← История

История · id 145435

صحيح وضعيف تاريخ الطبري

محمد بن طاهر البرزنجي

Полный текст (6 167 стр.). Показаны 5006–5045 · переход к 5011.

стр. 5006

خاصًّا، ودعا بإبراهيم بن جعفر بن أبي جعفر وإبراهيم بن سلْم بن قُتيبة والحرّانيّ، فجلسوا عن يساره، ومعهم خادم له أسود يقال له أسلَم، ويكنى أبا سليمان، وكان يثِق به ويقدّمه، فبينا هو كذلك، إذ دخل صالح صاحب المصلّى، فقال: هارون بن المهديّ، فقال: ائذن له، فدخل فسلم عليه، وقبّل يديْه، وجلس عن يمينه بعيدًا من ناحية، فأطرق موسى ينظر إليه، وأدمن ذلك، ثم التفت إليه، فقال: يا هارون، كأني بك تحدِّث نفسك بتمام الرؤيا، وتؤمِّل ما أنت منه بعيد، ودون ذلك خَرْط القتاد، تؤمِّل الخلافة! قال: فبرك هارون على ركبتيه، وقال: يا موسى، إنك إن تجبرتَ وُضعتَ، وإن تواضعتَ رُفعتَ، وإن ظَلَمْت خُتِلت، وإني لأرجو أن يفضي الأمر إليّ، فأُنْصِف مَنْ ظلمتَ، وأصِل مَنْ قطعتَ، وأصيِّر أولادك أعلى من أولادي، وأزوّجهم بناتي، وأبلغ ما يجب من حقّ الإِمام المهديّ. قال: فقال له موسى: ذلك الظنّ بك يا أبا جعفر، ادن مني، فدنا منه، فقبَّل يديه، ثم ذهب يعود إلى مجلسه، فقال له: لا والشيخ الجليل، والملك النبيل - أعني أباك المنصور - لا جلستَ إلّا معي، وأجلسه في صدر المجلس معه، ثم قال: يا حَرّانيّ، احمل إلى أخي ألف ألف دينار، وإذا افتتح الخراج فاحْمِل إليه النصف منه، واعرضْ عليه ما في الخزائن من مالنا، وما أخِذ من أهل ابيت اللعنة، فيأخذ جميع ما أراد. قال: ففعل ذلك. ولما قام قال لصالح: أدنِ دابته إلى البساط. قال عمرو الروميّ: وكان هارون يأنس بي، فقمت إليه فقلت: ياسيّدي، ما الرؤيا التي قال لك أمير المؤمنين؟ قال: قال المهديّ: أرِيت في منامي كأني دفعت إلى موسى قضيبًا وإلى هارون قضيبًا، فأورق من قضيب موسى أعلاه قليلًا، فأما هارون فأورق قضيبه من أوله إلى آخرِه. فدعا المهديّ الحكَم بن موسى الضمريّ - وكان يكنى أبا سفيان - فقال له: عبِّر هذه الرؤيا، فقال: يملّكان جميعًا، فأما موسى فتقلّ أيامه، وأما هارون فيبلغ مدى ما عاش خليفة، وتكون أيامُه أحسن أيام، ودهره أحسن دهر. قال: ولم يلبث إلَّا أيامًا يسيرة، ثم اعتل موسى ومات، وكانت علّته ثلاثة أيام. قال عمرو الروميّ: أفضت الخلافة إلى هارون، فزوّج حمدونة من جعفر بن موسى، وفاطمة من إسماعيل بن موسى، ووَفَّى بكلّ ما قال، وكان دهرُه أحسن الدهور.

стр. 5007

وذُكر أنّ الهاديَ كان قد خرج إلى الحديثة، حديثة الموصل، فمرض بها، واشتدّ مرضُه، فانصرف. فذكر عمرو اليشكريّ - وكان في الخدم - قال: انصرف الهادي من الحديثة بعد ما كتب إلى جميع عمّاله شرقًا وغربًا بالقدوم عليه، فلما ثقُلِ اجتمع القوم الذين كانوا بايعوا لجعفر ابنه، فقالوا: إن صار الأمر إلى يحيى قتَلنا ولم يستبقنا، فتآمروا على أن يذهب بعضهم إلى يحيى بأمر الهادي، فيضرب عنقه. ثم قالوا: لعلّ أمير المؤمنين يُفيق من مرضه، فما عُذْرنا عنده! فأمسكوا. ثم بعثت الخيزُران إلى يحيى تعلِمه أنّ الرجل لمآبِه، وتأمره بالاستعداد لما ينبغي، وكانت المستوليةَ على أمر الرشيد وتدبير الخلافة إلى أن هلك، فأحضِر الكتَّاب وجُمعوا في منزل الفضل بن يحيى، فكتبوا لليلتهم كتبًا من الرشيد إلى العمَّال بوفاة الهادي، وأنهم قد ولّاهم الرشيد ما كانوا يلُون، فلما مات الهادي أنْفذوها على البُرُد. وذكر الفضل بن سعيد، أنّ أباه حدّثه أنَّ الخيزُران كانت قد حلفتْ ألّا تكلم موسى الهادي، وانتقلت عنه، فلما حضرتْه الوفاة، وأتاها الرّسول فأخبرها بذلك، فقالت: وما أصنع به؟ فقالت لها خالصةُ: قومي إلى ابنك أيتها الحرّة، فليس هذا وقت تعتُّب ولا تغضّب. فقالت: أعطوني ماءً أتوضّأ للصلاة، ثم قالت: أما إنَّا كنا نتحدّث أنه يموت في هذه الليلة خليفةٌ، ويملك خليفة، ويولَد خليفة، قال: فمات موسى، وملَك هارون، وولد المأمون. قال الفضل: فحَدّثت بهذا الحديث عبد الله بن عبيد الله، فساقه لي مثل ما حدثنيه أبي، فقلت: فمن أين كان للخيزُران هذا العلم؟ قال: إنها كانت قد سمعت من الأوزاعيّ. ذكر يحيى بن الحسن أنّ محمد بن سليمان بن عليّ حدثه، قال: حدثتْني عمّتي زينب ابنة سليمان، قالت: لما مات موسى بعيساباذ، أخبرتْنا الخيزُران الخبر، ونحن أربع نسوة، أنا وأختي وأمّ الحسن وعائشة، بُنيّات سليمان، ومعنا رَيْطة أمّ عليّ، فجاءت خالصة، فقالت لها: ما فعل الناس؟ قالت: يا سيدتي، مات موسى ودفنوه، قالت: إن كان مات موسى، فقد بقي هارون، هات لي سَويقًا، فجاءت بسَويق، فشربت وسقتنا، ثم قالت: هات لساداتي أربعمائة ألف دينار، ثم قالت: ما فعل ابني هارون؟ قالت: حلف ألّا يُصلِّيَ

стр. 5008

الظهرَ إلا ببغداد. قالت: هاتوا الرّحائل، فما جلوسي ها هنا، وقد مضى! فلحقته ببغداد. * * * وذكر الفضل بن إسحاق أنه كان طويلًا جسيمًا جميلًا أبيض، مشرَبًا حُمرة، وكان بشفته العليا تقلُّص، وكان يلقب موسى أطبْق، وكان ولد بالسِّيروان من الريّ. * * * ذكر أولاده وكان له من الأولاد تسعة، سبعة ذكور وابنتان. فأما الذكور فأحدهم جعفر - وهو الذي كان يرشحه للخلافة - والعباس وعبد الله وإسحاق وإسماعيل وسليمان وموسى بن موسى الأعمى، كلهم من أمهات أولاد. وكان الأعمى - وهو موسى - ولد بعد موت أبيه. والابنتان، إحداهما أم عيسى كانت عند المأمون، والأخرى أمّ العباس بنت موسى، تلقَّب نُوتة. * * * ذكر بعض أخباره وسِيَره ذكر إبراهيم بن عبد السلام، ابن أخي السنديّ أبو طوطة، قال: حدّثني السِّندي بن شاهك، قال: كنت مع موسى بجُرجان، فأتاه نعيّ المهديّ والخلافة، فركب البريد إلى بغداد، ومعه سعيد بن سَلْم، ووجَّهني إلى خُراسان، فحدثني سعيد بن سَلْم، قال: سرْنَا بين أبيات جُرجان وبساتينها، قال: فسمع صوتًا من بعض تلك البساتين من رَجُل يتغنَّى، فقال لصاحب شرطته، عليَّ بالرّجل الساعة، قال: فقلت يا أمير المؤمنين، ما أشبه قصّة هذا الخائن بقصّة سليمان بن عبد الملك! قال: وكيف؟ قال: قلت له: كان سليمان بن عبد الملك في متنزَّهٍ له ومعه حُرَمه، فسمع من بستان آخر صوت رجل يتغنَّى، فدعا صاحبَ شرطته، فقال: عليّ بصاحب الصوت، فأَتِيَ به،

стр. 5009

فلما مثل بين يديه، قال له: ما حَمَلك على الغناء وأنت إلى جنبي ومعي حُرَمي! أما علمت أن الرّماك إذا سمعت صوت الفحل حنَّت إليه! يا غُلام جُبَّه، فجُبَّ الرجل. فلما كان في العام المقبل رجعَ سليمان إلى ذلك المتنزه، فجلس مجلسه الذي فيه، فذكر الرجل وما صنع به، فقال لصاحب شُرطته: عليّ بالرجل الذي كُنا جبَبناه، فأحضره، فلما مَثَل بين يديه قال له: إمّا بِعْتَ فوفَّيناك، وإما وهبتَ فكافأناك، قال: فوالله ما دعاه بالخلافة، ولكنَّه قال له: يا سليمان، الله اللهَ! إنك قطعت نسلي، فذهبت بماء وجهي، وحرمتَني لذّتي، ثم تقول: إمَّا وهبتَ فكافأناك، هاما بعت فوفَّيْناك! لا والله حتى أقف بين يدي الله. قال: فقال موسى: يا غلام، ردّ صاحب الشرطة، فردّه، فقال: لا تعرض للرجل. وذكر أبو موسى هارون بن محمد بن إسماعيل بن موسى الهادي، أنّ عليّ بن صالح حدّثه، أنه كان يومًا على رأس الهادي وهو غلام - وقد كان جفا المظالم عامَّةً ثلاثة أيام - فدخل عليه الحَرّانيّ، فقال له: يا أميرَ المؤمنين، إن العامة لا تنقاد على ما أنتَ عليه، لم تنظر في المظالم منذ ثلاثة أيام، فالتفت إليّ، وقال: يا عليّ، ائذن للناس، عليّ بالجفَلى لا بالنّقَرَى، فخرجت من عنده أطير على وجهي. ثم وقفت فلم أدر ما قال لي، فقلت: أراجع أميرَ المؤمنين، فيقول: أتحجبني ولا تعلم كلامي! ثم أدركني ذهني، فبعثت إلى أعرابي كان قد وفد، وسألته عن الجَفَلى والنَقَرى، فقال: الجَفَلى جُفالة، والنقري ينقِّر خواصّهم. فأمرت بالستور فرفِعت وبالأبواب ففتِحت، فدخل الناس على بَكْرَة أبيهم، فلم يزل ينظر في المظالم إلى الليل، فلما تقوَّض المجلس مثلت بين يديه، فقال: كأنك تريد أن تذكر شيئًا يا عليّ، قلت: نعم يا أميرَ المؤمنين، كلّمتني بكلام لم أسمعه قبل يومي هذا، وخفت مراجعتَك، فتقول: أتحجبني وأنت لم تعلم كلامي! فبعثت إلى أعرابيّ كان عندنا، ففسّر لي الكلام، فكافئه عني يا أميرَ المؤمنين، قال: نعم مائة ألف درهم تحمَل إليه، فقلت له: يا أمير المؤمنين، إنه أعرابيّ جِلْف، وفي عشرة آلاف درهم ما أغناه وكفاه، فقال: ويلك يا عليّ! أجود وتَبْخَل! . قال: وحدّثني عليّ بن صالح، قال: ركب الهادي يومًا يَريد عيادة أمِّه الخيزُران من علَّة كانت وجدتْها، فاعترضه عمر بن بزيع، فقال له: يا أميرَ

стр. 5010

المؤمنين، ألا أدلك على وجه هو أعوَد عليك من هذا؟ فقال: وما هو يا عمر؟ قال: المظالم لم تَنظر فيها منذ ثلاث، قال: فأومأ إلى المطرِّقة أن يميلوا إلى دار المظالم، ثم بعث إلى الخيزران بخادم من خدمه يعتذر إليها من تخلُّفه، وقال: قل لها إن عمر بن بزيع أخبرنا منْ حقّ الله بما هو أوجب علينا من حقِّك، فملنا إليه ونحن عائدون إليك في غدٍ إن شاء الله. وذكر عن عبد الله بن مالك، أنه قال: كنتُ أتولَّى الشُّرْطة للمهديّ، وكان المهديّ يبعث إلى ندماء الهادي ومغنّيه، ويأمرني بضربهم، وكان الهادي يسألني الرّفْق بهم والترفيةَ لهم، ولا ألتفت إلى ذلك، وأمضي لما أمرني به المهديّ. قال: فلمَّا ولي الهادي الخلافة أيقنت بالتلَف، فبعث إليّ يومًا، فدخلت عليه متكفنًا متحنِّطًا، وإذا هو على كرسيّ، والسيف والنِّطَع بين يديه، فسلّمت، فقال: لا سلم الله على الآخر! تذكر يوم بعثت إليك في أمر الحَرَّانيّ، وما أمر أمير المؤمنين به من ضَرْبه وحبسه فلم تجبني، وفي فلان وفلان - وجعل يعدد ندماءه - فلم تلتفت إلى قولي، ولا أمري! قلت: نعم يا أمير المؤمنين، أفتأذن [لي] في استيفاء الحجَّة؟ قال: نعم، قلت: ناشدتك بالله يا أمير المؤمنين، أيسرّك أنك ولّيتَني ما ولّاني أبوك، فأمرتَني بأمر، فبعث إليّ بعضُ بنيك بأمر يخالف به أمرك، فاتّبعت أمرَه وعصيتُ أمرك؟ قال: لا، قلت: فكذلك أنا لك، وكذا كنت لأبيك. فاستدناني، فقبَّلت يديه، فأمر بخِلَع فصبَّت عليّ، وقال: قد ولَّيتُك ما كنتَ تتولاه، فامض راشدًا. فخرجت من عنده فصرت إلى منزلي مفكرًا في أمري وأمره، وقلت: حَدَثٌ يشرب، والقوم الذين عصيته في أمرهم ندماؤه ووزراؤه وكتَّابه، فكأني بهم حين يغلب عليهم الشراب قد أزالوا رأيَه فيّ، وحملوه من أمري على ما كنت أكره وأتخوّفه. قال: فإنّي لجالس وبين يديّ بينّةٌ لي في وقتي ذلك، والكانون بين يديّ، ورقاق أشطُره بكامخ وأسخّنه وأضعه للصِّبْية، وإذا ضجة عظيمة، حتى توهمت أن الدنيا قد اقتلعت وتزلزت بوقع الحوافر وكثرة الضوضاء، فقلت: هاه! كان والله ما ظننتُ، ووافاني من أمره ما تخوّفت، فإذا الباب قد فتح، وإذا الخدم قد دخلوا، وإذا أمير المؤمنين الهادي على حمار في وسطهم، فلمَّا رأيته وثبتُ عن مجلسي مبادرًا، فقبّلت يده ورجله وحافرَ حماره، فقال لي: يا عبد الله، إني

