: أصْبَغ! قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: ويلك! أما أعتقتُك وأحسنتُ إليك! قال: بلى، قال: فسعيتَ في نقضِ دولتي وإفساد ملكي! قال: أخطأتُ وأمير المؤمنين أولى بالعفو. قال: فدعا أبو جعفر عُمارة - وكان حاضرًا - فقال: يا عُمارة؛ هذا أصبَغ، فجعل يتثبَّت في وجهي، وكأنّ في عينيه سوءًا، فقال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: عليّ بكيس عطائي، فأتِيَ بكيس فيه خمسمائة درهم، فقال: خذها فإنَّها وَضَحٌ، ويلك، وعليك بعملك - وأشار بيده يحرّكها - قال عُمارة: فقلت لأصبغ: ما كان عَنَى أمير المؤمنين؟ قال: كنتُ وأنا غلام أعمل الحِبال، فكان يأكل من كسبي. قال نصر: ثم أتِيَ به ثانية، فأدخلته كما أدخلتُه قبلُ، فلما وقف بين يديه أحدَّ النظر إليه، ثم قال: أصبغ! فقال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: فقصّ عليه ما فعل به، وذكره إياه، فأقرّ به، وقال: الحمق يا أمير المؤمنين؛ فقدمه فضرب عنقه. وذكر عليّ بن محمَّد بن سليمان النوفليّ، قال: حدّثني أبي، قال: كان خِضاب المنصور زَعفرانيًّا، وذلك أن شعره كان ليِّنًا لا يقبل الخطاب، وكانت لحيته رقيقة؛ فكنت أراه على المنبر يخطُب ويبكي فيسرع الدمع على لحيته حتَّى تَكِفَ لقلة الشعر ولِينه. وذكر إبراهيم بن عبد السَّلام، ابن أخي السنديّ بن شاهك السنديّ، قال: ظفِر المنصور برجل من كبراء بني أميَّة، فقال: إنِّي أسألك من أشياء فاصدُقني ولك الأمان، قال: نعم، فقال له المنصور: منْ أينَ أُتِيَ بنو أميّة حتَّى انتشر أمرهم؟ قال: من تضييع الأخبار، قال: فأيّ الأموال وجدوها أنفع؟ قال: الجوهر، قال فعِند مَنْ وجدوا الوفاء؟ قال: عند مواليهم، قال: فأراد المنصور أن يستعين في الأخبار بأهل بيته، ثم قال: أضعُ من أقدارهم، فاستعان بمواليه. وذكر عليّ بن محمَّد الهاشميّ أنّ أباه محمَّد بن سليمان حدّثه، قال: بلغني أن المنصور أخذ الدّواء في يوم شاتٍ شديد البرد، فأتيته أسأله عن موافقة الدواء

стр. 4905

له، فأدخِلت مدخلًا من القَصْر لم أدخله قطّ، ثم صرتُ إلى حُجيرة صغيرة، وفيها بيت واحد ورِواق بين يديه في عَرْض البيت وعَرْض الصحن، على أسطوانة ساجٍ، وقد سدل على وجه الرّواق بواريّ كما يصنع بالمساجد، فدخلت فإذا في البيت مِسْح ليس فيه شيء غيره إلَّا فراشه ومرافقه ودِثاره، فقلتُ: يا أمير المؤمنين، هذا بيت أربأ بك عنه، فقال: يا عمّ، هذا بيت مبيتي، قلت: ليس هنا غير هذا الذي أرى، قال: ما هو إلَّا ما ترَى. قال: وسمعته يقول عمَّن حدّثه، عن جعفر بن محمَّد، قال: قيل إنّ أبا جعفر يعرف بلباس جبة هروية مرقوعة؛ وأنَّه يرقع قميصه، فقال جعفر: الحمد لله الذي لطف له حتَّى ابتلاه بفقر نفسه - أو قال: بالفقر في ملكه. قال: وحدثني أبي، قال: كان المنصور لا يولي أحدًا ثم يعزله إلَّا ألقاه في دار خالد البطين - وكان منزل خالد على شاطئ دِجلة، ملاصقًا لدار صالح المسكين - فيستخرج من المعزول مالًا، فما أخذ من شيء أمر به فعُزل، وكُتِبَ عليه اسم مَنْ أخِذ منه، وعزل في بيت مال، وسمّاه بيتَ مال المظالم، فكثر ما في ذلك البيت من المال والمتاع. ثم قال للمهدي: إنِّي قد هيّأت لك شيئًا تُرضي به الخلق ولا تغرم من مالك شيئًا، فإذا أنا متّ فادع هؤلاء الذين أخذتُ منهم هذه الأموال التي سميتُها المظالم، فاردد عليهم كلّ ما أخِذ منهم؛ فإنَّك تستحمد إليهم وإلى العامة؛ ففعل ذلك المهديّ لما وليَ. قال عليّ بن محمَّد: فكان المنصور ولّى محمَّد بن عبيد الله بن محمَّد بن سليمان بن محمَّد بن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث البلقاء، ثم عزله، وأمر أن يُحمَل إليه مع مالٍ وُجِد عنده، فحُمل إليه على البريد، وألفِيَ معه ألفًا دينار، فحملت مع ثقله على البريد - وكان مصلى سُوسَنْجِرْد ومضربة ومرفقة ووسادتين وطستًا وإبريقًا وأشناندانة نحاس - فوجد ذلك مجموعًا كهيئته؛ إلَّا أن المتاع قد تأكّل، فأخذ ألفي الدينار، واستحيا أن يخرج ذلك المتاع، وقال: لا أعرفه، فتركه، ثم ولّاه المهديّ بعد ذلك اليمن، وولّى الرشيد ابنه الملقب ربرا المدينة. وذكر أحمد بن الهيثم بن جعفر بن سليمان بن عليّ، قال: حدثني صباح بن خاقان، قال: كنت عند المنصور حين أتِيَ برأس إبراهيم بن عبد الله بن حسن،

стр. 4906

فوُضع بين يديه في تُرس، فأكبّ عليه بعض السيَّافة، فبصق في وجهه، فنظر إليه أبو جعفر نظرًا شديدًا، وقال لي: دقّ أنفه، قال: فضربت أنفه بالعمود ضربة واحدة لو طُلب له أنف بألف دينار ما وجد، وأخذته أعمدة الحرس، فمازال يُهشَم بها حتَّى خمِد، ثم جُرّ برجله. قال الأصمعيّ: حدثني جعفر بن سليمان، قال: قدِم أشعب أيَّام أبي جعفر بغداد، فأطاف به فتيان بني هاشم فغنَّاهم، فإذا ألحانه طربةٌ وحلقه على حاله، فقال له جعفر: لمن هذا الشعر؟ لِمَنْ طَلَلٌ بِذَاتِ الجَيـ ... ـش أَمسى دارِسًا خَلَقَا عَلوْن بظاهِرِ البَيْدا ... ءِ فالمَحْزُون قد قَلِقَا فقال: أخذت الغناءَ من معبد، ولقد كنت آخذ عنه اللحن، فإذا سئل عنه قال: عليكم بأشعب؛ فإنَّه أحسن تأدية له منّي. قال الأصمعيّ: وقال جعفر بن سليمان: قال أشعب لابنه عبيدة: إنِّي أراني سأخرجك من منزلي وأنتفي منك، قال: ولِمَ يا أبه؟ قال: لأني أكسب خلق الله لرغيفٍ، وأنت ابني قد بلغتَ هذا المبلغ من السنّ، وأنت في عيالي ما تكسب شيئًا، قال: بلى والله، إنِّي لأكسب؛ ولكن مثل الموزة لا تحمل حتَّى تموت أمها. وذكر عليّ بن محمَّد بن سليمان الهاشميّ؛ أن أباه محمدًا حدّثه أن الأكاسرة كان يُطيَّن لها في الصيف سقفُ بيت في كلّ يوم، فتكون قائلة الملك فيه، وكان يؤتى بأطنان القصب والخِلاف طُوالًا غلاظًا، فترصَف حول البيت ويؤتى بقطع الثلج العِظام فتجعل ما بين أضعافها؛ وكانت بنو أميّة تفعل ذلك؛ وكان أوّل من اتخذ الخيْش المنصور. وذكر بعضهم: أن المنصور كان يطيَّن له في أول خلافته بيتٌ في الصيف تقيل فيه؛ فأتخذ له أبو أيوب الخوزيّ ثيابًا كثيفة تبلّ وتوضع على سِبايك. فيجد بردها، فاستظرفها، وقال: ما أحسبُ هذه الثياب إن اتخذت أكثف من هذه إلَّا حملت من الماء أكثر مما تحمل؛ وكانت أبرد، فاتُّخِذ له الخيش، فكان ينصب على قبَّة، ثم اتخذ الخلفاء بعده الشرائج، واتّخذها النَّاس.

стр. 4907

وقال عليّ بن محمَّد عن أبيه: إنّ رجلًا من الرّاونديّة كان يقال له الأبلق، وكان أبرصَ، فتكلم بالغلوّ، ودعا بالرّاونديّة إليه، فزعم أن الرّوح التي كانت في عيسى بن مريم صارت في عليّ بن أبي طالب، ثم في الأئمة، في واحد بعد واحد إلى إبراهيم بن محمَّد، وأنهم آلهة، واستحلّوا الحُرمات؛ فكان الرجل منهم يدعو الجماعة منهم إلى منزله فيُطعمهم ويسقيهم ويحملهم على امرأته؛ فبلغ ذلك أسد بن عبد الله، فقتلَهم وصلَبهم، فلم يزل ذلك فيهم إلى اليوم، فعبدوا أبا جعفر المنصور وصعدوا إلى الخضراء، فألقوْا أنفسهم، كأنهم يطيرون، وخرج جماعتهم على النَّاس بالسِّلاح، فأقبلوا يصيحون بأبي جعفر: أنت أنت! قال: فخرج إليهم بنفسه، فقاتلهم فأقبلوا يقولون وهم يقاتلون: أنت أنت. قال: فحُكِي لنا عن بعض مشيختنا أنَّه نظر إلى جماعة الراونديّة يرمون أنفسهم من الخضراء كأنهم يَطيرون، فلا يبلغ أحدهم الأرض إلَّا وقد تفتّت، وخرجت روحه. قال أحمد بن ثابت مولى محمَّد بن سليمان بن عليّ عن أبيه: إن عبد الله بن عليّ، لما توارى من المنصور بالبصرة عند سليمان بن عليّ أشرف يومًا ومعه بعض مواليه ومولى لسليمان بن عليّ، فنظر إلى رجل له جَمَال وكمال، يمشي التَّخاجى، ويجرّ أثوابه من الخُيلاء، فالتفت إلى مولىً لسليمان بن عليّ، فقال: من هذا؟ قال له: فلان ابن فلان الأمويّ، فاستشاط غضبًا وصفق بيديه عجبًا، وقال: إن طريقنا لنَبَك بعد، يا فلان - لمولى له - أنزل فأتني برأسه، وتمثّل قول سَدِيف: علامَ، وفيمَ نَترُكُ عبدَ شمسٍ ... لها في كلِّ راعيةٍ ثُغاءُ! فما بالرَّمسِ في حَرّانَ منها ... ولو قُتِلَتْ بأَجْمَعِها وفاءُ وذكر عليّ بن محمَّد المدائنيّ أنَّه قدم على أبي جعفر المنصور - بعد انهزام عبد الله بن عليّ وظفر المنصور به، وحبسه إياه ببغداد - وفد من أهل الشأم فيهم الحارث بن عبد الرحمن، فقام عِدّة منهم فتكلّموا، ثم قام الحارث بن عبد الرحمن، فقال: أصلح الله أمير المؤمنين! إنا لسنا وفدَ مباهاة، ولكنا وفد تَوبة؛ وإنا ابتلينا بفتنة استفزّت كريمَنا، واستخفَّتْ حليمَنا، فنحن بما قدّمنا معترفون، وممّا سلف منّا معتذرون، فإن تعاقبْنا فبما أجرمنا، وإن تعفُ عنا

стр. 4908

فبفضلك علينا؛ فاصفح عنا إذْ ملكت، وامنن إِذ قَدرت، وأحسِنْ إذ ظفرت، فطالما أحسنت! قال أبو جعفر: قد فعلت. وذكر عن الهيثم بن عديّ عن زيد مولى عيسى بن نهيك، قال: دعاني المنصور بعد موتِ مولاي، فقال: يا زيد، قلت: لَبّيك يا أمير المؤمنين؛ قال: كم خلّف أبو زيد من المال؟ قلت: ألف دينار أو نحوها، قال: فأين هي؟ قلت: أنفقتْها الحرّة في مأتمه. قال: فاستعظم ذلك، وقال: أنفقت الحرّة في مأتمه ألف دينار! ما أعجب هذا! ثم قال: كم خلّف من البنات؟ قلت: ستًّا، فأطرق مليًّا ثم رفع رأسه، وقال: اغدُ إلى باب المهديّ، فغدوت فقيل لي: أمعك بغال؟ فقلت: لم أومر بذلك ولا بغيره؛ ولا أدري لِمَ دعيت! قال: فأعطِيتُ ثمانين ومائة ألف دينار، وأمِرتُ أن أدفع إلى كلّ واحدة من بنات عيسى ثلاثين ألف دينار. ثم دعاني المنصور، فقال: أقبضت ما أمرنا به لبنات أبي زيد؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، قال: اغد عليّ بأكفائهنّ حتَّى أزوّجهنّ منهم؛ قال: فغدوتُ عليه بثلاثة من ولد العكيّ وثلاثة من آل نهيك من بني عَمهنّ، فزوّج كلّ واحدة منهنّ على ثلاثين ألف درهم، وأمر أن تحمَل إليهنّ صدقاتهنّ من ماله، وأمرني أن أشتريَ بما أمر به لهنّ ضياعًا، يكون معاشهنّ منها، ففعلت ذلك. وقال الهيثم: فرّق أبو جعفر على جماعة من أهل بيته في يوم واحد عشرة آلاف درهم، وأمر للرّجل من أعمامه بألف ألف، ولا نعرف خليفة قبله ولا بعده وصلَ بها أحدًا من النَّاس (١). وقال العباس بن الفضل: أمر المنصور لعمومته: سليمان، وعيسى، وصالح، وإسماعيل، بني عليّ بن عبد الله بن عباس، لكلّ رجل منهم بألف ألف معونةً له من بيت المال. وكان أول خليفة أعطى ألف ألف من بيت المال؛ فكانت تجري في الدواوين. وذكر عن إسحاق بن إبراهيم الموصليّ، قال: حدّثني الفضل بن الرَّبيع، عن أبيه، قال: جلس أبو جعفر المنصور للمدنيّين مجلسًا عامًّا ببغداد - وكان وفد إليه منهم جماعة - فقال: لينتسب كلّ من دخل عليّ منكم، فدخل عليه فيمن

стр. 4909

دخل شابّ من ولد عمرو بن حزم، فانتسب ثم قال: يا أميرَ المؤمنين، قال الأحوص فينا شعرًا، منعنا أموالنا من أجله منذ ستِّين سنة، فقال أبو جعفر: فأنشدني، فأنشده: لا تَأْوِيَنَّ لحَزمِيٍّ رأَيتَ به ... فقرًا وِإن أُلقِيَ الحَزْمِيُّ في النَّار (١) النَّاخِسِين بِمَرْوان بذي خُشُبٍ ... والداخلين على عثمانَ في الدار قال: والشّعر في المدح للوليد بن عبد الملك؛ فأنشده القصيدة، فلما بلغ هذا الموضع قال الوليد: أذكرتَني ذنب آل حَزْم، فأمر باستصفاء أموالهم. فقال أبو جعفر: أعِدْ عليّ الشعر، فأعاده ثلاثًا، فقال له أبو جعفر: لا جرم، إنك تحتظِي بهذا الشعر كما حرِمت به، ثم قال لأبي أيّوب: هات عشرة آلاف درهم فادفعها إليه لغنائه إلينا، ثم أمر أن يكتب إلى عمالة أن تردّ ضياع آل حزم عليهم، ويُعْطَوْا غلّاتها في كل سنة من ضياع بني أميَّة، وتقسَّم أموالهم بينهم على كتاب الله على التناسخ، ومن مات منهم وفِّر على ورثته. قال: فانصرف الفتى بما لم ينصرف به أحد من النَّاس. وحدّثني جعفر بن أحمد بن يَحْيَى، قال: حدّثني أحمد بن أسد، قال: أبطأ المنصور عن الخروج إلى النَّاس والركوب، فقال النَّاس: هو عليل، وكثروا، فدخل عليه الرَّبيع، فقال: يا أميرَ المؤمنين، لأمير المؤمنين طولُ البقاء، والنّاس يقولون، قال: ما يقولون؟ قال: يقولون: عليل؛ فأطرق قليلًا ثم قال: يا ربيع، ما لنا وللعامّة! إنَّما تحتاج العامة إلى ثلاث خلال، فإذا فُعل ذلك بها فما حاجتهم! إذا أقيم لهم مَنْ ينظر في أحكامهم فينصف بعضَهم من بعض، ويُؤمِن سبلَهم حتَّى لا يخافوا في ليلهم ولا نهارهم، ويسدّ ثغورهم وأطرافهم حتَّى لا يجيئهم عدوّهم؛ وقد فعلنا ذلك بهم. ثم مكث أيامًا، وقال: يا ربيع، اضرب الطبل؛ فركِب حتَّى رآه العامة. وذكر عليّ بن محمَّد، قال: حدّثني أبي، قال: وجّه أبو جعفر مع محمَّد بن أبي العباس بالزنادقة والمُجَّان، فكان فيهم حماد عَجْرد، فأقاموا معه بالبصرة يظهر منهم المجُون؛ وإنما أراد بذلك أن يبغّضه إلى النَّاس، فأظهر محمَّد أنَّه

стр. 4910

يعشق زينب بنت سليمان بن عليّ، فكان يركب إلى المِربَد، فيتصدّى لها؛ يطمع أن تكون في بعض المناظر تنظر إليه؛ فقال محمَّد لحمَّاد: قل لي فيها شعرًا، فقال فيها أبياتًا، يقول فيها: يا ساكنَ المِرْبَدِ قد هِجْتَ لي ... شَوْقًا فما أنفكُّ بالمِرْبَدِ قال: فحدّثني أبي قال: كان المنصور نازلًا على أبي سنتين، فعرفت الخصيب المتطبّب لكثرة إتيانه إياه؛ وكان الخصيب يُظهر النصرانية وهو زِنديق معطّل لا يبالي مَنْ قتل، فأرسل إليه المنصور رسولًا يأمره أن يتوخى قتل محمَّد بن أبي العباس، فاتّخذ سمًّا قاتلًا، ثم انتظر عِلَّة تحدث بمحمد، فوجد حرارة، فقال له الخصيب: خذ شربة دواء، فقال: هَيِّئها لي، فهيّأها، وجعل فيها ذلك السمّ ثم سقاه إياها، فمات منها. فكتبت بذلك أمّ محمَّد بن أبي العباس إلى المنصور تعلمه أنّ الخصيب قتل ابنَها. فكتب المنصور يأمر بحمله إليه؛ فلما صار إليه ضربه ثلاثين سوطًا ضربًا خفيفًا، وحبسه أيامًا، ثم وهب له ثلثمائة درهم، وخلّاه. قال: وسمعتُ أبي يقول: كان المنصور شَرط لأمّ موسى الحميرية ألّا يتزوّج عليها ولا يتسرّى، وكتبت عليه بذلك كتابًا أكّدته وأشهدت عليه شهودًا، فعزب بها عشر سنين في سلطانه؛ فكان يكتب إلى الفقيه بعد الفقيه من أهلِ الحجاز يستفتيه، ويحمل إليه الفقيه من أهل الحجاز وأهل العراق فيعرِض عليه الكتاب ليفتيه فيه برُخصة؛ فكانت أمّ موسى إذا علمتْ مكانه بادرتْه، فأرسلت إليه بمال جزيل، فإذا عرض عليه أبو جعفر الكتاب لم يفته فيه برُخصة، حتَّى ماتت بعد عشر سنين من سلطانه ببغداد، فأتته وفاتها بحُلوان، فأهديت له في تلك الليلة مائة بِكْر؛ وكانت أم موسى ولدت له جعفرًا والمهديّ. وذكِر عن عليّ بن الجَعْد أنَّه قال: لما قدم بختيشوع الأكبر على المنصور من السوس، ودخل عليه في قَصْره بباب الذَّهب ببغداد، أمر له بطعام يتغدّى به، فلما وضعت المائدة بين يديه، قال: شراب، فقيل له: إن الشّراب لا يُشرب على مائدة أمير المؤمنين، فقال: لا آكل طعامًا ليس معه شراب، فأخبِر المنصور بذلك، فقال: دعوه، فلما حضر العشاء فعل به مثل ذلك، فطلب الشراب، فقيل له: لا يُشرب على مائدة أمير المؤمنين الشراب، فتعشّى وشرب ماء دِجلة،

стр. 4911

فلما كان من الغد نظر إلى مائه، فقال: ما كنت أحسب شيئًا يُجزي من الشراب، فهذا ماء دِجلة يجزي من الشراب. وذكر عن يَحْيَى بن الحسن أن أباه حدّثه، قال: كتب المنصور إلى عامله بالمدينة أن بعْ ثمار الضياع ولا تبعها إلَّا ممَّن نغلبه ولا يغلبنا؛ فإنَّما يغلبنا المفلس الذي لا مال له، ولا رأي لنا في عذابه، فيذهب بما لنا قِبَله ولو أعطاك جزيلًا، وبعْها من الممكن بدون ذلك ممّن ينصفك ويوفيك. وذكر أبو بكر الهُذليّ أنّ أبا جعفر كان يقول: ليس بإنسان من أسْدِيَ إليه معروف فنسيه دون الموت. وقال الفضل بن الرَّبيع: سمعت المنصور يقول: كانت العرب تقول: الغَوَى الفادح خير من الرّيّ الفاضح. وذكر عن أبان بن يزيد العنبريّ أن الهيثم القارى البصريّ قرأ عند المنصور ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ (١)، إلى آخر الآية، فقال له المنصور: وجعل يدعو: اللَّهم جنّبني وبنيّ التبذير فيما أنعمت به علينا من عطيّتك. قال: وقرأ الهيثم عنده: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ (٢) فقال للنَّاس: لولا أنّ الأموال حصن السلطان ودعامة للدين والدنيا وعزّهما وزينتهما ما بتّ ليلة وأنا أحرز منه دينارًا ولا درهمًا، لما أجد لبذل المال من اللذاذة؛ ولما أعلم في إعطائه من جزيل المثوبة. ودخل على المنصور رجل من أهل العلم، فازدراه واقتحمته عينُه، فجعل لا يسأله عن شيء إلَّا وجد عنده، فقال له: أنَّى لك هذا العلم! قال: لم أبخل بعلمٍ علمتُه، ولم أستح من علم أتعلّمه. قال: فمن هناك! قال: وكان المنصور كثيرًا ما يقول: مَنْ فعل بغير تدبير، وقال عن غير تقدير، لم يعدم من النَّاس هازئًا أو لاحيًا. وذكر عن قحطبة، قال: سمعت المنصور يقول: الملوك تحتمل كلَّ شيء من

стр. 4912

أصحابها إلَّا ثلاثًا: إفشاء السرّ، والتعرّض للحُرْمة، والقدح في الملك. وذكر عليّ بن محمَّد أنّ المنصور كان يقول: سرُّك من دمك، فانظر مَنْ تُمَلِّكه. وذكر الزُّبير بن بكَّار، عن عمر، قال: لما حُمِل عبد الجبار بن عبد الرحمن الأزديّ إلى المنصور بعد خروجه عليه، قال له: يا أمير المؤمنين، قِتْلة كريمة! قال: تركتها وراءك يا بن اللّخناء! وذكر عن عمر بن شبّة، أنّ قَحطبة بن غُدانة الجشميّ - وكان من الصّحابة - قال: سمعت أبا جعفر المنصور يخطب بمدينة السَّلام سنة اثنتين وخمسين ومائة، فقال: يا عباد الله، لا تظالموا، فإنَّها مظلمة يوم القيامة، والله لولا يد خاطئة، وظلم ظالم، لمشيت بين أظهركم في أسواقكم؛ ولو علمت مكان مَنْ هو أحقّ بهذا الأمر مني لأتيتُه حتَّى أدفَعه إليه. وذكر إسحاق الموصليّ، عن النضر بن حديد، قال: حدّثني بعض الصّحابة أنّ المنصور كان يقول: عقوبة الحليم التعريض، وعقوبة السفيه التصريح. وذكر أحمد بن خالد، قال: حدثني يَحْيَى بن أبي نصر القرشيُّ، أن أبانًا القارئ قرأ عند المنصور: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ .. ﴾ (١)، الآية فقال المنصور: ما أحسن ما أدّبنا رَبّنا! قال: وقال المنصور: مَنْ صنع مثل ما صُنع إليه فقد كافأ، ومن أضعف فقد شكر، ومن شكر كان كريمًا، ومن علم أنَّه إنَّما صنع إلى نفسه لم يستبطئ النَّاس في شكرهم، ولم يستزدهم من مودّتهم، فلا تلتمس من غيرك شكرَ ما آتيته إلى نفسك، ووقَيْت به عرضَك. وأعلم أن طالب الحاجة إليك لم يكرِم وجهه عن وجهك، فأكرم وجهَك عن ردّه. وذكر عمر بن شبّه أن محمَّد بن عبد الوهاب المهلبيّ، حدّثه، قال: سمعت إسحاق بن عيسى يقول: لم يكن أحدٌ من بني العباس يتكلّم فيبلغ حاجته على

стр. 4913

البديهة غير أبي جعفر وداود بن عليّ والعباس بن محمَّد. وذكر عن أبي توبة الرّبيع بن نافع، عن ابن أبي الجوزاء، أنَّه قال: قمت إلى أبي جعفر وهو يخطب ببغداد في مسجد المدينة على المنبر فقرأت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (١)، فأخِذت فأدخلت عليه، فقال: مَن أنت ويلك! إنما أردتَ أن أقتلك، فأخرج عني فلا أراك. قال: فخرجت من عنده سليمًا. وقال عيسى بن عبد الله بن حميد: حدّثني إبراهيم بن عيسى، قال: خطب أبو جعفر المنصور في هذا المسجد - يعني به مسجد المدينة ببغداد - فلما بلغ: اتقوا الله حق تقاته، قام إليه رجل، فقال: وأنت يا عبد الله، فاتَّق الله حق تقاته ... فقطع أبو جعفر الخطبة، وقال: سمعًا سمعًا، لمن ذكّر بالله، هات يا عبد الله، فما تُقى الله؟ فانقطع الرجل فلم يقل شيئًا، فقال أبو جعفر: الله الله أيها النَّاس في أنفسكم، لا تحملونا من أموركم ما لا طاقة لكم به، لا يقوم رجل هذا المقام إلَّا أوجعتُ ظهره، وأطلت حبسه. ثم قال: خذه إليك يا ربيع، قال: فوثِقنا له بالنجاة - وكانت العلامة فيه إذا أراد بالرجل مكروهًا قال: خذه إليك يا مسيّب - قال: ثم رجع في خطبته من الموضع الذي كان قطعه، فاستحسن النَّاس ذلك منه، فلما فرغ من الصَّلاة دخل القصر؛ وجعل عيسى بن موسى يمشي على هِينته خلْفَه، فأحسّ به أبو جعفر، فقال: أبو موسى؟ فقال: نعم يا أمير المؤمنين؛ قال: كأنَّك خفتَني على هذا الرجل! قال: والله لقد سبق إلى قلبي بعضُ ذلك؛ إلَّا أن أمير المؤمنين أكثر علمًا، وأعلى نظرًا من أن يأتي في أمره إلَّا الحقّ، فقال: لا تخفني عليه. فلما جلس قال: عليّ بالرجل، فأتِيَ به، فقال: يا هذا؛ إنك لما رأيتَني على المنبر، قلت: هذا الطاغية لا يسعني إلَّا أن أكلِّمه، ولو شغلت نفسك بغير هذا لكان أمثَل لك؛ فاشغلها بظماء الهواجر، وقيام الليل، وتغبير قدميك في سبيل الله؛ أنطه يا ربيع أربعمائة درهم، واذهب فلا تعد. وذكر عن عبد الله بن صاعد، مولى أمير المؤمنين أنَّه قال: حجّ المنصور بعد