стр. 5011

فكرت في أمرك، فقلت: يسبق إلى قلبك أنِّي إذا شربت وحولي أعداؤك، أزالوا ما حسُن من رأي فيك، فأقلقَك وأوحشَك، فصرتُ إلى منزلك لأونسَك وأعلِمك أنّ السخيمة قد زالت عن قلبي لك، فهات فأطعمني مما كنتَ تأكل، وافعل فيه ما كنت تفعل، لتعلم أنِّي قد تحرّمت بطعامك، وأنست بمنزلك، فيزول خوفُك ووحشتُك. فأدنيت إليه ذلك الرّقاق والسكُرَّجة التي فيها الكامخ، فأكل منها ثم قال: هاتوا الزُّلَّة التي أزللتها لعبد الله من مجلسي. فأدخلت إليّ أربعمائة بغْل مُوقرة دراهم، وقال: هذه زُلَّتُكَ، فاستعِنْ بها على أمرك، واحفظ لي هذه البغال عندك، لعلي أحتاج إليها يومًا لبعض أسفاري، ثم قال: أظلك الله بخير، وانصرف راجعًا. فذكر موسى بن عبد الله أن أباه أعطاه بستانه الذي كان وسط داره، ثم بنى حوله معالف لتلك البغال، وكان هو يتولَّى النظر إليها والقيام عليها أيام حياة الهادي كلها. وذكر محمد بن عبد الله بن يعقوب بن داود بن طهمان السُّلميّ. قال: أخبرني أبي، قال: كان عليّ بن عيسى بن هامان يغضب غضب الخليفة، ويرضى رضا الخليفة، وكان أبي يقول: ما لعربيّ ولا لعجميّ عندي ما لعليّ بن عيسى، فإنه دخل إلى الحبس وفي يده سوط، فقال: أمرني أمير المؤمنين موسى الهادي أن أضربَك مائة سوط، قال: فأقبل يضعه على يدي ومنكبي، يمسني به مسًّا إلى أن عدّ مائة، وخرج. فقال له: ما صنعت بالرّجل؟ قال: صنعتُ به ما أمرتَ. قال: فما حاله؟ قال: مات، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون! ويلك! فضحتَني والله عند الناس، هذا رجل صالح، يقول الناس: قتَل يعقوب بن داود! قال: فلما رأى شدّة جزعه، قال: هو حيّ يا أمير المؤمنين لم يمُتْ، قال: الحمد لله على ذلك. قال: وكان الهادي قد استخلف على حجابته بعد الربيع ابنَه الفضل، فقال له: لا تحجب عني الناس، فإن ذلك يزيل عنِّي البركة، ولا تُلق إليّ أمرًا إذا كشفتُه أصبتُه باطلًا، فإن ذلك يوقع الملك، ويضرّ بالرّعيَّة. وقال موسى بن عبد الله: أتِيَ موسى برجل، فجعل يقرّعه بذُنوبه ويتهدده، فقال له الرجل: يا أمير المؤمنين، اعتذاري مما تُقرّعُني به ردٌّ عليك، وإقراري يوجب عليّ ذنبًا، ولكني أقول:

стр. 5012

فإِن كنتَ ترجو في العُقوبةِ رحمةً ... فلا تَزْهَدَنْ عندَ المُعافاة في الأَجر قال: فأمر بإطلاقه. وذكر عمر بن شبّة أن سعيد بن سلم كان عند موسى الهادي، فدخل عليه وفد الرّوم وعلى سعيد بن سلم قَلَنْسُوة - وكان قد صَلَع وهو حدَث - فقال له موسى: ضع قلنسُوتك حتى تتشايخ بصلعتك. وذكر يحيى بن الحسن بن عبد الخالق أنّ أباه حدّثه، قال: خرجت إلى عيساباذ أريد الفَضْل بن الربيع، فلقيتُ موسى أمير المؤمنين وهو خليفة، وأنا لا أعرفه، فإذا هو في غُلالة على فرس، وبيده قناة لا يدرك أحدًا إلا طعنه، فقال لي: يا بن الفاعلة! قال: فرأيت إنسانًا كأنّه صم، وكنت رأيته بالشام، وكان فخِذاه كفخذيْ بعير، فضربت يدي إلى قائم السيف، فقال لي رجل: ويلك! أمير المؤمنين، فحرّكت دابتي - وكان شِهْريًّا حملني عليه الفضل بن الربيع، وكان اشتراه بأربعة آلاف درهم - فدخلت دار محمد بن القاسم صاحب الحرس، فوقف على الباب، وبيده القناة، وقال: اخرج يا بن الفاعلة! فلم أخرج، ومرّ فمضى. قلت للفضل: فإني رأيتُ أمير المؤمنين، وكان من القصّة كذا وكذا، فقال: لا أرى لك وجهًا إلا ببغداد، إذا جئتُ أصلِّي الجمعة فالقَنِي، قال: فما دخلت عيساباذ حتى هلك الهادي. وذكر الهيثم بن عروة الأنصاريّ أن الحسين بن معاذ بن مسلم - وكان رضيع موسى الهادي - قال: لقد رأيتُني أخلو مع موسى، فلا أجد له هيبةً في قلبي عند الخلوة، لما كان يبسطني. وربّما صارعني فأصرعه غير هائب له، وأضرب به الأرض، فإذا تلبّس لبسة الخلافة ثم جلس مجلس الأمر والنهي قمتُ على رأسه، فوالله ما أملِكُ نفسي من الرِّعدة والهَيبْة له. وذكر يحيى بن الحسن بن عبد الخالق أنّ محمد بن سعيد بن عمر بن مِهْرَان، حدّثه عن أبيه، عن جدّه، قال: كانت المرتبة لإبراهيم بن سلْم بن قتيبة عند الهادي، فمات ابنٌ لإبراهيم يقال له سلم، فأتاه موسى الهادي يعزِّيه عنه على حمار أشهب، لا يُمنع مُقبلٌ ولا يُردّ عنه مُسَلِّم، حتى نزل في رِواقه، فقال له: يا إبراهيم، سَرّك وهو عدوّ وفتنة، وحَزَنك وهو صلاة ورحمة. فقال: يا أميرَ

стр. 5013

المؤمنين، ما بقي منِّي جزء كان فيه حزن إلَّا وقد امتلأ عزاء. قال: فلما مات إبراهيم صارت المرتبة لسعيد بن سلْم بعده. وذكر عمر بن شبّة أن عليّ بن الحسين بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب كان يلقب بالجزريّ، تزوج رُقيّة بنت عمرو العثمانية - وكانت تحت المهديّ - فبلغ ذلك موسى الهادي في أوّل خلافته، فأرسل إليه فجهَّله وقال: أعياك النساء إلا امرأة أمير المؤمنين، فقال: ما حرّم الله على خلقه إلّا نساء جدّي ﷺ ، فأما غيرُهنّ فلا ولا كرامة. فشجّه بمخْصَرة كانت في يده، وأمر بضربه خمسمائة سوط، فضُرب، وأراده أن يطلّقَها فلم يفعل، فحمِل من بين يديه في نِطَع فألقِيَ ناحية، وكان في يده خاتم سريّ فرآه بعضُ الخدم وقد غشي عليه من الضرب فأهوى إلى الخاتم فقبض على يد الخادم فدفها، فصاح. وأتى موسى فأراه يدَه، فاستشاط وقال: يُفعل هذا بخادمي، مع استخفافه بأبي، وقوله لي! وبعث إليه: ما حملك على ما فعلت؟ قال: قلْ له وسَلْه، ومُرْه أن يضع يده على رأسك وليصدُقك. ففعل ذلك موسى، فصدقه الخادمُ، فقال: أحسن والله، أنا أشهدُ أنه ابنُ عمّي، لو لم يفعل لانتفيتُ منه، وأمر بإطلاقه. وذكر أبو إبراهيم المؤذّن، أنّ الهاديَ كان يثب على الدابَّة وعليه درعان، وكان المهديّ يسمّيه رَيْحانتي. وذكر محمد بن عطاء بن مقدَّمٍ الواسطيّ، أن أباه حدّثه أنّ المهديّ قال لموسى يومًا - وقد قُدِّم إليه زنديق، فاستتابه، فأبى أن يتوب، فضرب عُنُقه وأمر بصلْبه: يا بنيَّ، إن صار لك هذا الأمر فتجرّد لهذه العصابة - يعني أصحاب ماني - فإنها فرقة تدعو الناس إلى ظاهرٍ حسن، كاجتناب الفواحش والزّهد في الدنيا والعمل للآخرة. ثم تخرجها إلى تحريم اللحم ومسّ الماء الطَّهور وترك قتل الهوامّ تحرّجًا وتحوُّبًا، ثم تخرجها من هذه إلى عبادة اثنين: أحدهما النور والآخر الظلمة، ثم تُبيح بعد هذا نكاح الأخوات والبنات والاغتسال بالبوْل وسرقة الأطفال من الطرُق، لتنقذهم من ضلال الظلمة إلى هداية النُّور، فارْفع فيها الخشب، وجَرِّد فيها السيف، وتقرّب بأمرها إلى الله لا شريك له، فإني رأيتُ جدَّك العباس في المنام قلَّدنِي بسيفين، وأمرني بقتل أصحاب الاثنين. قال: فقال موسى بعد أن مضت من أيامه عشرة أشهر: أما والله لئن عشتُ لأقتلنّ

стр. 5014

هذه الفرقة كلَّها حتى لا أترك منها عينًا تطرُف. ويقال: إنه أمر أن يهيّأ له ألف جِذْع، فقال: هذا في شهر كذا، ومات بعد شهرين. وذكر أيوب بن عنابة أن موسى بن صالح بن شيخ، حدّثه أن عيسى بن دأب كان أكثرَ أهل الحجاز أدبًا وأعذَبهم ألفاظًا، وكان قد حَظِيَ عند الهادي حُظوةً لم تكن عنده لأحد، وكان يدعو له بمتّكأ، وما كان يفعل ذلك بأحدٍ غيره في مجلسه. وكان يقول: ما استطلتُ بك يومًا ولا ليلة، ولا غبت عن عيني إلّا تمنّيتُ ألا أرى غيرَك. وكان لذيد المفاكهة طيّب المسامرة، كثير النادرة، جيد الشعر حسن الانتزاع له. قال: فأمر له ذات ليلة بثلاثين ألف دينار، فلما أصبح ابنُ دأب وجّه قَهْرمانه إلى باب موسى، وقال له: الْقَ الحاجب، وقُلْ له: يوجّه إلينا بهذا المال، فلقي الحاجب، فأبلغه رسالته، فتبسم وقال: هذا ليس إليّ، فانطلقْ إلى صاحب التوقيع ليُخرج له كتابًا إلى الديوان، فتدّبرُه هناك ثم تفعلُ فيه كذا وكذا. فرجع إلى ابن دأب فأخبره، فقال: دعْها ولا تعرض لها، ولا تسأل عنها. قال: فبينا موسى في مستشرَف له ببغداد، إذْ نظر إلى ابن دأب قد أقبل، وليس معه إلّا غلام واحد! فقال لإبراهيم الحرّاني: أما ترى ابن دأب، ما غيَّر من حاله، ولا تزين لنا، وقد بَرَرْناه بالأمس ليُرَى أثرُنا عليه! فقال له إبراهيم: فإن أمرني أميرُ المؤمنين عرضت له بشيء من هذا، قال: لا، هو أعلم بأمره، ودخل ابن دأب، فأخذ في حديثه إلى أن عرّض له موسى بشيء من أمره، فقال: أرى ثوبك غسيلًا، وهذا شتاء يُحتاج فيه إلى الجديد الليّن، فقال: يا أميرَ المؤمنين، باعي قصير عمّا أحتاج إليه، قال: وكيف وقد صرفنا إليك من برّنا ما ظننا أن فيه صلاح شأنك! قال: ما وصل إليّ ولا قبضتُه، فدعا صاحب بيت مال الخاصة، فقال: عجِّل له الساعة ثلاثين ألف دينار، فأحضِرتْ وحُمِلت بين يديْه. وذكر عليّ بن محمد، أنّ أباه حدّثه عن عليّ بن يقطين، قال: إني لعند موسى ليلة مع جماعة من أصحابه، إذ أتاه خادم فسارَّه بشيء، فنهض سريعًا، وقال: لا تبرحُوا، ومضى فأبطأ، ثم جاء وهو يتنفَّس، فألقى بنفسه على فِراشه يتنقس ساعة حتى استراح، ومعه خادم يحمل طبقًا مغطًّى بمتديل، فقام بين