стр. 4914

بناء بغداد، فقام خطيبًا بمكة، فكان مما حفظ من كلامه: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (١)، أمرٌ مُبْرَمٌ، وقول عدْل، وقضاء فَصْل؛ والحمد لله الذي أفلج حجته، وبعدًا للقوم الظالمين؛ الذين اتخذوا الكعبة عرَضًا، والفيء إرثًا، وجعلوا القرآن عضين؛ لقد حاق بهم ما كانوا به يستهزئون، فكم ترى من بئر معطَّلة وقَصْرٍ مشيد؛ أهملهم الله حتَّى بدّلوا السنة، واضطهدوا العِترة، وعندوا واعتدوْا، واستكبروا وخاب كلُّ جبار عنيد؛ ثم أخذهم؛ فهل تحسّ منهم من أحدٍ أو تسمع لهم ركزًا! وذكر الهيثم بن عديّ، عن ابن عياش، قال: إن الأحداث لما تتابعت على أبي جعفر، تمثّل: تفرَّقت الظّباءُ على خِدَاشٍ ... فما يَدْرِي خداشٌ ما يَصِيدُ قال: ثم أمر بإحضار القوَّاد والموالي والصحابة وأهل بيته، وأمر حمّادًا التركي بإسراج الخيل وسليمان بن مجالد بالتقدّم والمسيّب بن زهير بأخذ الأبواب، ثم خرج في يوم من أيامه حتَّى علا المنبر. قال: فأزِمَ عليه طويلًا لا ينطق. قال رجل لشبيب بن شيبة: ما لأمير المؤمنين لا يتكلم! فإنَّه والله ممّن يهون عليه صِعاب القول، فما باله! قال: فافترع الخطبة، ثم قال: ما لي أُكفْكِفُ عن سَعْدٍ ويشْتمنِي ... ولو شتمتُ بني سَعْدٍ لقد سكنوا جهلًا عليَّ وجُبْنًا عن عَدُوِّهمُ ... لبئست الخَلَّتان الجَهْلُ والجُبُنُ ثم جلس وقال: فأَلقيتُ عن رَأسِي القناعَ ولم أَكنْ ... لأَكشِفَهُ إِلا لإِحْدَى العظائم والله لقد عجزوا عن أمرٍ قمنا به، فما شكروا الكافي؛ ولقد مهّدوا فاستوعروا وغمطوا الحقّ وغمصوا، فماذا حاولوا! أشرب رنْقًا على غَصصٍ، أم أقيم على ضيم ومضَض! والله لا أكرم أحدًا بإهانة نفسي؛ والله لئن لم يقبلوا الحق ليطلُبنّه ثم لا يجدونه عندي؛ والسعيد مَنْ وُعظ بغيره. قدّم يا غلام، ثم ركب. وذكر الفقيميّ أنّ عبد الله بن محمَّد بن عبد الرحمن مولى محمَّد بن عليّ حدّثه، أن المنصور لما أخذ عبد الله بن حسن وإخوته والنَّفر الذين كانوا معه من

стр. 4915

أهل بيته، صعد المنبر، فحمَّد الله وأثنى عليه، ثم صَلَّى على النَّبيّ ﷺ ، ثم قال: يا أهلَ خُراسان، أنتم شيعتُنا وأنصارنا وأهلُ دولتنا، ولو بايعتم غيرنا لم تبايعوا مَنْ هو خير منا، وإنّ أهلَ بيتي هؤلاء من ولد عليّ بن أبي طالب تركناهم والله الذي لا إله إلَّا هو والخلافةَ، فلم نعرض لهم فيها بقليل ولا كثير؛ فقام فيها عليّ بن أبي طالب فتلطّخ وحكَّم عليه الحكَمين؛ فافترقت عنه الأمة، واختلفت عليه الكلمة، ثمّ وثبت عليه شيعتُه وأنصاره وأصحابه وبطانته وثقاته فقتلوه، ثمّ قام من بعده الحسن بن عليّ؛ فوالله ما كان فيها برجُل؛ قد عرِضت عليه الأموال، فقبلها، فدسّ إليه معاوية: إنِّي أجعلك وليَّ عهدي من بعدي، فخدعه فانسلخ له مما كان فيه، وسلّمه إليه، فأقبل على النساء يتزوّج في كل يوم واحدة فيطلقها غدًا؛ فلم يزل على ذلك حتَّى مات على فِراشه، ثمّ قام من بعده الحسين بن عليّ، فخدعه أهل العراق وأهلُ الكوفة؛ أهل الشِّقاق والنفاق والإغراق في الفتن، أهل هذه المَدَرة السوداء - وأشار إلى الكوفة - فوالله ما هي بحرب فأحاربها، ولا سلم فأسالمها، فرّق الله بيني وبينها، فخذلوه وأسلموه حتَّى قتِل، ثم قام من بعده زيد بن عليّ، فخدعه أهل الكوفة وغرّوه؛ فلما أخرجوه وأظهروه أسلموه؛ وقد كان أتى محمَّد بن عليّ، فناشده في الخروج وسأله ألّا يقبل أقاويل أهل الكوفة، قال له: إنا نجد في بعض علمنا، أنّ بعض أهل بيتنا يُصلَب بالكوفة، وأنا أخاف أن تكون ذلك المصلوبَ؛ وناشده عمّي داود بن عليّ وحذّره غدر أهل الكوفة فلم يقبل؛ وأتمّ على خروجه، فقتِل وصلب بالكُناسة، ثم وثب علينا بنو أميّة، فأماتوا شرفنا، وأذهبوا عزّنا؛ والله ما كانت لَهم عندنا تِرَة يطلبونها؛ وما كان لهم ذلك كله إلّا فيهم وبسبب خروجهم عليهم؛ فنفوْنا من البلاد، فصرْنا مرَّة بالطائف، ومرّة بالشام، ومرّة بالشّراة؛ حتَّى ابتعثكم الله لنا شيعة وأنصارًا، فأحيا شرَفنا، وعزّنا بكم أهل خراسان، ودمغ بحقِّكم أهلَ الباطل، وأظهر حقنا، وأصار إلينا ميراثنا عن نبينا ﷺ ، فقرّ الحق مقرَّه، وأظهر مناره، وأعزّ أنصاره، وقُطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين. فلما استقرت الأمور فينا على قرارها؛ من فضل الله فيها وحكمه العادل لنا، وثبوا علينا، ظلمًا وحسدًا منهم لنا، وبغيًا لما فضّلنا الله به عليهم، وأكرمنا به من خلافته وميراث نبيه ﷺ .

стр. 4916

جَهْلًا عليّ وجُبْنًا عن عدوّهمُ ... لبئست الخَلَّتان الجَهْل والجُبْنُ فإنّي والله يا أهل خراسان ما أتيت من هَذا الأمر ما أتيت بجهالة، بلغني عنهم بعض السقم والتعرّم، وقد دسست لهم رجالًا فقلت: قم يا فلان قم يا فلان، فخذ معك من المال كذا، وحذوت لهم مثالًا يعملون عليه؛ فخرجوا حتَّى أتوْهم بالمدينة، فدسُّوا إليهم تلك الأموال؛ فوالله ما بقي منهم شيخ ولا شابّ، ولا صغير ولا كبير إلَّا بايعهم بيعةً، استحللت بها دماءهم وأموالهم وحَلَّت لي عند ذلك بنقضِهم بيعتي، وطلبهم الفتنة، والتماسهم الخروج عليّ؛ فلا يرون أني أتيتُ ذلك على غير يقين. ثم نزل وهو يتلو على دَرَج المنبر هذه الآية: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ (١). قال: وخطب المنصور بالمدائن عند قتل أبي مسلم، فقال: أيُّها النَّاس؛ لا تخرجُوا من أنسِ الطاعة إلى وحشة المعصية، ولا تُسرُّوا غشَّ الأئمة، فإنَّه لم يُسرّ أحد قطّ منكرةً إلَّا ظهرت في آثار يده، أو فلتاتِ لسانه؛ وأبداها الله لإمامه؛ بإعزاز دينه، وإعلاء حقه. إنا لن نبخسَكم حقوقَكم، ولن نبخَس الدّين حقه عليكم. إنَّه مَنْ نازعنا عُرْوة هذا القميص أجزَرْناه خبِيّ هذا الغمْد. وإن أبا مسلم بايعَنا وبايع النَّاس لنا، على أنَّه مَنْ نكث بنا فقد أباحَ دمه، ثم نكث بنا، فحكمنا عليه حكمه على غيره لنا؛ ولم تمنعنا رعاية الحقّ له من إقامة الحقّ عليه. وذكر إسحاق بن إبراهيم الموصليّ أن الفَضل بن الرّبيع أخبره عن أبيه، قال: قال المنصور: قال أبي: سمعتُ أبي؛ علي بن عبد الله يقول: سادة الدُّنيا الأسخياء، وسادة الآخرة الأنبياء. وذكِر عن إبراهيم بنِ عيسى، أن المنصور غضب على محمَّد بن جُمَيْل الكاتب - وأصله من الرّبذة - فأمر ببطحه، فقام بحجَّته، فأمر بإقامته، ونظر إلى سراويله، فإذا هو كَتّان، فأمر ببطحه وضربه خمس عشرة درّة، وقال: لا تلبس سراويل كَتَّان فإنَّه من السرف. وذكر محمَّد بن إسماعيل الهاشميّ، أن الحسن بن إبراهيم حدّثه، عن

стр. 4917

أشياخه، أن أبا جعفر لما قَتل محمَّد بن عبد الله بالمدينة وأخاه إبراهيم بيَاخَمْرَى وخرج إبراهيم بن حسن بن حسن بمصر فحمِل إليه، كتب إلى بني عليّ بن أبي طالب بالمدينة كتابًا يذكر لهم فيه إبراهيم بن الحسن بن الحسن وخروجه بمصر، وأنّه لم يفعل ذلك إلَّا عن رأيهم، وأنهم يدأبون في طلب السلطان، ويلتمسون بذلك القطيعة والعُقوق، وقد عجزوا عن عَدَاوة بني أميَّة لمّا نازعوهم السلطان، وضعفوا عن طلب ثأرهم؛ حتَّى وثب بنو أبيه غضبًا لهم على بني أميَّة، فطلبوا بثأرهم، فأدركوا بدمائهم، وانتزعوا السلطان عن أيديهم، وتمثّل في الكتاب بشعر سُبيع بن ربيعة بن معاوية اليربوعيّ: فَلولا دِفاعي عنكُمُ إِذ عَجَزْتُمُ ... وبالله أَحْمي عنكُمُ وأُدافِعُ لَضاعَتْ أُمور منكُمُ لا أَرى لها ... كفاةً وما لا يَحْفَظُ اللهُ ضائعُ فَسَمُّوا لنا مَنْ طَحْطَحَ النَّاسَ عنكُمُ ... ومن ذا الذي تُحْنَى عليه الأَصابعُ! وما زال منَّا قد عَلمْتمْ عليكُمُ ... على الدهر إِفْضال يُرَى وَمنافِع وما زال منكُمْ أَهْلُ غَدْرٍ وجَفْوةٍ ... وبالله مُغْتَرّ وللرّحْم قاطعُ وإن نحن غِبْنا عنكُم وَشَهِدْتُمُ ... وَقائعَ منكمْ ثَمَّ فيها مقانِعُ وإنا لَنَرْعاكم وترعون شَأْنكم ... كذاك الأُمور؛ خافضات رَوافِعُ! وهل تَعْلُوَنْ أَقدامُ قوْمٍ صُدورَهمْ ... وهل تعْلُوَنْ فوق السَّنام الأكَارعُ! وَدَبَّ رِجالٌ للرِّياسَةِ منكمُ ... كما دَرَجَتْ تحْتَ الغديرِ الضَّفَادعُ؟ وذكر عن يَحْيَى بن الحسن بن عبد الخالق، قال: كان أرزاق الكتاب والعمّال أيَّام أبي جعفر ثلثمائة درهم؛ فلما كانت كذلك لم تزل على حالها إلى أيَّام المأمون، فكان أوّل مَنْ سنّ زيادة الأرزاق الفضل بن سهل، فأمَّا في أيَّام بني أميَّة وبني العباس فلم تنزل الأرزاق من الثلثمائة إلى ما دونها، كان الحجّاج يُجرِي على يزيد بن أبي مسلم ثلثمائة درهم في الشهر. وذكر إبراهيم بن موسى بن عيسى بن موسى، أنّ ولاة البريد في الآفاق كلِّها كانوا يكتبون إلى المنصور أيَّام خلافته في كلّ يوم بسعر القمح والحبوب والأُدْم، وبسعْرِ كلّ مأكول، وبكلّ ما يقضي به القاضي في نواحيهم، وبما يعمل به الوالي وبما يرد بيتَ المال من المال، وكلّ حدث، وكانوا إذا صلَّوا المغرب يكتبون إليه بما كان في كلّ ليلة إذا صلّوا الغداة؛ فإذا وردت كتبهم نظر فيها، فإذا رأى

стр. 4918

الأسعار على حالها أمسك، وإن تغيّر شيء منها عن حاله كتب إلى الوالي والعامل هناك، وسأل عن العلّة التي نقلت ذاك عن سعره؛ فإذا ورد الجواب بالعلّة تلطف لذلك برفقه حتَّى يعود سعره ذلك إلى حاله؛ وإن شك في شيء مما قضى به القاضي كتب إليه بذلك؛ وسأل من بحضرته عن عمله؛ فإن أنكر شيئًا عمل به كتب إليه يوبِّخه ويلومه. وذكر إسحاق الموصليّ أن الصّبّاح بن خاقان التميميّ، قال: حدّثني رجل من أهلي، عن أبيه، قال: ذُكِر الوليد عند المنصور أيَّام نزوله بغداد وفروغه من المدينة، وفراغه من محمَّد وإبراهيم ابني عبد الله، فقالوا: لعن الله الملحد الكافر - قال: وفي المجلس أبو بكر الهذلي وابن عياش المنتوف والشّرقيّ بن القطاميّ، وكل هؤلاء من الصّحابة - فقال أبو بكر الهذليّ: حدثني ابن عمٍّ للفرزدق، عن الفرزدق، قال: حضرت الوليد بن يزيد وعنده ندماؤه وقد اصطبح، فقال لابن عائشة: تغنَّ بشعر ابن الزِّبَعْرَى: لَيْتَ أَشْيَاخي ببَدْرٍ شَهِدُوا ... جزَع الخَزْرَجِ من وقعِ الأَسَلْ وقتلْنا الضِّعْفَ من ساداتِهِمْ ... وعَدَلنا مَيْلَ بَدْرٍ فاعْتَدلْ فقال ابن عائشة: لا أغنّي هذا يا أمير المؤمنين؛ فقال: غَنِّه وإلا جدعتُ لهَواتِك، قال: فغنَّاه، فقال: أحسنت والله! إنَّه لعلى دينِ ابن الزّبَعْرَى يوم قال هذا الشعر. قال: فلعنه المنصور ولعنه جلساؤه؛ وقال: الحمد لله على نعمته وتوحيده. وذكر عن أبي بكر الهذليّ، قال: كتب صاحب إرمينيَة إلى المنصور: إن الجند قد شَغَبوا عليه، وكسروا أقفال بيت المال، وأخذوا ما فيه، فوقع في كتابه: اعتزل عملنَا مذمومًا، فلو عقلت لم يشغبوا، ولو قويت لم ينتبهوا. وقال إسحاق الموصليّ، عن أبيه: خرج بعضُ أهل العبث على أبي جعفر بِفِلسطين، فكتب إلى العامل هناك: دمه في دمك إلَّا توجّهه إليّ؛ فجدّ في طلبه، فظفر به فأشخِص، فأمر بإدخاله عليه، فلمَّا مثل بين يديه، قال له أبو جعفر: أنت المتوثِّب على عُمَّالي! لأنثرنَّ من لحمك أكثر مما يبقى منه على عظمك، فقال له - وقد كان شيخًا كبير السنّ - بصوت ضعيف ضئيل غير مستعلٍ: أَتَرُوضُ عِرْسَكَ بَعدَ ما هَرِمتْ ... ومنَ العَناءِ رياضَةُ الهَرِمَ

стр. 4919

قال: فلم تتبيَّن للمنصور مقالته، فقال: يا ربيع، ما يقول؟ فقال: يقول: العَبْدُ عبدُكمُ والمالُ مالكُمُ ... فهلْ عذابُك عني اليومَ مُنْصَرِفُ! قال: يا ربيع، قد عفوتُ عنه؛ فخلّ سبيله، واحتفظ به، وأحسن ولايته. قال: ورُفع رجل إلى المنصور يشكو عامله أنَّه أخذ حدًّا من ضيعته، فأضافه إلى ماله، فوقّع إلى عامله في رقعة المتظلم: إن آثرتَ العدل صحبتْك السلامة، فأنصف هذا المتظلّم من هذه الظلامة. قال: ورفع رجل من العامّة إليه رقعة في بناء مسجد في محلته، فوقّع في رقعته: من أشراط الساعة كثرة المساجد، فزد في خطاك تزدد من الثواب. قال: وتظلّم رجل من أهل السواد من بعض العمال، في رقعة رفعها إلى المنصور، فوقّع فيها: إن كنت صادقًا فجئ به ملبّبًا قد أذنَّا لك في ذلك. وذكر عمر بن شبّة أن أبا الهذيل العلّاف حدّثه، أن أبا جعفر قال: بلغني أن السيّد بن محمَّد ماتَ بالكرْخ - أو قال: بواسط - ولم يدفنوه، ولئن حقّ ذلك عندي لأحرقنّها. وقيل: إن الصَّحيح أنَّه مات في زمان المهديّ بكَرْخ بغداد، وأنهم تحامَوْا أن يدفنوه، وأنَّه بعث بالرّبيع حتَّى ولي أمره، وأمَره إن كانوا امتنعوا أن يحرق عليهم منازِلهم، فدُفع ربيع عنهم. وقال المدائنيّ، لما فرغ المنصور من محمَّد وإبراهيم وعبد الله بن عليّ وعبد الجبار بن عبد الرحمن، وصار ببغداد، واستقامت له الأمور، كان يتمثّل هذا البيت: تبيت من البلوَى على حدّ مُرهَفٍ ... مرارًا ويكْفي الله ما أنت خائفُ قال: وأنشدني عبد الله بن الرَّبيع، قال: أنشدني المنصور بعد قتل هؤلاء: وربّ أمورٍ لا تَضِيرُكَ ضيْرَةً ... وللقلب من مَخشاتِهنّ وَجيبُ وقال الهيثم بن عدي: لما بلغ المنصور تفرّق ولد عبد الله بن حسن في البلاد هربًا من عقابه، تمثّل: إِنَّ قناتي لَنبْعٌ لا يُؤيّسهُا ... غَمزُ الثِّقاف ولا دُهْن ولا نارُ متى أجِرْ خائفًا تأْمَنْ مَسَارحُه ... وإِن أُخِفْ آمِنًا تَقلَقْ به الدارُ سيرُوا إِليَّ وغُضُّوا بعض أَعْيُنِكم ... إِنِّي لكل امرئٍ من جاره جارُ

стр. 4920

وذكر عليّ بن محمَّد عن واضح مولى أبي جعفر، قال: أمرني أبو جعفر أن أشتريَ له ثوبيْن ليّنين، فاشتريتهما له بعشرين ومائة درهم، فأتيته بهما، فقال: بكم؟ فقلت: بثمانين درهمًا، قال: صالحان، استحِطّه؛ فإنّ المتاع إذا أُدخل علينا ثم رُدّ على صاحبه كسره ذلك. فأخذتُ الثوبين من صاحبهما فلما كان من الغد حملتُهما إليه معي، فقال: ما صنعت؟ قلت: رددتهما عليه فحطّني عشرين درهمًا، قال: أحسنتَ؛ اقطع أحدَهما قميصًا، واجعل الآخر رداء لي. ففعلتُ، فلبس القميص خمسة عشر يومًا لم يلبس غيرَه. وذكر مولىً لعبد الصَّمد بن عليّ، قال: سمعتُ عبدَ الصَّمد يقول: إنّ المنصور كان يأمر أهلَ بيته بحسن الهيئة وإظهار النعمة وبلزوم الوشْي والطّيب؛ فإن رأى أحدًا منهم قد أخلّ بذلك أو أقل منه، قال: يا فلان، ما أرى وبيص الغالية في لحيتك؛ وإني لأراها تلمع في لحية فلان؛ فيشحذهم بذلك على الإكثار من الطّيب ليتزين بهيئتهم وطيب أرواحهم عند الرعيّة، ويزيّنهم بذلك عندهم؛ وإن رأى على أحد منهم وشيًا طاهرًا عضه بلسانه. وذكِر عن أحمد بن خالد، قال: كان المنصور يسأل مالك بن أدهم كثيرًا عن حديث عجلان بن سُهيل، أخي حوثرة بن سُهيل، قال: كنَّا جلوسًا مع عجلان، إذ مرَّ بنا هشام بن عبد الملك، فقال رجل من القوم: قد مرّ الأحول، قال: مَن تعني؟ قال: هشامًا، قال: تسمِّي أمير المؤمنين بالنّبَز! والله لولا رَحِمُك لضربت عنقك، فقال المنصور: هذا والله الذي ينفع مع مثله المحيا والممات. وقال أحمد بن خالد: قال إبراهيم بن عيسى: كان للمنصور خادم أصفرُ إلى الأدْمة، ماهر لا بأس به، فقال له المنصور يومًا: ما جنسك؟ قال: عربيّ يا أمير المؤمنين، قال: ومنْ أي العرب أنت؟ قال: من خَوْلان، سُبيتُ من اليمن، فأخذني عدوّ لنا، فجبَّنِي فاسترققت، فصرت إلى بعض بني أميَّة، ثم صرت إليك. قال: أمّا إنك نعم الغلام؛ ولكن لا يدخل قصري عربيّ يخدُم حُرَمي، أخرج عافاك الله؛ فاذهب حيث شئت! وذكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن داود بن معاوية بن بكر - وكان من الصّحابة - أنّ المنصورَ ضمّ رجلًا من أهل الكوفة، يقال له الفُضيل بن عمران، إلى ابنه جعفر، وجعله كاتبًا، وولّاه أمرَه، فكان منه بمنزلة أبي عبيد الله من

стр. 4921

المهديّ، وقد كان أبو جعفر أراد أن يبايع لجعفر بعد المهديّ، فنصبت أم عبيد الله حاضنةُ جعفر للفُضيل بن عمران، فسعتْ به إلى المنصور، وأومأت إلى أنَّه يعبث بجعفر. قال: فبعث المنصور الريّان مولاه وهارون بن غَزْوان مولى عثمان بن نهيك إلى الفُضيل - وهو مع جعفر بحديثة الموصل - وقال: إذا رأيتما فُضيلًا فاقتلاه حيث لقيتماه، وكتب لهما كتابًا منشورًا، وكتب إلى جعفر يعلمه ما أمرهما به، وقال: لا تدفعا الكتابَ إلى جعفر حتَّى تفرُغا من قتله. قال: فخرجا حتَّى قدِما على جعفر، وقعدا على بابه ينتظران الإذن؛ فخرج عليهما فُضيل، فأخذاه وأخرجا كتاب المنصور، فلم يعرِض لهما أحدٌ؛ فضربا عنقه مكانه، ولم يعلم جعفر حتَّى فرغا منه - وكان الفُضيل رجلًا عفيفًا ديِّنًا - فقيل للمنصور: إنّ الفضيل كان أبرأ النَّاس مما رُمِيَ به، وقد عجِلتَ عليه. فوجَّه رسولًا، وجعل له عشرة آلاف درهم إن أدركه قبل أن يقتَل، فقدم الرسول قبل أن يجفّ دمه. فذكر معاوية بن بكر عن سويد مولى جعفر، أنّ جعفرًا أرسل إليه، فقال: ويلك! ما يقول أمير المؤمنين في قتل رجل عفيف ديّن مسلم بلا جُرْم ولا جناية! قال سويد: فقلت: هو أمير المؤمنين يفعل ما يشاء؛ وهو أعلم بما يصنع؛ فقال: يا ماصّ بظر أمّه، أكلّمك بكلام الخاصّة وتكلمني بكلام العامة! خذوا برجله فألقوه في دِجْلة. قال فأخذت، فقلت: أكلّمك، فقال: دعوه، فقلت: أبوك إنَّما يُسأَل عن فُضيل، ومتى يُسْألُ عنه، وقد قتل عمّه عبد الله بن عبد الله بن عليّ، وقد قتل عبد الله بن الحسن وغيره من أولاد رسول الله ﷺ ظلمًا، وقتل أهل الدّنيا ممن لا يُحصى ولا يعدّ! هو قبل أن يُسأل عن فضيل جُرذانة تجبّ خصي فرعون قال: فضحك، وقال: دعوه إلى لعنة الله. وقال قعنَب بن محرز: أخبرنا محمَّد بن عائد مولى عثمان بن عفَّان أن حفصًا الأمويّ الشَّاعر، كان يقال له حفص بن أبي جُمعة، مولى عبّاد بن زياد، وكان المنصور صيّره مؤدبًا للمهديّ في مجالسه، وكان مدّاحًا لبني أميَّة في أيَّام بني أميّة وأيّام المنصور، فلم ينكِر عليه ذلك المنصورُ، ولم يزل مع المهديّ أيَّام ولايته العهد؛ ومات قبل أن يلِي المهدي الخلافة. قال: وكان مما مدح به بني أميّة قوله:

стр. 4922

أَينَ رَوْقا عبد شمسٍ أَيْنَ هُمْ ... أَين أَهلُ الباع منهم والحَسبْ! لم تكْن أَيْدٍ لهم عندكُمُ ... ما فَعلتمْ آل عبدِ المطلبْ! أَيها السّائل عنهمُ أُولو ... جُثَث تلمعُ من فوْق الخشبْ إِنْ تجُذُّوا الأَصلَ منهمْ سَفهًا ... يا لَقَوْم للزمان المنقلِبْ! إِنْ فاحلبُوا ما شئتمُ في صَحْنكمْ ... فسَتُسقَون صَرَى ذاك الحَلبْ وقيل: إن حفصًا الأمويّ دخل على المنصور، فكلّمه فاستخبره، فقال له: من أنت؟ فقال: مولاك يا أمير المؤمنين، قال: مولىً لي مثلك لا أعرفه! قال: مولى خادمٍ لك عبد مناف يا أمير المؤمنين؛ فاستحسن ذلك منه، وعلم أنَّه مولىً لبني أميّة، فضمّه إلى المهديّ، وقال له: احتفظ به. * * * ومما رُثي به قول سَلْم الخاسر: عجبًا للذي نَعَى الناعيانِ ... كيف فاهت بموته الشفتان! مَلكٌ إِن غَدَا على الدَّهرِ يومًا ... أصبحَ الدَّهرُ ساقطًا للجِرَانِ لَيْت كفًّا حثَتْ عليه ترابًا ... لم تَعُدْ في يمينها ببَنَان حين دانَتْ له البلادُ على العَسْـ ... ـف وأغضَى من خوفه الثَّقَلَانِ أَينَ ربُّ الزَّوْراءِ قد قلّدَتْهُ الـ ... ـملكَ، عشرون حجَّةَ واثنتان إِنّما المرءُ كالزناد إِذا ما ... أخَذَتْهُ قوادحُ النِّيرانِ ليس يثني هَواه زجرٌ ولا يقـ ... ـدح في حَبْله ذَوو الأَذهانِ قَلَّدَتهُ أَعِنَّةُ المُلك حتَّى ... قاد أعداءه بغير عنان يكْسَرُ الطَّرْفُ دونه وترى الأَيـ ... ـدِيَ من خوفِهِ على الأَذقانِ ضمَّ أطرافَ مُلكه ثم أَضحَى ... خَلْفَ أقصاهُمُ ودونَ الدّاني هاشِمِيُّ التَّشميرِ لَا يَحْمِلُ الثِّقـ ... ـل على غاربِ الشَّرُودِ الهدَانِ ذو أَناةٍ ينسَى لها الخائفً الخَو ... فَ وعزم يُلوِي بكلِّ جَنَانِ ذَهَبتْ دونه النفوسُ حِذارًا ... غير أَنَّ الأَرواحَ في الأَبدانِ * * *

стр. 4923

ذكر أسماء ولده ونسائه فمن ولده المهديّ - واسمه محمَّد - وجعفر الأكبر، وأمّهما أروى بنت منصور أخت يزيد بن منصور الحميريّ؛ وكانت تكنى أم موسى؛ وهلك جعفر هذا قبل المنصور. وسليمان وعيسى ويعقوب، وأمهم فاطمة بنت محمَّد، من ولد طلحة بن عبيد الله. وجعفر الأصغر، أمّه أمّ ولد كرديّة، كان المنصور اشتراها فتسرّاها، وكان يقال لابنها: ابن الكرديّة. وصالح المسكين، أمّه أم ولد روميّة، يقال لها قالى الفرّاشة. والقاسم، مات قبل المنصور، وهو ابن عشر سنين، وأمه أم ولد تعرف بأم القاسم، ولها بباب الشأم بستان يعرف إلى اليوم ببستان أمّ القاسم. والعالية، أمّها امرأة من بني أميّة، زوّجها المنصور من إسحاق بن سليمان بن عليّ بن عبد الله بن العباس، وذكر عن إسحاق بن سليمان أنَّه قال: قال لي أبي: زوّجتك يا بنيّ أشرف النَّاس؛ العالية بنت أمير المؤمنين. قال: فقلت: يا أباه، مَنْ أكفاؤنا؟ قال: أعداؤنا من بني أميّة. * * * ذكر الخبر عن وصاياه ذكر عن الهيثم بن عديّ أن المنصور أوصى المهديّ في هذه السنة لما شخص متوجِّهًا إلى مكّة في شوّال، وقد نزل قصر عَبْدويه، وأقام بهذا القصر أيامًا والمهديّ معه يوصيه، وكان انقضّ في مقامه بقصر عبدويه كوكب، لثلاثٍ بقِينَ من شوّال بعد إضاءة الفجر، وبقي أثره بيِّنًا إلى طلوع الشَّمس، فأوصاه بالمال والسلطان؛ يفعل ذلك كلّ يوم من أيَّام مقامه بالغدَاة والعشيّ، لا يفتر عن ذلك، ولا يفترقان إلّا تحريكًا. فلما كان اليوم الذي أراد أن يرتحل فيه، دعا المهديّ، فقال له: إنِّي لم أدع شيئًا إلَّا قد تقدمتُ إليك فيه، وسأوصيك بخصال والله

стр. 4924

ما أظنك تفعل واحدة منها - وكان له سَفَط فيه دفاتر علمه، وعليه قُفل لا يأمن على فتحه ومفتاحه أحدًا، يصرّ مفتاحه في كمّ قميصه. قال: وكان حمّاد التركيّ يقدّم إليه ذلك السّفَط إذا دعا به، فإذا غاب حماد أو خرج كان الذي يليه سلمة الخادم - فقال للمهديّ: انظر هذا السَّفَط فاحتفظ به؛ فإنّ فيه علم آبائك. ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة؛ فإن أحزنك أمر فانظر في الدّفتر الأكبر؛ فإن أصبتَ فيه ما تريد، وإلا فالثاني والثالث؛ حتَّى بلغ سبعة؛ فإن ثقل عليك فالكرّاسة الصغيرة؛ فإنَّك واجد فيها ما تريد، وما أظنك تفعل، وانظر هذه المدينة؛ فإياك أن تستبدل بها؛ فإنها بيتك وعزّك، قد جمعتُ لك فيها من الأموال ما إن كُسِر عليك الخراج عشر سنين كان عندك كفاية لأرزاق الجند والنفقات وعطاء الذريّة ومصلحة الثغور؛ فاحتفظ بها، فإنَّك لا تزال عزيزًا ما دام بيت مالك عامرًا، وما أظنك تفعل. وأوصيك بأهل بيتك؛ أن تُظهر كرامتهم وتقدّمهم وتكثر الإحسان إليهم، وتعظِّم أمرَهم، وتوطئ النَّاس أعقابهم، وتولّيهم المنابر؛ فإنّ عزّك عزّهم وذكرهم لك، وما أظنك تفعل. وانظر مواليَك، فأحسن إليهم وقرّبهم واستكثر منهم فإنهم مادّتك لشدة إن نزلت بك، وما أظنك تفعل. وأوصيك بأهل خُراسان خيرًا، فإنهم أنصارك وشيعتُك الَّذين بذلوا أموالهم في دولتك، ودماءهم دونك، ومَنْ لا تخرج محبتك من قلوبهم، أن تحسِن إليهم وتتجاوز عن مسيئهم وتكافئهم على ما كان منهم، وتخلُف مَن مات منهم في أهله وولده، وما أظنّك تفعل. وإياك أن تبني مدينة الشرقيّة فإنَّك لا تتم بناءها، وما أظنّك تفعل. وإيَّاك أن تستعين برجل من بني سُليم، وأظنّك ستفعل. وإياك أن تدخل النساء في مشورتِك في أمرك، وأظنك ستفعل. وقال غير الهيثم: إنّ المنصور دعا المهديّ عند مسيره إلى مكّة، فقال: يا أبا عبد الله، إنِّي سائر وإني غير راجع؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون! فاسأل الله بركة ما أقدم عليه، هذا كتاب وصيتي مختومًا، فإذا بلغك أني قد متّ، وصار الأمر إليك فانظر فيه، وعليّ دينٌ فأحبّ أن تقضِيَه وتضْمَنه، قال: هو عليّ يا أميرَ المؤمنين، قال: فإنَّه ثلثمائة ألف درهم ونيّف، ولست أستحلُّها من بيت مال المسلمين، فاضمنها عني، وما يفضي إليك من الأمر أعظم منها. قال: أفعل، هو عليّ. قال: وهذا القصر ليس هو لكَ، هو لي، وقصري بنيتُه

стр. 4925

بمالي، فأحبّ أن تصيّر نصيبَك منه لإخوتك الأصاغر. قال: نعم، قال: ورقيقي الخاصة هم لك، فاجعلهم لهم، فإنَّك تصير إلى ما يُغنيك عنهم، وبهم إلى ذلك أعظم الحاجة. قال: أفعل، قال: أما الضياع، فلست أكلِّفك فيها هذا، ولو فعلتَ كان أحبَّ إليّ، قال: أفعل، قال: سلمْ إليهم ما سألتك من هذا، وأنت معهم في الضياع. قال: والمتاع والثياب، سلِّمه لهم، قال: أفعل. قال: أحسنَ الله عليك الخلافة ولك الصُّنعْ! اتق الله فيما خَوّلك وفيما خلَّفتُك عليه. ومضى إلى الكوفة، فنزل الرُّصافة، ثمّ خرج منها مهلًا بالعمرة والحجّ، قد ساق هَديَه من البُدْن، وأشعر وقلّد؛ وذلك لأيام خلتْ من ذي القعدة. وذكر أبو يعقوب بن سليمان، قال: حدثتني جَمرة العطَارة - عطّارة أبي جعفر - قالت: لما عزم المنصور على الحج دعا رَيْطة بنت أبي العباس امرأة المهديّ - وكان المهديّ بالريّ قبل شخوص أبي جعفر - فأوصاها بما أراد، وعهد إليها، ودفع إليها مفاتيح الخزائن، وتقدّم إليها وأحلفها، ووكّد الإيمان ألّا تفتح بعض تلك الخزائن، ولا تُطلع عليها أحدًا إلَّا المهديّ؛ ولا هي؛ إلّا أن يصحّ عندها موته، فإذا صحّ ذلك اجتمعتْ هي والمهديّ وليس معهما ثالث؛ حتَّى يفتحا الخزانة. فلما قدِم المهديّ من الرّيّ إلى مدينة السَّلام، دفعت إليه المفاتيح، وأخبرتْه من أنْلمنصور أنَّه تقدَّم إليها فيه ألّا يفتحه ولا يُطلع عليه أحدًا حتَّى يصحّ عندها موتُه. فلما انتهى إلى المهديّ موتُ المنصور ووليَ الخلافة، فتح الباب ومعه ريْطة، فإذا أزج كبير فيه جماعة من قتلاء الطالبيين، وفي آذانهم رقاع فيها أنسابهم، وإذا فيهم أطفال ورجال شباب ومشايخ عدّة كثيرة، فلما رأى ذلك المهديّ ارتاع لما رأى، وأمر فحفِرت لهم حفيرة فدُفنوا فيها، وعمِل عليهم دكان. وذُكِر عن إسحاق بن عيسى بن عليّ، عن أبيه، قال: سمعتُ المنصور وهو متوجّه إلى مكّة سنة ثمان وخمسين ومائة، وهو يقول للمهديّ عند وداعه إياه: يا أبا عبد الله؛ إنِّي وُلدت في ذي الحجة، ووليت في ذي الحجة، وقد هجس في نفسي أني أموت في ذي الحجة من هذه السنة؛ وإنَّما حداني على الحجّ ذلك، فاتق الله فيما أعهد إليك من أمور المسلمين بعدي؛ يجعل لك فيما كَرَبك وحزَنك مخرجًا - أو قال: فَرجًا ومخرجًا - ويرزقك السلامة وحسن العاقبة من حيث

стр. 4926

لا تحتسب. احفظ يابنيّ محمدًا ﷺ في أمّته يحفظ الله عليك أمورَك. وإياك والدّم الحرام، فإنَّه حَوْب عند الله عظيم، وعارٌ في الدُّنيا لازم مقيم. والزم الحلال؛ فإن ثوابَك في الآجل، وصلاحك في العاجل. وأقم الحدود ولا تعتدِ فيها فتبور؛ فإن الله لو علم أنّ شيئًا أصلحُ لدينه وأزجرُ من معاصيه من الحدود لأمر به في كتابه. وأعلم أنّ من شدّة غضب الله لسلطانه، أمر في كتابه بتضعيف العذاب والعقاب على مَنْ سعى في الأرض فسادًا، مع ما ذخر له عنده من العذاب العظيم، فقال: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ (١) الآية. فالسلطان يابنيّ حبْل الله المتين، وعُروته الوثقَى، ودين الله القَيّم، فاحفظه وحُطْه وحصّنه، وذُبَّ عنه، وأوقع بالملحدين فيه، واقْمَع المارقين منه، واقتل الخارجين عنه بالعقاب لهم والمَثُلات بهم؛ ولا تجاوز ما أمر الله به في محكم القرآن. واحكم بالعدل ولا تُشْطِط؛ فإن ذلك أقطعُ للشَّغَب، وأحسم للعدوّ، وأنجع في الدواء. وعفّ في الفيء، فليْس بك إليه حاجة مع ما أخلَفه لك، وافتتح عملك بصلةِ الرَّحِم وبرّ القرابة. وإياك والأثَرة والتبذير لأموال الرّعية. واشحن الثغور، واضبط الأطراف، وأمِّن السبل، وخصّ الواسطة، ووسِّع المعاش، وسكِّن العامة، وأدخل المرافق عليهم، واصرف المكاره عنهم، وأعدّ الأموال واخزنها. وإيّاك والتبذير؛ فإن النوائب غير مأمونة، والحوادث غير مضمونة، وهي من شيَم الزّمان. وأعدّ الرجال والكُراع والجند ما استطعت. وإيّاك وتأخيرَ عمل اليوم إلى غد، فتتدارك عليك الأمور وتضيع. جِدَّ في إحكام الأمور النازلات لأوقاتها أولًا فأولًا، واجتهد وشمّر فيها، وأعدد رجالًا بالليل لمعرفة ما يكون بالنهار، ورجالأ بالنهار لمعرفة ما يكون بالليل. وباشر الأمور بنفسك، ولا تضجر ولا تكسل ولا تفشل، واستعمل حسنَ الظن بربك، وأسئ الظن بعمَّالك وكتابك. وخذ نفسك بالتيقظ، وتفقَّد مَنْ يبيت على بابك، وسهّل إذنَك للنَّاس، وانظر في أمر النزاع إليك، ووكِّل بهم عينًا غير نائمة، ونفسًا غير لاهية، ولا تنم فإنّ أباك لم ينمْ منذ وليَ الخلافة، ولا دخل عينه غمض إلّا وقلبه مستيقظ. هذه وصيّتي إليك، والله خليفتي عليك. قال: ثم ودّعه وبكى كلّ واحد منهما إلى صاحبه.