стр. 5015

يديه، فأقبل يُرعَد، فعجبنا من ذلك. ثم جلس وقال للخادم: ضَعْ ما معك، فوضع الطَّبَق، وقال: ارفع المِنْديل، فرفعه فإذا في الطَّبق رأسَا جاريتين، لم أر والله أحسن من وجوههما قطّ ولا من شعورهما، وإذا على رءوسهما الجوهر منظوم على الشعر، وإذا رائحة طيِّبة تفوح، فأعظمنا ذلك، فقال: أتدرون ما شأنهما؟ قلنا: لا، قال: بلغنا أنهما تتحابّان قد اجتمعتَا على الفاحشة، فوكلتُ هذا الخادم بهما يُنهي إليّ أخبارهما، فجاءني فأخبرني أنهما قد اجتمعتَا، فجئت فوجدتهما في لحافٍ واحد على الفاحشة فقتلتهما، ثم قال: يا غلامُ، ارفع الرأسين قال: ثم رجع في حديثه كأن لم يصنع شيئًا. وذكر أبو العباس بن أبي مالك اليماميّ أنّ عبد الله بن محمد البواب، قال: كنت أحجب الهادي خليفةً للفضل بن الربيع، قال: فِإنه ذات يوم جالسٌ وأنا في داره، وقد تغدّى ودعا بالنبيذ، وقد كان قبل ذلك دخل على أمه الخيزُران، فسألته أن يولِّيَ خاله الغِطريف اليمن، فقال: اذكرِيني به قبل أن أشرب، قال: فلما عزم على الشرب وجّهَتْ إليه منيرةَ - أو زهرةَ - تذْكِره، فقال: ارجعي فقولي: اختاري له طلَاق ابنته عُبيدة أو ولاية اليمن، فلم تفهم إلا قوله: "اختاري له" فمرّت، فقالت: قد اخترتُ له ولاية اليمن، فطلّق ابنته عُبيدة، فسمِع الصياح، فقال: ما لكم؟ فأعلمْته الخبر، فقال: أنت اخترت له، فقال: ما هكذا أدِّيَتْ إليّ الرسالة عنك. قال: فأمر صالحًا صاحب المصلى أن يقف بالسيف على رؤوس الندماء ليطلقوا نساءهم، فخرج إليّ بذلك الخدَم ليعلموني ألّا آذن لأحد. قال: وعلى الباب رجل واقف متلفع بطيلسانه، يراوح بين قدميه، فعنّ لي بيتان، فأنشدتهما وهما: خليلَيَّ مِنْ سَعْدٍ أَلِمَّا فَسَلِّما ... على مريمٍ، لا يُبْعِدِ اللهُ مَرْيما وقُولا لها: هَذا الفِراقُ عَزَمْتِهِ ... فهلْ مِنْ نوالٍ بَعد ذاك فيُعلَما! قال: فقال لي الرجل المتلفع بطليسانه: فنَعلما، فقلت: ما الفرق بين "يعلما" و"نعلما"؟ فقال: إن الشعر يصلحه معناه ويفسده معناه، ما حاجتنا إلى أن يحلم الناس أسرارنا! فقلت له: أنا أعلم بالشعر منك، قال: فلمن الشعر؟ قلت: للأسود بن عُمارة النوفليّ، فقال لي: فأنا هو، فدنوتُ منه فأخبرته خبرَ

стр. 5016

موسى، واعتذرت إليه من مراجعتي إياه. قال: فصرف دابَّته، وقال: هذا أحقّ منزل بأن يترك. قال مصعب الزبيريّ: قال أبو المعافى: أنشدت العباس بن محمد مديحًا في موسى وهارون: يا خَيْزُرانُ هَناكِ ثمَّ هَناكِ ... إِنَّ العبادَ يَسوسُهُمْ إبناك قال: فقال لي: إني أنصحك، قال اليمانيّ: لا تذكر أمي بخير ولا بشرّ. وذكر أحمد بن صالح بن أبي فنن، قال: حذثني يوسف الصيقل الشاعر الواسطيّ، قال: كنا عند الهادي بجُرجان قبل الخلافة ودخوله بغداد، فصعد مستشرفًا له حسنًا، فغُنِّيَ بهذا الشعر: واسْتَقَلَّتْ رجالُهُمْ ... بالرُّدَيْنيِّ شُرَّعا فقال: كيف هذا الشعر؟ فأنشدوه، فقال: كنت أشتهي أن يكون هذا الغناء في شعر أرقَّ من هذا، اذهبوا إلى يوسف الصيقل حتى يقول فيه، قال: فأتوني فأخبروني الخبر، فقلت: لا تَلُمْني أَنَ أجزَعا ... سيِّدِي قَدْ تَمَنَّعا وابَلائي إِن كان ما ... بَيْنَنَا قَدْ تَقَطَّعا إِنَّ مُوسى بفضلِه ... جَمَعَ الفَضْلَ أَجمَعا قال: فنظر فإذا بعير أمامه، فقال: أوقِروا هذا دراهم ودنانير، واذهبوا بها إليه. قال: فأتوني بالبعير مُوقَرًا. وذكر محمد بن سعد، قال: حدّثني أبو زهير، قال: كان ابن دأب أحظَى الناس عند الهادي، فخرج الفضلُ بن الربيع يومًا، فقال: إنّ أمير المؤمنين يأمر مَن ببابه بالانصراف، فأما أنتَ يابنَ دأب فادخل، قال ابن دأب: فدخلت عليه وهو منبطح على فراشه، وإن عَيْنَيْه لحمراوان من السَّهر وشرب الليل، فقال لي: حدثني بحديث في الشراب، فقلت: نعم يا أميرَ المؤمنين، خرجتْ رَجْلة من كنانة ينتجعون الخمر من الشأم، فمات أخ لأحدهم، فجلسوا عند قبره يشربون، فقال أحدهم: لا تُصَرّدْ هامَةً مِن شَرْبها ... أَسِقِهِ الخمرَ وِإنْ كان قُبِرْ

стр. 5017

أَسقِ أوصالًا وهامًا وصَدىً ... قاشعًا يَقْشَعُ قَشْعَ المُبْتَكَرْ كان حُرًّا فهوى فيمن هَوَى ... كُلّ عُودٍ وفنونٍ منكَسرْ قال: فدعا بدواة فكتبها، ثم كتب إلى الحرّاني بأربعين ألفَ درهم، وقال: عشرة آلاف لك، وثلاثون ألفًا للثلاثة الأبيات. قال: فأتيت الحرّانيّ، فقال: صالحْنا على عشرة آلاف، على أنّك تحلف لنا ألا تذكرها لأمير المؤمنين، فحلفت ألّا أذكرَها لأمير المؤمنين حتى يبدأني، فمات ولم يذكرها حتى أفضت الخلافة إلى الرشيد. وذكر أبو دِعامة أن سَلْم بن عمرو الخاسر مدح موسى الهادي، فقال: بعيساباذَ حُرٌّ مِن قريشٍ ... على جَنباتِهِ الشَّرْبُ الرِّواءُ يَعوذُ المُسلمونَ بِحَقْوتَيْهِ ... إِذا ما كان خَوفٌ أَو رجاءُ وبالمَيْدانِ دُورٌ مُشْرِفات ... يشُيّدهُنَّ قَوم أَدعياءُ وكم من قائلٍ إني صحيحٌ ... وتأْباهُ الخلائقُ والرُّواءُ له حسبٌ يَضَنّ به ليبقَى ... وليس لِمَا يضَنُّ به بَقَاءُ على الضبِيِّ لُؤْمٌ ليس يَخْفَى ... يُغَطِّيهِ فَيَنْكَشِفُ الغطاءُ لَعَمْرِي لَوْ أَقامَ أَبو خَدِيجٍ ... بِناءَ الدَّارِ ما انهَدَمَ البِناءُ قال: وقال سَلْم الخاسر لما تولّى الهادي الخلافة بعد المهديّ: لَقَدْ فَازَ مُوسَى بالْخِلافَةِ والْهُدَى ... وَماتَ أَميرُ المؤمنينَ مُحَمَّدُ فماتَ الَّذِي عمَّ البريَّةَ فقْدُهُ ... وَقَامَ الَّذِي يكفيكَ مَنْ يُتَفَقَّدُ وقال أيضًا: تَخْفَى المُلوك لموسى عندَ طلعتِهِ ... مثلَ النُّجومِ لقَرنِ الشمسِ إِذْ طَلَعَا وليس خَلقٌ يَرَى بدرًا وطلعتَهُ ... منَ البَريَّةِ إِلَّا ذَلَّ أَو خَضَعا وقال أيضًا: لولا الخليفةُ مُوسَى بَعْدَ والِدِهِ ... مَا كَانَ للنَّاسِ مِنْ مَهْدِيّهمْ خلَفُ أَلا ترَى أمّةَ الأُمِّيِّ وَاردَةً ... كأَنَّهَا من نَوَاحِي البَحْرِ تَغترفُ مِنْ راحَتَيْ مَلِكٍ قد عَمَّ نائلهُ ... كأَنَّ نائله مِنْ جودِهِ سَرَفُ

стр. 5018

وذكر إدريس بن أبي حفصة أن مَرْوان بن أبى حفصة حدّثه، قال: لما ملك موسى الهادي دخلتُ عليه فأنشدته: إِنْ خُلِّدَتْ بعد الإِمامِ مُحَمّدٍ ... نَفْسِي لمَا فَرِحَتْ بِطُولِ بَقَائِهَا قال: ومدحت فقلت فيه: بِسَبْعِينَ أَلفًا شدَّ ظَهْرِي وَرَاشَنِي ... أبُوكَ وَقَدْ عايَنتُ مِنْ ذاك مَشْهَدا وَإنِّي أَميرَ المؤمنينَ لَوَاثِقٌ ... بأَلَّا يُرَى شرْبي لَدَيْكَ مُصَرَّدا فلما أنشدته قال: ومَنْ يبلغ مدى المهديّ! ولكنا سنبلغ رضاك. قال: وعاجلتْهُ المنيّة فلم يعطني شيئًا، ولا أخذتُ من أحد دِرْهمًا حتى قام الرشيد. وذكر هارون بن موسى الفَرَويّ، قال: حدّثنى أبو غُزِّية، عن الضحاك بن معن السُّلَميّ، قال: دخلت على موسى فأنشدته: يا مَنزِلَيْ شَجْوِ الْفؤادِ تَكلَّمَا ... فلَقَدْ أَرَى بِكما الرَّبابَ وكُلْثُما ما منزلانِ على التَّقادُم والبِلى ... أبكَى لِما تَحْتَ الجوانِح مِنْكُمَا رُدَّا السَّلامَ على كَبير شاقَهُ ... طلَلانِ قَدْ دَرسا فهاجَ فسَلِّمَا قال: ومدحته فيها، فلما بلغت: سَبْط الأَناملِ بالفَعالِ أَخالُه ... أنْ ليْسَ يَترُكُ في الخزائنِ دِرْهَمَا التفت إلى أحمد الخازن، فقال: ويحك يا أحمد! كأنّه نظر إلينا البارحة، قال: وكان قد أخرج تلك الليلة مالًا كثيرًا ففرّقه. وذُكِر عن إِسحاق الموصليّ - أو غيره - عن إبراهيم، قال: كنّا يومًا عند موسى، وعنده ابن جامع ومُعاذ بن الطيب - وكان أوّل يوم دخل علينا مُعاْذ، وكان مُعاذ حاذقًا بالأغاني، عارفًا بقدِيمها - فقال: مَنْ أطربني منكم فله حُكمه، فغنّاه ابنُ جامع غِنَاءً فلم يحرّكه، وفهمتُ غرضه في الأغاني، فقال هات يا إبراهيم، فغنيتُه: سُليمَى أَجْمَعَتْ بينَا ... فأَينَ نقُولُها أَيْنَا! فطرب حتى قام من مجلسه، ورفع صوته، وقال: أعِد، فأعدتُ، فقال: هذا غرضي فاحْتَكِمْ، فقلت: يا أميرَ المؤمنين، حائط عبد الملك وعينه الخرّارة، فدارت عيناه في رأسه حتى صارتا كأنهما جَمْرتان، ثم قال: يا بن

стр. 5019

اللّخناء، أردت أن تُسمع العامة أنك أطربتَني وأنّي حكّمتك فأقطعتك! أما والله لولا بادرةُ جهلك التي غلبتْ على صحيح عقلك لضربتُ الذي فيه عيناك. ثم أطرق هُنيهة، فرأيت ملَك الموت بيني وبينه ينتظر أمرَه. ثم دعا إبراهيم الحرّانيّ فقال: خذ بيَد هذا الجاهل فأدخله بيت المال، فليأخذ منه ما شاء، فأدخلني الحَرّانِيّ بيتَ المال، فقال: كم تأخذ؟ قلت: مائة بَدْرة، قال: دعني أؤامره، قال: قلت: فثمانين، قال: حتى أؤامره، فعملت ما أراد، فقلت: سبعين بدرةً لي، وثلاثين لك، قال: الآن جئت بالحق، فشأنَك. فانصرفتُ بسبعمائة ألف وانصرف ملك الموت عن وجهي. وذكر عليّ بن محمد، قال: حدّثني صالح بن عليّ بن عطيَّة الأضخم عن حَكَم الواديّ، قال كان الهادي يشتهي من الغناء الوسَط الذي يقلّ ترجيعُه، ولا يبلغ أن يستخفّ به جدًّا. قال: فبينا نحن ليلة عنده، وعنده ابنُ جامع والموصليّ والزبير بن دَحْمان والغَنويّ إذ دعا بثلاثِ بُدور وأمرَ بهنّ فوُضِعن في وسط المجلس، ثم ضمَّ بعْضَهُنّ إلى بعض، وقال: مَنْ غناني صوتًا في طريقي الذي أشتهيه، فهنّ له كلهنّ. قال: وكان فيه خُلُق حسن، كان إذا كره شيئًا لم يوقِّفْ عليه، وأعرض عنه. فغناه ابنُ جامع، فأعرض عنه، وغنّى القوم كلهم، فأقبل يعرض حتى تغنّيت، فوافقت ما يشتهي، فصاح: أحسنت أحسنت! اسقوني، فشرب وطرب، فقمت فجلست على البُدور، وعلمت أني قد حَويتها، فحضر ابنُ جامع، فأحسن المحضر، وقال: يا أميرَ المؤمنين، هو والله كما قلتَ، وما منّا أحد إلا وقد ذهب عن طريقك غيرُه، قال: هي لك، وشرب حتى بلغ حاجَته على الصوت، ونهض، فقال: مُروا ثلاثة من الفرّاشين يحملونها معه، فدخل وخرجنا نمشي في الصحن منصرفين، فلحقني ابنُ جامع، فقلت: جُعلت فداك يا أبا القاسم! فعلتَ ما يفعل مثلُك في نسبك، فانظر فيها بما شئت. فقال: هنأك الله، وَدِدْنا أنا زِدناك. ولحقَنا الموصليّ، فقال: أجزنا، فقلت: ولمَ لمْ تحسن محضرك! لا والله ولا درهمًا واحدًا. وذكر محمد بن عبد الله، قال: قال لي سعيد القارئ العلّاف - وكان صاحبَ أبان القارئ: إنه كان عند موسى جلساؤه، فيهم الحرّاني وسعيد بن سلم وغيرُهما، وكانت جارية لموسى تسقيهم، وكانت ماجنةً، فكانت تقول لهذا:

стр. 5020

يا جلفِيّ، وتعبث بهذا وهذا، ودخل يزيد بن مزيد فسمع ما تقول لهم، فقال لها: والله الكبير، لئن قلتِ لي مثل ما تقولين لهم لأضربنّك ضربة بالسيف، فقال لها موسى: ويلك! إنه والله يفعل ما يقول، فإياك. قال: فأمسكت عنه ولم تعابثْه قطّ. قال: وكان سعيد العلّاف وأبان القارئ إباضيين. وذكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن داود الكاتب، قال: حدّثني ابن القداح، قال: كانت للربيع جارية يقال لها أمَة العزيز، فائقة الجمال، ناهدة الثَّدييْن، حسنة القوام، فأهداها إلى المهديّ، فلما رأى جمالها وهيئتها، قال: هذه لموسى أصلح، فوهبها له، فكانت أحبَّ الخلق إليه، وولدت له بنيه الأكابر. ثم إنّ بعض أعداء الربيع قال لموسى: إنه سمع الرَّبِيع يقول: ما وضعتُ بيني وبين الأرض مثل أمَة العزيز، فغار موسى من ذلك غيْرَةً شديدة، وحلف لَيَقْتُلن الربيع، فلما استخلف دعا الرَّبيع في بعض الأيام، فتغدَّى معه وأكرمه، وناوله كأسًا فيها شراب عسل، قال: فقال الربيع: فعلمت أنّ نفسي فيها، وأنِّي إن رددتُ الكأس ضَرب عنقي، مع ما قد علمت أن في قلبه عليّ من دخولي على أمهِ، وما بلغه عني، ولم يسمع مني عذرًا. فشربتها. وانصرف الرَّبيع إلى منزله، فجمع ولده، وقال لهم: إني ميِّت في يومي هذا أو من غد، فقال له ابنه الفضل: ولم تقول هذا جعلت فداك! فقال: إنّ موسى سقاني شربة سمّ بيده، فأنا أجد عملَها في بدني، ثم أوصى بما أراد، ومات في يومه أو من غده. ثمّ تزوج الرشيد أمة العزيز بعد موت موسى الهادي، فأولدها عليّ بن الرشيد. وزعم الفضل بن سليمان بن إسحاق الهاسميّ أنّ الهادي لما تحوّل إلى عيساباذ في أوّل السنة - التي ولي الخلافة فيها، عزل الرَّبيع عما كان يتولّاه من الوزارة وديوان الرسائل، وولى مكانه عمر بن بزيع، وأقرّ الربيع على الزمام، فلم يزل عليه إلى أن تُوُفِّيَ الربيع، وكانت وفاته بعد ولاية الهادي بأشهر، وأوذن بموته فلم يحضر جِنازته، وصلى عليه هارون الرشيد، وهو يومئذ وليّ عهد، وولّي موسى مكان الربيع إبراهيم بن ذاكوان الحرانيّ، واستخلف على ما تولاه إسماعيل بن صُبيح، ثم عزله واستخلف يحيى بن سليم، وولّى إسماعيل زمام ديوان الشأم وما يليها. وذكر يحيى بن الحسن بن عبد الخالق، خال الفضل بن الربيع، أنّ أباه

стр. 5021

حدّثه، أن موسى الهادي قال: أريد قتل الربيع، فما أدري كيف أفعل به! فقال له سعيد بن سلم: تأمر رجلًا باتّخاذ سكين مسموم، وتأمره بقتله، ثم تأمر بقتل ذلك الرجل. قال: هذا الرّأي، فأمر رجلًا فجلس له في الطريق، وأمره بذلك، فخرج بعض خلفاء الربيع، فقال له: إنه قد أمر فيك بكذا وكذا، فأخذ في غير ذلك الطريق، فدخل منزله، فتمارض، فمرِض بعد ذلك ثمانية أيام، فمات مِيتة نفسه. وكانت وفاته سنة تسع وستين ومائة، وهو الربيع بن يونس. * * *

стр. 5022

خلافة هارون الرشيد وأما البرامكة فإنها - فيما ذُكِر - تزعم أنّ الرشيد وُلد أول يوم من المحرم سنة تسع وأربعين ومائة، وكان الفضل بن يحيى ولد قبله بسبعة أيام، وكان مولد الفضل لسبع بقين من ذي الحجة سنة ثمان وأربعين ومائة، فجعِلت أمّ الفضل ظئرًا للرشيد، وهي زينب بنت منير، فأرضعت الرّشيد بلِبان الفضل، وأرضعت الخيزُران الفضل بلِبان الرّشيد. وذكر سليمان بن أبي شيخ أنه لمّا كان الليلة التي تُوفِّيَ فيها موسى الهادي أخرج هَرْثمةُ بن أعين هارون الرشيد ليلًا فاقعده للخلافة، فدعا هارونُ يحيى بن خالد بن برمك - وكان محبوسًا، وقد كان عزم موسى على قتله وقَتْل هارون الرشيد في تلك الليلة - قال: فحضر يحيى، وتقلّد الوزارة، ووجّه إلى يوسف بن القاسم بن صبيح الكاتب فأحضره، وأمره بإنشاء الكتُب، فلما كان غداةَ تلك الليلة، وحضر القوّاد قام يوسف بن القاسم، فحمِد الله وأثنى عليه وصلى على محمد ﷺ ، ثم تكلم بكلام أبلغ فيه، وذكر موت موسى وقيام هارون بالأمر من بعده، وما أمر به للنّاس من الأعطيات. وذكر أحمد بن القاسم، أنه حدّثه عمّه عليّ بن يوسف بن القاسم هذا الحديث، فقال: حدّثنِي يزيد الطبريّ مولانا أنه كان حاضرًا يحمل دواة أبي يوسف ابن القاسم، فحفِظ الكلام. قال: قال بعد الحمد لله والصلاة على النبيّ ﷺ : إن الله بمنِّه ولطفه منَّ عليكم معاشر أهل بيت نبيّه بيت الخلافة ومعدن الرسالة، وآتاكم أهل الطاعة من أنصار الدّوْلة وأعوان الدّعوة، من نِعَمِهِ التي لا تحصى بالعدد، ولا تنقضي مدى الأبد، وأياديه التافة، أنْ جمع أُلفتكم وأعلى أمركم، وشدّ عَضُدكم، وأوهن عدوّكم، وأظهر كلمة الحقّ، وكنتم

стр. 5023

أوْلى بها وأهلها، فأعزّكم الله وكان قويًّا عزيزًا، فكنتم أنصارَ دين الله المرتضى والذابِّين بسيفه المنتضَى، عن أهل بيت نبيِّه ﷺ . وبكم استنقذهم من أيدي الظَّلمة، أئمة الجوْر، والناقضين عهد الله، والسافكين الدّمَ الحرام، والآكلين الفيء، والمستأثرين به، فاذكروا ما أعطاكم الله من هذه النِّعمة، واحذروا أن تغيّروا فيغيِّر بكم. وإن الله جل وعزّ استأثر بخليفته موسى الهادي الإمام، فقبضه إليه، وولّى بعده رَشيدًا مَرضيًّا أمير المؤمنين رؤوفًا بكم رحيمًا، من محسنكم قبولًا، وعلى مسيئكم بالعفو عطوفًا، وهو - أمتَعه الله بالنعمة وحفظ له ما استرعاه إياه من أمر الأمة، وتولّاه بما تولى به أولياءه وأهلَ طاعته - يعِدُكم من نفسه الرّأفة بكم، والرحمة لكم، وقسْم أعطياتكم فيكم عند استحقاقكم، ويبذل لكم من الجائزة مما أفاء الله على الخلفاء مما في بيوت الأموال ما ينوب عن رزق كذا وكذا شهرًا، غير مقاصّ لكم بذلك فيما تستقبلون من أعطياتكم، وحاملٌ باقي ذلك، للدّفْع عن حريمكم، وما لعلّه أن يحدث في النواحي والأقطار من العُصاة المارقين إلى بيوت الأموال، حتى تعودَ الأموال إلى جِمامها وكثرتها، والحال التي كانت عليها، فاحمدوا الله وجدِّدوا شكرًا يوجب لكم المزيد من إحسانه إليكم، بما جدّد لكم من رأي أمير المؤمنين، وتفضّل به عليكم، أيّده الله بطاعته. وارغبوا إلى الله له في البقاء، ولكم به في إدامة النعماء، لعلكم ترحمون. وأعطُوا صَفْقة أيمانكم، وقوموا إلى بَيْعتكم، حاطكم الله وحاط عليكم، وأصلح بكم وعلى أيديكم، وتولّاكم ولاية عباده الصالحين. وذكر يحيى بن الحسن بن عبد الخالق، قال: حدثني محمد بن هشام المخزوميّ، قال: جاء يحيى بن خالد إلى الرّشيد وهو نائم في لِحاف بلا إزار، لمّا تُوفِّيَ موسى، فقال: قمْ يا أمير المؤمنين، فقال له الرّشيد: كم تروِّعني إعجابًا منك بخلافتي! وأنت تعلم حالي عند هذا الرجل، فإنْ بلغه هذا، فما تكون حالي! فقال له: هذا الحرّانيّ وزير موسى وهذا خاتمه. قال: فقعد في فراشه، فقال: أشرْ عليّ، قال: فبينما هو يكلَمه إذ طلع رسول آخر، فقال: قد وُلد لك غلام، فقال: قد سمَّيْتُه عبد الله، ثم قال ليحيى: أشر عليّ، فقال: أشير عليك أن تقعد لحالك على إرمينيَة، قال: قد فعلت، ولا والله لا صليت بعيساباذ إلّا عليها، ولا صليت الظهر إلا ببغداد، وإلا ورأس أبي عصمة بين

стр. 5024

يديّ. قال: ثم لبس ثيابه، وخرج فصلّى عليه، وقدَّم أبا عصمة، فضرب عنقه، وشَدّ جُمَّته في رأس قناة، ودخل بها بغداد، وذلك أنه كان مضى هو وجعفر بن موسى الهادي راكبين. فبلغا إلى قنطرة من قناطر عيساباذ، فالتفت أبو عصمة إلى هارون، فقال له: مكانك حتى يجوز وليّ العهد، فقال هارون: السمع والطاعة للأمير، فوقف حتى جاز جعفر، فكان هذا سبب قتل أبي عصمة. قال: ولما صار الرشيد إلى كرسيّ الجسر دعا بالغوّاصين، فقال: كان المهديّ وهَب لي خاتمًا شراؤه مائة ألف دينار يسمّى الجبَل، فدخلتُ على أخي وهو في يدي، فلما انصرفتُ لحقني سليم الأسود على الكرسيّ. فقال: يأمرُك أمير المؤمنين أن تعطيني الخاتم، فرميت به في هذا الموضع، فغاصوا، فأخرجوه، فسُرّ به غاية السرور. قال محمد بن إسحاق الهاشميّ: حذثني غير واحد من أصحابنا، منهم صبّاح بن خاقان التميميّ، أن موسى الهادي كان خلع الرشيد وبايع لابنه جعفر، وكان عبدُ الله بن مالك على الشُّرَط، فلما تُوُفِّيَ الهادي هجم خزيمة بن خازم في تلك الليلة، فأخذ جعفرًا من فراشه، وكان خزيمة في خمسة آلاف من مواليهم معهم السلاح، فقال: والله لأضربنَّ عنقك أو تخلَعها، فلما كان من الغدِ، ركب الناس إلى باب جعفر، فأتى به خزيمة، فأقامه على باب الدار في العُلوّ، والأبواب مغلقة، فأقبل جعفر ينادي: يا معشرَ المسلمين، منْ كانت لي في عنقه بيعة فقد أحللتُه منها، والخلافة لعمِّي هارون، ولا حقّ لي فيها. وكان سببُ مشي عبد الله بن ملك الخُزاعيّ إلى مكّة على اللّبود، لأنه كان شاور الفقهاء في أيْمانه التي حلَف بها لبيعة جعفر، فقالوا له: كل يمين لك تخرج منها إلا المشي إلى بيت الله، ليس فيه حيلة. فحجّ ماشيًا. وحظيَ خزيمة بذلك عند الرّشيد. وذُكر أن الرشيد كان ساخطًا على إبراهيم الحرانيّ وسلّام الأبرش يوم مات موسى، فأمر بحبسهما وقبْض أموالهما، فحبِس إبراهيم عند يحمص بن خالد في دارِه، فكلّم فيه محمدُ بن سليمان هارونَ، وسأله الرضا عنه وتخليةَ سبيله، والإذن له في الانحدار معه إلى البصرة، فأجابه إلى ذلك. * * *