стр. 4927

وذكر عمر بن شبّة عن سعيد بن هريم، قال: لما حجّ المنصور في السنة التي تُوفّيَ فيها شيّعه المهديّ، فقال: يابنيّ، إنِّي قد جمعت لك من الأموال ما لم يجمعه خليفة قبلي، وجمعت لك من الموالي ما لم يجمعه خليفة قبلي، وبنيت لك مدينة لم يكن في الإسلام مثلها؛ ولست أخاف عليك إلَّا أحدَ رجلين: عيسى بن موسى، وعيسى بن زيد؛ فأمَّا عيسى بن موسى فقد أعطاني من العهود والمواثيق ما قبلتُه، ووالله لو لم يكن إلَّا أن يقول قولًا لما خفتُه عليك، فأخرجه من قلبك. وأمَّا عيسى بن زيد فأنفِق هذه الأموال واقتل هؤلاء الموالي، واهدم هذه المدينة حتَّى تظفر به، ثم لا ألومك (١). وذكر عيسى بن محمَّد أنّ موسى بن هارون حدّثه، قال: لما دخل المنصور آخرَ منزل نزَله من طريق مكّة، نظر في صدر البيت الذي نزل فيه، فإذا فيه مكتوب: بسم الله الرحمن الرحيم. أَبا جعفرٍ حانَتْ وَفاتُكَ وانقَضَتْ ... سِنُوك، وأَمرُ الله لا بدَّ واقعُ أَبا جعفر هل كاهن أَو مُنجّم ... لك اليومَ من حَرّ المَنِيَّة مانعُ! قال: فدعا بالمتولي لإصلاح المنازل، فقال له: ألم آمرك ألّا يدخل المنزل أحدٌ من الدّعّار! قال: يا أميرَ المؤمنين؛ والله ما دخلها أحد منذ فُرغ منها، فقال: اقرأ ما في صدر البيت مكتوبًا، قال: ما أرى شيئًا يا أميرَ المؤمنين، قال: فدعا برئيس الحجَبة، فقال: اقرأ ما على صدر البيت مكتوبًا، قال: ما أرى على صدر البيت شيئًا، فأملى البيتين فكُتِبا عنه، فالتفت إلى حاجبه فقال: اقرأ لي آية من كتاب الله جلّ وعز تشوّقني إلى الله ، فتلا: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾، فأمر بفكَّيْه فوُجئا. وقال: ما وجدت شيئًا تقرؤه غير هذه الآية! فقال: يا أميرَ المؤمنين، مُحِي القرآن من قلبي غير هذه الآية، فأمر بالرّحيل عن ذلك المنزل تطيُّرًا مما كان، وركب فرسًا، فلما كان في الوادي الذي يقال له سَقَر - وكان آخر منزل بطريق مكّة - كبا به الفرس، فدقّ ظهره، ومات فدفن ببئر ميمون.

стр. 4928

وذكر عن محمَّد بن عبد الله مولى بني هاشم، قال: أخبرني رجل من العلماء وأهل الأدب، قال: هتف بأبي جعفر هاتف من قصره بالمدينة فسمعه يقول: أَما وربِّ السُّكونِ والحَرَكِ ... إِنَّ المنايا كثيرةُ الشَّرَكِ عليكِ يا نفسُ إِن أَسأْتِ وِإنْ ... أَحْسَنْتِ بالقَصْدِ، كلُّ ذاكَ لَكِ ما اخْتلَفَ اللَّيلُ والنهارُ ولَا ... دارَت نُجومُ السماء في الفَلَكِ إِلا بِنَقْلِ السُّلْطان عن مَلكٍ ... إِذا انقضَى مُلكهُ إِلى مَلِكِ حتَّى يصيرَا به إلى مَلِكٍ ... ما عِزُّ سُلطانه بِمُشتَرَكِ ذاك بديعُ السماء والأَرض والمُرْ ... سِي الجبالِ المُسخِّرُ الفلَكِ فقال أبو جعفر: هذا والله أوان أجَلِي. وذكر عبد الله بن عبيد الله، أنّ عبد العزيز بن مُسلم حدّثه أنَّه قال: دخلت على المنصور يومًا أسلِّم عليه؛ فإذا هو باهت لا يُحير جوابًا، فوثبت لما أرى منه، أريد الانصراف عنه، فقال لي بعد ساعة: إنِّي رأيت فيما يرى النائم؛ كأن رجلًا ينشدني هذه الأبيات: أأُخَيَّ أَخفِض مِن مُنَاكا ... فكأَنَّ يَوْمَكَ قد أَتَاكَا ولقد أَرَاك الدَّهْرُ مِنْ ... تَصرِيفِه ما قَدْ أَراكَا فإِذا أَرَدْتَ النَّاقِصَ الـ ... ـعبدَ الذَّلِيلَ فأَنت ذَاكَا مُلِّكْتَ ما مُلِّكْتَهُ ... والأَمرُ فيه إِلى سِوَاكَا فهذا الذي ترى من قلقي وغَمِّي لما سمعت ورأيت. فقلت: خيرًا رأيتَ يا أمير المؤمنين. فلم يلبث إلى أن خرج إلى الحجّ فمات لوجهه ذاك. * * * ذكر الخبر عن صفة العقد الذي عُقِد للمهديّ بالخلافة حين مات والده المنصور بمكة ذكر عليّ بن محمَّد النوفليّ أن أباه حدّثه، قال: خرجت في السنة التي مات فيها أبو جعفر من طريق البصرة، وكان أبو جعفر خرج على طريق الكوفة، فلقيتُه بذات عِرْق، ثم سرت معه، فكان كلَّما ركب عرضتُ له فسلّمت عليه،

стр. 4929

وقد كان أدنف وأشفى على الموت، فلما صار ببئر ميمون نزل به، ودخلنا مكّة، فقضيتُ عُمرتي، ثم كنت اختلف إلى أبي جعفر إلى مَضْربه، فأقيم فيه إلى قريب من الزّوال، ثم أنصرف - وكذلك كان يفعل الهاشميّون - وأقبلت علّته تشتدّ وتزداد، فلما كان في الليلة التي مات فيها، ولم نعلم؛ فصليت الصبح في المسجد الحرام مع طلوع الفجر، ثم ركبتُ في ثوبيّ متقلدًا السيف عليهما، وأنا أساير محمَّد بن عون بن عبد الله بن الحارث - وكان من سادة بني هاشم ومشايخهم؛ وكان في ذلك اليوم عليه ثوبان مورّدان قد أحرم فيهما، متقلّدًا السيف عليهما - قال: وكان مشايخ بني هاشم يحبّون أن يُحرِموا في المورّد لحديث عمر بن الخطاب وعبد الله بن جعفر وقول عليّ بن أبي طالب فيه. فلما صرنا بالأبطح لقيَنا العباس بن محمَّد ومحمد بن سليمان في خيل ورجال يدخلان مكّة، فعدلنا إليهما، فسلّمنا عليهما ثم مضينا، فقال لي محمَّد بن عون: ما ترى حال هذين ودخولهما مكّة؟ قلت: أحسب الرّجُل قد مات؛ فأرادا أن يحصّنا مكّة؛ فكان ذلك كذلك، فبينا نحن نسير، إذا رجل خفيّ الشَّخْص في طِمْرين، ونحن بعد في غَلَس، قد جاء فدخل بين أعناق دابتيْنا، ثم أقبل علينا، فقال: مات والله الرجل! ثم خفي عنا، فمضينا نحن حتَّى أتينا العسكر، فدخلنا السرادق الذي كُنَّا نجلس فيه في كلّ يوم؛ فإذا بموسى بن المهديّ قد صدِّرَ عند عَمُود السرادق؛ وإذا القاسم بن منصور في ناحية السّرادق - وقد كان حين لقينا المنصور بذات عِرْق، إذا ركب المنصور بعيرَه جاء القاسم فسار بين يديه بينه وبين صاحب الشرطة، ويؤمَر النَّاس أن يرفعوا القصص إليه - قال: فلما رأيته في ناحية السرادق ورأيت موسى مصدّرًا، علمت أنّ المنصور قد مات. قال: فبينا أنا جالس إذ أقبل الحسن بن زيد، فجلس إلى جنبي، فصارت فخِذه على فخذي، وجاء النَّاس حتَّى ملؤوا السرادق، وفيهم ابن عيّاش المنتوف؛ فبينا نحن كذلك، إذ سمعنا همسًا من بكاء. فقال لي الحسن: أترى الرجل مات! قلت: لا أحسب ذلك؛ ولكن لعله ثقِيل، أو أصابته غَشْية، فما راعنا إلَّا بأبي العنبر الخادم الأسود خادم المنصور، قد خرج علينا مشقوق الأقبِيَة من بين يديه ومن خَلْفه، وعلى رأسه التُّراب، فصاح: وا أمير المؤمنيناه! فما بقي في السرادق أحدٌ إلّا قام على رجليه، ثم أهووا نحو مضَارب أبي جعفر يريدون الدّخول، فمنعهم الخدم، ودفعوا في صدورهم. وقال ابن عياش المنتوف: سبحان الله! أما شهدتم

стр. 4930

موت خليفة قطّ! اجلسوا رحمكم الله. فجلس النَّاس، وقام القاسم فشقّ ثيابه، ووضع التُّراب على رأسه، وموسى جالس على حاله. وكان صبيًّا رَطْبًا ما يتحلحل. ثم خرج الرّبيع، وفي يده قِرطاس، فألقى أسفله على الأرض، وتناول طرفه ثم قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله المنصور أمير المؤمنين إلى مَنْ خلّف بعده من بني هاشم وشيعته من أهل خُراسان وعامة المسلمين - ثم ألقى القرطاس من يده، وبكى وبكى النَّاس، فأخذ القرطاس، وقال: قد أمكنكم البكاء؛ ولكن هذا عهد عهده أمير المؤمنين، لا بدّ من أن نقرأه عليكم، فأنصِتوا رحمكم الله؛ فسكت النَّاس، ثم رجع إلى القراءة - أما بعد: فإنّي كتبتُ كتابي هذا وأنا حيٌّ في آخر يوم من الدّنيا وأول يوم من الآخرة، وأنا أقرأ عليكم السَّلام، وأسأل الله ألّا يفتنكم بعدي، ولا يُلبِسكم شيَعًا، ولا يُذيق بعضكم بأس بعض. يا بني هاشم، ويا أهلَ خراسان ....... ثم أخذ في وصيّتهم بالمهديّ، وإذكارهم البيعةَ له، وحضّهم على القيام بدولته، والوفاء بعهده إلى آخر الكتاب. قال النوفليّ: قال أي: وكان هذا شيئًا وضعه الرَّبيع، ثم نظر في وجوه النّاس، فدنا من الهاشميّين، فتناول يد الحسن بن زيد، فقال: قم يا أبا محمَّد، فبايعْ، فقام معه الحسن، فانتهى به الرّبيع إلى موسى فأجلسه بين يديه، فتناول الحسن يدَ موسى، ثم التفت إلى النَّاس، فقال: يا أيها النَّاس، إن أمير المؤمنين المنصور كان ضربني واصطفى مالي؛ فكلّمه المهدي فرضي عني، وكلمه في ردّ مالي عليّ فأبى ذلك، فأخلفه المهديّ من ماله وأَضعفه مكان كل عِلْق عِلْقين، فمَن أولى بأن يبايع لأمير المؤمنين بصدر منشرح ونفس طيبة وقلب ناصح منِّي! ثم بايع موسى للمهديّ، ثم مسح على يده. ثم جاء الرَّبيع إلى محمَّد بن عون، فقدّمه للسنّ فبايع، ثم جاء الرّبيع إليَّ فأنهضني؛ فكنت الثالث؛ وبايع النَّاس؛ فلما فرغ دخل المضارب، فمكث هنيهة ثم خرج إلينا معشر الهاشمييّن، فقال: انهضوا، فنهضنا معه جميعًا، وكنا جماعة كثيرة من أهل العراق وأهل مكّة والمدينة ممن حضر الحج، فدخلنا فإذا نحن بالمنصور

стр. 4931

على سريره في أكفانه، مكشوف الوجه؛ فحملناه حتَّى أتينا به مكّة ثلاثة أميال؛ فكأني أنظر إليه أدنو من قائمة سريره نحمله؛ فتحرّك الرِّيح، فتطيّر شعر صدغيه؛ وذلك أنَّه كان قد وفّر شعره للحلق؛ وقد نصل خِضابه؛ حتَّى أتينا به حفرته، فدلّيناه فيها. قال: وسمعت أبي يقول: كان أوّل شيء ارتفع به عليّ بن عيسى بن ماهان؛ أنَّه لما كان الليلة التي مات فيها أبو جعفر أرادوا عيسى بن موسى على بَيْعة مجدّدة للمهديّ - وكان القائم بذلك الرَّبيع - فأبى عيسى بن موسى، فأقبل القوّاد الذين حضروا يقرّبون ويتباعدون، فنهض عليّ بن عيسى بن ماهان، فاستلّ سيفه، ثمّ جاء إليه، فقال: والله لتبايعنّ أو لأضربنّ عنقك! فلمَّا رأى ذلك عيسى، بايع وبايع النَّاس بعده. وذكر عيسى بن محمَّد أنّ موسى بن هارون حدّثه أن موسى بن المهديّ والربيع مولى المنصور وجّها منارة مولى المنصور بخبر وفاة المنصور وبالبيْعة للمهديّ. وبعثا بعدُ بقضيب النَّبيّ ﷺ وبُرْدته التي يتوارثها الخلفاء مع الحسن الشرويّ، وبعث أبو العباس الطوسيّ بخاتم الخلافة مع منارة؛ ثم خرجوا من مكّة، وسار عبد الله بن المسيّب بن زهير بالحَرْبة بين يدي صالح بن المنصور، على ما كان يسير بها بين يديه في حياة المنصور، فكسرها القاسم بن نصر بن مالك؛ وهو يومئذٍ على شُرْطة موسى بن المهديّ، واندسّ عليّ بن عيسى بن ماهان لما كان في نفسه من أذى عيسى بن موسى، وما صُنع به للراونديّة، فأظهر الطعن والكلام في مسيرهم. وكان من رؤسائهم أبو خالد المرورّوذي، حتَّى كاد الأمر يعظُم ويتفاقم؛ حتَّى لبس السلاح. وتحرّك في ذلك محمَّد بن سليمان، وقام فيه وغيره من أهل بيته؛ إلّا أن محمدًا كان أحسنَهم قيامًا به حتَّى طفئ ذلك وسكن. وكتب به إلى المهديّ، فكتب بعزل عليّ بن عيسى عن حَرس موسى بن المهدي، وصيَّر مكانه أبا حنيفة حرب بن قيس، وهذا أمر العسكر، وتقدّم العباس بن محمَّد ومحمد بن سليمان إلى المهديّ، وسبق إليه العباس بن محمَّد. وقدم منارة على المهديّ يوم الثلاثاء للنصف من ذي الحجة، فسلّم عليه بالخلافة، وعزّاه، وأوصل الكتب إليه، وبايعه أهل مدينة السَّلام. وذكر الهيثم بن عديّ عن الرَّبيع، أنّ المنصور رأى في حجّته التي مات فيها