стр. 5025

وفيها قلَّد الرشيد يحيى بن خالد الوزارةَ، وقال له: قد قلّدتُك أمر الرّعيّة، وأخرجته من عنقي إليك، فاحكم في ذلك بما ترى من الصواب، واستعملْ مَنْ رأيتَ، واعزل مَنْ رأيت، وأمض الأمور على ما ترى. ودفع إليه خاتمه (١) ففي ذلك يقول إبراهيم الموصليّ: أَلمْ تَرَ أَن الشَّمْس كانتْ سَقيمةً ... فلمَا ولي هارونُ أَشْرَقَ نُورُها بيُمنِ أَمين اللهِ هارونَ ذي النَّدَى ... فهارونُ وَاليها وَيَحْيى وزيرُها (٢) وكانت الخيزُران هي الناظرة في الأمور، وكان يحيى يعرض عليها ويصدُر عن رأيها. وفيها أمر هارون بسهْم ذوي القربى، فقسّم بين بني هاشم بالسّوِيّة. وفيها آمن مَنْ كان هاربًا أو مستخفيًا، غير نفر من الزنادقة، منهم يونس بن فروة ويزيد بن الفيض. وكان ممّن ظهر من الطالبيين طبَاطبَا، وهو إبراهيم بن إسماعيل، وعليّ بن الحسن بن إبراهيم بن عبد الله بن الحسن. وفيها عزل الزشيد الثغور كلها عن الجزيرة وقنَّسرين، وجعلها حيّزًا واحدًا وسميت العواصم. * * * ثم دخلت سنة إحدى وسبعين ومائة ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث فممّا كان فيها من ذلك قدوم أبي العباس الفضل بن سليمان الطوسيّ مدينةَ السلام منصرِفًا عن خُراسان، وكان خاتمُ الخلافة حين قدم مع جعفر بن

стр. 5026

محمد بن الأشعث، فلما قدم أبو العباس الطوسي أخذه الرّشيد منه، فدفعه إلى أبي العباس، ثمّ لم يلبث أبو العباس إلّا يسيرًا حتى تُوُفِّيَ. فدفع الخاتم إلى يحيى بن خالد، فاجتمعت ليحيى الوزارتان. وفيها قتل هارون أبا هُرَيرة محمد بن فرّوخ - وكان على الجزيرة - فوجّه إليه هارون أبا حنيفة حَرْب بن قيس، فقدم به عليه مدينة السَّلام، فضرب عنقه في قصر الخُلْد. ثم دخلت سنة اثنتين وسبعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك شخوص الرّشيد فيها إلى مَرْج القلعة مرتادًا بها منزلًا ينزله. * ذكر السبب في ذلك: ذكر أن الذي دعاه إلى الشخوص إليها أنه استثقل مدينة السلام، فكان يسميها البُخار، فخرج إلى مَرْج القلعة، فاعتلّ بها، فانصرف، وسُمّيت تلك السفرة سَفْرة المرتاد (١). وفيها وضع هارون عن أهل السواد العُشْر الذي كان يؤخذ منهم بعد النصف (٢). ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث [ذكر خبر وفاة محمد بن سليمان] فمن ذلك وفاة محمد بن سليمان بالبصرة، لليال بقين من جمادى الآخرة منها (٣).

стр. 5027

وذُكِر أنّه لما مات محمد بن سليمان وجَّه الرشيد إلى كلّ ما خلَّفه رجلًا أمره باصطفائه، فأرسل إلى ما خلّف من الصّامت من قبَل صاحب بيت ماله رجلًا، وإلى الكسوة بمثل ذلك، وإلى الفرُش والرّقيق والدوابّ من الخيل والإبل، وإلى الطيِّب والجوهر وكلّ آلة برجلٍ من قِبَل الذي يتولّى كلّ صنف من الأصناف، فقدِموا البَصْرة، فأخذوا جميعَ ما كان لمحمد ممّا يصلح للخلافة، ولم يتركوا شيئًا إلا الخُرْثِيّ الذي لا يصلح للخلفاء، وأصابوا له ستّين ألف ألف، فحملوها مع ما حُمِل، فلما صارت في السُّفنُ أخبِر الرشيد بمكان السُّفن التي حملت ذلك، فأمر أن يُدْخَل جميعُ ذلك خزائنه إلا المال، فإنه أمر بصكاك فكُتبت للنُّدماء، وكتبت للمغنّين صِكاك صغار لم تُدَرْ في الديوان، ثم دفع إلى كلّ رجل صَكًّا بما رأى أن يَهَب له، فأرسلوا وكلاءهم إلى السفن، فأخذوا المال على ما أمر لهم به في الصِّكاك أجمع، لم يدخل منه بيتَ ما له دينار ولا درهم، واصطفى ضياعه، وفيها ضيعة يقال لها بَرَشيد بالأهواز لها غلَّة كثيرة. وذكر عليّ بن محمد، عن أبيه، قال: لما مات محمد بن سليمان أصيب في خِزانة لباسه مذ كان صبيًّا في الكُتَّاب إلى أن مات مقادير السنين، فكان من ذلك ما عليه آثار النِّقْس. قال: وأخرج من خِزانته ما كان يُهدَى له من بلاد السِّند ومُكران وكِرْمان وفارسَ والأهواز واليمامة والرّيّ وعُمان، من الألطاف والأدْهان والسّمك والحبوب والجبن، وما أشبه ذلك، ووجِد أكثره فاسدًا. وكان من ذلك خمسمائة كَنْعَدَة ألقيَتْ من دار جعفر ومحمد في الطريق، فكانت بلاءً. قال: فمكثنا حينًا لا نستطيع أن نمرّ بالمِرْبَد من نتنها (١). * * * ذكر الخبر عن وقت وفاتها (الخيزُران) ذكر يحيى بن الحسن أن أباه حدّثه، قال: رأيتُ الرّشيد يوم ماتت الخيزُران، وذلك في سنة ثلاث وسبعين ومائة، وعليه جُبة سعيديّة وطيلسان خَرِقٌ أزرق، قد شُدّ به وسطُه، وهو آخذ بقائمة السرير حافيًا يعدُو في الطين، حتى أتى مقابر قُريش فغسل رجليه، ثم دعا بخُفّ وصلّى عليها، ودخل قبرها، فلما خرج من

стр. 5028

المقبرةُ وُضع له كرسيّ فجلس عليه، ودعا الفضل بن الربيع، فقال له: وحق المهديّ - وكان لا يحلف بها إلا إذا اجتهد - إني لأهمّ لك من الليل بالشيء من التولية وغيره، فتمنعني أمي فأطيع أمرها، فخذ الخاتم من جعفر. فقال الفضل بن الربيع لإسماعيل بن صُبَيح: أنا أجلّ أبا الفضل عن ذلك، بأن أكتب إليه وآخذه، ولكن إن رأى أن يبعث به (١). قالَ: وولي الفضل نفقات العامة والخاصة وبادُوريا والكُوفة، وهي خمسة طساسيج، فأقْبَلَتْ حاله تنمى إلى سنة سبع وثمانين ومائة. وقيل إن وفاة محمد بن سليمان والخيزُران كانت في يوم واحد. * * * ثم دخلت سنة أربع وسبعين ومائة ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث فمن ذلك ما كان بالشأم من العصبيَّة فيها (٢). وفيها هلك رَوْح بن حاتم. وفيها خرج الرشيد إلى باقِرْدَى وبازَبْدَى، وبنى بباقِرْدَى قصرًا، فقال الشاعر في ذلك: بِقردَى وبَازَبْدَى مَصيفٌ ومَرْبَعٌ ... وعَذْبٌ يُحاكِي السلسبيلَ بَرودُ وبَغدادُ، ما بَغدادُ، أَمّا تُرابُها ... فَخُرْءٌ، وأَما حَرّها فَشَديدُ ثم دخلت سنة خمس وسبعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث [ذكر الخبر عن البيعة للأمين] (٣) فمن ذلك عقْد الرشيد لابنه محمد بمدينة السلام من بعده ولايةَ عهد

стр. 5029

المسلمين وأخذه له بذلك بيعة القوّاد والجند، وتسميته إياه الأمين، وله يومئذ خمس سنين، فقال سلْم الخاسر: قد وفَّقَ اللهُ الخليفةَ إِذ بنى ... بيْتَ الخليفِةِ لِلْهجَانِ الأَزهَرِ فهو الخليفةُ عن أَبيه وجدِّهِ ... شَهدًا عَليه بِمَنظرٍ وبمخبرِ قد بايَعَ الثقلان في مهْدِ الهُدى ... لمحمَّدِ بن زُبَيْدَةَ ابنَةِ جعفر (١) * ذكر الخبر عن سبب بيعة الرشيد له: وكان السبب في ذلك - فيما ذكر رَوْح مولى الفضل بن يحيى بن خالد - أنه رأى عيسى بن جعفر قد صار إلى الفضْل بن يحيى، فقال له: أنشِدك الله لما عملت في البيعة لابن أختي - يعني محمد بن زبيدة بنت جعفر بن المنصور - فإنه ولدٌ لك وخلافته لك، فوعده أن يفعل، وتوجّه الفضل على ذلك، وكانت جماعة من بني العباس قد مدّوا أعناقَهم إلى الخلافة بعد الرشيد، لأنه لم يكن له وليّ عهد، فلما بايع له، أنكروا بيعتَه لصغر سنّه. قال: وقد كان الفضل لما تولّى خُراسان أجمع على البيعة لمحمد، فذكر محمد بن الحسين بن مصعب أن الفضْل بن يحيى لمّا صار إلى خُراسان، فرّق فيهم أموالًا، وأعطى الجند أعطياتٍ متتابعات، ثم أظهر البيعة لمحمد بن الرشيد، فبايع الناس له وسماه الأمين، فقال في ذلك النَّمري: أَمسَتْ بمروَ على التوفيقِ قد صَفَقَتْ ... على يدِ الفضل أَيدِي العُجْم والعربِ ببيعةٍ لِوليّ العهد أحكَمَها ... بالنّصح منه وبالإشفاقِ والحدَبِ قَدْ وكَّد الفضلُ عقدًا لا انتقاض له ... لمصطفى من بني العباس مُنتَخَب قال: فلما تناهى الخبرُ إلى الرّشيد بذلك، وبايع له أهل المشرق، بايع لمحمدٍ، وكتب إلى الآفاق، فبويع له في جميع الأمصار، فقال أبان اللاحقيّ في ذلك: عَزَمْتَ أَمير المؤمنين على الْرُّشْدِ ... برَأيِ هُدىً، فالحمدُ للهِ ذِي الحمدِ * * *

стр. 5030

وقال الواقديّ: الذي غزا الصائفة في هذه السنة عبد الملك بن صالح، قال: وأصابهم في هذه الغزاة برد قَطَع أيديَهم وأرجُلهم (١). * * * ثم دخلت سنة ست وسبعين ومائة ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث ذكر الخبر عن مخرج يحيى بن عبد الله وما كان من أمره (٢). ذكر أبو حفص الكِرمانيّ، قال: كان أوّل خبر يحيى بن عبد الله بن حسن بن حسن بن عليّ بن أبي طالب أنه ظهر بالدّيْلم، واشتدّت شوكته، وقويَ أَمرُه، ونزع إليه الناس من الأمصار والكُور، فاغتمّ لذلك الرّشيد، ولم يكن في تلك الأيام يشرب النّبيذ، فندب إليه الفضلَ بن يحيى في خمسين ألف رجل، ومعه صناديد القوّاد، وولّاه كور الجبال والرَّيّ وجُرجان وطَبَرِستان وقومِس ودُنْبَاوند والرُّويان، وحُملت معه الأموال، ففرّق الكور على قوّاده، فولَّى المثنّى بن الحجاج بن قتيبة بن مسلم طَبَرِستان، وولّى عليّ بن الحجاج الخُزأعيّ جُرجان، وأمر له بخمسمائة ألف درهم، وعسكر بالنَّهرين، وامتدحه الشعراء، فأعطاهم فأكثر، وتوسل إليه الناس بالشعر، ففرَّق فيهم أموالًا كثيرة. وشخص الفضلُ بن يحيى، واستخلف منصور بن زياد بباب أمير المؤمنين، تجرِي كتبه على يديه، وتنفذ الجوابات عنها إليه، وكانوا يثقون بمنصور وابنه في جميع أمورهم، لقديم صحبته لهم، وحرمته بهم. ثُّم مضى من معسكره، فلم تزل كتب الرشيد تتابع إليه بالبِرّ واللطف والجوائز والخِلَع، فكاتب يحيى ورفَق به واستماله، وناشده وحذَّره، وأشار عليه، وبسط أمله، ونزل الفضل بطالَقان الريّ وَدسْتَبى بموضع يقال له أشبّ، وكان شديدَ البرد كثير الثلوج، ففي ذلك يقول أبان بن عبد الحميد اللاحقيّ: لَدُورُ أَمْسَ بالدُولا ... بِ حيثُ السِّيبُ يَنعرجُ

стр. 5031

أحبُّ إليَّ مِنْ دور ... أَشَبَّ إِذا همُ ثَلَجُوا قال: فأقام الفضل بهذا الموضع، وواترَ كتبه على يحيى، وكاتب صاحب الدّيْلم، وجعل له ألف ألف درهم، على أن يسهّل له خروج يحيى إلى ما قبله، وحملت إليه، فأجاب يحيى إلى الصلح والخروج على يديه، على أن يكتب له الرشيد أمانًا بخطِّه على نسخة يبعث بها إليه. فكتب الفضل بذلك إلى الرشيد، فسَرّه وعظُم موقعه عنده، وكتب أمانًا ليحيى بن عبد الله، وأشهد عليه الفقهاء والقضاة وجِلّة بني هاشم ومشايخهم، منهم عبد الصمد بن عليّ والعباس بن محمد ومحمد بن إبراهيم وموسى بن عيسى ومَنْ أشبههم، ووجَّه به مع جوائز وكَرامات وهدايا، فوجّه الفضل بذلك إليه، فقدم يحيى بن عبد الله عليه، وورد به الفضل بغداد، فلقيه الرّشيد بكلّ ما أحبّ، وأمر له بمال كثير، وأجرى له أرزاقًا سنتة، وأنزله منزلًا سريًّا بعد أن أقام في منزل يحيى بن خالد أيامًا، وكان يتولَّى أمرَه بنفسه، ولا يَكِلُ ذلك إلى غيره، وأمر الناس بإتيانه بعد انتقاله من منزل يحيى والتسليم عليه، وبلغ الرشيد الغايَة في إكرام الفضل، ففي ذلك يقول مَرْوان بن أبي حفصة: ظَفِرتَ فلا شَلَّتْ يدٌ بَرْمَكيَّةٌ ... رَتَقْتَ بها الفَتْقَ الذي بين هاشِم على حين أَعْيَا الراتقينَ التِئامُهُ ... فكَفُّوا وقَالُوا لَيَس بالمتلائم فأَصْبَحْتَ قَد فازَتْ يداك بخُطَّةٍ ... من المجدِ باقٍ ذكرها في الْمَوَاسِم وما زالَ قِدْحُ المُلك يَخْرُجُ فائزًا ... لكمْ كلَّما ضُمَّتْ قِداحُ المُساهِمِ قال: وأنشدني أبو ثُمامة الخطيب لنفسه فيه: للفضل يومُ الطَّالَقَانِ وقبلهُ ... يومٌ أَناخَ بهِ على خاقانِ ما مثلُ يَوْمَيْهِ اللَّذيْن تَواليَا ... في غَزْوَتَيْن تَوَالتَا يَوْمَان سَدَّ الثغُور وَردَّ أُلفَةَ هاشِمٍ ... بعدَ الشَّتاتِ، فَشَعْبُها مُتَدَان عصمَتْ حكومَتُهُ جَمَاعَةَ هاشِمٍ ... مِنْ أَنْ يُجَرَّد بينها سَيْفَان تِلْكَ الْحكومةُ لَا التي عن لَبْسها ... عَظُمَ النَّبَا وتفرّقَ الحكَمانِ فأعطاه الفضل مائة ألف درهم، وخلع عليه، وتغنّى إبراهيم به. وذكر أحمد بن محمد بن جعفر، عن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن حسن بن حسن، قال: لما قدِم يحيى بن عبد الله من الدّيْلم أتيتُه، وهو في دار

стр. 5032

عليّ بن أبي طالب، فقلت: يا عمّ، ما بعدك مُخْبِر ولا بعدي مخْبَر، فأخبِرْني خبرَك، فقال: يا بن أخي، والله إن كنت إلَا كما قال حُيَيّ بن أخطب: لعمْركَ ما لام ابنُ أَخطَب نفسَهُ ... ولكنّهُ من يَخذُلِ اللهُ يُخذَل لجَاهَدَ حتى أَبلغَ النفس حَمْدَها ... وقلقلَ يَبغي العِزَّ كلَّ مقلقَل وذكر الضّبيّ أن شيخًا من النوفليّين، قال: دخلنا على عيسى بن جعفر، وقد وُضِعت له وسائد بعضها فوق بعض، وهو قائم متّكئ عليها، وإذا هو يضحك من شيء في نفسه، متعجِّبًا منه، فقلنا: ما الذي يُضحك الأمير أدام الله سروره! قال: لقد دخلني اليوم سرورٌ ما دخلني مثله قطّ، فقلنا: تمم الله للأمير سروره، وزاده سرورًا. فقال: والله لا أحدّثكم به إلا قائمًا - واتكأ على الفرش وهو قائم - فقال: كنت اليومَ عند أمير المؤمنين الرّشيد، فدعا بيحيى بن عبد الله، فأخْرِج من السجن مكبَّلًا في الحديد، وعنده بكَّار بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير - وكان بكّار شديدَ البغض لآل أبي طالب، وكان يبلغ هارون عنهم، ويسيء بأخبارهم، وكان الرّشيد ولاه المدينة، وأمره بالتضييق عليهم - قال: فلما دُعِيَ بيحيى قال له الرّشيد: هيهْ هيهْ! متضاحكًا، وهذا يزعم أيضًا أنا سممناه! فقال يحيى: ما معنى يزعم؟ ها هُو ذا لساني - قال: وأخرج لسانه أخضرَ مثل السِّلق - قال: فتربّد هارون! واشتدّ غضبُه، فقال يحيى: يا أميرَ المؤمنين، إن لنا قرابة ورحِمًا، ولسنا بتُرْكٍ ولا ديْلم، يا أمير المؤمنين، إنا وأنتم أهلُ بيت واحد، فأذكِّرك اللهَ وقرابتَنا من رسول الله ﷺ ! علام تَحْبِسني وتعذّبني؟ قال: فرقّ له هارون، وأقبل الزُّبيري على الرّشيد، فقال: يا أمير المؤمنين، لا يغرّك كلام هذا، فإنه شاقٌّ عاصٍ، وإنما هذا منه مكر وخُبث، إنّ هذا أفسد علينا مدينتنا، وأظهر فيها العصيان. قال: فأقبل يحيى عليه، فوالله ما استأذن أمير المؤمنين في الكلام حتى قال: أفسِد عليكم مدينتَكم! ومَنْ أَنتم عافاكم الله! قال الزّبيريّ: هذا كلامه قدّامك، فكيف إذا غاب عنك! يقول: ومَنْ أنتم! استخفافًا بنا. قال: فأقبل عليه يحيى، فقال: نعم، ومَنْ أنتم عافاكم الله! المدينة كانت مهاجرَ عبد الله بن الزّبير أمْ مهاجَر رسول الله ﷺ ؟ ومَنْ أنت حتى تقول: أفسد علينا مدينتنا! وإنما بآبائي وآباء هذا هاجر أبوك إلى المدينة. ثم قال: يا أميرَ المؤمنين، إنما الناس نحن وأنتم، فإن خرجنا عليكم قلنا: أكلتم وأجعتمونا،

стр. 5033

ولبستم وأعريتمونا، وركبتم وأرجلتمونا، فوجدنا بذلك مقالًا فيكم، ووجدتم بخروجنا عليكم مقالًا فينا، فتكافأ فيه القول، ويعود أمير المؤمنين على أهله بالفَضْل. يا أمير المؤمنين، فلمَ يجترئ هذا وضرباؤه على أهل بيتك، يسعى بهم عندك! إنه والله ما يَسعى بنا إليك نصيحةً منه لك، وإنه يأتينا فيسعى بك عندنا عن غير نصيحة منه لنا، إنما يريد أن يباعِد بيننا، ويشتفي من بعض ببعض. والله يا أميرَ المؤمنين، لقد جاء إليّ هذا حيث قُتِل أخي محمد بن عبد الله، فقال: لعن الله قاتله! وأنشدني فيه مرثيةً قالها نحوًا من عشرين بيتًا، وقال: إن تحرَّكتَ في هذا الأمر فأنا أوّل مَنْ يبايعك، وما يمنعك أن تلحق بالبصرة، فأيدينا مع يدك! قال: فتغيّر وجه الزّبيريّ واسودّ، فأقبل عليه هارون، فقال: أيّ شيء يقول هذا؟ قال: كاذب يا أميرَ المؤمنين، ما كان ممّا قال حرف. قال: فأقبل على يحيى بن عبد الله، فقال: تروِي القصيدةَ التي رثاه بها؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، أصلحك الله! قال: فأنشدها إياه، فقال الزّبيريّ: والله يا أميرَ المؤمنين الذي لا إله إلا هو - حتى أتى على آخر اليمين الغَمْوس - ما كان مما قال شيء، ولقد تقوّل عليّ ما لم أقل. قال: فأقبل الرّشيد على يحيى بن عبد الله، فقال: قد حلَف، فهل من بيّنة سمعوا هذه المرثية منه؟ قال: لا يا أمير المؤمنين، ولكن أستحلفه بما أريد، قال: فاستحلفْه، قال: فأقبل على الزبيريّ، فقال: قل: أنا بريء من حوْل الله وقوّته موكّل إلى حولي وقوّتي، إن كنت قلتُه. فقال الزبيريّ: يا أميرَ المؤمنين، أيّ شيء هذا من الحلف! أحلف له بالله الذي لا إله إلا هو، ويستحلفني بشيء لا أدري ما هو! قال يحيى بن عبد الله: يا أميرَ المؤمنين، إن كان صادقًا فما عليه أن يحلف بما أستحلفه به! فقال له هارون: احلِفْ له ويلك! قال: فقال: أنا بريء من حول الله وقوّته موكّل إلى حولي وقوّتي، قال: فاضطرب منها وأرعِد، فقال يا أميرَ المؤمنين، ما أدري أيّ شيء هذه اليمين التي يستحلفني بها، وقد حلفت له بالعظيم أعظم الأشياء! قال: فقال هارون له: لتحلفنّ له أو لأصدّقنّ عليك ولأعاقبنَّك، قال: فقال: أنا بريء من حول الله وقوته، موكّل إلى حولي وقوّتي إن كنت قلته. قال: فخرج من عند هارون فضربه الله بالفالج، فمات من ساعته.

стр. 5034

قال: فقال عيسى بن جعفر: والله ما يسرّني أن يحيى نقصه حرفًا ممّا كان جرى بينهما، ولا قصّر في شيء من مخاطبته إياه. قال: وأما الزبيريّون فيزعمون أن امرأته قتلته، وهي من ولد عبد الرحمن بن عوف (١). وذكر إسحاق بن محمد النَّخعيّ أنّ الزبير بن هشام حدّثه عن أبيه، أن بكّار بن عبد الله تزوّج امرأةً من ولد عبد الرحمن بن عوف، وكان له من قلبها موضع، فاتّخذ عليها جارية، وأغارها، فقالت لغلامين له زِنجييّن: إنه قد أراد قتلكما هذا الفاسق - ولاطَفتْهما - فتعاوناني على قتله؟ قالا: نعم، فدخلتْ عليه وهو نائم، وهما جميعًا معها، فقعدا على وجهه حتى مات. قال: ثم إنها سقتهما نبيذًا حتى تهوّعا حول الفراش، ثم أخرجتهما ووضعت عند رأسه قنِّينة، فلما أصبح اجتمع أهلُه، فقالت: سكر فقاء فشرِق فمات. فأخِذ الغلامان، فضُرِبا ضربًا مبرّحًا، فأقرّا بقتله، وأنّها أمرتهما بذلك، فَأخرِجت من الدار ولم تُوَرّثْ. وذكر أبو الخطاب أنّ جعفر بن يحيى بن خالد حدّثه ليلة وهو في سَمَرِه، قال: دعا الرّشيد اليومَ بيحيى بن عبد الله بن حسن، وقد حضره أبو البختريّ القاضي ومحمد بن الحسن الفقيه صاحب أبي يوسف، وأحضر الأمان الذي كان أعطاه يحيى، فقال لمحمد بن الحسن: ما تقول في هذا الأمان؟ أصحيح هو؟ قال: هو صحيح، فحاجّه في ذلك الرشيد، فقال له محمد بن الحسن: ما تصنع بالأمان؟ لو كان محاربًا ثم وُلِّيَ كان آمنًا. فاحتملها الرشيد على محمد بن الحسن، ثم سأل أبا البختريّ أن ينظر في الأمان، فقال أبو البختريّ: هذا منتقَض من وجه كذا وكذا، فقال الرشيد: أنت قاضي القضاة، وأنت أعلم بذلك، فمزّق الأمان، وتفل فيه أبو البختريّ - وكان بكّار بن عبد الله بن مصعب حاضرًا المجلس - فأقبل على يحيى بن عبد الله بوجْهِه، فقال: شققتَ العصا، وفارقت الجماعة، وخالفت كلمتنا، وأردت خليفتنا، وفعلت بنا وفعلت. فقال يحيى: ومَنْ أنتم رحمكم الله! قال جعفر: فوالله ما تمالَك الرشيد أن ضحك ضحكًا شديدًا. قال: وقام يحيى ليمضي إلى الحبس، فقال له الرّشيد: انصرف،

стр. 5035

أما تروْن به أثر علة! هذا الآن إن مات قال الناس: سَمّوه. قال يحيى: كلّا ما زلتُ عليلًا منذ كنت في الحبس، وقبل ذلك أيضًا كنت عليلًا. قال أبو الخطاب: فما مكث يحيى بعد هذا إلا شهرًا حتى مات (١). وذكر أبو يونس إسحاق بن إسماعيل، قال: سمعتُ عبد الله بن العباس بن الحسن بن عبيد الله بن العباس بن عليّ، الذي يعرف بالخطيب، قال كنتُ يومًا على باب الرّشيد أنا وأبي، وحضر ذلك اليوم من الجُنْد والقُوّاد ما لم أر مثلهم على باب خليفة قبله ولا بعده، قال: فخرج الفضل بن الربيع إلى أبي، فقال له: ادخل، ومكث ساعة ثم خرج إليّ، فقال: ادخل، فدخلتُ فإذا أنا بالرّشيد معه امرأة يكلمها، فأومأ إليّ أبي أنه لا يريد أن يدخل اليوم أحد، فاستأذنتُ لك لكثرةِ مَنْ رأيتُ حضر الباب، فإذا دخلتَ هذا المدخل زادك ذلك نُبْلًا عند الناس. فما مكثنا إلا قليلًا حتى جاء الفضل بن الربيع، فقال: إن عبد الله بن مصعب الزبيريّ يستأذن في الدخول، فقال: إنِّي لا أريد أن أدخِل اليوم أحدًا، فقال: قال: إنّ عندي شيئًا أذكره. فقال: قل له يَقُلْهُ لك، قال: قد قلت له ذلك، فزعم أنه لا يقوله إلّا لك، وقال: أدخِله. وخرج ليُدخله، وعادت المرأة وشغل بكلامها، وأقبل عليّ أبي، فقال: إنّه ليس عنده شيء يذكره، وإنما أراد الفضل بهذا ليوهم مَنْ على الباب أنّ أمير المؤمنين لم يدخلنا لخاصّة خُصِصنا بها، وإنما أدخلنا لأمرٍ نُسأل عنه كما دخل هذا الزبيريّ. وطلع الزّبيريّ، فقال: يا أمير المؤمنين، ها هنا شيء أذكره، فقال له: قل، فقال له: إنه سرٌّ، فقال: ما من العباس سِرّ، فنهضت، فقال: ولا منك يا حبيبي، فجلست، فقال: قُلْ، فقال: إني والله قد خفت على أمير المؤمنين من امرأته وبنته وجاريته التي تنام معه، وخادمه الذي يناوله ثيَابه وأخصّ خلق الله به من قوّاده، وأبعدهم منه. قال: فرأيتُه قد تغيّر لونه، وقال: مماذا؟ قال: جاءتني دعوة يحيى بن عبد الله بن حسن، فعلمت أنها لم تبلغني مع العداوة بيننا وبينهم، حتى لم يبقِ على بابك أحدًا إلا وقد أدخله في الخلاف عليك. قال: فتقول له هذا في وجهه! قال: نعم، قال الرشيد: أدخِلْه، فدخل، فأعاد القول