стр. 4932

وهو بالعُذَيب - أو غيره من منازل طريق مكّة - رؤيا - وكان الرَّبيع عديله - وفزع منها، وقال: يا ربيع، ما أحسبني إلَّا ميّتًا في وجهي هذا؛ وأنك تؤكد البَيْعة لأبي عبد الله المهديّ، قال الرَّبيع: فقلت له: بل يبقيك الله يا أمير المؤمنين، ويَبْلُغ أبو عبد الله محبّتك في حياتك إن شاء الله. قال: وثقِل عند ذلك وهو يقول: بادر بي إلى حَرم ربي وأمنه، هاربًا من ذنوبي وإسرافي على نفسي؛ فلم يزل كذلك حتَّى بلغ بئر ميمون، فقلت له: هذه بئر ميمون، وقد دخلتَ الحرم، فقال: الحمد لله، وقضى من يومه. قال الرَّبيع: فأمرت بالخِيَم فضُربت، وبالفساطيط فهيِّئَتْ، وعمدْت إلى أمير المؤمنين فألبسته الطويلة والدّرّاعة، وسندته، وألقيت في وجهه كِلّة رقيقة يُرى منها شخصه، ولا يفهم أمره، وأدنيت أهلَه من الكِلَّة حيث لا يُعلم بخبره، ويُرى شخصُه. ثم دخلت فوقفت بالموضع الذي أوهمهم أنَّه يخاطبني، ثم خرجت فقلت: إن أمير المؤمنين مُفيق بمنّ الله، وهو يقرأ عليكم السَّلام، ويقول: إنِّي أحبّ أن يؤكّد الله أمرَكم؛ ويكبت عدوّكم، ويسرّ وليّكم؛ وقد أحببت أن تجدّدوا بيعة أبي عبد الله المهديّ؛ لئلا يطمع فيكم عدوٌّ ولا باغٍ، فقال القوم كلهم: وفّق الله أمير المؤمنين؛ نحن إلى ذاك أسرع. قال: فدخل فوقف، ورجع إليهم، فقال: هلمُّوا للبَيْعة، فبايع القوم كلُّهم، فلم يبق أحدٌ من خاصّته والأولياء ورؤساء مَنْ حضره إلَّا بايع المهديّ، ثم دخل وخرج باكيًا مشقوق الجيْب لاطمًا رأسه، فقال بعض مَنْ حضر: ويلي عليك يابن شاة! يريد الرَّبيع - وكانت أمّه ماتت وهي ترضعه فأرضعته شاة - قال: وحفِر للمنصور مائة قَبْر، ودفن في كلها، لئلا يعرف موضع قبره الذي هو ظاهر للنَّاس، ودفِن في غيرها للخوف عليه. قال: وهكذا قبور خلفاء ولَد العباس، لا يعرَف لأحد منهم قبر. قال: فبلغ المهديّ، فلما قدم عليه الرَّبيع قال: يا عبدُ؛ ألم تمنعك جلالة أمير المؤمنين أن فعلتَ ما فعلتَ به! وقال قوم: إنَّه ضربه؛ ولم يصحّ ذلك. قال: وذكر مَنْ حضر حجّة المنصور، قال: رأيت صالح بن المنصور وهو مع أبيه والنّاس معه؛ وإنّ موسى بن المهديّ لقي تُبّاعه، ثم رجع النَّاس وهم خَلف موسى، وأن صالحًا معه.

стр. 4933

وذكر عن الأصمعيّ أنَّه قال: أوّل مَنْ نعى أبا جعفر المنصور بالبصرة خَلَف الأحمر، وذلك أنّا كنّا في حلقة يونس، فمرّ بنا فسلَّم علينا، فقال: قد طَرَّقَت بِبِكرِها أمّ طَبَقْ قال يونس: وماذا؟ قال: تُنَتِّجوها خيرَ أَضخَم العُنُقْ ... موتُ الإِمَامِ فِلقَةٌ مِنَ الفِلَقْ * * * ثم دخلت سنة تسع وخمسين ومائة ذكر ما كان فيها من الأحداث وفيها وجّه المهدي عبد الملك بن شهاب المِسمعيّ في البَحْر إلى بلاد الهند، وفرض معه لألفين من أهل البصرة من جميع الأجناد، وأشخصهم معه، وأشخص معه من المطوّعة الذين كانوا يلزمون المُرابطات ألفًا وَخمسمائة رجل، ووجّه معه قائدًا من أبناء أهل الشَّام يقال له ابن الحُباب المذحجيّ في سبعمائة من أهل الشَّام، وخرج معه من مطوّعة أهل البصرة بأموالهم ألف رجل، فيهم - فيما ذكر - الرَّبيع بن صبيح، ومن الأسواريين والسبابجة أربعة آلاف رجل، فولى عبد الملك بن شهاب المنذر بن محمَّد الجاروديّ الألف الرجل المطّوّعة من أهل البصرة، وولّى ابنه غسان بن عبد الملك الألفي الرّجل الذين من فرض البصرة، وولّى عبد الواحد بن عبد الملك الألف والخمسمائة الرجل من مُطّوّعة المرابطات، وأفرد يزيد بن الحباب في أصحابه فخرجوا، وكان المهديّ وجّه لتجهيزهم حتَّى شخصوا أبا القاسم محرِز بن إبراهيم، فمضوا لوجههم؛ حتى أتوا مدينة باربَد من بلاد الهند في سنة ستِّين ومائة. وفيها تُوفّيَ معبد بن الخليل بالسند، وهو عامل المهديّ عليها، فاستعمل مكانه روح بن حاتم بمشورة أبي عبيد الله وزيره (١). وفيها أمر المهديّ بإطلاق مَنْ كان في سجن المنصور، إلَّا من كان قبلَه تِباعة من دم أو قتل، ومَنْ كان معروفًا بالسعي في الأرض بالفساد، أو مَنْ كان لأحد

стр. 4934

قِبَله مظلمة أو حقّ، فأطلقوا، فكان ممَّن أطلِق من المَطْبَق يعقوب بن داود مولى بني سُليم، وكان معه في ذلك الحبس محبوسًا الحسن بن إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب (١). * * * وفيها حوّل المهديّ الحسن بن إبراهيم من المطبق الذي كان فيه محبوسًا إلى نصير الوصيف فحبسه عنده (٢). ذكر الخبر عن سبب تحويل المهديّ الحسن بن إبراهيم من المطبق إلى نُصير ذكر أن السبب في ذلك، كان أن المهديّ لما أمرَ بإطلاق أهل السجون على ما ذكرت، وكان يعقوب بن داود محبوسًا مع الحسن بن إبراهيم في موضع واحد، فأطلق يعقوب بن داود، ولم يُطلق الحسن بن إبراهيم، ساء ظنه، وخاف على نفسه، فالتمس مخرجًا لنفسه وخلاصًا، فدسّ إلى بعض ثقاته، فحفر له سَرَبًا من موضع مُسَامت للموضع الذي هو فيه محبوس، وكان يعقوب بن داود بعد أن أطلِق يُطيف بابن علاثة - وهو قاضي المهديّ بمدينة السَّلام - ويلزمه، حتَّى أنس به، وبلغ يعقوب ما عزم عليه الحسن بن إبراهيم من الهرب، فأتى ابن عُلاثة، فأخبره أن عنده نصيحة للمهديّ، وسأله إيصاله إلى أبي عبيد الله، فسأله عن تلك النصيحة، فأبى أن يخبره بها، وحذّره فوتَها، فانطلق ابن عُلاثة إلى أبي عبيد الله، فأخبره خبر يعقوب وما جاء به، فأمره بإدخاله عليه؛ فلما دخل عليه مسألة إيصاله إلى المهديّ، ليعلمه النّصيحة التي له عنده، فأدخله عليه، فلما دخل على المهديّ شكر له بلاءه عنده في إطلاقه إياه ومَنِّه عليه، ثم أخبره أنّ له عنده نصيحة، فسأله عنها بمحضر من أبي عبيد الله وابن عُلاثة، فاستخلاه منهما، فأعلمه المهديّ ثقته بهما، فأبى أن يبوحَ له

стр. 4935

بشيء حتَّى يقوما، فأقامهما وأخلاه، فأخبره خبرَ الحسن بن إبراهيم وما أجمع عليه، وأنّ ذلك كائن من ليلته المستقبلة، فوجّه المهديّ مَن يثق به ليأتيَه بخبره، فأتاه بتحقيق ما أخبره به يعقوب، فأمر بتحويله إلى نُصَير، فلم يزل في حبسه إلى أن احتال واحتيل له، فخرج هاربًا، وافتُقِد، فشاع خبره، فطلب فلم يُظْفَر به، وتذكّر المهديّ دلالة يعقوب إيّاه كانت عليه، فرجًا عنده من الدلالة عليه مثل الّذي كان منه في أمره، فسأل أبا عبيد الله عنه فأخبره أنَّه حاضر - وقد كان لزم أبا عبيد الله - فدعا به المهديّ خاليًا، فذكر له ما كان من فعله في الحسن بن إبراهيم أوّلًا، ونصحه له فيه، وأخبره بما حدث من أمره، فأخبره يعقوب أنَّه لا علم له بمكانه، وأنَّه إن أعطاه أمانًا يثق به ضمِن له أن يأتيَه به، على أنَّ يتمّ له على أمانه، ويصله ويُحسن إليه. فأعطاه المهديّ ذلك في مجلسه وضمنه له. فقال له يعقوب: فالهُ يا أمير المؤمنين عن ذكره، ودَعْ طلبه، فإن ذلك يُوحشه، ودعني وإياه حتَّى أحتال فآتيَك به؛ فأعطاه المهديّ ذلك. وقال يعقوب: يا أمير المؤمنين، قد بسطتَ عدلَك لرعيّتك، وأنصفتهم، وعممتَهم بخيرك وفضلك، فعظم رجاؤهم، وانفسحت آمالهم؛ وقد بقيت أشياء لو ذكرتُها لك لم تَدَع النظر فيها بمثل ما فعلت في غيرها، وأشياء مع ذلك خلف بابك يُعمل بها لا تعملها، فإن جعلت لي السبيلَ إلى الدخول عليك، وأذنتَ لي في رفعها إليك فعلتُ. فأعطاه المهديّ ذلك، وجعله إليه، وصَيّر سُليْمًا الخادم الأسود خادم المنصور سببه في إعلام المهديّ بمكانه كلّما أراد الدخول، فكان يعقوب يدخل على المهديّ ليلًا، ويرفع إليه النصائح في الأمور الحسنة الجميلة من أمر الثغور وبناء الحصون وتقوية الغُزاة وتزويج العزَّاب، وفكَاك الأسارى والمحبَّسين والقضاء على الغارمين، والصّدَقة على المتعفِّفين، فحظي بذلك عنده، وبما رجا أن يناله به من الظَّفَر بالحسن بن إبراهيم، واتّخذه أخًا في الله، وأخرج بذلك توقيعًا، وأثبِت في الدواوين، فتسبّب مائة ألف درهم كانت أوّل صلة وصلَه بها، فلم تنزل منزلته تنمِي وتعلُو صُعُدًا، إلى أن صيّر الحسن بن إبراهيم في يد المهديّ بعد ذلك؛ وإلى أن سقطت منزلتُه، وأمر المهديّ بحبسه، فقال عليّ بن الخليل في ذلك: عجبًا لتصريف الأُمو ... ر مَسَرَّةً وكَراهيَة والدّهرُ يلعبُ بالرِّجا ... لِ له دوائرُ جاريَة