стр. 5036

الذي قاله له، فقال يحيى بن عبد الله: والله يا أمير المؤمنين لقد جاء بشيء لو قيل لمن هو أقلّ منك فيمن هو أكبر مني، وهو مقتدر عليه لما أفلت منه أبدًا، ولي رحِم وقرابة، فلم لا تؤخّر هذا الأمر ولا تعجّل، فلعلك أن تكفى مؤنتي بغير يدك ولسانك، وعسى بك أن تقطع رحِمك من حيث لا تعلمه! أباهِلُهُ بين يديك وتصبر قليلًا. فقال: يا عبد الله، قم فصلِّ إن رأيت ذلك، وقام يحيى فاستقبل القبلة، فصلَّى ركعتين خفيفتين، وصلى عبد الله ركعتين، ثم برَك يحيى، ثم قال: ابْرُك، ثم شبّك يمينَه في يمينه، وقال: اللهمّ إن كنت تعلم أني دعوتُ عبد الله بن مصعب إلى الخلاف على هذا - ووضع يده عليه، وأشار إليه - فاسحتْني بعذاب من عندك وكِلْني إلى حوْلي وقوّتي، وإلا فكِله إلى حَوْله وقوّته، واسحته بعذاب من قبلك، آمين ربّ العالمين. فقال عبد الله: آمين ربّ العالمين، فقال يحيى بن عبد الله لعبد الله بن مصعب: قل كما قلت، فقال عبدُ الله: اللهمّ إن كنت تعلم أن يحيى بن عبد الله لم يدعُني إلى الخلاف على هذا فكِلْني إلى حولي وقوّتي واسحتني بعذاب من عندك، وإلا فكله إلى حوله وقوته، واسحته بعذاب من عندك. آمين رب العالمين! . وتفرّقا، فأمر بيحيى فحبِس في ناحية من الدار، فلما خرج وخرج عبد الله بن مصعب أقبل الرشيد على أبي، فقال: فعلتُ به كذا وكذا، وفعلتُ به كذا وكذا، فعدد أياديه عليه، فكلّمه أبي بكلمتين لا يدفع بهما عن عصفور، خوفًا على نفسه، وأمرنا بالانصراف فانصرفنا. فدخلت مع أبي أنزعُ عنه لباسَه من السواد - وكان ذلك من عادتي - فبينما أنا أحلّ عنه منطقته، إذ دخل عليه الغلام، فقال: رسولُ عبد الله بن مصعب، فقال أدخِلْه، فلما دخل قال له: ما وراءك؟ قال: يقول لك مولاي، أنشدك الله إلّا بلغتَ إليّ! فقال أبي للغلام: قل له: لم أزل عند أمير المؤمنين إلى هذا الوقت، وقد وجّهتُ إليك بعبد الله، فما أردتَ أن تلقيَه إليّ فألقه إليه، وقال للغلام: اخرج فإنه يخرج في أثرك، وقال لي: إنّما دعاني ليستعين بي على ما جاء به من الإفك، فإن أعَنْتُه قطعت رحِمي من رسول الله ﷺ ، وإن خالَفته سعى بي، وإنما يتدرّق الناس بأولادهم، ويتّقون بهم المكاره، فاذهب إليه، فكلّ ما قال لك فليكنْ جوابك له أخْبِرُ أبي، فقد وجّهتك وما آمن عليك، وقد كان قال لي أبي حين انصرفنا - وذاك أنا احتبسنا

стр. 5037

عند الرّشيد: أمَا رأيتَ الغلام المعترض في الدّار! لا والله ما صُرِفْنا حتى فرغ منه - يعني يحيى - إنا لله وإنا إليه راجعون! وعند الله نحتسب أنفسنا. فخرجت مع الرسول، فلما صرْتُ في بعض الطريق وأنا مغموم بما أقدُم عليه، قلت للرسول: ويحك! ما أمْرُه! وما أزعجه بالإرسال إلى أبي في هذا الوقت! فقال: إنّه لما جاء من الدار، فساعة نزل عن الدابة صاح: بطني بطني! ! . قال عبد الله بن عباس: فما حفلتُ بهذا الكلام من قوِل الغلام، ولا التفت إليه، فلما صرنا على باب الدرب - وكان في درب لا منفذ له - فتح البابين، فإذا النّساء قد خرجْنَ منشوراتِ الشعور محْتزمات بالحبال، يلطمن وجوههنّ وينادين بالوَيْل، وقد مات الرجل، فقلت: والله ما رأيتُ أمرًا أعجبَ من هذا! وعطفت دابَتي راجعًا أركض ركضًا لم أركض مثله قبله ولا بعده إلى هذه الغاية، والغلمان والحشَم ينتظرونني لتعلُّق قلب الشيخ بي، فلما رأوْني دخلوا يتعادَوْن، فاستقبلني مرعوبًا في قميصٍ ومنديل، ينادي: ما وراءك يا بني؟ قلت: إنه قد مات، قال: الحمد لله الذي قتله وأراحك وإيّانا منه، فما قطع كلامه حتى ورد خادم الرّشيد يأمر أبي بالركوب وإيّاي معه. فقال أبي ونحن في الطريق نسير: لو جاز أن يُدَّعى ليحيى نبوّة لادّعاها أهلُه، رحمة الله عليه، وعند الله نحتسبه! ولا والله ما نشكّ في أنه قد قتل. فمضينا حتى دخلنا على الرِّشيد، فلما نظر إلينا قال: يا عباس بن الحسن، أما علمت بالخبر؟ فقال أبي: بلى يا أمير المؤمنين، فالحمد لله الذي صرعه بلسانه، ووَقاك الله يا أمير المؤمنين قَطْع أرحامِك. فقال الرّشيد: الرجل والله سليم على ما يحبّ، ورفع الستر، فدخل يحيى، وأنا والله أتبينُ الارتياع في الشيّخ، فلما نظر إليه الرشيد صاح به: يا أبا محمد، أما علمت أن الله قد قتل عدّوك الجبار! قال: الحمدُ لله الذي أبان لأمير المؤمنين كذب عدوّه عليّ، وأعفاه من قطع رحمه، والله يا أميرَ المؤمنين، لو كان هذا الأمر مما أطلبه وأصلحُ له وأريده فكيف ولَسْتُ بطالب له ولا مُريده، ولو لم يكن الظفر به إلّا بالاستعانة به، ثم لم يبق في الدنيا غيري وغيرك وغيره ما تقوّيت به عليك أبدًا! وهذا والله من إحدى آفاتك - وأشار إلى الفضل بن الربيع - والله لو وهبتَ له عشرة آلاف درهم، ثم طمع منّي في زيادة تمرة لباعَك بها. فقال: أمّا العباسيّ فلا تقل له إلا خيرًا، وأمر له في هذا اليوم بمائة ألف دينار، وكان حبسه بعض يوم.

стр. 5038

قال أبو يونس: كان هارون حبَسه ثلاث حبسات مع هذه الحبسة، وأوصل إليه أربعمائة ألف دينار. * * * [ذكر الفتنة بين اليمانية والنزارية] (١) وفي هذه السنة، هاجت العصبيّة بالشأم بين النزارّية واليمانية، ورأس النزاريّه يومئذ أبو الهيذام. * ذكر الخبر عن هذه الفتنة: ذُكر أن هذه الفتنة هاجت بالشأم وعامل السلطان بها موسى بن عيسى، فقتِل بين النزاريّة واليمانية على العصبيّة من بعضهم لبعض بشر كثير، فولّى الرشيدُ موسى بن يحيى بن خالد الشأم، وضمّ إليه من القوّاد والأجناد ومشايخ الكتّاب جماعة. فلما ورد الشأم أحِلَّتْ لدخوله إلى صالح بن عليّ الهاشمي، فأقام موسى بها حتى أصلح بين أهلها، وسكنت الفتنة، واستقام أمرُها، فانتهى الخبر إلى الرّشيد بمدينة السلام، وردّ الرّشيد الحكم فيها إلى يحيى، فعفا عنهم، وعمّا كان بينهم، وأقدمهم بغداد، وفي ذلك يقول إسحاق بن حسان الخُزيميّ: مَنْ مُبْلِغٌ يحيى ودون لقائهِ ... زأراتُ كلِّ خنابِسٍ هَمْهامِ يا راعيَ الإِسْلامِ غيرَ مُفَرِّطٍ ... في لِين مُغْتَبَطٍ وَطِيبِ مَشامِ تَعذَى مَشارِبهُ وتُسْقَى شربةً ... وَيَبيتُ بالرَّبَوات والأَعلام حتى تَنخَنَخَ ضاربًا بجِرَانهِ ... ورَسَتْ مَراسيهِ بدار سلام فلكلّ ثَغر حارِسٌ من قلبهِ ... وَشُعاعُ طَرفٍ ما يُفَتَّرُ سام وقال في موسى غيرُ أبي يعقوب: قد هاجَت الشأمُ هَيْجًا ... يُشيب راسَ وَليدهْ فَصُبَّ موسى عليها ... بخيله وجُنُودِهْ فَدانَتِ الشأمُ لمّا ... أَتى نسيجَ وَحيدهْ هو الجوادُ الذي ... بُذَّ كلُّ جُودٍ بجودِهْ

стр. 5039

أَعداهُ جودُ أَبيه ... يحيى وجودُ جُدوده فجادَ مُوسَى بن يحيى ... بطارفٍ وتَليدِه وَنالَ موسى ذرا المجـ ... دِ وَهوَ حَشوُ مُهُودِه خصصْتُهُ بمَديحي ... مَنثورِهِ وقَصيدِهْ مِنَ البرامك عودٌ ... له فأَكرِمْ بِعُودِهْ حووْا على الشعر طُرًّا ... خفيفِهِ ومَديدِهْ وفيها عزل الرشيد الغطريف بن عطاء عن خُراسان، وولّاها حمزة بن مالك بن الهيثم الخُزاعيّ، وكان حمزة يلقب بالعروس. * * * وفيها ولّى الرشيد جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك مصر، فولّاها عمر بن مِهران. ذكر الخبر عن سبب تولية الرشيد جعفرًا مصر وتولية جعفر عمر بن مهران إياها (١) ذكر محمد بن عمر أنّ أحمد بن مهران حدّثه أنّ الرّشيد بلغه أن موسى بن عيسى عازم على الخلْع - وكان على مصر - فقال: والله لا أعزله إلا بأخسّ مَنْ على بابي. انظروا لي رجلًا، فذكر عمر بن مِهْران - وكان إذ ذاك يكتب للخيزران، ولم يكتب لغيرها، وكان رجلًا أحوَل مشوَّه الوجه، وكان لباسه لباسًا خسيسًا، أرفعُ ثيابه طيلسانُه، وكانت قيمته ثلاثين درهمًا، وكان يشمِّر ثيابه ويقصّر أكمامه، ويركب بغلًا وعليه رَسَنٌ ولجام حديد، ويُردف غلامه خلفه - فدعا به، فولّاه مصر، خراجَها وضياعَها وحَرْبَها. فقال: يا أمير المؤمنين أتولّاها على شريطة، قال: وما هي؟ قال: يكون إذني إليّ، إذا أصلحتُ البلاد انصرفتُ. فجعل ذلك له، فمضى إلى مصر، واتصلت ولاية عمر بن مهران بموسى بن عيسى، فكان يتوقع قدومه، فدخل عمر بن مهران

стр. 5040

مصرَ على بغل، وغلامه أبو دُرّة على بغل ثقل، فقصد دار موسى بن عيسى والنّاسُ عنده، فدخل فجلس في أخْرَيات الناس، فلما تفرّق أهلُ المجلس، قال موسى بن عيسى لعمر: ألك حاجة يا شيخ؟ قال: نعم، أصلح الله الأمير! ثم قام بالكتب فدفعها إليه، فقال: يقدم أبو حفص، أبقاه الله! قال: فأنا أبو حفص، قال: أنت عمر بن مهران؟ قال: نعم، قال: لعن الله فرعون حين يقول: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ (١)، ثم سلّم له العمل ورحَل، فتقدّم عمر بن مهران إلى أبي دُرّة غلامه، فقال له: لا تقبل من الهدايا إلّا ما يدخل في الجِراب، لا تقبل دابّة ولا جارية ولا غلامًا، فجعل الناس يبعثون بهداياهم، فجعل يردّ ما كان من الألطاف، ويقبل المال والثياب، ويأتي بها عمر، فيوقّع عليها أسماء مَنْ بعث بها، ثم وضع الجباية، وكان بمصر قومٌ قد اعتادوا المطْل وكَسْر الخراج، فبدأ برجل منهم، فلوَاه، فقال: والله لا تؤدي ما عليك من الخراج إلّا في بيت المال بمدينة السلام إن سلمت، قال: فأنا أؤدي، فتحمّل عليه، فقال: قد حلفتُ ولا أحنث، فأشخصه مع رجلين من الجند - وكان العمّال إذ ذاك يكاتبون الخليفة - فكتب معهم إلى الرشيد: إنّي دعوت بفلان بن فلان، وطالبته بما عليه من الخراج، فلواني واستنظرني، فأنظرته ثم دعوته، فدافع ومال إلى الإلطاط، فآليت ألا يؤدِّيَه إلا في بيت المال بمدينة السلام، وجملة ما عليه كذا وكذا، وقد أنفذته مع فلان بن فلان وفلان بن فلان، من جند أمير المؤمنين، من قيادة فلان بن فلان، فإن رأى أمير المؤمنين أن يكتب إليّ بوصوله فعل إن شاء الله تعالى. قال: فلم يلوه أحدٌ بشيء من الخراج، فاستأدى الخراج، النّجم الأول والنجم الثاني، فلما كان في النّجم الثالث، وقعت المطالبة والمطْل، فأحضر أهل الخراج والتّجار فطالبهم، فدافعوه وشكوْا الضِّيقة، فأمر بإحضار تلك الهدايا التي بُعث بها إليه، ونظر في الأكياس وأحضر الجِهبْذ، فوزن ما فيها وأجزاها عن أهلها، ثم دعا بالأسفاط، فنادى على ما فيها، فباعها وأجزى أثمانها عن أهلها. ثم قال: يا قوم، حفظت عليكم هداياكم إلى وقت حاجتكم إليها، فأدُّوا إلينا ما لنا، فأدّوْا إليه حتى أغلق مال مصر، فانصرف ولا يُعلم أنه

стр. 5041

أغلق مال مصر غيره، وانصرف، فخرج على بغل، وأبو درّة على بغل - وكان إذنه إليه (١). * * * وغزا الصائفةَ في هذه السنة عبدُ الرحمن بن عبد الملك، فافتتح حصنًا (٢). * * * ثم دخلت سنة سبع وسبعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث وكان فيها - فيما ذكر الواقديّ - ريح وظلمة وحُمرة ليلة الأحد لأربع ليالٍ بقين من المحرّم، ثم كانت ظلمة ليلة الأربعاء، لليلتين بقيتَا من المحرَّم من هذه السنة، ثم كانت ريح وظلمة شديدة يوم الجمعة لليلة خلت من صفر (٣). ثم دخلت سنة ثمان وسبعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فممّا كان فيها من ذلك وثوب الحوْفيَّة بمصر؛ من قيس وقضاعة وغيرهم بعامل الرشيد عليهم إسحاقَ بن سليمان، وقتالهم إياه، وتوجيه الرّشيد إليه هرثمَة ابن أعيَن في عدّة من القواد المضمومين إليه مددًا لإسحاق بن سليمان؛ حتى أذعن أهل الحَوْف، ودخلوا في الطاعة، وأدّوْا ما كان عليهم من وظائف السّلطان - وكان هرثمة إذ ذاك عامِلَ الرشيد على فِلسطين - فلما انقضى أمر الحَوْفيَّة صرف هارون إسحاق بن سليمان عن مصر، وولّاها هرثمة نحوًا من شهر، ثم صرفه وولّاها عبد الملك بن صالح (٤).