стр. 4936

رَثّتْ بيعقوب بن دا ... ود حِبَالُ معاوية وعَدَتْ على ابن عُلاثة الـ ... ـقاضِي بَوائقُ عافيةْ قلْ للوزيرِ أَبي عُبيـ ... ـد الله: هلْ لك باقيةْ! يعقوب ينظرُ في الأُمو ... ر وأَنتَ تنظرُ ناحيةْ أدخلته فعَلا عليـ ... ـك، كذاك شؤمُ النَّاصيةْ * * * وفي هذه السّنة عزل المهديّ إسماعيل بن أبي إسماعيل عن الكوفة وأحداثها. واختُلف فيمن ولّى مكانه، فقال بعضهم: ولّى مكانه إسحاق بن الصبّاح الكنديّ ثم الأشعثي بمشورة شَريك بن عبد الله قاضي الكوفة. وقال عمر بن شبّة: ولّى على الكوفة المهديُّ عيسى بنَ لقمان بن محمَّد بن حاطب بن الحارث بن معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جُمح، فولَّى على شُرَطِه ابنَ أخيه عثمان بن سعيد بن لقمان. ويقال: إن شريك بن عبد الله كان على الصَّلاة والقضاء، وعيسى على الأحداث، ثم أفرد شريك بالولاية، فجعل على شُرَطِه إسحاقَ بن الصباحِ الكنديّ، فقال بعض الشعراء: لَسْتَ تَعْدو بأنْ تَكونَ وَلوْ نِلـ ... تَ سُهيْلًا صَنيعَةً لِشَريكِ قال: ويزعمون أن إسحاق لم يشكر لشريك، وأن شريكًا قال له: صلَّى وصَامَ لدُنْيا كان يَأْمُلها ... فَقدْ أَصابَ ولا صلَّى ولا صَامَا وذكر عمر أن جعفر بن محمَّد قاضي الكوفة، قال: ضمّ المهديّ إلى شريك الصَّلاة مع القضاء، وولّى شرطه إسحاق بن الصباح، ثم ولّى إسحاق بن الصباح الصَّلاة والأحداث بعد، ثم ولّى إسحاق بن الصباح بن عمران بن إسماعيل بن محمَّد بن الأشعث الكوفة، فولى شُرَطه النعمانَ بن جعفر الكنديّ، فمات النُّعمان، فولَّى على شُرَطِه أخاه يزيد بن جعفر. وفيها عَزل المهديُّ عن أحداث البصرة سعيد بن دَعلَج، وعزل عن الصَّلاة والقضاء من أهلها عبيد الله بن الحسن، وولّى مكانهما عبد الملك بن أيّوب بنَ ظَبيان النُّميريّ، وكتب إلى عبد الملك يأمره بإنصاف مَنْ تظلّم من أهل البصرة من سعيد بن دعلج، ثم صُرفت الأحداث في هذه السنة عن عبد الملك بن أيّوب

стр. 4937

إلى عُمارة بن حمزة، فولّاها عُمَارة رجلًا من أهل البصرة يقال له المِسْوَر بن عبد الله بن مسلم الباهليّ، وأقرّ عبد الملك على الصَّلاة. وفيها عُزِل قُثَمَ بن العباس عن اليمامة عن سخطة، فوصل كتابُ عزله إلى اليمامة، وقد تُوُفِّيَ فاستعمل مكانه بشر بن المنذر البَجَليّ. وفيها عزل يزيد بن منصور عن اليمن، واستعمل مكانه رجاء بن رَوْح. وفيها عزل الهَيْثم بن سعيد عن الجزيرة، واستعمل عليها الفضل بن صالح وفيها أعتق المهديّ أمّ ولده الخيزران وتزوّجها. وفيها تزوّج المهديّ أيضًا أم عبد الله بنت صالح بن عليّ، أخت الفضل وعبد الله ابني صالح لأمّهما. وفيها وقع الحريق في ذي الحجة في السفن ببغداد عند قصر عيسى بن عليّ، فاحترق ناس كثير، واحترقت السفن بما فيها (١). وفيها عُزِل مطر مولى المنصور عن مصر، واستعمل مكانه أبو ضمرة محمَّد بن سليمان. وفيها كانت حركة من تحرّك من بني هاشم وشيعتهم من أهل خُراسان في خلع عيسى بن موسى من ولاية العهد، وتصيير ذلك لموسى بن المهديّ؛ فلمَّا تبيّن ذلك المهديّ كتب - فيما ذكر - إلى عيسى بن موسى في القُدوم عليه وهو بالكوفة، فأحسّ بالذي يُراد به، فامتنع من القدوم عليه. وقال عمر: لما أفضى الأمر إلى المهديّ سأل عيسى أن يخرج من الأمر فامتنع عليه، فأراد الإضرار به، فولّى على الكوفة رَوْح بن حاتم بن قبيصة بن المهلب، فولّى على شُرَطه خالد بن يزيد بن حاتم؛ وكان المهديّ يحبّ أن يحمل رَوْح على عيسى بعض الحمل فيما لا يكون عليه به حجّة، وكان لا يجد إلى ذلك سبيلًا، وكان عيسى قد خرج إلى ضيْعة له بالرحبة؛ فكان لا يدخل الكوفة إلّا في شهرين من السنة في شهر رمضان، فيشهد الجُمَع والعيد، ثم يرجع إلى ضَيْعته. وفي أوّل ذي الحجة، فإذا شهد العيد رجع إلى ضيْعته، وكان

стр. 4938

إذا شهد الجمعة أقبل من دارِه على دوابه حتَّى ينتهي إلى أبواب المسجد فينزل على عَتبة الأبواب، ثم يصلِّي في موضعه؛ فكتب رَوْح إلى المهديّ أن عيسى بن موسى لا يشهد الجُمَع، ولا يدخل الكوفة إلّا في شهرين من السنة؛ فإذا حضر أقبل على دوابّه حتَّى يدخل رَحبَة المسجد؛ وهو مصلَّى النَّاس، ثم يتجاوزها إلى أبواب المسجد، فتروث دوابُّه في مصلَّى النَّاس؛ وليس يفعل ذلك غيره؛ فكتب إليه المهديّ أن اتّخذ على أفواه السِّكك التي تلي المسجد خشبًا ينزل عنده النَّاس، فاتّخذ روح ذلك الخشب في أفواه السكك - فذلك الموضع يسمى الخشبة - وبلغ ذلك عيسى بن موسى قبل يوم الجُمعة، فأرسل إلى ورثة المختار بن أبي عبيدة - وكانت دار المختار لزيقة المسجد - فابتاعها وأثمن بها، ثم إنَّه عمّرها واتخذ فيها حمّامًا، فكان إذا كان يوم الخميس أتاها فأقام بها، فإذا أراد الجمعة ركب حمارًا فدبّ به إلى باب المسجد فصلّى في ناحية، ثم رجع إلى داره. ثم أوطن الكوفة وأقام بها، وألحَّ المهديّ على عيسى فقال: إنك لم تجبني إلى أن تنخلع منها حتَّى أبايع لموسى وهارون استحللتُ منك بمعصيتك ما يستحَلّ من العاصي، وإن أجبتَني عوّضتك منها ما هو أجدى عليك وأعجل نفعًا. فأجابه، فبايعَ لهما وأمر له بعشرة آلاف ألف درهم - ويقال عشرين ألف ألف - وقطائع كثيرة. وأمَّا غير عمر فإنَّه قال: كتب المهديّ إلى عيسى بن موسى لما همّ بخلعه يأمره بالقدوم عليه، فأحسّ بما يُراد به، فامتنع من القدوم عليه، حتَّى خيف انتقاضه، فأنفذ إليه المهديّ عمّه العباس بن محمَّد، وكتب إليه كتابًا، وأوصاه بما أحبّ أن يبلغه، فقدم العباس على عيسى بكتاب المهديّ ورسالته إليه، فانصرف إلى المهديّ بجوابه في ذلك، فوجّه إليه بعد قدوم العباس عليه محمَّد بن فرّوخ أبا هريرة القائد في ألف رجل من أصحابه من ذوي البصيرة في التشيّع، وجعل مع كل رجل منهم طبلًا، وأمرهم أن يضربوا جميعًا بطبولهم عند قدومهم الكوفة، فدخلها ليلًا في وجه الصبح، فضرب أصحابه بطبولهم، فراع ذلك عيسى بن موسى رَوْعًا شديدًا، ثم دخل عليه أبو هريرة، فأمر بالشخوص، فاعتلّ بالشكوى فلم يقبل ذلك منه، وأشخصه من ساعته إلى مدينة السَّلام. * * *

стр. 4939

ثم دخلت سنة ستِّين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث ذكر الخبر خلع عيسى بن موسى وبيعة موسى الهادي وفيها قدم عيسى بن موسى مع أبي هريرة يوم الخميس لستٍّ خلوْن من المحرّم - فيما ذكر - الفضل بن سليمان فنزل دارًا كانت لمحمد بن سليمان علي شاطئ دجْلة في عسكر المهديّ، فأقام أيامًا يختلف إلى المهديّ، ويدخل مدخله الذي كان يدخله؛ لا يكلَّم بشيء، ولا يرى جفوة ولا مكروهًا ولا تقصيرًا به؛ حتَّى أنس به بعض الإنس، ثم حضر الدار يومًا قبل جلوس المهديّ، فدخل مجلسًا كان يكون للربيع في مَقْصورة صغيرة، وعليها باب، وقد اجتمع رؤساء الشِّيعة في ذلك اليوم على خلعه والوثوب عليه؛ ففعلوا ذلك وهو في المقصورة التي فيها مجلس الرَّبيع، فأغلق دونهم المقصورة، فضربوا الباب بجرُزهم وعَمدهم؛ فهشَموا الباب، وكادوا يكسرونه، وشتموه أقبحَ الشَّتْم، وحصروه هنالك؛ وأظهر المهديّ إنكارًا لما فعلوا، فلم يردعهم ذلك عن فعلهم؛ بل شدُّوا في أمره؛ وكانوا بذلك هو وهم أيامًا، إلى أن كاشفه ذوو الأسنان من أهل بيته بحضرة المهديّ، فأبوا إلّا خلعَه، وشتموه في وجهه؛ وكان أشدّهم عليه محمَّد بن سليمان. فلما رأى المهديّ ذلك من رأيهم وكراهتهم لعيسى وولايته؛ دعاهم إلى العهد لموسى، فصار إلى رأيهم وموافقتهم، وألحّ على عيسى في إجابته وإياهم إلى الخروج ممّا له من العهد في أعناق النَّاس وتحليلهم منه؛ فأبى؛ وذكر أن عليه أيمانًا محرّجة في ماله وأهله؛ فأحضر له من الفقهاء والقضاة عِدّة، منهم محمَّد بن عبد الله بن عُلاثة والزّنجيّ بن خالد المكيّ وغيرهما؛ فأتوهْ بما رأوا، وصار إلى المهديّ ابتياع ماله من البيعة في أعناق النَّاس بما يكون له فيه رضًا وعِوض؛ ممَّا يخرج له من ماله لما يلزمه من الحِنْث في يمينه؛ وهو عشرة آلاف ألف ألف درهم، وضياع بالزّاب الأعلى وكَسْكَر. فقبل ذلك عيسى، وبقي منذ فاوضه المهديّ على الخلع إلى أن أجاب محتسبًا عنده في دار الديوان من الرُّصافة إلى أن صار إلى الرضا بالخلع والتسليم، وإلى أن خُلع يوم الأربعاء لأربع بقِين من

стр. 4940

المحرّم بعد صلاة العصر، فبايع للمهديّ ولموسى من بعده من الغد يوم الخميس لثلاث بقين من المحرّم لارتفاع النهار. ثم أذن المهديّ لأهل بيته، وهو في قبة كان محمَّد بن سليمان أهداها له مضروبة في صحن الأبواب، ثم أخذ بيعتَهم رجلًا رجلًا لنفسه ولموسى بن المهديّ من بعده؛ حتَّى أتى إلى آخرهم. ثم خرج إلى مسجد الجماعة بالرُّصافة فقعد على المنبر، وصعد موسى حتَّى كأنه دونه. وقام عيسى على أول عتبة من المنبر، محمَّد الله المهديُّ وأثنى عليه، وصلّى على النَّبيّ ﷺ ، وأخبر بما أجمع عليه أهلُ بيته وشيعته وقوّاده وأنصاره وغيرهم من أهل خُراسان من خلع عيسى بن موسى وتصيير الأمر الذي كان عقد له في أعناق النَّاس لموسى بن أمير المؤمنين؛ لاختيارهم له ورضاهم به؛ وما رأى من إجابتهم إلى ذلك؛ لما رجا من مصلحتهم وألفتِهم، وخاف مخالفتهم في نيّاتهم واختلاف كلمتهم، وأن عيسى قد خلع تقدُّمَه، وحللهم مما كان له من البيعة في أعناقهم، وأنّ ما كان له من ذلك فقد صار لموسى بن أمير المؤمنين، بعقد من أمير المؤمنين وأهل بيته وشيعته في ذلك؛ وأن موسى عامل فيهم بكتاب الله وسنة نبيّه ﷺ بأحسن السّيرة وأعدلها، فبايِعوا معشر مَن حضر، وسارعوا إلى ما سارع إليه غيرُكم؛ فإن الخير كله في الجماعة، والشرّ كله في الفرقة. وأنا أسأل الله لنا ولكم التوفيق برحمته، والعمل بطاعته وما يرضيه، وأستغفر الله لي ولكم. وجلس موسى دونه معتزلًا للمنبر؛ لئلا يحول بينه وبين من صعد إليه، يبايعه ويمسح على يده، ولا يستر وجهه، وثبت عيسى قائمًا في مكانه، وقُرئ عليه كتاب ذكر الخلع له، وخروجهُ مما كان إليه من ولاية العهد وتحليله جماعة مَن كان له في عنقه بيعة، مما عقدوا له في أعناقهم؛ وأن ذلك من فعله وهو طائع غير مكرَه، راضٍ غير ساخط، محبّ غير مجبَرٍ. فأقرّ عيسى بذلك، ثم صعد فبايع المهديّ، ومسح على يده ثم انصرف، وبايع أهل بيت المهديّ على أسنانهم؛ يبايعون المهديّ ثم موسى، ويمسحون على أيديهما؛ حتَّى فرغ آخرهم، وفعل مَنْ حضر من أصحابه ووجوه القوّاد والشِّيعة مثل ذلك، ثم نزل المهديّ، فصار إلى منزله، ووكّل ببيعته مَن بقي من الخاصّة والعامّة خاله يزيد بن منصور، فتولّى ذلك حتَّى فرغ من جميع النَّاس، ووفّى المهديّ لعيسى بما أعطاه وأرضاه مما خلعه منه من ولاية العهد، وكتب عليه بخلعه إياه كتابًا أشهد عليه فيه جماعة
следующие страницы →