стр. 5042

وفيها كان وثوب أهل إفريقيّة بعبدويه الأنباريّ ومَنْ معه من الجند هنالك، فقتِل الفضل بن رَوْح بن حاتم، وأُخرِج مَن كان بها من آل المهلّب، فوجه الرشيد إليهم هرثمة بن أعين، فرجعوا إلى الطاعة. وقد ذكر أن عبدويه هذا لمَّا غلب على إفريقيّة، وخلع السلطان، عظم شأنه وكثر تبعُه، ونزع إليه الناس من النواحي، وكان وزير الرشيد يومئذ يحيى بن خالد بن برمك، فوجَّه إليه يحيى بن خالد بن برمك يقطين بن موسى ومنصور بن زيَّاد كاتبه؛ فلم يزل يحيى بن خالد يتابع على عبدويه الكتب بالترغيب في الطاعة والتخويف للمعصية والإعذار إليه والإطماع والعِدَة حتى قبل الأمان، وعاد إلى الطاعة وقدم بغداد، فوفى له يحيى بما ضمِن له وأحسن إليه، وأخذ له أمانًا من الرشيد، ووصله ورأّسه. وفي هذه السنة فوّض الرشيد أمورَه كلها إلى يحيى بن خالد بن برمك (١). [ولاية الفضل بن يحيى على خراسان وسيرته بها] وفيها شخص الفضل بن يحيى إلى خُراسان واليًا عليها، فأحسنَ السيرة بها، وبنى بها المساجد والرِّباطات. وغزا ما وراء النهر، فخرج إليه خاراخره ملك أشر وسَنة؛ وكان ممتنعًا (٢). وذكر أن الفضل بن يحيى اتّخذ بخراسان جندًا من العجم سماهم العباسيّة، وجعل ولاءهم لهم، وأن عدّتهم بلغت خمسمائة ألف رجل، وأنه قدم منهم بغداد عشرون ألف رجل، فسمُّوا ببغداد الكرَنبيَّة، وخلّف الباقي منهم بخُراسان على أسمائهم ودفاترهم؛ وفي ذلك يقول مروان بن أبي حفصة: ما الفضلُ إِلا شهابٌ لا أفولَ له ... عندَ الحروب إِذا ما تَأفُلُ الشُّهُبُ حَامٍ على مُلكِ قومِ عزّ سَهْمُهُمُ ... منَ الوراثةِ في أَيديهمُ سببُ أَمستْ يَدٌ لبني ساقِي الحجيج بِها ... كتائبٌ ما لها في غيرهم أَرَبُ

стр. 5043

كتائبٌ لبني العباسِ قد عَرَفَت ... ما أَلَّفَ الفضلُ منها العجْمُ والعرَب أَثبَتَّ خمسَ مئين في عِدادهم ... من الأُلوفِ التي أَحْصت لك الكتب يُقارعون عن القومِ الذين هُمُ ... أَولى بأَحمَدَ في الفرقان إِن نُسِبوا إِن الجوادَ ابن يحيى الفضلَ لا ورِقٌ ... يبقى على جُود كفَّيْهِ ولا ذهبُ ما مرّ يوم له مُذ شد مِئزَرَهُ ... إِلّا تَمَوّلَ أَقوام بما يَهبُ كم غايةٍ في الندى والبأْسِ أحرَزَها ... للطّالبينَ مدَاها دونها تَعَبُ يعطِي اللُّهَى حِينَ لا يُعطِي الجَوادُ وَلا ... يَنْبو إِذا سُلَّتِ الْهِنْدِيَّةُ القُضُب وَلا الرِّضا والرِّضَا لله غايَتُه ... إِلى سِوى الحَقِّ يَدْعوهُ وَلا الغَضَبُ قَدْ فاضَ عُرْفُك حتى ما يُعادِلهُ ... غَيْثٌ مُغيث وَلا بَحرٌ له حَدَبُ قال: وكان مرْوان بن أبي حفصة قد أنشد الفضلَ في معسكره قبل خروجه إلى خراسان: أَلم تَرَ أَنَّ الجودَ مِنْ لدْن آدَمٍ ... تَحَدَّرَ حَتى صارَ في راحَةِ الفَضلِ إِذا ما أَبو العَبّاسِ راحت سَماؤُه ... فيا لكَ مِنْ هَطْل ويَا لكَ مِنْ وَبْل إِذا أمُّ طِفلٍ راعَها جوعُ طِفلِها ... دَعَتُهُ بإِسْمِ الفَضلِ فاستَعصمَ الطفل ليحْيَا بِكَ الإِسلامُ إِنَّكَ عِزُّهُ ... وَإِنَّكَ مِن قَومٍ صغيرُهُمُ كهْلُ وذكر محمد بن العباس أن الفضل بن يحيى أمر له بمائة ألف درهم، وكساه وحمله على بغلة. قال: وسمعته يقول: أصَبتُ في قَدْمَتي هذه سبعمائة ألف درهم. وفيه يقول: تخَيَّرْتُ للمدْح ابنَ يحيى بْن خالدِ ... فحَسْبي وَلم أَظلِمْ بِأَنْ أَتَخيَّرا له عادَةٌ أَنْ يَبْسُطَ العَدْلَ والنَّدَى ... لِمَن ساسَ من قحطانَ أَوْ مَنْ تَنَزّرا إِلى المِنبَرِ الشرقيِّ سارَ وَلم يزَلْ ... له وَالدٌ يَعلو سَريرًا وَمِنبَرَا يُعَدُّ ويَحيى البَرْمكيّ وَلا يُرَى ... لَدَى الدَّهْرِ إِلا قائدًا أَو مُومَّرا ومدحه سلْم الخاسر، فقال: وَكَيفَ تخافُ مِن بؤسٍ بدارٍ ... تَكَنَّفَها البَرامكَةُ البُحُورُ وقَوْمٌ مِنهُمُ الفَضلُ بْنُ يحيى ... نَفيرٌ مَا يُوازنُهُ نَفيرُ لهُ يومانِ: يَوْم ندىً وبأْسٍ ... كأَنَّ الدَّهْرَ بَينَهُما أَسيرُ إِذا ما البَرْمَكِيُّ غدَا ابنَ عَشرٍ ... فَهِمَّتُهُ وَزيرٌ أَوْ أَميرُ

стр. 5044

وذكر الفضل بن إسحاق الهاشميّ أن إبراهيم بن جبريل خرج مع الفضل بن يحيى إلى خُراسان وهو كاره للخروج، فأحفظ ذلك الفضلَ عليه. قال إبراهيم: فدعاني يومًا بعد ما أغفلني حينًا، فدخلت عليه؛ فلما صرت بين يديْه سلّمت، فما ردّ عليّ، فقلت في نفسي: شَرّ والله - وكان مضطجعًا، فاستوى جالسًا - ثم قال: ليفرخْ روْعك يا إبراهيم، فإنّ قدرتي عليك تمنعني منك؛ قال: ثم عقد لي على سجِسْتان، فلمّا حملت خراجها، وهبه لي وزادني خمسمائة ألف درهم. قال: وكان إبراهيم على شُرَطه وحَرَسه، فوجّهه إلى كابُل، فافتتحها وغنم غنائم كثيرة. قال: وحدّثني الفضل بن العباس بن جبريل - وكان مع عمه إبراهيم - قال: وصل إلى إبراهيم في ذلك الوجه سبعة آلاف ألف، وكان عنده من مال الخراج أربعة آلاف ألف درهم، فلما قدم بغداد وبنى داره في البغيّين استزار الفضلَ ليريَه نعمته عليه، وأعدّ له الهدايا والطرَف وآنية الذهب والفضة، وأمر بوضع الأربعة الآلاف ألف في ناحية من الدار. قال: فلما قعد الفضل بن يحيى قدّم إليه الهدايا والطُّرَف، فأبى أن يقبل منها شيئًا، وقال له: لم آتك لأسلُبَك، فقال: إنها نعمتك أيها الأمير، قال: ولك عندنا مزيد، قال: فلم يأخذ من جميع ذلك إلا سوطًا سِجزيًّا، وقال: هذا من آلة الفرسان، فقال له: هذا المال من مال الخراج، فقال: هو لك، فأعاد عليه، فقال: أما لك بيت يسعه! فسوّغه ذلك، وانصرف. قال: ولما قدم الفضل بن يحيى من خُراسان خَرج الرّشيد إلى بستان أبي جعفر يستقبله، وتلقّاه بنو هاشم والناس من القوّاد والكتَّاب والأشراف، فجعل يصلُ الرجل بالألف ألف وبالخمسمائة ألف، ومدحه مرْوان بن أبي حفصة، فقال: حَمِدنا الذي أَدَّى ابْنُ يَحيىَ فأَصْبَحَتْ ... بِمَقَدمِهِ تجري لنا الطَّيْرُ أَسْعُدا وما هَجَعَتْ حتى رَأَتْهُ عُيونُنا ... ومَا زِلنَ حتى آبَ بالدَّمْع حُشَّدا لقَدْ صبَحَتْنا خَيلُهُ وَرجالُهُ ... بأَرْوَعَ بَذَّ الناسَ بأْسًا وَسُودَدا نفَى عَن خُراسانَ العَدُوَّ كما نَفى ... ضُحَى الصبْح جِلْبابَ الدجَى فَتَعَرَّدَا لقَدْ راعَ مَن أَمسَى بمَرْوَ مسيرُهُ ... إِلَينا، وقالوا شَعْبُنا قد تبَدّدا

стр. 5045

عَلَى حين أَلقَى قُفْلَ كلِّ ظلامَةٍ ... وَأَطْلَقَ بالعَفْوِ الأَسيرَ المقَيَّدَا وأَفْشى بِلَا مَنٍّ مع العَدْلِ فيهمُ ... أَيادِيَ عُرْفٍ باقِياتٍ وَعوَّدا فأَذهَبَ رَوْعاتِ المخاوفِ عنْهُمُ ... وَأَصْدَرَ باغي الأَمْنِ فيهِمْ وَأَورَدا وَأَجْدَى على الأَيتام فيهمْ بِعُرفِهِ ... فكانَ مِنَ الآباء أَحْنَى وَأَعْوَدا إذا الناسُ رَامُوا غايَةَ الفَضل في النَّدَى ... وَفِي البأْس أَلفَوْها مِنَ النَّجْمِ أَبْعَدا سما صاعِدًا بِالفَضل يحيى وخالدٌ ... إِلى كلِّ أَمر كانَ أَسْنَى وَأَمْجَدا يَلين لِمَنْ أَعطى الخَليفَةَ طاعَةً ... ويُسْقِي دمَ العاصِي الحسامَ المهنّدَا أَذلَّتْ معَ الشّرْكِ النّفاقَ سُيوفُهُ ... وَكانَتْ لأَهلِ الدّينِ عزًّا مُؤبَّدا وَشدَّ القُوَى مِن بَيْعةِ المُصْطَفى الذي ... على فضلِهِ عَهْدَ الخليفَة قُلِّدَا سميُّ النَّبيِّ الفاتحِ الخاتِم الذي ... بِهِ اللهُ أَعطى كلَّ خَيْر وَسَدَّدا أَبَحْتَ جِبالَ الكابُلِيّ ولم تَدَعْ ... بِهنَّ لِنيرانِ الضَّلالَةِ مُوقَدا فأَطْلَعتَها خَيْلًا وطِئنَ جُموعَهُ ... قتِيلًا ومَأْسورًا وَفَلًّا مُشرَّدا وعادَت على ابنْ البَرْم نَعمَاكَ بعدَما ... تحَوَّبَ مخذولًا يَرَى المَوتَ مُفردا وذكر العباس بن جرير، أن حفص بن مسلم - وهو أخو رزام بن مسلم، مولى خالد بن عبد الله القسريّ - حدّثه أنه قال: دخلت على الفضل بن يحيى مقدَمه خُراسان، وبين يديه بِدَرٌ تُفرّق بخواتيهما، فما فُضَّت بَدْرة منها، فقلت: كفى اللهُ بِالفضل بن يحيى بن خالدٍ ... وَجُودِ يدَيهِ بَخْلَ كلِّ بخيل قال: فقال لي مرْوان بن أبي حفصة: وددتُ أنِّي سبقتك إلى هذا البيت، وأن عليّ غرم عشرة آلاف درهم. * * * وغزا فيها الصّائفة معاوية بن زُفَر بن عاصم، وغَزا الشَّاتية فيها سليمان بن راشد، ومعه البيد بِطْريق صِقِلّيّة (١).
следующие страницы →